Verse. 4191 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَمَا يَسْتَوِي الْاَعْمٰى وَالْبَصِيْرُ۝۰ۥۙ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ وَلَا الْمُسِيْۗءُ۝۰ۭ قَلِيْلًا مَّا تَتَذَكَّرُوْنَ۝۵۸
Wama yastawee alaAAma waalbaseeru waallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati wala almuseeo qaleelan ma tatathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما يستوي الأعمى والبصير و» لا «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وهو المحسن «ولا المسيء» فيه زيادة لا «قليلا ما يتذكرون» يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدا.

58

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } لا {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ } وهو المحسن {وَلاَ ٱلْمُسِىءُ } فيه زيادة لا {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدّاً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وما يستوي الأعمى والبصير} أي الجاهل والعالم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} أي لا يستوون {قليلاً ما تتذكرون إن الساعة} يعني القيامة {لآتية لا ريب فيها} أي لا شك في قيامها ومجيئها {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت، قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر"حديث : الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب عن أنس بن مالك قال "الدعاء مخ العبادة" أخرجه الترمذي وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب؛ فإن قلت كيف قال ادعوني أستجب لكم وقد يدعو الإنسان كثيراً فلا يستجاب له، قلت الدعاء له شروط منها الإخلاص في الدعاء وأن لا يدعو وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان وأن لا يكون فيه قطيعة رحم فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقاً بالإجابة فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من رجل يدعو الله تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له به في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل قال يقول دعوت ربي فما استجاب لي" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقيل الدعاء هو الذكر والسؤال {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي عن توحيدي وقيل دعائي {سيدخلون جهنم داخرين} أي صاغرين ذليلين.

القشيري

تفسير : أراد به: ما يستوي المؤمنُ والكافرُ، ولا المربوطُ بشهوته كالمبسوط بصفوته، ولا المجذوبُ بقربته كالمحجوب بعقوبته، ولا المُرَقّي إلى مشاهدته كالمُبقّي في شاهده، ولا المجدود بسعادته كالمردود لشقاوته.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما يستوى الاعمى والبصير} اى الغافل والمستبصر فالمراد بالاعمى من عمى قلبه عن رؤية الآيات والاستدلال بها والبصير من ابصرها قال الشاعر شعر : ايها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هى شامية اذا ما استقلت وسهيل اذا استقل يمانى تفسير : اى فكما لا تساوى بينهما فكذلك بين المؤمن والكافر والعالم والجاهلى {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} قدمه لمجاورة البصير وهو باب من ابواب البلاغة والمراد بهم المحسنون {ولا المسيىء} اسم جنس يعم المسيئين والمعنى وما يستوى المحسن والمسيىء اى الصالح والطالح فلا بد أن يكون لهم حالة اخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت وهى فيما بعد البعث وهو احتجاج آخر على حقيقة البعث والجزآء وزيادة ولا فى المسيىء لتأكيد النفى لطول الكلام بالصلة ولأن المقصود نفى مساواته للمحسن لأنه كما لا يساوى المحسن المسيىء فيما يستحقه المسيىء من الحقارة والهوان كذلك لا يساوى المسيىء المحسن فيما يستحقه المحسن من الفضل والكرامة والعاطف فى قوله والذين عطف الموصول بما عطف عليه على الاعمى والبصير مع أن المجموع اى مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المسيىء والمحسن لتغاير الوصفين يعنى أن المقصود فى الاولين الى العلم فان العمى والبصيرة فى القلب وفى الآخرين الى العمل لأن الايمان والاعمال فى الجوارح والا ففى الحقيقة المراد بالبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات واحد وبالاعمى والمسيىء واحد ويجوز ان يراد الدلالة بالصراحة والتمثيل على أن يتحد الوصفان فى المقصود بأن يكون المراد بالاولين ايضا المحسن والمسيىء فالصراحة بالنسبة