Verse. 4188 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

فَاصْبِرْ اِنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ وَّاسْتَـغْفِرْ لِذَنْۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْاِبْكَارِ۝۵۵
Faisbir inna waAAda Allahi haqqun waistaghfir lithanbika wasabbih bihamdi rabbika bialAAashiyyi waalibkari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاصبر» يا محمد «إن وعد الله» بنصر أوليائه «حق» وأنت ومن تبعك منهم «واستغفر لذنبك» ليستن بك «وسبِّح» صل متلبساً «بحمد ربك بالعشي» وهو من بعد الزوال «والإبكار» الصلوات الخمس.

55

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك «إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} قيل: لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوّز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء؛ كما قال تعالى: {أية : وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا}تفسير : [آل عمران: 194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} يعني صلاة الفجر وصلاة العصر؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غُدْوة وركعتان عشيّة. عن الحسن أيضاً ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. وقوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} بالشكر له والثناء عليه. وقيل: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجاً منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ} يخاصمون {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي حجة {أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم إن اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعاً، فاعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل: اليهود؛ فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السورة. والمعنى: إن تعظَّموا عن اتباعِ محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن قريب فيردّ الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله (فذلك كبر لا يبلغونه) فنزلت الآية فيهم. قاله أبو العالية وغيره. وقد تقدم في «آل عمران» أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب «التذكرة». وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن؛ لأنه يعم. وقال مجاهد: معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمراً كبيراً يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه. قوله تعالى: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} قيل: من فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر الكفار. وقيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. {إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} «هُوَ» يكون فاصلاً ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. قوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} مبتدأ وخبره. قال أبو العالية: أي أعظم من خلق الدجال حين عظّمته اليهود. وقال يحيـى بن سلام: هو احتجاج على منكري البعث؛ أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها. {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك. قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ولا يستوي العامل للصالحات {وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} الذي يعمل السيئات. {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ} هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أوّل الكلام؛ لأنها توكيد الجملة إلا أنها تُزحلَق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول: إن عمراً لخارج؛ وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إنّ؛ لأنهما يؤدّيان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إنّ وأنّ عند البصريين. وأجاز هشام إنّ أنّ زيداً منطلق حقّ؛ فإن حذفت حقّاً لم يجز عند أحد من النحويين علمته؛ قاله النحاس. {لاَّ رَيْبَ فِيهَا} لا شك ولا مرية. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدّقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱصْبِرْ } يا محمد {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بنصر أوليائه {حَقٌّ } وأنت ومن تبعك منهم {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } ليستنّ بك {وَسَبّحْ } صلّ متلبسا {بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ } وهو من بعد الزوال {وَٱلإبْكَٰرِ } الصلوات الخمس.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعطائه، أو أن يعذب كفار مكة {وَاسْتَغْفِرْ} من ذنب إن كان منك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} صلِّ بأمر ربك {بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ} صلاة العصر والغداة، أو العشي ميل الشمس إلى أن تغيب والإبكار أول الفجر، أو هي صلاة مكة قبل فرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية "ح".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [الآية: 55]. سئل بعضهم: الصبر على العافية أشد أم الصبر على البلاء؟ فقال: طلب السلامة فى الأمن أشد من طلب السلامة فى الخوف. قال النباحى: الصبر على الطاعة خوف فوق الآخرة. وقال أيضًا: الصبر حصن من حصون الصدق ومنه يرحل إلى الآخرة والصبر فى الطاعة سبب يوصل إلى منازل الصدق والصبر كهف من كهوف اللطيف.

القشيري

تفسير : الصبرُ في انتظار الموعود من الحقِّ على حسب الإيمان والتصديق؛ فَمَنْ كان تصديقهُ ويقينُه أتمَّ وأقوى كان صبرُه أتم وأوفى. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}: وهو - سبحانه - يُعْطِي وإن توَهَّمَ العبدُ أنه يُبْطِي. ويقال الصبر على قسمين: صبرٌ على العافية، وصبرٌ على البلاء،والصبرُ على العافية أشدُّ من الصبر على البلاء، فصبرُ الرجال على العافية وهو أتمُّ الصبر. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ}. وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب، ولم يكن جميعُ استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر: {أية : وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [محمد: 19] وهنا لم يذكر ذلك. ويمكن حَمْلُ الذَّنْبِ على ما كان قبل النبوة؛ إذ يجوز أن يكون العبد قد تاب من الزَّلَّة ثم يجب عليه الاستغفار منها كلما ذكرها، فإن تجديد التوبة يجب كما يجب أصلُ التوبة.

