Verse. 4186 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا مُوْسَى الْہُدٰى وَاَوْرَثْنَا بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ الْكِتٰبَ۝۵۳ۙ
Walaqad atayna moosa alhuda waawrathna banee israeela alkitaba

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا موسى الهدى» التوراة والمعجزات «وأورثنا بني إسرائيل» من بعد موسى «الكتاب» التوراة.

53

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } التوراة والمعجزات {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } من بعد موسى {ٱلْكِتَٰبِ } التوراة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } هذا من جملة ما قصه الله سبحانه قريباً من نصره لرسله، أي: آتيناه التوراة، والنبوّة، كما في قوله سبحانه: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة:44] قال مقاتل: الهدى من الضلالة يعني: التوراة {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ * هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلاْلْبَـٰبِ } المراد بالكتاب: التوراة، ومعنى {أورثنا}: أن الله سبحانه لما أنزل التوراة على موسى بقيت بعده فيهم، وتوارثوها خلفاً عن سلف. وقيل: المراد بالكتاب: سائر الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى، وهدى، وذكرى في محل نصب على أنهما مفعول لأجله، أي: لأجل الهدى، والذكر، أو على أنهما مصدران في موضع الحال، أي: هادياً ومذكراً، والمراد بأولي الألباب: أهل العقول السليمة. ثم أمر الله، رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى، فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: اصبر على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل إن وعد الله الذي وعد به رسله حقّ لا خلف فيه، ولا شك في وقوعه كما في قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }، وقوله: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 171 ــ 173] قال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. ثم أمره سبحانه بالاستغفار لذنبه، فقال: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } قيل: المراد ذنب أمتك، فهو على حذف مضاف. وقيل: المراد الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء. وقيل: هو مجرد تعبد له بالاستغفار لزيادة الثواب، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإِبْكَارِ } أي: دم على تنزيه الله ملتبساً بحمده. وقيل: المراد صلّ في الوقتين صلاة العصر، وصلاة الفجر. قاله الحسن، وقتادة. وقيل: هما صلاتان ركعتان غدوة، وركعتان عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ } أي: بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم من جهة الله سبحانه {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } أي: ما في قلوبهم إلا تكبراً عن الحق يحملهم على تكذيبك، وجملة: {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } صفة لكبر قال الزجاج: المعنى: ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه، فجعله على حذف المضاف. وقال غيره: ما هم ببالغي الكبر. وقال ابن قتيبة: المعنى: إن في صدورهم إلا كبر، أي: تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك. وقيل: المراد بالكبر: الأمر الكبير، أي: يطلبون النبوّة، أو يطلبون أمراً كبيراً يصلون به إليك من القتل، ونحوه، ولا يبلغون ذلك. وقال مجاهد: معناه: في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها. والمراد بهذه الآية: المشركون. وقيل: اليهود كما سيأتي بيانه آخر البحث إن شاء الله. ثم أمره الله سبحانه بأن يستعيذ بالله من شرورهم، فقال: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } أي: فالتجىء إليه من شرّهم، وكيدهم، وبغيهم عليك إنه السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم لا تخفى عليه من ذلك خافية. ثم بيّن سبحانه عظيم قدرته، فقال: {لَخَلْقُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ *أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } أي: أعظم في النفوس، وأجلّ في الصدور، لعظم أجرامهما، واستقرارهما من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، فكيف ينكرون البعث، وإحياء ما هو دونهما من كل وجه كما في قوله: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] قال أبو العالية: المعنى: لخلق السموات، والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيـى بن سلام: هو احتجاج على منكري البعث، أي: هما أكبر من إعادة خلق الناس {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } بعظيم قدرة الله، وأنه لا يعجزه شيء. ثم لما ذكر سبحانه الجدال بالباطل ذكر مثالاً للباطل، والحق، وأنهما لا يستويان، فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي: الذي يجادل بالباطل، والذي يجادل بالحق {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىء } أي: ولا يستوي المحسن بالإيمان، والعمل الصالح، والمسيء بالكفر، والمعاصي، وزيادة «لا» في، {ولا المسيء} للتأكيد {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } قرأ الجمهور: {يتذكرون} بالتحتية على الغيبة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، لأن قبلها، وبعدها على الغيبة لا على الخطاب، وقرأ الكوفيون بالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات، أي: تذكراً قليلاً ما تتذكرون. {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } أي: لا شك في مجيئها، وحصولها {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك، ولا يصدقونه لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم عن إدراك الحجة، والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث. ثم لما بيّن سبحانه أن قيام الساعة حق لا شك فيه، ولا شبهة، أرشد عباده إلى ما هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود، فأمر رسوله: أن يحكي عنه ما أمره بإبلاغه، وهو: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قال أكثر المفسرين المعنى: وحدوني، واعبدوني أتقبل عبادتكم، وأغفر لكم. وقيل: المراد بالدعاء: السؤال بجلب النفع، ودفع الضر. قيل: الأوّل أولى؛ لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو: العبادة. قلت: بل الثاني أولى؛ لأن معنى الدعاء حقيقة، وشرعاً هو: الطلب، فإن استعمل في غير ذلك، فهو: مجاز، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو: عبادة، بل مخ العبادة كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدّل القول لديه، ولا يخلف الميعاد. ثم صرّح سبحانه بأن هذا الدعاء باعتبار معناه الحقيقي، وهو الطلب هو من عبادته، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ } أي: ذليلين صاغرين، وهذا وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، وفيه لطف بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل حيث توعد من ترك طلب الخير منه، واستدفاع الشرّ به بهذا الوعيد البالغ، وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم، وعوّلوا في كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التعويل عليه، وكفل لكم الإجابة به بإعطاء الطلبة، فهو الكريم المطلق الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم، وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين. قيل: وهذا الوعد بالإجابة مقيد بالمشيئة، أي: أستجب لكم إن شئت كقوله سبحانه: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } تفسير : [الأنعام: 41] الله، قرأ الجمهور: {سيدخلون} بفتح الياء، وضم الخاء مبنياً للفاعل، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وورش، وأبو جعفر بضم الياء، وفتح الخاء مبنياً للمفعول. ثم ذكر سبحانه بعض ما أنعم به على عباده، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } من الحركات في طلب الكسب لكونه جعله مظلماً بارداً تناسبه الراحة بالسكون، والنوم {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } أي: مضيئاً، لتبصروا فيه حوائجكم، وتتصرفوا في طلب معايشكم {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } يتفضل عليهم بنعمه التي لا تحصى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } النعم، ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها، وكفرهم بها كما هو شأن الكفار، أو لإغفالهم للنظر، وإهمالهم لما يجب من شكر المنعم، وهم: الجاهلون {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلّ شَىْء لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } بيّن سبحانه في هذا كمال قدرته المقتضية لوجوب توحيده، قرأ الجمهور خالق بالرفع على أنه خبر بعد الخبر الأوّل عن المبتدأ، وقرأ زيد بن عليّ بنصبه على الاختصاص {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أي: فكيف تنقلبون عن عبادته، وتنصرفون عن توحيده؟ {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } أي: مثل الإفك يؤفك الجاحدون لآيات الله المنكرون لتوحيده. ثم ذكر لهم سبحانه نوعاً آخر من نعمه التي أنعم بها عليهم مع ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرته، وتفرّده بالإلهية، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَاء بِنَـاء } أي: موضع قرار فيها تحيون، وفيها تموتون {وَٱلسَّمَاء بِنَاء } أي: سقفاً قائماً ثابتاً. ثم بيّن بعض نعمه المتعلقة بأنفس العباد، فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } أي: خلقكم في أحسن صورة. قال الزجاج: خلقكم أحسن الحيوان كله. قرأ الجمهور: (صوركم) بضم الصاد، وقرأ الأعمش، وأبو رزين بكسرها. قال الجوهري: والصور بكسر الصاد لغة في الصور بضمها {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } أي: المستلذات {ذٰلِكُمْ } المنعوت بهذه النعوت الجليلة {ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي: كثرة خيره، وبركته {هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي: الباقي الذي لا يفنى المنفرد بالألوهية {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي: الطاعة، والعبادة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال الفراء: هو خبر، وفيه إضمار أمر، أي: احمدوه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. قال السيوطي: بسند صحيح عن أبي العالية قال: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون في أمره، فعظموا أمره، وقالوا: نصنع كذا، ونصنع كذا، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ }» قال: لا يبلغ الذي يقول: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } فأمر نبيه أن يتعوّذ من فتنة الدجال لخلق السماوات، والأرض أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية قال: هم: اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } قال: عظمة قريش. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدعاء هو: العبادة» تفسير : ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } قال: عن دعائي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ }». قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرج ابن مردويه، والخطيب عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الدعاء هو العبادة، وقال ربكم: {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ }»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قال: وحدوني أغفر لكم. وأخرج الحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله في الآية قال: اعبدوني. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدعاء الاستغفار»تفسير : وأخرح ابن أبي شيبة، والحاكم، وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يدع الله يغضب عليه» تفسير : وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والطبراني، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء» تفسير : وأخرج الترمذي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدعاء مخّ العبادة»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أفضل العبادة الدعاء، وقرأ: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } الآية. وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ العبادة أفضل؟ فقال: «حديث : دعاء المرء لنفسه» تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: من قال: لا إلٰه إلاّ الله، فليقل على أثرها: الحمد لله ربّ العالمين، وذلك قوله: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله ربّ العالمين}.

