٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته إما أن تكون من دلائل الآفاق أو من باب دلائل الأنفس، أما دلائل الآفاق فالمراد كل ما هو غير الإنسان من كل هذا العالم وهي أقسام كثيرة، والمذكور منها في هذه الآية أقسام منها أحوال الليل والنهار وقد سبق ذكره وثانيها: الأرض والسماء وهو المراد من قوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَاء بِنَـاء } قال ابن عباس في قوله {قَـرَاراً } أي منزلاً في حال الحياة وبعد الموت {وَٱلسَّمَاء بِنَاء } كالقبة المضروبة على الأرض، وقيل مسك الأرض بلا عمد حتى أمكن التصرف عليها {وَٱلسَّمَاء بِنَاء } أي قائماً ثابتاً وإلا لوقعت علينا، وأما دلائل الأنفس فالمراد منها دلالة أحوال بدن الإنسان ودلالة أحوال نفسه على وجود الصانع القادر الحكيم، والمذكور منها في هذه الآية قسمان أحدها: ما هو حاصل مشاهد حال كما حاله والثاني: ما كان حاصلاً في ابتداء خلقته وتكوينه. أما القسم الأول: فأنواع كثيرة والمذكور منها في هذه الآية أنواع ثلاثة أولها: حدوث صورته وهو المراد من قوله {وَصَوَّرَكُمْ } وثانيها: حسن صورته وهو المراد من قوله {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }، وثالثها: أنه رزقه من الطيبات وهو المراد من قوله {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } وقد أطنبنا في تفسير هذه الأشياء في هذا الكتاب مراراً لا سيما في تفسير قوله تعالى {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] ولما ذكر الله تعالى هذه الدلائل الخمسة اثنين من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وتفسير تبارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات، ثم قال: {هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو، فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعاً ذاتياً وحينئذٍ لا حي إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم. واعلم أن الحي عبارة عن الدراك الفعال والدراك إشارة إلى العلم التام، والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة، ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي: الوحدانية بقوله لا إله إلا هو، ولما وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها: بالدعاء والثاني: بالإخلاص فيه، فقال: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } ثم قال: {الحمد لله رب العالمين} فيجوز أن يكون المراد قول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولما بيّـن صفات الجلال والعظمة قال: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فأورد ذلك على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبيّـن أن وجه النهي في ذلك ما جاءه من البينات، وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل. ولما بيّـن أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه إلا الأفضل الأكمل، فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه، ثم قال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ }. واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس، أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه الآية أربعة: الليل والنهار والأرض والسماء، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها: الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة، والمذكور ههنا منها ثلاثة أنواع: الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات. وأما القسم الثاني: وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } فقيل المراد آدم، وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان، فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان فهو متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم، فالله تعالى ترك ذكرها ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الآيات. واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها: كونه طفلاً، وثانيها: أن يبلغ أشده، وثالثها: الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء والنماء وهو المسمى بالطفولية والمرتبة الثانية: أن يبلغ إلى كمال النشوء وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف، وهذه المرتبة هي المراد من قوله {لتبلغوا أشدكم} والمرتبة الثالثة: أن يتراجع ويظهر فيه أثر من آثار الضعف والنقص، وهذه المرتبة هي المراد من قوله {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } وإذا عرفت هذا التقسيم عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التقسيم لا تزيد على هذه الثلاثة، قال صاحب «الكشاف» قوله {لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا. ثم قال: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطاً. ثم قال: {وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى } ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى وهو وقت الموت وقيل يوم القيامة. ثم قال: {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَٱلسَّمَاء بِنَاءً } سقفاً {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَٰتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: و{ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} [الآية: 64]. قال سليمان: القرار لمن استقر على طلب الموافقة واجتنب التخطى إلى المخالفة. وقال بعضهم: جعل الأرض قرارًا لأوليائه والسماء بناءً لملائكته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}. {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}: خَلقَ العرشَ والكرسيّ والسماوات والأرضين وجميعَ المخلوقاتِ ولم يقُلْ هذا الخطاب، وإنما قال لنا: {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} وليس الحَسَنُ ما يستحسنه الناسُ بل الحَسنُ ما يستحسنه الحبيبُ: شعر : ما حطك الواشون عن رتبةٍ عندي ولا ضَرَّك مُعتابُ كانهم أَثْنَوْا - ولم يعلموا - عليكَ عندي بالذي عابوا تفسير : لم يَقُلْ للشموس في علائها، ولا للأقمار في ضيائها: {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}. ولما انتهى إلينا قال ذلك، وقال: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]. ويقال إن الواشين قَبَّحوا صورتكم عندنا، بل الملائكةُ كتبوا في صحائفكم قبيحَ ما ارتكبتم.. ومولاكم أحسن صوركم، بأن محا من ديوانكم الزّلاّت، وأثبت بدلاً منها الحسنات، قال تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ}تفسير : [الرعد: 39]، وقال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70]. قوله جل ذكره: {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}. ليس الطيبُ ما تستطيبه النفْسُ إنما الطيب ما يستطيبُه القلبُ، فالخبزُ القفار أطيب للفقير الشاكر من الحلواء للغنيِّ المتَسَخِّط. ورِزْقُ النفوسِ الطعامُ والشرابُ، ورزقُ القلوبِ لذاذات الطاعات.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله الذى جعل لكم} لمصالحكم وحوائجكم {الارض قرارا} مستقرا اى موضع قرار ومكان ثبات وسكون فان القرار كما يجيىء بمعنى الثبات والسكون يجيىء بمعنى ما قر فيه وبمعنى المطمئن كما فى القاموس قال ابن عباس رضى الله عنهما قرارا اى منزلا فى حال الحياة وبعد الممات {والسماء بناء} البناء بمعنى المبنى اى قبة مبنية مرفوعة فوقكم ومنه ابنية العرب لمضاربهم وذلك لأن السماء فى نظر العين كقبة مضروبة على فضاء الارض وفى التأويلات النجمية خلق الارض لكم استقلالا ولغيركم طفيليا وتبعا لتكون مقركم والسماء ايضا خلق لكم لتكون سقفكم مستقلين به وغيركم تبع لكم فيه وقال بعضهم جعل الارض قرارا لأوليائه والسماء بناء لملائكته وفيه اشارة الى قوله اوليائى تحت قبابى اى مستورون تحت قباب الملكوت لا تنكشف احوالهم الا لمن عرفه الله تعالى وفى الآية بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان وقوله تعالى {وصوركم فاحسن صوركم} بيان لفضله المتعلق بأنفسهم والفاء فى فأحسن تفسيرية فان الاحسان عين التصوير كما قوله عليه السلام "حديث : ان الله ادبنى فأحسن تأديبى" تفسير : فان الاحسان عين التأديب فان تأديب الله لمثله لا يكون الا حسنا بل احسن والمعنى صوركم احسن تصوير حيث خلقكم منتصبى القامة بادى البشرة متناسبى الاعضاء والتخطيطات متهيئين لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات قال ابن عباس رضى الله عنهما خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم بفيه وفيه اشارة الى أنه تعالى جعل ارض البشرية مقرا للروح وجمع سماء الروحانية فى عالم صوركم ولم يجمعها فى صورة شىء آخر من الملائكة والجن والشياطين والحيوانات والى هذا المعنى اشار بقوله تعالى {أية : لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم} تفسير : وايضا فاحسن صوركم اذ جعلها مرءاة جماله كما قال عليه السلام "حديث : كل جميل من جمال الله وانما جعلكم جميلا ليحبكم" تفسير : كما قال عليه السلام "حديث : ان الله جميل يحب الجمال" تفسير : وبالفارسية حسن صورت انسانى در آنست كه او مرآت جهان نماست بهمه حقائق علوى وسفلى ومجموع دقايق صورى ومعنوى راجامعست وانوار معرفت ذات وآثار شناخت صفات ازآينه جامعه اولامع شعر : اى صورت تو آينه سر وجود روشن زرخت برتو انوار شهود مجموعه هر دوكونى ونيست جوتو در مملكت صورت ومعنى موجود تفسير : وفيه اشارة الى تخطئة الملائكة فيما قبحو الانسان وقالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فان الحسن ليس ما يستحسنه الناس بل ما يستحسنه الحبيب كأن الله يقول ان الواشين قبحوا صورتكم عندنا بل الملائكة كتبوا فى صحيفتكم قبيح ما ارتكبتم ومولاكم احسن صوركم عنده بان محا من ديوانكم الزلات واثبت فى ذلك الحسنات فحسن الصورة والمعنى مخصوص بالانسان وهو المدار وما سواه دآئر عليه (قال الصائب) شعر : اسرار جار دفتر و مضمون نه كتاب در نقطه تو ساخته ايزد نهان همه وز بهر خدمت تو فلكها جو بندكان زاخلاص بسته اند كمر برميان همه بيش تو سر بخاك مذلت نهاده اند باآن علوم ومرتبه