Verse. 4193 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوْنِيْۗ اَسْتَجِبْ لَكُمْ ۝۰ۭ اِنَّ الَّذِيْنَ يَسْتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِيْ سَيَدْخُلُوْنَ جَہَنَّمَ دٰخِرِيْنَ۝۶۰ۧ
Waqala rabbukumu odAAoonee astajib lakum inna allatheena yastakbiroona AAan AAibadatee sayadkhuloona jahannama dakhireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال ربكم ادعوني أستجب لكم» أي اعبدوني أثبكم بقرينة ما بعده «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون» بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس «جهنم داخرين» صاغرين.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن القوم بالقيامة حق وصدق، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } واختلف الناس في المراد بقوله {ٱدْعُونِى } فقيل إنه الأمر بالدعاء، وقيل إنه الأمر بالعبادة، بدليل أنه قال بعده {ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق العبادة لما بقي لقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } معنى، وأيضاً الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } تفسير : [النساء: 117] وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، فإن قيل كيف قال: {ٱدْعُونِى ٱسَتُجب لَكُمْ } وقد يدعى كثيراً فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال: الدعاء إنما يصح على شرط، ومن دعا كذلك استجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: فما هو أصلح يفعله بلا دعاء، فما الفائدة في الدعاءٰ وأجاب: عنه من وجهين الأول: أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني: أن هذا أيضاً وارد على الكل، لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا، هذا تمام ما ذكره، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال: {ٱدْعُونِى ٱسَتُجب لَكُمْ } فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان، أما بالقلب فإنه معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله، فالظاهر أنه تحصل الاستجابة، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة، وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى، فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولاً عند الله، ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت، واعلم أن الكلام المستقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ } أي صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكاية عن رب العزة أنه قال: « حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » تفسير : فهذا الخبر يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، هذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب الوعيد الشديد، فكيف الجمع بينهما؟ قلنا لا شك أن العقل اذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضل من الدعاء، لأن الدعاء طلب للحظ والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الحظ، أما إذا لم يحصل ذلك الاستغراق كان الاشتغال بالدعاء أولى، لأن الدعاء يشتمل على معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، ثم قال تعالى {الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة، ومن أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني: أنه تعالى لما أمر بالدعاء، فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة، فما الدليل على وجود الإلٰه القادر، وقد ذكر الله تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته، إما فلكية، وإما عنصرية، أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها: تعاقب الليل والنهار، و(لما) كان أكثر مصالح العالم مربوطاً بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام، وبيّن أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون، والحكمة في خلق النهار، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع، أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين: الأول: أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف، وذلك يوجب التألم والثاني: أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء، وأيضاً الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات، فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } وأما قوله {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة، وتلك الأعمال تصرفات في أمور، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه، فهذا هو الحكمة في قوله {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه، أو فجعل لكم الليل ساكناً ولكنه لم يقل كذلك بل قال في الليل لتسكنوا فيه، وقال في النهار مبصراً فما الفائدة فيه؟ وأيضاً فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل؟ قلنا: أما الجواب عن الأول: فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات، أما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات، وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في «دلائل الإعجاز» أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما، فهذا هو السبب في هذا الفرق، والله أعلم، وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1]. واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } والمراد أن فضل الله على الخلق كثير جداً ولكنهم لا يشكرونه، واعلم أن ترك الشكر لوجوه: أحدها: أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها، فحينئذٍ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله وثانيها أن الرجل وإن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة، أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة، فحينئذٍ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء، ورأيت بعض الملوك كان يعذب بعض خدمه بأن أمر أقواماً حتى يمنعونه عن الاستناد إلى الجدار، وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب وثالثها: أن الرجل وإن كان عارفاً بمواقع هذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا محباً للمال والجاه، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها، لا جرم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } تفسير : [سبأ: 13] وقول إبليس {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 17] ولما بيّـن الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر الرحيم الحكيم قال: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلّ شَىْء لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } قال صاحب «الكشاف» ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثاني له {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } والمراد فأنى تصرفون ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها، ثم قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } يعني أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة لطلب الحق وخوف العاقبة أفك كما أفكوا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية؛ روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الدعاء هو العبادة»تفسير : ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين؛ وأن المعنى: وحِّدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع»تفسير : ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيَتْ هذه الأمة ثلاثاً لم تُعْطهن أمة قبلهم إلا نبيّ: كان إذا أرسل نبيّ قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143] وكان يقال للنبيّ: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] وكان يقال للنبيّ ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعاً؛ رواه ليث عن شهر بن حَوْشَب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أعطِيت أمتي ثلاثاً لم تُعطَ إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبيّ قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» وكان الله إذا بعث النبيّ قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس»تفسير : ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمةٰ قيل لها: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [البقرة: 25] فهاهنا شرط، وقوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} تفسير : [يونس: 2] فليس فيه شرط العمل؛ ومثل قوله: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فهاهنا شرط، وقوله تعالى: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدّم في «البقرة» بيانه. أي «أَسْتَجِبْ لَكُمْ» إن شئت؛ كقوله: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ}تفسير : [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدّم في «البقرة» بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورُوَيس عن يعقوب وعَيّاش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضَّل عن عاصم {سَيُدْخَلُونَ} بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسمّ فاعله. الباقون «يَدْخُلُونَ» بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى {دَاخِرِينَ} صاغرين أذلاء وقد تقدّم. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} {جَعَلَ} هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرّق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذا لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو قوله: {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي مضيئاً لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معائشكم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} فضله وإنعامه عليهم. قوله تعالى: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} بيّن الدلالة على وحدانيته وقدرته. {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه فـ{كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} يصرف عن الحق {ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقراً لكم في حياتكم وبعد الموت. {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} تقدّم. {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي «صِوَرَكُمْ» بكسر الصاد؛ قال الجوهري: والصِّور بكسر الصاد لغة في الصُّوَر جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري:شعر : أشبَهْنَ مِن بَقَرِ الْخَلْصَاءِ أعْيُنَها وهُنَّ أحْسَنُ مِن صِيرانِها صِوراً تفسير : (والصِّيران جمع صُوَار وهو القطيع من البقر والصِوار أيضاً وعاء المسك) وقد جمعهما الشاعر بقوله:شعر : إذ لاَحَ الصّوارُ ذكَرتُ لَيْلَى وأذْكُرَها إذا نَفَح الصّوَارُ تفسير : والصِّيار لغة فيه. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تقدّم. {هُوَ ٱلْحَيُّ} أي الباقي الذي لا يموت {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي الطاعة والعبادة. {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هذا كله مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقال ابن عباس: من قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» فليقل «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