الخازن

تفسير : {ولقد آتينا موسى الهدى} يعني النبوة وقيل التوراة {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة وقيل سائر الكتب المنزلة على أنبيائهم {هدى وذكرى لأولي الألباب} قوله تعالى: {فاصبر} أي يا محمد على أذاهم {إن وعد الله حق} أي في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي نسخت آية القتال آية الصبر {واستغفر لذنبك} يعني الصغائر وهذا على قول من يجوزها على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل يعني على ترك الأولى والأفضل وقيل على ما صدر منه قبل النبوة وعند من لا يجوز الصغائر على الأنبياء يقول هذا تعبد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليزيده درجة ولتصير سنة لغيره من بعده وذلك لأن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي والأول مقدم وهو التوبة من الذنوب والثاني الاشتغال بالطاعات وهو قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك} أي نزه ربك عما لا يليق بجلاله وقيل صل شاكراً لربك {بالعشي والإبكار} يعني صلاة العصر وصلاة الفجر وقال ابن عباس الصلوات الخمس {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} يعني كفار قريش {إن في صدورهم} يعني ما في قلوبهم {إلا كبر} قال ابن عباس ما حملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة {ما هم ببالغيه} يعني ببالغي مقتضى ذلك الكبر وقيل معناه إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك وقيل نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سطانه البر والبحر ويرد الملك إلينا قال الله تعالى: {فاستعذ بالله} أي من فتنة الدجال {إنه هو السميع} يعني لأقوالهم {البصير} يعني بأفعالهم. قوله عز وجل: {لخلق السموات والأرض} يعني مع عظمهما {أكبر من خلق الناس} أي من إعادتهم بعد الموت والمعنى أنهم مقرون أن الله تعالى خلق السموات والأرض وذلك أعظم في الصدور من خلق الناس فكيف لا يقرون بالبعث بعد الموت {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني أن الكفار لا يعلمون حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها، وقال قوم معنى أكبر من خلق الناس أي أعظم من خلق الدجال ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال. (فصل في ذكر الدجال) (م) عن هشام بن عروة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال" تفسير : معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال (ق) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال إنه أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافئة" تفسير : ولأبي داود والترمذي عنه قال "حديث : قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور" تفسير : (ق) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من نبي إلا وقد أنذر قومه الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر" تفسير : وفي رواية لمسلم "بين عينيه كافر ثم تهجى ك ف ر ويقرؤه كل مسلم" "حديث : عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال، فقال إن بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض. والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها. والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ضرس من البهائم إلا هلكت ومن أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك قال: فيقول: بلى، فيتمثل الشيطان نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعاً وأعظمه أسنمة ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك ألست تعلم أني ربك فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أخيه ونحو أبيه قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغمّ مما حدثهم قالت وأخذ بلحمتي الباب فقال مهيم أسماء فقلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء: فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن عجيناً فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ، قال: يجزيهم ما يجزىء أهل السماء من التسبيح والتقديس" تفسير : وفي رواية عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار" تفسير : هذا حديث أخرجه البغوي بسنده والذي جاء في صحيح مسلم قال "حديث : قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض قال أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه قلنا يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة أتكفينا له صلاة يوم قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال كالغيث استذرته الريح" تفسير : وفي رواية أبي داود عنه "فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته وفيه ثم ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله" (ق) عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد والذي يرى الناس أنه ماء فنار محرقة فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار فإنه ماء عذب بارد" تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة ولنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه" تفسير : (ق) "حديث : عن المغيرة بن شعبة قال "ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي ما يضرك قلت إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك" تفسير : عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من سمع بالدجال فلينأ منه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به الشبهات أو قال لما يبعث به من الشبهات" تفسير : أخرجه أبو داود (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقب من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق" تفسير : (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك" تفسير : عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الدجال يخرج بأرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب (م). عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة" تفسير : عن مجمع بن جارية الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. قال الشيخ محيي الدين النووي: قال القاضي عياض هذه الأحاديث التي وردت في قصة الدجال حجة للمذهب الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده فأقدره على أشياء من المقدورات من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره وإتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت ويقع كل ذلك بقدرة الله تعالى وفتنته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ابن مريم عليه السلام ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافاً للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريق وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنها لو كانت حقاً لضاهت معجزات الأنبياء وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الربوبية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل لا يغتر به إلا عوام من الناس لشدة الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو خوفاً من فتنته لأن فتنته عظيمة جداً تدهش العقول وتحير الألباب ولهذا حذرت الأنبياء من فتنته فأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون بما معه لما سبق من العلم بحاله ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلا بصيرة قوله "حديث : قلت يا رسول الله إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله تعالى من ذلك"تفسير : معناه هذا أهون على الله تعالى من أن يجعل ما خلقه الله عز وجل على يده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم بل إنما جعله الله له ليزداد الذين آمنوا إيماناً وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك لأنه ثبت في الحديث أن معه ماء وناراً فماؤه نار وناره ماء بارد والله تعالى أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ...} الآية لما بين أنه تعالى ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ}. قال مقاتل: هُدًى من الضلالة، يعني التوراة، ويجوز أن يكون المراد الدلائل القاهرة التي أوردها على فرْعَون وأتباعهِ وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد بالهدى النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} وهو التوراة {هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} يعنى أنه تعالى لمنا أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العِلْمُ فيهم وتَوارَثُوهُ خَلَفاً عن سَلَفٍ. وقيل: المراد سائر الكتب أنزلها الله عليهم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل كالتوراة والإنجيل والزَّبُور. قوله: "هُدًى وَذِكْرَى" فيهما وجهان: أحدهما: أنهما مفعول من أجْلِهِمَا أي لأجل الهُدَى والذكر. والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال. والفرق بين الهدى والذكرى، أن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار مَنْسِيًّا، وأما الذكرى فهو الذي يكون كذلك، فكتب أنبياء الله تعالى مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة. ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال مُوسى خاطب بعد ذلك محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على أذَاهُمْ، إن وعد الله حق في إظهار دينك وهلاك أعدائك. وقال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصَّبْر. قوله: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} قيل: المصدر مضاف للمفعول أي لذنب أمتك في حقك. والظاهر أن الله تعالى يقول ما أراد وإن لم يجز لنا نحن أن نضيف إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: ذنباً، قال المفسرون: هذا تعبد من الله تعالى ليزيده به درجة، وليصير سنة لمن بعده. قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} صَلِّ شكراً لربك بالعَشِيِّ والإبْكَارِ، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.