البقلي

تفسير : اى فاصر فى بلائنا فانّ النصر مع النصر وان الظفر مع تحمل البلاء وان وعد كشف الجمال الازلى من الله لك ولمحبتك حق واستغفر لما جرى على قلبك من احكام البشرية وايضا استغفر لوجودك فى وجود الحق فان كون الحادث فى كون القدم ذنب فى افراد القدم عن الحدث وايضا استغفر من وقوفك على مقامك بين يدى فان الوقوف فى ميادين الازل والأباد ذنب لسلاّك المحبة ونزهنى وقت اشراق انوار شمس وجودى لك من ان تدركنى بالحقيقة وحمدنى ومدنى حين تعيب عنك وبقيت فى الصحو من السكر سئل بعضهم الصبر على العافية اشداء على البلاء فقال طلب السّلامة فى الامن اشد من طلب السّلامة فى الخوف.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاصبر} مترتب على قوله انا لننصر رسلنا وقوله ولقد آتينا الخ فالجملة المعترضة للبيان والتأكيد لنصرة الرسل كأنه قيل اذا سمعت ما وعدت به من نصرة الرسل وما فعلناه بموسى فاصبر على ما اصابك من اذية المشركين فهو غير منسوخ بآية السيف اذ الصبر محمود فى كل المواطن {ان وعد الله} بالنصرة وظهور الاسلام على الاديان كلها وفتح مكة ونحوها {حق} لا يحتمل الاخلاف اصلا واستشهد بحال موسى وفرعون {واستغفر لذنبك} تداركا لما فرط منك من ترك الاولى فى بعض الاحيان فانه تعالى كافيك فى نصرة دينك واظهاره على الدين كله وفى عين المعانى واستغفر من ذنب ان كان منك وقيل هذا تعبد من الله لرسوله ليزيد به درجة وليصير ذلك سنة لمن بعده وفى عرآئس البقلى واستغفر لما جرى على قلبك من احكام البشرية وايضا استغفر لوجودك فى وجود الحق فان كون الحادث فى كون القديم ذنب وقيل واستغفر لذنب امتك وفيه أن هذا لا يجرى فى قوله تعالى {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} تفسير : كما سيأتى فى سورة محمد وقال ابن الشيخ فى حواشيه والظاهر أنه تعالى يقول ما اراد أن يقوله وان لم يجر لنا أن نضيف اليه عليه السلام ذنبا انتهى. يقول الفقير كلام ابن الشيخ شيخ الكلمات وذلك لأن مرتبة النبوة ارفع من مرتبة الولاية فان احدا من الامة وان كان واصلا الى اقصى الغايات بحسب مرتبته فهو لا يدرى حال النبى فوقه اذ لا ذوق له من مرتبته فكيف يضيف اليه ذنبا لا يعرفه فلا يطمع على حقيقة الذنب المضاف اليه عليه السلام الا الله كالتصلية فى قوله تعالى {أية : ان الله وملائكته يصلون على النبى} تفسير : فانها سر غامض بينه تعالى وبين رسوله فليس لاحد سبيل الى معرفته ومن هذا القبيل سهوه عليه السلام فى بعض المواضع فانه ليس من قبيل السهوى الذى تعرفه الامة شعر : ندانم كدامين سخن كويمت كه والاترى زانجه من كويمت تفسير : {وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار} اى ودم على التسبيح ملتبسا مقرونا وبحمده تعالى او على قوله سبحان الله وبحمده فالمقصود من ذكر العشى والابكار الدلالة على المداومة عليهما فى جميع الاوقات بناء على ان الابكار عبارة عن اول النهار الى نصفه والعشى عبارة عن نصف النهار الى اول النهار من اليوم الثانى فيدخل فيهما كل الاوقات وفى الآية اشارة الى قلب الطالب الصادق بالتصبر على اذى النفس والهوى والشيطان ان وعد الله حق فى نصرة القلب المجاهد مع كافر النفس وظفره عليها واستغفر لذنبك ايها القلب اى مما سرى اليك من صفات النفس وتخلقت باخلاقها فاستغفر لهذا الذنب فانه صدأ مرءآة القلب ودم على الطاعات وملازمة الاذكار فانه تصفو مرءآة القلب عن صدأ الاخلاق الذميمة قالوا ظاهر البدن من عالم الشهادة والقلب من عالم الملكوت وكما ينحدر من معارف القلب آثار الى الجوارح كذلك قد يرتفع من احوال الجوارح التى هى من عالم الشهادة آثار الى القلب فاذا لا بد من الاشتغال بظواهر الاعمال اصلاحا للحال وتنويرا وتصفية للبال فمن ليس له فى الدنيا شغل وقد ترك الدنيا على اهلها فماله لا يتنعم بخدمة الله تعالى فيلزم ان يديم العمل لله من غير فتور اما ظاهرا او باطنا قلبا وقالبا والا فباطنا وترتيب ذلك أنه يصلى ما دام منشرحا والنفس مجيبة فان سئم تنزل من الصلاة الى التلاوة فان مجرد التلاوة اخف على النفس من الصلاة فان سئم التلاوة ايضا يذكر الله بالقلب واللسان فهو اخف من القرآءة فان سئم الذكر ايضا يدع ذكر اللسان ويلازم المراقبة والمراقبة علم القلب بنظر الله تعالى اليه فما دام هذا العلم ملازما للقلب فهو مراقب والمراقبة عين الذكر وافضله وان عجز عن ذلك ايضا وتملكته الوساوس وتزاحم فى باطنه حديث النفس فلينم وفى النوم السلامة والا فكثرة حديث النفس تقسى القلب ككثرة الكلام لأنه كلام من غير لسان فيحترز من ذلك فيقيد الباطن بالمراقبة والرعاية كما يقيد الظاهر بالعمل وانواع الذكر والتسبيح ويداوم الاقبال على الله ودوام الذكر بالقلب واللسان يرتقى القلب الى ذكر الذات ويصير حينئذ بمثابة العرش فالعرش قلب الكائنات فى عالم الخلق والحكمة والقلب عرش فى عالم الامر والقدرة فاذا اكتحل القلب بنور ذكر الذات وصار بحرا مواجا من نسيمات القرب جرى فى جد اول اخلاق النفس صفاء النعوت والصفات وتحقق التخلق باخلاق الله تعالى شعر : غير ذكر خدا جه سرجه جهر نيست دلرا نصيب وجانرا بهر نور حق جون زدل ظهور كند ظلمت تن جه شر وشور كند تفسير : وفى الحديث "حديث : رأيت رجلا من امتى يتقى وهج النار وشررها عن وجهه بيده فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه ورأيت رجلا من امتى جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاء حسن خلقه واخذ بيده وادخله على الله ورأيت رجلا من امتى غلقت ابواب الجنة له فجاءت شهادة ان لا اله الا الله ففتحت له الابواب وادخلته الجنة" تفسير : جعلنا الله واياكم من اهل الاخلاق والاحوال وصالحات الاعمال

