٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه؛ بأنه خلق السموات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك، فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى؛ كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الأحقاف: 33] وقال ههنا: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة، ولا يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السموات والأرض، وينكرون المعاد استبعاداً وكفراً وعناداً، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا ثم قال تعالى: { وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار، {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَـةٌ} أي: لكائنة وواقعة {لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك عن شيخ قديم من أهل اليمن قدم من ثم قال: سمعت أن الساعة إذا دنت، اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في منكري البعث{لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ابتداء {أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } مرة ثانية وهي الإِعادة {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي كفار مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك فهم كالأعمى ومن يعلمه كالبصير.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظمت اليهود شأنه، قاله أبو العالية. الثاني: أكبر من إعادة خلق الناس حين أنكرت قريش البعث، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أكبر من أفعال الناس حين أذل الكفار بالقوة وتباعدوا بالقهر.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} توبيخ لهؤلاء الكفرة المتكبرين، كأنه قال: مخلوقات الله أكبر وأجل قدراً من خلق البشر، فما لأحد منهم يتكبر على خالقه، ويحتمل أن يكون الكلام في معنى البعث والإعادة، فأعلم أن الذي خلق السماوات والأرض قوي قادر على خلق الناس تارة أخرى. والخلق على هذا التأويل مصدر مضاف إلى المفعول. وقال النقاش: المعنى مما يخلق الناس، إذ هم في الحقيقة لا يخلقون شيئاً، فالخلق في قوله: {من خلق الناس} مضاف إلى الفاعل على هذا التأويل. وقوله: {ولكن أكثر الناس} يقتضي أن الأقل منهم يعلم ذلك، ولذلك مثل الأكثر الجاهل: بـ {الأعمى}، والأقل العالم: بـ {البصير}، وجعل: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعادلهم قوله: {ولا المسيء} وهو اسم جنس يعم المسيئين، وأخبر تعالى أن هؤلاء لا يستوون، فكذلك الأكثر الجهلاء من الناس لا يستوون مع الأقل الذين يعلمون. وقرأ أكثر القراء والأعرج وأبو جعفر وشيبة والحسن: "يتذكرون" بالياء على الكناية عن الغائب. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وقتادة وطلحة وعيسى وأبو عبد الرحمن: "تتذكرون" بالتاء من فوق على المخاطبة. والمعنى: قل لهم يا محمد. ثم جزم الإخبار بأن الساعة آتية، وهي القيامة المتضمنة للبعث من القبور والحساب بين يدي الله تعالى، واقتران الجمع إلى الجنة وإلى النار. وقوله تعالى: {لا ريب فيها}، أي في نفسها وذاتها، وإن وجد من العالم من يرتاب فيها فليست فيها في نفسها ريبة. وقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} آية تفضل ونعمة ووعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالإجابة عند الدعاء، وهذا الوعد مقيد بشرط المشيئة لمن شاء تعالى، لا أن الاستجابة عليه حتم لكل داع، لا سيما لمن تعدى في دعائه، فقد عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الذي قال: اللهم أعطني القصر الأبيض الذي عن يمين الجنة. وقالت فرقة: معنى: {ادعوني} و {استجب}، معناه: بالثواب والنصر، ويدل على هذا التأويل قوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} ويحتج له لحديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدعاء هو العبادة" تفسير : وقرأ هذه الآية. وقال ابن عباس: المعنى: وحدوني أغفر لكم. وقيل للثوري: ادع الله، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر: "سيُدخَلون" بضم الياء وفتح الخاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر والحسن وشيبة: بفتح الياء وضم الخاء، واختلف عن أبي عمرو وعن عاصم. والداخر: هو الصاغر الذليل.