روحانيان همه تفسير : {ورزقكم من الطيبات} من المأكولات اللذيذة ومتميزكر دانيدروزى شماازروزى حيوانات. قال فى التأويلات النجمية ليس الطيب ما يستطيبه الخلق بل الطيب ما يستيبه الحق فانه طيب لا يقبل الا طيبا فالطيب الذى يقبله الله من العبد وهو من مكاسبه الكلم الطيب وهى كلمة لا اله الا الله كما قال تعالى {أية : اليه يصعد الكلم الطيب} تفسير : والطيب الذى هو من مواهب الله تعالى هو تجلى صفات جماله وجلاله واليهما اشار بقوله ورزقكم من الطيبات والحاصل أن الطيب انواع طيب الارزاق وطيب الاذكار وطيب الحالات {ذالكم} الذى نعت بما ذكر من النعوت الجليلة {الله} خبر لذلكم {ربكم} الذى يستوجب منكم العبادة خبر آخر {فتبارك الله} صفة خاصة بالله تعالى اى تقدس وتنزه وتعالى بذاته عن أن يكون له شريك فى العبادة اذ لا شريك له فى شىء من تلك النعم {رب العالمين} برور دكار عالميان از انس وجن وجز آن. اى مالكهم ومربيهم والكل تحت ملكوته مفتقر اليه فى ذاته ووجوده وسائر احواله جميعا بحيث لو انقطع فيضه عنه آنا لانعدم بالكلية
اطفيش
تفسير : {اللهُ الّّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً} أي مستقراً أي موضع ثبوت وتمكن تستقرون عليها وقيل منزلاً في حال الحياة وحال الممات وبعده* {وَالسَّمَآءَ بِنَآءً} سقفاً كالقبة فانها في منظر العين مضروباً على الارض كالقبة قلت بل كونها كالقبة واقع تحقيقاً ذكر بعض أن السموات كقشور البصل. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} بضم الصاد وقرئ بكسرها جمع صورة وأحسنها خلق القامة منتصبة ظاهرة لا خافية متناسب الاعضاء والتخطيطات قابلة للصنائع والكمالات لا منكبين كالبهائم ولم يخلق خلقاً أحسن صورة من الانسان وهو يتناول بيده. {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} اللذائذ وقيل جمع ما خلق من المآكل والمشارب من غير رزق الدواب المختصة به وجعل الأرض قراراً والسماء بناء والتصوير واحسانه والرزق من الطيبات استدلال ثان بأفعال أخرى مختصة به* {ذَلِكُمُ} المختص المتميز بهذه الافعال الأخرى* {اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} تعالى عن الجحود مع هذه الآيات وكل ما سواه مفتقر اليه معرض للزوال مربوب له
اطفيش
تفسير : {الله الَّذي جَعَل لكُم الأرْض قراراً} محل قرار وثبات لا تغرقون فيها كالماء {والسماءَ بِناءً} كقبة عليكم كرية الشكل، وذلك تشبيه بليغ، لأن البناء فيما يصنع شيئا فشيئا، والسماء مخلوقة بمرة، وقيل استعارة كالخلاف فى زيد أسد، وذكر تفضله فى البدن بقوله تعالى: {وصوَّركُمْ} أولا على ما أنتم عليه صغارا جدا منتصبى القامة {فأحْسَن صُورَكم} بعد ذلك بالانماء والقوة على علاج الصنائع وإبقاءكم بلا شعر إلا فى مواضعه لا كالحيوان المكسو بالشعر، أو الفاء للتفسير، أى صوركم أحسن تصوير، وذكر التفضل فى غير البدن مع رجوع النفع الى البدن بقوله: {ورزَقَكُم من الطيِّبات} ما يليق بالطبع من طعام وشراب ولباس، والرزق ما ينتفع به، ولو شاء لرتب حياتنا على طعام وشراب مرين أو كريهين ان لم نأكلهما متنا، ولزمنا أن نأخذها على الوجه الحلال، وزعم بعض أن الطيبات الحلال، وليس المحل له، وانما يفسر به فى محل الأمر بالاكل، والمحل هنا للامتنان، فناسب التفسير بالذات اللائقة بالطبع، وأيضا رزقنا الله الحلال والحرام، لأن من أكل الحرام أكل رزقه إلا أنه يؤاخذ عليه. {ذلكُم} الموصوف بتلك الأفعال {الله ربكم فتبارك الله} تعالى شأنا {ربُّ العَالمين} مالكهم وحافظهم، ولو ترك حفظهم لفنوا وصاروا عدماً.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } أي مستقراً {وَٱلسَّمَاء بِنَآءً} أي قبة ومنه أبنية العرب لقبابهم التي تضرب وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ وفيه إشارة لكريتها. وهذا بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان، وقوله سبحانه: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } بيان لفضله تعالى المتعلق بأنفسهم، والفاء في {فَأَحْسَنَ } تفسيرية فالمراد صوركم أحسن تصوير حيث خلق كلاً منكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء والتخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. وقرأ الأعمش وأبو رزين {صوركم} بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو، وجمع فعلة بضم الفاء على فعل بكسرها شاذ ومنه قوة وقوى بكسر القاف في الجمع. وقرأت فرقة {صوركم } بضم الصاد وإسكان الواو على نحو بسرة وبسر {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } أي المستلذات طعماً ولباساً وغيرهما وقيل الحلال. {ذٰلِكُمُ} الذي نعت بما ذكر من النعوت الجليلة {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} خبران لذلكم {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ } تعالى بذاته {رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي مالكهم ومربيهم والكل تحت ملكوته مفتقر إليه تعالى في ذاته ووجوده وسائر أحواله جميعها بحيث لو انقطع فيضه جل شأنه عنه آناً لعدم بالكلية.
