Verse. 4194 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اَللہُ الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوْا فِيْہِ وَالنَّہَارَ مُبْصِرًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَذُوْ فَضْلٍ عَلَي النَّاسِ وَ لٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُوْنَ۝۶۱
Allahu allathee jaAAala lakumu allayla litaskunoo feehi waalnnahara mubsiran inna Allaha lathoo fadlin AAala alnnasi walakinna akthara alnnasi la yashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا» إسناد الإبصار إليه مجازيّ لأنه يبصر فيه «إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون» الله فلا يؤمنون.

61

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه، ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصراً، أي: مضيئاَ؛ ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم، ثم قال عز وجل: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلِّ شَىْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تعبدون من الأصنام التي لا تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة منحوتة. وقوله عز وجل: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: كما ضل بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} أي: جعلها لكم مستقراً بساطاً مهاداً، تعيشون عليها وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم {وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً} أي: سقفاً للعالم محفوظاً {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: من المآكل والمشارب في الدنيا، فذكر أنه خالق الدار والسكان والأرزاق؛ فهو الخالق الرازق؛ كما قال تعالى في سورة البقرة: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 21 ــــ 22]. وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال تعالى: {هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: هو الحي أزلاً وأبداً، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا نظير له ولا عديل له {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: موحدين له، مقرين بأنه لا إله إلا هو،{ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين؛ عملاً بهذه الآية. ثم روي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن أبيه عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وقال أبو أسامة وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فقل: لا إله إلا الله، وقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا هشام، يعني: ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهن دبر كل صلاة. ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج ابن أبي عثمان وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: «حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له» تفسير : وذكر تمامه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } إسناد الإِبصار إليه مجازيّ لأنه يبصر فيه {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } الله فلا يؤمنون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لتستريحوا فيه من عمل النهار. الثاني: لتكفوا فيه عن طلب الأرزاق. الثالث: لتحاسبوا فيه أنفسكم على ما عملتم بالنهار. {والنهار مبصراً} فيه وجهان: أحدهما: مبصراً لقدرة الله في خلقه. الثاني: مبصراً لمطالب الأرزاق. قوله عز وجل: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: كذلك يصرف، قاله يحيى. الثاني: كذلك يكذب بالتوحيد، قاله مقاتل. الثالث: كذلك يعدل عن الحق، قاله ابن زيد.

ابن عطية

تفسير : هذا تنبيه من الله تعالى على آيات، وعبر، متى تأملها العاقل أدته إلى توحيد الله والإقرار بربوبيته. وقوله تعالى: {والنهار مبصراً} مجازه يبصر فيه، كما تقول: نهار صائم، وليل قائم. وقوله تعالى: {خالق كل شيء} مخلوق، وما يستحيل أن يكون مخلوقاً كالقرآن والصفات فليس يدخل في هذا العموم، وهذا كما قال تعالى: {أية : تدمر كل شيء} تفسير : [الأحقاف: 25] معناه كل شيء مبعوث لتدميره. وقرأت فرقة: "تؤفكون" بالتاء، وقرأت فرقة: "يؤفكون" بالياء، والمعنى في القراءة الأولى قل لهم. و: {تؤفكون} معناه: تصرفون على طريق النظر والهدى، وهذا تقرير بمعنى التوبيخ والتقريع، ثم قال لنبيه: {كذلك يؤفك} أي على هذه الهيئة وبهذه الصفة صرف الله تعالى الكفار الجاحدين بآيات الله من الأمم المتقدمة على طريق الهدى، ثم بين تعالى نعمته في أن جعل {الأرض قراراً} ومهاداً للعباد، {والسماء بناء} وسقفاً. وقرأ الناس: "صُوركم" بضم الصاد. وقرأ أبو رزين: "صِوركم" بكسر الصاد. وقرأت فرقة: "صوركم" بكسر الواو على نحو بسرة وبسر. وقوله تعالى: {من الطيبات} يريد من المستلذات طعماً ولباساً ومكاسب وغير ذلك، ومتى جاء ذكر {الطيبات} بقرينة {رزقكم} ونحو فهو المستلذ، ومتى جاء بقرينة تحليل أو تحريم كما قال تعالى: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} تفسير : [الأعراف: 32] وكما قال: {أية : ويحل لهم الطيبات} تفسير : [الأعراف: 157] والطيبات في مثل هذا: الحلال، وعلى هذا النظر يخرج مذهب مالك رحمه الله في الطيبات والخبائث، وقول الشافعي رحمه الله: إن الطيبات هي المستلذات، والخبائث، هي المستقذرات ضعيف ينكسر بمستلذات محرمة ومستقذرات محللة لا رد له في صدرها، وأما حيث وقعت الطيبات مع الرزق فإنما هي تعديد نعمة فيما يستحسنه البشر، لا سيما هذه الآية التي هي مخاطبة للكفار، فإنما عددت عليهم النعمة التي يعتقدونها نعمة، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} عن عمل النهار، أو لتكفوا عن طلب الرزق أو لتحاسبوا فيه أنفسكم على ما عملتموه بالنهار {مُبْصِراً} لقدرة الله في خلقه، أو لطلب الأرزاق.