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَخَلْقُ الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ} من خلق الدجَّال لما عظمت اليهود شأنه، أو أكبر من إعادة خلق الناس، أو أكبر من أفعال الناس حين أذل الكفار بالقوة وتواعدوهم بالقهر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}: فيه توبيخٌ لهؤلاءِ الكفرةِ المتكبِّرينَ، كأنه قال: مخلوقاتُ اللَّهِ أَكْبَرُ وأَجَلُّ قَدْراً مِنْ خَلْقِ البَشَرِ، فما لأحدٍ منْهم يَتَكَبّرُ على خالقِه، ويحتملُ أنْ يكونَ الكلامُ في مَعْنَى البَعْثِ، وأنَّ الذي خلقَ السمواتِ والأرْضَ قادِرٌ على خَلْقِ الناسِ تَارَةً أُخْرَىٰ، والخَلْقُ هنا: مَصْدَرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} يعادلهم قولُهُ: {وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} وهو اسمُ جِنْسٍ يَعُمُّ المسيئينَ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} المصدران مضافان لمفعولهما، والفاعل محذوف، وهو الله تعالى. ويجوز أن يكون الثاني مضافاً للفاعل أي أكبر مما يخلقه الناسُ، أي يصنعونه. ويجوز أن يكون المصدران واقعين موقع المخلوق، أي مخلوقهما أكبر من مخولقهم، أي جرمهما أكبر من جرمهم. فصل اعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة، ذكر لهذا مثلاً، فقال: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس والقادر على الأكبر قادر على الأقلّ لا محالة. وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقال: لما قدر على الأضعف، وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد. (وثانيها: أن يُقَال: لما قدر على الشيء قدر على مِثْلِهِ، فهذا استدلال صحيح لما ثبت في الأصول: أن حكم الشيء حكم مثله). وثالثها: أن يُقَالَ: لما قدر على الأقوى الأكمل (فَبِأَنْ) يقدر على الأقل الأرذل كان أولى. وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة، ولا يرتاب فيه عاقل البتةَ. ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السمواتِ والأرضِ هو الله سبحانه وتعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه اولاً فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب. ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه الذين ينكرون الحشر والنشر. فظهر بهذا المثال أنَّ هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحَسَدِ والكِبْر والغَضَب. ثم لما بين الله تعالى أن الجِدَال المقرونَ بالكِبر والحسد، والجَهْل كيف يكون؟ وأن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون؟ نبه تعالى على الفرق بين البيانين فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} يعني: وما يستوي المستدل والجاهل المقلد، ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} فالمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل والمراد بالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة، ثم قال: {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} يعني أنهم وإن كانوا (يعلمون) أن العلمَ خير من الجهل، وأن العمل الصالح خيرٌ من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون. فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل، وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عملٌ صالح أو فاسدٌ. فصل قوله: (وَالْبَصير) اعلم أن التقابلَ يجيء على ثَلاَثِ طُرُقٍ: أحدهما: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ}تفسير : [هود:24]. والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ}تفسير : [فاطر:19ـ20]. وكل ذلك تفنن في البلاغة. وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله: {وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} لاَ زائدة للتوكيد؛ لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد تقسيم المؤمنين، فأعاد معه "لا" توكيداً، وإنما قدم المؤمنين لمجاورتهم. قوله: "تتذكرون" قرأ الكوفيون بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة، والخطاب على الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم. والغيبة نظراً لقوله: {إنَّ الَّذِين يُجَادِلُونَ} وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب.
القشيري
تفسير : أي خَلْقُ السماوات والأرضِ أكبرُ من بعثهم وخَلْقهم مرةً أخرى بعد أن صاروا رميماً؛ فالقوم كانوا يُقِرُّون بخلْقِ السماوات والأرض، وينكرون أمرَ البعث.
