Verse. 4195 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

ذٰلِكُمُ اللہُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ۝۰ۘ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۡۚ فَاَنّٰى تُؤْفَكُوْنَ۝۶۲
Thalikumu Allahu rabbukum khaliqu kulli shayin la ilaha illa huwa faanna tufakoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هوَ فأنّى تؤفكون» فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.

62

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ }؟ فكيف تصرفون عن الإِيمان مع قيام البرهان؟.

البقاعي

تفسير : ولما ثبت بآية الخافقين وآية الملوين ثبوتاً لا شك فيه أصلاً شمول القدرة بالاختيار، قال معظماً بأداة البعد وميم الجمع: {ذلكم} أي أيها المخاطبون! - الواحد القهار العظيم الشأن الذي علم بما ذكر من أفعاله أنه لا يشاركه أحد {الله} أي الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه أحد, ولذلك قال: {ربكم} أي المربى لكم والمحسن إليكم بقدرته واختياره المتفرد بربوبيتكم لا رب لكم سواه. ولما كان في سياق الامتنان بالنعم للدلالة على الساعة التي ينكرونها ويجادلون في أمرها، قدم الخلق على التهليل فقال: {خالق كل شيء} أي بما ثبت من تمام قدرته بإبداع الخافقين ثائبين والملوين متعاقبين دائبين، ولا مانع له من إعادة الثقلين لأنه {لا إله إلا الله} بل كان ذلك واجباً في الحكمة، لأن المنعم عليهم انقسموا إلى شاكر وكافر، فوجب في الحكمة إقامة الساعة للفصل بينهم، وجاء ذلك على ترتيب مطلع السورة، فإن العزيز ناظر إلى كمال القدرة على الإيجاد والإعدام، والعليم هو المتوحد بكمال الذات، فإن إحاطة العلم تستلزم كل كمال، والقدرة قد لا تستلزم العلم كما للحيوانات العجم، وهذا بخلاف ما مضى في آية الأنعام، فإن السياق هناك لإنكار الشرك وإثبات الوحدانية بما دل عليها من عموم الخلق طبق ما مضى أيضاً في مطلعها. ولما أنتجت هذه الأخبار - التي كل منها مقرر لما قبله بكونه كالعلة له - الوحدانية المطلقة اللازم منها كل كمال، سبب عنها قوله منكراً مبكتاً: {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {تؤفكون *} أي تقلبون عن وجوه الأدلة إلى أقفائها فتعبدون الأوثان وتجادلون في الساعة التي يلزم من الطعن فيها الطعن في الحكمة التي الطعن فيها طعن في الإلهية التي الطعن فيها طعن في وجود هذا الوجود ومكابرة فيه، وذلك مؤدٍ إلى سقوط المتكلم به بكل اعتبار لمكابرته في المشاهد المحسوس، وفي المعقول المركوز في جميع النفوس. ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا يقدم عليه عاقل، كان كأنه قيل: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا؟ فأجيب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الصرف الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء {يؤفك} أي يصرف صرف سيئاً - بناه للمفعول إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان، ولأنه المتعجب منه {الذين كانوا} مطبوعين على أنهم {بآيات الله} أي ذي الجلال والجمال {يجحدون *} أي ينكرون عناداً ومكابرة، فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق فأنكره مع علمه به عوقب بمسخ القلب وعكس الفهم، فصار له الصرف عن وجوه الدلائل إلى أقفائها ديدناً بحيث يموت كافراً إن لم يتداركه الله برحمة منه. ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده، وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند، لأنه سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، دل على ذلك بوجه مركوز في الطبائع صحته، واضح في العقول معرفته، كالمعلل لتسمية هذا الإنكار جحوداً، فقال دالاً بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين، وأخر هذا لأنه مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك، بما حصل فيه من الاختلاف، فقال: {الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {الذي جعل} أي وحده {لكم الأرض} أي مع كونها فراشاً ممهداً {قراراً} مع كونها في غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرته {والسماء} على علوها وسعتها مع كونها افلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة، ينشأ عنها الليل والنهار والإظلام والإبصار {بناء} مظلة كالقبة من غير عماد حامل، ومن المعلوم لكل ذي عقل أن الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض، فلا يمنع بعضها من السقوط على بعض إلا بقوة وقسر، فالآية من الاحتباك: ذكر القرار أولاً دليلاً على الدوران ثانياً، والبناء ثانياً دليلاً على الفراش أولاً. ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالاً على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات، وفاوت بين أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها، ولا تشبه واحدة منها الأخرى، ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال: {وصوركم} والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة مختار لا كما يقول أهل الطبائع {فأحسن صوركم} على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها، وليس فيها صورة تشبه الأخرى لتسدوا انطباع تصويرها إليه، فثبت قطعاً أنه هو المصور سبحانه على غير مثال كما أنه الذي أبدع الموجود كله كذلك. ولما ذكر المسكن والساكن، ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال: {ورزقكم من الطيبات} الشهية الملائمة للطبائع النافعة على وجه لا احتياج معه بوجه، فلا دليل أدل على تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار من هذا التدبير في حفظ المسكن والسقف وتدبير ما به البقاء على وجه يكفي الساكن من جميع الوجوه على مر السنين وتعاقب الأزمان، وبث من الساكن - مع أنه قطعة يسيرة جداً من أديم الأرض - أنسالاً شعبهم شعباً فرعها إلى فروع لا تسعها الأرض، فدبر بحكمته وسعة علمه وقدرته تدبيراً وسع لهم به الأرض، وعمهم به الرزق، كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال: لما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام: إن الأرض لا تسعهم، قال: فإني جاعل موتاً، قالوا: إذا لا يهنأهم العيش، قال: فإني جاعل أملاً. ولما دل هذا قطعاً على التفرد، قال على وجه الإنتاج: {ذلكم} أي الرفيع الدرجات {الله} أي المالك لجميع الملك، ودلهم على ما مضى بتربيتهم وما فيها من بديع الصنائع فقال: {ربكم} أي لا غيره، ولما أفاد هذا الدليل تربية لا مثل لها، دالة على إحاطة العلم وتمام القدرة على وجه لا حاجة معه مع حسنه وثباته تسبب عنه ولا بد قوله: {فتبارك} أي ثبت ثباتاً عظيماً مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض {الله} أي المختص بالكمال، ورقى الخطاب وعظم إيضاحاً للدلالة فقال: {رب العالمين *} كلهم أنتم وغيركم، ثم دل على ما أفاده الدليل معللاً بقوله: {هو} أي وحده {الحي} وكل ما عداه لا حياة له، لأنه ليس له من ذاته إلا العدم، فأنتج ذلك قطعاً قوله: {لا إله إلا هو} فتسبب عنه قوله: {فادعوه} أي وحده بالقول والفعل على وجه العبادة، وذلك معنى {مخلصين له الدين} أي من كل شرك جلي أو خفي. ولما أمر بقصر الهمم عليه، علله بقوله: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وأظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن له من الصفات العلي ما لا ينحصر: {لله} أي المسمى بهذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى لذاته. ولما كان هذا الوجود على ما هو عليه من النظام، وبديع الارتسام، دالاً دلالة قطعية على الحمد، قال واصفاً بما هو كالعلة للعلم بمضمون الخبر: {رب العالمين *} أي الذي رباهم هذه التربية فإنه لا يكون إلا كذلك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال {لا إله إلا الله} فليقل على أثرها {الحمد لله رب العالمين}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلكم} المتفرد بالافعال المقتضية للالوهية والربوبية {الله ربكم خالق كل شىء لا اله الا هو} اخبار مترادفة تخصص السابقة منها اللاحقة وتقررها قال فى كشف الاسرار كل ههنا بمعنى البعض وقيل عام خص منه مالا يدخل فى الحق {فانى تؤفكون} فكيف ومن اى وجه تصرفون عن عبادته خاصة الى عبادة غيره