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} أي لتحصل لكم الراحة فيه بسبب النوم والسكون {والنهار مبصراً} أي لتحصل لكم فيه مكنة التصرف في حوائجكم ومهماتكم {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم} أي ذلكم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم {خالق كل شيء لا إله إلا هو} أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق الأشياء كلها وأنه لا شريك له في ذلك {فأنى تؤفكون} أي فأنى تصرفون عن الحق {كذلك} أي كما أفكنتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك {يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قراراً} أي فراشاً لتستقروا عليها وقيل منزلاً في حال الحياة وبعد الموت {والسماء بناء} أي سقفاً مرفوعاً كالقبة {وصوركم فأحسن صوركم} أي خلقكم فأحسن خلقكم قال ابن عباس خلق ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه {ورزقكم من الطيبات} قيل هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي} وهذا يفيد الحصر أي لا حي إلا هو فوجب أن يحمل ذلك على الذي يمتنع أن يموت امتناعاً تاماً ثابتاً وهو الله تعالى الذي لا يوصف بالحياة الكاملة إلا هو، والحي هو المدرك الفعال لما يريد وهذه إشارة إلى العلم التام والقدرة التامة ولما نبه على هذه الصفات نبه على كمال الوحدانية بقوله {لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} أي فادعوه واحمدوه، قال ابن عباس من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين} وذلك حين دعي إلى الكفر أمره الله تعالى أن يقول ذلك. قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب} يعني أصلكم آدم وقيل يحتمل أن كل إنسان خلق من تراب لأنه خلق من النطفة وهي من الأغذية والأغذية من النبات والنبات من التراب {ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً} يعني أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث الطفولية وهي حالة النمو والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيوخة {ومنكم من يتوفى من قبل} أي من قبل أن يصير شيخاً {ولتبلغوا} أي جميعاً {أجلاً مسمى} أي وقتاً محدود لا تجاوزونه يعني أجل الحياة إلى الموت {ولعلكم تعقلون} أي ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} أي يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته كأنه قال من الاقتدار إذا قضى أمراً كان أهون شيء وأسرعه. قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله} يعني القرآن {أنى يصرفون} أي عن دين الحق وقيل نزلت في القدرية.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ...} الآياتِ، هذا تنبيهٌ على آياتِ اللَّهِ وعِبَرِهِ، متَىٰ تأمَّلَهَا العَاقِلُ أدَّتْهُ إلى توحيدِ اللَّه سبحانه، والإقرارِ برُبُوبيَّتهِ، و{تُؤْفَكُونَ} معناه: تُصْرَفُونَ عن طريقِ النظرِ والهُدَى، {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} أي: على هذه الهيئةِ وبهذهِ الصفةِ صَرَفَ اللَّه تعالى الكُفَّارَ الجاحدينَ بآياتِ اللَّهِ مِنَ الأُمَمِ المتقدِّمةِ عن طريق الهُدَىٰ

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين: الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟!. والثاني: أنه تعالى لما أمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع. فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟. فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق. وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام:1]. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه. واعلم أن ترك الشكر لوجوه: الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها. الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار. والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}. ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ:13] وقول إبليس: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الاعراف:17]. ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كل شيء "لا إله إلا هو" أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟. قوله: {خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: "على الاختصاص". وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: "وكذلك يُؤْفَكُ" أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً...} لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}. قوله: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ. فصل قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا ـ خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}، قيل: من غير رزق الدوابِّ. ثم قال: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإما كثرة الخيرات. ثم قال: "هُوَ الحَيُّ" وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. ثم قال: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} الآيات. سكونُ الناسِ في الليل على أقسام: أهلُ الغفلة يسكنون إلى غفلتهم، وأهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم، وشتّان بين سكونِ غفلةٍ وسكونِ وصلة! قومُ يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقومٌ يسكنون إلى حلاوة أعمالهم؛ لبسطهم واستقلالهم، وقومٌ يعدِمون القرار في ليلهم ونهارهم وأولئك أصحابُ الاشتياق... أبداً في الاحتراق. {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} الذي جعل سكونكم معه، وانزعاجكم له، واشتياقكم إليه، ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} اى لتسكنوا فى حضوركم بما تجدون من روح الملكوت وتستنشقون نفخات الجبروت وفى النهار تشاهدون انوار صفاتى فى أياتى قال بعضهم لتسكنوا فيه الى روح المناجاة والنهار مبصر لتبصروا فيه بوادى القدرة {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} اى قرار لمراقبتكم وطلب مشاهدتى وخدمتى والسّماء لنظركم الى ديوان ملكوتى وصوركم فاحسن صوركم بان البستكم انوار جلالى وجمالى وخلقى وايجادكم بنفسى ونفخت من روحى فيكم الذى حسن الهياكل من حسنه ومن عكس جماله فانه مراة نورى اتجلى منه للاشباح ارزاقه ذكره وصفاء كشوف انواره للارواح والعقول فقوت النفوس من افعاله وقوت القلوب من صفاته وقوت الارواح من ذاته وهو احسن ارزاق اذ قامت به حقائق المحبة وطلائف المعرفة ودقائق التوحيد الا ترى الى رمز الحق فيه بقوله {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ} نفسه عن الاشكال والابعاض والحلول فى الاماكن بقوله {فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} من بركته وتجود العالمين ومن تربيته تكونت الخلايق اجمعون قال ابو سليمان الفراز لمن استقر على طلب الموافقة واجتنب التخطى الى المخالفة قال بعضهم جعل الارض قرار لاوليائه والسماء بناء لملائكته ثم زاد فى وصف عزته وجلاله وحيوته الازلية وبقائه الابدى بقوله {هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بين ان الحياة الحقيقة القدمية له لا لغيرة اذ حييت بحيوته الارواح والاشباح وبه قامت الكاينات والحوادثات لا بذواتها تجلى من حيوته للعدم فاوجد الكل حيا بحيوته ثم نفى عن الكل الالوهية ونفى الحياة الازلية عن الكل فى افراد قدمه عن الكون بقوله لا اله الا هو ثم امر العباد بالعبودية الخالصة له والتضرع اليه بقوله {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} اى مخلصين عن النظر الى الاكوان فى مشاهدة الرحمن ثم حمد نفسه ان لا يعرفه احد سواه بقوله {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} بان لا يعرفنى غيرى قال الواسطى هو الذى احيى القلوب بفوائد انواره وسواطع عزته عن هواجس الهياكل وظلمات الاجسام وقال الحسين هو الذى احيى العالم بنظره فمن لم يكن به وبنظره حبا فهو ميت وان نطق او تحرك وقال الجنيد الحى على الحقيقة من به حياة كل حى.