ابن كثير

تفسير : هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحبُّ عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغضُ عباده إليه من لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب رواه ابن أبي حاتم، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:شعر : اللّهُ يغضَبُ إن تركْتَ سؤالَهُ وبُنَيُّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ تفسير : وقال قتادة: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطهن أمة قبلها، ولا نبي: كان إذا أرسل الله نبياً قال له: أنت شاهد على أمتك، وجعلتكم شهداء على الناس، وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] وكان يقال له: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: {ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المرّي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: «حديث : أربع خصال واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي، فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك علي، فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك، فمنك الدعاء، وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي، فارض لهم ما ترضى لنفسك»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الدعاء هو العبادة» تفسير : ثم قرأ: {ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ} وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضاً من حديث شعبة عن المنصور والأعمش، كلاهما عن ذر به، وكذا رواه ابن يونس عن أسيد بن عاصم بن مهران، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن ذر به، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثني أبو مليح المدني شيخ من أهل المدينة سمعه عن أبي صالح، وقال مرة: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يدع الله عز وجل، غضب الله عليه» تفسير : تفرد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح، سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لا يسأله يغضب عليه» تفسير : قال ابن معين: أبو المليح هذا، اسمه صبيح، كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد، وأما أبو صالح هذا، فهو الخوزي، سكن شعب الخوز، قاله البزار في مسنده، وكذا وقع في روايته: أبو المليح الفارسي عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه» تفسير : وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام، حدثنا إبراهيم عن الحسن، حدثنا نائل ابن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة، فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبداً»تفسير : . وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى} أي: عن دعائي وتوحيدي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}، أي: صاغرين حقيرين؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد، حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفاً من فوق رأس الجبل وهو يقول: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحداً غيرك؟ يا رب عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك؟ قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى، قال: ثم عاد الثانية فقال: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك؟ قال وهيب: وهذه الطامة الكبرى، قال: فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أي اعبدوني أثبْكم بقرينة ما بعده {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ } بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس {جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ } صاغرين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقال ربكم ادعوني استجبْ لكم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه وحدوني بالربوبية أغفر لكم ذنوبكم، قاله ابن عباس. الثاني: اعبدوني استجب لكم، قاله جرير بن عبد الله، أي اتبعكم على عبادتكم. الثالث: سلوني أعطكم، قاله السدي. وإجابة الداعي عند صدق الرغبة مقيد بشرط الحكمة. وحكى قتادة أن كعب قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطهن أمّة قبلكم إلا نبي: كان إذا أرسل نبي قيل له: أنت شاهد على أمتك، وجعلكم شهداء على الناس، وكان يقال للنبي، ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: وما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان يقال للنبي: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: ادعوني أستجب لكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أدْعُونِى أَسْتَجِبْ} وحدوني بالربوبية أغفر لكم ذنوبكم "ع" أو اعبدوني أثبكم على العبادة، أو سلوني أعطكم وإجابة الدعاء مقيدة بشروط المصلحة والحكمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} آيةُ تَفَضُّلٍ ونِعْمَةٍ وَوَعْدٍ لأمَّةِ محمَّدِ صلى الله عليه وسلم بالإجابَةِ عنْدَ الدُّعَاءِ؛ قال النوويُّ: ورُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ» عَنْ عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَىٰ بِدَعْوَةٍ إلاَّ آتَاهُ الله إيَّاهَا أَوْ صَرَفَ [عَنْهُ] مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرَ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ»تفسير : : قَال الترمذيُّ: حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَرَوَاهُ الحاكِم في «المستدرك» من رواية أبي سعيد الخُدَرِيِّ، وزاد فيه: «أَو يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَهَا»، انتهى، قال ابنُ عَطَاءِ اللَّهِ: لاَ يَكُنْ تَأَخّرُ أمَدِ العَطَاءِ مَعَ الإلْحَاحِ في الدُّعَاءِ مُوجِباً لِيَأْسِكَ؛ فهُو ضَمِنَ لَكَ الإجَابَةَ فِيمَا يختارُ لكَ لاَ فِيمَا تختَارُ لنفسِكَ، وفي الوَقْتِ الذي يُرِيدُ لاَ في الوَقْتِ الذي تُرِيدُ، انتهى، وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَقُولُ اللَّهِ ـــ عَزَّ وَجَلَّ ـــ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأَنَا مَعَهُ إذَا دَعَاني» تفسير : رواه الجماعةُ إلاَّ أَبا داود: واللفظ لِمُسْلِمٍ، انتهى من «السِّلاَح»، وقالت فرقة: معنى {ٱدْعُونِيۤ}: ٱعْبُدُونِي، و{أَسْتَجِبْ} معناه: بِالنَّصْرِ والثوابِ؛ ويدلُّ على هذا قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى...} الآية، * ت *: وهذا التأويلُ غَيْرُ صحيحٍ، والأولُ هو الصَّوَابُ ـــ إن شاء اللَّه ـــ؛ للحَدِيثِ الصحيحِ؛ فَقَدْ رَوَى النعمانُ بنُ بَشِيرٍ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ». وقرأ: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : رواه أبو داودَ والترمذي والنسائي وابنُ ماجه والحاكم وَابن حِبَّان في «صَحيحهما»؛ وقال الترمذيُّ، ـــ واللفظ له ـــ: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ، وقال الحاكم: صحيحُ الإسناد، انتهى من «السِّلاَح» والدَّاخِرُ، الصَّاغِرُ الذَّلِيلُ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ...} الآية لما بين أن القولَ بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى أو التضرع عليه لا جَرَمَ كان الاشتغال بالطاعة من أهم المُهِمّات، ولما كان أشرفَ أنواع الطاعات الدعاءُ والتضرعُ لا جَرَمَ أمر الله تعالى به فقال: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. واختلفوا في المراد بقوله "ادعوني" فقيل: المراد منه الأمر بالدعاء، وقيل: الأمر بالعبادة بدليل قوله بعده: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}، وأيضاً الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً}تفسير : [النساء:117]. وأجاب الأوّلونَ بأن هذا ترك للظاهر فلا يُصَار إلا بدليل. فإن قيل: كيف قال: {ادعوني أستجب لكم}، وقد يُدْعَى كثيراً فلا يستجاب؟ وأجاب الكَعْبِيُّ بأن الدعاء إنما يصح بشرط، ومن دعا كذلك يستجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة. ثم سأل نفسه فقال: إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما الفائدة في الدعاء؟ وأجاب عنه بوجهين: الأول: أن فيه الفزعَ والانقطاعَ إلى الله تعالى. الثاني: أن هذا أيضاً وارد على الكل لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله، فلا فائدة في الدعاء وإن علم أنه لا يفعله فإنه البتة لا يفعله، فلا فائدة في الدعاء أيضاً، فكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا. قال ابن الخطيب: وعندي وجه آخر وهو أنه قال: ادعوني أستجب لكم، وكل من دعا الله وفي قلبه ذَرّة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان وأما القلب فإنه يعول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا اللسان ما دعا ربه، أما إذا في وقت لا يكون القلبُ فيه متلفتاً إلى غير الله فالظاهر أن يستجاب له. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وهذا إحسانٌ عظيمٌ من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء. وروى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ". تفسير : فإن قيل: إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال حكاية عن ربه عزّ وجلّ: "حديث : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أعْطِي السَّائِلينَ ". تفسير : فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، وهذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب الوعيد الشديد فكيف الجمع بينهما؟. فالجواب: لا شك أن العقلَ إذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضلَ في الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة، والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الجنة، أما إذا لم يحصل الاستغراق كان الاشتغال بالدُّعَاء أولى؛ لأن الدعاء يشتمل على معرفة الربوبية وذُلّ العبودية. قوله: "سَيَدْخُلُونَ" قرأ ابن كثير وأبو جعفر "سَيُدْخَلُونَ" بضم الياء وفتح الخاء، والآخرون بفتح الياء وضم الخاء "دَاخِرِينَ" صاغرين ذَلِيلِينَ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الدعاء تلو العبادة‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي‏} ‏ قال‏:‏ عن دعائي ‏{‏سيدخلون جهنم داخرين‏}‏ هل تدرون ما عبادة الله‏؟ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏!‏ قال‏: هو اخلاص الله مما سواه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء رضي الله عنه‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الدعاء هو العبادة‏.‏ وقرأ ‏ {‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‏} ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ادعوني أستجب لكم‏}‏ قال‏:‏ اعبدوني‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏سيدخلون جهنم داخرين‏}‏ قال‏:‏ صاغرين‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏الدعاء الإِستغفار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من لم يدع الله يغضب عليه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والطبراني عن معاذ رضي الله عنه قال‏:‏ لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل‏.‏ فعليكم بالدعاء عباد الله‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا فتح الله على عبد بالدعاء فليدع، فإن الله يستجيب له ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : إن الله يحب الملحين في الدعاء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ نجد فيما أنزل الله تعالى في بعض الكتب، أن الله تعالى يقول‏:‏ أنزل البلاء استخرج به الدعاء‏. وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ادعوني أستجب لكم‏} ‏ قال‏:‏ قال ربكم‏:‏ ‏"‏حديث : عبدي إنك ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ما كان فيك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة، ولو أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أفضل العبادة الدعاء وقرأ ‏{‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ادعوني أستجب لكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ قال‏:‏ اعملوا، وابشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كعب رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية فقال‏:‏ ما أعطي أحد من الأمم ما أعطيت هذه الأمة إلا بني الرجل المجتبى، يقال له‏:‏ سل تعطه‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العبادة أفضل‏؟‏ فقال‏: "‏‏دعاء المرء لنفسه" ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"قل للمؤمنين لا يستعجلوني إذا دعوني، ولا يبخلوني، أليس يعلمون أني أبغض البخيل فكيف أكون بخيلا‏ً!‏ يا موسى لا تخف مني بخلاً أن تسألني عظيماً، ولا تستحي أن تسألني صغيراً. اطلب إليَّ الدقة، واطلب إليَّ العلف لشاتك‏.‏ يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها‏؟‏ وأني لم أخلق شيئاً إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه، فمن يسألني مسألة وهو يعلم أني قادر أعطي وأمنع، وأعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني حين أعطيته وحين أمنعه أسكنته دار الحمادين، وأيما عبد لم يسألني مسألة ثم أعطيته كان أشد عليه من الحساب‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال عروة بن الزبير رضي الله عنه‏:‏ أني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي‏.‏ حتى أسأله الملح لأهلي‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن زهرة بن معبد رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت محمد بن المنكدر رضي الله عنه يدعو يقول‏:‏ اللهم قوِّ ذكري، فإن فيه منفعة لأهلي‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني رضي الله عنه قال‏:‏ تعبد رجل سبعين سنة، فكان يقول في دعائه‏:‏ رب اجزني بعملي فادخل الجنة، فمكث فيها سبعين عاماً، فلما وفت قيل له‏:‏ اخرج قد استوفيت عملك‏.‏ أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه، فلم يجد شيئاً أوثق في نفسه مما دعا الله سبحانه، فأقبل يقول في دعائه‏:‏ رب سمعتك وأنا في الدنيا، وأنت تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي‏.‏ فترك في الجنة‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه‏}‏ ‏.‏ أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال‏:‏ يا معشر الحواريين الصلاة جامعة، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون، وغارت العيون، واصفرت الألوان، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض، فقام على رأس جرثومة، فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال‏:‏ يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم‏.‏ اني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها، قالوا‏:‏ يا روح الله وما هي‏؟‏ قال‏:‏ خلق الليل لثلاث خصال، وخلق النهار لسبع خصال، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه‏.‏ خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه، وتقنت فيه قنوت الصابرين‏.‏ فثلث تنام، وثلث تقوم، وثلث تتضرع إلى ربك. فهذا ما خلق له الليل، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته‏.‏ ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الله والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر‏ .