الجنابذي

تفسير : {فَٱصْبِرْ} لمّا كان ذكر الامم الماضية ورسلهم (ع) وهلاكهم بسبب تكذيب الرّسل (ع) وذكر موسى (ع) وفرعون كلّها لتسلية الرّسول (ص) فى تكذيب قومه وتركهم للولاية قال بعد ما ذكر حكايتهم بطريق التّفريع فاصبر {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بنصرتك {حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} كرّر الآية لتعليل امره بالصّبر {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} اى الانصراف عن الحقّ والاستكبار على اهل الحقّ {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} اى بالغى ذلك الكبر ومقتضاه {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} منه او منهم {إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاستعاذتك فيعيذك ولما يقولون فيك ويدبّرونه فلا يدعهم ينفذ مكرهم فيك {ٱلْبَصِيرُ} بك وبهم، وبما تفعل ويفعلون، وبكبرك ان استكبرت وبكبرهم.

اطفيش

تفسير : {فَاصْبِرْ} يا محمد* {إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} وعده بنصر أو أيده بأن يهلك عدوهم ويظهر دينهم واقع لأجله لا محالة ولا يخلف الميعاد* والمراد وعده لك بالنصر وللمؤمنين حق واقع كما نصر موسى ومن معه على فرعون وقومه. قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر قلت ينبغى ألا نسخ فى مثل هذا بل أمره بالصبر على ما يكره منهم مع انه يقاتلهم، وقد بلغ ملكه منتهى الخف والحافر* {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} قل اللهم اغفر ذنبي مع أنه لا ذنب لك، لأزيدك درجة وسنه للمذنب وذلك أن مجامع الطاعة التوبة عما لا ينبغي والاشتغال بما ينبغى والأول مقدم وهو التوبة من الذنوب وقيل ذنبه ما كان الأولى له خلافه كترك الأولى والأفضل وقيل ذنبه ما صدر منه قبل النبوة وقيل صغائر قلت فى وصف نبينا بكبيرة أشرك ولا يوصفون بصغيرة أيضاً ولا يشرك واصفهم بها وما فعلوه قبل النبوة ليس صغيرة ولا كبيرة، هذا مذهبنا معشر الاباضية وكأنه سمى اهتمامه بأمر الأعداء ذنباً مع انه طاعة لأن الأولى الاقبال على الطاعة التى هي سواه والله يكفيه أمرهم ويظهر دينه {وَسَبِّحْ} مقترناً* {بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ} المراد التعميم لما بين الوقتين أيضاً (والتسبيح) التلفظ بما يدل على تنزيه الله عما لا يليق و (الحمد) الثناء بالجميل وقيل (التسبيح) هنا الصلاة و (الحمد) الشكر فقال ابن عباس: الصلوات الخمس، وقال الحسن: (أراد صلاة العصر وصلاة الفجر وقيل كان الواجب بمكة ركعتين عشية وركعتين بكرة. قال الطبري: البكرة من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وقيل من طلوع الشمس الى ارتفاع الضحى و {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللهِ} القرآن* {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} برهان* {أَتَاهُمْ} نعت سلطان والمراد بالمجادلين كفار قريش ويدخل بعموم اللفظ كل مجادل مبطل* {إِن} نافية {فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم أو ارادة الرئاسة والنبوة والملك وقيل: نزلت في اليهود بقول يخرج صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال ويبلغ سلطانه البحر والبر وتسير معه الانهار وهو آية من آيات الله فيرجع الينا الملك فسمي تمنيهم كبراً لانهم يريدون به ابطال آياته تعاظماً ويدل انهم أرادوا النبوة بغياً وحسدا قوله {أية : لو كان خيراً ما سبقونا اليه} تفسير : {مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} نعت لكبر أي لا يبلغون مقتضى كبرهم من الرئاسة ونحوها كالنبوة بل تحتها كل رياسة وجملة ان النافية وما بعدها خبر لان* {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ} التجئ اليه من كيد من يحسدك ومن جميع ما يضرك وقيل من فتنة الدجال وقيل من شر هؤلاء* {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} أي العليم بما يقولون وما تقولون* {الْبَصِيرُ} بما يعملون وما تعمل فهو عاصمك منهم

اطفيش

تفسير : {فاصْبِر} إذا عرفت ذلك فاصبر على إيذاء المشركين والتبليغ {إنَّ وعْد الله} لك وللمؤمنين بالنصر المذكور فى قوله تعالى: " أية : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا" تفسير : [غافر: 51] أو وعد الله مطلقا فيدخل فيه وعده بالنصر للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {حَق} ثابت لا يتخلف {واسْتَغفر لذنْبك} قال بعض: ما هو ذنب صدر منك قبل النبوة من الصغائر على أنها تقع من الأنبياء قبلها، والصحيح أنها لا تقع، وقيل: ذلك تعبد من الله تعالى، لأن الطاعة إما توبة عما لا ينبغى، وإما اشتغال بما ينبغى. والواضح أن المراد ما هو ذنب فى شأنك لشرف رتبتك، ولم يكن ذنبا فى حق غيرك، مثل ترك الأولى، ومثل أن يهتم قلبك ويتألم بأمر العدو، أو مثل أن يخطر فيه أن ينصرك عمك حمزة والعباس، وتذهل عن أن الله كافيك فى النصر، ولم تستحضر فى الحين، وذلك تعليم للأمة، وقيل: لذنب أمتك المسلمين، وقيل لذنب أمتك فى حقك، وفيه أنه لا يجوز له أن يستغفر لذنوب المشركين، وان أريد ذنوب المسلمين فى حقه جاز بمعنى تقصيرهم فى حقه، فباعتبار أنهم سلبوا حقه فى ذلك، زعم بعض ان الاضافة للمفعول أى لإثمهم فى حقك، وليس هذا مما يصح، إذ ليس إضافة للمفعول صناعة. {وَسبِّح بحَمد ربِّك} قل سبحان الله، والحمد لله، ونحو ذلك، وقيل: دم على عبادة ربك، وقيل: صلاة الفجر وصلاة العصر {بالعَشيِّ والإبْكَارِ} الياء الأولى للملابسة، والثانية بمعنى فى، والإبكار مصدر ناب عن الزمان، اى وقت الدخول فى البكرة، والمراد عموم الأوقات، ويجوز أن يراد الوقتان خصوصا، فيكون التسبيح ركعتين عشيا، وركعتين بكرة، ثم نسخت بالصلوات الخمس، كل ذلك فى مكة، وقيل: فرضت الخمس فى المدينة، والصحيح الأول، ثم إن المشهور ركعتان فقط قبل النسخ، فنقول: فرضت ركعتان فقط فى كل اليوم والليل، على أن المراد بالوقتين العموم، ويجوز على العموم أن يراد الصلوات الخمس، ثم رأيته عن ابن عباس وزيد على الحضرى: اثنتان، وهل الزيادة تنسخ؟ قولان فى أصول الفقه، بسطتهما فى محلها، والذى لى أنها غير نسخ.