اسماعيل حقي
تفسير : {لخلق السموات والارض} تحقيق للحق وتبيين لاشهر ما يجادلون فيه وهو امر البعث {اكبر} اعظم فى القدرة {من خلق الناس} مرة ثانية وهى الاعادة فمن قدر على خلق الاعظم الاقوى بلا اصل ولا مادة وجب أن يقدر على خلق الاذل الاضعف من الاصل والمادة بطريق الاولى فكيف يقرون بأن الله خلق السموات والارض وينكرون الخلق الجديد يوم البعث {ولكن اكثر الناس} يعنى الكفار {لا يعلمون} أن الاعادة اهون من البداية لقصورهم فى النظر والتأمل لفرط غفلتهم واتباعهم لاهوآئهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لَخلقُ السماوات والأرض أكبرُ من خلقِ الناسِ}، فمَن قدر على اختراع هذه الأجرام مع عظمها كان على اختراع الإنسان بعد موته؛ وبعثه مع مهانته؛ أقدر، {ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون} ذلك؛ لأنهم لا يتفكرون؛ لغلبة الغفلة عليهم، وعمى بصيرتهم. {وما يستوي الأعمى والبصيرُ} أي: الغافل والمستبصر، {ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيءُ}؛ ولا يستوي المحسن والمسيء، فلا بد أن تكون لهم حال أخرى، يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت، وهي فيما بعد البعث، فيرتفع المستبصر المحسن في أعلى عليين، ويسقط الغافل المسيء في أسفل سافلين. وزيادة "لا" في المسيء؛ لتأكيد النفي؛ لطول الكلام بالصلة. {قليلاً ما يتذكرون} أي: تذكراً قليلاً يتذكرون. وقرىء بالغيبة، والخطاب، على الالتفات. {إِنَّ الساعة لآتيةٌ لا ريبَ فيها}؛ لا شك في مجيئها؛ لوضوح دلائلها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها، {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يؤمنون}؛ لا يُصدقون بوقوعها؛ لقصور نظرهم على ظواهر ما يحسُّون. الإشارة: التفكُّر في العوالم العلوية والسُفلية، يُوجب في القلب عظمة الحق جلّ جلاله، وباهر قدرته وحكمته، وإتيان البعث لا محالة؛ لنفوذ القدرة في الجميع. وكونُ خلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان، إنما هو باعتبار الجرم الحسي، وأما باعتبار المعنى؛ فالإنسان أعظم؛ لاشتماله على العوالم كلها، كما قال في المباحث: شعر : اعْقِلْ فأَنْتَ نُسخةُ الوُجُود ِلله ما أعلاكَ مِن مَوجُود أَليس فِيكَ العرْشُ والكرسِيُّ والعَالَمُ العلويُّ والسُّفليُّ؟ ثم أمر بعبادته أو دعائه، بعد بيان عظمة قدرته، ليكون الداعي مُوقناً بالإجابة، فقال: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} فلا ينبغى للنّاس الضّعيف الخلق الكبر فى مقابل ما هو اكبر منه وانّما قال لخلق السّماوات ولم يقل السّماوات والارض للاشعار بانّ الصّورة الخلقيّة منهما اكبر من الصّورة الخلقيّة الانسانيّة، وامّا النّشأة الرّوحيّة الانسانيّة فهو اكبر بمراتب من صورة السّماوات والارض ومن نشأتهما الرّوحيّة الامريّة، والمجادل تنزّل من مقام روحيّته الامريّة الى الصّورة الخلقيّة كأنّه ليس له نشأة روحيّة {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس لهم مقام علم حتّى يعلموا ضعفهم، او لا يعلمون ضعفهم وحقارتهم بالنّسبة الى السّماوات.
الهواري
تفسير : قوله: عز وجل: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} أي: أشد من خلق الناس، يعني شدة خلقها وكثافتها وعرضها وطولها، أي: فأنتم أيها المشركون تقرون بأن الله هو الذي خلقها وتجحدون البعث. قال عز من قائل: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنهم مبعوثون. قوله: عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} الأعمى: الكافر، عمي عن الهدى، والبصير: المؤمن، أبصر الهدى. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ} أي: المشرك {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي: أقلهم المتذكر، يعني أقلهم من يؤمن. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: أقلكم المتذكر، أي: من يؤمن. قوله عز وجل: {إِنَّ السَّاعَةَ} أي: القيامة {لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: لا شك فيها {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: بالساعة. قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} كقوله: (أية : فَادْعُواْ اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّين) تفسير : [غافر:14] {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [أي: صاغرين]. ذكروا عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل العبادات، حديث : فقال دعاء المرء لنفسه. تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : المسلم من دعائه على إحدى ثلاث: إما أن يعطى مسألته، وإما أن يعطى مثلها من الخير، وإما أن يصرف عنه مثلها من الشر ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل. تفسير : [قالوا: يا رسول الله، إذاً نكثر، قال: الله أكثر. الحسن بن دينار عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك قال] قالوا: يا يا رسول الله كيف يستعجل؟ قال: حديث : يقول: قد دعوت الله فما أجابني، ودعوته فما أعطاني. تفسير : ذكروا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وإن أعجز الناس من عجز في الدعاء، وقد قال عز وجل: ادعوني أستجب لكم.
