٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى صلوات الله عليه وذلك المؤمن من مكر فرعون بين في هذه الآية أنه ينصر رسله والذين آمنوا معه والثاني: لما بين من قبل ما يقع بين أهل النار من التخاصم وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون {أية : أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : [غافر: 50] أتبع ذلك بذكر الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة والثالث: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله {أية : مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } تفسير : [غافر: 4] وامتد الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً كانوا مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتصبيراً له على تحمل أذى قومه. ولما بلغ الكلام في تقرير المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية، أما في الدنيا فهو المراد بقوله {في الحياة الدنيا }، وأما في الآخرة فهو المراد بقوله {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } فحاصل الكلام أنه تعالى وعد بأنه ينصر الأنبياء والرسل، وينصر الذين ينصرونهم نصرة يظهر أثرها في الدنيا وفي الآخرة. واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه أحدها: النصرة بالحجة، وقد سمى الله الحجة سلطاناً في غير موضع، وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع، ونعم ما سمى الله هذه النصرة سلطاناً لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها وثانيها: أنهم منصورون بالمدح والتعظيم، فإن الظلمة وإن قهروا شخصاً من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحه عن ألسنة الناس وثالثها: أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم مملوءة من أنوار الحجة وقوة اليقين، فإنهم إنما ينظرون إلى الظلمة والجهال كما تنظر ملائكة السمٰوات إلى أخس الأشياء ورابعها: أن المبطلين وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين، ففي الغالب أن ذلك لا يدوم بل يكشف للناس أن ذلك كان أمراً وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق وخامسها: أن المحق إن اتفق له أن وقع في نوع من أنواع المحذور فذلك يكون سبباً لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته وسادسها: أن الظلمة والمبطلين كما يموتون تموت آثارهم ولا يبقى لهم في الدنيا أثر ولا خبر. وأما المحقون فإن آثارهم باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون في أعمال البر والخير ولمحنهم يتركون فهذا كله أنواع نصرة الله للمحقين في الدينا وسابعها: أنه تعالى قد ينتقم للأنبياء والأولياء بعد موتهم، كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل به سبعون ألفاً، وأما نصرته تعالى إياهم في الآخرة فذلك بإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله، كما قال: {أية : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69]. واعلم أن في قوله {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } إلى قوله {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } دقيقة معتبرة وهي أن السلطان العظيم إذا خص بعض خواصه بالإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب كان ذلك ألذ وأبهج فقوله {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا إِلَىٰ وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } المقصود منه هذه الدقيقة، واختلفوا في المراد بالأشهاد، والظاهر أن المراد كل من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا، وأما الأنبياء فقال تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] وقال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] قال المبرد يجوز أن يكون واحد الأشهاد شاهداً كأطيار وطائر وأصحاب وصاحب، ويجوز أن يكون واحد الأشهاد شهيداً كأشراف وشريف وأيتام ويتيم. ثم قال تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء لتأنيث المعذرة والباقون بالياء كأنه أريد الاعتذار. واعلم أن المقصود أيضاً من هذا شرح تعظيم ثواب أهل الثواب، وذلك لأنه تعالى بيّن أنه ينصرهم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، فحالهم في علو الدرجات في ذلك اليوم ما ذكرناه وأما حال أعدائهم فهو أنه حصلت لهم أمور ثلاثة أحدها: أنه لا ينفعهم شيء من المعاذير ألبتة وثانيها: أن {لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } وهذا يفيد الحصر يعني اللعنة مقصورة عليهم وهي الإهانة والإذلال وثالثها: سوء الدار وهو العقاب الشديد فهذا اليوم إذا كان الأعداء واقعين في هذه المراتب الثلاثة من الوحشة والبلية، ثم إنه خص الأنبياء والأولياء بأنواع التشريفات الواقعة في الجمع الأعظم فهنا يظهر أن سرور المؤمن كم يكون، وأن غموم الكافرين إلى أين تبلغ. فإن قيل قوله {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } تفسير : [المرسلات: 36] قلنا قوله {لاَّ تَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار، بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع، وهذا القدر لا يدل على أنهم ذكروه أم لا. وأيضاً فيقال يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر، ولما بين الله تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } ويجوز أن يكون المراد من الهدى ما آتاه الله من العلوم الكثيرة النافعة في الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون المراد تلك الدلائل القاهرة التي أوردها على فرعون وأتباعه وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد هو النبوّة التي هي أعظم المناصب الإنسانية، ويجوز أن يكون المراد إنزال التوراة عليه. ثم قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى لما أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العلم فيهم وتوارثوه خلفاً عن سلف، ويجوز أن يكون المراد سائر الكتب التي أنزلها الله عليهم وهي كتب أنبياء بني إسرائيل التوراة والزبور والإنجيل، والفرق بين الهدى والذكرى وأن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار منسياً، وأما الذكرى فهي الذي يكون كذلك فكتب أنبياء الله مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلٰهية المتقدمة. ولما بيّن أن الله تعالى ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى وخاطب بعد ذلك محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } فالله ناصرك كما نصرهم ومنجز وعده في حقك كما كان كذلك في حقهم، ثم أمره بأن يقبل على طاعة الله النافعة في الدنيا والآخرة فإن من كان لله كان الله له. واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية فوجب أن يكون مقدماً عليه في الذكر، أما التوبة عما لا ينبغي فهو قوله {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } والطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون به ونحن نحمله على التوبة عن ترك الأولى والأفضل، أو على ما كان قد صدر عنهم قبل النبوة، وقيل أيضاً المقصود منه محض التعبد كما في قوله {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } تفسير : [آل عمران: 194] فإن إيتاء ذلك الشيء واجب ثم إنه أمرنا بطلبه، وكقوله {أية : رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأنبياء: 112] من أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق، وقيل إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول فقوله {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } من باب إضافة المصدر إلى المفعول أي واستغفر لذنب أمتك في حقك، وأما الاشتغال بما ينبغي فهو قوله {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإِبْكَارِ } والتسبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، والعشي والإبكار، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر، وقيل الإبكار، عبارة عن أول النهار إلى النصف، والعشي عبارة عن النصف إلى آخر النهار، فيدخل فيه كل الأوقات، وقيل المراد طرفا النهار، كما قال: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [هود: 114] وبالجملة فالمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وأن لا يفتر اللسان عنه، وأن لا يغفل القلب عنه، حتى يصير الإنسان بهذا السبب داخلاً في زمرة الملائكة، كما قال في وصفهم {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20]، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: «رُسْلَنَا» والمراد موسى عليه السلام. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في موضع نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عام في الرسل والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما قَتَل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قُتِلوا. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: «الأَشْهَادُ» أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد والسدي: «الأَشْهَادُ» الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل: «الأَشْهَادُ» جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج: «الأَشْهَادُ» جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعاً أُدِّي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء: «وَيَوْمَ تَقُومُ الأَشْهَادُ» بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ردّ عن عِرْض أخيه المسلم كان حقاً على الله عز وجل أن يردّ عنه نار جهنم»تفسير : ثم تلا: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وعنه عليه السلام أنه قال: «حديث : من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة مَلَكاً يحميه من النار ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال»تفسير : .{يَوْمَ} بدل من يوم الأوّل. {لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} قرأ نافع والكوفيون «يَنْفَعُ» بالياء. الباقون بالتاء. {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} «اللَّعْنَةُ» البعد من رحمة الله و«سُوءُ الدَّارِ» جهنم. قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى والنور؛ وفي التنزيل: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} تفسير : [المائدة: 44]. {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة جعلناه لهم ميراثاً. {هُدًى} بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو هدى؛ يعني ذلك الكتاب. {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي موعظة لأصحاب العقول.
