Verse. 4189 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يُجَادِلُوْنَ فِيْۗ اٰيٰتِ اللہِ بِغَيْرِ سُلْطٰنٍ اَتٰىہُمْ۝۰ۙ اِنْ فِيْ صُدُوْرِہِمْ اِلَّا كِبْرٌ مَّا ہُمْ بِبَالِغِيْہِ۝۰ۚ فَاسْتَعِذْ بِاؘ۝۰ۭ اِنَّہٗ ہُوَالسَّمِيْعُ الْبَصِيْرُ۝۵۶
Inna allatheena yujadiloona fee ayati Allahi bighayri sultanin atahum in fee sudoorihim illa kibrun ma hum bibaligheehi faistaAAith biAllahi innahu huwa alssameeAAu albaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يجادلون في آيات الله» القرآن «بغير سلطان» برهان «أتاهم إن» ما «في صدورهم إلا كبْر» تكبّر وطمع أن يعلوا عليك «ما هم ببالغيه فاستعذ» من شرِّهم «بالله إنه هو السميع» لأقوالهم «البصير» بأحوالهم، ونزل في منكري البعث.

56

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدىء رداً على الذين يجادلون في آيات الله، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى نبّه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوّة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة. ثم قال تعالى: {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد، بل لا بدّ وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك، ثم قال: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } بما يقولون، أو تقول {ٱلبَصِيرُ } بما تعمل ويعملون، فهو يجعلك نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم. واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالاً، فقال {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله وثالثها: أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السمٰوات والأرض هو الله سبحانه وتعالى، ويعلمون بالضرورة أن خلق السمٰوات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السمٰوات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب، ولما بيّن الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون، نبّه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىء } فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل، والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة، ثم قال: {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } يعني أنهم وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد، إلا أنه قليلاً ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل، والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد، فإن الحسد يعمي قلوبهم، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة، فهذا هو المراد من قوله {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } قرأ عاصم وحمزة والكسائي {تَتَذَكَّرُونَ } بالتاء على الخطاب، أي قل لهم قليلاً ما تتذكرون، والباقون بالياء على الغيبة. ولما قرر الدليل الدال على إمكان وجود يوم القيامة، أردفه بأن أخبر عن وقوعها ودخولها في الوجود فقال: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِى ءايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ } برهان {أَتَٰهُمْ إِن } ما {فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } تكبّر وطمع أن يعلوا عليك {مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ } من شرهم {بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالهم {ٱلبَصِيرُ } بأحوالهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {سُلْطَانٍ} حجة {كِبْرٌ} العظمة التي في كفار قريش ما هم ببالغيها، أو ما يستكبر من الاعتقاد وهو تأميل قريش أن يهلك الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، أو قول اليهود الدجَّال منا وتعظيمه واعتقادهم أنهم سيملكون وينتقمون منا {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} من كفرهم {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لأقوالهم {الْبَصِيرُ} بضمائرهم.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ...} الآية لما ابتدأ بالرد على الذين يُجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} أي ما يحملهم على هذا العمل الباطل إلا الكبر الذي في صدروهم. قال ابن عباس: والمراد ما في قلوبهم، والصدر موضع القلب فكني به عن القلب لمجاورته. قوله: {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر؛ لأن الله عزّ وجلّ مذلّهم. قال ابن قتيبة: "إن في صدورهم إلا تكبر على محمد، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك". وقوله {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} قال المفسرون: نزلت في اليهودِ، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا صاحبنا المسيحُ بنُ داود ـ يعنون الدّجّال ـ يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد المُلْكَ إلينا، قال الله تعالى: فاستعذ بالله من فتنة الدجال إنه هو السميع البصير. وقال ابن الخطيب: يعني بقوله {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} يعنى أنهم يريدون أذاك، ولا يصلون إلى هذا المراد بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك. ثم قال تعالى: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك إنه هو السَّمِيعُ بما يقولون أو تقول "البَصِيرُ" بما يعملون وتعمل فهو يجعلك نَافِذَ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمراً بشغل غيرهما من باب الأولى، لأن أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال والاهتمام بالابتداء والتمام، وآخره وقت التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل والشرب وما يتبعهما، وكان ذلك موجباً للاشتغال عن أعداء الدين رأساً، وكان ذلك أمراً على النفوس شاقاً, علله بما يقتضي المداومة على الأعمال والإعراض عنهم لأن خذلانهم أمر قد فرغ منه فقال معللاً للمداومة على الطاعة: {إن الذين يجادلون} أي يناصبون بالعداوة لنقل أهل هذا الدين عنه إلى ما هم عليه من الباطل، ولفت القول إلى الجلالة الدالة على نهاية العظمة تهويناً لشأنهم فقال: {في آيات الله} أي الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا {بغير سلطان} أي أمر مسلط ودليل مسلك {أتاهم إن} أي ما {في صدورهم} بصدودهم عن سواء السبيل، وآذن ذكر الصدور دون القلوب لعظم الكبر جداً بأنه قد ملأ القلوب, وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها {إلا كبر} أي عن اتباع الحق مع إشراق ضيائه واعتلاء لألائه إرادة إطفائه أو إخفائه، والكبر إرادة التقدم والتعظم والرئاسة، وأن يكون مريد ذلك فوق كل أحد {ما هم ببالغيه} أي ببالغي مقتضاه من إبطال الدين تكبراً عن أن يكونوا تحت أوامره، لا يبلغون ذلك بوجه من الوجوه، ولا بد أن يظهر الدين بنصر الرسول ومن تبعه من المؤمنين على أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من أنواع الكافرين، ثم يبعثون فيكون أعداؤهم أسفل سافلين صغرة داخرين. ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحاً وتلويحاً بما أفاده أسلوب كلام القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يخطر في البال أنه تعالى وصف نفسه في مطلع السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء, وأن الذي بهم إنما هو إرادة أن يكونوا عالين غالبين، عنه قوله تعالى: {فاستعذ} أي اطلب العوذ {بالله} المحيط بكل شيء من شر كبرهم كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك كما أنجز له، ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي على ما له من البطون {هو} أي وحده {السميع} لكل ما يمكن أن يسمع. ولما كان السياق للعياذ من شياطين الإنس الذين لهم المكر الظاهر والباطن، ختم بقوله: {البصير *} الصالح للبصر والبصيرة فيعم المحسوس والمعلوم، وختم آيتي الأعراف وفصلت المسبوقتين لنزغ الشيطان الذي هو وساوس وخطرات باطنة بالعليم. ولما كان أعظم النظر في آية المجادلة المكررة من أول السورة إلى هنا إلى البعث وصيرورة العباد إلى الله بالحشر ليقع فيه الحكم الفصل، وتتحقق نصرة الأنبياء وأتباعهم يوم يقوم الأشهاد، دل على قدرته عليه بما هو كالتعليل لما نفى في آية المجادلة من بلوغهم لما قصدوا من الكبر، فقال مؤكداً تنزيلاً للمقر العالم منزلة الجاهل المعاند لمخالفة فعله لاعتقاده: {لخلق السماوات} أي خلق الله لها على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها {والأرض} على ما ترون من عجائبها وكثرة متاعها {أكبر} عند كل من يعقل من الخلق في الخلق {من خلق الناس} أي خلق الله لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما، فعلم قطعاً أن الذي قدر على ابتدائه على عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم {ولكن أكثر الناس} وهم الذين ينكرون البعث وغيره مما يمكن أن تتعلق به القدرة وصح به السمع {لا يعلمون *} أي لا علم لهم أصلاً، بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم، فهم لا يستدلون بذلك على القدرة على البعث كما أن البهائم ترى الظاهر فلا تدرك به الباطن، بل هم أنزل رتبة من البهائم، لأن هذا النحو من العلم في غاية الظهور فهو كالمحسوس، فمن توقف فيه كان جماداً. ولما ثبت بهذا القياس الذي لا خفاء به لا دافع له ولا مطعن فيه أن القادر على خلق الكبير ابتداء قادر على تسوية الصغير إعادة، وثبت به أيضاً أن خلق الناس ليس مستنداً إلى طبائع السماوات والأرض وإلا لتساووا في العلم والجهل، والقدر والهيئة والشكل، لأن اقتضاء الطبائع لذلك على حد سواء لا تفاوت فيه، وهي لا اختيار لها، وكان من الناس من يقول: إن هذا الإيجاد إنما هو للطبائع، ومن هؤلاء فرعون الذي مضى في هذه السورة كثير من كشف عواره وإظهار عاره، دل على إبطاله بأن ذلك قول يلزمه التساوي فيما نشأ عن ذي الطبع لأن لا اختيار له ونحن نشاهد الأشياء مختلفة، فدل ذلك قطعاً على أنها غير مستندة إلى طبيعة بل إلى فاعل مختار، فكان التقدير بما أرشد إليه سياق الآية قطعاً مع ختمها بنفي العلم وعطف ما بعدها على غير مذكور: وأقلهم يعلمون، فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له، فإنه ما يستوي العالم والجاهل: {وما يستوي} أي بوجه من الوجوه من حيث البصر {الأعمى والبصير *} وذلك موجب للعلم بأن استناد المتخالفين ليس إلى الطبيعة، بل إلى فاعل مختار. ولما ذكر الظلام والنور الحسيين، أتبعه المعنويين نشراً مشوشاً ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود، كالذهب الإبريز بين النقود، فقال: {والذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ثبتت أو لا {وعملوا الصالحات} كذلك فكانوا محسنين {ولا المسيء} أي الثابت الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - والله أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن والمسيء، ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي، عطف البصير بغير "لا" ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير، لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع دقيق، واقتصر على الواو في عطف {الذين آمنو} لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقاً والمؤمن الموصوف فريقاً، وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين كالبصير، وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى، فكان من الجلي معرفة أن المراد نفي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف للمسيء، وزيدت "لا" في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة، وأنها بالاختيار، وهذا بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت "لا" هناك لتوهم متوهم أن المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات، فيوجد حينئذ الطعن بأن الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جداً لا يمكن نفوذ البصر فيه، ومنها خفيف جداً يكون تسميته ظلاماً بالنسبة إلى النور الساطع، والآية من الاحتباك: ذكر عمل الصالحات أولاً دليلاً على ضدها ثانياً، والمسيء ثانياً دليلاً على المحسنين أولاً، وسره أنه ذكر الصلاح ترغيباً والإساءة ترهيباً. ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى: {قليلاً ما يتذكرون} أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس لأن المتذكر غاية التذكر - بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى في التبكيت، وأدل على الغضب. ولما ثبت بهذا كله تمام القدرة, وانتفى ما توهمه من لا بصر له من الطبائع, ثبت قطعاً قوله: {إن الساعة} أي القيامة التي يجادله فيها المجادلون {لآتية} وعزتي! للحكم بالعدل في المقارنة بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ومسيئهم، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسيء وهو في غاية النعمة والمعصية، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة، والمظلوم قبل أن ينتصف من الظالم، ولهذا الأمر الظاهر قال: {لا ريب فيها} أي لا شك في إتيانها بوجه من الوجوه، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناساً دار رحمتي، وآخرين نقمتي. ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً، نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى: {ولكن أكثر الناس} أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب، وراعى معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت: {لا يؤمنون *} أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمناً من التكذيب مع وضوح علمها لديهم، وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس. ولما كان التقدير: فعل ذلك ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن الجنة نصرة له، والمسيء النار خذلاناً وإهانة له، لما برز به وعده من أنه ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقال لعباده كلهم: آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار، عطف عليه قوله: {وقال ربكم} أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة: {ادعوني} أي استجيبوا لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم "الدعاء هو العبادة" فقد حصر الدعاء في العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما، فمن كان عابداً خاضعاً لله تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما: وحدوني اغفر لكم. وعن الثوري أنه قيل له: ادع، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء: {أستجب} أي أوجد الإجابة إيجاداً عظيماً كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه {لكم} في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به، أو كشف مثله من الضر، أو إدخاره في الآخرة، ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها، فكل ميسر لما خلق له، قال القشيري، وقيل: الدعاء مفتاح الإجابة، وأسنانه لقمة الحلال - انتهى - والآية بمعنى آية البقرة {أية : أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي} تفسير : [آية: 186]. ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر، فكان كأنه قيل: ولا تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين، علله ترهيباً في طيه ترغيب بقوله: {إن الذين يستكبرون} أي يوجدون الكبر، ودل على أن المراد بالدعاء العبادة بقوله: {عن عبادتي} أي عن الاستجابة لي فيما دعوت من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي في جميع ما ينوبهم في الشدة والرخاء {سيدخلون} بوعد لا خلف فيه {جهنم} فتلقاهم جزاء على كبرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة {داخرين *} أي صاغرين حقيرين ذليلين، فالآية من الاحتباك: ذكر الدعاء أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، والعبادة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً. ولما ختم ذلك أيضاً بأمر الساعة، زاد في الدلالة عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا يسوغ معها إهمال الخلق من غير حساب، في دار ثواب وعقاب، بعد الإتقان لدار العمل بالخطإ والصواب، فقال معللاً مفتتحاً بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن المسمى به يهمل المتكبرين عليه مع الإبلاغ في الإحسان إليهم {الله} أي المحيط بصفات الكمال {الذي جعل لكم} لا غيره {الّيل} أي مظلماً {لتسكنوا فيه} راحة ظاهرية بالنوم الذي هو الموت الأصغر، وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة {والنهار مبصراً} لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في المعنى، فالآية من الاحتباك: حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل: للراحة لمن أرادها، والعبادة لمن اعتمدها واستزادها. ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما مضى للطبائع ويجعلها بغير اختيار، قال مستأنفاً أو معللاً مؤكداً: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {لذو فضل} أي عظيم جداً باختياره {على الناس} أي كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع. ولما بلغت هذه الآيات من الدلالة على الوحدانية والبعث ونفى أمر الطبائع حداً قل أن يوجد في غيرها، فكان المخالف مذموماً لذلك غاية الذم، فكان التعميم بالذم للمخالفين واقعاً في أوفق محاله، وكان الاسم قد يراد بعض مدلومه، وكان المراد هنا التعميم، أظهر للإفهام إرادة ذلك، ولم يضمر ليتعلق الحكم بالوصف المفهم للنوس المشير إلى أن صاحبه قاصر عن درجة أول أسنان المؤمنين فيعلم أن هذا النوع مطبوع على ذلك فقال: {ولكن أكثر الناس} أي بما لهم من الاضطراب وعدم الثبات في لزوم الصواب {لا يشكرون *} فينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره جهلاً، أو يعملون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، ويجوز أن يكون المراد بالناس أولاً كل من يتأتى منه النوس، وهو كل من برز من الوجود، وبهم ثانياً الجن والإنس - والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي العالية رضي الله عنه قال‏:‏ إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ إن الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون من أمره فعظموا أمره، وقالوا‏:‏ يصنع كذا‏.‏‏.‏‏.‏ فأنزل الله ‏{‏إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه‏} قال‏:‏ لا يبلغ الذي يقول ‏ {‏فاستعذ بالله‏} ‏ فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال ‏{‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏} ‏ الدجال‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان‏}‏ قال‏:‏ هم اليهود نزلت فيهم، فيما ينتظرونه من أمر الدجال‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏} قال‏:‏ زعموا أن اليهود قالوا‏‏ يكون منا ملك في آخر الزمان، البحر إلى ركبتيه، والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض‏.‏ معه جبل خبز ونهر‏.‏ فنزلت ‏ {‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏إن في صدورهم إلا كبر‏}‏ قال‏:‏ عظمة‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة‏.‏ إنما حملهم على التكذيب الزيغ الذي في قلوبهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏وما يستوي الأعمى والبصير‏} ‏ قال ‏ {‏الأعمى‏} ‏ الكافر ‏ {‏والبصير‏} ‏ المؤمن ‏ {‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون‏}‏ قال‏:‏ هم في بغيهم بعد‏. وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما كان من فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال، وما من نبي إلا حذر قومه ولأخبرنكم عنه بشيء ما أخبره نبي قبلي. فوضع يده على عينه، ثم قال‏:‏ أشهد أن الله ليس بأعور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال‏.‏ وهو أعور بين عينيه طفرة، مكتوب عليه كافر، معه واديان‏؛‏ أحدهما جنة، والآخر نار‏.‏ فناره جنة، وجنته نار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد وصف الدجال لأمته‏.‏ وَلأَصِفَنَّهُ صفةً لم يصفها أحد كان قبلي، إنه أعور، وإن الله عز وجل ليس بأعور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن أبي عبيدة بن الجراح‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر قومه الدجال، وأنا أنذركموه‏.‏ فوصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي قالوا‏:‏ يا رسول الله كيف قلوبنا يومئذ‏؟‏ قال‏:‏ مثلها اليوم أو خير ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد في مسنده والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إني خاتم ألف نبي أو أكثر‏.‏ ما بعث نبي إلا وقد حذر أمته، وإني قد بين لي من أمره ما لم يتبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى جاحظة كأنها في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، ومعه صورة النار سوداء تدخن،‏ يتبعه من كل قوم يدعونهم بلسانهم إليها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور والكذاب‏.‏ ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج يعقوب بن سفيان عن معاذ بن جبل قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني أحذركم أمره. إنه أعور، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه الكاتب وغير الكاتب، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه قد تبين لي ما لم يتبين لأحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"‏حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال‏:‏ إني انذركموه وما من نبي إلا قد أنذر قومه‏.‏ لقد أنذر نوح قومه‏.‏ ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وإن الله ليس بأعور ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ كنا نحدث بحجة الوداع ولا نرى أنه الوداع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما بعث الله من نبي إلا قد أنذر أمته‏.‏ لقد أنذر نوح أمته والنبيون من بعده‏.‏ إلا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم‏.‏ إن ربكم ليس بأعور‏. قالها ثلاثا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : الدجال أعور العين عليها طفرة‏.‏ مكتوب بين عينيه كافر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الدجال أعور جعد حجان أحمر كان رأسه غصن شجرة‏.‏ أشبه الناس بعبد العزى، فأما هلك الهلك فإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لأنا أعلم بما مع الدجال‏.‏ معه نهران يجريان‏.‏ أحدهما رأى العين نار تتأجج، فمن أدرك ذلك فليأت النار الذي يراه، فليغمض عينيه، ثم يطأطىء رأسه يشرب فإنه بارد وإن الدجال ممسوح العين عليه طفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قط‏.‏ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثل الجنة والنار، فالذي يقول هي الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر نوح قومه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من سمع منكم بخروج الدجال فلينأى عنه ما استطاع، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه مما يرى من الشبهات ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال‏:‏ "حديث : ما كان أحد يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مني قال‏: وما تسألني عنه‏؟قلت‏:‏ إن الناس يقولون‏:‏ إن معه الطعام والشراب‏.‏ قال‏:‏ هو أهون على الله من ذلك‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من شر فتنة المسيح الدجال ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من نجا من ثلاثة فقد نجا، قالها ثلاث مرات قالوا‏:‏ ما ذاك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ داء، والدجال، وقتل خليفة يصطبر بالحق يعطيه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال‏:‏ يمكث الناس بعد خروج الدجال أربعين عاماً، ويغرس النخل وتقوم الأسواق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العلاء بن الشخير رضي الله عنه‏:‏ أن نوحاً عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام كانوا يتعوّذون من فتنة الدجال‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ لا يخرج الدجال حتى يكون خروجه أشهى إلى المسلمين من شرب الماء على الظمأ، فقال له رجل‏:‏ لم‏؟‏ قال‏:‏ من شدة البلاء والشر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ حتى لا يكون غائب أحب إلى المؤمن خروجاً منه، وما خروجه بأضر للمؤمن من حصاة يرفعها من الأرض، وما علم أحدهم أدناهم وأقصاهم إلا سواء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي وائل رضي الله عنه قال‏:‏ أكثر أتباع الدجال اليهود، وأولاد الأمهات‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ كان بمقدمة الأعور الدجال ستمائة ألف يلبسون التيجان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ ‏حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان، يتبعه أقوام كان وجوههم المجان المطرقة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب‏،‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده الدجال فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عاصم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوخ العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة كأنه فلان بن عبد العزى، أو عبد العزى بن فلان ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سفينة قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنه لم يكن نبي إلا حذر الدجال أمته‏.‏ أعور العين اليسرى، بعينه اليمنى طفرة غليظة، بين عينيه كافر، معه واديان‏.‏ أحدهما جنة‏.‏ والآخر نار، فجنته نار، وناره جنة، ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء‏.‏ أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول ‏من الناس إلا صاحبه فيقول صاحبه‏:‏ صدقت‏.‏ فيسمعه الناس، فيحسبون ما صدق الدجال، وذلك فتنة ثم يسير حتى يأتي الشام فينزل عيسى، فيقتله الله عند عقبة أفيق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يمكث أبوا الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما غلام أعور‏.‏ أضر شيء. وأقله نفعاً، تنام عيناه ولا ينام قلبه‏.‏ ثم نعت أبويه فقال‏:‏ أبوه رجل طوال ضرب اللحم، طويل الأنف، كان أنفه مهار‏.‏ وأمه امرأة فرغانية، عظيمة "الثديين‏" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم‏، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة، فيأتي المدينة فيجد كل نقب من أنقابها صفوفاً من الملائكة، فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه، ثم ترتجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ لو خرج الدجال لآمن به قوم في قبورهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ يهبط الدجال من كور كرهان، معه ثمانون ألفاً عليهم الطيالسة ينتعلون، كأن وجوههم مجان مطرقة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حوط العبدي عن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ إن أذن حمار الدجال لتظل سبعين ألفا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شهبة‏ عن جنادة بن أمية الدري رضي الله عنه قال‏:‏ دخلت أنا وصاحب لي على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا‏:‏ حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا عن غيره، وإن كان عندنا مصدقاً قال‏:‏ نعم‏.‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏أنذركم الدجال أنذركم الدجال أنذركم الدجال‏.‏ فإنه لم يكن نبي إلا أنذره أمته، وأنه فيكم أيتها الأمة، وأنه جعد آدم ممسوخ العين اليسرى، وإن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، وإن معه نهر ماء، وجبل خبز، وإنه يسلط على نفس فيقتلها، ثم يحييها لا يسلط على غيرها، وإنه يمطر السماء، وينبت الأرض، وإنه يلبث في الأرض أربعين صباحاً حتى يبلغ منها كل منهل، وإنه لا يقرب أربعة مساجد‏:‏ مسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد المقدس، ومسجد الطور، وما عليكم من الأشياء فإن الله ليس بأعور مرتين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الدجال. ممسوخ العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى الشيخ من الأنصار، وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه فليس ينفعه صالح له من عمل له سلف، ومن كفر به وكذبه فليس يعاقب بشيء من عمل له سلف‏.‏ وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، فهزمه الله وجنوده‏.‏ حتى أن حرم الحائط، أو أصل الشجرة ينادي‏:‏ يا مؤمن هذا كافر يستتر بي فتعال فاقتله، ولن يكون ذاك كذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها في أنفسكم، فتتساءلون بينكم‏‏ هل كان نبيكم ذكر لكم منها شيئاً ذكر أو حتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض‏.‏ وأشار بيده إلى الموت "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الدجال يخوض البحار إلى ركبتيه، ويتناول السحاب، ويسبق الشمس إلى مغربها، وفي جبهته قرن منه الحيات، وقد صور في جسده السلاح كله حتى ذكر السيف والرمح والدرق ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ يخرج الدجال فيمكث في الأرض أربعين صباحاً يبلغ منها كل منهل‏.‏ اليوم منها كالجمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ليصحبن الدجال قوم يقولون‏:‏ انا لنصحبه، وانا لنعلم انه كذاب، ولكنا إنما نصحبه لنأكل من الطعام، ونرعى من الشجر، وإذا نزل غضب الله نزل عليهم كلهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال‏:‏ ذكر الدجال عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال‏:‏ لا تكثروا ذكره فإن الأمر إذا قضي في السماء كان أسرع لنزوله إلى الأرض أن يظهر على ألسنة الناس‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} ويجحدونَ بها {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ} في ذلكَ من جهتِه تعالَى، وتقيـيدُ المجادلةِ بذلكَ مع استحالةِ إتيانِه للإيذانِ بأنَّ التكلَم في أمِر الدِّينِ لا بُدِّ من استنادِه إلى سطانٍ مبـينٍ ألبتةَ وهذا عامٌ لكلِّ مجادلٍ مُبطلٍ وإنْ نزلَ في مُشركِي مكَة. وقولُه تعالَى: {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} خبرٌ لإنَّ، أيْ ما فِي قلوبِهم إلا تكبرٌ عن الحقِّ وتعظّمٌ عن التفكرِ والتعلمِ، أو إلاَّ إرادةُ الرياسةِ والتقدمِ على الإطلاقِ أو إلا إرادةُ أنْ تكونَ النبوةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبَما قالُوا: { أية : لوَلا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتينِ عظيمٍ} تفسير : [سورة الزخرف: الآية 31]وقالُوا: {أية : لو كانَ خيراً ما سبقونَا إليهِ} تفسير : [سورة الأحقاف: الآية 11] ولذلكَ يُجادلون فيها لا أنَّ فيها موقعَ جدالٍ ما أو أنَّ لهمُ شيئاً يتوهم أنْ يَصلُحَ مداراً لمُجادلتِهم في الجُملةِ. وقولُه تعالى: {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ} صفةٌ لكِبرٌ. قال مجاهدٌ ما هُم ببالغي مقتضَى ذلكَ الكِبرِ وهُو ما أرادُوه من الرياسةِ أو النبوةِ، وقيلَ المجادلونَ هم اليهودُ وكانُوا يقولونَ لستَ صاحبنَا المذكورَ في التوراةِ بلْ هُو المسيحُ بنُ داودَ يريدونَ الدجَّالَ يخرجُ في آخرِ الزمانِ ويبلغُ سلطانُه البَرَّ والبحرَ وتسيرُ معه الأنهارُ وهُو آيةٌ من آياتِ الله تعالى فيرجعُ إلينا المُلكُ فسمَّى الله تعالَى تمنَّيَهم ذلكَ كبْراً ونَفَى أنْ يبلُغوا مُتمنَّاهُم {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي فالتجىءْ إليهِ من كيدِ مَنْ يحسدُكَ ويبغِي عليكَ وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزاتِ الشياطينِ {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} لأقوالِكم وأفعالِكم. وقولُه تعالَى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تحقيقٌ للحقِّ وتبـيـينٌ لأشهرِ ما يُجادلونَ فيهِ من أمرِ البعثِ على منهاجِ قولِه تعالى: { أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} تفسير : [سورة يس: الآية 81] {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لقصُورِهم في النظرِ والتأملِ لفرطِ غفلتِهم واتباعِهم لأهوائِهم. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي الغافلُ والمستبصرُ {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِيء} أي والمحسنُ والمسيءُ فلا بُدَّ أنْ تكونَ لهم حالٌ أُخرى يظهرُ فيها ما بـينَ الفريقينِ من التفاوتِ وهيَ فيما بعدَ البعثِ وزيادةُ لا في المسيءِ لتأكيدِ النفي لطولِ الكلامِ بالصلةِ ولأنَّ المقصودَ نفي مساواتِه للمحسنِ فيَما له من الفضلِ والكرامةِ والعاطفُ الثاني عطفُ الموصولِ بما عُطفَ عليهِ على الأعمى والبصيرُ لتغايرِ الوصفينِ في المقصودِ أو الدلالةِ بالصراحةِ والتمثيلِ {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} على الخطابِ بطريقِ الالتفاتِ أي تذكراً قليلاً تتذكرون، وقُرِىءَ على الغَيبةِ. والضميرُ للناسِ أو الكفَّارِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} [الآية: 56]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أتاهم الكتاب والسنة والحُجَّة لا يجحدها عاقل كحجة إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، والحجة حجتان: حجة قاطعة كحجة إبراهيم فى معنى اليقين وحجة مردودة إلى المشيئة وهو قوله: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ}تفسير : [الأنعام: 149].