التستري

تفسير : قوله: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[60] قال: الدعاء بالمروة مستجاب لا محالة، وهو الجمع من سهم الرامي، وما من مؤمن دعا الله تعالى إلا استجاب له فيما دعاه بعينه، من غير أن يعلم ذلك العبد، أو صرف عنه بذلك سوءاً، أو كتب له بذلك حسنة. فقيل له: ما معنى قولهم: "الدعاء أفضل العمل"؟ فقال: لأنه تضرع والتجاء وإظهار الفقر والفاقة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [الآية: 60]. قال الوراق: ادعونى على جدارة الاضطرار والالتجاء دعاء من لا يكون له ملجأ ولا مرجع إلى سواى: أستجب. وقال محمد بن على: من دعا الله ولم يعمر قبل ذلك سبيل الدعاء بالتوبة والإنابة وأكل الحلال واتباع السنة ومراعاة السر كان دعاؤه مردودًا فأخشى أن يكون جوابه الطرد واللعنة. وقال يحيى بن معاذ: ادعونى بصدق الالتجاء أستجب لكم صالح الدعاء. وقيل لسهل: ما معنى قولهم: الدعاء أفضل العمل؟ فقال: لأن فيه الفقر والفاقة والالتجاء والتضرع. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز قال: قال ابن عطاء رحمة الله عليه: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن وافق أركانه قوى وإن وافق أجنحته طار فى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أفلح. فأركانه: حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصلوات على محمد صلى الله عليه وسلم. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} قال بعضهم: لتسكنوا فيه إلى روح المناجاة {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} لتبصروا فيه بوادى القدرة. وقال بعضهم: لتسكنوا فيه عن حركات طلب الأرزاق. وقال بعضهم: لتحاسبوا أنفسكم بخيانات النهار. قوله تعالى: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [الآية: 60]. سمعت منصور بن عبد الله الأصفهانى يقول: سمعت الشبلى يقول: وقد سئل عن قوله: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فقال: أوه من أمر ولمن أمر وكيف أمر وبأى أمرٍ أمر وبأى شىء أمر وما المراد فيما أمر، بلى والله أمرنا أن نكون بلا نحن فى سر ظهر الغيب سرًا بسر متصل وأما على الظاهر فقال: ادعونى ولا تدعوا معى سواى فإذا وجدتمونى فقد وجدتم الكل. سمعت النصرآباذى يقول: ناب عن خلقه بالدعاء وناب عنهم بالإجابة فكل يدعو على ما ناب عنه ومن لم ينب عنه فهو المحروم فى الدعاء والممنوع من الإجابة. قال ابن عطاء: ادعونى واستجيبوا أستجب لكم. قال بعضهم: كم منا دعا ربه عند نفسه وهو فى الحقيقة دعا غيره وعبد سواه.

القشيري

تفسير : معناه: أدعوني أستجب لكم إن شِئتُ؛ لأنه قال في آية أخرى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ}تفسير : [الأنعام: 41]. ويقال ادعوني بشرطِ الدعاء، وشرطُ الدعاء الأكلُ من الحلال؛ إذ يقال الدعاء مفتاحُه الحاجة، وأسبابُهُ اللقمةُ الحلال. ويقال كلُّ مَنْ دعاه استجاب له إمّا بما يشاء له. أوبشيء آخر هو خيرُ له منه. ويقال الكافر ليس يدعوه؛ لأنه إنما يدعو مَنْ له شريك، وهو لا شريكَ له. ويقال: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فيما مِنْ مؤمنٍ يدعو الله ويسأله شيئاً إلا أعطاه في الدنيا، فأما في الآخرة فيقول له: هذا ما طلبْتَه في الدنيا، وقد ادْخرتُه لك لهذا اليوم حتى ليتمنى العبدُ أنه ليته لم يُعطَ شيئاً في الدنيا قط. ويقال: ادعوني بالطاعات استَجبْ لكم بالثواب والدرجات. ويقال ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. ويقال ادعوني بالتنصل أستجب لكم بالتفضُّل. ويقال ادعوني بحسَبِ الطاقة أستجب لكم بكشف الفاقة. ويقال ادعوني بالسؤال أستجب لكم بالنّوال والأفضال. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أن يستكبرون عن دعائي، سيدخلون جهنم صاغرين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} اى ادعونى فى زمان الدّعاء الذى جعلته خاصا الاجابة الدعوة فادعونى فى تلك الاوقات استجب لكم فان وقوع الاجابة فيها حقيقة بلا شك ومن لم يعرف اوقات الدعاء فدعاؤه ترك ادب فان الدعاء فى وقت الاستغفار من قلة معرفة المقامات فان السلطان اذ كان غضبان لا يسال عن واذا كان مستبشرا فيكون زمانه زمان العطاء والفضل ومن عصى السلطان ويسال عنه شيئا فيضرب عنقه ومن يطع السلطان ثم يسال فانه اجدر ان يعطيه ما سوله وايضا ادعونى فى وقت غلبان قلوبكم بالشوق الى لقائى استجب لكم بكشف جمالى واعطيكم ما مولكم لذلك قال عليه الصلاة والسّلام ادعوا الله على رقة قلوبكم وايضا ادعونى بلا سوال استجب لكم بلا محال فانك اذا شوقت الى جمالى تدعونى لنفسى فواجب من حيث الكرم ان اجيب لك بنعت مرادك فانك ان سالت شيئا لم تدعنى بل دعوت مرادك قال بعضهم ادعونى بلا غفلة استجب لكم بلا مهلة قال الوراق ادعونى على حد الاضطرار والالتجاء حيث لا يكون لكم مرجع الى سواى استجب لكم وقال محمد بن على من دعى الله ولم يعم قبل ذلك سبيل الدعاء بالتوبة والانابة واكل الحلال واتباع السنن ومراعات السر كان دعاؤه مردودا وخشى ان يكون جوابه الطرد واللعن.