الى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيىء والتمثيل بالنسبة الى ما قبله فان الاعمى والبصير من قبيل التمثيل {قليلا ما تتذكرون} قوله قليلا صفة مصدر محذوف وما تأكيد معنى القلة وتذكرون على الخطاب بطريق الالتفات على أن يكون الضمير للكفار وفائدة الالتفات فى مقام التوبيخ هو اظهار العنف الشديد والانكار البليغ والمعنى تذكرا قليلا تتذكرون ايها الكفار المجادلون يعنى وان كنتم تعلمون أن التبصر خير من الغفلة ولا يستويان وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد لكنكم لا تتذكرون الا تذكرا قليلا او تتذكرون اصلا فانه قد يعبر بقلة الشىء عن عدمه مثل ان يقال فلان قليل الحياء اى لا حياء له (قال فى تاج المصادر) التذكرياد كردن ويا ياد آوردن وبندكرفتن

الجنابذي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} رفع لتوهّم انّ عدم العلم يكون عذراً لهم فى كبرهم وجدالهم ولذلك قدّم الاعمى والمراد بالعمى عمى القلب الّذى يكون من اوصاف القوّة العلاّمة بمعنى الجهل كما انّ المراد بالبصر بصيرة القلب الّتى هى عبارة عن العلم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لم يقدّم المسيء ههنا لحصول الغرض من تقديم الاعمى {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} والمراد بالايمان الانقياد والتّسليم الحاصل بالبيعة العامّة، او الخاصّة، او نفس البيعة العامّة او الخاصّة، والمراد بالعمل الصّالح البيعة الخاصّة، او العمل بالشّروط الّتى تؤخذ فى البيعتين، وايّاً ما كان فالمقصود بيان عدم التّسوية بين من كمّل قوّته العمّالة ومن لم يكمّلها، وزيادة لا فى المسيء لاشارةٍ خفيّةٍ الى انّ المسيء منفىّ معدوم بخلاف المحسن كأنّه لا يجوز ان يدخل عليه النّفى والاّ فسوق العبارة ان يدخل لا الّتى هى لتأكيد النّفى على الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فلم لا يظهر الفرق بين المحسن والمسيء؟ - فقال: يظهر الفرق عند قيام السّاعة.

الأعقم

تفسير : {وما يستوي الأعمى والبصير} أي لا يستوي من أهمل نفسه فهو كالأعمى فهو لا يبصر شيئاً ومن يتفكر فيعرف الحق، وكذلك لا يستوي {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} الذي يعمل الصالحات {قليلاً ما تتذكرون} أي قلّ تفكرهم في العواقب {إن الساعة لآتية لا ريب فيها} أي لا شك في مجيئها {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي لا يصدقون بها {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} قال ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء، وعن ابن عباس أيضاً: وحدوني اغفر لكم وهذا تيسير الدعاء بالعبادة، ثم العبادة بالتوحيد، وفي حديث آخر: "حديث : الدعاء هو العبادة" تفسير : {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} قيل: توحيدي وطاعتي {سيدخلون جهنم داخرين} صاغرين {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} يعني محلاً لسكونكم يسكن فيه كل الحيوان ويستريحون من الكد والتعب {والنهار مبصراً} أي خلق النهار مضيئاً تبصرون فيه مصالح دنياكم {إن الله لذو فضل} بهذه النعم عليكم {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} لجهلهم بالنعم والمنعم {ذلكم} يعني من أنعم عليكم هذه النعم {الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو} أي لا يستحق العبادة غيره {فأنى تؤفكون}، قيل: تصرفون عن هذه الأذية مع وضوحها، وقيل: كيف تصرفون عن عبادته مع هذه النعم التي أنعم عليكم بها {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون}، قيل: كما صرف هؤلاء عن الحق كذلك تصرفون عن الثواب وطريق الجنة جزاء على إفكهم، وقيل: يؤفك يهلك من كان قبلهم بآيات الله يجحدون {الله الذي جعل لكم الأرض قراراً} مستقراً تستقرون عليه فخلق فيها السكون {والسماء بناءً} كالسقف للأرض {وصوّركم فأحسن صوركم} لأن صورة الإِنسان أحسن الصور {ورزقكم من الطيبات} فجعل كل طيب ولذيذ رزقاً للناس {ذلكم الله ربكم} أي خالق هذه الأشياء هو خالقكم {فتبارك الله رب العالمين} هو إشارة إلى إنما يمدح به لأنه الحي لم يزل ولا يزال {فادعوه} أي اعبدوه {مخلصين له الدين} أي مخلصون له العبادة {الحمد لله} أي أحمده على هذه النعم {رب العالمين} وعن ابن عباس: من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} أي تدعونه إلهاً وتعبدونه وهي الأوثان {لما جاءني البينات من ربي} أي أعطاني الحجج {وأمرت أن أسلم لرب العالمين}، قيل: انقاد له، وقيل: أخلص العبادة له.