ابن كثير
تفسير : قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} سؤالاً، فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية، كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم، إما مهاجراً كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين: (أحدهما) أن يكون الخبر خرج عاماً، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة. (الثاني) أن يكون المراد بالنصر والانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبهم، أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم، وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود، فسلط الله تعالى عليهم الروم، فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إماماً عادلاً، وحكماً مقسطاً، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظمية، وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر، وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً، فقد بارزني بالحرب» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب» تفسير : ولهذا أهلك الله عز وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحداً، وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحداً، قال السدي: لم يبعث الله عز وجل رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن، حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها. وهكذا نصر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصاراً وأعواناً، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم، وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكاملها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله عز وجل، ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جل وعلا، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب،حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائماً منصوراً ظاهراً إلى قيام الساعة، ولهذا قال تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل، قال مجاهد: الأشهاد: الملائكة. وقوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} بدل من قوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} وقرأ آخرون {يومُ} بالرفع؛ كأنه فسره به { وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وهم المشركون {مَعْذِرَتُهُمْ} أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} أي: الإبعاد والطرد من الرحمة، {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} وهي النار، قاله السدي: بئس المنزل والمقيل، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي: سوء العاقبة. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} وهو ما بعثه الله عز وجل به من الهدى والنور، {وَأَوْرَثْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه؛ بما صبروا على طاعة الله تبارك وتعالى، واتباع رسوله موسى عليه الصلاة والسلام، وفي الكتاب الذي أورثوه، وهو التوارة، { هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} وهي العقول الصحيحة السليمة. وقوله عز وجل: {فَٱصْبِرْ} أي: يا محمد {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد، وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك، وقوله تبارك وتعالى: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} هذا تهييج للأمة على الاستغفار {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ} أي: في أواخر النهار وأوائل الليل {وَٱلإِبْكَـٰرِ} وهي أوائل النهار وأواخر الليل. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ} أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ} أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي: من حال مثل هؤلاء، {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} أو: من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان، هذا تفسير ابن جرير. وقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ} قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم آمراً له أن يستعيذ من فتنة الدجال، ولهذا قال عز وجل: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَٰدُ } جمع شاهد، وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إنا لننصُرُ رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} فيه قولان: أحدهما: بإفلاج حجتهم، قاله أبو العالية. الثاني: بالانتقام من أعدائهم قال السدي: ما قتل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله من ينتقم لهم فصاروا منصورين فيها وإن قُتلوا. {ويومَ يقَوم الأشْهاد} بمعنى يوم القيامة. وفي نصرهم قولان: أحدهما: بإعلاء كلمتهم وإجزال ثوابهم. الثاني: إنه بالانتقام من أعدائهم. وفي {الأشهاد} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الملائكة شهدوا للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب، قاله مجاهد والسدي. الثاني: انهم الملائكة والأنبياء، قاله قتادة. الثالث: أنهم أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد، قاله زيد بن أسلم ثم في {الأشهاد} أيضاً وجهان: أحدهما: جمع شهيد مثل شريف، وأشراف. الثاني: أنه جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. قوله عز وجل: {فاصبر إنَّ وعد الله حق} فيه قولان: أحدهما: هو ما وعد الله رسوله في آيتين من القرآن أن يعذب كفار مكة، قاله مقاتل. الثاني: هو ما وعد الله رسوله أن يعطيه المؤمنين في الآخرة، قاله يحيى بن سلام. {واستغفر لذنبك} اي من ذنب إن كان منك. قال الفضيل: تفسير الاستغفار أقلني. {وسبح بحمد ربِّك} قال مجاهد: وصَلِّ بأمر ربك. {بالعشي والإبكار} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها صلاة العصر والغداة، قاله قتادة. الثاني: أن العشي ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أول الفجر، قاله مجاهد. الثالث: هي صلاة مكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية، قاله الحسن. قوله عز وجل: {إنّ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي بغير حجة جاءتهم. {إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه} فيه قولان: أحدهما: أن اكبر العظمة التي في كفار قريش، ما هم ببالغيها، قاله مجاهد. الثاني: ما يستكبر من الاعتقاد وفيه قولان: أحدهما: هو ما أمله كفار قريش في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه أن يهلك ويهلكوا، قاله الحسن. الثاني: هو أن اليهود قالوا إن الدجال منا وعظموا أمره، واعتقدوا أنهم يملكون، وينتقمون، قاله أبو العالية. {فاستعذ بالله} من كبرهم. {إنه هو السميع} لما يقولونه {البصير} بما يضمرونه.
ابن عطية
تفسير : أخبر الله تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال بعض المفسرين: وهذا خاص فيمن أظهره الله على أمته كنوح وموسى ومحمد وليس بعام، لأنا نجد من الأنبياء من قتله قومه كيحيى ولم ينصر عليهم، وقال السدي: الخبر عام على وجهه، وذلك أن نصرة الرسل واقعة ولا بد، إما في حياة الرسول المنصور كنوح وموسى، وإما فيما يأتي من الزمان بعد موته، ألا ترى إلى ما صنع الله ببني إسرائيل بعد قتلهم يحيى من تسليط بختنصر عليهم حتى انتصر ليحيى، ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل، وأيضاً فقد جعل الله للمؤمنين الفضلاء وداً ووهبهم نصراً إذ ظلموا وحضت الشريعة على نصرهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رد عن أخيه المسلم في عرضه، كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم"تفسير : ، وقوله عليه السلام: "حديث : من حمى مؤمناً من منافق يغتابه، بعث الله ملكاً يحميه يوم القيامة ". تفسير : وقوله تعالى: {ويوم يقوم الأشهاد} يريد يوم القيامة. وقرأ الأعرج وأبو عمرو بخلاف "تقوم" بالتاء. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة: "يقوم" بالياء. و {الأشهاد}: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب. وقالت فرقة: أشهاد: جمع شهيد، كشريف وأشراف. و: {يوم لا ينفع} بدل من الأول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادة وعيسى وأهل مكة "لا تنفع" بالتاء من فوق. وقرأ الباقون: "لا ينفع" بالياء، وهي قراءة جعفر وطلحة وعاصم وأبي رجاء، وهذا لأن تأنيث المعذرة غير حقيقي، وأن الحائل قد وقع، والمعذرة: مصدر يقع كالعذر. و: {اللعنة}: الإبعاد. و: {سوء الدار} فيه حذف مضاف تقديره: سوء عاقبة الدار. ثم أخبر تعالى بقصة موسى وما أتاه من النبوة تأنيساً لمحمد عليه السلام، وضرب أسوة وتذكيراً لما كانت العرب تعرفه من أمر موسى، فيبين ذلك أن محمداً ليس ببدع من الرسل. و: {الهدى} النبوة والحكمة، والتوراة تعم جميع ذلك. وقوله: {وأورثنا} عبر عن ذلك بالوراثة إذ كانت طائفة بني إسرائيل قرناً بعد قرن تصير فيهم التوراة إماماً، فكان بعضهم يرثها عن بعض وتجيء التوراة في حق الصدر الأول منهم على تجوز. و: {الكتاب} التوراة. ثم أمر نبيه عليه السلام بالصبر وانتظار إنجاز الوعد أي فستكون عاقبة أمرك كعاقبة أمره. وقال الكلبي: نسخت آية القتال الصبر حيث وقع. وقوله تعالى: {واستغفر لذنبك} يحتمل أن يكون ذلك قبل إعلام الله إياه إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأن آية هذه السورة مكية، وآية سورة الفتح مدنية متأخرة، ويحتمل أن يكون الخطاب في هذه الآية له والمراد أمته، أي إنه إذا أمر بهذا فغيره أحرى بامتثاله. {والإبكار} والبكر: بمعنى واحد. وقال الطبري: {الإبكار} من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وحكي عن قوم أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى. وقال الحسن: {بالعشي}، يريد صلاة العصر {والإبكار}: يريد به صلاة الصبح. ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفار الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان وهم يريدون بذلك طمسها والرد في وجهها أنهم ليسوا على شيء، بل في صدورهم وضمائرهم كبر وأنفة عليك حسداً منهم على الفضل الذي آتاك الله، ثم نفى أن يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبر فقال: {ما هم ببالغيه} وهنا حذف مضاف تقديره: ببالغي إرادتهم فيه، وفي هذا النفي الذي تضمن أنهم لا يبلغون أملاً تأنيس لمحمد عليه السلام. ثم أمره تعالى الاستعاذة بالله في كل أمره من كل مستعاذ منه، لأن الله يسمع أقواله وأقوال مخالفيه. وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم، ويجازي كلاًّ بما يستوجبه، (والمقصد بأن يستعاذ منه عند قوم الكبر المذكور)، كأنه قال: هؤلاء لهم كبر لا يبغون منه أملاً، {فاستعذ بالله} من حالهم. وذكر الثعلبي: أن هذه الاستعاذة هي من الدجال وفتنته، والأظهر ما قدمناه من العموم في كل مستعاذ منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ} بإفلاج حججهم، أو بالانتقام لهم فما قتل قوم نبياً أو قوماً من دعاة الحق إلا بُعث من ينتقم لهم فصاروا منصورين في الدنيا وإن قتلوا {وَيَوْمَ يَقُومُ} بنصرهم في القيامة بإعلاء كلمتهم وإجزال ثوابهم، أو بالانتقام من أعدائهم {الأَشْهَادُ} الأنبياء شهدوا على الأنبياء بالإبلاغ وعلى أممهم بالتكذيب، أو الأنبياء والملائكة أو الملائكة والنبيون المؤمنون جمع شهيد كشريف وأشراف، أو جمع شاهد كصاحب وأصحاب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لا ينفع} على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم {تتذكرون} بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف. {ادعوني