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله الذى جعل} بيافريد {لكم} براى منفعت شما {الليل} شب تيراه را {لتسكنوا فيه} ولتستريحوا فان الليل لكونه باردا رطبا تضعف فيه القوى المحركة ولكونه مظلما يؤدى الى سكون الحواس فتستريح النفس والقوى والحواس بقلة اشغالها واعمالها كما قال ابن هيصم جعل الليل مناسبا للسكون من الحركة لان الحركة على وجهين حركة طبع من الحرارة وحركة اختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس فخلق الليل مظلما لتنسد الحواس وباردا لتسكن الحركة ولذا قيل للبرد القر لاجل أن البرد يقتضى السكون والحر الحركة {والنهار مبصرا} اى مبصرا فيه او به يعنى يبصر به المبصرون الاشياء ولكونه حارا يقوى الحركات فى اكتساب المعاش فاسناد الابصار الى النهار مجاز فيه مبالغة ولقصد المبالغة عدل به عن التعليل الى الحال بان قال مبصرا دون لتبصروا فيه او به يعنى أن نفس النهار لما جعل مبصرا فهم أن النهار لكمال سببيته للابصار وكثرة آثار القوة الباصرة فيه جعل كأنه هو المبصر فان قيل فلم لم يسلك هناك سبيل المبالغة قلنا لأن نعمة النهار لشبهها بالحياة أتم واولى من نعمة الليل التى تشبه الموت فكانت احق بالمبالغة اذا المقام مقام الامتنان ولأن الليل يوصف بالسكون لسكون هوآئه وصفا مجازيا متعارفا فسلوك سبيل المبالغة فيه يوقع الاشتباه كما اشير اليه فى الكشاف ثم اذا حملت الآية على الاحتباك وقيل المراد جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتنتشروا فيه ولتبتغوا من فضل الله فحذف من الاول بقرينة الثانى ومن الثانى بقرينة الاول لم يحتج الى ما ذكر كذا افاده سعدى المفتى قال بعضهم جعل الليل لتسكنوا فيه الى روح المناجاة والنهار مبصرا لتبصروا فيه بوادى القدرة وفيه اشارة الى ليل البشرية ليسكن اهل الرياضات والمجاهدات فيه الى استرواح القلوب ساعة فساعة لئلا يمل من مداومة لذكر والتعبد وحمل اعباء الامانة والى نهار الروحانية لجعله مظهرا للجد والاجتهاد فى الطلب والتصبر على التعب وسكون الناس فى الليل على اقسام. اهل الغفلة يسكنون الى استراحة النفوس والابدان. واهل الشهوة يسكنون الى مثالهم من الرجال والنسوان. واهل الطاعة يسكنون الى حلاوة اعمالهم وبسطهم واستقلالهم واهل المحبة يسكنون الى انين النفوس وحنين القلوب وضراعة الاسرار واشتعال الارواح بنار الشوق وهم يعدمون القرار فى ليلهم ونهارهم اولئك اصحاب الاشتياق ابدا فى الاحتراق شعر : هركه از درد خدا آكاه شد ذكر وفكرش دائما الله شد تفسير : {ان الله لذو فضل} عظيم {على الناس} بخلق الليل والنهار لا يوازيه فضل ولا يدانيه {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} تكرير الناس لتنصيص تخصيص الكفران بهم بايقاعه على صريح اسمهم الظاهر الموضوع موضع الضمير الدال على أن ذلك كان شأن الانسان وخاصته فى الغالب اى لا يشكرون فضل الله واحسانه لجهلهم بالمنعم واغفالهم مواضع النعم اى رفعة شأنها وعلو قدرها واذا فقدوا شيئا منها يعرفون قدرها مثل ان يتفق لبعض والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة فى بئر عميق مظلم مدة مديدة فانه حينئذ يعرف قدر نعمة الهوآء الصافى وقدر نعمة الضوء شعر : يكى راعسس دست بربسته بود همه شب بريشان ودلختسه بود بكوش آمدش درشب تيره ربك كه شخصى همى نالد ازدست تنك شنيد اين سخن دزدمسكين وكفت زبيجاركى جند نالى بخفت بروشكر يزدان كن اى تنك دست كه دستت عسس تنك برهم بنست تفسير : يعنى فلك القدرة على الكسب شعر : نداند كسى قدر روز خوشى مكر روزى افتد بسختى كشى زمستان درويش بس تنك سال جه سهلست بيش خداوند مال جه دانند جيحونيان قدر آب زواماند كان برس در آفتاب كسى قيمت تندرستى شناخت كه يكجند بيجاره در تب كداخت ببانك دهل خواجه بيدار كشت جه داند شب باسبان جون كذشت

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {الله الذي جعلَ لكم الليلَ لتسكنوا فيه} بأن خلقه مظلماً بارداً، تقلّ فيه الحركات فتستريح فيه الجوارح، {و} جعل {النهارَ مبصراً} أي: مبصَراً فيه. فأسند الإبصار إلى النهار، مجازاً، والأصل في الحقيقة لأهل النهار. وقرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال، ولم يكونا حالين أو مفعولاً لهما؛ رعايةً لحق المقابلة، لأنهما متقابلان معنىً؛ لأن الليل مقابل النهار، فلما تقابلا معنىً تقابلا لفظاً، مع أن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، ولأنه لو قيل: لتُبصروا فيه؛ فاتت الفصاحة التي في الإسناد مجازي، ولو قيل: "ساكناً" لم تتميز الحقيقة من المجاز، إذ الليل يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج، أي: ساكن لا ريحَ فيه. {إِنَّ الله لذو فضلٍ} عظيم {على الناس}، حيث تفضَّل عليهم بهذه النعم الجسيمة، وإنما لم يقل: المتفضل؛ لأن المراد تكثير الفضل، وأنه فضله لا يوازيه فضل، فالتنكير للتعظيم. {ولكنَّ أكثرَ الناس لا يشكرون}؛ لجهلهم بالمنعم، وإغفالهم مواضع النعم. وتكرير الناس، ولم يقل: أكثرهم؛ لتخصيص الكفران بهم، وأنهم هم الذين من شأنهم الكفران، كقوله: {أية : إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} تفسير : [الحج: 66]. {ذلكمُ الله} أي: ذلكم المنفرد بالأفعال المقتضية للألوهية، من خلق الليل والنهار؛ هو الله {ربكُم} لا ربّاً غيره، {خالقُ كل شيء لا إِله إِلا هو} أخبار مترادفة، أي: الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية، وإيجاد الأشياء، والوحدانية، {فأنَّى تُؤفكون} أي: فكيف، ومِن أيّ وجه تُصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان؟! {كذلك يُؤفك الذين كانوا بآياتِ الله يجحدون} أي: مثل ذلك الإفك العجيب، الذي لا وجه له، ولا مصحح له أصلاً، يُؤفك كلُّ مَن جحد بآياته تعالى من غير تروٍّ ولا تأمُّل. ثم ذكر فضله المتعلق بالمكان، بعد بيان فضله المتعلق بالزمان، فقال: {الله الذي جعل لكم الأرضَ قراراً}؛ مستقراً تستقرون عليها بأقدامكم ومساكنكم، {والسماء بناءً}؛ سقفاً فوقكم، كالدنيا بيت سقفه السماء، مزيّناً بالمصابيح، وبساطه الأرض، مشتملة على ما يحتاج إليه أهل البيت. {وصوَّركم فأحسنَ صُورَكم}، هذا بيان لفضله المتعلق بالأجسام، أي: صوّركم أحسن تصوير، حيث جعلكم مُنتصِبَ القامة، باديَ البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيئاً لمناولة الصنائع واكتساب الكمالات. قيل: لمْ يخلق الله حيواناً أحسن صورة من الإنسان. {ورزقكم من الطيبات} أي: اللذائذ، {ذلكم الله ربكم} أي: ذلكم المنعوت بتلك النعوت الجليلة، هو المستحق للربوبية، {فتبارك الله} أي: تعالى بذاته وصفاته {ربُّ العالمين} أي: مالكهم ومربيهم، والكل تحت قدرته مفتقر إليه في إيجاده وإمداده؛ إذ لو انقطع إمداده لانْهَدَ الوجود. {هو الحيُّ}؛ المنفرد بالحياة الذاتية الحقيقية، {لا إِله إِلا هو}؛ إذْ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله، {فادعوه}؛ فاعبدوه {مخلِصين له الدينَ} أي: الطاعة من الشرك والرياء، وقولوا: {الحمد لله ربِّ العالمين}. عن ابن عباس رضي الله عنه: مَن قال "لا إله إلا الله" فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين. الإشارة: الله هو الذي جعل ليل القبض لتسْكنوا فيه عند الله، ونهار البسط لتُبصروا نعم الله، فتشكروا لتبتغوا زيادة فضله، وجعل أرض النفوس قراراً لقيام وظائف العبودية، وسماء الأرواح مرقى لشهود عظمة الربوبية. قال القشيري: سكونُ الناس بالليل ـ أي: الحسي ـ على أقسام: فأهل الغفلة يسكنون مع غفلتهم، وأهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم، فشتّان بين سكون غفلةٍ، وسكونِ وصلة، وقومٌ يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقومٌ إلى حلاوة أعمالهم، وبسطهم، واستقبالهم، وقومٌ يعدِمون القرار في ليلهم ونهارهم ـ أي: لا يسكنون إلى شيء ـ أولئك أصحابُ الاشتياق، أبداً في الإحراق هـ. وقوله تعالى: {وصَوَّرَكُم} أي: صَوَّر أشباحكم، فأحسن صورتها، حيث بهَّجها بأنوار معرفته. قال الورتجبي: فأحْسن صُوَرَكم بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالي، واتخاذِكم بنفسي، ونفخت من روحي فيكم، الذي أحسن الهياكل مِن حسنه، ومِن عكْس جماله، فإنه مرآة نوري الجلي للأشباح. هـ. قال القشيري: خَلَقَ العرشَ والكرسي والسمواتِ والأرض، وجميع المخلوقات، ولم يقل في شيء منها: فأحسن صورها، بل قاله لمّا خلق هذا الإنسان، وليس الحَسَنَ ما يستحسنه الناسُ، ولكن الحسنُ ما يستحسنه الحبيبُ، وأنشدوا: شعر : مَا حَطَّكَ الْوَاشُونَ عَن رُتبةٍ عنْدِي، ولاَ ضَرَّكَ مُغْتَابُ كأَنَّهم أَثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا عَلَيْكَ عِنْدِيَ بِالَّذِي عَابوا تفسير : لم يَقُلْ للشمس في عُلاها، ولا للأقمار في ضيائها: (فأَحسنَ صُوَرَكم) ولما انتهى إلينا قال: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]. ثم قال: وكما أحسن صُوركم محى من ديوانكم الزلاّت، وأثبت الحسنات، قال الله تعالى: {أية : يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ وُيُثْبِتُ} تفسير : [الرعد: 39] هـ. قوله تعالى: {ورزقكم من الطيبات} لذيذ المشاهدة، وأنس الوصلة. وقوله تعالى: {هو الحي} الحياة عند المتكلمين لا تتعلق بشيء، وعند الصوفية تتعلق بالأشياء؛ إذ لا قيام لها إلا بأسرار معاني ذاته، ومَن تحققت حياته من الأولياء بحياة الله، بحيث كان له نور يمشي به في الناس، كان كل مَن لقيه حييت روحه بمعرفة الله، ولذلك يضم الشيخُ المريدَ إليه، إن رآه لم ينهض حاله، ليسري حاله فيه، يأخذون ذلك من ضم جبريل للنبي عليهما السلام. وبالله التوفيق. ولَمَّا كان صلى الله عليه وسلم بين أظهر المشركين، نهى عن أن يتصف بصفاتهم، فقال: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه بأنه {الله الذي جعل لكم} معاشر الخلق {الليل} وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني {لتسكنوا فيه} أي وغرضه منه سكونكم واستراحتكم فيه من كد النهار وتعبه {وجعل لكم النهار} أيضاً وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس {مبصراً} تبصرون فيه مواضع حاجاتكم فجعله (مبصراً) لما كان يبصرون فيه المبصرون. ثم اخبر تعالى {إن الله لذو فضل} أي لذو زيادة كثيرة من نعمه {على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} نعمه أي لا يعترفون بها بل يجحدونها ويكفرون بها. ثم قال مخاطباً لخلقه {ذلكم الله} يعني الذي قدم وصفه لكم هو الذي خلقكم {ربكم خالق كل شيء} من مقدوراته من السموات والارض وما بينهما مما لا يقدر عليه سواه {لا إله إلا هو} أي لا يستحق العبادة سواه تعالى {فأنى تؤفكون} أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وضوح الدلالة على توحيده، ثم قال مثل ما انقلب وانصرف هؤلاء {كذلك يؤفك} أي يصرف {الذين كانوا بآيات الله يجحدون} ومعناه كما خدع هؤلاء بما كذب لهم كذب من كان قبلهم من الكفار {الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي بدلالات الله وبيّناته، ولا يفكرون فيها. ثم عاد إلى ذكر صفاته تعالى فقال {الله الذى جعل لكم الأرض قراراً} أي هيأها لكم بحيث تستقرون عليها {والسماء بناء} أي وجعل السماء بناء مرتفعاً فوقنا ولو جعلهما رتقاً لما أمكن الخلق الانتفاع في ما بينهما. ثم قال {وصوركم فأحسن صوركم} لان صور ابن آدم أحسن من صور الحيوان. والصور جمع صورة مثل سورة وسور {ورزقكم من الطيبات} لأنه ليس لشيء من الحيوان من الطيبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله لابن آدم، فان انواع الطيبات واللذات التي خلقها الله لهم لا تحصى لكثرتها من الثمار وفنون النبات واللحوم وغير ذلك. ثم قال {ذلكم} يعني الذى تقدم وصفه هو الذى يحق له العبادة على الحقيقة وهو {الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} أي جل بأنه الثابت الدائم الذى لم يزل ولا يزال. ثم قال {هو الحي} ومعناه الحي على الاطلاق هو الذى يستحق الوصف بأنه حي لا إلى اجل {لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إذا قال احدكم {لآإله إلا الله وحده} فليقل في آخرها {الحمد لله رب العالمين}.

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} الجملة مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وتعداد لنعمه تعالى على العباد فى مقام التّعليل {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} قد سبق الآية مع بيانها فى سورة يونس (ع) {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} بحسب مقاماتهم النّباتيّة والحيوانيّة والانسانيّة {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} نعمه وفضله عليهم لانكار بعضهم مبدءً عليماً قديراً ذا عنايةٍ بالخلق، وعدم تفطّن بعضهم بكون النّعم منه، وعدم تفطّن بعضهم بنفس النّعمة، وغفلة بعضهم عن المنعم والنّعمة.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} يعني لتستقرّوا فيه من النصب. {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} أي: مضيئاً. {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي: لا يؤمنون. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: فيكف تصرفون عن الهدى. قال: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} أي: يُصَد، {الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}. قوله: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا} مثل قوله: (بِسَاطاً)، و (فِرَاشاً) و (مِهَاداً) {وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} أي: جعل صوركم أحسن من صور البهائم والطيور. {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}. [قال السدي، يقول: جعل رِزقكم أطيب من رزق الدواب والطير والجن]. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} تبارك من البركة، كقوله: (تَعَالَى) من العلوّ، أي: ارتفع.