اطفيش

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى} أي الجاهل* {وَالْبَصِيرُ} أي العالم شبه الجهل بالعمى بجامع عدم الاهتداء بالمنافع والعلم بالبصر بجامع الاهتداء اليها فاشتق منها أعمى بمعنى جاهل وبصير بمعنى عالم والمراد الاعمى والبصير الحقيقان مثل فيهما الجاهل والعالم ويظهر التافوت بعد البعث ولا {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} وهم المحسنون {وَلاَ الْمُسِىءُ} والمراد الجنس وكأنه قال لا يستوى المحسنون والمسيئون وزيدت لا فالمسىء للتأكيد اشعاراً بأن المقصود مقابلته للذين آمنوا وعملوا الصالحات وانه لا يساويه فيما له من الفضل والكرامة وعطف الذين مع المسيء على الاعمى والبصير للتغاير في المقصود فان القصد أولاً نفي استواء العمى والبصر وثانياً نفي استواء المحسن والمسيء والقصد أولاً والدلالة بالتمثيل وثانياً الدلالة بالتصريح* {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} قليلاً نعت لمصدر محذوف مقدم وما زائدة لتوكيد القلة أي يتذكرون تذكراً قليلاً جداً أو ما نكرة مبهمة تزيد ابهاما نعت بـ (قليلاً) أو منعوتة ويجوز كون (قليلاً) نعت لظرف محذوف أي (زماناً قليلاً) والضمير للناس أو الكفار وقرأ الكوفيون بالمثناة فوق (خطاباً) للناس فهو أعم من الكفار ومساو لارجاع الضمير للناس في القراءة الأولى أو المقصود الكفار ملتفتاً اليهم بالخطاب أو أمر النبى بخطابهم أي قل لهم قليلاً ما تتذكرون والتذكر الاتعاظ

اطفيش

تفسير : {وما يستوي الأعمى} الغافل عن معرفة الحق كالبعث، لا يدرك الحق كما لا يرى الأعمى جسما ولا نورا {والبَصيرُ} العالم بالحق، كما يرى البصير الأشياء {والَّذين آمنُوا وعملوا الصالحات} أى ولا يستوى المحسنون بالإيمان بالعمل الصالح {ولا المسىء} بتركها أو ترك أحدهما وانتفاء التساوى يرشد الى البعث ليجارى المحسن المستبصر على احسانه، ويعاقب المسىء الغافل عن إساءته لا يتركان بلا بعث، ولا يشتركان فى الجنة أو النار أو يهملان بعد البعث، وقدم الأعمى على البصير لمناسبة ما اتصل به قبله، وهو انتفاء العلم، وقدم الذين آمنوا الخ على المسىء، ولمناسبته ما اتصل به قبله، وهو البصير، ولشرفهم فكل قد جاور ما يناسبه، والوجه الثانى: أن يقدم ما يقابل الأول، يؤخر ما يقابل الآخر كقوله تعالى: {ما يستوي الأعمى والبصير} إلخ، وأن يؤخر المتقابلان كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، وأعيدت لا لطول الفصل، وإرشاد الى اعتبارها فى الذين آمنوا، كأنه قيل: ولا الذين أمنوا، ولأن المقصد الكافر المسىء لا يساوى المؤمن، كما وطأ له بعدم مساواة الأعمى للبصير، ولم يقل ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسىء، لأن المقصود نفى مساواة المسىء للمحسن، بحصول الثواب له،لا نفى مساواة المحسن للمسىء وبحصول العذاب له، وهو ظاهر لا كدر فيه، والأعمى والبصير فى العلم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، والمسىء فى العمل والعلم متقدم على العمل. {قليلاً ما} مفعول مطلق، أى تذكرا قليلا أو ظرف أى زمانا قليلا، وما حرف صلة لتأكيد القلة، أو نكرة تامة مفعول مطلق لقليلا، أى قلة ما أو نعت قليلا أى قليلا ضعيفا وقليلا منصوب بقوله: {تَتّذكّّرون} قدم الفاصلة والحصر، والواو للناس أوالكفار، واذا كان للكفار جاز أن القلة نفى، وجاز أن لهم تذكرا فى خلق السموات والأرض وأنفسهم قليلا ضعيفا لا يوصلهم الى الاقرار بالبعث.