أستجب} بفتح الياء: ابن كثير. {سيدخلون} من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني {شيوخاً} بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد. الوقوف {الأشهاد} ه لا لأن {يوم} يدل من الأول {الدار} ه {الكتاب} ه لا {الألباب} ه {والأبكار} ه {أتاهم} لا لأن ما بعده خبر "إن" {ما هم ببالغيه} ج لاختلاف الجملتين {بالله} ط {البصير} ه {لا يعلمون} ه {ولا المسيء} ط {يتذكرون} ه {لا يؤمنون} ه {أستجب لكم} ط {داخرين} ه {مبصراً} ط {لا يشكرون} ه {شيء} لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر {إلا هو} ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام {يؤفكون} ه {يجحدون} ه {الطيبات} ط {العالمين} ه {الدين} ه {العالمين} ه {شيوخاً} ج لاختلاف الجملتين {تعقلون} ه {ويميت} ج لأجل الفاء مع الشرط {فيكون} ه {في آيات الله} ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر {يصرفون} ه ج لاحتمال كون {الذين} بدلاً من الضمير في {يصرفون} {رسلنا} قف إن لم تقف على {يصرفون} {يعلمون} ه لا لتعلق الظرف {والسلاسل} ط لأن ما بعده مستأنف. وقيل: {والسلاسل} مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم{يسجرون} ه ج للآية مع العطف {من دون الله} ط {شيئاً} ط {الكافرين} ه {تمرحون} ه {خالدين فيها} ج {المتكبرين} ه {حق} ه {للشرط} مع الفاء {يرجعون} ه {نقصص عليك} ط {بإذن الله} ج {المبطلون} ه {تأكلون} ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى {تحملون} ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف. {تنكرون} ه {من قبلهم} ط للفصل بين الاستخبار والأخبار {يكسبون} ه {يستهزؤن} ه {مشركين} ه {بأسنا} الثاني ط {في عباده} ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن {الكافرون} ه. التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل {فوقاه الله} وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال {إنا لننصر رسلنا} الآية. ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً. وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود". ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة. ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده. والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ. وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم مسلياً له بقوله {فاصبر إن وعد الله} بالنصر وإعلاء كلمة الحق {حق} كما قص عليك من حال موسى وغيره. ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً. والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام. قوله {إن الذين يجادلون} عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا. وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال {ما هم ببالغيه} ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك. ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله تعالى عليهم بقوله {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً {وما يستوي الأعمى والبصير} وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال {قليلاً ما تتذكرون} وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً. ثم صرح بوجود القيامة قائلاً {إن الساعة لآتية} أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها. ومعنى {لا يؤمنون} لا يصدّقون بالبعث. ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله {وقال ربكم ادعونى أستجب لكم} أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله سبحانه {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله {أية : إن يدعون من دونه إلا إناثاً}تفسير : [النساء: 117] روى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدعاء العبادة"تفسير : وقرأ هذه الآية. وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء. وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله {أية : أجيب دعوة الداع إذا دعان}تفسير : [الآية: 186] وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم. وفي الدعاء. قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد. ومعنى {داخرين} صاغرين. وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله. وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله. ثم إنه تعالى ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة". وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات. وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟ ففي تحريض على الدعاء. وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال. قوله {ذلكم الله} إلى قوله {إلا هو} قد مر في "الأنعام". قوله {كذلك يؤفك} أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا. قوله {فأحسن صوركم} كقوله {أية : ولقد كرمنا بني آدم}تفسير : [الإسراء: 70] {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}تفسير : [التين: 4] قوله {الحمد لله ربّ العالمين} إما استئناف مدح من الله تعالى لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله. قوله {لما جاءني البينات} شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً. قوله {ثم لتبلغوا أشدكم} متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا. وأما قوله {ولتبلغوا أجلاً مسمى} فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر. وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله {فإذا قضى} الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة. وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد. ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله {أية : خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}تفسير : [آل عمران: 59] ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا {ألم تر} الآية والكتاب القرآن. وما أرسل به الرسل سائر الكتب. وقوله {فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم} ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس. بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو {أية : وسيق} تفسير : [الزمر: 73] {أية : ونادى}تفسير : [الأعراف: 48] وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال. والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود. ومعنى {يسجرون} قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها. والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار. وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار {ثم قيل لهم} على سبيل التوبيخ {أينما كنتم} "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها. ومعنى {ضلّوا} غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله {بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً} يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير. ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام. ثم قال {كذلك يضل الله الكافرين} قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان. وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان. وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر. واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأنبياء: 98] والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر. وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع. {ذلكم} العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط {بغير الحق} وهو الشرك وعبادة الصنم. ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها {فبئس مثوى المتكبرين} يعني الذين مر ذكرهم في قولهم {إن في صدوركم إلاّ كبر} والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم. قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله {ادخلوا} كقولك: زر بيت الله فنعم المزار. لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء. وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال {فإما نرينّك بعض الذي نعدهم} من عذاب الدنيا فذاك {أو نتوفينك فإلينا يرجعون} هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله. وأقول: لا بأس أن يعطف قوله {أو نتوفينك} على {نرينك} ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا. ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال {ولقد أرسلنا} الآية. ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس. ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى {أية : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله}تفسير : [إبراهيم: 9] لكن الإيمان بالجميع واجب. عن علي رضي الله عنه. بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته. ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله تعالى {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله} بعذاب الدنيا أو بالقيامة. وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها {وخسر هنالك} أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان {المبطلون} وهم أهل الأديان الباطلة. ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا} قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا. أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً. وإنما قال {على الفلك} ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله {وعليها} [المؤمنون: 22] والحمل محمول على الظاهر. وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً. ثم وبخهم بقوله {ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون}. ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله {أفلم يسيروا} الآية. وقد سبق. وقوله {فما أغنى عنهم} "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب. وقوله {ما كانوا} مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا. قوله {فرحوا} لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل. وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم {أية : وما أظن الساعة قائمة}تفسير : [الكهف: 36] {أية : أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد}تفسير : [ق: 4] ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم {أية : وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام فقيل له: لو هاجرت إليه؟ فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. ويروى أن جالينوس قال لعيسى عليه السلام: بعثت لغيرنا. ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله {أية : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}تفسير : [الروم: 7] وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات. وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ووجه آخر وهو أن يكون ضمير {فرحوا} للكفار وضمير {عندهم} للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء. ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً. ومعنى {فلم يك ينفعهم} لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف. وترادف الفاءات في قوله {فما أغني} {فلما جاءتهم} {فلما رأوا} {فلم يك} لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ. وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله {كانوا أكثر منهم} وقوله {فلما جاءتهم} جار مجرى البيان والتفسير لقوله {فلما أغنى} وقوله {فلما رأوا بأسنا} تابع لقوله {فلما جاءتهم} كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله {فلما رأوا بأسنا} آمنوا وكذلك {فلم يك} تابع لإيمانهم بعد البأس. قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا {وخسر هنالك الكافرون} وفيما قبل {المبطلون} لأنه قال هناك {قضى بالحق} ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب، وأغلى من الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب، لأنه سبحانه نصر الرسل على أممهم حين هموا بأخذهم، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فعذبهم أشد العذاب، وكذلك نصر موسى عليه السلام والمؤمن الذي دافع عنه، وكان نصر اهل الله قاطبة خفياً، لأنهم يُبتلون ثم يكون لهم العاقبة، فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصره لهم، قال الله تعالى لافتاً القول إلى مظهر العظمة، لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكداً تنبيهاً للأغبياء على ما يخفى عليهم: {إنا} أي بما لنا من العظمة {لننصر رسلنا} أي على من ناوأهم {والذين آمنوا} أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في أدنى رتبة. ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها، ذكرها لذلك ولئلا يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال: {في الحياة الدنيا} بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو بعد حين، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم {ويوم يقوم الأشهاد *} أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين، جمع شهيد كشريف وأشراف، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها، لما لهم من الحضور التام، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وإنما عبر بذلك إشارة إلى أهل الحكم بصفات الجبروت للقسط، فيرفع أولياءه بكل اعتبار، ويهين أعداءهم كل إهانة. ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس، أتبعه ما أوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان، فقال مبدلاً مما قبله: {يوم لا ينفع الظالمين} الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها {معذرتهم} أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميمياً ولو جل - بما أشار إليه قراءة التذكير للفعل, فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعاً بغير الاعتذار, وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] أو بالقدر{أية : ربنا غلبت علينا شقوتنا}تفسير : [المؤمون: 106] {ولهم} أي خاصة {اللعنة} أي البعد عن كل خير، مع الإهانة بكل ضير {ولهم} أي خاصة {سوء الدار *} وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم، وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار، فظهرت بذلك أعلام النصرة، وصح ما أخبر به من تمام القدرة. ولما كان التقدير: فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده، عطف عليه قوله دالاً على الكرامة والرحمة، مؤكداً لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العزة {موسى الهدى} أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده، لأنه ضال عن الهدى، والضال هالك وإن طال المدى، وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب. ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاماً قال: {وأورثنا} أي بعظمتنا {بني إسرائيل} بعد ما كانوا فيه من الذل {الكتاب *} أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد، ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم، حال كونه {هدى} أي بياناً عاماً لكل من تبعه {وذكرى} أي عظة عظيمة {لأولي الألباب *} أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أنهم من جنى ثمرته فاهتدي، ومنهم من ضل، وذلك تحذير للاتباع، وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع. ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد المؤكد بنصرة الرسل وأتباعهم: ولقد آتيناك الهدى والكتاب كما آتينا موسى، ولننصرنك مثل ما نصرناه وإن زاد إبراق قومك وإرعادهم، فإنهم لا يعشرون فرعون فيما كان فيه من الجبروت والقهر والعز والسلطان والمكر ولم ينفعه شيء منه، سبب عنه قوله: {فاصبر} أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها على ما بنينا عليه أحوال هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها، ثم علل ذلك بقوله صارفاً القول عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة إلى اسم الذات الجامع لجميع الكمالات التي من أعظمها إنفاذ الأمر وصدق الوعد: {إن وعد الله} أي الذي له الكمال كله {حق} أي في إظهار دينك وإعزاز أمرك، فقد رأيت ما اتفق لموسى عليه السلام مع أجبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة، قال القشيري: الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق، فمن كان تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أكمل وأوفى. ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بانجاز المرام، وكان من الأمر المحتوم أن لزوم القربات يعلى الدرجات فيوصل إلى قوة التصرفات، أمر بالإعراض عن ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب الأحوال لتحصيل الكلام، موجهاً الخطاب إلى أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال: {واستغفر لذنبك} أي وهو كل عمل كامل لأن ذلك غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فتستن بك أمتك، وسماه ذنباً من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين". ولما أمره بالاستغفار عند الترقية في درجات الكمال، المطلع على بحور العظمة ومفاوز الجلال، أمره بالتنزيه عن شائبة نقص والإثبات لكل رتبة كمال، لافتاً القول إلى صفة التربية والأحسان لأنه من أعظم مواقعها فقال: {وسبح} أي نزه ربك عن شائبة نقص كلما علمت بالصعود في مدارج الكمال نقص المخلوق في الذات والأعمال ملتبساً {بحمد ربك} أي إثبات الإحاطة باوصاف الكمال للمحسن إليك المربي لك، ولا تشتغل عنه بشيء فإن الأعمال من أسباب الظفر. ولما كان المقام لإثبات قيام الساعة، وكان العشي أدل عليها، قدمه فقال: {بالعشي والإبكار *} فإن تقلبهما دائماً دل على كمال مقلبهما وقدرته على إيجاد المعدوم الممحوق كما كان وتسويته، ومن مدلول الآية الحث على صلاتي الصبح والعصر، وهما الوسطى لأنهما تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل على الصلوات الخمس - نقله البغوي. وذلك لأن العشى من زوال الشمس، والأبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه نار جهنم. ثم تلا {إنا لننصر رسلنا..} الآية ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {إنا لننصر رسلنا..} الآية. قال: ذلك في الحجة. يفتح الله حجتهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في هذه الآية قال: لم يبعث الله إليهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا وهم منصورون فيها. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويوم يقوم الأشهاد} قال: هم الملائكة. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه، مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان رضي الله عنه قال: سألت الأعمش عن قوله {ويوم يقوم الأشهاد} قال: الملائكة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال {الأشهاد} ملائكة الله، وأنبياؤه، والمؤمنون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال {الأشهاد} أربعة: الملائكة الذين يحصون أعمالنا. وقرأ {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}تفسير : [ق: 21]. والنبيون شهداء على أممهم. وقرأ {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد}تفسير : [النساء: 41]. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم. وقرأ {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [الحج: 78]. والأجساد والجلود. وقرأ {أية : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} تفسير : [فصلت: 21]. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {وسبح بحمد ربك بالعشي والإِبكار} قال: صل لربك {بالعشي والإِبكار} قال: الصلوات المكتوبات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {بالعشي والإِبكار} قال: صلاة الفجر والعصر.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالَى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ من جهتِه تعالَى لبـيانِ أنَّ ما أصابَ الكفرةَ من العذابِ المحِكيِّ من فروعِ حكمٍ كليَ تقتضيِه الحكمةُ وهو أنَّ شأنَنا المستمرَّ أنَّا ننصرُ رسلنَا وأتباعَهُم {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} بالحجَّةِ والظفرِ والانتقامِ لهم من الكفرةِ بالاستئصالِ والقتلِ والسَّبـي وغيرِ ذلكَ من العقوباتِ ولا يقدحُ في ذلكَ ما قدْ يتفقُ لهم من صورةِ الغلبةِ امتحاناً إذِ العبرةُ إنَّما هيَ بالعواقبِ وغالبِ الأمر. {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} أي يومَ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ للإشعارِ بكيفيةِ النُصرةِ وأنَّها تكونُ عندَ جميعِ الأولينَ والآخِرينَ بشهادةِ الأشهادِ للرسلِ بالتبليغِ وعلى الكفرةِ بالتكذيبِ {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} بدلٌ من الأولِ وعدمُ نفعِ المعذرةِ لأنَّها باطلةٌ. وقُرِىءَ لا تنفعُ بالتاءِ {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} أيْ البُعدُ عن الرحمةِ {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ} أي جهنُم {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} ما يُهتدَى بهِ من المعجزاتِ والصحفِ والشرائعِ {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ} وتركنَا عليهم من بعدِه التوراةَ {هُدًى وَذِكْرَىٰ} هدايةً وتذكرةً أو هادياً ومذكراً {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} لذوِي العقولِ السليمةِ العاملينَ بما في تضاعيفِه {فَٱصْبِرْ} على ما نالكَ من أذيةِ المشركينَ {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} أيْ وعدَه الذي ينطقُ بهِ قولُه تعالَى: { أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [سورة الصافات: الآية 171] أو وعدَهُ الخاصَّ بكَ أو جميعَ مواعيدِه التي من جُمْلتها ذلكَ {حَقّ} لا يحتملُ الإخلافَ أصلاً واستشهدْ بحالِ مُوسى وفرعونَ {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} تداركاً لما فرَطَ منكَ من تركِ الأَوْلى في بعضِ الأحايـينِ فإنَّه تعالَى كافيكَ في نُصرةِ دينكَ وإظهارِه على الدِّينِ كُلِّه {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإِبْكَارِ} أيْ ودُمْ على التسبـيحِ ملتبساً بحمدِه تعالَى، وقيلَ صَلِّ لهذينِ الوقتينِ إذْ كانَ الواجبُ بمكةَ ركعتينِ بُكرةً وركعتينِ عشياً، وقيلَ صلِّ شُكراً لرِّبكَ بالعشيِّ والإبكارَ، وقيلَ هُمَا صلاةُ العصرِ وصلاةُ الفجرِ.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 51]. قال جعفر: ننصر رسلنا بالمؤمنين ظاهرًا وننصر المؤمنين بالرسل باطنًا. وقال سهل فى قوله: {نَنصُرُ رُسُلَنَا.... فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قال: يكرمهم بالمعرفة والعلم {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} قال: لم يرض بما ضمن لهم النصرة فى الدنيا حتى ضمن لهم النصرة فى القيامة ومن كان الله ناصره فى الدنيا والآخرة فلا سوء عليه.