القشيري

تفسير : مضى طَرَفٌ من البيان في قصة موسى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا} بمحض فضلنا {موسى} ابن عمران {الهدى} ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع {واورثنا بنى اسرآئيل الكتاب} الايراث ميراث دادن. والمراد بالكتاب التوراة ولما كان الايراث الحقيقى انما يتعلق بالمال تعذر حمله على معناه هنا فاريد التبرك مجازا اشعارا بأن ميراث الانبياء ليس الا العلم والكتاب الهادى فى باب الدين والمعنى وتركنا عليهم من بعد موسى التوراة اذ سائر ما اهتدى به فى امر الدين قد ارتفع بموت موسى عليه السلام وبالفارسية ميراث داديم بنى اسرآئيل را يعنى فرزندان يعقوب راتورات يعنى باقى كذاشتيم درميان ايشان تورات را. فهم و ورثوا التوراة بعضهم من بعض قرنا بعد قرن

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد آتينا موسى الهدى}؛ ما يهتدي به من المعجزات، أو الشرائع والصُحف. {وأورثنا بني إِسرائيل الكتابَ} أي: تركنا فيهم التوراة، يرثه بعضهم من بعض، أو: جنس الكتاب، فيصدق بالتوراة والإنجيل والزبور؛ لأنَّ المنزَّل عليه منهم. قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي، الناطق بالحكمة والموعظة. هـ. حال كون الكتاب {هُدًى وذكرى} أي: هادياً ومُذكِّراً، أو: إرشاداً وتذكرة {لأولي الألبابِ}؛ لأولي العقول الصافية، العالِمين بما فيه، العاملين به. {فاصبرْ إِنَّ وَعْدَ الله حقٌّ} أي: فاصبر على ما يُجرّعك قومك من الغُصَص {إِنَّ وعد الله} بنصرك وإعلاء دينك، على ما نطق به قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171 ـ 173]، {حقٌّ} لا يحتمل الاختلاف بحال. قال الطيبي: الآية تشير إلى نصره على أعدائه، كموسى، وأنه يظهر دينه على الدين كله، ويورث كتابه؛ ليعتصموا به، فيكون لهم هُدًى وذكرى، وعزّاً وشرفاً. هـ. أي: ولذلك قدّم ذكر موسى على بشارته بالنصر؛ ليتم التشبيه. {واستغفر لذنبك}، تشريعاً لأمتك؛ فإِنَّ الاستغفار يمحو الذنوب التي تعوق عن النصر، أو: تداركاً لِمَا فرط منك من ترك الأَوْلَى في بعض الأحايين، فإِنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين. والحاصل: أن كل مقام له ذنب يليق به، وهو التقصير في القيام به على ما يليق به، فالنبي صلى الله عليه وسلم كُلف بدوام الشهود ولو في حال التعليم، فإذا غاب عن الحق لحظة بشغل البال بالتعليم، كان في حقه نقصاً يُوجب الاستغفار. ثم قال: {وسبّحْ بحمد ربك بالعشيّ والإِبكار} أي: دُم على التسبيح ملتبساً بحمده، أي: قل: سبحان الله وبحمده، أو: صَلّ في هذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وعشيّاً، وقيل: هما صلاة العصر والفجر، خصصهما لشرفهما. {إِنَّ الذين يُجادلون في آياتِ الله} ويجحدونها {بغير سُلطانٍ}؛ برهان {أتاهُم} من جهته تعالى، بل عناداً وحسداً. وتعليق المجادلة بذلك، مع استحالة إتيانه؛ للإيذان بأن التكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى برهان، وهذا عام لكل مجادل، محق أو مبطل، وإن نزل في مشركي مكة. وقوله: {إِن في صُدورِهم إِلا كِبْرٌ}: خبر "إِنْ"، أي: ما في قلوبهم إلا تكبُّر عن الحق، وتعاظم عنه، وهو إرادةُ التقدم والرئاسة، وألا يكون أحدٌ فوقهم، فلذلك عادوك، ودفعوا آياتك، خيفة أن تتقدمهم، ويكونوا تحت قهرك؛ لأن النبوة تحتها كُل ملك ورئاسة، أو: إرادة أن تكون لهم النبوة دونك، حسداً وبغياً، كقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]، {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11]. ثم وصف كِبْرَهم بقوله: {ما هم ببالغِيه} أي: ما هم ببالغي موجب ذلك الكبر ومقتضاه، وهو ما أرادوه من التقدُّم والرئاسة، وقيل: نزلت في اليهود، وهم