الالوسي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } أي الغافل عن معرفة الحق في مبدئه ومعاده ومن كانت له بصيرة في معرفتهما، وتفسير {ٱلبَصِيرُ } بالله تعالى و {ٱلأَعْمَىٰ } بالصنم غير مناسب هنا {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } أي المحسن ولذا قوبل بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْمُسِيءُ } وعدل عن التقابل الظاهر كما في الأعمى والبصير إلى ما في النظم الجليل إشارة إلى أن المؤمنين علم في الإحسان، وقدم {ٱلأَعْمَىٰ } لمناسبة العمى ما قبله من نفي العلم، وقدم {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بعد لمجاورة البصير ولشرفهم، وفي مثله طرق أن يجاور كل ما يناسبه كما هنا، وأن يقدم ما يقابل الأول ويؤخر ما يقابل الآخر كقوله تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ }تفسير : [فاطر: 19-21] وأن يؤخر المتقابلان كالأعمى والأصم والسميع والبصير وكل ذلك من باب التفنن / في البلاغة وأساليب الكلام. والمقصود من نفي استواء من ذكر بيان أن هذا التفاوت مما يرشد إلى البعث كأنه قيل: ما يستوي الغافل والمستبصر والمحسن والمسيء فلا بد أن يكون لهم حال أخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت وهي فيما بعد البعث. وأعيدت {لاَ} في المسيء تذكيراً للنفي السابق لما بينهما من الفصل بطول الصلة، ولأن المقصود بالنفي أن الكافر المسيء لا يساوي المؤمن المحسن، وذكر عدم مساواة الأعمى للبصير توطئة له، ولو لم يعد النفي فيه فربما ذهل عنه وظن أنه ابتداء كلام، ولو قيل: ولا الذين آمنوا والمسيء لم يكن نصاً فيه أيضاً لاحتمال أنه مبتدأ و {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } خبره وجمع على المعنى قاله الخفاجي، وهو إن تم فعلى القراءة بياء الغيبة، وقيل: لم يقل ولا الذين آمنوا والمسيء لأن المقصود نفي مساواة المسيء للمحسن لا نفي مساواة المحسن له إذ المراد بيان خسارته ولا يصفو عن كدر فتدبر. والموصول مع ما عطف عليه معطوف على {ٱلاْعْمَىٰ } مع ما عطف عليه عطف المجموع على المجموع كما في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ }تفسير : [الحديد: 2] ولم يترك العطف بينهما بناء على أن الأول مشبه به والثاني مشبه وهما متحدان مآلاً لأن كلاً من الوصفين الأولين مغاير لكل من الوصفين الأخيرين وتغاير الصفات كتغاير الذوات في صحة التعاطف، ووجه التغاير أن الغافل والمستبصر والمحسن والمسيء صفات متغايرة المفهوم بقطع النظر عن اتحاد ما صدقهما وعدمه، وقيل: التغاير بين الوصفين الأولين والوصفين الأخيرين من جهة أن القصد في الأولين إلى العلم، وفي الأخيرين إلى العمل، وهو وجه لا بأس به، وقيل: هما وإن اتحدا ذاتاً متغايران اعتباراً من حيث إن الثاني صريح والأول مذكور على طريق التمثيل، ونظر فيه بأنه لو اكتفى بمجرد هذه المغايرة لزم جواز عطف المشبه على المشبه به وعكسه. {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً تتذكرون. وقرأ الجمهور والأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة بياء الغيبة والضمير للناس أو الكفار، قال الزمخشري: والتاء أعم، وعلله صاحب «التقريب» بأن فيه تغليب الخطاب على الغيبة، وقال القاضي: إن التاء للتغليب أو الالتفات أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة أي بتقدير قل قبله، وآثر العلامة الطيبـي الالتفات لأن العدول من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ يدل على العنف الشديد والإنكار البليغ، فهذه الآية متصلة بخلق السماوات وهو كلام مع المجادلين. وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه يجوز أن يجعل ما ذكر نكتة التغليب فيكون أولى لفائدة التعميم أيضاً فليفهم، والظاهر أن التغليب جار على احتمال كون الضمير للناس واحتمال كونه للكفار لأن بعض الناس أو الكفار مخاطب هنا؛ والتقليل أيضاً يصح إجراؤه على ظاهره لأن منهم من يتذكر ويهتدي، وقال الجلبـي: الضمير إذا كان للناس فالتقليل على معناه الحقيقي والمستثنى هم المؤمنون وإذا كان للكفار فهو بمعنى النفي، ثم الظاهر أن المخاطب من خاطبه صلى الله عليه وسلم من قريش فمن قال: المخاطب هو النبـي عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ }تفسير : [غافر: 55] ولا يناسب إدخاله فيمن لم يتذكر فقد سها ولم يتذكر.