القشيري

تفسير : {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ}: أي بغير حجة. {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} أي ليس في صدورهم إلا كِبْرٌ يمنعهم عن الانقياد للحق، ويبقون به عن الله، ولا يصلون إلى مرادهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين} آورده اندكه كفار مكه درباب قرآن وبعث مجادله مكر دندكه قرآن سخن خدانيست نعوذ بالله وبعث محالست حق سبحانه وتعالى آيت فرستادكه {ان الذين يجادلون فى آيات الله} ويجحدون بها {بغير سلطان} حجة قاهرة {اتاهم} فى ذلك من جهته تعالى وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة اتيانه للايذان بأن التكلم فى امر الدين لا بد من استناده الى سلطان مبين البتة {ان} نافية {فى صدورهم الا كبر} خبر لأن عبر بالصدر عن القلب لكونه موضع القلب وفى الحصر اشعار بان قلوبهم قد خلت عن كل شىء سوى الكبر اى ما فى قلوبهم الا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم او الا ارادة الرياسة والتقدم على النبى والمؤمنين او الا ارادة ان تكون النبوة لهم دونك يا محمد حسدا وبغيا ولذلك يجادلون فيها لأن فيها موقع جدال ما او أن لهم شيئا يتوهم ان يصلح مدارا لمجادلتهم فى الجملة واعتبرت الارادة فى هذين الوجهين لأن نفس الرياسة والنبوة ليستا فى قلوبهم {ما هم ببالغيه} صفة كبر فالضمير راجع الى الكبر بتقدير المضاف اى ما هم ببالغى مقتضى كبرهم وهو دفع الآيات فانى انشر أنوارها فى الآفاق واعلى قدرك او ما هم بمدركى مقتضى ذلك الكبر وهو ما ارادوه من الرياسة والنبوة {فاستعذ بالله} اى التجىء اليه فى السلامة من كيد من يحسد ويبغى عليك {انه هو السميع} لأقوالكم {البصير} لأفعالكم وقيل المجادلون هم اليهود وكانوا يقولون لرسول الله عليه السلام لست صاحبنا المذكور فى التوراة بل هو المسيح بن داود (وفى تفسير الكاشفى) بلكه اوابو يوسف بن مسيح بن داود است. يريدون ان الدجال يخرج فى آخر الزمان ويبلغ سلطانه البرو والبحر وتسير معه الانهار وهو آية من آيات الله فيرجع الينا الملك فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا ونفى أن يبلغوا متمناهم فان الدجال وان كان يخرج فى آخر الزمان لكنه ومن تبعه من اليهود يقتلهم عيسى والمؤمنون بحيث لا ينجو منهم واحد فمعنى قوله فاستعذ بالله اى من فتنة الدجال فانه ليس فتنة اعظم من فتنته قال عليه السلام "حديث : تعوذوا بالله من عذاب النار" فقالوا نعوذ بالله من عذاب النار ثم قال "تعوذوا بالله من عذاب القبر" فقالوا نعوذ بالله من عذاب القبر ثم قال "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" فقالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ثم قال "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" فقالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال تفسير : (وقال الكاشفى) ببايد دانست كه دجال آدمى است زآدميان ديكر بقد بلندتر وبحث بزر كتر ويك جشم است وظهور او يكى از علامات قيامتست وبيغمبرامارات ظهور او بيان كردكه مردم بسه سال بيش از خروج وى بقحط وغلا مبتلا شوند سال اول آسمان از آنجه باريدى ثلثى باز كيرد يعنى امساك ميكند وزمين از آنجه ازو روييدى ثلثى نكاه دارد سال دوم دوثلث باز كيرند ودرسال سوم نه از آسمان باران آيد ونه از زمين كياه رويد وبكون غذآء المؤمنين يومئذ التسبيح والتقديس كأهل السماء بس دجال بيرون آيد وباوى سحر و تمويه بسيار بود وبيشتر خلق متابعت وى كنند الا من عصمه الله تعالى و ديوان دارد كه متمثل شوند بصورت آدميان بس يكى را كويد اكر بدر ومادر ترازنده كنم اقرار كنى بربو بيت من كويد آرى فى الحال ديوان بصورت ابوين او متشكل شوند واورا كويند اى فرزند متابعت وى كن كه آفريد كارتست. القصه همه شهرهارا بكيرد الامكة ومدينة راكه ملائكه باسبانى كنند وجون كار برمؤمنان به تنك آيد حق سبحانه وتعالى عيسى عليه السلام را از آسمان فرو فرستد تاد جال را بكشد ولشكراوكه اغلب يهود باشند بتمامى مستأصل كرداند وشمه از نزول عيسى در سوره زخرف مذكور خواهدشد. وفى الحديث "حديث : لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم انه لرسول الله" تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ان بين يدى الساعة كذابين فاحذروهم" تفسير : كما فى المصابيح وهم الائمة المضلون نعوذ بالله من فتنة الدجاجلة ومن كل فتنة مضلة قال المفسرون قوله ان الذين يجادلون الآية وان نزل فى مشركى مكة لكنه عام لكل مجادل مبطل فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ففيه اشارة الى مدعى اهل الطلب ومجادلتهم مع ارباب الحقائق فيما آتاهم الله من فضله بغير حجة وبرهان بل حسدا من عند انفسهم وليس مانعهم فى قبول الحق وتصديق الصديقين وتسليمهم فيما يشيرون اليه من الحقايق والمعانى الا كبر مما كان فى وصف ابليس اذ أبى واستكبر وقال انا خير منه وهذه الصفة مركوزة فى النفوس كلها ولهذا المعنى بعض الجهلة المغترين بالعلوم ينكرون على بعض مقالات المشايخ الراسخين فى العلوم فهؤلاء المدعون المنكرون لا يصلون الى مرادهم ولا يدركون رتبة اهل الحقائق ولهذا قال بعضهم لا تنكر فان الانكار شؤم والمنكر من هذا الحديث محروم فيها ايها الطالب المحق استعذ بالله من شر نفسك والنفوس المتمردة وجميع آفات تعوقك عن الحق وتقطع عليك طريق الحق (قال فى كشف الاسرار) كفته اند اين مجادلان داعيان بدعت اند ومنكران صفات حق واين مجادلت اقتحام مكلفا نست وخوض معترضان وجدال مبتدعان وتأويل جهميان وساخته اشعريان وتزوير فلسفيان وقانون طبايعيان درهر عصرى قوم فراديد آمدند جون غيلان قدرى وبشر مرسى وشيطان الطاق وابن ابى داودوجهم صفوان وعمر وعبيد وامثال ايشان كه صفات حق رامنكر شدند ودين قديم بكذا شتند وكتاب وسنت سست ديدند وراى وقياس محكم داشتند مقصود ايشان آنست كه كتاب وسنت باز بس دارند و معقول فرا بيش اين آرزوى بزر كست كه دردل دارند وهركز نخوا هند رسيد بآن آرزوى خويش (وفى المثنوى) شعر : شمع حق رايف كنى تواى عجوز هم تو سوزى هم سرت اى كنده بوز كى شود در ياز بوسك نجس كى شود خورشيد از بف منطمس هركه بر شمع خدا آرد تفو شمع كى ميرد بسوزد بوز او جون تو خفا شان بسى بينند خواب كين جهان ماند يتيم از آفتاب اى بريده آن لب وحلق ودهان كى كند تف سوى مع يا آسمان تف بر وبش باز كردد بى شكى تف سوى كردون نيابد مسلكى تاقيامت تف برو بارد زرب همجو تبت بر روان بو لهب

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفه {تتذكرون} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الاخبار عنهم. وقرأ ابو جعفر وابن كثير ورويس ويحيى والبرجمي وابن غالب {سيدخلون} بضم الياء. على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء على اسناد الفعل اليهم. يقول الله تعالى {إن الذين يجادلون} أي يخاصمون {في} رفع {آيات الله} وابطالها {بغير سلطان} أي بغير حجة {أتاهم} اعطاهم الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} أي ليس في صدورهم إلا كبر. قال مجاهد: معناه الاعظمة وجبرية ما هم ببالغي تلك العظمة، لأن الله تعالى مذلهم. وقيل: معناه إلا كبر بحسدك على النبوة التي اكرمك الله بها {ما هم ببالغيه} لأن الله يرفع بها من يشاء. وقيل، منعا إلا كبر ما هم ببالغي مقتضاه ولا نالوه لان الكبر إنما يعمله صاحبه لمقتضى ان يعظم حاله، وهؤلاء يصير حالهم إلى الاذلال والتحقير بكفرهم فلا يبلغون ما في صدورهم من مقتضي كبرهم. وقيل: الآية نزلت في اليهود وان الكبر الذي ليس هم ببالغيه توقعهم امر الدجال، فاعلم الله تعالى ان هذه الفرقة التي تجادل ألا تبلغ خروج الدجال. فلذلك قال تعالى {فاستعذ بالله} ثم امر نبيه بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء المخاصمين {إنه هو السميع البصير} ومعناه انه يسمع ما يقول هؤلاء الذين يخاصمون في دفع آيات الله بصير بما يضمرونه وفي ذلك تهديد لهم في ما يقدمون عليه. وقيل: فيه وعدله بكفاية شرهم. ثم قال تعالى {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} معناه إن خلق السموات والارض على ما هما عليه من العظم والثقل مع وقوفهما من غير عمد وجريان الفلك والكواكب من غير سبب اعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق الناس، وإن كان عظيماً لما فيه من الحياة والحواس المهيأة لانواع مختلفة من الادراكات إلا ان امر السموات والارض خارج عن مقتضى الطبيعة، او ان يكون فاعلهما وخالقهما يجرى مجرى العباد في الجسمية، فهو اكبر شأناً من هذه الجهة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لعدولهم عن الفكر فيه والاستدلال على صحته وإدخال الشبهة على نفوسهم فيه، وذكر كبر خلق السموات والارض وما هو خارج عن الطبيعة حجة على المشركين في انكار النشأة الثانية مما هو خارج عن عادة الولادة. ثم قال {وما يستوي الأعمى والبصير} أي لا يتساوى من عمي عن طريق الرشد والصواب فلم يهتد اليها، والبصير الذي أبصرها واهتدى اليها {والذين آمنوا وعملوا الصالحات. ولا المسيء} أي ولا يتساورى ايضاً الذين آمنوا بالله تعالى وعملوا الصالحات من الأعمال والذين اساؤا وظلموا نفوسهم بارتكاب المعاصي. ثم قال {قليلا ما تتذكرون} أي ما أقل ما تتفكرون في ذلك. والوقف على قوله {قليلا}. وقوله {ما تتذكرون} يجوز أن تكون (ما) صلة ويجوز أن تكون بمعنى المصدر وتقديره قليلا ما تذكركم. ومن قرأ بالتاء اراد قل لهم وخاطبهم به. ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عنهم بذلك. ثم اخبر {إن الساعة} يعني القيامة {آتية لا ريب فيها} أي جائية واقعة لا شك في مجيئها {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله وشكهم في اخباره. ثم قال {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} يعني استجب لكم إذا اقتضت المصلحة اجابتكم. ومن يدعو الله ويسأله فلا بد أن يشترط المصلحة إما لفظاً او اضماراً، وإلا كان قبيحاً، لانه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة ولا يشترط انتفاؤها كان قبيحاً. ثم قال تعالى مخبراً {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي من يتكبر، ويتعظم عن إخلاص العبادة لله تعالى {سيدخلون جهنم داخرين} من ضم الياء ذهب الى انهم تدّخلهم الملائكة كرهاً ومن فتح الياء قال: لأنهم إذا دخلوا فقد دخلوا، فاضاف الفعل اليهم. ومعنى {يستكبرون عن عبادتي} أي عن دعائي بالخضوع لي. وقال السدي {داخرين} معناه صاغرين.