اطفيش
تفسير : {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} مع عظمهن* {أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} بعدد فئاتهم والمراد أنه أكبر فى الصدور وأما الله فلا تتفاوت الاشياء فى قدرته والآية متصلة بالجدال قبلها لان جدالهم فى آيات الله مشتمل على انكار البعث وهو أصل الجدال فحاجهم بما أقروا به خلق السموات والأرض مع عظمهن عن اعادة الانسان بعد موته وتحتمل الآية التوبيخ لهم بأن هذا الخلق العظيم لم يتكبر فكيف تتكبرون واللام للمبتدأ والخلق مصدر مضاف لمفعوله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} كفار مكة* {لاَ يَعْلَمُونَ} لانهم لا يتفكرون لتوغلهم في التقليد واتباع الهوى فهم عمي والمسترشدون بصيرون فهؤلاء الذين لا يتفكرون كأنهم لا ينظرون السموات والأرض أي لا يرون بعضها ولا يعتقدون وجودها مع انهم راءون ومعتقدون وجودها فلم يستدلوا بها على توحيد خالقها، وقيل المراد (بخلق الناس) الدجال (وبأكثر الناس) اليهود المجادلون في أمره وفي الحديث "حديث : أنه ما بين خلق آدم وقيام الساعة أكبر من الدجال" تفسير : أي أعظم فتنة وشوكة ولذلك كان يستعيذ من فتنته وأمان عينه اليمنى عوراء كعنبة طافية أى عالية وان كل نبي أنذر قومه به والله لا يرى ولا يحد ولا يوصف بالعين ولا بعورها وانه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مسلم وتتقدمه سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها وثانية أكثر وثالثة تمسكان الكل فيموت البهائم وان من أشد فتنته أن يقول للاعرابى ان أحببت أباك وأخاك أفتعلم اني ربك؟ فيقول: نعم فيتمثل الشيطان بهما وانه ان خرج والنبى صلى الله عليه وسلم حي كفاه والله خليفة المؤمن وانه يقل الطعام يومئذ ويفقد ويجزى المؤمنين ما يجزى أهل السماء من التسبيح وروي تكفيهم سورة الكهف. وروى البعض ويمكث أربعين سنة كالشهر وهو كالجمعة وهي كاليوم وهو كالساعة وروي كاضطرام السعفة في النار وروي يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه وانه تقدر له أوقات الصلوات موسعة ما بينهن وان اسراعه كالغيث وان من أدركه فليقرأ فواتح سورة الكهف يجز من فتنته وان عيسى صلى الله عليه وسلم ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق يدركه عند باب لدي فيقتله وان معنى (ناراً) في رأي العين هى ماء في الحقيقة وماء هو نار تحرق وان من أدرك ذلك فليقع في ناره فانها ماء عذب بارد وانه ما أخبر نبى قومه بعوره الا نبينا صلى الله عليه وسلم وانه يجيء بمثل نار هي جنة وبمثل جنة هى نار وانه أهون على الله من أن يكون له جبل خبز ونهر ماء كما قيل ويأتيه الرجل يحسب أنه مؤمن فيتبعه لشبهاته ويدخل كل أرض الا مكة والمدنية تحرسهما الملائكة ينزل بسبخة المدينة فترجف المدينة ثلاثاً فيخرج اليه كل كافر ومنافق وانه يأتي من المشرق من خراسان الى المدينة وينزل دبر أحد فتصرفه الملائكة الى الشام وفيه يقتل ويتبعه أقوام كأن وجوههم المجان (المطرقة) أى الترسة في الصلابة ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم (الطيالسة) وانه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول أنا ربكم ومن قال أنت ربي فقد فتن ومن قال (ربي الله) فقد عصم ويجيء اليه خير الناس يومئذ فيقول أشهد انك الدجال الذي حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أتؤمنون انى ربكم ان قتلت هذا وأحييته فيقولون نعم فيفعل فيقول