اطفيش

تفسير : {اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} لا غيره فوحدوه أي لتستريحوا فيه خلقه الله بارداً مظلماً ليؤدي الى ضعف الحركة وهدوء الحواس؛ {وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} أي وجعل لكم النهار مبصراً واسناد الابصار لمن في النهار لا للنهار أي تبصرون فيه أو من اسناد ما للمسبب للسبب ومن الاسناد للآلة أي تبصرون به وانما لم يقل والنهار لتبصروا أو ليبصروا كما قال لتسكنوا ولم يقل جعل لكم الليل ساكنين فيه أو ساكنا كما قال والنهار مبصر لان الحال يفيد التعليل ككلام ومبصر حال والمفعول الثاني محذوف أي لكم وقيل (مبصر) مفعول ثان وأيضاً لو قيل لتبصروا فيه فأتت فصاحة الاسناد المجازى ولو قال (ساكناً) لم تتميز الحقيقة والمجاز لأن الليل يوصف بالسكون حقيقة فلا يدرى ساكناً هو على الحقيقة أو ساكنين فيه على المجاز وأيضاً في اسناد الابصار الى النهار مبالغة وكأنه لقوة الابصار فيه مبصر بنفسه وقوة الابصار فيه زيادة في النعمة أو لم يقل جعل لكم الليل ساكناً لان المبالغة في السكون غير مطلوبة لانه ينبغى ترك السكون في بعضه للحركة في العبادة ونحوها ويجوز جعل (مبصراً) بمعنى (مضيئاً) مجازاً وانما جعل النهار مبصراً لنتمكن فيه من قضاء الحوائج* {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ} أي فضل عظيم واسع كثير ولو قال لمتفضل أو لمفضل لم يفد ذلك ولدل على الحدوث* {عَلَى النَّاسِ} متعلق بفضل. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} الله وهم لا يؤمنون به أنه المنعم فضلاً عن الشكر وانما لم يقل (أكثرهم) ليخصص كفران النعمة بهم صراحة.

اطفيش

تفسير : {اللهُ الَّذي جَعَل لَكُم الليْلَ} باغاثة الشمس {لتسْكُنوا فيه} عن الحركة الحسية كالعمل باليدين والرجلين، والحركة المعقولة كحركة القلب، ونظر العين، وهو جامع ضوء البصر، وفى النوم قطع اشتغال القلب عن العمل، فان اشتغاله عمل منه، وتقوى الحواس وسائر البدن بذلك السكون، وناسبه برودة الليل غالبا. {والنَّهار مُبْصراً} مصيرا للناس باصرين، وهو متعد، أسند الإبصار اليه لأنه ظرف للنظر، أو سبب له، ولم يقل جعل لكم الليل مسكنا بوزن مبصرا، ولم يقل والنهار لتبصروا فيه كما قال: {لتسكنوا فيه} فيستوى الكلام فيهما، لأن نعمة النهار أعظم من نعمة الليل، فبولغ فيه، بأن جعل الابصار ساريا فى أجزاء النهار كله، فلم يقل لتبصروا فيه، كما قال: {لتكسنوا فيه} أو لأنهما سواء فدل على فضل الليل بالتقديم، وعلى فضل النهار بتلك المبالغة،فلو قال: لتبصروا فيه لفاتت الفصاحة التى فى الاسناد المجازى الموجود فى مبصرا، وقيل: لو قيل جعل لكم الليل مسكنا على معنى جعل لكم الليل ساكنا على معنى لا ريح فيه، وهو حقيقة عرفية، فيه أو مجازا بهذا المعنى، أو مجازا باسناد السكون، اليه، لأنه محله، أو سببه لم يعلم المراد الا بمقابلته بقوله: {والنهار مبصراً} أو صرح بالسكون فى الليل، لأنه مراد، وعلة بالذات، ورمز بالإبصار فى النهار، لأن العلة ابتغاء الفضل كما فى آية أخرى، أى تستعملون أبصاركم لابتغاء الفضل، وقيل: المراد جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبتغوا من فضله بالتحرك، فحذف من كل واحد ما يناسب ما ذكر فى الآخر احتباكا. {إنَّ الله لذُو فَضل} عظيم لا يوازيه فضل، ولو قال إن الله متفضل لم يفهم هذا المعنى منه {على النَّاس} كلهم بصحة الأبدان، وبالأرزاق، وجميع مصالحهم، الا أن المؤمن يشكر ذلك بالطاعة، والكافر يكفرها بالمعصية، وهو الأكثر {ولكن أكْثر النَّاس لا يَشْكُرون} الله على فضله بالايمان، والعمل لجهلهم، أو لاتباع الهوى، وأظهر الناس ليدل رسوخ الكفر فيهم، كأن علته كونهم ناسا.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } لتستريحوا فيه بأن أغاب سبحانه فيه الشمس فجعله جل شأنه بارداً مظلماً وجعل عز وجل برده سبباً لضعف القوى المحركة وظلمته سبباً لهدو الحواس الظاهرة إلى أشياء أخرى جعلها أسباباً للسكون والراحة {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } يبصر فيه أو به فالنهار إما ظرف زمان للإبصار أو سبب له. وأياً ما كان فإسناد الإبصار له بجعله مبصراً إسناد مجازي لما بينهما من الملابسة، وفيه مبالغة وأنه بلغ الإبصار إلى حد سرى في نهار المبصر، ولذا لم يقل: لتبصروا فيه على طرز ما وقع في قرينه، فإن قيل: لم لم يقل جعل لكم الليل ساكناً ليكون فيه المبالغة المذكورة وتخرج القرينتان مخرجاً واحداً في المبالغة، قلت: أجيب عن ذلك بأن نعمة النهار أتم وأعظم من نعمة الليل فسلك مسلك المبالغة فيها، وتركت الأخرى على الظاهر تنبيهاً على ذلك، وقيل: إن النعمتين فرسا رهان فدل على فضل الأولى بالتقديم وعلى فضل الأخرى بالمبالغة وهو كما ترى، وقيل: لم يقل ذلك لأن الليل يوصف على الحقيقة بالسكون فيقال: ليل ساكن أي لا ريح فيه ولا يبعد أن يكون السكون بهذا المعنى حقيقة عرفية. فلو قيل: ساكناً لم يتميز المراد نظراً إلى الإطلاق وإن تميز نظراً إلى قرينة التقابل. وكان رجحان هذا الأسلوب لأن الكلام المحكم الواضح بنفسه من أول الأمر هو الأصل لا سيما في خطاب ورد في معرض الامتنان للخاصة والعامة، وهم متفاوتون في الفهم والدراية الناقصة والتامة، وفي «الكشف» لما لم يكن الإبصار علة غائية في نفسه بل العلة ابتغاء الفضل كما ورد مصرحاً به في سورة القصص بخلاف السكون والدعة في الليل صرح بذلك في الأول ورمز في الثاني مع إفادة نكتة سرية في الإسناد المجازي. وقال الجلبـي: إذا حملت الآية على الاحتباك، وقيل: المراد جعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه والنهار مبصراً لتنتشروا فيه ولتبتغوا من فضل الله تعالى فحذف من الأول بقرينة الثاني ومن الثاني بقرينة الأول لم يحتج إلى ما ذكر في تعليل ترك المبالغة في القرينة الأولى، وهذا هو المشهور في الآية والله سبحانه وتعالى أعلم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ } لا يوازيه فضل ولقصد الإشعار به لم يقل المفضل {عَلَى ٱلنَّاسِ } برهم وفاجرهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم. وتكرير الناس لتخصيص الكفران / بهم، وذلك من إيقاعه على صريح اسمهم الظاهر الموضوع موضع الضمير الدال على أنه من شأنهم وخاصتهم في الغالب.