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال ربكم} ايها الناس {ادعونى} وحدونى واعبدونى {استجب لكم} اى اثبكم بقرينة قوله تعالى {ان الذين يستكبرون عن عبادتى} يتعظمون عن طاعتى {سيدخلون جهنم} حال كونهم {داخرين} اى صاغرين اذلاء فان الدخور بالفارسية خوارشدن. من دخر كمنع وفرح صغر وذل وان فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلة الاستكبار عن العبادة فاقيم الثانى مقام الاول للمبالغة او المراد بالعبادة الدعاء فانه من افضل ابوابها فاطلق العام على الخاص مجازا (قال الكاشفى) مراد ازدعا سؤالست يعنى بخواهيدكه خزانه من مالا مالست وكرم من بخشنده آمال كدام كداست نياز بيش آورده كه نقد مراد بر كف اميدش ننهادم وكدام محتاج زبان سؤال كشادكه رقعه حاجتش رابتوقيع اجابت موشح نساحتم شعر : برآستان ارادت كه سرنهادشبى كه لطف دوست برويش دريخه نكشود تفسير : يقال ادعونى بلا غفلة استجب لكم بلا مهلة ادعونى بلا خفاء استجب لكم بالوفاء ادعونى بلا خطا استجب لكم بالعطا ادعونى بشرط الدعاء وهو الاكل من الحلال قيل الدعاء مفتاح الحاجة واسنانه لقمة الحلال قال الحكيم الترمذى قدس سره من دعا الله ولم يعمر قبل ذلك سبيل الدعاء بالتوبة والانابة واكل الحلال واتباع السنن ومراعاة السر كان دعاؤه مردودا واخشى ان يكون جوابه الطرد واللعن ويقال كل من دعاه استجاب له اما بما سأله او بشىء آخر هو خير له منه ويقال الكافر ليس يدعوه حقيقة لأنه انما يدعو من له شريك والله تعالى لا شريك له وكذا المعطلة لأنهم انما يعدبون الها لا صفات له من الحياة والسمع والبصر والكلام والقدرة والارادة بزعمهم فهم لا يعبدون الله تعالى وكذا المشبهة انما يدعون الها له جوارح واعضاء والله تعالى منزه عن ذلك فانه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير قال الشافعى رحمه الله من انتهض لطلب مدبره فان اطمأن الى موجود ينتهى اليه فكره فهو مشبه وان اطمأن الى نفى محض فهو معطل وان اطمأن الى موجود واعتراف بالعجزان ادراكه فهو موحد فأهل السنة يثبتون لله تعالى صفات ثبوتية وينزهونه عمالا يليق به فهم انما يدعون الله تعالى فما من مؤمن يدعو الله ويسأله شيئا الا اعطاه اما فى الدنيا واما فى الآخرة ويقول له هذا ما طلبت فى الدنيا وقد ادخرته لك الى هذا اليوم حتى يتمنى العبد انه ليته لم يعط شيئا فى الدنيا ويقال لم يوفق العبد للدعاء الا لارادة الله اجابته لكن وقوع الاجابة حقيقة انما يكون فى الزمان المتعين للدعاء كالسلطان اذا كان فى وقت الفرح والاستبشار لا يرد السائل البتة قال الفضيل بن عياض والناس وقوف بعرفات ما تقولون لو قصد هؤلاء الوفد بعض الكرماء يطلبون منه دانقا اكان يردهم فقالوا لا فقال والله للمغفرة فى جنت كرم الله اهون على الله من الدانق فى جنت كرم ذلك الرجل فعرفات وزمان الوقوف من مظان الاجابة وكذا جميع امكنة العبادات واوقات الطاعات لأن الله تعالى اذا رأى عبده حيث امر رضى عنه واستجاب دعاءه ونعم ما قال سفيان حيث قال بعضهم ادع الله فقال ترك الذنوب هو الدعاء قال بعض العارفين بالله الصلاة افضل الحركات والصوم افضل السكنات والتضرع فى هياكل العبادات يحل ما عقدته الافلاك الدآئرات ولا بد من حسن الظن بالله (حكى) عن بعض البله وهو فى طواف الوداع أنه قال له رجل وهو يمازحه هل اخذت من الله برآءتك من النار فقال الابله له وهل اخذ الناس ذلك فقال نعم فبكى ذلك الابله ودخل الحجر وتعلق بأستار الكعبة وجعل يبكى ويطلب من الله أن يعطيه كتابه يعتقه من النار فجعل اصحابه والناس يطوفون يعرفونه ان فلانا مزح معك وهو لا يصدقهم بل بقى مستمرا على حاله فبينما هو كذلك سقطت عليه ورقة من طرف الميزاب فيها برآءته وعتقه من النار فسر بها واوقت الناس عليها وكان من آية ذلك الكتاب انه يقرأ من كل ناحية على السوآء لا يتغير كلما قلبت الورقة انقلبت الكتابة لانقلابها فعلم الناس أنه من عند الله وكفته اند دعا لفظى جامع است بيست خصلت از خصال حسنات درضمن آن مجتمع همجون معجونى ساخته ازاخلاط متفرق وآن عبادتست واخلاص وحمد وشكر وثنا وتهليل وتوحيد وسؤال ورغبت ورهبت وندا وطلب مناجات وافتقار وخضوع وتذلل ومسكنت واستعانت واستكانت والتجاء رب العالمين باين كلمات مختصرجه كفت ادعونى استجب لكم ترابا اين بيست خصلت تراميد هد تابدانى كه اين قرآن جوامع الكلم است. قال فى ترويح القلوب الادب فى ابتدآء كل توجه او دعاء او اسم التوبة وذكر محامد الله والثناء عليه والتشفع بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم والصلاة عليه وهو مفتاح باب السعادة واكل الحلال وهو الترياق المجرب والتبرى من الحول والقوة وترك الالتجاء لغير الله وحسن الظن بالله وجمع الهمة وحضور القلب وغاية الدعاء اظهار الفاقة والا فالله يفعل ما يريد شعر : جز خضوع وبندكى واضطرار اندرين حضرت ندارد اعتبار تفسير : فى الحديث اذا سألتم الله فاسألوه ببطون اكفكم ولا تسألوه بظهورها واذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم وما سئل الله شيئا احب اليه من أن يسأل العافية كما فى كشف الاسرار ومنه عرف أن مسح اليدين على الوجه عقيب الدعاء سنة وهو الاصح كما فى القنية قال فى الاسرار المحمدية كان عليه السلام يأمر اصحابه بمسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء ويحرض عليه وسر ذلك أن الانسان حال دعائه متوجه الى الله تعالى بظاهره وباطنه ولذا يشترط حضور القلب فيه وصحة الاستحضار فسر الرفع والمسح أن اليد الواحدة تترجم عن توجهه بظاهره واليد الاخرى عن توجهه بباطنه واللسان مترجم عن جملته ومسح الوجه هو التبرك والتنبيه على الرجوع الى الحقيقة الجامعة بين الروح والبدن لأن وجه الشىء حقيقة والوجه الظاهر مظهرها والمستحب ان يرفع يديه عند الدعاء الى حذآء صدره كذا فعله النبى عليه السلام كما رواه ابن عباس رضى الله عنهما والافضل أن يبسط كفيه ويكون بينهما فرجة وان قلت ولا يضع احدى يديه على الاخرى فان كان وقت عذر او برد فأشار بالمسبحة قام مقام بسط كفيه والسنة ان يخرج يديه حين الدعاء من كميه قال سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره دعوت الله ليلة فاخرجت احدى يدى والاخرى ما قدرت على اخراجها من شدة البرد فنعست فرأيت فى منامى ان يدى الظاهر مملوءة نورا والاخرى فارغة فقلت ولم ذلك يا رب فنوديت ان اليد التى خرجت للطلب ملأناها والتى توارت حرمت ثم ان قوله {أية : ادعونى استجب لكم} تفسير : يشير الى أن معنى ادعونى اطلبوا منى اى لا تطلبوا من غيرى فان من كنت له يكون له ما كان لى وان من يطلبنى يجدنى كما قال الا من طلبنى وجدنى (قال الشيخ سعدى) شعر : خلاف طريقت بودكاوليا تمنا كنند ازخدا جز خدا تفسير : نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الداعين العابدين له بالاخلاص