الجنابذي

تفسير : {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ} الموصوف بانعام تلك النّعم {رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اثبت اوّلاً ربوبيّته لهم حتّى يتنبّهوا بانّه المستحقّ للعبادة دون غيره الّذى لم يكن له سمة الرّبوبيّة ثمّ ذكر خالقيّته لكلّ الاشياء، ومنها معبوداتهم، ثمّ حصر الالهة فيه نفياً لالهة معبوداتهم بعد ما اشار الى عنايته بخلقه وافضاله عليهم ليظهر بطلان انصرافهم الى غيره قبل انكار الانصراف {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ} الصّرف مع وضوح بطلانه {يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ} فى مقام ابدانكم ومقام ارواحكم {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} فى كلا المقامين {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} من الارزاق الطّيّبة النّباتيّة الارضيّة فانّ رزق مقام نبات الانسان اطيب ارزاق سائر الحيوان بحسب الشّرف واللّطف واللّذّة والنّصح، ومن الارزاق الطّيّبة الحيوانيّة الارضيّة والسّماويّة فانّ رزق الحيوان هو الالتذاذ بغذاء النّبات والالتذاذ بادراك مدارك الحيوان ومن الارزاق الطّيّبة الانسانيّة السّماويّة من العلوم والمكاشفات والمعاينات والتّحقّق بالحقائق {ذَلِكُمُ} الموصوف بتلك الاوصاف {ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} مدح نفسه على خلق الانسان وتهيّة رزقه بحسب جملة مقاماته من ألطف المأكول والمشروب والمدرك والمتخيّل والمعلوم والمكشوف لانّ فى خلقه دقائق عظيمة عديدةً وصنائع متقنة وحكماً بالغة يعجز عن ادراكها العقول، وكذا فى تهيّة اسباب رزقه بحسب مقاماته الثّلاثة.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} الاشارة الى المعلوم التمييز بالافعال الخاصة التى لا يشاركه فيها أحد (والله) خبر أول (ورب) خبر ثان (وخلق) خبر ثالث (ولا اله الا هو) خبر رابع أي هو الجامع لهذه الاوصاف الالوهية والربوبية وخلق كل شيء والوحدانية وكل واحد مقرر لما قبله ومخصص وقرئ بالنصب فقيل على الاختصاص ويضعفه انه لم يتقدم ضمير بمعناه بل ظاهر وانه لم تقرن بأل ولعله منصوب على المدح والحمد أو حال من الخبر لأن المبتدأ اسم اشارة وعلى النصب فجملة {لا اله الا هو} مستأنفة* {فَأَنَّى} أي كيف حال من (واو)* {تُؤْفَكُونَ} أي تصرفون عن الحق والايمان مع قيام البرهان عليه وقيل ظرف أي من أين أي من أي جهة يصرفكم الشيطان والنفس وأعوانهما عن الايمان الى الشرك وقرئ (يؤفكون) بالمثناة التحتية

اطفيش

تفسير : {ذلكُم} أى الذى جعل الليل ساكنا والنهار مبصرا، وتفضل على الناس، ومن لم يكن كذلك لم يكن الها {الله ربُّكم خَالِقُ كلِّ شيءٍ لا إله إلاّ هُو} أخبار أربعة الأخير جملة أو الله بدل، أو بيان والخبر ربكم وخالق ولا اله الا هو، أو الجملة هذه مستأنفة وقدم خالق كل شىء على لا اله الا هو هنا لا فى الأنعام، لأن ما هنا رد على منكرى البعث، والقدرة على الخلق حجة للقدرة على البعث كذا قيل {فأنَّى} كيف، أو من أى جهة {تُؤفَكُون} تصرفون أو تقبلون عن عبادة الله الى عبادة ما لا حجة فيه، وانما الحجة على بطلانه.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكُمُ} المتصف بالصفات المذكورة المقتضية للألوهية والربوبية {ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلّ شَىْء لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أخبار مترادفة تخصص اللاحقة [منها] السابقة وتقلل اشتراكها في المفهوم نظراً إلى أصل الوضع وتقررها، وجوز في بعضها الوصفية والبدلية، وأخر {خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء } عن {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [الأنعام: 102] في آية سورة الأنعام، وقدم هنا لما أن المقصود هٰهنا على ما قيل الرد على منكري البعث فناسب تقديم ما يدل عليه، وهو أنه منه سبحانه وتعالى مبدأ كل شيء فكذا إعادته. وقرأ زيد بن علي {خالق} بالنصب على الاختصاص أي أعني أو أخص خالق كل شيء فيكون {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } استئنافاً بما هو كالنتيجة للأوصاف المذكورة فكأنه قيل: الله تعالى متصف بما ذكر من الصفات ولا إله إلا من اتصف بها فلا إله إلا هو. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف ومن أي جهة تصرفون من عبادته سبحانه إلى عبادة غيره عز وجل. وقرأ طلحة في رواية {يؤفكون} بياء الغيبة.