ابن عاشور

تفسير : لما نزّلهم منزلة من لا يعلم ضرب مثلاً لهم وللمؤمنين، فمثَل الذين يجادلون في أمر البعث مع وضوح إمكانه مَثَل الأعمى، ومثل المؤمنين الذين آمنوا به حال البصير، وقد علم حال المؤمنين من مفهوم صفة {أكثر الناس} لأن الأكثرين من الذين لا يعلمون يقابلهم أقلون يعلمون. والمعنى: لا يستوي الذين اهتدوا والذين هم في ضلال، فإطلاق الأعمى والبصير استعارة للفريقين اللذين تضمنهما قوله: {أية : ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يعلَمون}تفسير : [غافر: 57]. ونفيُ الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله تعالى: {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين}تفسير : الآية في سورة [النساء: 95]، ومن المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في أن البصَر أشرف من العمى في شخص واحد، ونفي الاستواء بدون متعلِّق يقتضي العموم في متعلقاته، لكنه يُخص بالمُتعلِّقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي آيات الله ودلائل صفاته، ويسمى مثل هذا العموم العمومَ العرفي، وتقدم نظيرها في سورة فاطر [19]. وقوله: {والذينَ ءامنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ ولا المُسِيء} زيادة بيان لفضيلة أهل الإِيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة إمكان البعث ونحوه من أدلة الإِيمان. والمعنى: وما يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئون، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله: {وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا المُسِيء}، وفيه إيماء إلى اختلاف جزاء الفريقين وهذا الإِيماء إدماج للتنبيه على الثواب والعقاب. والواو في قوله: {والذين ءامنوا} عاطفةٌ الجملةَ على الجملة بتقدير: وما يستوي الذين آمنوا. والواو في قوله: {ولا المُسِيء} عاطفة {المسيء} على {الذين آمنوا} عطفَ المفرد على المفرد، فالعطف الأول عطف المجموع مثل قوله تعالى: {أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن}تفسير : [الحديد: 3]. وإنما قدم ذكر الأعمى على ذكر البصير مع أن البصر أشرف من العمى بالنسبة لذات واحدة، والمشبهَ بالبصير أشرفُ من المشبه بالأعمى إذ المشبه بالبصير المؤمنون، فقدم ذكر تشبيه الكافرين مراعاة لكون الأهمّ في المقام بيانَ حال الذين يجادلون في الآيات إذ هم المقصود بالموعظة. وأما قوله: {والذين ءامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ ولا المُسِيء} فإنما رتب فيه ذكر الفريقين على عكس ترتيبه في التشبيه بالأعمى والبصير اهتماماً بشرف المؤمنين. وأعيدت (لا) النافية بعد واو العطف على النفي، وكان العطف مغنياً عنها فإعادتها لإِفادة تأكيد نفي المساواة ومقام التوبيخ يقتضي الإِطناب، ولذلك تُعدّ (لا) في مثله زائدة كما في «مغني اللبيب»، وكان الظاهر أن تقع (لا) قبل (الذين آمنوا)، فعدُل عن ذلك للتنبيه على أن المقصود عدم مساواة المسيء لمن عَمِل الصالحات، وأن ذكر الذين آمنوا قبل المسيء للاهتمام بالذين آمنوا ولا مُقتضي للعدول عنه بعد أن قُضي حق الاهتمام بالذين سبق الكلام لأجل تمثيلهم، فحصل في الكلام اهتمامان. وقريب منه ما في سورة فاطر في أربع جمل: اثنتين قُدّم فيهما جانب تشبيه الكافرين، واثنتين قُدّم فيهما تشبيه جانب المؤمنين، وذلك قوله تعالى: {أية : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} تفسير : [فاطر: 19 ـــ 22]. و {قليلاً} حال من {أكْثَرَ النَّاسِ} في قوله تعالى قبله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، و (ما) في قوله: {مَّا يَتَذَكَّرون} مصدرية وهي في محل رفع على الفاعلية. وهذا مؤكد لمعنى قوله: {ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعْلَمُون} لأن قلة التذكر تؤول إلى عدم العلم، والقلةُ هنا كناية عن العدم وهو استعمال كثير، كقوله تعالى: {أية : فقليلاً ما يؤمنون}تفسير : [البقرة: 88]، ويجوز أن تكون على صريح معناها ويكون المراد بالقلة عدم التمام، أي لا يعلمون فإذا تذكروا تذكروا تذكراً لا يتممونه فينقطعون في أثنائه عن التعمّق إلى استنباط الدلالة منه فهو كالعدم في عدم ترتب أثره عليه. وقرأ الجمهور {يَتَذَكَّرون} بياء الغيبة جرياً على مقتضى ظاهر الكلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف {تتذكرون} بتاء الخطاب على الالتفات، والخطاب للذين يجادلون في آيات الله. وكون الخطاب لجميع الأمة من مؤمنين ومشركين وأن التذكر القليل هو تذكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لعدم تذكر المشركين بعيد عن سياق الردّ ولا يلاقي الالتفات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} الآية. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، وما يستوي الأعمى والبصير، قد قدمنا الكلام عليه في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} تفسير : [هود: 24] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} قد قدمنا إيضاح معناه بالآيات القرآنية، في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص: 28].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما يستوي الأعمى والبصير: لا يستويان فكذلك الكافر والمؤمن لا يستويان. والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء: لا يستويان أيضا فكذلك لا يستوي الموقن والشاك. قليلاً ما تتذكرون: أي ما يتذكرون إلا تذكرا قليلا والتذكر الاتعاظ. إن الساعة لآتية: أي إن ساعة نهاية هذه الحياة وإقبال الأخرى جائية لا شك فيها. إن الذين يستكبرون عن عبادتي: أي عن دعائي. سيدخلون جهنم داخرين : أي صاغرين ذليلين. لتسكنوا فيه: أي لتنقطعوا عن الحركة فتستريحوا. والنهار مبصراً: أي مضيئا لتتمكنوا فيه من الحركة والعمل. ولكن أكثر الناس لا يشكرون: أي الله تعالى بحمده والثناء عليه وطاعته. ذلكم الله ربكم: أي ذلكم الذي أمركم بدعائه ووعدكم بالاستجابة الذي جعل لكم الليل والنهار وأنعم عليكم بجلائل النعم الله ربكم الذي لا إله لكم غيره ولا رب لكم سواه. فأنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عنه وهو ربكم وإلهكم الحق إلى أوثان وأصنام لا تسمع ولا تبصر. كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون: أي كما صرف أولئك عن الإِيمان والتوحيد يصرف الذين يجحدون بآيات الله يصرفون عن الحق. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة قريش إلى الإِيمان والتوحيد، فقوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي} أي في حكم العقلاء {ٱلأَعْـمَىٰ} الذي لا يبصر شيئاً والبصير الذي يبصر كل شيء يقع عليه بصره فكذلك لا يستوي المؤمن السميع المبصر، والكافر الأعمى عن الدلائل والبراهين فلا يرى منها شيئاً الأصم الذي لا يسمع نداء الحق والخير، ولا كلمات الهدى والرشاد. كما لا يستوي في حكم العقلاء المحسن المؤمن العامل للصالحات، والمسيىء الكافر والعامل للسيئات، وإذا كان الأمر كما قررنا فلم لا يتعظ القوم به ولا يتوبون إنهم لظلمة نفوسهم {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي لا يتعظون إلا نادراً. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ} يخبر تعالى أن الساعة التي كذب بها المكذبون ليستمروا على الباطل والشر فعلا واعتقاداً لآتية حتماً، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بها لوجود صارف قوي وهو عدم تذكرهم، وانكبابهم على قضاء شهواتهم. وقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. إنه لما قرر ربوبيته تعالى وأصبح لا محالة من الاعتراف بها قال لهم: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي سلوني أعطكم وأطيعوني أثبكم فأنتم عبادي وأنا ربكم. ثم قال لهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} ودعائي فلا يعبدونني ولا يدعونني سوف أذلهم وأهينهم وأعذبهم جزاء استكبارهم وكفرهم وهو معنى قوله: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أو صاغرين ذليلين يعذبون بها أبداً. وفي الآية [61] عرَّفهم تعالى بنفسه ليعرفوه فيؤمنوا به ويعبدوه ويوحدوه، ويكفروا بما سواه من مخلوقاته فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي جعله مظلما لتنقطعوا فيه عن الحركة والعمل فتستريحوا {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي وجعل لكم النهار مبصراً أي مضيئاً يمكنكم التحرك فيه والعمل والتصرف في قضاء حاجاتكم، وليس هذا من إفضال الله عليكم بل إفضاله وإنعامه أكثر من أن يذكر وقرر ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} الله على إفضاله وإنعامه عليهم فلا يعترفون بإنعامه ولا يحمدونه بألسنتهم ولا يطيعونه بجوارحهم، وذلك لاستيلاء الشيطان والغفلة عليهم ثم واصل تعريف نفسه لهم ليؤمنوا به بعد معرفته ويكفروا بالآلهة العمياء الصماء التي هم عاكفون عليها صباح مساء فقال جل من قائل: {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} الذي عرفكم بنفسه {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو. وقوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي كيف تصرفون عنه وهو ربكم والمنعم عليكم، إلى أوثان وأصنام لا تنفعكم ولا تضركم. فسبحان الله كيف تؤفكون كذلك يؤفك أي كانصرافكم أنتم عن الإِيمان والتوحيد مع وفرة الأدلة وقوة الحجج يصرف أيضاً الذين كانوا بآيات الله يجحدون في كل زمان ومكان لأن الآيات الإِلهية حجج وبراهين فالمكذب بها سيكذب بكل شيء حتى بنفسه والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حقيقة وهي أن الضِّدين لا يجتمعان فالكفر والإِيمان، والإِحسان والإِساءة والعمى والبصر والصمم والسمع هذه كلها لا تستوي بعضها ببعض فمحاولة الجمع بينها محاولة باطلة ولا تنبغي. 