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقال ربُّكُم ادعوني} أي: اعبدوني {أَستجبْ لكم} أي: أثبكم، ويدل على هذا قوله: {إِن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين}؛ صاغرين أذلاء، أو: اسألوني أعطكم، على ما أريد، في الوقت الذي أريد. قال القشيري: والحكمة في أنه أمر بالسؤال قبل الإجابة، وبالاستغفار قبل المغفرة، أنه حكم في اللوح أن يعطيك ذلك الشيء الذي تسأله وإن لم تسأل، ولكن أمر بالسؤال، حتى إذا وجدته تظن أنك وجدته بدعائك، فتفرح به. قلت: السؤال سبب، والأسباب غطى بها سر قدرته تعالى. ثم قال: ويقال: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما مِن مؤمنٍ يدعو الله، ويسأله شيئاً، إلا أعطاه إياه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. حيث يقال له: هذا ما طلَبْتَه في الدنيا، وقد ادخرتُه لك إلى هذا اليوم، حتى يَتَمنى العبدُ أنه لم يُعطَ شيئاً في الدنيا. هـ. قلت: فالدعاء كله إذاً مستجاب، بوعد القرآن، لكن منه ما يُعجّل، ومنه ما يُؤجّل، ومنه ما يصرف عنه به البلاء، كما في الأثر، وإذا فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار عنه منزلاً منزلة الاستكبار عن العبادة؛ للمبالغة في الحث عليه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدعاء هو العبادة" تفسير : وقرأ الآية، وفي رواية: "حديث : مخ العبادة"تفسير : ، وعن ابن عباس: "حديث : وحَدوني أغفر لكم"تفسير : ، فسَّر الدعاء بالعبادة، والعبادة بالتوحيد. الإشارة: اختلف الصوفية أيّ الحالين أفضل؟ هل الدعاء والابتهال، أو السكوت والرضا؟ والمختار أن ينظر العبد ما يتجلّى فيه قلبه، فإن انشرح للدعاء فهو في حقه أفضل، وإن انقبض عنه، فالسكوت أولى، والغالب على أهل التحقيق من العارفين، الغنى بالله، والاكتفاء بعلمه، كحال الخليل عليه السلام، فإنهم إبراهيميون. قال الورتجبي: أي: ادعوني في زمن الدعاء الذي جعلته خاصّاً لإجابة الدعوة، فادعوني في تلك الأوقات، أستجب لكم؛ فإنَّ وقوع الإجابة فيها حقيقة بلا شك، ومَن لم يعرف أوقات الدعاء، فدعاؤه ترك أدب؛ فإن الدعاء في وقت الاستغفار من قلة معرفة المقامات، فإن السلطان إذا كان غضبان لا يُسأل منه، وإذا كان مستبشراً فيكون زمانه زمن العطاء والكرم. قلت: هذا في حق الخصوص، الفاهمين عن الله، وأما العموم، فما يناسبهم إلا دوام الدعاء في الرخاء والشدة: قال تعالى: {أية : فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} تفسير : [الأنعام: 43] ثم قال عن الورّاق: ادعوني على حد الاضطرار والالتجاء، حيث لا يكون لكم مرجع إلى سواي، أستجب لكم. هـ. ثم برهن على توحيده، وأنه لا يصح الرجوع إلا إليه، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قد مضى فى سورة البقرة وفى سورة النّمل بيان تعليق الاستجابة على الدّعاء فى الاموال والاولاد عقيب الصلات من الاتّفاقيّات؟ او هى من الاسباب للوصول الى المراد؟ - قال بعض الفلاسفة: انّ ذلك من الاتّفاقيّات، وبرهان انكارهم لسببيّة ذلك انّ العالى لا التفات له الى الدّانى وانّه لا تأثير للدّانى فى العالى فلا يكون الظّفر بالمقصود عقيب ذلك الاّ محض الاتّفاق، وصريح الآيات والاخبار يثبت التّسبيب بين الدّعوات والاجابات وبين الصّدقات ودفع البلايا وجذب البركات، وبين الصّلات وزيادة الاموال والاعمار والاولاد. تحقيق البداء ونسبة التّردّد والمحو والاثبات الى الله تعالى وتحقيق ذلك، انّ العوالم بعد مقام الغيب المعبّر عنه بالعمى الّذى لا خبر عنه ولا اسم له ولا رسم، وبعد مقام الواحديّة المعبّر عنه بمقام الاسماء والصّفات، وبعد مقام الفعل المعبّر عنه بالمشيّة بوجهٍ ستّة وبوجهٍ سبعة، وبوجهٍ سبعون، وبوجهٍ سبع مائة، وبوجهٍ سبعة آلاف، وبوجهٍ سبعون الفاً، وبوجهٍ غير متناهية، وانّ كلّ عالمٍ عالٍ بالنّسبة الى الدّانى حاله حال النّفس بالنّسبة الى قواها ومداركها، وانّ عالم المثال مرتبته من عالم الطّبع مرتبة الخيال الانسانىّ من بدنه وقواه فكما انّ قوى النّفس الخياليّة تتأثّر من بدنها ومن غير بدنها وبذلك التّأثّر يتاثّر الخيال وتأثر الخيال هو بعينه تأثّر النّفس كذلك عالم المثال يتأثّر من عالم الطّبع، وتأثّره بعينه تأثّر النّفوس الكلّيّة، وتأثّرها تأثّر العقول الكلّيّة، وتأثّرها تأثّر المشيّة، وهو تأثّر الاله، وكما انّ النّفوس البشريّة بعد التّاثّر من الابدان وقواها تحرّك قوّتها الشّوقيّة والاراديّة لدفع الموذى او جذب النّافع كذلك النّفوس الكلّيّة بعد تأثّر قواها المثاليّة الخياليّة تهيّج اسباب دفع الموذى وجذب النّافع لما تأثّرت منه، وانّ الحوادث كما تكون باسبابٍ طبيعيّةٍ ارضيّة تكون باسبابٍ الهيّةٍ سماويّة وانّ الاسباب السّماويّة قد تؤثّر بتسبيب الاسباب الطّبيعيّة وقد تؤثّر بمحض التّصوّر والارادة لانّها مظاهر ارادة الله، وافعالها مظاهر افعال الله، اذا ارادت شيئاً تقول له: كن، فيكون، من غير تسبيب اسبابٍ طبيعيّةٍ، وعالم المثال كعالم الخيال يضيق عن الاحاطة بجملة المدركات دفعةً بل يرد عليه الصّور بالتّعاقب ويتجدّد عليه الادراكات متبادلةً ولذلك قد يثبت ضرّ شخصٍ او خيره فيه ثمّ يقع من ذلك الشّخص او من غيره دعاء لدفع ذلك الضّرّ او عمل يدفع ذلك الخير فيقع صورة ذلك الدّعاء او العمل فيه ويقع صورة لازمه من دفع الضّرّ او دفع الخير فيه، وكلّما تصوّره النّفوس العالية الجزئيّة او الكلّيّة يقع صورته فى هذا العالم امّا على مجرى العادة وبالاسباب الطّبيعيّة او خارجاً عن مجرى العادة ومن هذه الالواح المثاليّة ينسب البداء الى الله تعالى، وينسب التّردّد الّذى هو عبارة عن ترجيح احد المتصوّرين تارةً والآخرُ اخرى، فانّه اذا تعارض دعاء مؤمنٍ لشخصٍ بالخير ودعاء آخر عليه بالشّرّ فيثبت صورة دعاء هذا تارةً مع لازمها وصورة دعاء ذاك اخرى مع لازمها، فيظهر فى نظر النّاظر صورة التّردّد فى الصّورتين المتقابلتين وينسب هذا التّردّد الى الله تعالى كما ينسب افعال القوى الانسانيّة الى النّفوس، وهكذا حال نسبة البداء الى الله تعالى وقد يتّصل المكاشف من النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) بتلك الالواح فيشاهد فيها بعض الاسباب والمسبّبات ولا يشاهد منافيات تلك الاسباب والمسبّبات ان كان منافياتها ثابتةً فيها لضيق النّفوس البشريّة الخياليّة عن الاحاطة بجميع ما ثبت فيها فيخبر بذلك ولا يقع ما يخبر به فينسب البداء الى تلك الالواح لقصور نظره لا لعدم ثبت ما وقع، وما كذب فى ذلك لانّه أخبر عن عيانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} لمّا كان اقتضاء العبوديّة الخروج من الانانيّة والتّعلّق بالحقّ الاوّل تعالى شأنه وكان اقتضاء ذلك التّعلّق استدعاء استقلال الحقّ بالانانيّة فى وجود العبد قال تعالى فى مقام يستكبرون عن دعائى يستكبرون عن عبادتى اشارةً الى هذا التّلازم {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} صاغرين.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعَونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي اعبدوني وحدي بدليل قوله* {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ} بفتح الياء وضم الخاء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بضم الياء وفتح الخاء* {جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ذليلين صاغرين وهو حال مقارنة أو مقيمين فهي حال مقدرة والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن والاستجابة الاعطاء للثواب كما مر وهو تفسير مجاهد. قال الحسن: اعملوا وأبشروا فانه حق على الله أن يستجيب أي بمقتضى الوعد وفسر به الآية وقيل معنى الدعاء والعبادة التوحيد وقيل الدعاء السؤال أيضاً أو لأن الدعاء من أبوابها والاستجابة اجابة الدعاء فذلك تفضل ووعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالاجابة للدعاء. وفي الحديث ان الدعاء هو العبادة وقرأ الآية وان لم يسأله بغضب عليه وان الدعاء مخ العبادة وانه لا أكرم على الله من الدعاء. وعن ابن عباس أفضل العبادة الدعاء وعن كعب أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن نبي كان يقول لكل نبي (أنت شاهد على خلقي) وقال لنا {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : وكان يقول (ما عليك من حرج) وقال لنا {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} تفسير : وكان يقول (ادعنى أستجب لك) وقال {ادعونى استجب لكم}. وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما على الارض مسلم يدعو الله بدعوة الا أتاه اياها أو صرف من السوء مثلها ما لم يدع باثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم اذا نكثر قال الله أكثر أي رحمة أو اجابة" تفسير : وزاد أبو سعيد الخدري أو يدخر له من الأجر مثلها وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم عنه تعالى: "حديث : أنا عند حسن ظن عبدي وأنا معه اذا دعاني" تفسير : وشروط الدعاء منها الاخلاص في الدعاء واحضار القلب وكون المطلوب مصلحة للانسان ثم اما أن يعجل الله له الاجابة في الدنيا أو يؤخر ويدخر له في الآخرة أو يكفر ذنوبه بقدر دعائه ما لم يستعجل يقل دعوت ولم يجب لي. قال ابن عطاء الله: لا يكون تأخر أمد الاجابة مع الالحاح في الدعاء موجباً ليأسك فهو ضمن لك الاجابة فيما يختار لك لا فيما تختار لنفسك وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد وقيل المعنى (ادعونى أستجب بالنصر والثواب). وعن ابن عباس: وحدونى أغفر لكم وعبر بالموصول ليومي بصلته الى طريق بناء الخير على اسم (ان) فان الاستكبار عن العبادة دال على أن الخبر من جنس العقاب والاذلال.