ابن عاشور

تفسير : اتصل الكلام على دلائِل التفرد بالإِلهية من قوله: {أية : ذٰلِكُمُ الله رَبُّكُم خٰلِقُ كلِّ شَيءٍ} تفسير : [غافر: 62] إلى قوله: {أية : مُخْلِصين له الدِّينَ}تفسير : [غافر: 65] اتصالَ الأدلة بالمستدل عليه. والإِشارة بــــ {ذلكم} إلى اسم الجلالة في قوله: {أية : الله الَّذِي جَعَلَ لَكُم الليْلَ لِتَسْكنوا فِيه}تفسير : [غافر: 61]. وعدل عن الضمير إلى اسم الإِشارة لإِفادة أنه تعالى معلوم متميز بأفعاله المنفرد بها بحيث إذا ذكرت أفعاله تميز عما سواه فصار كالمشاهد المشار إليه، فكيف تلتبس إلهيته بإلهية مزعومة للأصنام فليست للذين أشركوا به شبهة تلبِّس عليهم ما لا يفعلُ مثلَ فعله، أي ذلكم ربكم لا غيره وفي اسم الإِشارة هذا تعريض بغباوة المخاطبين الذين التبست عليهم حقيقة إلهيته. وقوله: {الله رَبُّكم خٰلِقُ كل شَيْءٍ لا إلٰه إلا هُو} أخبار أربعة عن اسم الإِشارة، ابتدىء فيها بالاسم الجامع لصفات الإِلهية إجمالاً، وأردف بــــ {ربكم} أي الذي دبر خلق الناس وهيّأ لهم ما به قوام حياتهم. ولما كان في معنى الربوبية من معنى الخلق ما هو خَلْق خاص بالبشر بأنه خالق الأشياء كلها كما خلقهم، وأردف بنفي الإِلهية عن غيره فجاءت مضامين هذه الأخبار الأربعة مترتبة بطريقة الترقّي، وكان رابعها نتيجة لها، ثم فرع عليها استفهام تعجيبي من انصرافهم عن عبادته إلى جانب عبادة غيره مع وضوح فساد إعراضهم عن عبادته. و {أَنَّى} اسم استفهام عن الكيفية، وأصله استفهام عن المكان فإذا جعلوا الحالة في معنى الجانب ومثار الشيء استفهموا بــــ (أنّى) عن الحالة ويشعر بذلك قوله تعالى: { أية : أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة}تفسير : في سورة [الأنعام: 101]. و{تؤفكون} تُصرفون، وتقدم في قوله تعالى: {أية : قاتلهم اللَّه أنّى يؤفكون}تفسير : في سورة [براءة: 30]، وبناؤه للمجهول لإِجمال بسبب إعراضهم إذ سيُبين بحاصل الجملة بعده.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِقُ} (62) - وَالذِي فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَغْدَقَ عَلَيْكُم النِّعَمَ التِي لاَ تُحْصَى، هُوَ اللهُ، وَهُوَ رَبُّكُم الوَاحِدُ الأَحَدُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ َفَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ تَعَالَى، وَتَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {ذَٰلِكُمُ} [غافر: 62] إشارة إليه سبحانه. أي: الذي فعل لكم كذا وكذا، وتفضَّل عليكم هو الله ربكم {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] وهذه مسألة لم ينكرها أحد، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [غافر: 62] هكذا حكم بها الحق سبحانه لنفسه بأنه لا إله إلا هو. إذن: فأنت تؤمن بالله، والله سبحانه آمن بذاته، وشهد لنفسه بهذا، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو قبل أنْ يشهد بها أحد، لذلك يطلق سبحانه كلمة كُنْ، ويعلم أنها نافذة لأنها كلمته وليس لها معارض، وليس هناك إله آخر يردّها أو يُعدِّلها أو يعترض عليها. قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [آل عمران: 18] قالوا: شهد الله لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادةَ المشهد، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال. والحق سبحانه ساعة يقول {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] يطلقها هكذا قضية عامة على إطلاقها، نقول: إما أنْ تكون قضية صادقة أو غير ذلك - وحاشا لله - فإنْ كانت صادقة فقد ثبتت الحجة، وإنْ كانت غير ذلك فأين خالق كل شيء؟ أين خالق هذا الكون إذا لم يكُنْ الله هو خالقه؟ مَنْ هو؟ ولماذا سكت ولم يخبر عن نفسه؟ إنْ كان لا يدري بوجود الله فهو إله نائم غافل لا يصلح للألوهية، وإنْ كان يدري بوجود الله الذي أخبر هذا الخبر ولم يعارضه فهو عاجز، والإله لا يكون أبداً عاجزاً. لذلك قال سبحانهُ مؤكِّداً على صحة هذه القضية: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] يعني: لذهبوا إلى الإله الحق ليناقشوه كيف أخذ منهم الخَلْق؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ وهذا لم يحدث. وقوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] أي: تُصرفون عن الحق الذي يقول به العقل وتثبته الحجج والبراهين والواقع، فالحق في هذه القضية واضح، وقد أطلقت هذه القضية وأخبرت بها ولم يَقُمْ لها معارض، ولم يدَّعها أحدٌ لنفسه، ومعلوم أن القضية تثبت لصاحبها ما دام ليس لها معارضٌ. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن جماعة جلسوا في مكان، ولما انصرفوا وجد صاحب المكان محفظة نقود فقال لخادمه: ابحث عن صاحب هذه المحفظة، فأخذ الخادم يتصل بهم واحداً واحداً فلم يقُلْ أحد منهم أنها لي، ثم طرق البابَ واحدٌ منهم. وقال: والله لقد نسيتُ محفظتي هنا، فلمن تكون إذن؟ تكون لمن ادَّعاها إلى أنْ يظهر مُدَّعٍ آخر. وقوله: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [غافر: 63] أي: يُصرفون عن هذا الحق الواضح البيِّن، ومعنى يجحدون الآيات. أي: ينكرونها كِبراً واستعلاءً، فهم لا يجحدونها ولا ينكرونها لدليل عندهم ولا لمنطق يعتمدون عليه، إنما يجحدونها لأنها آياتُ الله وهم لا يريدون الله، ولا يريدون منهج الله. إنهم يخافون هذا المنهج الذي يؤدّب حركتهم في الحياة ويُقيد شهواتهم، إنهم يريدون أنْ ينطلقوا في الحياة بشراسة القوة والبطش بالناس وبشراسة الشهوات التي لا ضابط لها، فجحود الآيات هو سبب الانصراف عن الحق، فكأنه أمر غير طبيعي منهم. لذلك رأينا كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبداً بلا إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها تماماً ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تُقال لَقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رَأْيَ إلا لله، ولا حكم ولا خضوع إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟ وكلمة {يُؤْفَكُ} [غافر: 63] من الإفك، وهو الكذب وقَلْب الحقائق، والكذب أنْ تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] المؤتفكة: هي القرى التي قَلَبها الله رأساً على عقب، كذلك الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود. وقوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] أي: تُصرفون عن الحق الواضح كأن هذا أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أنْ يقف الإنسان أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور فطرية أولاً، إنما ضَبَّب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن. فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكَّروا في هذه المسائل، وتوصَّلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه. لذلك تجد مثلاً الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه (أرسطودين) وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماماً. قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس .. إلخ. قال: فلماذا خُلِق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خَلْقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا. أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد به تتكلم وتعبِّر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صِغَر حجمه تتذوَّق به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذَّ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ به يلفظه وكأنه (كنترول) على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ويُرغِّبك فيه، لأن به استبقاءَ الحياة والقوة التي نُحقِّق بها مطلوب الله منَّا. ثم ألا ترى حكمة في قُرْب مدخل الطعام من الأنف الذي يشمُّ، والعين التي تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شَمِّ رائحته قبل أنْ تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جَفْناً ينقبض، وينفتح حسب إرادتك، وفوق العين حاجبٌ يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتُطهِّرها كما تفعل (المسَّاحة) التي تمسح زجاج السيارة. والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونُوظف حاسة الشم عند الكلب مثلاً للكشف عن الجرائم والمجرمين. هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسانٌ صَفَتْ نفسُه، وسلمت فطرته، فتوصَّل إلى الحق بقليل من التأمل. إذن: فقوله تعالى {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا عن الحق وهو واضح. لذلك قال تعالى في سورة البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 28] هذا استفهام تعجبيّ إنكاريّ، يعني: قولوا لنا كيف يتأتى منكم الكفر مع وجود هذه الآيات الواضحات الدالة على قدرة الله تعالى؟