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذينَ يُجادلونَ} المسلمين {في آيات الله} دلائله المتلوة، والمعجزات الدالة على الوحدانية، وجوب الطاعة {بغَير سُلطان} برهان {أتاهُمْ} نعت سلطان، ومجادلتهم بغير سلطان هى نفس الواقع، ذكره الله، ولا يتصور الجدال فى انكارها بحق، والمراد مشركو مكة، نزلت فيهم، ويلتحق بهم غيرهم، والسبب لا يخصص عموم اللفظ، أو المراد العموم فيدخلون بالأولى. وقيل: نزلت فى اليهود، جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الدجال يكون منا فى آخر الزمان، وسموه المسيح بن داود، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتجرى معه الأنهار حيث سار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، إنه هو النبى المبشر لآخر الزمان لا أنت يا محمد، صلى الله عليه وسلم، حسدوه على خروج النبوة من بنى إسرائيل، فنزلت الآية تكذيبا لهم، ووصفهم الله بالكبر فى ذلك، ونفى أن يبلغوا مناهم أن قال تعالى: {إنْ في صُدورهِم إلاَّ كبْرٌ} خبر إن {ما هُم ببالِغيه} فان أوصاف الرسالة ظهرت فيه صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يبعث نبى إلا حذر أمته الدجال، وأنذرهم به كما جاءت به الأخبار أحاديث وغيرها، من أنه ما بين آدم وقيام الساعة أشد فتنة من الدجال، وأن عينه اليمنى طافية كعنبة، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤها كل مسلم. وعنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن خرج وأنا فيكم كفيتكم إياه وإلا فالله خليفتي فيكم، وأنه يحيي الله على يديه إبل الانسان الميتة، وأبا الانسان، ومن يعز عليه فيقال إنه الرب" تفسير : وقيل: إنه يخيل الشيطان ذلك لهم، ولا دخل مكة ولا المدينة، ويقتله عيسى فى باب لد من الشام، ويتبعه سبعون ألفا من اليهود، يخرج من خراسان، ويسير فى الأرض أربعين عاما والعام كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، أو كسعفة فى النار ويجىء بمثل الجنة والنار، وناره جنة، وجنته نار. وأنكر الدجال الخوارج والجهمية، وبعض المعتزلة، وأثبته الجبائى، وأنكر ما يتخيل به من دلائل الربوبية أو النبوة، لأنها تغليظ فى الدين، وأجيب بأنه قرنت به دلائل البطلان، وأن لله تعالى أن يفتن من يشاء بما شاء، وإذا قيل إنها فى مشركى مكة وغيرهم، فالكبر التعاظم عن الحق، وحب الرياسة، أو أن تكون النبوة لهم كما قالوا: " أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" تفسير : [الزخرف: 31] وقالوا: "أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه" تفسير : [الأحقاف: 11] {فاسْتَعِذ بالله} من كيد الحاسدين، أو من فتنة الدجال {إنَّه} لأنه {هُو السَّميعُ} العالم بالأقوال {البَصِيرُ} العالم بالأفعال.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } دلائله سبحانه التي نصبها على توحيده وكتبه المنزلة وما أظهر على أيدي رسله من المعجزات {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ اتَٰهِمْ } أي بغير حجة في ذلك أتتهم من جهته تعالى، والجار متعلق ـ بيجادلون ـ وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين لا بدّ من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين، وهذا عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في قوم مخصوصين وهم على الأصح مشركو مكة. وقوله تعالى: {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } خبر لإن و {إِن} نافية، والمراد بالصدور القلوب أطلقت عليها للمجاورة والملابسة. والكبر والتكبر والتعاظم أي ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق وتعاظم عن التفكر والتعلم أو هو مجاز عن إرادة الرياسة والتقدم على الإطلاق أو إرادة أن تكون النبوة لهم أي ما في قلوبهم إلا إرادة الرياسة أو أن تكون النبوة لهم دونك حسداً وبغياً حسبما قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [الزخرف: 31] وقالوا: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] ولذلك يجادلون في آياته تعالى لا أن فيها موقع جدال ما أو أن لهم شيئاً يتوهم صلاحيته لأن يكون مداراً لمجادلتهم في الجملة. وقوله تعالى: {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } صفة ـ لكبر ـ أي ما هم ببالغي موجب الكبر ومقتضيه وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو النبوة، وقال الزجاج: المعنى ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر عليك وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى أذلهم. وقيل: الجملة مستأنفة وضمير {بَـٰلِغِيهِ } لدفع الآيات المفهوم من المجادلة، وما تقدم أظهر. وقال مقاتل: المجادلون الذين نزلت فيهم الآية اليهود عظموا أمر الدجال فنزلت، وإلى هذا ذهب أبو العالية. أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم بسند صحيح عنه قال: إن اليهود أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الدجال يكون منا في آخر الزمان ويكون من أمره ما يكون فعظموا أمره وقالوا: يصنع كذا وكذا فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ } الخ، وهذا كالنص في أن أمر اليهود كان السبب في نزولها، وعليه تكون الآية مدنية وقد مر الكلام في ذلك فتذكر. وفي رواية أن اليهود كانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيح بن داود يريدون الدجال ويبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الانهار وهو آية من آيات الله فيرجع إلينا الملك، حكاها في «الكشاف» ثم قال: فسمى الله تعالى تمنيهم ذلك كبراً ونفي سبحانه أن يبلغوا متمناهم. ويخطر لي على هذا القول أن اليهود لم يريدوا من تعظيم أمر الدجال سوى نفي أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم النبـي المبعوث في آخر الزمان الذي بشر به أنبياؤهم وزعم أن المبشر به هو ذلك اللعين، ففي بعض الروايات أنهم قالوا للنبـي عليه الصلاة والسلام: لست صاحبنا ـ يعنون النبـي المبشر به أنبياؤهم، فالإضافة لأدنى ملابسة - بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر ويسير معه الأنهار، وفي ذلك بزعمهم دفع الآيات الدالة على نبوة النبـي صلى الله عليه وسلم والداعي لهم إلى ذلك الكبر والحسد وحب أن لا تخرج النبوة من بني إسرائيل، فمعنى الآية عليه نحو معناها على القول بكون المجادلين مشركي مكة. ثم إن اليهود عليهم اللعنة / كذبوا أولاً بقولهم للنبـي عليه الصلاة والسلام: لست صاحبنا، وثانياً بقولهم: بل هو المسيح بن داود يعنون الدجال، أما الكذب الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه لم يبعث نبـي إلا وقد حذر أمته الدجال وأنذرهم إياه كما نطقت بذلك الأخبار، وهم قالوا: هو صاحبنا يعنون المبشر ببعثته آخر الزمان، وكل ذلك من الجدال في آيات الله تعالى بغير سلطان. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } أي فالتجىء إليه تعالى من كيد من يحسدك ويبغي عليك، وفيه رمز إلى أنه من همزات الشياطين، وقال أبو العالية: هذا أمر للنبـي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال بالله عز وجل {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } أي لأقوالكم وأفعالكم. والجملة لتعليل الأمر قبلها.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط متصل تمام الاتصال بالشوط الذي قبله، وهو استمرار للفقرة الأخيرة من الدرس الماضي. وتكملة لتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصبر على التكذيب والإيذاء والصد عن الحق والتبجح بالباطل. فبعد هذا التوجيه يكشف عن علة المجادلة في آيات الله بغير حجة ولا برهان. إنه الكبر الذي يمنع أصحابه من التسليم بالحق وهم أصغر وأضأل من هذا الكبر الذي يحيك في الصدور. ومن ثم يجيء التنبيه إلى عظمة هذا الكون الذي خلقه الله، وصغر الناس جميعاً بالقياس إلى السماوات والأرض. ويمضي الدرس يعرض بعض الآيات الكونية. وفضل الله في تسخير بعضها للناس وهم أصغر منها وأضأل. ويشير إلى فضل الله على الناس في ذوات أنفسهم. وهذه وتلك تشهد بوحدانية المبدع الذي يشركون به. ويوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الجهر بكلمة التوحيد والإعراض عما يعبدون من دون الله. وينتهي الشوط بمشهد عنيف من مشاهد القيامة يسألون فيه عما يشركون سؤال التبكيت والترذيل. ويختم كما ختم الشوط الماضي. بتوجيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر سواء أبقاه الله ليشهد بعض ما وعدهم، أم توفاه إليه قبل مجيء وعد الله. فالأمر لله. وهم إليه راجعون على كل حال. {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه. فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير. لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وما يستوي الأعمى والبصير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء، قليلاً ما تتذكرون. إن الساعة لآتية لا ريب فيها، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. وقال ربكم: ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}.. إن هذا المخلوق الإنساني لينسى نفسه في أحيان كثيرة، ينسى أنه كائن صغير ضعيف، يستمد القوة لا من ذاته، ولكن من اتصاله بمصدر القوة الأول. من الله. فيقطع اتصاله هذا ثم يروح ينتفخ، ويورم، ويتشامخ، ويتعالى. يحيك في صدره الكبر. يستمده من الشيطان الذي هلك بهذا الكبر. ثم سلط على الإنسان فأتاه من قبله! وإنه ليجادل في آيات الله ويكابر. وهي ظاهرة ناطقة معبرة للفطرة بلسان الفطرة. وهو يزعم لنفسه وللناس أنه إنما يناقش لأنه لم يقتنع، ويجادل لأنه غير مستيقن. والله العليم بعباده، السميع البصير المطلع على السرائر، يقرر أنه الكبر. والكبر وحده. هو الذي يحيك في الصدر. وهو الذي يدعو صاحبه إلى الجدال فيما لا جدال فيه. الكبر والتطاول إلى ما هو أكبر من حقيقته. ومحاولة أخذ مكان ليس له، ولا تؤهله له حقيقته. وليست له حجة يجادل بها، ولا برهان يصدع به. إنما هو ذلك الكبر وحده: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه}.. ولو أدرك الإنسان حقيقته وحقيقة هذا الوجود. ولو عرف دوره فأتقنه ولم يحاول أن يتجاوزه. ولو اطمأن إلى أنه كائن مما لا يحصى عدده من كائنات مسخرة بأمر خالق الوجود، وفق تقديره الذي لا يعلمه إلا هو، وأن دوره مقدر بحسب حقيقته في كيان هذا الوجود.. لو أدرك هذا كله لاطمأن واستراح، ولتطامن كذلك وتواضع، وعاش في سلام مع نفسه ومع الكون حوله. وفي استسلام لله وإسلام. {فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير}.. والاستعاذة بالله في مواجهة الكبر توحي باستبشاعه واستفظاعه. فالإنسان إنما يستعيذ بالله من الشيء الفظيع القبيح، الذي يتوقع منه الشر والأذى.. وفي الكبر هذا كله. وهو يتعب صاحبه ويتعب الناس من حوله؛ وهو يؤذي الصدر الذي يحيك فيه ويؤذي صدور الآخرين. فهو شر يستحق الاستعاذة بالله منه.. {إنه هو السميع البصير}.. الذي يسمع ويرى، والكبر الذميم يتمثل في حركة ترى وفي كلام يسمع. فهو يكل أمره إلى السميع البصير يتولاه بما يراه. ثم يكشف للإنسان عن وضعه الحقيقي في هذا الكون الكبير. وعن ضآلته بالقياس إلى بعض خلق الله الذي يراه الناس، ويدركون ضخامته بمجرد الرؤية، ويزيدون شعوراً به حين يعلمون حقيقته: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. والسماوات والأرض معروضتان للإنسان يراهما، ويستطيع أن يقيس نفسه إليهما. ولكنه حين "يعلم" حقيقة النسب والأبعاد وحقيقة الأحجام والقوى، يطامن من كبريائه، ويتصاغر ويتضاءل حتى ليكاد يذوب من الشعور بالضآلة. إلا أن يذكر العنصر العلوي الذي أودعه الله إياه، والذي من أجله كرمه. فهو وحده الذي يمسك به أمام عظمة هذا الكون الهائل العظيم.. ولمحة خاطفة عن السماوات والأرض تكفي لهذا الإدراك. هذه الأرض التي نحيا عليها تابع صغير من توابع الشمس تبلغ كتلتها ثلاثة من مليون من كتلة الشمس! ويبلغ حجمها أقل من واحد من مليون من حجم الشمس. وهذه الشمس واحدة من نحو مائة مليون من الشموس في المجرة القريبة منا؛ والتي نحن منها. وقد كشف البشر ـ حتى اليوم ـ نحو مائة مليون من هذه المجرات! متناثرة في الفضاء الهائل من حولها تكاد تكون تائهة فيه! والذي كشفه البشر جانب ضئيل صغير لا يكاد يذكر من بناء الكون! وهو ـ على ضآلته ـ هائل شاسع يدير الرؤوس مجرد تصوره. فالمسافة بيننا وبين الشمس نحو من ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال. ذلك أنها رأس أسرة كوكبنا الأرضي الصغير. بل هي ـ على الأرجح ـ أم هذه الأرض الصغيرة. ولم تبعد أرضنا عن أحضان أمها بأكثر من هذه المسافة: ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال! أما المجرة التي تتبعها الشمس فقطرها نحو من مائة ألف مليون سنة.. ضوئية.. والسنة الضوئية تعني مسافة ست مائة مليون ميل! لأن سرعة الضوء هي ستة وثمانون ومائة ألف ميل في الثانية! وأقرب المجرات الأخرى إلى مجرتنا تبعد عنا بنحو خمسين وسبعمائة ألف سنة ضوئية..! ونذكر مرة أخرى أن هذه المسافات وهذه الأبعاد وهذه الأحجام هي التي استطاع علم البشر الضئيل أن يكشف عنها. وعلم البشر هذا يعترف أن ما كشفه قطاع صغير في هذا الكون العريض! والله ـ سبحانه ـ يقول: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. وليس على قدرة الله أكبر ولا أصغر. ولا أصعب ولا أيسر. فهو خالق كل شيء بكلمة.. إنما هي الأشياء كما تبدو في طبيعتها، وكما يعرفها الناس ويقدرونها.. فأين الإنسان من هذا الكون الهائل؟ وأين يبلغ به كبره من هذا الخلق الكبير؟ {وما يستوي الأعمى والبصير}.. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء}.. فالبصير يرى ويعلم؛ ويعرف قدره وقيمته، ولا يتطاول، ولا ينتفخ ولا يتكبر لأنه يرى ويبصر. والأعمى لا يرى ولا يعرف مكانه، ولا نسبته إلى ما حوله، فيخطئ تقدير نفسه وتقدير ما يحيط به، ويتخبط هنا وهنالك من سوء التقدير.. وكذلك لا يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء. إن أولئك أبصروا وعرفوا فهم يحسنون التقدير. وهذا عمي وجهل فهو يسيء.. يسيء كل شيء. يسيء إلى نفسه، ويسيء إلى الناس. ويسيء قبل كل شيء إدراك قيمته وقيمة ما حوله. ويخطئ في قياس نفسه إلى ما حوله. فهو أعمى.. والعمى عمى القلوب! {قليلاً ما تتذكرون}.. ولو تذكرنا لعرفنا. فالأمر واضح قريب. لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والتذكير.. ثم لو تذكرنا الآخرة، ووثقنا من مجيئها، وتصورنا موقفنا فيها، واستحضرنا مشهدنا بها: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. ومن ثم فهم يجادلون ويستكبرون، فلا يذعنون للحق، ولا يعرفون مكانهم الحق، فلا يتجاوزوه. والتوجه إلى الله بالعبادة، ودعاؤه والتضرع إليه، مما يشفي الصدور من الكبر الذي تنتفخ به، فيدعوها إلى الجدال في آيات الله بغير حجة ولا برهان. والله ـ سبحانه ـ يفتح لنا أبوابه لنتوجه إليه وندعوه، ويعلن لنا ما كتبه على نفسه من الاستجابة لمن يدعوه؛ وينذر الذين يسكتبرون عن عبادته بما ينتظرهم من ذل وتنكيس في النار: {وقال ربكم: ادعوني أستجب لكم. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}.. وللدعاء أدب لا بد أن يراعى. إنه إخلاص القلب لله. والثقة بالاستجابة مع عدم اقتراح صورة معينة لها، أو تخصيص وقت أو ظرف، فهذا الاقتراح ليس من أدب السؤال. والاعتقاد بأن التوجه للدعاء توفيق من الله. والاستجابة فضل آخر. وقد كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: "أنا لا أحمل همّ الإجابة إنما أحمل همّ الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء كانت الإجابة معه" وهي كلمة القلب العارف، الذي يدرك أن الله حين يقدر الاستجابة يقدر معها الدعاء. فهما ـ حين يوفق الله ـ متوافقان متطابقان. فأما الذين يستكبرون عن التوجه لله فجزاؤهم الحق أن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم! وهذه نهاية الكبر الذي تنتفخ به قلوب وصدور في هذه الأرض الصغيرة، وفي هذه الحياة الرخيصة، وتنسى ضخامة خلق الله. فضلاً على نسيانها عظمة الله. ونسيانها للآخرة وهي آتية لا ريب فيها. ونسيانها للموقف الذليل في الآخرة بعد النفخة والاستكبار. ولما ذكر الذين يستكبرون عن عبادة الله، شرع يعرض بعض نعم الله على الناس، تلك النعم التي توحي بعظمته تعالى والتي لا يشكرون الله عليها، بل يستكبرون عن عبادته والتوجه إليه: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. ذلكم الله ربكم خالق كل شيء، لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون؟ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون. الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء، وصوركم فأحسن صوركم، ورزقكم من الطيبات. ذلكم الله ربكم، فتبارك الله رب العالمين. هو الحي، لا إله إلا هو، فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب العالمين}.. والليل والنهار ظاهرتان كونيتان. والأرض والسماء خلقان كونيان كذلك. وهي تذكر مع تصوير الله للبشر وإحسان صورهم، ومع رزق الله لهم من الطيبات.. وتعرض كلها في معرض نعم الله وفضله على الناس، وفي معرض الوحدانية وإخلاص الدين لله. فيدل هذا على ارتباط هذه الظواهر والخلائق والمعاني، وعلى وجود الصلة بينها، ووجوب تدبرها في محيطها الواسع، وملاحظة الارتباط بينها والاتفاق. إن بناء الكون على القاعدة التي بناه الله عليها، ثم سيره وفق الناموس الذي قدره الله له، هو الذي سمح بوجود الحياة في هذه الأرض ونموها وارتقائها، كما أنه هو الذي سمح بوجود الحياة الإنسانية في شكلها الذي نعهده، ووافق حاجات هذا الإنسان التي يتطلبها تكوينه وفطرته. وهو الذي جعل الليل مسكناً له وراحة واستجماماً، والنهار مبصراً معيناً على الرؤية والحركة، والأرض قراراً صالحاً للحياة والنشاط، والسماء بناء متماسكاً لا يتداعى ولا ينهار، ولا تختل نسبه وأبعاده ـ ولو اختلت لتعذر وجود الإنسان على هذه الأرض وربما وجود الحياة! وهو الذي سمح بأن تكون هناك طيبات من الرزق تنشأ من الأرض وتهبط من السماء فيستمتع بها هذا الإنسان، الذي صوره الله فأحسن صورته، وأودعه الخصائص والاستعدادات المتسقة مع هذا الكون، الصالحة للظروف التي يعيش فيها مرتبطاً بهذا الوجود الكبير.. فهذه كلها أمور مرتبطة متناسقة كما ترى؛ ومن ثم يذكرها القرآن في مكان واحد، بهذا الترابط. ويتخذ منها برهانه على وحدانية الخالق. ويوجه في ظلها القلب البشري إلى دعوة الله وحده، مخلصاً له الدين، هاتفاً: الحمد لله رب العالمين. ويقرر أن الذي يصنع هذا ويبدعه بهذا التناسق هو الذي يليق أن يكون إلهاً. وهو الله. رب العالمين. فكيف يصرف الناس عن هذا الحق الواضح المبين؟ ونذكر هنا لمحات خاطفة تشير إلى بعض نواحي الارتباط في تصميم هذا الكون وعلاقته بحياة الإنسان.. مجرد لمحات تسير مع اتجاه هذه الإشارة المجملة في كتاب الله.. "لو كانت الأرض لا تدور حول نفسها في مواجهة الشمس ما تعاقب الليل والنهار".. "لو دارت الأرض حول نفسها أسرع مما تدور لتناثرت المنازل، وتفككت الأرض، وتناثرت هي الأخرى في الفضاء".. "لو دارت الأرض حول نفسها أبطأ مما تدور لهلك الناس من حر ومن برد. وسرعة دوران الأرض حول نفسها، هذه السرعة القائمة الكائنة اليوم، هي سرعة توافق ما على الأرض من حياة حيوانية نباتية بأوسع معانيها". "لولا دوران الأرض حول نفسها لفرغت البحار والمحيطات من مائها". "ماذا يحدث لو استقام محور الأرض، وجرت الأرض في مدارها حول الشمس في دائرة، الشمس مركزها؟ إذن لاختفت الفصول، ولم يدر الناس ما صيف وما شتاء، وما ربيع وما خريف". "لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين. ولما أمكن وجود حياة النبات". "ولو كان الهواء أرفع كثيراً مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلاً في الثانية. وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض ولكانت العاقبة مروعة. أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إرباً من مجرد حرارة مروره". "لو كان الأوكسجين بنسبة 50 في المائة مثلاً أو أكثر في الهواء بدلاً من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال. لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر. ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور. ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان ـ كالنار مثلاً ـ تتوافر له". وهناك آلاف الموافقات في تصميم هذا الكون لو اختل منها أدنى اختلال ما كانت الحياة في صورتها هذه التي نعرفها، موافقة هكذا لحياة الإنسان. فأما الإنسان ذاته فمن حسن صورته هذه الهيئة المتفردة بين سائر الأحياء؛ وهذا الاكتمال من ناحية الأجهزة لأداء وظائفه جميعها في يسر ودقة؛ وهذا التوافق بين تكوينه والظروف الكونية العامة التي تسمح له بالوجود والحركة في هذا الوسط الكوني كما هو كائن؛ وذلك كله فوق خاصيته الكبرى التي جعلت منه خليفة في الأرض؛ مجهزاً بأداة الخلافة الأولى: العقل والاتصال الروحي بما وراء الأشكال والأعراض. ولو رحنا نبحث دقة التكوين الإنساني وتناسق أجزائه ووظائفه ـ بوصفها داخلة في قوله تعالى: {وصوركم فأحسن صوركم} ـ لوقفنا أمام كل عضو صغير، بل أمام كل خلية مفردة، في هذا الكيان الدقيق العجيب. ونضرب مثلاً لهذه الدقة العجيبة فك الإنسان ووضع الأسنان فيه من الناحية الآلية البحتة. إن هذا الفك من الدقة بحيث إن بروز واحد على عشرة من المليمتر في اللثة أو في اللسان، يزحم اللثة واللسان؛ وبروز مثل هذا الحجم في ضرس أو سن يجعله يصطك بما يقابله ويحتك! ووجود ورقة كورقة السيجارة بين الفكين العلوي والسفلي يجعلها تتأثر بضغط الفكين عليها فتظهر فيها علامات الضغط لأنها من الدقة بحيث يلتقيان تماماً ليمضغ الفك ويطحن ما هو في سمك ورقة السيجارة! ثم.. إن هذا الإنسان بتكوينه هذا مجهز ليعيش في هذا الكون.. عينه هذه مقيسة على الذبذبات الضوئية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يراها. وأذنه تلك مقيسة على الذبذبات الصوتية التي تقتضي وظيفته في الأرض أن يسمعها. وكل حاسة فيه أو جارحة مصممة وفق الوسط المهيأ لحياته، ومجهزة كذلك بالقدرة على التكيف المحدود عند تغير بعض الظروف. إنه مخلوق لهذا الوسط. ليعيش فيه، ويتأثر به، ويؤثر فيه. وهناك ارتباط وثيق بين تصميم هذا الوسط وتكوين هذا الإنسان. وتصوير الإنسان على هذه الصورة ذو علاقة بوسطه. أي بالأرض والسماء. ومن ثم يذكر القرآن صورته في نفس الآية التي يذكر فيها الأرض والسماء.. ألا إنه الإعجاز في هذا القرآن.. وتكفي هذه الإشارات بهذا الاختصار إلى دقة صنع ا لله وتناسقه بين الكون والإنسان. ونقف وقفات سريعة أمام النصوص القرآنية: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً}.. إن السكون بالليل ضرورة لكل حي. ولا بد من فترة من الظلام تسكن فيه الخلايا الحية وتستكن لتزاول نشاطها في النور. ولا يكفي مجرد النوم لتوفير هذا السكون. بل لا بد من ليل. لا بد من ظلام. فالخلية الحية التي تتعرض لضوء مستمر تصل إلى حد من الإجهاد تتلف معه أنسجتها لأنها لم تتمتع بقسط ضروري لها من السكون. {والنهار مبصراً}.. والتعبير على هذا النحو تعبير مصور مشخص. وكأنما النهار حي يبصر ويرى. وإنما الناس هم الذين يبصرون فيه. لأن هذه هي الصفة الغالبة.. وتقلب الليل والنهار على هذا النحو نعمة في طيها نعم. ولو كان أحدهما سرمداً. بل لو كان أطول مما هو مرات معدودة لانعدمت الحياة. فلا عجب أن يقرن توالي الليل والنهار بذكر الفضل الذي لا يشكره أكثر الناس: {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}.. ويعقب على هاتين الظاهرتين الكونيتين، بأن الذي خلقهما هو الذي يكون إلهاً يستحق هذا الاسم العظيم: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء، لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون؟}.. وإنه لعجيب يستحق التعجيب أن يرى الناس يد الله في كل شيء، ويعلموا أنه الخالق لكل شيء معرفة حتمية مفروضة على العقل فرضاً بحكم وجود الأشياء، واستحالة ادعاء أحد أنها من خلقه، وعدم استقامة القول بأنها وجدت من غير موجد. عجيب يستحق التعجيب أن يكون هذا كله، ثم يصرف الناس عن الإيمان والإقرار.. {فأنى تؤفكون؟