القشيري
تفسير : ننصرهم بالآياتِ وفنونِ التعريفات حتى يعرفوا ويشهدوا أن الظَّفَرَ وضِدَّه من الله، والخيرَ والشرَّ من الله. ويقال ننصرهم على أعدائهم بكيدٍ خفيٍّ ولطفٍ غيرِ مرئيٍّ، من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون؛ ننصرهم في الدنيا بالمعرفة وباليقين بأنَّ الكائنات من الله، وننصرهم في الآخرة بأن يشهدوا ذلك، ويعرفوا - بالاضطرار- أنَّ التأثيرَ من الله، وغاية النصرة أن يَقْتُلَ الناصرُ عدوَّ مَنْ ينصره، فإذا أراد حَتْفَه تحقَّق بأن لا عَدُوَّ على الحقيقة، وأنَّ الخَلْقَ أشباحٌ تجري عليهم أحكامُ القدرة؛ فالوليُّ لا عدوَّ له، ولا صديق له إلا الله، قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البقرة: 257].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} نصرة الرسل بالعرفان ونصرة المؤمنين بالايقان وايضا نصرة الرسل بالوحى ونصرة المؤمنين بالالهام وايضا نصرة الرسل برؤية الصفات ونصرة المؤمنين برؤية الأيات نصرتهم يوم الاشهاد على وفق سرهم فى المعرفة فنصرة الرسل الصولة نصرة المؤمنين المشاهدة نصرهم على كل شئ يكاد ان يحجبهم عن المشاهدة فى الدنيا والأخرة وقال جعفر بنصر رسلنا بالمؤمنين ظاهرا وينصر المؤمنين بالرسل باطنا وقال سهل اكرمهم بالمعرفة والعلم ويوم يقوم الاشهاد بالرضا والرؤية وقال يحى بن معاذ لم يرض بما ضمن لهم من النصرة فى الدنيا حتى ضمن لهم النصرة فى القيامة ومن كان الله ناصره فى الدنيا والأخرة فلا سوء عليه من قوله {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} ظلمهم وضع المعذرة فى غير موضعها فان معذرتهم ان يكون فى الدنيا لا فى الأخرة وظلمهم ايضاً عدو لهم عن الحق الى الحق يا ليت لو كان لهم عناية الازلية التى تؤثر فى الاحسام جميعا ومن لم يكن له سوابق القدم بنعت العناية لم يؤثر فيه الاعمال والاوقات قال بعضهم يؤثر فى العباد السوابق على الاوقات ولو كان للوقت اثر لنفع الظالمين معذرتهم فلما اخبر الله عنهم بقوله يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم علمت ان السوابق هى المؤثرة لا الاوقات.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا} نون العظمة او باعتبار الصفات او المظاهر {لننصر رسلنا} النصر العون {والذين آمنوا} اى اتباعهم {فى الحياة الدنيا} بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبى وغير ذلك من العقوبات ولا يقدح فى ذلك ما قد يتفق لهم من صورة المغلوبية امتحانا اذ العبرة انما هى بالعواقب وغالب الامر وايضا ما يقع فى بعض الاحيان من الانهزام انما كان بعارض كمخالفة امر الحاكم كما فى غزوة احد وكمطلب الدنيا والعجب والغرور كما فى بعض وقائع المؤمنين وايضا أن الله تعالى ينتقم من الاعداء ولو بعد حين كما بعد الموت الا ترى أن الله تعالى انتقم ليحيى عليه السلام بعد استشهاده من بنى اسرآئيل بتسليط بخت نصر حتى قتل به سبعون الفا قال عبد الله بن سلام رضى الله عنه ما قتلت امة نبيا الا قتل به منهم سبعون الفا ولا قتلوا خليفة الا قتل به خمسة وثلاثون الفا واما قصة الحسنين رضى الله عنهما فكثرة القتلى لهما باعتبار جدهما عليه السلام وحاصله أن علماء هذه الامة كانبياء بنى اسرآئيل فاذا انضم الى شرفهم شرف الانتساب الى النبى عليه السلام بالسيادة الصورية قربا او بعدا تضاعف قدرهم فكان الاكرام اليهم بمنزلة الاكرام الى النبى عليه السلام وكذا الاهانة والظاهر فى دفع التعارض بين قوله تعالى انا لننصر رسلنا وبين قوله {أية : ويقتلون النبيين بغير الحق} تفسير : ما قال ابن عباس رضى الله عنهما والحسن رضى الله عنه من انه لم يقتل من الانبيا الا من لم يؤمر بقتال وكل من امر بقتال نصر كما فى تفسير القرطبى فى البقرة وكان زكريا ويحيى وشعيب ونحوهم عليهم السلام ممن لم يؤمر بالقتال. يقول الفقير حقيقة النصرة للخواص انما هى بالامداد الملكوتى وقد يجيىء الامداد من جهة البلاء الصورى فالقتل ونحوه كله من قبيل الامداد بالترقى والحمد لله الذى بيده الخير قال شيخ الشهير بافتاده أفندى قدس سره كان النبى عليه السلام قادرا على تخليص الحسنين رضى الله عنهما بالشفاعة من الله تعالى لكنه رأى كمالهما بالشهادة راجحا على الخلاص وفى التأويلات النجمية كمال النصرة فى الظفر على اعدى عدوك وهى نفسك التى بين جنبيك هو الجهاد الاكبر ولا يمكن الظفر على النفس الا بنصرة الحق تعالى للقلب اذا تحقق عند العبد أن الخلق اشباح يجرى عليهم احكام القدر فالولى لا عدو له ولا صديق الا الله ولهذا قال عليه السلام "حديث : اعوذ بك منك" تفسير : {ويوم يقوم الاشهاد} جمع شاهد كصاحب واصحاب اى لننصرنهم فى الدنيا والآخرة وعبر عن يوم القيامة بذلك للاشعار بكيفية النصرة وانها تكون عند جمع الاولين والآخرين بشهادة الاشهاد للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالتكذيب وهم الملائكة والمؤمنون من امة محمد عليه السلام قال تعالى {أية : وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس }
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا لَننصرُ رُسُلَنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} بالحجّة والظفر، والانتقام لهم من الكفرة، بالاستئصال، والقتل، والسبي، وغير ذلك من العقوبات. ولا يقدح في ذلك ما يتفق لهم من صورة الغلبة، امتحاناً؛ إذ الحكم للغالب، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا...} تفسير : [الصافات: 171] الآية، وقوله: {أية : كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} تفسير : [المجادلة: 21]. والنصر في الدنيا إما بالسيف، في حق مَن أمر بالجهاد، أو: بالحجة والإهلاك فيمن لم يؤثر به، وبذلك يندفع قول مَن زعم تخصيص الآية أو تعميمها، وإخراجَ زكريا ويحيى من الرسالة، وإنْ ثبت لهما النبوة لقتلهما، وأن الآية، إنما تضمنت نصر الرسل دون الأنبياء، فإنه خلاف لما صرّح به الجمهور من ثبوت الرسالة ليحيى، ففي كلام ابن جزي هنا نظر. قاله المحشي. {ويومَ يقومُ الأشهادُ} أي: وننصرهم يوم القيامة، عبَّر عنه بذلك للإشعار بكيفية النصرة، وأنها تكون حين يجتمع الأولون والآخرون، ويحضره الأشهاد من الملائكة وغيرهم، فيشهدون للأنبياء بالتبليغ، وعلى الكفرة بالتكذيب. قال النسفي: الأشهاد جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد: الأنبياء والحفظة، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب، والحفظة يشهدون على بني آدم. هـ. {يوم لا ينفعُ الظالمين معذرتُهم}: هو بدل من {يوم يقوم} أي: لا يقبل عذرهم، ومَن قرأ بالتأنيث فباعتبار لفظ المعذرة، {ولهم اللعنةُ} أي: البُعد من الرحمة، {ولهم سوءُ الدار} أي: سوء دار الآخرة، وهو عذابها. الأشارة: كما نُصرت الرسل بعد الامتحان، نُصرت الأولياء بعد الامتحان والامتكان. قال الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذُل ّ حتى عزوا.. إلخ. وهم داخلون في قوله: {والذين آمنوا في الحياة الدنيا}، ونصرتهم تكون أولاً بالظفر بنفوسهم، ثم بالغيبة عن حس الكائنات، باتساع دائرة المعاني، ثم بالتصرف في الوجود بأسره بهمته. قال القشيري: ويقال: ينصرهم على أعدائهم بلطف خفيّ، وكيد غير مرئيّ، من حيث يحتسب أو لا يحتسب، كما ينصرهم في الدنيا على تحقيق المعرفة، واليقين بأنَّ الكائنات من الله. ثم قال: غاية النصرة أن يَقتُلَ الناصرُ عدوَّ مَنْ ينصره، فإذا رآه حقق له أنه لا عَدُو له في الحقيقة، وأنَّ الخلق أشباحٌ، وتجري عليهم أحكام القدرة، فالولِيُّ لا عدوَّ له ولا صديق، ليس له إلا الله. قال الله تعالى: {أية : اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257] هـ. والنصر في الحقيقة هو التأييد عند التعرفات، فإذا ابتلي الرسول أو الولي أيّده الله باليقين، ونصره بالمعرفة، فيلقي ما ينزل عليه بالرضا والتسليم، وتذكَّر ما لقي به الشاذلي حين دعا بالسلامة مما ابتلي به الرسل، متعللاً بأنهم أقوى، فقيل له: قل: وما أردتَ من شيء فأيِّدنا كما أيدتهم. هـ. ثم وعد نبيه بالنصر، كما نصر موسى غيره، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ}.
الطوسي
تفسير : اربع آيات فى الشامي وفى عدد اسماعيل وخمس في ما عداهما عدوا {بني إسرائيل الكتاب} ولم يعده الأولان. قرأ نافع واهل الكوفة {يوم لا ينفع الظالمين} بالياء، لأن المعذرة ليس تأنيثها حقيقياً ولأنهم ارادوا عذرهم. الباقون بالتاء لتأنيث المعذرة. اخبر الله تعالى عن نفسه بأنه ينصر رسله الذين بعثهم بالحق إلى خلقه وينصر الذين آمنوا به وصدقوا رسله في دار الدنيا، وينصرهم ايضاً يوم يقوم الاشهاد. والنصر المعونة على العدوّ، وهو على ضربين: نصر بالحجة ونصر بالغلبة في المحاربة بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة وتقتضيه الحكمة، هذا إذا كان في دار التكليف. فأما نصره إياهم يوم القيامة فهو اعلاء كلمتهم وظهور حقهم وعلو منزلتهم وإعزازهم بجزيل الثواب وإذلال عدوِّهم بعظيم العقاب. والاشهاد جمع شاهد مثل صاحب واصحاب وهم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين وأهل الحق وعلى المبطلين والكافرين بما قامت به الحجة يوم القيامة وفى ذلك سرور المحق وفضيحة المبطل في ذلك المجمع العظيم والمحفل الكبير. وقال قتادة الأشهاد الملائكة والانبياء والمؤمنون وقال مجاهد: هم الملائكة. ثم بين سبحانه وتعالى اليوم الذي يقوم فيه الاشهاد، فقال {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} فالمعذرة والاعتذار واحد. وإنما نفى ان تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار التكليف لأن الآخرة دار الالجاء إلى العمل، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجيء اليه، لأنه لا يعمله لداعي الحكمة إلى ما يمكنه أن يعمله ولا يعمله فيضمن الحمد على فعله. وقيل: إنما لم يقبل معذرتهم، لانهم يعتذرون بالباطل - في قولهم والله ربنا ما كنا مشركين. ثم بين تعالى إن لهم مع بطلان معذرتهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله والحكم عليهم بدوام العقاب ولهم سوء الدار وهو عذاب النار نعوذ بالله منها. والظالمين الذين لا تنفعهم المعذرة هم الذين ظلموا أنفسهم او غيرهم بارتكاب المعاصي التي يستحق بها دوام العقاب. ثم اخبر تعالى على وجه القسم فقال {ولقد آتينا موسى الهدى} أي اعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده وانزلنا عليه الكتاب وأورثناه بني إسرائيل يعني التوراة، وهدى يعني أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده و {ذكرى} أي ما يتذكر به أولوا الالباب، وإنما خص العقلاء بذلك، لأنهم الذين يتمكنون من الانتفاع به دون من لا يعقل. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله فقال {فاصبر} يا محمد على أذى قومك وتحمل المشقة في تكذيبهم إياك {إن وعد الله حق} الذي وعدك به من الثواب والجنة لمن اطاعك والنار والعقاب لمن عصاك حق لا خلف له. واطلب ايضاً المغفرة لذنبك. ويجوز ان يكون الخطاب له والمراد به أمته {وسبح بحمد ربك} أي نزه الله تعالى واعترف بشكره بما أنعم الله عليك {بالعشي والإبكار} أي صباحاً ومساء. وقيل {وسبح بحمد ربك} معناه صل بحمد ربك و {بالعشي} معناه من زوال الشمس إلى الليل. و {الإبكار} من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} المراد بالحياة الدّنيا ان كان الحياة المصاحبة للحياة الحيوانيّة الطّبيعيّة فالمراد بالنّصرة نصرتهم فى دينهم لا فى دنياهم لانّ اكثر الانبياء لم ينصروا بحسب دنياهم، وان كان المراد الحياة البرزخيّة فلا اشكال، والمراد بالاشهاد الانبياء (ع) واوصيائهم (ع).