2- قرب الساعة مع تحتم مجيئها والأدلة على ذلك العقلية والنقلية كثيرة جداً. 3- فضل الدعاء وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله. وللدعاء المستجاب شروط منها: أن يكون القلب متعلقا بالله معرضا عما سواه وأن لا يسأل ما فيه إثم، ولا يعتدي في الدعاء فيسأل ما لم تجر سنة الله به كأن يسأل أن يري الجنة يقظة أو أن يعود شاباً وهو شيخ كبيرا أو أن يرزق الولد وهو لا يتزوج. 4- الدعاء هو العبادة ولذا من دعا غير الله فقد أشرك بالله. 5- بيان إنعام الله وإفضاله والمطالبة بشكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وبطاعته بفعل محابه وترك مكارهه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (58) - وَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى الذِي لاَ يُبْصِرُ شَيئاً، مَعَ البَصِيرِ الذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ، بَلْ هُنَاكَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ كَبِيرٌ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ الأَبْرَارُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، مَعَ الفُجَّارِ الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَاجْتَرَحُوا السَّيئَاتِ، وَعَصَوْا رَبَّهُمْ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِهِ، فَمَا أَقَلَّ تَذَكُّرَكُمْ حُجَجَ اللهِ، وَمَا أَقَلَّ اعْتِبَارَكُمْ وَاتِّعَاظَكُمْ بِهَا، وَلَوْ تَذَكَّرْتُمْ وَاعْتَبَرْتُمْ لَعَرَفْتُمْ خَطَأ مَا أَنْتُمْ فِيهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} بالتاء أهل الكوفة وغيرهم: بالياء. واختاره أبو عبيد قال: لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم. {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ} لجائية {لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بها {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُم} أي وحدوني وأعبدوني دون غيري أجبكم وآجركم واثيبكم واغفر لكم، هذا قول أكثر المفسرين. يدل عليه سياق الآية. وقال بعضهم: هو الذكر والدعاء والسؤال. أخبرنا ابن فنجويه حدثنا محمّد بن الحسن حدثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدثني عثمان ابن خرداد حدثنا قطر بن بشير حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلها حتّى شسع نعله إذا إنقطع ". تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} توحيدي وطاعتي، عن أكثر المفسرين. وقال السديّ: عن دعائي. أخبرنا عقيل بن محمّد أبو المعافا بن زكريا أخبرنا محمّد بن جرير حدثنا محمّد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور والأعمش عن ذر عن سبع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الدعاء هو العبادة ثم تلا هذه الآية: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} " تفسير : عن دعائي. وباسناده عن ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشام بن القاسم عن الأشجع قال: قيل لسفيان: ادع الله. قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء {سَيَدْخُلُونَ}. قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو حاتم: بضم الياء وفتح الخاء. واختلف فيه. عن أبي عمرو وعاصم غيرهم ضده. {جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} صاغرين {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ} كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل، كذلك {يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ * ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}. قرأه العامة: بضم الصاد. وقرأ أبو رزين العقيلي: وأحسن صوركم بكسر الصاد، وهي لغة. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وذلك حين دُعي إلى الكفر [فأمر أن يقول هذا]. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً، نظيره: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النور: 31]. {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} أن يصير شيخاً {وَلِتَبْلُغُوۤاْ} جميعاً {أَجَلاً مُّسَمًّى} وقتاً محدوداً لا تجاوزونه ولا تسبقونه {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} ذلك فتعرفوا أن لا إله غيره فعل ذلك {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ * أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}. قال ابن زيد: هم المشركون. وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدريّة. أخبرني عقيل بن محمّد إجازة أخبرنا المعافا بن زكريا أخبرنا محمّد بن جرير أخبرنا محمّد ابن بشار ومحمّد بن المثنى حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن داود بن أبي هند عن محمّد بن سيرين قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدريّة فأنا لا أدري فيمن نزلت. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} إلى قوله {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} إلى آخر الآية. وبه عن ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي عن أبي قبيل عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين". فقال عقبة: يارسول الله وما أهل الكتاب؟ قال: "قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون الذين آمنوا". فقال: وما أهل اللين؟ فقال: "قوم يتبعون الشهوات ويضيّعون الصلوات ". تفسير : قال أبو قتيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلاّ الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين فلا أحسبهم إلاّ أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة ولايعرفون شهر رمضان. قال محمّد بن جرير: أهل العمود الحي العظيم. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ}. أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا ابن حبش المقريء حدثنا ابن فنجويه حدثنا سلمة حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن التيمي عن أبيه قال: لو أن غلاً من أغلال جهنّم وضع على جبل لو هصه حتّى يبلغ الماء الأسود. {وٱلسَّلاَسِلُ}. قرأه العامة: بالرفع، عطفاً على الأغلال. أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا أبو علي بن حبش المقريء حدثنا أبو القاسم بن الفضل حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس أنه قرأ: {وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ} بنصب اللام والياء. يقول: إذا كانوا يسحبونها كان أشد عليهم. أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا عبد الله ابن محمّد بن عبد العزيز البغوي حدثني جدي حدثني منصور بن عمار حدثنا بشر بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منبه رفعه قال: ينشيء الله تعالى لأهل النار سحابة سوداء مظلمة فيقال يا أهل النار ماتشتهون؟ فيسألون بارد الشراب. فتمطرهم أغلالاً تزيد في أغلالهم وسلاسلا تزيد في سلاسلهم وجمراً يلتهب النار عليهم. {ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي توقد بهم النار. قال مجاهد: يصيرون وقوداً للنار. {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الأصنام {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} فلا نراهم {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أنكروا. وقيل: جهلوا. وقال بعضهم: فيه إضمار، أي لم نكن ندعو من قبل شيئاً ببصر وبسمع وبضر وبنفع. وقال الحسين بن الفضل: يعني لم نكن نصنع من قبل شيئاً، أي ضاعت عبادتنا لها فلم نكن نصنع شيئاً. قال الله سبحانه وتعالى {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم لا يستوي مَنْ يهمل آيات الله ولا يتأملها مع مَنْ يفكر فيها ويستنبط منها ويهتدي بها، فالذي لا يتفكر في هذه الآيات مثل الأعمى لأنه لا يتنبه لآيات الكون التي هي أكبر من خَلْق الناس، وإذا كانت هذه الآيات الكونية أكبر في الخَلْق وأعظم من خلق الناس، فكيف تغفل عنها، ومنها يمكن أن تأخذ الدليل على وجود واجب الوجود الأعلى سبحانه، وعلى طلاقة قدرته وإبداع صنعته. وكما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي عند الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع المسيء، وهذا مظهر من مظاهر عَدْله سبحانه: {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} [غافر: 58] يعني: قليلٌ منكم مَنْ يتذكر ذلك.