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون اسم الجلالة بدلاً من {ربكم}في {أية : وَقَال ربُّكُمُ} تفسير : [غافر: 60] اتبع {ربكم} بالاسم العلم ليُقضَى بذلك حقّان: حق استحقاقه أن يطاع بمتقضى الربوبية والعبودية، وحقُّ استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها اسم الذات. ولذلك لم يؤت مع وصف الرب المتقدم بشيء من ذكرِ نعمِهِ ولا كمالاته اجتزاء بمقتضى حق الربوبية، وذكر مع الاسم العلَم بعض إنعامه وإفضاله ثم وُصف الاسم بالموصول وصلته إشارةً إلى بعض صفاته، وإيماءً إلى وجه الأمر بعبادته، وتكون الجملة استنئافاً بيانياً ناشئاً عن تقوية الأمر بدعائه. ويجوز أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول صفة له ويكون الخبر قوله: {أية : ذٰلِكُم الله رَبُّكم}تفسير : [غافر: 64] ويكون جملة {إنَّ الله لَذُو فَضلٍ} معترضة، أو أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصولُ خبراً. واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلاً لأنه أنسب بالتوقيف على سوء شكرهم، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله: {أية : الله الَّذِي جَعَل لكم الأرْضَ قَرَاراً}تفسير : [غافر: 64]، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل لجملة {أية : إنَّ الذين يستَكْبِرون عن عِبَادتي سيدخلون جَهنَّم دَاخِرِين}تفسير : [غافر: 60]، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة الله إذ جعل لهم الليل والنهار. وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم إلى: شاكر نعمة، وكفورها، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى: مؤمن بوحدانية الله، وكافر بها. وهذه الآية للتذكير بنعمة الله تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل في قوله: {لكم} واقتضاه التذييل بقوله: {إنَّ الله لَذُو فَضْلٍ على النَّاسِ ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرون}. وأدمج في التذكير بالنعمة استدلال على انفراده تعالى بالتصرف بالخلق، والتدبير الذي هو مُلازم حقيقة الإِلهية. وابتدىء الاستدلال بدلائل الأكوان العلوية وآثارها الواصلة إلى الأكوان السفلية، وهي مظهر النعمة بالليل والنهار فهما تكوينان عظيمان دالاّن على عظيم قدرة مُكونهما ومنظِّمهما وجاعلهما متعاقبين، فنيطت بهما أكثر مصالح هذا العالم ومصالح أهله، فمن مصالح العالم حصول التعادل بين الضياء والظلمة، والحرارةِ والبرودة لتكون الأرض لائقة بمصالح مَن عليها فتنبت الكلأ وتنضج الثمار، ومن مصالح سكان العالم سكون الإِنسان والحيوان في الليل لاسترداد النشاط العصبي الذي يُعييه عمل الحواس والجسد في النهار، فيعود النشاط إلى المجموع العصبي في الجسد كله وإلى الحواس، ولولا ظلمة الليل لكان النوم غير كامل فكانَ عود النشاط بطيئاً وواهناً ولعاد على القوة العصبية بالانحطاط والاضمحلال في أقرب وقت فلم يتمتع الإنسان بعمر طويل. ومنها انتشار الناس والحيوان في النهار وتبيّن الذوات بالضياء، وبذلك تتم المساعي للناس في أعمالهم التي بها انتظام أمر المجتمع من المدن والبوادي، والحضر والسفر، فإن الإنسان مدني بالطبع، وكادح للعمل والاكتساب، فحاجته للضياء ضرورية ولولا الضياء لكانت تصرفات الناس مضطربة مختبطة. وللتنويه بشأن إبصار الناس في الضياء وكثرة الفوائد الحاصلة لهم من ذلك أُسند الإِبصار إلى النهار على طريقة المجاز العقلي لقوة الملابسة بين الأفعال وزمانها، فأسند إبصار الناس إلى نفس النهار لأنه سبب بعضه وسبب كمال بعض آخر. فأما نعمة السكون في الليل فهي نعمة واحدة هي رجوع النشاط. وفي ذكر الليل والنهار تذكير بآية عظيمة من المخلوقات وهي الشمس التي ينشأ الليل من احتجاب أشعتها عن نصف الكرة الأرضية وينشأ النهار من انتشار شعاعها على النصف المقابل من الكرة الأرضية، ولكن لما كان المقصد الأول من هذه الآية الامتنان ذَكَر الليل والنهار دون الشمس، وقد ذكرت الشمس في آيات أخرى كان الغرض الأهمّ منها الدلالة على عظيم القدرة والوحدانية كقوله: { أية : والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم}تفسير : [الأنعام: 96] ودلت مقابلةُ تعليل إيجاد الليل بعلة سكون الناس فيه، بإسناد الإِبصار إلى ذات النهار على طريقة المجاز العقلي وإنما المبصرون الناس في النهار، على احتباك إذ يفهم من كليهما أن الليل ساكن أيضاً، وأن النهار خُلق ليُبصِرَ الناسُ فيه إذ المنة بهما سواء، فهذا من بديع الإِيجاز مع ما فيه من تفنن أسلوبي الحقيقة والمجاز العقلي. ولم يعكس فيُقَلْ: جَعل لكم الليل ساكناً والنهار لتبصروا فيه، لئلا تفوت صراحة المراد من السكون كيلاً يُتوهم أن سكون الليل هو شدة الظلام فيه كما يقال: ليل سَاج، لقلة الأصوات فيه. وتقدم الكلام على الليل والنهار في سورة [البقرة: 164] عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار}تفسير : ، وفي مواضع أخرى. وجملة {إنَّ الله لَذُو فَضْلٍ على النَّاسِ} اعتراض هو كالتذييل لجملة {الله الَّذِي جَعلَ لكُمُ الليَّلَ لِتَسْكنوا فِيه} لأن الفضل يشمل جعل الليل والنهار وغير ذلك من النعم، ولأن {الناس} يعمّ المخاطبين بقوله: {جَعَلَ لَكُمُ} وغيرَهم من الناس. وتنكير {فضل} للتعظيم لأن نعم الله تعالى عظيمة جليلة ولذلك قال: {لَذُو فَضْلٍ} ولم يقل: لمتفضل، ولا لَمُفْضِل، فعُدل إلى إضافة (ذو) إلى {فضل} لتأتِّي التنكير المشعر بالتعظيم. وعدل عن نحو: له فضل، إلى {لَذُو فَضْلٍ} لما يدل عليه (ذو) من شرف ما يضاف هو إليه. والاستدراك بــــ {لكن} ناشىء عن لازم {ذو فضل على الناس} لأن الشأن أن يشكر الناس