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني القاسم بن عبيد قال: حدثنا عباد قال: حدثني المطلب بن زياد قال: سمعت السدي حين دخل السودان الكوفة يبرحون على يزيد في الطرق! وقرأ هذه الآية: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} قال: ليس من مؤمن يقتل إلا بعث الله من بعده من يظهر أنه كان على هدى.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني بالنصر والظفر على عدوّهم {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} يعني يوم القيامة. وأما في الآخرة فبالحجة عليهم. والأَشهاد في تفسير بعضهم: الملائكة الحفظة يشهدون للأنبياء بالبلاغ. وعليهم بالتكذيب. قال: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي: الدار الآخرة، وسوءها النار. قوله عزوجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ} بعد القرون الأولى {هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ} أي لأولي العقول، وهم المؤمنون. قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} يعني وعد الله الذي وعدك أن يعطيكه في الآخرة ويعطيه من آمن به. {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}، وهي صلاة مكّة قبل أن تفترض الصلوات الخمس حين كانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي: بغير حجة أتتهم [ {إِن فِي صُدُورِهِمْ} أي: ليس في صدورهم {إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} يعني أملهم] في محمد صلى الله عليه وسلم وأهل دينه أن يهلك ويهلكوا، في تفسير الحسن. وتفسير مجاهد: يعني عظمة قريش المشركين. قال: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي: لا أسمع ولا أبصر منه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بالغلبة والقهر. قاله ابن عباس، وقيل بالحجة وقيل بالانتقام من الأعداء وقلت بذلك كله لوقوعه ولو غلبوا أحياناً امتحاناً لكن العبرة بالعاقبة قيل وغالب الأمر وقد قتل يحيى بن زكريا وانتصر له الله بعد حين بقتل سبعين ألفاً ونصر الأنبياء نصر المؤمنين مع أنه جعل لهم وداً ونصراً في حد ذاتهم وحضت الشريعة على نصرهم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رد عن أخيه فى عرضه كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم" تفسير : وقال: "حديث : من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله ملكاً يحميه يوم القيامة" تفسير : {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} هو اليوم الأخير فلهم نصر الدنيا والآخرة والأشهاد الملائكة والأنبياء والمؤمنون وقيل الحفظة والأنبياء والمؤمنون وقيامهم يوم القيامة للشهادة على الناس مطلقاً والملائكة يشهدون أيضاً للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب وقيل المراد الملائكة فقط. قال الزجاج: الاشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب وقال الطبري: جمع شهيد كشريف وأشراف {يَوْمَ} بدل من (يوم)* {لاَ يَنفَعُ} بالياء عند الكوفيين ونافع والفوقية المثناة عند الباقيين* {الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} مصدر ميمي بمعنى الاعتذار والقياس ان يفتح داله وما جاءت الا مكسورة أي يعتذرون ولا ينفع اعتذارهم أو لو جاءوا باعتذار لم ينفعهم ولكنهم لا يجيئون قال {أية : ولا يؤذن لهم فيعتذورن}تفسير : وانما لم تنفع لبطلانها لانهم يعتذرون عن الكفر وقد جاءتهم الرسل وتمكنوا من التصديق والعمل فأعرضوا {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} البعد من رحمة الله* {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي عذاب الدار الآخرة وقيل أشد عذابها وقيل جهنم
اطفيش
تفسير : {إنَّا لَننْصُر رسُلًنا والَّذين آمنُوا} بهم أو بنا والماصدق واحد، والمعنى أن نصرنا مستمر للرسل وأتباعهم {في الحياة الدُّنيْا} بالحجة والظفر والانتفاع بقتل الكفرة والسبى والاستئصال، واذا غلبهم الكفرة فالعاقبة لما بعد من الانتقام لهم بعد، ولو بعد موت الأنبياء والمؤمنين، أو يعتبر الغالب، أو تعتبر الغلبة بالحجة مع غيرها تارة، والحجة وحدها تارة، أو هذا المعنى واقع فى جنس الرسل لا فيهم كلهم، ولا فى الدنيا كلها فان الظرف لا يستوعب المظروف وبالعكس {ويَوم} يوم القيامة {يقُوم الأشهادُ} الشاهدون للرسل بالتبليغ جمع شهيد، بمعنى شاهد كأشراف وشريف، أو جمع شاهد كأصحاب وصاحب، أو جمع شهد بالاسكان كصحب وأصحاب، ولا يتبادر ما قيل الاشهاد الجوارح، تنطق بما فعل صاحبها، لأن الأصل الشهادة باللسان، أو جمع شاهد بمعنى مشاهد، فان عذابهم يشاهده أهل الموقف، كل يشاهد الآخر، وهذا أشد نصرة للمؤمنين، وكذلك الأولون والآخرون، يحضرون لإقرار الرسل بالتبليغ.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب المحكي من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر رسلنا وأتباعهم {فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبـي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك فتذكر. {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } أي ويوم القيامة عبر عنه بذلك للإشعار بكيفية النصرة وأنها تكون عند جمع الأولين والآخرين وشهادة الأشهاد للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالتكذيب، فالأشهاد جمع شهيد بمعنى شاهد كأشراف جميع شريف، وقيل: جمع شاهد بناء على أن فاعلاً قد يجمع على أفعال، وبعض من لم يجوز يقول: هو جمع شهد بالسكون اسم جمع لشاهد كما قالوا في صحب بالسكون اسم جمع لصاحب. وفسر بعضهم {ٱلأَشْهَـٰدُ } بالجوارح وليس بذاك، وهو عليهما من الشهادة، وقيل: هو من المشاهدة بمعنى الحضور. وفي «الحواشي الخفاجية» أن النصرة في الآخرة لا تتخلف أصلاً بخلافها في الدنيا فإن الحرب فيها سجال وإن كانت العاقبة للمتقين ولذا دخلت {فِي } على {ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} دون قرينه لأن الظرف المجرور بفي لا يستوعب كالمنصوب على الظرفية كما ذكره الأصوليون انتهى، وفيه بحث. / قرأ ابن هرمز وإسماعيل وهي رواية عن أبـي عمرو {تقوم } بتاء التأنيث على معنى جماعة الأشهاد.