اطفيش

تفسير : {وقال ربُّكُم} العطف على ما قبله عطف قصة على أخرى، ألا ترى أنه لما تمت هذه فى قوله: "أية : كن فيكون" تفسير : [غافر: 68] ذكر ما قبلها بقوله: " أية : ألم تر إلى الذين يجادلون" تفسير : [غافر: 69] المناسب لقوله تعالى: " أية : إن الذين يجادلون" تفسير : [غافر: 56] الخ {ادْعُوني} اسألونى حوائجكم كلها عموما أو خصوصا، ولو ما هو أقل من ملح الطعام، أو شسع النعل إذ لا شىء يستغنى فيه عن الله تعالى، وعن ابن عباس: "الدعاء أفضل العبادة" وقرأ الآية، وعنه صلى الله عليه وسلم: ليس شىء أكرم على الله تعالى من الدعاء" قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يَدْع الله يغضب عليه" تفسير : رواه ابن أبى شيبة وأحمد، قال ذلك فى مقام الكلام على الدعاء، فلا يأول بالعبادة. وقال النعمان ابن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: " حديث : الدعاء هو العبادة"تفسير : ثم قرأ: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} الآية، وعن ابن عباس: " ادعوني أستجب لكم" وحدونى أغفر لكم، وقيل: سلونى أعطكم، ومعنى يغضب عليه هنا تصبه المصائب، وأما من لم يدع الله استكبارا عنه، أو إياسا من الاجابة، فالغضب فى حقه على ظاهره، وأما قول ابراهيم عليه السلام، يوم ألقى فى النار قبل الالقاء أو فى الهواء حين ألقى: " علمه بحالى يغنى عن سؤالى" وقد قال له جبريل: "هل لك حاجة؟" فقال: "احتاج إلى الله" فقال: فادع الله، فقال ذلك، فهو نفس الدعاء، لأنه قال ذلك تضرعا الى الله تعالى، لا توكلا فقط، أو ذلك فى العامة، وأما من أكثر العبادة والذكر، وأستفرغ فيها الوسع، فقد جاء فى الحديث القدسى: " حديث : إني أعطيه أفضل ما يسأل وأكفيه ". تفسير : {أسْتَجب لَكُم} أعطكم ما تسألون، قال الله تعالى: " أية : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء" تفسير : [الأنعام: 41] وان لم يعط ادخر له فى الآخرة لدعائه ما هو أفضل، حتى يتمنى لو لم يستجب له فى الدنيا، والتعويض فى الآخرة، من معنى الاستجابة، وقد يعطيه فى الدنيا عوض ما دعا اليه، أو يدفع عنه مضرة، وما لم يستجب فلخلل فيه، فلاشتغال القلب فيه أو فيه قطع رحم أو نحو ذلك، وعنه صلى الله عليه وسلم:" حديث : ما من رجل يدعو الله تعالى إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطع رحم أو يقل دعوت فلم يستجب لي" تفسير : وقيل: عن ابن عباس: ادعونى اعبدونى، فاستجب لكم أثبكم، وفيه أن الدعاء أصله الطلب، فليحمل، عليه فى الآية، ولاسيما مع قوله: {أستجب لكم} فان الاستجابة أنسب بمعنى الطلب، فهذان خروجان عن الأصل اثنان. ونقول: معنى حديث بشير بن النعمان المذكور آنفا أن الدعاء سؤال وأن السؤال عبادة، ولما جعل الله الجدال فى آيات الله كبرا قابله بالدعاء لأنه خضوع، لأن الداعى ملتجىء الى الله تعالى. {إنَّ الَّذين يسْتَكبِرُون عَن عِبادَتي} عن دعائى، قيل: هذا خروج واحد عن الأصل، قلت: بل الدعاء عبادة، فلا مجاز فلا خروج بخلاف تفسير الاستجابة بالاثابة على العبادة لترتبها عليها فانه مجاز أو مشاكلة، وتفسير الدعاء بالعبادة لتضمنها له مجاز من تسمية المحل باسم الحال، أو من تسمية العام باسم الخاص {سيَدْخُلون جَهنَّم داخرين} أذلاء.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أي اعبدوني أثبكم على ما روي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وجماعة. وعن الثوري أنه قيل له: ادع الله تعالى فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء يعني أن الدعاء باللسان ترجمة عن طلب الباطن وأنه إنما يصح لصحة التوجه وترك المخالفة فمن ترك الذنوب فقد سأل الحق بلسان الاستعداد وهو الدعاء الذي يلزمه الإجابة ومن لا يتركها فليس بسائل وإن دعاه سبحانه ألف مرة؛ وما ذكر مؤيد لتفسير الدعاء بالعبادة ومحقق له فإن ترك الذنوب من أجل العبادات وينطبق على ذلك كمال الانطباق قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ } أي صاغرين أذلاء. وجوز أن يكون المعنى: اسألوني أعطكم وهو المروي عن السدي فمعنى قوله تعالى: {يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } يستكبرون عن دعائي لأن الدعاء نوع من العبادة ومن أفضل أنواعها، بل روى ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: أفضل العبادة الدعاء وقرأ الآية، والتوعد على الاستكبار عنه لأن ذلك عادة المترفين المسرفين وإنما المؤمن يتضرع إلى الله تعالى في كل تقلباته، وفي إيقاع العبادة صلة الاستكبار ما يؤذن بأن الدعاء باب من أبواب الخضوع لأن العبادة خضوع ولأن المراد بالعبادة الدعاء، والاستكبار إنما يكون عن شيء إذا أتى به لم يكن مستكبراً. قال في «الكشف»: وهذا الوجه أظهر بحسب اللفظ وأنسب إلى السياق لأنه لما جعل المجادلة في آيات الله تعالى من الكبر جعل الدعاء وتسليم آياته من الخضوع لأن الداعي له تعالى الملتجىء إليه عز وجل لا يجادل في آياته بغير سلطان منه البتة. والعطف في قوله تعالى: {وَقَالَ } من عطف مجموع قصة على مجموع أخرى لاستوائهما في الغرض، ولهذا لما تمم هذه القصة أعني قوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ} إلى قوله عز وجل: {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [غافر: 60-68] صرح بالغرض في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِي ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير : [غافر: 69] كما بنى القصة أولاً على ذلك في قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِي ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ }تفسير : [غافر: 56] ولو تؤمل في هذه السورة الكريمة حق التأمل وجد جل الكلام مبنياً على رد المجادلين في آيات الله المشتملة على التوحيد والبعث وتبيين وجه الرد في ذلك بفنون مختلفة، ثم انظر إلى ما ختم به السورة كيف يطابق ما بدئت من قوله سبحانه: {أية : فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ }تفسير : [غافر: 4] وكيف صرح آخراً بما رمز إليه أولاً لتقضى منه العجب فهذا وجه العطف انتهى. وما ذكره من أظهرية هذا الوجه بحسب اللفظ ظاهر جداً لما في الأولى من ارتكاب خلاف الظاهر قبل الحاجة إليه في موضعين في الدعاء حيث تجوز به عن العبادة لتضمنها له أو لأنه عبادة خاصة أريد به المطلق، وفي الاستجابة حيث جعلت الإثابة على العبادة لترتبها عليها استجابة مجازاً أو مشاكلة بخلاف الثاني فإن فيه ارتكاب خلاف الظاهر وهو التجوز في موضع واحد وهو {عَنْ عِبَادَتِي } ومع هذا هو بعد الحاجة فلم يكن كنزع الخف قبل الوصول إلى الماء بل قيل: لا حاجة إلى التجوز فيه لأن الإضافة مراد بها العهد هنا فتفيد ما تقدم، لكن كونه أنسب بالسياق أيضاً مما لا يتم في نظري، وأياً ما كان فأستجب جزم في جواب الأمر أي إن تدعوني أستجب لكم والاستجابة على الوجهين مشروطة بالمشيئة حسبما تقتضيه أصولنا، وقد صرح / بذلك في استجابة الدعاء قال سبحانه: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء }تفسير : [الأنعام: 41] والاستكبار عن عبادة الله تعالى دعاء كانت أو غيره كفر يترتب عليه ما ذكر في الآية الكريمة. وأما ترك ذلك لا عن استكبار فتفصيل الكلام فيه لا يخفى، والمقامات في ترك الدعاء فقيل: متفاوتة فقد لا يحسن كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لم يدع الله تعالى يغضب عليه»تفسير : أخرجه أحمد وابن أبـي شيبة والحاكم عن أبـي هريرة مرفوعاً، وقد يحسن كما يدل عليه ما روي من ترك الخليل عليه السلام الدعاء يوم ألقي في النار وقوله علمه بحالي يغني عن سؤالي، وربما يقال: ترك الدعاء اكتفاء بعلم الله عز وجل دعاء والله تعالى أعلم. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وزيد بن علي وأبو جعفر {سيدخلون } مبنياً للمفعول من الإدخال واختلفت الرواية عن عاصم وأبـي عمرو.