ابن عاشور
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَاءً}. استئناف ثان بناء على أحسن الوجوه التي فسرنا بها موقع قوله: {أية : الله الذي جَعَل لكُمُ الليْلَ لِتَسكنوا فيهِ}تفسير : [غافر: 61] كما تقدم فلذلك لم تعطف على التي قبلها لأن المقام مقام تعداد دلائل انفراده تعالى بالتصرف وبالإِنعام عليهم حتى يفتضح خطَلُهم في الإِشراك به وكفرانِ نعمه، فذكّرهم في الآية السابقة بآثار قدرته في إيجاد الأعراض القائمة بجواهر هذا العالم، وهما عَرَضا الظلمة والنور، وفي كليهما نعم عظيمة على الناس، وذكّرهم في هذه الآية بآثار خلْق الجواهر في هذا العالم على كيفيات هي نعمة لهم، وفي خلق أنفسهم على صور صالحة بهم، فأما إن جعلتَ اسم الجلالة في قوله: {الله الذي جعَل} الخ بدلاً من {ربكم} في {أية : وقال ربكم ادعوني}تفسير : [غافر: 60]، فإن جملة {الله الذي جعل لكم الأرض قراراً}تكون مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. والموصول وصلته يجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة فيكون الخبر قولَه: {ذٰلِكُم الله رَبُّكُم} وهو أولى لأن المقصود إثبات إلهيته وحده بدليل ما هو مشاهد من إتقان صنعه الممزوج بنعمته. ويجوز أن يكون الموصول خبراً فيكون الخبر مستعملاً في الامتنان والاعتبار، ولمّا كان المقصود الأول من هذه الآية الامتنان كما دل عليه قوله: {لكم} قُدمت الأرض على السماء لأن الانتفاع بها محسوس وذكرت السماء بعدها كما يستحضر الشيء بضده مع قصد إيداع دلائل علم الهيئة لمن فيهم استعداد للنظر فيها وتتبع أحوالها على تفاوت المدارك وتعاقب الأجيال واتساع العلوم. والقرار أصله، مصدر قرّ، إذا سكن. وهو هنا من صفات الأرض لأنه في حكم الخبر عن الأرض، فالمعنى يحتمل: أنه جعلها قارة غير مائدة ولا مضطربة فلم تكن مثل كُرة الهواء مضطربة متحركة، ولو لم تكن قارة لكان الناس في عناء من اضطرابها وتزلزلها، وقد يفضي ذلك بأكثرهم إلى الهلاك وهذا في معنى قوله: { أية : وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم} تفسير : في سورة [الأنبياء: 31]. ويحتمل أن المعنى جعل الأرض ذات قَرار، أي قَرارٍ لكم، أي جعلها مستقَراً لكم كقوله تعالى: { أية : وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين}تفسير : [المؤمنون: 50] أي خلقها على كيفية تلائم الاستقرار عليها بأن جعلها يابسة غير سائلة ولو شاء لجعل سطح الأرض سيالاً كالزئبق أو كالعَجَل فلا يزال الإنسان سائخاً فيها يطفو تارة ويسيخ أخرى فلا يكاد يبقى على تلك الحالة، وذلك كوسَط سبخة (التَّاكْمَرْتْ) المسماة: «شط الجريد» الفاصل بين «نفطة» و «نفزاوة» من الجنوب التونسي فإن فيها مسافات إذا مشت فيها القوافل ساخت في الأرض فلا يُعثر عليها، ولذلك لا تسير فيها القوافل إلا بهُداة عارفين بمسالك السير في علامات منصوبَة، فكانت خلقة الأرض دالة على عظيم قدرة الله وعلى دقيق حكمته وعلى رحمته بالإِنسان والحيوان المعمور بهما وجه الأرض. والبناء: ما يُرفع سمكه على الأرض للاتقاء من الحر والبرد والمطر والدواب. ووصف السماء بالبناء جار على طريقة التشبيه البليغ، وتقدم الكلام مستوفى عند قوله تعالى: {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء}تفسير : في سورة [البقرة: 22]. {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ الطيبات}. لا جرم أن حكمة الله تعالى التي تعلقت بإيجاد ما يحفّ بالإنسان من العوالم على كيفيات ملائمة لحياة الإِنسان وراحته قد تعلقت بإيجاد الإِنسان في ذاته على كيفية ملائمة له مدة بقاء نوعه على الأرض وتحت أديم السماء ولذلك أعقَب التذكيرَ بما مَهَّد له من خلق الأرض والسماء، بالتذكير بأنه خلقه خلقاً مستوفياً مصلحتَه وراحتَه. وعبّر عن هذا الخلق بفعل {صوركم} لأن التصوير خلق على صورة مرادة تشعر بالعناية، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم} تفسير : [الأعراف: 11] فاقتضى حسن الصور فلذلك عُدل في جانب خلق الإِنسان عن فعل الجعل إلى فعل التصوير بقوله: {وصوركم} فهو كقوله تعالى: {أية : الذي خلقك فسوّاك فعدّلَك في أي صورة}تفسير : [الانفطار: 7، 8] ثم صرح بما اقتضاه فعل التصوير من الإِتقان والتحسين بقوله: {فأحْسَن صُوَركم}. والفاء في قوله: {فأَحْسَن صُوَركم} عاطفة جملة على جملة ودالّة على التعقيب أي أوجد صورة الإنسان فجاءت حسنة. وعطف على هذه العبرة والمنة منةٌ أخرى فيها عبرة، أي خلقكم في أحسن صورة ثم أمدكم بأحسنِ رزق، فجمع لكم بين الإِيجاد والإِمداد، ولما كان الرزق شهوة في ظاهره وكان مشتملاً على حكمة إمداد الجسم بوسائل تجديد قُواه الحَيوية وكان في قوله: {ورزقكم}إيماء إلى نعمة طُول الوجود فلم يكن الإنسان من الموجودات التي تظهر على الأرض ثم تضمحلّ في زمن قريب وجمع له بين حسن الإِيجاد وبين حسن الإِمداد فجَعل ما به مددَ الحياة وهو الرزق من أحسن الطيبات على خلاف رزق بقية أنواع الحيوان. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ العالمين} موقع {ذلكم الله ربكم} كموقع نظيره المتقدم آنفاً. وإعادة هذا تكرير للتوقيف على خطل رأيهم في عبادة غيره على طريقة التعريض، بقرينة ما تقدم في نظيره من قوله: {أية : لا إله إلاَّ هو فأنَّى تُؤفكون} تفسير : [غافر: 62]، وقرينةِ قوله هنا: {أية : لا إلٰه إلا هُو فادعوه مخلصين له الدين}تفسير : [غافر: 65]. وفُرِّع على ما ذُكِرَ من بدائع صنعه وجزيل منّهِ. أن أنشِيءَ الثناءُ عليه بما يفيد اتصافه بعظيم صفات الكمال فقال: {فَتَبَارك الله}، وفعل {تبارك} صيغةُ مفاعلة مستعملة مجازاً في قوةِ ما اشتُقّ منه الفعل. وهو مشتقّ من اسم جامد وهو البَركَة، والبركَة: اسم يدل على تزايد الخير. وإظهار اسم الجلالة مع فعل {تبارك} دون الإِتيان بضمير مع تقدم اسمه، فالإِظهار لتكون الجملة كلمةَ ثناء مستقلة. و {رَبِّ العٰلَمِينَ} خالق أجناس العقلاء من الناس والملائكة والجنّ. وهذا الوصف من تمام الإِنشاء لأن في ذكر ربوبيته للعالمين وهم أشرف أجناس الموجودات استحضاراً لما أفاضه عليهم من خيرات الإِيجاد والإمداد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قراراً: أي قارة بكم لا تتحرك فيفسد ما عليها من إنشاء وتعمير. بناء: أي محكمة إحكام البناء فلا تقسط عليكم ولا يسقط منها شيء يؤذيكم. وصوركم: أي في أرحام أمهاتكم فأحسن صوركم. من الطيبات: أي الحلال المستلذ غير المستقذر وهي كثيرة. فتبارك الله: أي تعاظم وكثرت بركاته. فادعوه مخلصين له الدين: أي أعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا في عباداته دعاء كان أو غيره. قل إني نهيت: أي نهاني ربي أن أعبد الأوثان التي تعبدون. وأمرت أن أسلم لرب العالمين: أي وأمرني ربي أن أسلم له وجهي وأخلص له عملي. هو الذي خلقكم من تراب: أي خلق أبانا آدم من تراب وخلقنا نحن ذريته مما ذكر من نطفة ثم من علقة. ثم لتبلغوا أشدكم: أي كمال أجسامكم وعقولكم في سن ما فوق الثلاثين. ومنكم من يتوفى من قبل: أي ومنكم من يتوفاه ربه قبل سن الشيخوخة والهرم. ولتبلغوا أجلاً مسمى: أي فعل ذلكم بكم لتعيشوا ولتبلغوا أجلا مسمى وهو نهاية العمر المحددة لكل إنسان. ولعلكم تعقلون: أي