المجادلون، كانوا يقولون: لست صاحبنا المذكور في التوراة، بل هو المسيح ابن داود، يعنون الدجال، يخرج في آخر الزمان، فيبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا المُلك فسمى الله تمنيهم بذلك كِبْراً، ونفى أن يبلغوا متمناهم. {فاستعذ بالله}؛ فالتجىء إليه من كبد مَن يحسدك، ويبغي عليك، {إِنه هو السميعُ} لِمَا تقول ويقولون، {البصير} بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم، وعاصمك من شرهم. الإشارة: فاصبر أيها المتوجه إلى الله، إنَّ وعد الله بالفتح حق إن صبرت، وكابدت ولم تملّ، واستغفر لذنبك، وتطهرْ من عيبك، لتدخل حضرة ربك. قال الورتجبي: "واستغفر لذنبك" أي: لما جرى على قلبك من الأحكام البشرية، وأيضاً: استغفر لرؤية وجودك في وجود الحق، فإنَّ كون الحادث في وجود القديم ذنب في إفراد القدم من الحدوث. انظر تمامه. وقوله تعالى: {وسبّح...} الخ، فيه الحث على التوجُّه إلى الله في هذين الوقتين، فإن العبرة بالافتتاح والاختتام، فمَن فتح يومه بخير، وختمه بخير، حكم على بينهما. وقال في أهل الإنكار: {إِن الذين يُجادلون في آيات الله...} الآية، فاستعذ بالله منهم، وغِبْ عنهم بإقبالك على مولاك. وبالله التوفيق. ولمَّا كانت مجادلة الكفرة في آيات الله مشتملة على إنكار البعث، احتج عليهم بقوله: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} اى اعطيناه وصف الهداية للخلق بان جعلناه رسولاً اليهم، او كونه مهديّاً بان هديناه الى ما ينبغى ان يهتدى اليه، او آتيناه ما يهتدى به من الآيات او من الاحكام او من التّوراة {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة واحكامها، او كتاب التّوراة.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْهُدَى} المعجزات والصحف والتوراة والشرائع وجميع ما أتاه من باب الدين كالحكم وقيل النبوة وقيل التوراة والحكمة* {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَآئِيلَ الْكِتَابَ} التوراة من بعد موسى وقيل سائر الكتب المنزلة على أنبيائهم أي جعلناها وراثية

اطفيش

تفسير : {ولقَد آتيْنا مَوسَى الهُدى} التوراة والصحف والشرائع والمعجزات، سماهن هدى، لأنهن الآلة لاهتدائه، أو مبالغة كأنهن نفس الهدى {وأورثنا بني إسْرائيل الكتاب} التوراة، وهذا تخصيص بعد تعميم، فان التوراة بعض ذلك الهدى، وما أوتى موسى قد أوتوه، ويحتمل أن ما عدا التوراة، وايراثهم اعطاءهم فى ذلك فى حياة موسى مستمرا بعده، وهذا أولى من أن يعتبر ما بعد موته بمعنى أنه مات، وخلفها فيهم على أن الايراث مجاز مرسل عن التمليك، والاعطاء لعلاقة الاطلاق والتقييد، أو استعارة أصلية اشتق منه، أورث على التبعية، أو الكتاب التوراة والصحف والزبور والانجيل، لأنهن كلهن على أنبياء بنى اسرائيل {هُدى} هداية {وذكرى} تذكيرا لغيرهم، أو اهتداء وتذكرا لأنفسهم، والنصب على التعليل أو على الحال من الكتاب بمعنى هاديا ومذكرا {لأولي الألباب} خصوا لأنهم المنتفعون.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ } ما يهتدي به من المعجزات والصحف والشرائع فهو مصدر تجوز به عما ذكر أو جعل عين الهدى مبالغة فيه. {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ} تركنا عليهم بعد وفاته عليه السلام من ذلك التوراة فالإيراث مجاز مرسل عن الترك أو هو استعارة تبعية له، ويجوز أن يكون المعنى جعلنا بني إسرائيل آخذين الكتاب عنه عليه السلام بلا كسب فيشمل من في حياته عليه السلام كما يقال: العلماء ورثة الأنبياء، وهو وجه إلا أن اعتبار بعد الموت أوفق في الإيراث والعلاقة عليه أتم، وإرادة التوراة من الكتاب هو الظاهر، وجوز أن يكون المراد به جنس ما أنزل على أنبيائهم فيشمل التوراة والزبور والإنجيل.