ربّهم على فضله فكان أكثرهم كافراً بنعمه، وأيّ كفر للنعمة أعظم من أن يتركوا عبادة خالقهم المتفضلِ عليهم ويعبدوا ما لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً. وخرج بــــ {أكْثَر النَّاسِ} الأقلُّ وهم المؤمنون فإنهم أقل {أية : ولو أعجبك كثرة الخبيث}تفسير : [المائدة: 100]. والعدول عن ضمير (الناس) في قوله: {ولٰكنَّ أكثر النَّاسِ لا يَشْكُرون} إلى الاسم الظاهر ليتكرر لفظ (الناس) عند ذكر عدم الشكر كما ذكر عند التفضل عليهم فيسجل عليهم الكفران بوجه أصرح. وقد علمتَ مما تقدم وجه اختلاف المنفيَّات في قوله: {أية : ولكنَّ أكثر النَّاسِ لا يعْلَمُون} تفسير : [غافر: 57] وقوله: {أية : ولكِنَّ أكثر النَّاس لاَ يؤمنون}تفسير : [غافر: 59] وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}، فقد أُتبع كل غرض أريد إثباته بما يناسب حال منكريه.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} تفسير : [الفرقان: 47] وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الإسراء: 12].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللَّيْلَ} (61) - وَاللهُ الخَالِقُ البَارِئُ الذِي لاَ تَصِحُّ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، هُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِلسُّكُونِ وَالرَّاحَةِ مِنَ الحَرَكَةِ، وَهُوَ الذِي جَعَلَ النَّهَارَ مُضِيئاً لِيَسْتَطِيعَ النَّاسُ فِيهِ الإِبْصَارَ لِيتَصَرَّفُوا فِيهِ فِي طَلَبِ مَعَاشِهِمْ، وَمُزَاوَلَةِ أَعْمَالِهِمْ فَهُوَ المُتَفَضِّلُ عَلَى النَّاسِ بِالنِّعَمِ التِي لاَ تُحْصَى، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْحَدُونَ بِهِذِهِ النِّعَمِ، وَلاَ يَعْتَرِفُونَ بِهَا، وَلاَ يَشْكُرُونَ الخَالِقَ عَلَيْهَا. مُبْصِراً - مُضِيئاً لِيَسْتَطِيعَ النَّاسُ العَمَلَ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يذكر هنا آيتين من آياته الكونية هما آية الليل وآية النهار، الليل نعلمه وهو من مغيب الشمس إلى شروقها، والنهار نعلمه وهو من شروق الشمس إلى غروبها، هذا زمن والزمن وعاء الأحداث، وما دام الزمن وعاءَ الأحداث فلكلِّ حدث زمنٌ يقع فيه. فالحدث الذي يحتاج عملاً له وقت، فحين تعمل بالنهار تتعب جوارحك وتحتاج إلى وقت للراحة، فجعل لك الخالق سبحانه الليل تستريح فيه والنهار تعمل فيه، تستريح بالليل لتستعيد قوتك ونشاطك للعمل في النهار التالي، وهكذا. فإنْ طرأتْ عليك ظروف منعتْك من راحة الليل، فكيف تكون بالنهار؟ تكون متعباً لا توجد لك قوة تعالج بها شيئاً، فكأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا أن من خلقه متقابلات، ومن حُمْق البشر أنْ جعلوها متعاديات، وهي في الحقيقة متكاملات. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4]. وهذا يعني أن لليل مهمة، وللنهار مهمة، وللذكر مهمة، وللأنثى مهمة، فلا تظنوا عداءً بين الليل والنهار، ولا بَيْنَ الذكر والأنثى، فكُلٌّ منهما مكمَّل للآخر وبينهما تساند لا تعاند كما يظن البعض. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 71-72]. وتأمل تذييل الآية هنا وهنا: ففي الليل قال {أية : أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} تفسير : [القصص: 71] لأن الليل تتعطل فيه حاسة البصر، وتبقى الأذن تسمع، وهي آلة الاستدعاء ليلاً، أما في النهار فقال: {أية : أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 72] لأن البصر يكون في النهار. كلمة سرمد، بعض المفسرين يرى أن الليل ليس سرمداً، كذلك النهار بمعنى أنه ليس دائماً مضطرداً، لكن إذا نظرنا إلى حركة الأرض وتعاقُب الليل والنهار وجدنا فيهما سرمدية، لأن الليل حين يغادرنا يذهب إلى آخرين لا أنه سرمد وينتهي. فهما إذن دائمان سرمديان، لكن السرمدية المنفعية هي السرمدية بالنسبة للمكان الواحد، فلهما سرمدية في ذاتهما سرمدية في كل مكان، أمَّا سرمدية المكان الواحد فتنتهي لتبدأ في مكان آخر. لذلك يقول تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] خلفة: يعني يخلف كلّ منهما الآخر، فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، هذا الآن واضح لنا كآية كونية، لكن ماذا عن بَدْء الخَلْق أيّهما كان أولاً وخلفه الآخر؟ قالوا: في البدء خلقهما الله معاً في وقت واحد، لأن الشمس خُلقت مواجهة للأرض، فما كان من الأرض ناحية الشمس كان نهاراً، وما حُجِب عنها في الناحية الأخرى كان ليلاً، ثم دارتْ الأرض في فلكها فتعاقب الليل والنهار، وهذا دليل على كروية الأرض ولو كانت مسطحة ما أمكن ذلك. والعظمة في قوله: {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} [غافر: 61] أي: مُبْصراً فيه، وقديماً كانوا يعتقدون أن شعاع الرؤية يخرج من العين إلى المرئي، إلى أنْ جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم وأثبت عكس ذلك، وبيَّن أن الشعاع يأتي من الشيء المرئي إلى العين فتراه، بدليل أنك لا ترى ما في الظلام وترى ما في النور حتى لو كنتَ أنت في ظلام، لأن الشعاع ينعكس من المرئي فتراه. وعليه فالنهار نفسه (مُبْصراً): {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} [غافر: 61] نعم الله صاحب الفضل والتفضل على الناس جميعاً، لأنه سبحانه أعطاهم بلا حَقٍّ لهم عليه سبحانه، فهو متفضل في الإيجاد من عَدَم، ومتفضل في الإمداد من عُدْم، ومتفضل في التكليف، نعم حتى في التكليف متفضل، كيف؟ قالوا: لأنه حين كلّفك كلّفك بشيء يعود نفعه عليك أنت، ولا ينتفع هو منه بشيء، ثم بعد ذلك جازاك عليه، وجعل لك ثواباً، فكأنه سبحانه تفضَّل عليك في التكليف مرتين. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [غافر: 61] هذا يعني أن القلة هي الشاكرة، ويُعرف الشكر بزيادة النعم، فالشكر وزيادة النعمة متلازمان، وقد وعد الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7].