طوركم هذه الأطوار من نطفة إلى علقة إلى طفل إلى شاب إلى كهل إلى شيخ رجاء أن تعقلوا دلائل قدرة الله وعلمه وحكمته فتؤمنوا به وتعبدوه موحدين له فتكملوا وتسعدوا. يحيي ويميت: أي يخلق الإِنسان وقد كان عدماً، ويميته عند نهاية أجله. فإذا قضى أمراً: أي حكم بوجوده. فإنما يقول له كن فيكون: أي فهو لا يحتاج إلى وسائط وإنما هي الإرادة فقط فإذا أراد شيئاً قال له كن فهو يكون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم ف تعريف العباد بربهم سبحانه وتعالى حتى يؤمنوا به ويعبدوه ويوحدوه إذ كمالهم وسعادتهم في الدارين متوقفان على ذلك قال تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} أي قارة في مكانها ثابتة في مركز دائرتها لا تتحرك بكم ولا تتحول عليكم فتضطرب حياتكم فتهلكوا، وجعل السماء بناء مُحْكماً وسقفا محفوظا من التصدع والانفطار والسقوط كلاً أو بعضاً، وصوركم في أرحام أمهاتكم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات التي خلقها لكم وهي كل ما لذ وطاب من حلال الطعام والشراب واللباس والمراكب ذلكم الفاعل لكل ذلك الله ربكم الذي لا رب لكم سواه ولا معبود يحق لكم غيره. فتبارك الله رب العالمين أي خالق الإنس والجن ومالكهما والمدبر لأمرهما، هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتمون لا إله أي لا معبود للعالمين إلا هو فادعوه مخلصين له الدين أي اعبدوه وحده ولا تشركوا بعبادته أحداً قائلين الحمد لله رب العالمين أي حامدين له بذلك، هذا ماتضمنته الآيتان [64، 65] وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا نبينا لقومك إني نهاني ربي أن أعبد الذين تدعون من دون الله من أصنام وأوثان لا تنفع ولا تضر وذلك لما جاءني البينات من ربي وهي الحجج والبراهين على بطلان عبادة غير الله ووجوب عبادته سبحانه وتعالى، وأمرت أن أسلم لرب العالمين أي وأمرني ربي أن أسلم له فأنقاد وأخضع لأمره ونهيه وأطرح بين يديه وأفوض أمري إليه وقوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} نظراً إلى أصلهم وهو آدم، ثم من نطفة مني ثم من علقة دم متجمد، ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً، ثم لتبلغوا أشدكم أي اكتمال أبدانكم وعقولكم بتخطيكم الثلاثين من أعماركم، ثم لتكونوا شيوخاً بتجاوزكم الستين. ومنكم من يتوفى أي يتوفاه الله قبل بلوغه سن الشيخوخة والهرم وما أكثرهم، وفعل بكم ذلك لتعيشوا ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون إذا تفكرتم في خلق الله لكم على هذه الأطوار فتعرفوا أن ربكم واحد وأنه إلهكم الحق الذي لا إله لكم سواه. وقوله هو الذي يحيي ويميت يحيي النطف الميتة فإذا هي بعد أطوارها بشراً أحياء ويميت الأحياء عند نهاية آجالهم وهو حي لا يموت والإنس والجن يموتون ومن أعظم مظاهر قدرته أنه يقول للشيء إذا أراده كن فيكون ولا يتخلف أبداً هذا هو الله رب العالمين وإله الأولين والآخرين وَجَبَتْ محبته وطاعته ولزمت معرفته إذ بها يُحَبُّ ويعبد ويطاع. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر قدرة الله تعالى في الخلق والإِيجاد والإِرزاق والإِحياء والإِماتة وكلها معرفة به تعالى وموجبة له العبادة والمحبة والإِنابة والرغبة والرهبة ونافية لها عما سواه من سائر خلقه. 2- تقرير التوحيد ووجوب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له. 3- بيان خلق الإِنسان وأطوار حياته وهي من الآيات الكونية الموجبة للإِيمان بالله وتوحيده في عبادته إذ هو الخالق الرازق المحيي المميت لا إله غيره ولا رب سواه.