ابن عاشور

تفسير : هذا من أوضح مُثُل نصر الله رسله والذين آمنوا بهم وهو أشبه الأمثال بالنصر الذي قدره الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإن نصر موسى على قوم فرعون كوَّن الله به أمةً عظيمة لم تكن يؤبه بها وأوتيتْ شريعة عظيمة ومُلكاً عظيماً، وكذلك كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكان أعظمَ من ذلك وأكملَ وأشرفَ. فجملة: {ولقد ءاتينا مُوسىٰ الهُدَىٰ} الخ معترضة بين {أية : إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلنَا}تفسير : [غافر: 51] وبين التفريع عليه في قوله: {أية : فاصبر إن وعد الله حق}تفسير : [غافر: 55]، وأيّ نصر أعظم من الخلاص من العبودية والقِلة والتبعِ لأمة أخرى في أحكام تلائم أحوال الأمة التابعة، إلى مصير الأمة مالكة أمر نفسها ذات شريعة ملائمة لأحوالها ومصالحها وسيادة على أمم أخرى، وذلك مَثَل المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعدَه وهو إيماء إلى الوعد بأن القرآن الذي كذَّب به المشركون باقٍ موروث في الأمة الإِسلامية. والهُدى الذي أوتيه موسى هو ما أوحي إليه من الأمر بالدعوة إلى الدين الحق، أي الرسالة وما أنزل إليه من الشريعة وهي المراد بالكتاب، أي التوراة، وهو الذي أورثه الله بني إسرائيل، أي جعله باقياً فيهم بعد موسى عليه السلام فهم ورثوه عن موسى، أي أخذوه منه في حياته وأبقاه الله لهم بعد وفاته، فإطلاق الإِيراث استعارة. وفي ذلك إيذان بأن الكتاب من جملة الهدى الذي أوتيه موسى، قال تعالى: { أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} تفسير : [المائدة: 44]، ففي الكلام إيجاز حذف تقديره: ولقد آتينا موسى الهدى والكتابَ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب، فإن موسى أُوتى من الهدى ما لم يرثه بنو إسرائيل وهو الرسالة وأوتي من الهدى ما أُورثه بنو إسرائيل وهو الشريعة التي في التوراة. و {هُدىً} و {ذِكْرَى} حالان من {الكتاب}، أي هدى لبني إسرائيل وذكرى لهم، ففيه علم ما لم يعلمه المتعلمون، وفيه ذكرى لما علمه أهل العلم منهم، وتشمل الذكرى استنباط الأحكام من نصوص الكتاب وهو الذي يختص بالعلماء منهم من أنبيائهم وقضاتهم وأحبارهم، فيكون {لأُوْلِي الألْبٰبِ} متعلقاً بـــ {ذكرى}. وأولو الألباب: أولو العقول الراجحة القادرة على الاستنباط.