}.. ولكنه هكذا يصرف ناس عن هذا الحق الواضح. هكذا كما يقع من المخاطبين الأولين بالقرآن. كذلك كان في كل زمان؛ بلا سبب ولا حجة ولا برهان: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون}.. وينتقل من ظاهرتي الليل والنهار، إلى تصميم الأرض لتكون قراراً، والسماء لتكون بناء: {الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء}.. والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها إجمالاً. والسماء بناء ثابت النسب والأبعاد والحركات والدورات ومن ثم تضمن الاستقرار والثبات لحياة هذا الإنسان، المحسوب حسابهم في تصميم هذا الوجود، المقدرة في بنائه تقديراً.. ويربط بتكوين السماء والأرض تكوين الإنسان ورزقه من الطيبات على النحو الذي أشرنا إلى بعض أسراره: {وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات}.. ويعقب على هذه الآيات والهبات كما عقب على الأولى: {ذلكم الله ربكم. فتبارك الله رب العالمين}.. ذلكم الذي يخلق ويقدر ويدبر، ويراعيكم ويقدر لكم مكاناً في ملكه.. ذلكم الله ربكم. {فتبارك الله}.. وعظمت بركته وتضاعفت. {رب العالمين}.. أجمعين. {هو الحي}.. أجل. هو وحده الحي. الحي حياة ذاتية غير مكسوبة ولا مخلوقة. وغير مبتدئة ولا منتهية. وغير حائلة ولا زائلة. وغير متقلبة ولا متغيرة. وما من شيء له هذه الصفة من الحياة. سبحانه هو المتفرد بالحياة. وهو المتفرد بالألوهية. بما أنه المتفرد بالحياة. فالحي الواحد هو الله: {لا إله إلا هو}.. ومن ثم.. {فادعوه مخلصين له الدين}.. واحمدوه في الدعاء: {الحمد لله رب العالمين}.. وأمام هذه الآيات والهبات، وما تلاها من تعقيبات، وفي أشد اللحظات امتلاء بحقيقة الوحدانية، وحقيقة الألوهية. وحقيقة الربوبية، يجيء التلقين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعلن للقوم أنه منهي عن عبادة ما يدعون من دون الله، مأمور بالإسلام لله رب العالمين: {قل: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله، لما جاءني البينات من ربي، وأمرت أن أسلم لرب العالمين}.. أعلن لهؤلاء الذين يصرفون عن آيات الله ويجحدون هباته، أنك نهيت عن عبادة ما يدعون من دون الله. وقل لهم: إنني نهيت وانتهيت {لما جاءني البينات من ربي} فعندي بينة، وأنا بها مؤمن، ومن حق هذه البينة أن أقتنع بها وأصدق، ثم أعلن كلمة الحق.. ومع الانتهاء عن عبادة غير الله ـ وهو سلب ـ الإسلام لرب العالمين ـ وهو إيجاب ـ ومن الشقين تتكامل العقيدة. ثم يستعرض آية من آيات الله في أنفسهم بعدما استعرض آياته في الآفاق. هي آية الحياة الإنسانية وأطوارها العجيبة؛ وليتخذ من هذه الحياة مقدمة لتقرير حقيقة الحياة كلها بين يدي الله: {هو الذي خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم يخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخاً، ومنكم من يتوفى من قبل، ولتبلغوا أجلاً مسمى، ولعلكم تعقلون. هو الذي يحيي ويميت، فإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن. فيكون}.. وهذه النشأة الإنسانية فيها ما لم يدركه علم الإنسان، لأنه كان قبل وجود الإنسان. وفيها ما يشاهده ويراقبه. ولكن هذا إنما تم حديثاً بعد نزول هذا القرآن بقرون! فخلق الإنسان من تراب حقيقة سابقة على وجود الإنسان. والتراب أصل الحياة كلها على وجه هذه الأرض. ومنها الحياة الإنسانية. ولا يعلم إلا الله كيف تمت هذه الخارقة، ولا كيف تم هذا الحادث الضخم في تاريخ الأرض وتاريخ الحياة. وأما تكاثر الإنسان بعد ذلك عن طريق التزاوج فيتم عن طريق التقاء خلية التذكير وهي النطفة بالبويضة، واتحادهما، واستقرارهما في الرحم في صورة علقة.. وفي نهاية المرحلة الجنينية يخرج الطفل بعد عدة تطورات كبرى في طبيعة الخلية الأولى، تعد إذا نحن نظرنا إليها بتدبر أطول وأكبر من الأطوار التي يمر بها الطفل من ولادته إلى أن ينتهي أجله، والتي يقف السياق عند بعض مراحلها البارزة: مرحلة الطفولة. ثم بلوغ الأشد حوالي الثلاثين. ثم الشيخوخة. وهي المراحل التي تمثل أقصى القوة بين طرفين من الضعف. {ومنكم من يتوفى من قبل} أن يبلغ هذه المراحل جميعاً أو بعضها. {ولتبلغوا أجلاً مسمى} مقدراً معلوماً لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون. {ولعلكم تعقلون}.. فمتابعة رحلة الجنين. ورحلة الوليد. وتدبر ما تشيران إليه من حسن الخلق والتقدير، مما للعقل فيه دور كبير.. ورحلة الجنين رحلة عجيبة ممتعة حقاً. وقد عرفنا الكثير عنها بعد تقدم الطب وعلم الأجنة بشكل خاص. ولكن إشارة القرآن إليها بهذه الدقة منذ حوالي أربعة عشر قرناً أمر يستوقف النظر. ولا يمكن أن يمر عليه عاقل دون أن يقف أمامه يتدبره ويفكر فيه. ورحلة الجنين ورحلة الطفل كلتاهما توقع على الحس البشري وتلمس القلب الإنساني في أي بيئة وفي أي مرحلة من مراحل الرشد العقلي. وكل جيل يحس لهذه اللمسة وقعها على طريقته وحسب معلوماته. فيخاطب القرآن بها جميع أجيال البشر.. فيحسون.. ثم يستجيبون أو لا يستجيبون! وهو يعقب عليها بعرض حقيقة الإحياء والإماتة. وحقيقة الخلق والإنشاء جميعاً: {هو الذي يحيي ويميت. فإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن. فيكون}.. وتكثر الإشارة في القرآن إلى آيتي الحياة والموت. لأنهما تلمسان قلب الإنسان بشدة وعمق. ثم لأنهما الظاهرتان البارزتان المكررتان في كل ما يقع عليه حس الإنسان. وللإحياء والإماتة مدلول أكبر مما يبدو لأول مرة. فالحياة ألوان. والموت ألوان. وإن رؤية الأرض الميتة. ثم رؤيتها تنبض بالحياة. ورؤية الشجرة الجافة الأوراق والأغصان في موسم، ثم رؤيتها والحياة تنبث منها في كل موضع، وتخضر وتورق وتزهر، كما لو كانت الحياة تتفجر منها وتفيض. ورؤية البيضة.. ثم الفرخ. ورؤية البذرة ثم النبتة.. وعكس هذه الرحلة.. من الحياة إلى الموت، كالرحلة من الموت إلى الحياة.. كلها تلمس القلب وتستجيشه إلى قدر من التأثر والتدبر يختلف باختلاف النفوس والحالات. ومن الحياة والموت إلى حقيقة الإنشاء وأداة الإبداع. وإن هي إلا الإرادة يتمثل اتجاهها إلى الخلق. خلق أي شيء. في كلمة {كن}.. فإذا الوجود ينبثق على إثرها {فيكون} فتبارك الله أحسن الخالقين.. وأمام نشأة الحياة البشرية. وفي ظل مشهد الحياة والموت. وحقيقة الإنشاء والإبداع.. يبدو الجدال في آيات الله مستغرباً مستنكراً؛ ويبدو التكذيب بالرسل عجيباً نكيراً. ومن ثم يواجهه بالتهديد المخيف في صورة مشهد من مشاهد القيامة العنيفة: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون؟ الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون. إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، في الحميم ثم في النار يسجرون. ثم قيل لهم: أين ما كنتم تشركون من دون الله؟ قالوا: ضلوا عنا، بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً. كذلك يضل الله الكافرين. ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمرحون. ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها. فبئس مثوى المتكبرين}.. إنه التعجيب من أمر الذين يجادلون في آيات الله، في ظل استعراض هذه الآيات. مقدمة لبيان ما ينتظرهم هناك! {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون؟}.. {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا}.. وهم كذبوا كتاباً واحداً. ورسولاً واحداً. ولكنهم إنما يكذبون بهذا كل ما جاء به الرسل. فهي عقيدة واحدة، تتمثل في أكمل صورها في الرسالة الأخيرة. ومن ثم فهم كذبوا بكل رسالة وبكل رسول.. كل مكذب في القديم والحديث صنع هذا حين كذب رسوله الذي جاءه بالحق الواحد وبعقيدة التوحيد. {فسوف يعلمون}.. ثم يعرض ماذا سوف يعلمون.. إنها الإهانة والتحقير في العذاب. لا مجرد العذاب. {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون}.. بهذه المهانة كما تسحب الأنعام والوحوش! وعلام التكريم؟ وقد خلعوا عن أنفسهم شارة التكريم؟! وبعد السحب والجر في هذا العذاب وفي هذه المهانة، ينتهي بهم المطاف إلى ماء حار وإلى نار: {في الحميم ثم في النار يسجرون}.. أي يربطون ويحبسون، على طريقة سجر الكلاب. أي يملأ لهم المكان ماء حاراً وناراً موقدة. وإلى هذا ينتهون. وبينما هم في هذا العذاب المهين يوجه إليهم التبكيت والترذيل والإحراج والإعنات: {ثم قيل لهم: أين ما كنتم تشركون من دون الله؟}.. فيجيبون إجابة المخدوع الذي انكشفت له خدعته، وهو يائس حسير. {قالوا: ضلوا عنا. بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً}.. غابوا عنا فلم نعد نعرف لهم طريقاً، وما عادوا يعرفون لنا طريقاً. بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً. فقد كانت كلها أوهاماً وأضاليل! وعلى إثر الجواب البائس يجيء التعقيب العام: {كذلك يضل الله الكافرين}.. ثم يوجه إليهم التأنيب الأخير: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمرحون. ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين}.. يا مغيث! وأين إذن كان السحب في السلاسل والأغلال، وكان الماء الحار والنار؟ يبدو أنها كانت مقدمة للدخول في جهنم للخلود.. {فبئس مثوى المتكبرين}.. فعن الكبر نشأت هذه المهانة. وجزاء على الكبر كان هذا التحقير! وأمام هذا المشهد. مشهد الذل والمهانة والعذاب الرعيب. وعاقبة الجدال في آيات الله، والكبر النافخ في الصدور.. أمام هذا المشهد وهذه العاقبة يتجه السياق إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوصيه بالصبر عل ما يجده من كبر ومن جدال، والثقة بوعد الله الحق على كل حال. سواء أراه الله بعض الذي يعدهم في حياته، أو قبضه إليه وتولى الأمر عنه. فالقضية كلها راجعة إلى الله، وليس على الرسول إلا البلاغ، وهم إليه راجعون: {فاصبر إن وعد الله حق. فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون}.. وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق. إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود، يقال له ما مفهومه: أد واجبك وقف عنده. فأما النتائج فليست من أمرك. حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد الله للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه! إنه يعمل وكفى. يؤدي واجبه ويمضي. فالأمر ليس أمره. والقضية ليست قضيته. إن الأمر كله لله. والله يفعل به ما يريد. يا لله! يا للمرتقى العالي. ويا للأدب الكامل. الذي يأخذ الله به أصحاب هذه الدعوة. في شخص رسوله الكريم. وإنه لأمر شاق على النفس البشرية. أمر يحتاج إلى الصبر على أشواق القلب البشري العنيفة. ألعله من أجل هذا كان التوجيه إلى الصبر في هذا الموضع من السورة. فلم يكن هذا تكراراً للأمر الذي سبق فيها. إنما كان توجيهاً إلى صبر من لون جديد. ربما كان أشق من الصبر على الإيذاء والكبر والتكذيب؟! إن احتجاز النفس البشرية عن الرغبة في أن ترى كيف يأخذ الله أعداءه وأعداء دعوته، بينما يقع عليها العداء والخصومة من أولئك الأعداء، أمر شديد على النفس صعيب. ولكنه الأدب الإلهي العالي، والإعداد الإلهي لأصفيائه المختارين، وتخليص النفس المختارة من كل شيء لها فيه أرب، حتى ولو كان هذا الأرب هو الانتصار من أعداء هذا الدين! ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغي أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين. فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب، التي تبدو بريئه في أول الأمر، ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم!