الالوسي

تفسير : {فَٱصْبِرْ } أي إذا عرفت ما قصصناه عليك للتأسي فاصبر على ما نالك من أذية المشركين {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } إياك والمؤمنين بالنصر المشار إليه بقوله سبحانه: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [غافر: 51] أو جميع مواعيده تعالى ويدخل فيه وعده سبحانه بالنصر دخولاً أولياً {حَقٌّ } لا يخلفه سبحانه أصلاً فلا بد من وقوع نصره جل شأنه لك وللمؤمنين، واستشهد بحال موسى ومن معه وفرعون ومن تبعه {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } أقبل على أمر الدين وتلاف ما ربما يفرط مما يعد بالنسبة إليك ذنباً وإن لم يكنه، ولعل ذلك هو الاهتمام بأمر العدا بالاستغفار فإن الله تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر، وقيل: {لِذَنبِكَ} لذنب أمتك في حقك، قيل: فإضافة المصدر للمفعول. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلأَبْكَارِ } أي ودم على التسبيح والتحميد لربك على أنه عبر بالظرفين وأريد جميع الأوقات، وجوز أن يراد خصوص الوقتين، والمراد بالتسبيح معناه الحقيقي كما في الوجه الأول أو الصلاة، قال قتادة: أريد صلاة الغداة وصلاة العصر، وعن الحسن أريد ركعتان بكرة وركعتان عشياً، قيل: لأن الواجب بمكة كان ذلك، وقد قدمنا / أن الحسن لا يقول بفرضية الصلوات الخمس بمكة فقيل: كان يقول بفرضية ركعتين بكرة وركعتين عشياً. وقيل: إنه يقول كان الواجب ركعتين في أي وقت اتفق، والكل مخالف للصريح المشهور، وجوز على إرادة الدوام أن يراد بالتسبيح الصلاة ويراد بذلك الصلوات الخمس، وحكى ذلك في «البحر» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله: {أية : إنَّا لنَنصُر رُسُلنا}تفسير : [غافر: 51] أي فاعلم أنّا ناصروك والذين آمنوا واصبر على ما تلاقيه من قومك ولا تهن. وجملةُ: {إن وعد الله حق} تعليل للأمر بالصبر. و {إنّ} للاهتمام بالخبر وهي في مثل هذا المقام تغني غناء فاء التعليل فكأنه قيل: فوعد الله حق ويفاد بأن التأكيد الذي هو للاهتمام والتحقيق. ووعد الله هو وعد رسوله بالنصر في الآية السابقة وفي غير ما آية. والمعنى لا تستبطىء النصر فإنه واقع، وذلك ما نصر به النبي صلى الله عليه وسلم في أيامه على المشركين يوم بدر ويوم الفتح ويوم حنين وفي أيام الغزوات الأخرى. وما عرض من الهزيمة يوم أُحُد كان امتحاناً وتنبيهاً على سوء مغبة عدم الحفاظ على وصية الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يبرحوا من مكانهم ثم كانت العاقبة للمؤمنين. وعُطف على الأمر بالصبر الأمرُ بالاستغفار والتسبيح فكانَا داخلين في سياق التفريع على الوعد بالنصر رمزٌ إلى تحقيق الوعد لأنه أَمَرَ عقبه بما هو من آثار الشكر كنايةً عن كون نعمة النصر حاصلة لا محالة، وهذه كناية رمزية. والأمر بالاستغفار أمر بأن يطلب من الله تعالى المغفرة التي اقتضتها النبوءة، أي اسأل الله دوام العصمة لتدوم المغفرة، وهذا مقام التخلية عن الأكدار النفسية، وفيه تعريض بأن أمته مطلوبون بذلك بالأحرى كقوله: {أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركتَ ليحبطن عملك}تفسير : [الزمر: 65] وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار تعبداً وتأدباً. وأمر بتسبيح الله تعالى وتنزيهه بالعشي والإِبكار، أي الأوقات كلها فاقتصر على طرفي أوقات العمل. والعشيّ: آخر النهار إلى ابتداء ظلمة الليل، ولذلك سمي طعام الليل عشاء، وسميت الصلاة الأخيرة بالليل عشاء. والإِبكار: اسم لبُكرة النهار كالإِصباح اسم للصباح، والبكرة أول النهار، وتقدمت في قوله: {أية : أن سبحوا بكرة وعشياً}تفسير : في سورة [مريم: 11]. وتقدم العشيّ في