الشنقيطي

تفسير : اللام في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} موطئة للقسم وصيغة الجمع في آتينا وأورثنا للتعظيم. والمراد بالهدى ما تضمنه التوراة من الهدى في العقائد والأعمال: وأورثنا بني إسرائيل الكتاب وهو التوراة، وقوله: هدى وذكرى لأولي الألباب مفعول من أجله أي لأجل الهدى والتذكير. وقال بعضهم: هدى حال، وورود المصدر المنكر حالاً معروف، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتة زيد طلع تفسير : وقال القرطبي: هدى بدل من الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله أنزل التوراة على موسى وأنزل فيها الهدى لبني إسرائيل جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 2]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [السجدة: 23] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} تفسير : [المائدة: 44] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [القصص: 43] وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 154] {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 145] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد آتينا موسى الهدى: أي أعطينا موسى بني إسرائيل المعجزات والتوراة. وأورثنا بني إسرائيل: أي أبقينا فيهم التوراة كتاب الهداية الإِلهية يهتدون به في ظلمات الحياة ويذكرون به الله في تراكم النسيان. واصبر إن وعد الله حق: أي واصبر يا محمد على ما تلاقي من قومك إن وعد الله بنصرك حق. واستغفر لذنبك: ليقتدي بك في ذلك ولزيادة طهارة لروحك وتزكية لنفسك. وسبح بحمد ربك: أي نزه ربك وقدسهُ بالصلاة والذكر والتسبيح فيها وخارجها. بالعشي والإِبكار: بالمساء وأول النهار أي في أوقات الصلوات الخمس كلها. إن في صدورهم إلا كبر: أي ما في صدورهم إلا كبر حملهم على الجدال في الحق، لا أن لهم علماً يجادلون به، وإنما حبهم العلو والغلبة حملهم على ذلك. فاستعذ بالله: أي استعذ من شرهم بالله السميع لأقوالهم العليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم. لخلق السماوات والأرض: أي لخلق السماوات والأرض ابتداء ولأول مرة. أكبر من خلق الناس: أي أعظم من خلق الناس مرة أخرى بعد الأولى. معنى الآيات: قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} الآية شروع في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يلاقي من قومه فأعلمه تعالى أنه قد سبق أن أرسل موسى وآتاه الكتاب الذي هو التوراة وأورثه في بني إسرائيل هدى أي هاديا لهم في ظلمات الحياة إلى الحق والدين الصحيح الذي هو الإِسلام وذكرى لأولي الألباب أي يذكر به أولوا العقول، ولاقى موسى من قومه أشد مما لاقيت إذاً فاصبر على ما تعانيه من قريش وأن العاقبة لك فإن وعد الله حق وقد قال إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد أي يوم القيامة. وقوله: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} أرشده إلى مقومات الصبر والموفرات له وهي ذكر الله تعالى بالاستغفار والدعاء والصلاة والتسبيح فيها وخارجها. فأعظم عون على الصبر الصلاة فلذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فَزِعَ إلى الصلاة وقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي حجة من علم إلهي أتاهم بطريق الوحي إن في صدورهم أي ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه أي لا يصلون إليه بحال وهو الرئاسة عليك والتحكم فيك وفي أصحابك. وعليه فاستعذ بالله من شرهم ومن مكرهم إنه تعالى هو السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم وأعمالهم، وسوف لا يمكن لهم منك أبداً لقدرته وعلمه وعجزهم وجهلهم. وقوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} هذا رد على منكري البعث والجزاء الآخر فلما قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون.. قال تعالى: وعزتنا وجلالنا لخلق السماوات والأرض ابتداء من غير مثال سابق ولا مادة قائمة موجودة أكبر من خلق الناس مرة أخرى بعد خلقهم المرة الأولى، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق العلمية لجهلهم وبعدهم عن العقليات لما عليهم من طابع البداوة وإلا فإعادة الشيء أهون من بدئه عقلا فليس الاختراع كالإصلاح للمخترع إذا فسد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان منة الله تعالى على موسى وبني إسرائيل تتكرر لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإنزال الكتاب وتوريثه فيهم هدى وذكرى لأولي الألباب. 2- وجوب الصبر والتحمل في ذات الله، والاستعانة على ذلك بالاستغفار والذكر والصلاة. 3- أكثر من يجادل بالباطل ليزيل به الحق إنما يجادل من كبر يريد الوصول إليه وهو التعالي والغلبة والقهر للآخرين. 4- تقرير عقيدة البعث بالبرهان العقلي، وهو أن البدء أصعب من الإِعادة ومن أبدأ أعاد، ولا نصب ولا تعب!!