القطان
تفسير : قرارا: مستقرا تستقرون عليها. بناء: مبنية بنظام لا يختل. فتبارك: فتقدّس وتنزه. طِفلاً: يعني اطفالا، لأنه يطلق على المفرد والجمع. في هذه الآيات يؤكد الله تعالى حقيقة الوحدانية، كما يؤكد على حقيقة ألوهيته وربوبيته. فالله وحده هو الذي جعل لنا هذه الأرض لنستقر عليها، وجعل السماء بناءً محفوظا زيّنه بهذه النجوم والكواكب التي نراها. ولقد خلقَ الانسانَ فأبدع تصويره، وجعله في احسن تقويم {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} المباحةِ ما يلذّ لكم، {فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}، الذي يخلق ويقدّر ويدبّر. وهو الذي لا تنبغي الألوهية إلاّ له، ولا تصلح الربوبية لغيره، بما انه المنفرد بالحياة: {هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فادعوه باخلاص الدين له، واحمدوه في الدعاء والثناء لأنه مالكُ هذا الكون بما فيه. وبعد ان اثبت سبحانه لنفسه صفاتِ الجلال والكمال، أمر رسولَه الكريم أنه منهيٌّ عن عبادة غيره مما يَدْعون.. قل لهم ايها الرسول: إني نُهيت عن عبادة الآلهة التي تعبدونها من دون الله {لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} وأُمرت ان أنقاد في كل اموري لله رب هذا الكون كله. ثم يستعرض آية من آيات الله في انفسهم بعدما استعرض آياته في هذا الكون العجيب، وهذه الآية هي الحياة الانسانية واطوارها العجيبة فيقول: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ...} رتّب الله سبحانه تطور حياة الانسان في ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشُدّ في الشباب والكهولة، والشيخوخة. ومن الناس من يُتوفى قبل سن الشباب، او الشيخوخة. والله يفعل ذلك لتبلغوا الأجل المسمى وهو يوم القيامة، ولتعقِلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم. ثم بعد هذه الأدلة على وجود الاله القادر، يعقب عليها بعرض حقيقة الإحياء والإماتة، وحقيقة الخلق والانشاء جميعا: {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} وتكثر الاشارة في القرآن الكريم الى آيتي الحياة والموت، لأنهما تلمسان قلب الانسان بشدّة وعمق، فالحياة ألوان، والموت ألوان، منها رؤية الأرض الميتة ثم رؤيتها مخضرة بألوان النبات والزهور، وكذلك رؤية الاشجار وهي جافة ثم رؤيتها والحياة تنبثق منها في كل موضع، وتخضر وتورق وتزهر، وغيرها وغيرها. وعكس هذه الرحلة من الحياة الى الموت، كالرحلة من الموت الى الحياة، الى حقيقة الانشاء وأداة الابداع، وهو في ذلك كله كما يقول: {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} بلا معاناة، ولا توقف {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلطَّيِّبَاتِ} {ٱلْعَالَمِينَ} (64) - وَاللهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ والذِي لاَ تَنْبَغِي العِبَادَةُ لِغَيْرِهِ، هُوَ الذِي جَعَلَ الأَرْضَ لِلنَّاسِ قَراراً يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا، وَيَعِيشُونَ مِنْ خَيْرَاتِهَا، وَيَتَصَرَّفُونَ بِهَا، وَجَعَلَ لَهُم السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (بِنَاءً)، وَخَلَقَ النَّاسَ فَأَحْسَنَ خَلْقَهُمْ، وَصَوَّرَهُمْ فَأَحْسَنَ تَصْوِيرَهُمْ، فَتَبَارَكَ اللهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، فَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ. الأَرْضَ قَرَاراً - مُسْتَقَرّاً يَعِيشُونَ فِيهَا. السَّمَاءَ بِنَاءً - سَقْفاً مَرْفُوعاً مَحْفُوظاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} [غافر: 64] أي: مستقراً لكم تعيشون عليها، وكلمة (لَكُمْ) أي: لكل العباد، وهذه يشرحها قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10] هكذا على العموم، فأيّ ارض وأي أنام؟ لم يحدد. إذن: فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن أهذا المبدأ هو واقع حياتنا؟ لا، وما حَلَّ الفساد بالعالم، وما وقع الناسُ في الأزمات وضيق العيش إلا بسبب عدم تطبيق هذا المبدأ. ففي الكون الآن أرض بلا رجال، وفي مناطق أخرى رجال بلا أرض، والسبب في ذلك تلك الحواجز التي وضعها البشر تحُول بين عباد الله وأرضه. ولك أنْ تقرأ قول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. لكن يا رب، كيف لنا أن نهاجر وقد جعلوا على الأبواب حواجزَ وسدوداً وحدوداً وقوانينَ للدخول ما أنزل الله بها من سلطان؛ لذلك انظر إلى الخريطة وتأمل حدود الدول المختلفة تجدها حدوداً متداخلة وغير منظمة، وفي بعض المناطق تجد الحدود غير واضحة أو مُختلفاً عليها، وفي بعض البلاد تجد الحدود بؤراً للخلاف والنزاعات بين الدول. هذا إنْ دلَّ فإنما يدلّ على أن الأرض أرضٌ واحدة للجميع، لما طرأ عليها الإنسان قسَّمها وجعل عليها حدوداً، خلقها الله واحدة منفتحة واسعة، حتى إذا ضاقتْ عليك الأسبابُ في بقعة منها فاذهب إلى أخرى وانطلق في أرض الله، وإذا لم يطبق هذا المبدأ الإلهي فلن تحلَّ مشاكلنا، وسوف تظلّ الأزمات تطحن الناس. والاستقرار في الأرض على نوعين: استقرار للحياة والحركة، واستقرار للراحة والهدوء، فالواحد منا له بيت يعيش فيه ويأوي إليه وهو مُستقره ومكان راحته ومبيته، لذلك نسميه بيتاً. وله أرض يسعى فيها ويطلب الرزق والحركة؛ لذلك قال سيدنا إبراهيم: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} تفسير : [إبراهيم: 37] وقال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} تفسير : [البقرة: 126] فالأولى قرار للمبيت وللراحة، والأخرى قرار للحركة والسعي. وتلحظ أن قرار المبيت والراحة خاصّ بك، أما قرار الحركة فمشترك مع غيرك، وأن الأرض ليست قراراً لك في حياتك الدنيا فحسب، إنما هي قرار لك حتى بعد موتك {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} تفسير : [طه: 55]. وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} [غافر: 64] أي: بناءً محكماً لا اختلالَ فيه، والبناء معروف أنه يقوم على عمد تحمله؛ لذلك قال تعالى: {أية : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد: 2] إما بغير عمد موجودة أصلاً، أو يوجد عمد تحملها لكنكم لا ترونها، فالعمد موجودة لكن لا تدركها حواسُّكم. فالسماء محمولة بقدرة الله سبحانه، ولم لا والأرض التي نعيش عليها ما هي إلا كُرة مُعلّقة في الهواء، فَلِمَ لا تقع رغم ثقلها؟ اقرأ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} تفسير : [فاطر: 41] يعني: لا أحدَ يمسكهما بعد الله. ثم يعطينا الحق سبحانه مثلاً حسّياً يقرب لنا قدرة الله في حمل السماء والأرض، فيقول: خذوا من الحسِّيات التي تدركونها دليلاً على ما غاب عنكم {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك: 19]. نعم، نحن نرى الطير في جو السماء يقف في الجو بلا حركة هكذا، ومع ذلك لا يقع، فمَنْ يمسكه؟ يمسكه ربه عز وجل بقدرته، كذلك يمسك السماوات والأرض بقدرته. وقوله: {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} [غافر: 64] بعد أنْ تكلم سبحانه عن الأشياء الكونية الخارجة عنَّا كالليل والنهار والسماء والأرض يتكلم هنا عن شيء في أنفسنا، لأنه قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. قوله: {وَصَوَّرَكُـمْ} [غافر: 64] أي: جعل لكم شكلاً مميزاً تتميَّزون به، ثم جعل لكم سماتٍ خاصة تتميز بها الأشخاص ليتم التعريف بحيث لا يفعل أحد فعلاً ويستتر منه في آخر. فتمييز الأشخاص هنا مهم حتى يُنسب الفعل إلى صاحبه {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} [غافر: 64] أي: جعلها أحسن صورة بين المخلوقات، وكان سبحانه قادراً على أنْ يُصوِّر الإنسان على أية صورة، كأنْ يمشي على أربع مثلاً مثل الحيوانات، لكنه كرَّمه وأحسن شكله، وجعله يمشي معتدلاً مرفوعَ القامة. يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ * ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} تفسير : [الانفطار: 6-8] يعني: في أحسن صورة وأجمل شكل وأعدله. بعد ذلك {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [غافر: 64] ذلك لاستبقاء الحياة بالقوت، لكنه لم يذكر هنا الزواج الذي به استبقاء النوع، فأعطانا هنا لمحة وترك الأخرى لموضع آخر حتى لا يخلوَ مكان من كتابه من إعجاز في خَلْقه. {فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [غافر: 64] يعني: تنزَّه وتقدَّس وجاء منه البركة، وجاء منه الفضل، وجاء منه الإمداد. وكلمة (تَبَارَكَ) أخذتْ حظّها من كتاب الله، نجدها للأمور المادية الحسِّية، ونجدها للمعنويات وللمنهج الذي وضعه اللهُ لاستقامة حركة الحياة، فالله جعل لك الجسمَ المادي، وجعل لك الروح التي يعيش بها هذا الجسم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):