ابن عاشور
تفسير : كلام مستأنف وهو استخلاص للعبرة من القصص الماضية مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ووعده بحسن العاقبة، وتسلية المؤمنين ووعدهم بالنصر وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. وذلك أن الكلام من ابتداء السورة كان بذكر مجادلة المشركين في القرآن بقوله تعالى: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} تفسير : [غافر: 4] وأومأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن شِيَعهم آيلة إلى خسار بقوله: {أية : فلا يغررك تقلبهم في البلاد}تفسير : [ غافر: 4]، وامتد الكلام في الرد على المجادلين وتمثيل حالهم بحال أمثالهم من الأمم التي آل أمرها إلى خيبة واضمحلال في الدنيا وإلى عذاب دائم في الآخرة ولما استوفى الغرضُ مقتضاه من اطناب البيان بَيّن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عَقِبَه أنه ينصر رسله وَالذين آمنوا في الدنيا كما دل عليه قوله في آخر الكلام {أية : فاصبر إن وعد الله حق} تفسير : [غافر: 77]. وقد عُلم من فعل النصر أن هنالك فريقاً منصوراً عليهم الرسلُ والمؤمنون في الدنيا والآخرة، ومن المتعين أنهم الفريقُ المعاند للرسل وللمُؤمنين، فنصر الرسل والمؤمنين عليهم في الدنيا بإظهارهم عليهم وإبادتهم، وفي الآخرة بنعيم الجنة لهم وعذاب النار لأعدائهم. والتعبير بالمضارع في قوله: {لننصر} لما فيه من استحضار حالات النصر العجيبة التي وُصفَ بعضها في هذه السورة ووصف بعضٌ آخر في سُور أخرى تقدم نزولها، وإلا فإن نصر الرسل الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم قد مضى ونصْرُ محمد صلى الله عليه وسلم مترقّب غير حاصل حين نزول الآية. وتأكيد الخبر بــــ (إنَّ) وبجَعْل المسند فعلياً في قوله: {لننصر} مراعى فيه حال المعرَّض بهم بأن الله ينصر رسله عليهم وهم المشركون لأنهم كانوا يكذبون بذلك. وهذا وعْد للمؤمنين بأن الله ناصرهم على من ظلمهم في الحياة الدنيا بأن يوقع الظالم في سوء عاقبة أو بأن يسلط عليه من ينتقم منه بنحوٍ أو أشدَّ مما ظلَم به مؤمناً. والأشهاد: جمع شَاهد. والقيام: الوقوف في الموقف. والأشهاد: الرسل، والملائكة الحفَظةُ والمؤمنون من هذه الأمة، كما أشار إليه قوله: { أية : لتكونوا شهداء على الناس}تفسير : [البقرة: 143]، وذلك اليوم هو يوم الحشر، وشهادة الرسل على الذين كفروا بهم من جملة نصرهم عليهم وكذلك شهادة المؤمنين. و {يومَ لاَ يَنفَعُ الظٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُم} بدل من {يوم يقوم الأشهاد} وهو منصوب على البدلية من الظرف. والمراد بالظالمين: المشركون. والمعذرة اسم مَصْدر اعتَذر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا معذرة إلى ربكم} تفسير : في سورة [الأعراف: 164]. وظاهرُ إضافة المعذرة إلى ضميرهم أنهم تصدر منهم يومئذٍ معذرة يعتذرون بها عن الأسباب التي أوجبت لهم العذاب مثل قولهم: {أية : ربنا هؤلاء أضلونا }تفسير : [الأعراف: 38] وهذا لا ينافي قوله تعالى: {أية : ولا يؤذن لهم فيعتذرون}تفسير : [المرسلات: 36] الذي هو في انتفاء الاعتذار من أصله لأن ذلك الاعتذار هو الاعتذار المأذون فيه، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : فيومئذٍ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم}تفسير : في سورة [الروم: 57]. (وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف {لا ينفع} بالياء التحتية لأن الفاعل وهو «معذرة» غير حقيقي التأنيث وللفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول. وقرأ الباقون بالتاء الفوقية على اعتبار التأنيث اللفظي. و {لَهُمُ اللَّعْنَةُ} عطف على جملة {لا يَنفَعُ الظالمين معذِرَتُهُم} أي ويوم لهم اللعنة. واللعنة: البعد والطرد، أي من رحمة الله، {ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} هي جهنم. وتقديم (لهم) في هاتين الجملتين للاهتمام بالانتقام منهم.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 146] الآية، وذكرنا طرفاً من ذلك في الصافات، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصافات: 171ـ172] وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله في سورة المجادلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلْحَيَاةِ} {ٱلأَشْهَادُ} (51) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى، إِنَّهُ سَيَجْعَلُ رُسلَهُ هُمُ الغَالِبِينَ لأَِعْدَائِهِمْ وَمُعَانِدِيهِمْ، وَإِنَّهُ سَيَنْصُرُ مَعَهُمُ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بالطُّرُقِ التَّالِيةِ: - إِمَّا بِجَعْلِهِمْ غَالِبِينَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهم، كَمَا فَعَلَ بِدَاوُدَ وَسُلَيمَانَ وَمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. - وإِمَّا بِالانْتِقَامِ مِمَّنْ عَادَاهُمْ وَآذَاهُمْ، وَإِهْلاَكِهِ إِيَّاهُمْ، وَإِنْجَائِهِ الرُّسُلَ والمُؤْمِنِينَ، كَمَا فَعَلَ بِنُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَمُوسَى وَلُوطٍ. - وَإِمَّا بِالانْتِقَامِ مِمَّنْ آذَى الرُّسُلَ بَعْدَ وَفَاةِ الأَنْبِيَاء والرُّسُلِ، بِتَسْلِيطِ بَعْضِ خَلْقِ اللهِ عَلَى المُكَذِّبِينَ المُجْرِمِينَ لِيَنْتَقِمُوا مِنْهُمْ، كَمَا فَعَلَ مَعَ زَكَرِيا وَيَحْيَى، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ. وَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْصُرُ رُسُلَهُ والمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَتِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَذَلِكَ يَنْصُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليومُ الذِي يَقُومُ فِيهِ الأشْهَادُ مِنَ المَلاَئِكَةِ والأَنْبِيَاءِ والمُؤْمِنِينَ، بالشَّهَادَةِ عَلَى الأُمَم المُكَذِّبَةِ بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ أَبْلَغُوهُمْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ. يَقُومُ الأَشْهَادُ - المَلاَئِكَةُ والرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا وعد منه سبحانه أنْ ينصر رسله وأنْ ينصر الذين آمنوا، كما قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيت قوماً نسبوا إلى الإسلام وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلَّتْ فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت فيهم شروط النصرة فلا بدَّ أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله لا تتبدل. قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} [غافر: 51] جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنَّا لننصر رسلنا بأيِّ وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يُسلمه. لكن الحق سبحانه قد يترك أمر الدعوة في أولها تُضطهد وتُعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابةَ أنْ يُمحَّصُوا، وأن يختبر إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ. رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، قال تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2]. أبداً، والفتنة معناها عَرْض الناس على مِحَن وشدائد لا يثبت أمامها إلا أقوياءُ العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في الآخرة أمر واضح لا شكَّ فيه، لأن الإنسان دائماً لا يخدع نفسه وإنْ خدع الآخرين. حديث : لذلك لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حذيفة: "كيف أصبحتَ يا حذيفة"؟ قال: أصبحتُ بالله مؤمناً حقاً. ولما كانت كلمة (حقاً) هنا كلمة كبيرة المعنى سأله رسول الله: "وما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، فقال له: "عرفتَ فالزم" ". تفسير : ومعنى {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [غافر: 51] أي: ينصرهم في الدنيا بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77] إذن: فهناك نُصْرة في الدنيا ونصرة في الآخرة. ثم يبين سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} [غافر: 51] والأشهاد جمع شهود، فالشهود يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 109]. والمؤمنون يشهدون أنهم بلَّغوا مَنْ بعدهم: {أية : هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الحج: 78] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها. وكذلك يشهد علينا الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقُتِلوا، لأن الإنسان قد يُدلس في حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبداً بعد أنْ يموت، فهو حريص أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله. فلو تطوع إنسان لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: أنت متّ في الدنيا من أجلي فلا بدَّ أن تكون حياً عندي؛ لذلك قلنا في فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلتْ لك من الموت عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حياً عند الله، فوصلتَ حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمُتْ. شعر : أحَمْزَة عَمّ المصْطفَى أنتَ سَيِّدٌ عَلَى شُهَداءِ الأرْضِ أَجْمعِهم طُرّا وَحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادةِ عِصْمةٌ مِنَ الموْتِ في وَصْلِ الحيَاتَيْنِ بالأُخْرى تفسير : فمَنْ ضحَّى بحياته لله فكأنه قدَّمها تحيةً لربه وإعلاءً لمنهجه، فبماذا يُحييك الله، يحييك بأنْ يعصمك بعدها من الموت. ثم يقول سبحانه: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [غافر: 52] يعني: إن اعتذروا لا يُقبل منهم عذر، وفي موضع آخر قال: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 36] كأنها مواقف متعددة، مرة يعتذرون حين قالوا: {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [فاطر: 37] ومرة لا يُؤذَن لهم في الاعتذار {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [غافر: 52]. بعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن موكب رسالة سيدنا موسى عليه السلام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} معناه الملائكةُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر عقوبة آل فرعون في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وذكر حالة أهل النار الفظيعة، الذين نابذوا رسله وحاربوهم، قال: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: بالحجة والبرهان والنصر، في الآخرة بالحكم لهم ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم بشدة العقاب. { يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } حين يعتذرون { وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } أي: الدار السيئة التي تسوء نازليها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 852 : 4 : 5 - سفين عن الأعمش قال، سألت مجاهداً عن قول الله {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} قال، الملائكة. [الآية 51].
همام الصنعاني
تفسير : 2682- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}: [الآية: 51]، قال: الأشهاد الملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):