الجيلاني

تفسير : وكيف يستنكفون ويستكبرون عن عبادة الفاعل على الإطلاق، والمنعم بالاستقلال والاستحقاق مع أنه {ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، المتصف بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، هو {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ} مظلماً بارداً {لِتَسْكُنُواْ} وتستريحوا بلا ضرر وإضرار {فِيهِ} جعل لكم {وَ} لتكتسبوا فيه معايشكم، وتجمعوا حوائجكم {ٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} المنعم المكرم على عباده {إِنَّ ٱللَّهَ} عظيم وكرامة كاملة شاملة {لَذُو فَضْلٍ} عموم {عَلَى} المجبولين على النسيان والكفران {ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [غافر: 61] نعمه، ولا يواظبون على أداء حقوق كرمه، جهلاً منهم بالله، وعناداً مع رسله الهادين إليه. {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ} الذي أفاض عليكم موائد بره وإحسانه، وأظهر عليكم مقتضيات ألوهيته وربوبيته {رَبُّكُمْ} الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم، بعدما أوجدكم من كتم العدم؛ إذ هو {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ومظهره من العدم إظهاراً إبداعياً بمقتضى اختياره واستقلاله، فلكم أن تتوجهوا إليه وتتحنثوا نحوه مخصلين؛ إذ {لاَّ إِلَـٰهَ} يعبد له بالاستحقاق، ويرجع إليه في الخطول على الإطلاق {إِلاَّ هُوَ} الذات الواحدة الموصوفة بالصفات الكاملة، المربية لجميع ما في الكون من العكوس والأظلال المنعكسة منها {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] وتنصرفون عن عبادته أيها الآفكون المنصرفون؟!. فأين تذهبون من بابه أيها الذاهبون الجاهلون، ما لكم كيف تحكمون أيها الضالون المحرومون؟! {كَذَلِكَ} أي: مثل ما سمعت من المجادلة والمكابرة بلا برهان واضح وبيان لائح {يُؤْفَكُ} ويصرف عن طريق الحق عموم المسرفين {ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} ودلائل توحيده {يَجْحَدُونَ} [غافر: 63] وينكرون بلا تأمل وتدبر؛ لينكشف لهم ما فيها من المعارف والحقائق المودعة فيها، فكيف تجحدون بآيات الحكيم العليم أيها الجاحدون الجاهلون، مع أنه سبحانه هو المتفرد بالألوهية والربوبية؟!. إذ {ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد {ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ} أي: عالم الطبيعة والهيولي {قَـرَاراً} تستقرون عليها بمقتضى هويتكم { وَ} رفع لكم {ٱلسَّمَآءَ} أي: عالم الأسماء والصفات {بِنَـآءً} أي: سقفاً محفوظاً رفيعاً، تستفيضون منها الكمالات اللائقة لاستعداداتكم وقابلياتكم الموهوبة لكم من عنده {وَ} بالجملة: {صَوَّرَكُـمْ} من آباء العلويات وأمهات السفليات {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} بأن خلقكم على أعدل الأمزجة وأحسن التقويم؛ لتكونوا قابلين لائقين لخلافة الحق ونيابته. {وَ} بعدما صوركم فأحسن صوركم {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الصورية والمعنوية تقوية وتقويماً لأشباحكم وأرواحكم {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ} الذي سمعتم نبذاً من أوصافه الكاملة ونعمه الشاملة {رَبُّكُـمْ} الذي أظهركم من كتم العدم بمقتضى لطفه، فأنَّى تصرفون عنه وعن توحيده وعبادته أيها المسرفون الضالون، مع ألاَّ رب لكم سواه؟! {فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، العلي ذاته، الجلي بحسب أسمائه وصفاته {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [غافر: 64] على الإطلاق بالاستقلال والاستحقاق لا يعرضه زوال، ولا يطرأ له انقراض واتقال. بل {هُوَ ٱلْحَيُّ} الأزلي الأبدي الدائم، المستغني عن مقدار الزمان ومكيال المكان مطلقاً {لاَ إِلَـٰهَ} في الوجود سواه، ولا موجود يعبد بالحق {إِلاَّ هُوَ} وبعدما سمعتم أيها المكلفون خواص أسمائه وصفاته سبحانه {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ} واعبدوه مخصصين {لَهُ ٱلدِّينَ} أي: العبادة والانقياد؛ إذ لا مستحق للإطاعة والعبادة سواه، وبعدما رجعتم نحوه مخلصلين، وعبدتم له مخصصين، قولوا بلسان الجمع: {ٱلْحَـمْدُ} المستوعب لجميع المحامد الناشئة من ألسنة عموم المظاهر ثابت {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [غافر: 65] لانفراده في الألوهية، واستقلاله في الربوبية بلا توهم الشركة والمظاهرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته، وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء، فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد من العبودية شيئًا، كما لم يستحق من الربوبية شيئًا، وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران -وهما معرفته وعبادته- هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا، فات كل خير، وحضر كل شر. فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال. فقوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ } أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلمًا، { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } من حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضًا، كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. { و } جعل تعالى { النَّهَارَ مُبْصِرًا } منيرًا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برًا وبحرًا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح حيواناته. { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ } أي: عظيم، كما يدل عليه التنكير { عَلَى النَّاسِ } حيث أنعم عليهم بهذه النعم وغيرها، وصرف عنهم النقم، وهذا يوجب عليهم، تمام شكره وذكره، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ } بسبب جهلهم وظلمهم. {أية : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } تفسير : الذين يقرون بنعمة ربهم، ويخضعون للّه، ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه. { ذَلِكُمُ } الذي فعل ما فعل { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي: المنفرد بالإلهية، والمنفرد بالربوبية، لأن انفراده بهذه النعم، من ربوبيته، وإيجابها للشكر، من ألوهيته، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } تقرير أنه المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } تقرير لربوبيته. ثم صرح بالأمر بعبادته فقال: { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان لكم الدليل، وأنار لكم السبيل؟!! { كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ }. تفسير : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا } أي: قارة ساكنة، مهيأة لكل مصالحكم، تتمكنون من حرثها وغرسها، والبناء عليها، والسفر، والإقامة فيها. { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } سقفًا للأرض، التي أنتم فيها، قد جعل الله فيها ما تنتفعون به من الأنوار والعلامات، التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } فليس في جنس الحيوانات، أحسن صورة من بني آدم، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }. تفسير : وإذا أردت أن تعرف حسن الآدمي وكمال حكمة الله تعالى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه، يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر أيضًا، إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور. { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } وهذا شامل لكل طيب، من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، ومنظر، ومسمع، وغير ذلك، من الطيبات التي يسرها الله لعباده، ويسر لهم أسبابها، ومنعهم من الخبائث، التي تضادها، وتضر أبدانهم، وقلوبهم، وأديانهم، { ذَلِكُمُ } الذي دبر الأمور، وأنعم عليكم بهذه النعم { اللَّهُ رَبُّكُمْ } { فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي: تعاظم، وكثر خيره وإحسانه، المربي جميع العالمين بنعمه. { هُوَ الْحَيُّ } الذي له الحياة الكاملة التامة، المستلزمة لما تستلزمه من صفاته الذاتية، التي لا تتم حياته إلا بها، كالسمع، والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، وغير ذلك، من صفات كماله، ونعوت جلاله. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا معبود بحق، إلا وجهه الكريم. { فَادْعُوهُ } وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: اقصدوا بكل عبادة ودعاء وعمل، وجه الله تعالى، فإن الإخلاص، هو المأمور به كما قال تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ }. تفسير : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: جميع المحامد والمدائح والثناء، بالقول كنطق الخلق بذكره، والفعل، كعبادتهم له، كل ذلك للّه تعالى وحده لا شريك له، لكماله في أوصافه وأفعاله، وتمام نعمه.