ابن عاشور

تفسير : لما كانت المجادلة في آيات الله تشمل مجادلتهم في وحدانية الإِلهية كما دل عليه قوله الآتي، {أية : ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون اللَّه قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً} تفسير : [غافر: 73، 74]، فجَعل {لم نكن ندعوا} نقيض ما قيل لهم {أين ما كنتم تشركون}، وتشمل المجادلَة في وقوع البعث كما دل عليه قوله بعدَ هذه {أية : ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات اللَّه أنى يصرفون}تفسير : [غافر: 69] إلى قوله: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل}تفسير : [غافر: 71] الآية، أُعقب ذكر المجادلة أولاً بقوله: {أية : لَخَلق السَّموٰت والأرضِ أكْبرُ من خَلقِ النَّاس} تفسير : [غافر: 57] وذلك استدلال على إمكان البعث، ثم عطف عليه قوله: {وقَالَ رَبُّكم ادعُوني أستَجِب لكُم} الآية تحذيراً من الإِشراك به، وأيضاً لما ذُكر أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بدعاء الله وحده أمراً مفرّعاً على توبيخ المشركين بقوله: {أية : ذٰلِكم بأنَّه إذَا دُعيَ الله وحْدَه كَفَرتم}تفسير : [غافر: 12] وعلى قوله عقب ذلك: {أية : ومَا يتذكَّرُ إلاَّ مَن يُنيب} تفسير : [غافر: 13] وانتقَل الكلام أثر ذلك إلى الأَهمّ وهو الأمر بإنذار المشركين بقوله: {أية : وأنذِرْهُم يَومَ الأزِفَة}تفسير : [غافر: 18] الخ، وتتابعت الأغراض حتى استوفت مقتضاها، عاد الكلام الآن إلى ما يشمل عبادة المؤمنين الخالصةَ لله تعالى وهو أيضاً متصل بقوله: {أية : ومَا دَعاءُ الكافرين إلاَّ في ضَلالٍ} تفسير : [غافر: 50]. فلما تقدم ذكر الدعاء بمعنييه: معنى العبادة، ومعنى سُؤال المطلوب، أردف بهذا الأمر الجامع لكلا المعنيين. والقول المخبَر عنه بفعل: {قال ربكم} يجوز أن يراد به كلام الله النفسي، أي ما تعلقت إرادة الله تعلقاً صلاحياً، بأن يقوله عند إرادة تكوينه، ويجوز أن يراد القول اللفظي ويكون التعبير بــــ (قال) الماضي إخباراً عن أقوال مضت في آيات قبل نزول هذه الآية مثل قوله: {أية : فادعوا اللَّه مخلصين له الدين} تفسير : [غافر: 14] بخلاف قوله: {أية : أجيب دعوة الداعِ إذ دعان} تفسير : [البقرة: 186] فإنه نزل بعد هذه الآية، ويجوز أن يكون الماضي مستعملاً في الحال مجازاً، أي يقول ربكم: ادعوني. والدعاء يطلق بمعنى النداء المستلزم للاعتراف بالمُنَادَى، ويطلق على الطلب وقد جاء من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه صلاحية معنى الدعاء الذي في هذه الآية لما يلائم المعنيين في حديث النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الدعاء هو العبادة»تفسير : ثم قرأ {وقَالَ ربُّكم ادعُوني أستَجِب لكم إنَّ الذِّين يستَكبرون عَن عبادتي سيَدخلُون جهنَّم داخِرين} رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح، فإن قوله: «الدعاء هو العبادة» يقتضي اتحاد الحقيقتين فإذا كان الدعاء هو العبادة كانت العبادة هي الدعاء لا محالة. فالدعاء يطلق على سؤال العبد من الله حاجته وهو ظاهر معناه في اللغة، ويطلق على عبادة الله على طريق الكناية لأن العبادة لا تخلو من دُعاء المعبود بنداءِ تعظيمه والتضرع إليه، وهذا إطلاق أقل شيوعاً من الأول، ويراد بالعبادة في اصطلاح القرآن إفراد الله بالعبادة، أي الاعتراف بوحدانيته. والاستجابة تطلق على إعطاء المسؤول لمن سأله وهو أشهر إطلاقها وتطلق على أثر قبول العبادة بمغفرة الشرك السابق وبحصول الثواب على أعمال الإِيمان فإفادة الآية على معنى طلب الحاجة من الله يناسب ترتب الاستجابة على ذلك الطلب معلقاً على مشيئة الله أو على استيفاء شروط قبول الطلب، وإعطاء خير منه في الدنيا، أو إعطاء عوض منه في الآخرة. وإفادتها على معنى إفراد الله بالعبادة، أي بأن يتوبوا عن الشرك، فترتب الاستجابة هو قبول ذلك، فإن قبول التوبة من الشرك مقطوع به. فلما جمعت الآية بين الفعلين على تفاوت بين شيوع الإِطلاق في كليهما علمنا أن في المعنى المراد ما يشبه الاحتباك بأن صرح بالمعنى المشهور، في كلا الفعلين ثم أعقب بقوله: {إنَّ الذين يَسْتكبرون عَن عِبادتي}، فعلمنا أن المراد الدعاء والعبادة، وأن الاستجابة أريد بها قبول الدعاء وحصول أثر العبادة. ففعل {ادعوني} مستعمل في معنييه بطريقة عموم المشترك. وفعل {أستجب} مستعمل في حقيقته ومجازه، والقرينة ما علمتَ، وذلك من الإِيجاز والكلامِ الجامع. وتعريف الله بوصف الرب مضافاً إلى ضمير المخاطبين لما في هذا الوصف وإضافتِه من الإِيماء إلى وجوب امتثال أمره لأن من حق الربوبية امتثال ما يأمر به موصوفها لأن المربوبَ محقوق بالطاعة لربه، ولهذا لم يعرج مع هذا الوصف على تذكير بنعمته ولا إشارة إلى كمالات ذاته. وجملة {إنَّ الذين يَسْتكبرون عن عِبادَتي سيدخلون جهنَّم} تعليل للأمر بالدعاء تعليلاً يفيد التحذير من إباية دعاء الله حين الإِقبال على دعاء الأصنام، كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكُم بأنَّه إذا دُعِي الله وحْدَه كفرتم وإن يُشرك به تُؤْمنوا} تفسير : [غافر:12] وكان المشركون لا يضرعون إلى الله إلا إذا لم يتوسموا استجابة شركائهم، كما قال تعالى: {أية : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم}تفسير : [الإسراء: 67]. ومعنى التعليل للأمر بالدعاء بهذا التحذير: أن الله لا يحب لعباده ما يفضي بهم إلى العذاب، قال تعالى: {أية : ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7] ففي الآية دليل على طلب الله من عباده أن يدعوه في حاجاتهم. ومشروعية الدعاء لا خلاف فيها بين المسلمين وإنما الخلاف في أنه ينفع في رد القدر أو لا؟ وهو خلاف بيننا وبين المعتزلة. وليس في الآية حجة عليهم لأنهم تأولوا معنى {أستجِبْ لكم}، وتقدم قوله تعالى: {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} تفسير : الآية في سورة [البقرة: 186]، وفي الإتيان بالموصول إيماء إلى التعليل. و {داخرين} حال من ضمير {سيدخلون} أي أذلة، دخَر كمنَع وفرِح: صغر وذلّ، وتقدم قوله: {أية : سجداً للَّه وهم داخرون}تفسير : في سورة [النحل: 48]. وقرأ الجمهور {سيدخلون} بفتح التحتية وضم الخاء. وقرأه أبو جعفر ورويس عن يعقوب بضم التحتية وفتح الخاء على البناء للنائب، أي سيدخلهم ملائكة العذاب جهنم.