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبلِغِهِ}. جرى الكلام من أول السورة إلى هنا في مَيدان الرد على مجادلة المشركين في آيات الله ودَحض شُبههم وتوعدهم على كفرهم وضرب الأمثال لهم بأمثالهم من أهل العناد ابتداء من قوله: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} تفسير : [غافر: 4] وقوله: {أية : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} تفسير : [غافر: 21]، كما ذُكرت أمثال أضدادهم من أهل الإِيمان من حَضَر منهم ومَن غَبَرَ من قوله: {أية : ولقد أرسلنا موسى بآيٰتنا وسلطان مبين إلى فرعون} تفسير : [هود: 96، 97] ثم قوله: {أية : وقال رجل مؤمن من ءال فرعون} تفسير : [غافر: 28]، وخُتم ذلك بوعد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر كما نُصر النبيون من قبله والذين آمنوا بهم، وأُمر بالصبر على عناد قومه والتوجه إلى عبادة ربه، فكان ذكر الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان عقب ذلك من باب المثل المشهور: «الشيء بالشيء يُذكر». وبهذه المناسبة انتقل هنا إلى كشف ما تكنه صدور المجادلين من أسباب جدالهم بغير حق، ليَعلم الرسول صلى الله عليه وسلم دخيلتهم فلا يحسب أنهم يكذبونه تنقصاً له ولا تجويزاً للكذب عليه، ولكن الذي يدفعهم إلى التكذيب هو التكبر عن أن يكونوا تبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم ووراء الذين سبقوهم بالإِيمان ممن كانوا لا يعبَأون بهم. وهذا نحو قوله تعالى: {أية : قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}تفسير : [الأنعام: 33]. فقوله: {إنَّ الذينَ يُجادلُونَ في ءايٰتِ الله} الآية استئناف ابتدائي وهو كالتكرير لِجملة {أية : الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله}تفسير : [غافر: 35] تكرير تعداد للتوبيخ عند تنهية غرض الاستدلال كما يوقَّف الموبخ المرة بعد المرة. و {الذِينَ يُجٰدِلُونَ} هم مشركو أهل مكة وهم المخبَر عنهم في قوله أولَ السورة: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد}تفسير : [غافر: 4]. ومعنى المجادلة في آيات الله تقدم هنالك. ويتعلق قوله: {بِغَيْرِ سُلْطٰنٍ} بــــ {يجادلون}. والباء للمصاحبة، أي مصاحب لهم غير سلطان، أي غير حجة، أي أنهم يجادلون مجادلة عناد وغصْب. وفائدة هذا القيد تشنيع مجادلتهم وإلا فإن المجادلة في آيات الله لا تكون إلا بغير سلطان لأن آيات الله لا تكون مخالفة للواقع فهذا القيد نظير القيد في قوله: {أية : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}تفسير : [القصص: 50]، وكذلك وصف {سلطان} بجملة {أتاهم} لزيادة تفظيع مجادلتهم بأنها عرية عن حجة لديهم فهم يجادلون بما ليس لهم به علم، وتقدم نظير أول هذه الآية في أثناء قصة موسى وفرعون في هذه السورة. و {إنْ} في قوله: {إن في صُدُورِهم إلاَّ كِبْرٌ} نافية والجار والمجرور خبر مقدم، والاستثناء مفرّغ، و {كبر} مبتدأ مؤخَّر، والجملة كلها خبر عن {الَّذِينَ يُجادلون}. وأطلق الصدور على القلوب مجازاً بعلاقة الحلول، والمراد ضمائر أنفسهم، والعرب يطلقون القلب على العقل لأن القلب هو الذي يحس الإِنسان بحركته عند الانفعالات النفسية من الفرح وضده والاهتمامِ بالشيء. والكِبْر من الانفعالات النفسية، وهو: إدراك الإِنسان خواطر تشعره بأنه أعظم من غيره فلا يرضى بمساواته بَلْهَ متابعته، وتقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : إلا إبليس أبى واستكبر}تفسير : في سورة [البقرة: 34]. والمعنى: ما يحملهم على المجادلة في آيات الله إلا الكِبر على الذي جاءهم بها وليست مجادلتهم لدليل لاح لهم. وقد أثبت لهم الكبرَ الباعثَ على المجادلة بطريق القصر ليُنفَى أن يكون داعيهم إلى المجادلة شيء آخر غير الكِبْر على وجه مؤكد، فإن القصر تأكيد على تأكيد لما يتضمنه من إثبات الشيء بوجه مخصوص مؤكِّد، ومن نفي ما عداه فتضمن جملتين. وجملة {ما هُمْ بِبالِغِيه} يجوز أن تكون معترضة، ويجوز أن تكون في موضع الصفة لــــ {كبر}. وحقيقة البلوغ: الوصول، قال تعالى: {أية : إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس}تفسير : [النحل:7] ويطلق على نوال الشيء وتحصيله مجازاً مرسلاً كما في قوله تعالى: {أية : وما بلغوا معشار ما آتيناهم} تفسير : [سبأ: 45] وهو هنا محمول على المعنى المجازي لا محالة، أي ما هم ببالغي الكِبر. وإذ قد كان الكبر مثبتاً حصوله في نفوسهم إثباتاً مؤكداً بقوله: {إنَّ في صُدُورهم إلاَّ كِبرٌ}، تعيّن أن نفي بلوغهم الكِبر منصرف إلى حالات الكِبر: فإما أن يراد نفي أهليتهم للكبر إذ هم أقل من أن يكون لهم الكبر كقوله تعالى: {أية : ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] أي لا عزة حقاً لهم، فالمعنى هنا: كِبْر زيفٌ، وإما أن يراد نفي نوالهم شيئاً من آثار كِبْرهم مثل تحقير الذين يتكبرون عليهم مثل احتقار المتكبر عليهم ومخالفتهم إياهم فيما يدعونهم إليه فضلاً عن الانتظام في سلك اتباعهم، وإذلالهم، وإفْحام حجتهم، فالمعنى: ما هم ببالغين مرادهم الذي يأملونه منك في نفوسهم الدالة عليه أقوالهم مثل قولهم: {أية : نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30] وقولهم: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}تفسير : [فصلت: 26] ونحو ذلك من أقوالهم الكاشفة لآمالهم. فتنكير: {كبر} للتعظيم، أي كبر شديد بتعدد أنواعه، وتمكنه من نفوسهم، فالضمير البارز في {ببالغيه} عائد إلى الكبر على وجه المجاز بعلاقة السببية أو المسببية، والداعي إلى هذا المجاز طلب الإِيجاز لأن تعليق نفي البلوغ باسم ذات الكبر يشمل جميع الأحوال التي يثيرها الكِبر، وهذا من مقاصد إسناد الأحكام إلى الذوات إن لم تقم قرينة على إرادة حالة مخصوصة، كما في قوله تعالى: {أية : نحن قسمنا بينهم معيشتهم}تفسير : [الزخرف: 32] أي جميع أحوال معيشتهم. فشمل قوله: {ما هم ببالغيه} عدم بلوغهم شيئاً مما ينطوي عليه كِبرُهم، فما بلغوا الفضل على غيرهم حتى يتكبروا، ولا مطمع لهم في حصول آثار كبرهم، كما قال تعالى: {أية : لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 21]. وقد نُفي أن يبلغوا مرادهم بصوغه في قالب الجملة الاسمية لإِفادتها ثبات مدلولها ودوامه، فالمعنى، أنهم محرومون من بلوغه حرماناً مستمراً، فاشتمل تشويه حالهم إثباتاً ونفياً على خصوصيات بلاغية كثيرة. ومن المفسرين من جعل مَا صَدْقَ: {الذين يجادلون في ءايات الله} هنا اليهودَ، وجعله في معنى قوله تعالى: {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}تفسير : [النساء: 54]، وارتقى بذلك إلى القول بأن هذه الآية مدنية ألحقت بالسورة المكية كما تقدم في مقدمة تفسير السورة، وأيدوا تفسيرهم هذا بآثار لو صحت لم تكن فيها دلالة على أكثر من صلوحية الآية لأن تُضرب مثلاً لكل فريق يجادلون في آيات الله بغير سلطان جدالاً يدفعهم إليهم الكبر. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ البصير} لما ضمن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الذين يجادلونه فيما جاءهم به يحدوهم إلى الجدال كبرهم المنطوي على كيدهم وأنهم لا يبلغون من أضمروه وما يضمرونه، فَرّع على ذلك أن أَمَرَه بأن يجعل الله معاذه منهم، أي لا يعبأ بما يبيتونه، أي قدم على طلب العوذ بالله. وحذف متعلق (استعذ) لقصد تعميم الاستعاذة من كل ما يخاف منه. وجملة {إنَّه هوَ السَّمِيع البصِير} تعليل للأمر بالدوام على الاستعاذة، أي لأنه المطلع على أقوالهم وأعمالهم وأنت لا تحيط علماً بتصاريف مكرهم وكيدهم. والتوكيد بحرف (إنّ)، والحصرُ بضمير الفصل مراعى فيه التعريض بالمتحدث عنهم وهم الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان. والمعنى: أنه هو القادر على إبطال ما يصنعونه لا أنت فكيف يتم لهم ما أضمروه لك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ}. قد قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 13]، وذكرنا هناك بعض النتائج السيئة الناشئة عن الكبر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 56- إن الذين يمارون فى دلائل الله بغير حُجة منه - تعالى - ليس فى صدورهم إلا تعال عن اتباع الحق، وليس تعاليهم بموصلهم إلى غايتهم، فاطلب الحفظ من الله، إنه هو المحيط سمعه وبصره بكل شئ. 57- أقسم: لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، لكن أكثر الناس سلبوا العلم، فلم يؤمنوا بالبعث مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض. 58- وما يستوى الأعمى عن الحق والبصير العارف به، ولا يستوى المحسنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسئ فى عقيدته وعمله، قليلا - أى قليل - تتذكرون - أيها الناس. 59- إن القيامة لآتية لا شك فيها، ولكن أكثر الناس لا يصدقون. 60- وقال خالقكم ومالك أمركم: اسألونى أعطكم، إن الذين يتعاظمون عن دعائى سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين. 61- الله - وحده - الذى جعل لكم الليل لتهدأوا فيه وتستريحوا من العمل، والنهار مضيئاً لتعملوا فيه، إن الله لصاحب فضل عظيم على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على نعمه. 62- ذلكم المنعم بهذه النعم الجليلة الله مالك أمركم، خالق كل شئ، لا معبود بحق إلا هو، فإلى أى جهة تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟.