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {إِسْرَائِيلَ} {ٱلْكِتَابَ} (53) - وَلَقَدْ أَعْطَينَا مُوسَى الشَّرَائِعَ والمُعْجِزَاتِ التِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيهِ التَّوْرَاةَ وَفِيهَا مَا يَهْدِي بِهِ قَوْمَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَوَارَثُوهُ خَلَفاً مِنْ سَلَفٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (الهُدَى) يعني: الدلالة على الطريق الموصِّلة إلى الغاية النافعة، كما قال تعالى في أول البقرة: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5] فالدين لم يأتِ ليكلفكم أو يشقّ عليكم، إنما جاء الدينُ رحمةً بكم وليكون مركبَ النجاة والهداية الذي تركبونه فيحملكم ويُوصِّلكم إلى الغاية النافعة لكم {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} [غافر: 53] أي: التوراة والإنجيل والزبور. كل هذه الكتب {هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [غافر: 54] معنى (ذِكْرى) أي: تذكرةً لأن الإنسان إذا استمر على طبيعته الأصيلة بدون تأثر بعوامل الفساد تظل مناعة العهد القديم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] موجودة عنده تحميه، لكنه قد ينسى هذا العهد وينحرف عن الجادة، والإنسان من طبيعته النسيان؛ لذلك تأتي الرسل للتذكرة بهذا العهد الأول. ومعنى {ٱلأَلْبَابِ} [غافر: 54] أي: العقول المفكرة المتأملة.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه، وتوطيناً له على تحمل أعباء الرسالة الجالبة لأنواع المكروهات من النفوس المجبولة على الشقاوة والضلال والتبصر على أذياتهم: {وَ} الله {لَقَدْ آتَيْنَا} من كمال فضلنا وجودنا أخاك {مُوسَى} الكليم {ٱلْهُدَىٰ} أي: الشرائع والمعجزات الدالة على كمال الهداية والإرشاد إلى سبيل الرشاد والسداد {وَ} بعد انقراض موسى {أَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} [غافر: 53] أي: التوراة المنزلة عليه. وأبقيناها بينهم؛ لتكون {هُدًى} هادياً إلى ما هداهم موسى من الأمور الدينية {وَذِكْرَىٰ} أي: عظة وتذكيراً يتذكرون به إلى ما يرمون من المقاصد الدينية والمعالم اليقينية، لا لكل أحد من العوام، بل {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [غافر: 54] الألباء المستكشفين عن سائر الأمور الدينية بمقضتى العقول المستقيمة المفاضة لهم من المبدأ الفياض. ومع ذلك سمعت يا أكمل الرسل قصص أولئك الهالكين في تيه العتو والعناد، وما جرى بينهم وبين الرسل المبعوثين إليهم من التجار، والتنازع المفضي إلى أذى الأنبياء العظام والرسل الكرام، فصبروا على أذاهم إلى أن ظفروا عليهم بنصر الله إياهم وإعلاء دينه المنزل عليهم من عنده سبحانه. {فَٱصْبِرْ} أنت أيضاً يا أكمل الرسل على ما أصابك من أذيات هؤلاء الجهلة المستكبرين المعاندين معك، وانتظر إلى ما وعدك الحق من النصر والظفر وإعلاء دين الإسلام، وإظهاره على الأديان كلها {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} العليم القدير الحكيم الخبير {حَقٌّ} ثابت محقق إنجازه ووفاؤه، إلا أنه مرهون بوقته، فيسنصرك ويغلبك على أعدائك عن قريب، ويبقى آثار هدايتك وإرشادك بين أوليائك إلى النشأة الأخرى {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} أي: اشتغل في عموم أوقاتك بالاستغفار لفرطاتك؛ ليكون استغفارك هذا سنة سنية منك لأمتك {وَسَبِّحْ} أيضاً {بِحَمْدِ رَبِّكَ} في جميع حالاتك وأوقاتك؛ إذ كل نفس من أنفاسك يستلزم شكراً منك، سيما {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [غافر: 55] أي: في أول النهار وأواخره؛ إذ هما وقتان خاليان عن تزاحم الأشغال وتفاقم الآمال، وبالجملة: كن مع ربك في جميع أحوالك وأطوارك، يكفي مؤنة جميع من عاداك وعاندك. ثم قال سبحانه: {إِنَّ} المشركين المعاندين {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ} ويخاصمون معك يا أكمل الرسل {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة عليك لتأييد دينك وشأنك على سبيل المكابرة والعناد {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي: حجة وبرهان {أَتَاهُمْ} وفاض عليهم من ربهم على طريق الوحي والإلهام {إِن فِي صُدُورِهِمْ} أي: ما في صدورهم وضمائرهم شيء يبعثهم على المجادلة {إِلاَّ كِبْرٌ} وخيلاء مركوز في جبلتهم، تقية لثروتهم ورئاستهم على زعمهم الفاسد، مع أنه {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} على مقتضى ما جبلوا في نفوسهم؛ إذ هم سيغلبون عن قريب في هذه النشأة الأولى، ويحشرون إلى جنهم البعد والخذلان في الأخرى {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} القوي القادر، والتجئ إليه سبحانه عن غدر كل غادر {إِنَّـهُ} سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [غافر: 56] بنياتهم وأفعالهم، يكفيك مؤنة ما يقصدون عليك بمقتضى آرائهم الباطلة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر ما جرى لموسى وفرعون، وما آل إليه أمر فرعون وجنوده، ثم ذكر الحكم العام الشامل له ولأهل النار، ذكر أنه أعطى موسى { الْهُدَى } أي: الآيات، والعلم الذي يهتدي به المهتدون. { وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } أي: جعلناه متوارثًا بينهم، من قرن إلى آخر، وهو التوراة، وذلك الكتاب مشتمل على الهدى الذي هو: العلم بالأحكام الشرعية وغيرها، وعلى التذكر للخير بالترغيب فيه، وعن الشر بالترهيب عنه، وليس ذلك لكل أحد، وإنما هو { لأولِي الألْبَابِ }. { فَاصْبِرْ } يا أيها الرسول كما صبر من قبلك من أولي العزم المرسلين. { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: ليس مشكوكًا فيه، أو فيه ريب أو كذب، حتى يعسر عليك الصبر، وإنما هو الحق المحض، والهدى الصرف، الذي يصبر عليه الصابرون، ويجتهد في التمسك به أهل البصائر. فقوله: { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } من الأسباب التي تحث على الصبر على طاعة الله وعن ما يكره الله. { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } المانع لك من تحصيل فوزك وسعادتك، فأمره بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور، وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصًا { بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } اللذين هما أفضل الأوقات، وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما فيهما، لأن في ذلك عونًا على جميع الأمور.