الرجل ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، وقد رآه تميم الدار في غاره وأخبره بمبعث النبي وموته فانتفخ حتى ملأه فرحاً فضربه ملك ورأى دابته ينبح جرو من بطنها يركله وكانوا يقولون انه ابن صياد اليهودي ورد بدخوله المدينة وولادته وهو بلاء للعباد أقدره الله على أشياء كالاحياء والاماتة باذن الله وزهرة الدنيا والخصب واتباع كنوز الأرض وأمره السماء بالامطار والأرض بالانبات فتفعلان ثم يعجز ويبطل أمره فلا يقدر على قتل الرجل مرة أخرى ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهو ثابت عند أصحابنا من أهل المغرب وأنكره بعض المشارقة وبعض المعتزلة وأكير الجهمية وأثبته المحدثون وقومنا ومن قبح منكره قبحه الله لانه ما أنكره الا لعدم ثقة المخبرين به ويقول انهم يكذبون على الصحابة وزعم الجبائى والمعتزلى وموافقوه من الجهمية وغيرهم انه يوجد وان ما يأتى به خيالات لا حقائق لها ولو كانت حقاً لتوضحت حتى تشابه معجزات الأنبياء فتقع الشبهة في الدين ورد بأنه لم يدع النبوة فيكون لك تصديقاً له بل يدعي الربوبية دعوى كاذبة لرؤيته وتجسمه وحده ونقصه وعجزه عن ازالة العور في عينيه وازالة كتابة كافر بين عينيه وانا تغبر به عوام لشدة الفاقة بخلاف أهل العلم والتوفيق فيزدادون يقيناً وقيل معنى موته أهون على الله من أن يكون له جبل خبز ونهر ماء انه أهون أن يجعل الله ذلك مضلاً للمؤمنين
اطفيش
تفسير : {لخلْقُ السَّماوات والأرض} لخلق الله السماوات والأرض {أكْبَرُ مِن خَلق النَّاس} فكيف لا يقدر على بعثهم، وقد خلقهم وخلفهن أكبر أجساما، ولا يصح تفسير الناس بالدجال كما زعم بعض {ولكنَّ أكثر الناس لا يعْلمُون} أى لا علم لهم يتدبرون به، أن القادر على خلق الناس وخلقهم، قادر على البعث، ويعلم منزل منزلة اللازم لعدم تعلق القصد به الى معمول، كما رأيت، ويجوز إبقاؤه على التعدى، بأن يكون المراد لا يعلمون أن خلق السَّموات والأرض أكبر من خلق الناس، أى لا يجرون على مقتضى ذلك، وهو أنه قادر على البعث، ومن لا يعمل بما علم مساوٍ للجاهل، يقال: مات من علم أنه يموت أى استعد لما بعد الموت، ومات من لم يعلم أنه يموت، أى لم يستعد، كأنه لا يعلم أنه يموت.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه من أمر البعث الذي هو كالتوحيد في وجوب الإيمان به على منهاج قوله تعالى: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }تفسير : [يس: 81] وإضافة {خَلْقُ } إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله أي لخلق الله تعالى السماوات والأرض أعظم من خلقه سبحانه الناس لأن الناس بالنسبة إلى تلك الأجرام العظيمة كلا شيء، والمراد أن من قدر على خلق ذلك فهو سبحانه على خلق ما لا يعد شيئاً بالنسبة إليه بدأ وإعادة أقدر وأقدر. وقال أبو العالية: (الناس) الدجال وهو بناء على ما روي عنه في المجادلين، ولعمري إن تطبيق هذا ونحوه على ذلك في غاية البعد وأنا لا أقول به. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وهم الكفرة، ولما كان ما قبل لإثبات البعث الذي يشهد له العقل وتقتضيه الحكمة اقتضاء ظاهراً ناسب نفي العلم عمن كفر به لأنهم لو كانوا من العقلاء الذين من شأنهم التدبر والتفكر فيما يدل عليه لم يصدر عنهم إنكاره، ولم يذكر للعلم مفعولاً لأن المناسب للمقام تنزيله منزلة اللازم، وقيل: المراد لا يعلمون أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس أي لا يجرون على موجب العلم بذلك من الإقرار بالبعث ومن لا يجري على موجب علمه هو والجاهل سواء. وفي «البحر» أنه تعالى نبه على أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر الإنسان بقوله سبحانه: {لَخَلْقُ } الخ أي إن مخلوقاته تعالى أكبر وأجل من خلق البشر فما لأحدهم يجادل ويتكبر على خالقه سبحانه وتعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون: لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم ولذلك جادلوا وتكبروا، ولا يخفى أنه تفسير قليل الجدوى.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة اتصال هذا الكلام بما قبله أن أهم ما جادلوا فيه من آيات الله هي الآيات المثبِتة للبعث وجدالهم في إثبات البعث هو أكبر شبهة لهم ضللت أنفسهم وروجوها في عامَّتهِم فقالوا: {أية : أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد} تفسير : [الرعد: 5]. فكانوا يسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل ذلك { أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على اللَّه كذباً أم به جنة} تفسير : [سبأ: 7، 8]، ولما كانوا مقرّين بأن الله هو خالق السماوات والأرض أقيمت عليهم الحجة على إثبات البعث بأنّ بعْث الأموات لا يبلغ أمره مقدار أمر خلق السماوات والأرض بالنسبة إلى قدرة الله تعالى. والكلام مؤذن بقَسَم مقدّر لأن اللام لام جواب القسم، والمقصود: تأكيد الخبر. ومعنى {أكبر} أنه أعظم وأهم وأكثر متعلَّقاتِ قدرة بالقادر عليه لا يعجز عن خلق ناس يبعثهم للحساب. فالمراد بالناس في قوله: {مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} الذين يعيد الله خلقتهم كما بدأهم أول مرة ويودع فيهم أرواحهم كما أودعها فيهم أول مرة. والخبر مستعمل في غير معناه لأن كون خلقها أكبر هو أمر معلوم وإنما أريد التذكير والتنبيه عليه لعدم جريهم على موجَب علمهم به. وموقع الاستدراك في قوله: {ولٰكِنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلَمُون} ما اقتضاه التوكيد بالقَسَم من اتضاح أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. فالمعنى: أن حجة إمكان البعث واضحة ولكن الذين ينكرونها لا يعلمون، أي لا يعلمون الدليل لأنهم متلاهون عن النظر في الأدلة مقتنعون ببادىء الخواطر التي تبدو لهم فيتخذونها عقيدة دون بحث عن معارضها، فلما جرَوا على حالة انتقاء العلم نُزلوا منزلة من لا علم لهم فلذلك نزل فعل {يعلمون} منزلة اللازم ولم يذكر له مفعول. فالمراد بــــ {أكثَرَ النَّاسِ} هم الذين يجادلون في آيات البعث وهم المشركون، وأما الذين علموا ذلك فهم المؤمنون وهم أقل منهم عدداً. وإظهار لفظ {الناس} في قوله: {ولكنَّ أكثَر النَّاس لا يعلمون} مع أن مقتضى الظاهر الإضمار، لتكون الجملة مستقلة بالدلالة فتصلح لأن تَسير مسير الأمثال، فالمعنى أنهم أنكروا البعث لاستبعادهم خلق الأجسام مع أن في خلق السماوات والأرض ما لا يبقَى معه استبعاد مثل ذلك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}. قد قدمنا أن هذه الآية من البراهين الدالة على البعث، وأوضحنا كل البراهين الدالة على البعث بالآيات القرآنية بكثرة في سورة البقرة، وسورة النحل، وأحلنا على مواضع ذلك مراراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (57) - إِنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ سَابِقٍ وُجُودُهَا، أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، لِعِظَمِ الأَجْرَامِ وَالأفْلاَكِ وَالنُّجُومِ والكَوَاكِبِ السَّابِحَةِ فِي السَّمَاوَاتِ، وَالتِي لاَ يُمْسِكُهَا وَيَضْبِطُهَا إِلاَّ أَمْرُ اللهِ وَإِرَادَتُهُ، وَكَذَلِكَ الحَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَبِحَارِ وَأَشْجَارٍ وَأَنْهَارٍ، وَمَخْلُوقَاتٍ، لاَ يُحْصِي عَدَدَهَا إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، وَمَنْ قَدرَ عَلَى خَلْقِ العَظِيمِ لاَ يُعْجِزُهُ الحَقِيرُ، وَمَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَنْ فِيهِمَا ابْتِدَاءً لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ بَعْثَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَتَدَبَّرُونَ الحُجَجَ وَالأَدِلَةَ القَائِمَةَ الدَّالَّةَ عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ، وَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اللام في (لَخَلْقُ) تدل على القسم، وكأن الحق سبحانه يقول: وعزَّتي وجلالي لخَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس، كيف؟ قالوا: لأن الناس في الدنيا أعمارهم متفاوتة: واحد عمره لحظة، وواحد عمره ساعة، وواحد عمره مائة عام إلى عمر نوح عليه السلام، فأين عمري من عمر الشمس مع أنها خُلقتْ لخدمتي، أيكون الخادم أطولَ عمراً من المخدوم؟ إذن: لا بدَّ أن لك عمراً آخر باقياً بعد ذهاب الشمس وغيرها من المخلوقات التي تخدمك، وهذا لا يكون إلا في الآخرة. قالوا: العمر له طول لا يعلمه إلا الله وله عَرْض قد يفوق الطول، وكذلك جعل له حجماً وعمقاً، فالله الذي حدد العمر زمناً من الممكن أن الإنسان يأخذ عمره طولاً، لكن يمكنه أن يزيد في عرضه فيكون العرض هو البُعد الأطول، بمعنى أن يوسع دائرة نشاطه لينفع نفسه وينفع مجتمعه ويبقى له ذكرى طيبة بعد موته، فكأنه أضاف بنشاطه إلى عمره أعماراً. لذلك نقول: إن أوطان الناس تتحدد على قدر هممهم، فواحد وطنه نفسه يريد كل شيء له وهو ليس لأحد، وهذا هو الأناني، وواحد وطنه أسرته، وآخر وطنه قبيلته، وآخر وطنه بلده، وواحد وطنه العالم كله، فكلما ازدادت الهمّة اتسعتْ دائرة الوطن وزادتْ رقعته. وحين نقول: إن الشمس أطولُ عمراً مني نلاحظ أنك أيها الإنسان كائن حَيّ تأكل وتشرب، أما الشمس فجماد لا تأكل ولا تشرب، أنت لك قانونُ صيانة ويعتريك المرضُ وغيره لأنك ابنُ أغيار، أما الشمس فليس لها شيء من هذا فليس لها قانون صيانة ولا يعتريها ما يعتريك، وهي منذ خلقها الله تعمل دون توقّف ودون خَلَل ودون صيانة، والآلة التي بهذا الوصف تدل على قدرة خالقها وعظمة مبدعها. لذلك نقول: إذا نظرنا إلى خَلْق السماوات والأرض لوجدناه فعلاً أكبر من خَلْق الناس: {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] لكن ما معنى (لاَ يَعْلَمُونَ) الكون يقع تحت حواسِّنا، ونراه بأعيننا، وكان ينبغي حين نرى هذا الكون بما فيه من إبداع أن نفكر فيه، وفي عظمة خَلْقه ودقَّة نظامه، وكم هو محكم منضبط لا يتخلف أبداً. ألسنا الآن بالعلم نستطيع أنْ نحدد وقت الكسوف مثلاً بالدقيقة والثانية؟ وكأن الحق سبحانه جنَّد حتى غير المسلمين لإظهار صدق آياته الكونية، وكيف أنها منضبطة انضباطاً لا يمكن لأحد أنْ يفسده، لذلك قلنا: إنك إذا رأيت خللاً أو فساداً في الكون فاعلم أن يد الإنسان المختار تدخلتْ فيه، والشيء الذي نتركه على طبيعته لا يمكن أنْ نرى فيه خللاً أو فساداً.