القطان

تفسير : بغير سلطان: بغير دليل ولا حجة. ادعوني: اسألوني. داخرين: صاغرين، أذلاء. لتسكنوا فيه: لتستريحوا فيه. تؤفكون: تصرَفون عن الحق. اعلم يا محمد ان الذين يجادلونك في دين الله بغير حجّةٍ او برهان يعلمونه إنما يدفعهم الى ذلك ما يجدونه في صدورهم من الكيد والحسد، وعنادُهم وطمعهم في ان يغلبوك. {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} وما هم ببالغي إرادتهم، ولن يصِلوا الى ذلك ابدا. ثم امر رسوله ان يستعيذ من هؤلاء المجادلين المستكبرين بقوله: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} الجأ الى الله واستعنْ به فهو السميع لاقوالهم، البصيرُ بأفعالهم. ثم بين الله تعالى للناس وضعهم في هذا الكون الكبير، وضآلتهم بالقياس الى بعض خلْق الله حتى يعلموا حقيقتهم، فيقول: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} هذا ما يفهمه أصحاب العقول المدركة، فان إعادة خلْق الانسان أهونُ بكثير من ابتداء خلقه، ومن خلْق هذا الكونِ العجيب. ان قدرةَ الله لا تُحَدّ، فاين الانسان من هذا الكون الهائل؟. ليس يستوي الأعمى عن الحق والبصير العارف به، ولا يستوي المؤمن العامل بإيمانه والمسيء في عقيدته وعمله، ذلك أن المؤمنين ابصروا وعرفوا فهم يحسنون التقدير، اما الأعمى بجهله فهو يسيء كل شيء. {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} وما أقلّ ما تتذكرون. وبعد أن قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة والبعث، أخبر بأنه واقع لا محالة: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} فآمنوا بها أيها الناس تفوزوا، وأطيعوا ربكم اذ أمركم أن تسألوه، فانه قريب يجيب دعاءكم ويعطيكم. أما الذين يتكبرون عن عبادة الخالق فجزاؤهم جهنّم يدخلونها صاغرين. ثم شرع الله يبين بعض نعمه على الناس، وهي تُظهر عظمته تعالى، لكنهم لا يشكرون عليها فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} من أكبرِ النعم على الناس ان الله جعل لهم الليلَ ليستريحوا فيه من العمل، والنهارَ مضيئا ليعملوا فيه ويكسبوا رزقهم، والله هو المتفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى. {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} هذه النعم، ولا يعترفون بها. {أية : نَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : الآية [إبراهيم: 34]. ثم بين الله كمالَ قدرته وانه الاله الواحد فقال: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} ذلكم الذي انعم عليكم بهذه النعم الجليلة هو الله خالق هذا الكون وما فيه، الإله الواحد المنفرد في الألوهية. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فإلى اي جهة تُصرفون عن عبادته الى عبادة غيره!. ثم ذكر ان هؤلاء الجاحدين ليسوا ببدعٍ في الأمم قبلهم، فقد سبقهم الى هذا جحود خلق كثير فقال: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} فكما ضلّ هؤلاء بعبادة غير الله ضل الذين قبلهم بلا دليل ولا برهان. قراءات: قرأ أهل الكوفة: تتذكرون بتاءَين، والباقون: يتذكرون بالياء. وقرأ ابن كثير ورويس سيدخَلون: بضم الياء وفتح الخاء. والباقون: سيدخُلون بفتح الياء وضم الخاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُجَادِلُونَ} {ۤ آيَاتِ} {سُلْطَانٍ} {أَتَاهُمْ} {بِبَالِغِيهِ} (56) - إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَكَ لِدَفْعِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، وَيُحَاوِلُونَ رَدَّ الحُجَجِ الصَّحِيحَةِ بِالشُّبَهِ الفاسِدَةِ، بِلاَ بُرْهَانٍ وَلاَ دَلِيلٍ لَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى صِحَّةِ مَا يَقُولُونَ، إِنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِمَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اسْتِكْبَارٍ عِنْ اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَاحْتِقَارٍ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَنْ يَبْلُغُوا مَا يَرْومُونَ وَمَا يُرِيدُونَ وَيُؤمِّلُونَ بِهِ مِنْ إِخْمَادِ الحَقِّ، وَإِعْلاَءِ البَاطِلِ، وَسَيَبْقَى الحَقُّ هُوَ الغَالِبَ دَائِماً، فَالْتَجَئْ إِلَى اللهِ مُسْتَعيذاً بِهِ فِي دَفْعِ كَيْدِ هَؤُلاَءِ المُسْتَكْبِرِينَ المُجَادِلِينَ بِالبَاطِلِ، فَهُوَ السَّمِيعُ لِدُعَائِكَ وَاسْتِعَاذَتِكَ، وَلِمَا يَقُولُونَ وَيَأْفِكُونَ، وَهُوَ البَصِيرُ بِحَالِكَ وَحَالِهِمْ. بِغَيْرِ سُلْطَانٍ - بِغَيْرِ حُجّةٍ أَوْ بُرْهَانٍ. مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ - مُقْتَضَى الكِبْرِ والتَّعَاظُمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الجدل: هو المراء والأخذ والردّ، مأخوذ من جَدْل الحبل وفَتْله، والفتْل عملية تتماسك فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أنْ كانت هشَّة متفرقة، فالجَدْل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي. والجدل منه جدل بنَّاء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مِراء لا فائدةَ منه، جدل الحق جدل بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المِرَاء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا حجة، والسلطان إما أن يكون سلطانَ قهر يحملك ويُرغمك ويقهرك على الشيء، وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مُجبر، وسلطان الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت رَاضٍ مقتنع. لذلك قال عدو الله إبليس: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]. يعني: لم يكن عندي سلطان قهر أقهركم به على المعصية، ولا سلطان حُجة وإقناع أقنعكم به. لذلك قلنا في آية السجود لآدم أن الحق سبحانه قال مرة {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} تفسير : [ص: 75] وفي موضع آخر قال: {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] فواحدة بالإثبات والأخرى بالنفي، كيف؟ يعني: هل جئتَ لتسجد فجاءت قوةٌ منعتك من السجود؟ أم قوةٌ أقنعتك بعدم السجود فلم تسجد وأنت رَاضٍ مُقتنع بذلك؟ ومعنى {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} [غافر: 56] قلنا: إنها على ثلاثة أقسام: آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء .. إلخ. الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله. والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل. ففي أيِّ هذه الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما الآيات الكونية فليستْ مجالاً للجدل. وقوله: {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} [غافر: 56] هل يعني هذا أن هناك جدلاً في آيات الله بسلطان؟ قالوا: بل المعنى أنه ممتنع أي: ليس في آيات الله جدل، المسألة {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} [غافر: 56] هذا هو السبب، ومصدر الجدل في آيات الله، كِبْر في صدورهم يمنعهم من قبول الحق، ويمنعهم أنْ ينقادوا لرجل منهم ربما ظنوا أنهم أفضل منه. لذلك في بعض الآيات يوضح الحق سبحانه أنهم يؤمنون بالقرآن، لكن اعتراضهم هو على رسول الله كشخص جاء بالرسالة، وهو واحد من عامة القوم ليس بأعظمهم ولا أغناهم، يقول تعالى يحكي على لسان الكفار: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وفي موضع آخر ينكرون الجميع ويقولون: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] وكان المنطق أن يقولوا: فاهدنا إليه. وهذا القول منهم دليلٌ على أنهم كارهون للدين جملة، لأن قلوبهم مشغولةٌ بقضية مخالفة هي شركهم بالله وعبادتهم الأصنام، هذه العبادة التي شبُّوا عليها وتوارثوها، وإذا شُغِل الإنسان بالباطل لا يمكن أن يهدي للحق إلا إذا أخرجتَ القضية الباطلة من قلبه أولاً، عندها يسمح للحق أنْ يدخل. لذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن مسألة العقائد لا تُناقش في جمهرة الناس، إنما تتأملها بينك وبين نفسك، وإنْ كان لا بدَّ من المشاركة، فواحد فقط، لماذا؟ لأنك حين تجلس بمفردك أو مع شخص واحد معك يثمر النقاش ولا تتسع دائرة الخلاف، فيكون أدْعَى للوصول إلى الصواب، وإذا انهزم واحدٌ منكما فلن ينهزم أمام جمهرة الناس، وساعتها لن يكابر ولن يعاند وسيعود إلى الحق ويرجع إليه دون حرج. لذلك يقول سبحانه: {أية : إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} تفسير : [سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا مسائل العقيدة جماهيرياً؛ لأن الجماهير لا ضابط لها، وتفكيرها الجماعي يؤدي إلى الخَلْط والغوغائية، فكُنْ بمفردك حتى لا يداخلك هَوَىً فتميل معه. والكبر في قوله تعالى: {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} [غافر: 56] إنْ بمعنى ما في صدورهم إلا كِبْر. يعني: تَعَالٍ على الحق الذي يأتي به الرسول، هذا الكبر أو التكبر هو الذي منعهم من الاستماع للرسول، وجعلهم يتعالوْنَ عليه، ذلك لأنهم كانوا في مجتمعهم سادةً، واستماعهم لرسول الله وطاعتهم له سيجعلهم مسُودين لمن يسمعون منه ويطيعونه. ومعلوم أن قريشاً كان لها السيادة على كافة العرب، هذه السيادة جعلتهم متمكنين من رحلاتهم التجارية بالشتاء والصيف، وينتقلون بها دون أنْ يتعرَّض لهم أحد، لماذا؟ لأن قبائل العرب جميعها تأتي إلى قريش في مكة موسم الحج، ويكونون في ضيافة قريش ورعايتها وفي باطنها، فالبيت الحرام وحجه هو الذي أعطى قريشاً هذه المكانة وهذه المهابة؛ لذلك قال سبحانه: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. وقال سبحانه: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ..} تفسير : [العنكبوت: 67]. والدليل على ذلك أنهم لما رأوا في الأصنام آلهةً لا أوامرَ لها ولا تكاليفَ رَضُوا بها وعبدوها من دون الله، ومع ذلك لما أرادوا مكاناً يكرمون به هذه الآلهة لم يجدوا إلا الكعبة يضعون أصنامهم حولها، إذن: فالكعبة لها قداسة عندهم رغم كفرهم بالله. هذا هو الكبْر الذي منعهم من قبول الحق، وهذا الكبر وصفه الله بقوله {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] يعني: ليس عندهم دواعي الكبر، فهو كِبْر كاذب لأن الذي يتكبَّر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء عارض ربما يُسلب منه، فهو كبر كاذب كمَنْ يتكبّر بقوته وعافيته أو بماله أو بسلطانه. وقوله تعالى: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} [غافر: 56] لأن الاستعاذة بالله تعني أن شيئاً جاء فوق أسبابك المادية فلا تقفْ أمامه مكتوفَ الأيدي، إنما توجَّه إلى ربك الذي أرسلك وقُلْ له: إن هذا الأمر أعجزني وفاقَ طاقتي فاحمله عني، لذلك قال سبحانه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62]. فإذا عزَّتْ الأسباب فتوجَّه إلى المسبِّب {إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [غافر: 56] هذان من صفات الكمال المطلق لله تعالى السمع والبصر؛ لأن كل حركات جوارح الإنسان عملٌ، فاللسان له عمل، واليد لها عمل، والرِّجْل لها عمل. وهذا العمل ينقسم إلى قسمين: إما قول أو فعل، القول أخذ وحده شطر العمل وهو عمل اللسان، وباقي الجوارح عملها يُسمى (فعل). لذلك قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2] فذكر القول والفعل، وكله يُسمَّى عملاً، فالسمع لما يُقال، والبصر لما يُفعل، فالحق سبحانه يُبيِّن لرسوله صلى الله عليه وسلم منزلة الاستعاذة {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} [غافر: 56] لأنه سميع لكل ما يُقال، بصير بكلِّ ما يُفعل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن من جادل في آياته ليبطلها بالباطل، بغير بينة من أمره ولا حجة، إن هذا صادر من كبر في صدورهم على الحق وعلى من جاء به، يريدون الاستعلاء عليه بما معهم من الباطل، فهذا قصدهم ومرادهم. ولكن هذا لا يتم لهم وليسوا ببالغيه، فهذا نص صريح، وبشارة، بأن كل من جادل الحق أنه مغلوب، وكل من تكبر عليه فهو في نهايته ذليل. { فَاسْتَعِذْ } أي: اعتصم والجأ { بِاللَّهِ } ولم يذكر ما يستعيذ، إرادة للعموم. أي: استعذ بالله من الكبر الذي يوجب التكبر على الحق، واستعذ بالله من شياطين الإنس والجن، واستعذ بالله من جميع الشرور. { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات على اختلافها، { الْبَصِيرُ } بجميع المرئيات، بأي محل وموضع وزمان كانت.