قوله: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}تفسير : في سورة [الأنعام: 52]. وهذا مقام التحَلِّي بالكمالات النفسية وبذلك يتم الشكر ظاهراً وباطناً. وجُعل الأمران معطوفين على الأمر بالصبر لأن الصبر هنا لانتظار النصر الموعود، ولذلك لم يؤمر بالصبر لمَّا حصَل النصر في قوله: {أية : إذا جاء نَصْرُ الله والفَتْحُ ورَأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلونَ في دِين الله أفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ} تفسير : [النصر: 1 ــــ 3] فإن ذلك مقام محض الشكر دون الصبر. وقد أخبر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما في أول سورة الفتح، فتعين أن أمره بالاستغفار في سورة غافر قبلَ أن يخبره بذلك، لطلب دوام المغفرة، وكان أمره به في سورة النصر بعدَ أن أخبره بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، للارشاد إلى شكر نعمة النصر، وقد قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن عبادته: "إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال؛ «أفلا أكون عبداً شكوراً». وكان يُكثر أن يقول في سجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». بعد نزول سورة {أية : إذَا جَاءَ نَصْرُ الله}تفسير : [النصر: 1] قالت عائشة رضي الله عنها يتأول القرآن. وبحكم السياق تعلم أن الآية لا علاقة لها بفرض الصلاة ولا بأوقاتها وإنما هي على نحو قوله تعالى: {أية : فسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ واستَغْفره}تفسير : في سورة [النصر: 3].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِبْكَارِ} (55) - فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ لأَِمْرِ رَبِّكَ، وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ، وَأَيْقِنْ بِأَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لَكَ، وَنَاصِرُكَ وَمُؤَيِّدُكَ عَلَى مِنْ عَادَاكَ وَعَانَدَكَ، وَكَفَرَ بِرِسَالَتِكَ، وَسَلْ رَبَّكَ المَغْفِرَةِ لِذَنْبِكَ، والصَّفْحَ عَنْكَ، وَصَلِّ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً فِي الصَّبَاحِ والمَسَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {فَٱصْبِرْ} [غافر: 55] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم خُوطب بها في مواطن شدَّة، هذه المواطن قال الله فيها: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214]. وقوله: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [غافر: 55] الوعد هو: الإخبار بالخير قبل أوانه، ووعد الله حق. يعني: متحقق لأن الوعد أنْ تعِدَ إنساناً وتُبشِّره بالخير والنعيم والسعادة، فهل تقدر وتضمن أن تفِيَ بوعدك؟ لا فربما تموت قبل أنْ يأتي أوانه، أو تضعف قدرتك التي تفعل بها فلا تستطيع، أما إذا جاء الوعد من القيوم القادر الذي لا يُعارَض، وهو سبحانه بَاقٍ لا يزول، فهو إذن وعد حَقٌّ لا بدَّ أنْ يتحقق. لذلك يُعلمنا الحق سبحانه ألاَّ نجزم بوعد، ولا تقوله بصورة القطع لأنك من الأغيار، يقول تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23-24]. فتعليق الوفاء على المشيئة يعفيك من الاتهام بالكذب لو لم تفعل فلو قلت أفعل كذا وكذا غداً، هل تملك أسباب الوفاء؟ هل تملك الزمن أو تضمن القوة الفاعلة؟ أبداً لا تضمن بقاء شيء من هذه الأسباب، إذن فَقُلْ: إنْ شاء الله ونزِّه نفسك عن الكذب لو لم تفعل. وقوله: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] يعني: اطلب المغفرة، وكلمة {لِذَنبِكَ} [غافر: 55] هل تعني أن الرسول فعل ذنباً؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يُوحَى إليه، وله رأي ببشريته في الأمور التي لم يأتِ فيها حكم من الله، حتى إنْ كان رأيُه صواباً فرأى الحق سبحانه أصوب. لذلك يصوب له ربه {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] فمن أيِّ شيء يستغفر رسول الله؟ يستغفر الله من استبطاء النصر في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 214] فالنصر آتٍ، فلم استبطاؤه؟ لذلك وردتْ في القرآن آيات تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل شيئاً يُعاتَب عليه، والحق سبحانه صحَّح له وصوَّب له فعله، لكن كيف جاء هذا العتاب؟ تأمل قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43] فقبل أن يعاتبه قدَّم العفو عنه. لكن لماذا أذن الرسول لهؤلاء؟ قالوا: إن الذي شغل رسول الله في هذه المسألة أنه قال في نفسه أن الذي يطلب الإذن مني في ألاَّ يقاتل إما صادق العذر فلا مانع من الإذن له، وإما كاذب العذر وهذا لا خيرَ فيه، وعدمه أفضل من وجوده بين الصفوف، كما قال تعالى: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} تفسير : [التوبة: 47]. ثم إن هذا العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43] لم نعلمه إلا من رسول الله نفسه، ولولا إخباره به ما علمناه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يعاتبه ربه، وأنْ يُصوِّب له اختياره. وقد أوضحنا هذه النقطة في مسألة التبني التي كانت بين سيدنا رسول الله وزيد بن حارثة، وكيف أن الحق سبحانه لما أراد إبطالَ عادة التبني جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة نموذجاً لهذا الحكم الجديد. فزيد كان عبداً عند خديجة ووهبته لرسول الله، ولما علم أهله بوجوده بمكة عند رسول الله جاءوا واستأذنوا فيه رسول الله، فما كان من رسول الله إلا أنْ خيَّره بين البقاء معه أو الذهاب مع أهله، فاختار زيدٌ البقاءَ مع رسول الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أنْ يكرم زيداً لموقفه منه وحُبه للبقاء في صحبته فتبنّاه ونسبه إليه، فصار زيد من يومها يُعرف بزيد بن محمد. لكن أراد الحق سبحانه أنْ يبطل هذه العادة، وأنْ يُحرّم التبني فأنزل: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 5]. فمعنى {أية : أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] أن ما فعله رسول الله قسط وعدل، لكن حكم الله أقسط وأعدل، فهل هذا التصويب يُغضب رسول الله؟ أبداً بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا به ولو كتمه رسول الله ما عرفناه. كذلك في قوله تعالى في أسرى بدر: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال: 67] لما اختلفوا في أخذ الفداء من الأسرى، وعاتب الله رسوله بهذه الآية، لكن هل تغير الحكم بعد ذلك؟ لا بل ظل كما هو وقال تعالى: {أية : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 68]. فكأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر هذه المسألة، خاصة وأن الحكم كما هو لم يتغير، إذن: نحن لم نعلم معتبة الله على رسوله إلا من الرسول نفسه، والمتأمل في عتاب الحق سبحانه لرسوله يجد أنه إما عتاب لمصلحته هو صلى الله عليه وسلم، أو عتاب لأن جانبَ الصواب الذي حكم به الحق سبحانه، كما في هذه المسألة التي ذكرناها. أما العتاب لمصلحته صلى الله عليه وسلم فمثل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} تفسير : [التحريم: 1] وهذا كما تعاتب ولدك على كثرة سهره في المذاكرة وإجهاده لنفسه، كذلك الحق سبحانه يعاتب رسوله أنه ضيَّق على نفسه وشقَّ عليها طلباً لمرضاة أزواجه. كذلك عاتبه في مسألة الأعمى فقال: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ} تفسير : [عبس: 1-10]. والعتاب هنا لأنه صلى الله عليه وسلم شقَّ على نفسه حين ترك هذا الأعمى وانصرف عنه لأنه مؤمن، وذهب إلى صناديد الكفر يدعوهم، ورأى أنهم أوْلَى بالدعوة منه. بعض العلماء أخذوا من قوله تعالى {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] دليلاً على عدم عصمة الأنبياء، وقالوا آخرون: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال في دعائه: "حديث : اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : والبعض له في الآية ملحظ آخر قال: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] لا تدل على وقوع الذنب منه بالفعل، والمعنى: إنْ فعلتَ ذنباً. أي في المستقبل استغفر، مثل قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1] فهل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يتقي الله؟ لا بل هو أمر ابتدائي بالتقوى. ولا يعني أنه صلى الله عليه وسلم خالف منهجه فأمره الله بتقواه، كما نرى نحن الآن مخالفاً لمنهج الله فنقول له: يا فلان اتق الله، يعني: استقم على منهجه، واترك المخالفة، واجعل بينك وبين الله وقاية. لذلك قال: الأمر في: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] أمر تعبُّدي، كما جاء في قوله سبحانه: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} تفسير : [آل عمران: 194] الأمر هنا أمر تعبُّدي لأننا نقول آتنا، وهو سبحانه قد وعد رسله بذلك، فهو أمر متحقق واقع. ثم نقول للذين يقولون بوقوع الذنب من الرسل: هل خلعهم الله من الرسالة لأنهم ارتكبوا الذنب؟ أم تركهم رسلاً؟ بل تركهم وأبقى على رسالاتهم، إذن: ما قولك أنت إذا كان ما فعله الرسولُ لا ينافي رسالته، وهو مرضيٌّ عند مَنْ خالفه وأذنب في حقه؟ وقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [غافر: 55] العشي: الوقت من بعد صلاة الظهر إلى آخر النهار، والإبكار من الفجر إلى الضحى، فالمعنى: كُنْ دائماً مُسبِّحاً بحمد ربك. وإذا كان الأمر هنا للرسول صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه من المؤمنين الذين اشتركوا معه في العشيِّ والإبكار، فهو من ناحية أخرى أمرٌ للناس كافَّة في الزمان وفي المكان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم. إذن: فالعشيُّ والإبكار هنا شائع في الزمان كله والمكان كله، فكلٌّ له عشيٌّ وإبكار يناسب زمانه ومكانه، وهذا يعني أنْ يظلَّ تسبيحُ الله شائعاً في الزمان والمكان مستمراً لا ينقطع أبداً، هذا إذا نظرنا إلى اختلاف الأوقات من مكان لمكان. لذلك قلنا: إن رَبْط التكاليف والعبادات بدورة الهلال يُراد بها استدامة دورة العبادة لله تعالى، فلو كانت مرتبطة بالشمس كانت تتحد الأوقات عند الناس، إنما بحساب الهلال ترى أن هذا يصلي الصبح، في نفس الوقت الذي يصلي فيه آخرُ الظهر، وآخرُ العصرَ، وآخر المغرب، وهكذا، إذن: فالحق سبحانه معبود في كلِّ وقت بكل وقت. ومعنى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [غافر: 55] يعني: تسبيحاً موصولاً بالحمد، لأن التسبيحَ تنزيهٌ لله تعالى، وما دام الحق مُنزَّهاً عن كل النقائص فثمرة هذا التنزيه عائدة عليك أنت، أنت المستفيد من كوْن ربك الذي آمنت به واحداً مُنزَّهاً عن النقائص.

همام الصنعاني

تفسير : 2683- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}: [الآية: 55]، قال: صلاةَ الفجر والعصر، وكل شيءٍ في القرآن من ذكر التسبيح، فهي صلاة. 2684- عبد الرزاق، عن الثّوري، عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قال: "حديث : إن أرواح آل فرعونَ في أَجْوافِ طير سود، تُعرضُ عَلَى النَّارِ كل يوم مرتين، يُقالُ: يا آل فرعون هذه دراكم ".