الجيلاني
تفسير : ومن أعظم ما يجادلون فيه أولئك المكابرون أمر السعة والمعاد الجسماني، وبعث الموتى من قبورهم وحشرهم إلى المحشر، والله {لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: إظهار العلويات والسفليات من كتم العدم على سبيل الإبداع في النشأة الأولى {أَكْـبَرُ} وأعظم {مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} وإعادتهم أحياء في النشأة الأخرى {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] قدرة الحق واقتداره على جميع ما دخل في حيطة علمه الشامل، وإرادته الكاملة؛ لقصورهم نظرهم عن إدراك الحق وصفاته {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. ثم أشار سبحانه إلى تفاوت طبقات عباده في العلم بالله والجهل به وبصفاته، فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ} الغافل عن ظهور ذات الحق ومقتضيات أوصافه العظمى وأسمائه الحسنى {وَٱلْبَصِيرُ} العرف الكاشف بوحدة الحق، وظهوره سبحانه على هياكل جميع ما ظهر وبطن سبحانه حسب أسمائه وشئونه الذاتية {وَ} لا المصلحون المحسنون {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله واعتقدوا بتوحيده {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقبولة عنده سبحانه من الأ‘مال والأفعال المترتبة على الإيمان واليقين {وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} أي: المسيئون الأدب مع الله، وهم الكفرة الذين لا يؤمنون بالله، ولا يتصفون بتوحيده، بل يستروحون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتهم الباطلة، وأظلال أنانياتهم الزائلة المضمونة في شمس الذات؛ لذلك عملوا عملاً سيئاً بمقتضى ما تهويه نفوسهم الخبيثة وأخلاقهم السخيفة، لكن {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} [غافر: 58] أي: ما تتذكرون وتتفطنون على عدم المساواة إلا تذكراً قليلاً؛ لذلك تنكرون البعث والحشر. وكيف تنكرونه؟! {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة على ألسنة عموم الأنبياء والرسل {لآتِيَـةٌ} ألبتة؛ بحيث {لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي: في مجيئها ووقوعها بوضوح الدلائل العقلية الدالة على إمكان إعادة المعدوم، مع أنها مديدة بالوحي والإلهام على عموم الأنبياء والرسل الكرام {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [غافر: 59] بها، ولا يصدقون وقوعها وقيامها؛ لانحطاطهم عن مرتبة الخلافة المترتبة على فطرة التوحيد واليقين. {وَ} بعدما أشار سبحانه إلى مرتبة كلا الفريقين الموعد والمشرك، أشار إلى أن من توجه نحوه محنناً، وقصد تجاه توحيده مجتهداً، ودعا إليه متضرعاً، أجاب له وأنجح مطلوبه؛ حيث {قَالَ رَبُّكُـمُ} الذي رباكم على فطرة التوحيد والعرفان: {ٱدْعُونِيۤ} أيها المكلفون بمقتضى العقل المفاض حق دعوتي، وتوجهوا إلى مخصلين بلا رؤية الأسباب والوسائل في البين {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} دعوتكم، وأوصلكم إلى مقصدكم ومقصودكم الذي هو توحيد الذات، فعليكم ألاَّ تستكبروا عن عبادتي وإطاعتي، وبالجملة: {إِنَّ} المسرفين {ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ} ويستكنفون {عَنْ عِبَادَتِي} بمقتضى أرائهم الباطلة وأهوائهم الفاسدة {سَيَدْخُلُونَ} في يوم الجزاء {جَهَنَّمَ} الحرمان والخذلان {دَاخِرِينَ} [غافر: 60] صاغرين ذليلين مهانين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بما تقرر في العقول، أن خلق السماوات والأرض -على عظمهما وسعتهما- أعظم وأكبر، من خلق الناس، فإن الناس بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض من أصغر ما يكون فالذي خلق الأجرام العظيمة وأتقنها، قادر على إعادة الناس بعد موتهم من باب أولى وأحرى. وهذا أحد الأدلة العقلية الدالة على البعث، دلالة قاطعة، بمجرد نظر العاقل إليها، يستدل بها استدلالا لا يقبل الشك والشبهة بوقوع ما أخبرت به الرسل من البعث. وليس كل أحد يجعل فكره لذلك، ويقبل بتدبره، ولهذا قال: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ولذلك لا يعتبرون بذلك، ولا يجعلونه منهم على بال. ثم قال تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ } أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل الصالحات، ومن كان مستكبرًا على عبادة ربه، مقدمًا على معاصيه، ساعيًا في مساخطه، { قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ } أي: تذكركم قليل وإلا فلو تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار والفجار، وكانت لكم همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على الضلال، والسعادة الدائمة، على الدنيا الفانية. { إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا } قد أخبرت بها الرسل الذين هم أصدق الخلق ونطقت بها الكتب السماوية، التي جميع أخبارها أعلى مراتب الصدق، وقامت عليها الشواهد المرئية، والآيات الأفقية. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } مع هذه الأمور، التي توجب كمال التصديق، والإذعان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):