الشنقيطي

تفسير : قال بعض العلماء {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}: اعبدوني أثبكم من عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}. وقال بعض العلماء: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي اسألوني أعطكم. ولا منافاة بين القولين، لأن دعاء الله من أنواع عبادته. وقد أوضحنا هذا المعنى، وبينا وجه الجمع بين قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186] مع قوله تعالى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} تفسير : [الأنعام: 41] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : (60) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى دُعَائِهِ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالإِجَابَةِ عَلَى دُعَائِهِمْ؛ وَدُعَاءُ العَبْدِ رَبِّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِيْمَانِهِ بِرَبِّهِ، وَخَوْفِهِ مِنْهُ، وَطَمَعِهِ فِي ثَوَابِهِ وَكَرَمِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَمَنْ اسْتَكْبَرَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْتَمُّ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الخَلاَئِقِ، وَتَصْرِيفِ شُؤُونِهِمْ، وَإحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ، وَإِعَادَةِ بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَجْزِيَهُمْ بِهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ فَإِنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُمْ أَذِلاءُ صَاغِرُونَ. دَاخِرِينَ - صَاغِرِينَ أَذِلاَّءَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {رَبُّكُـمُ} [غافر: 60] من تولى تربيتكم، والتربية هنا تعني الإيجاد من العدم والإمداد من عُدْم، وما دام هو ربي فأنا مسئولٌ منه يضمن لي رزقي وعيشي في الدنيا، وقبل ذلك أعطاني الجوارح التي تعمل، والأعضاء التي بها أعيش، فهو ربي وخالقي الذي استدعاني للكون، ووفَّر لي فيه أسبابَ الحياة. لذلك لما أراد سبحانه أنْ يجعل نموذجاً في الكون جعله بحيث يتعاطف الكونُ مع ذاته ويتكامل في نفسه، فجعل هذا قوياً، وهذا ضعيفاً، هذا صحيحاً وهذا مريضاً. فالقوي حركته في الحياة حركة كاملة قوية تزيد عن حاجته، وقال له: ما زاد عن حاجتك اجعله للضعيف الذي لا يقدر على الحركة، والخالق سبحانه قادر على جَعْل الناس جميعاً أقوياء، لكن أراد أنْ يرتبط الخَلْق في حركة الحياة ارتباطَ حاجة لا ارتباطَ تفضُّل؛ لأن الارتباط لا يأتي بقانون التفضُّل، فالتفضل لا إلزامَ فيه، والمتفضل بالشيء حُرٌّ، يفعل أو لا يفعل. وقوله: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] يعني: فيما عجزتُم عن أسبابه ولن تقدروا عليه، ولم تجدوا من بيئتكم عَوْناً عليه، فليس لكم إلا التوجُّه إليَّ تدعونني، فأستجيب {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} تفسير : [النمل: 62] فأنا ربكم وخالقكم استدعيتُكم إلى الوجود ومنحتكم الأسباب والجوارح، واستخلفتم في الأرض، فليس لكم ملجأ غيري تلجأون إليه إنْ عزَّت عليكم الأسباب. أما إنْ كانت الأسبابُ ميسَّرة لكم، وقام كلُّ مكلَّف بدوره، فلا تتركوا الأسباب وتقولوا: يا ربّ، عليكم بما في أيديكم من الأسباب أولاً، زاولوها فإنْ ضاقتْ بكم فاذهبوا إلى المسبِّب. لكن نلحظ في هذه المسألة أن الله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا الإجابة، ومع ذلك منا مَنْ يدعو فلا يُستجاب له، فلماذا؟ قالوا: لأنك تدعو وأنت غير مُضطر، فلو كنتَ في حالة الاضطرار لاستُجيبَ لك. أنت تسكن في مسكن محترم وتدعو الله أن يكون لك (فيلا) أو قصر، فإنْ أعطاك القصر قلت: أريد عمارة تصرف على القصر، هذا دعاء عن ترف لا عن اضطرار، والإجابة هنا مشروطة بالمضطر. والحق سبحانه وتعالى لا يُعفي عبداً عن مسئولية استطراق النفع للعباد، قالوا: لأن الواجد يبذل، وغير الواجد ينصح الواجد، فإنْ نصحت دون جدوى فلن تبرأ ذمتك حتى بعد ذلك. ولو قرأتَ القرآن تجد قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 91]. متى هذا؟ قالوا: إذا لم يكن عندك مال لا بدَّ أنْ تنصح {أية : إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}تفسير : [التوبة: 91] نصحت ولم يستجب لك. قالوا: اقدر على نفسك، كيف؟ {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 92] فهل أعفى أحداً؟ لا بل حثَّ الجميع على أنْ يفعلوا: إما بذل المال، وإما بذل المقال، فإذا لم تستطع هذا ولا ذاك فيجب أنْ تحزن لأنك لم تشارك، ولا يكفي هنا الألم الوجداني، بل لا بدَّ أنْ يصحبه انفعال عاطفي ينتج عنه بكاء، تبكي أنك لم تجد شيئاً تنفقه في سبيل الله. إذن: المسألة استطراق نفعي في الكون، هذا الاستطراق لا يدعُ أحداً منا في حاجة. وبعد ذلك نقول له: أأنت فقير عَجْز أم احتراف؟ إنْ كان فقير احتراف لا يُحسب ولا يُؤْبه له، وإن كان فقير عجز فله أنْ يجلس في بيته مُعززاً مكرَّماً، والغني هو الذي يذهب إليه ويعطيه حقَّه، فالقادر إذن أصبح في خدمة غير القادر. وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] معنى: {يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] أي: عن دعائي والذلة لي، وإظهار الحاجة إليّ، لذلك قال أهل المعرفة: لا يكُنْ حظك من الدعاء أنْ تُجاب، لكن اجعل حظك من الدعاء ذلةَ محتاجٍ لمن معه الخير، هذه هي معنى العبادة هنا؟ لذلك تجد ربك عز وجل دائماً يُصحِّح لك خطأك في الدعاء: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. فقد تدعو أنت لنفسك بشرٍّ تحسبه خيراً، ومن رحمة الله بك ألاّ يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا مَنْ تُصوِّب خطأ الداعين بألاَّ تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير. وقلنا في ذلك: ما حال المرأة التي نسمعها تدعو على ولدها تقول: إلهي أشرب نارك؟ فمن رحمة الله بها ألاَّ يستجيب لها، إذن في المنع هنا عطاء. لكم لماذا {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو واحداً إلا إذا كنتَ مطيعاً له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل أمر لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر"تفسير : يعني: لا بركة فيه. وعلمنا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى (الرحمن الرحيم) هنا؟ قالوا: ربما كانت عاصياً فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه سبحانه لا يتخلَّى عن عبده حتى لو كان عاصياً، فهؤلاء سيدخلون النار داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أنْ يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار جزاء الاستكبار.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} معناه صاغرونَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن استدعاء الدعاء عن أهل الولاء بقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، يشير إلى أن معنى ادعوني؛ أي: لا تطلبوا مني غيري فإن من كنت له يكون له ما كان لي، وإن من يطلبني يجدني كما قال "حديث : إلا من طلبني وجدني"تفسير : ، ويقال: {ٱدْعُونِيۤ} [غافر: 60] بشرط الدعاء، وشرط الدعاء الأكل من الحلال، وقيل الدعاء مفتاح الحاجة وأسنانه لقم الحلال، ويقال: كل من دعاه استجاب له إما بما سأله أو شيء آخر هو خير له منه، ويقال، الكافر ليس يدعوه؛ لأنه إنما يدعو من له شريك وهو لا شريك له، وكذلك المبتدع من المعطلة أو المشبهة لا يعبدون الله؛ لأنهم إنما يعبدون إلهاً لا صفات له من الحياة والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة بزعمهم، إنما يدعون إلهاً له جوارح وأعضاء من اليد والأصابع والأرجل والساق والعين، والله تعالى منزه عن ذلك فإنه {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]، فأما أهل السنة فيثبتون له ذلك بالصفات لا بالأعضاء والجوارح، ولا يفسرونه ولا يؤدونه ويقرؤونه على ما أراد الله به ويؤمنون به، ويقولون: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما من مؤمن يدعوا الله ويسأله شيئاً إلا أعطاه إما في الدنيا وإما في الآخرة يقول له: هذا ما طلبته في الدنيا وقد ادخرتها لك إلى هذا اليوم، حتى يتمنى العبد انه ليته لم يعط شيئاً في الدنيا ويقال: ادعوني - بالسؤال - استجب لكم بالفضل والنوال، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60]؛ أي: عن دعائي وطلبي، {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ} [غافر: 60] الحرمان والبعد مني، {دَاخِرِينَ} [غافر: 60]؛ أي: ذليلين مهينين مردودين. وبقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [غافر: 61]، يشير إلى ليل البشرية يسكنون أهل الرياضات والمجاهدات فيه إلى استرواح القلوب ساعة فساعة؛ لئلا يمل عن مداومة الذكر والتعبد وحمل أعباء الأمانة، {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} [غافر: 61]؛ أي: نهار الروحانية مظهراً للجد والاجتهاد في الطلب، والتصبر على التعب، وسكون الناس في الليل على أقسام: أهل اللغة: يسكنون إلى استراحة النفوس والأبدان. وأهل الشهوة: يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم في الرجال والنسوان. وأهل الطاعة: يسكنون إلى حلاوة أعمالهم لبسطهم واستقلالهم. وأهل المحبة: يسكنون إلى حنين النفوس، وحنين القلوب، وضراعة الأسرار، واشتغال الأرواح بنار الأشواق، وهم يقدمون القرار في ليلهم ونهارهم أولئك أصحاب الاشتياق أبداً في الاحتراق، {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] الذي جعل سكونكم معه، وأنزع حكم له عن غيره، واشتياقكم إليه، ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه، {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [غافر: 62] الذي يقلبكم في جميع الأحوال من حال إلى حال، ويستعملكم بجميع الأعمال والأقوال، {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] مع رؤية هذه الآيات وكشف البينات إلا بقهر دامغ، وحكم بالغ. {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} [غافر: 63] كما يؤفكون قهر وحكمة، {ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [غافر: 63]، وبقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} [غافر: 64]، يشير إلى أنه تعالى جعل أرض البشرية مقراً للروح، {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} [غافر: 64]؛ أي: سماء الروحانية مبنية عليها، {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} [غافر: 64] بأن جميع أرض البشرية وسماء الروحانية في عالم صوركم، ولم يجمعها في صورة شيء آخر من الملائكة، والجن، والشياطين، والحيوانات، وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]، وفيه إشارة أخرى إلى: إن الله تعالى خلق الأرض لكم استقلالاً ولغيركم طفيلاً وتبعاً؛ لتكون مقركم، والسماء أيضاً خلقها لكم؛ لتكون سقفكم مستقلين به وغيركم تبعاً لكم فيه، {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} [غافر: 64] إذ جعلها مرآة جماله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل جميل من جمال الله وإنما جعل لكم جميلاً ليحبكم"تفسير : ، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله جميل يحب الجمال"تفسير : ، فيه إشارة إلى: تخطئة الملائكة فيما قبحوكم و {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30]، فإن الحسن ليس ما يستحسنه الناس، فإن الحسن ما يستحسنه الحبيب ما حطك الواشون عن رتبة عندي، ولا ضرك مغتاب كأنهم أسنوا، أو لم يعلموا عليك عندي بالذي عابوا خلق الشموس في ضيائها والأقمار في أنوارها، ولم يقل لهما {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} [غافر: 64]، وفيه أن الواشين قبحوا صورتكم عندنا؛ بل الملائكة كتبوا صحيفتكم بقبيح ما ارتكبتم، ومولاكم أحسن صوركم عنده بأن محاسن ديوانكم الزلات، وأثبت في ذلك الحسنات كما قال تعالى {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39] وقال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [غافر: 64]، ليس الطيب ما يستطيبه الخلق، الطيب ما يستطيبه الرب، فإنه طيب لا يقبل إلا طيباً، فالطيب الذي يقبله الله من العبد إذ هو من مكاسب كلام الطيب؛ وهو كلمة "لا إله إلا الله"، كما قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} تفسير : [فاطر: 10]، والطيب الذي هو مواهب الحق تعالى هو تجلي صفات جماله وجلاله، وبها أشار بقوله: {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [غافر: 64]، ثم قال: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [فاطر: 64].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا من لطفه بعباده، ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } أي: ذليلين حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة، جزاء على استكبارهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 853 : 5 : 4 - سفين عن بن جريج عن عطاء قال، لما نزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [الآية 60]. فقالوا: "لو علمنا أي ساعة هي"؟ فنزلت {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}تفسير : [البقرة: 186].

همام الصنعاني

تفسير : 2685- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصور والأعمش، عن ذرّ، عن يسيع الكندي، عن النعمان بن بشير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنَّ الدعاء هو العبادة تفسير : ثم قرأ: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}: [الآية: 60]. 2686- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه قال: لو أن غلاً من أغلال جهنم وضع عَلَى جبلٍ لرهصه حتَّى يبلغ الماء الأسْوَدَ.