٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ} أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحي القيوم ولا إلٰه غيره {أَنْ أَعْبُدَ} غيره {لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} أي دلائل توحيده {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ} أذل وأخضع {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وكانوا دعوه إلى دين آبائه، فأمر أن يقول هذا. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً. وقد تقدّم هذا. {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ} وهي حالة اجتماع القوّة وتمام العقل. وقد مضى في «الأنعام» بيانه. {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} بضم الشين قراءة نافع وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل؛ لأنه جمع فَعْل، نحو: قَلْب وقُلُوب ورأس ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل أشياخ والأصل أشيخ؛ مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرىء «شَيْخاً» على التوحيد؛ كقوله: «طِفْلاً» والمعنى كل واحد منكم؛ واقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشّيخ شُيوخ وأشياخ وشِيخة وشِيخان ومَشْيخة ومَشَايخ ومَشْيوخاء، والمرأة شَيخة. قال عبيد:شعر : كــأنَّــهـا شَـيْـخَـةٌ رَقُــوبُ تفسير : وقد شاخ الرجلُ يَشِيخ شَيخَا بالتحريك على أصله وشَيْخوخة، وأصل الياء متحركة فسكنت؛ لأنه ليس في الكلام فعْلول. وشَيَّخ تَشْيِيخاً أي شاخ. (وَشَيَّخته) دعوته شيخاً للتبجيل. وتصغير الشيخ شُيَيخ وشِيَيخ أيضاً بكسر الشين ولا تقل شُوَيخ. النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل عين وأعين إلا أنه حسن في عين؛ لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سِقطاً. {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى} قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} ذلك فتعلموا أن لا إله غيره. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} زاد في التنبيه أي هو الذي يقدر على الإحياء والإماتة. {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي أراد فعله قال: {لَهُ كُن فيَكُونُ}. ونصب «فيكون» ابن عامر على جواب الأمر. وقد مضى في «البقرة» القول فيه.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله عز وجل ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان، وقد بين تبارك وتعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه في قوله جلت عظمته: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك، {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل تسقطه أمه سقطاً، ومنهم من يتوفى صغيراً وشاباً وكهلاً قبل الشيخوخة كقوله تعالى: {أية : لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الحج: 5] وقال عز وجل ههنا: {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} قال ابن جريج: تتذكرون البعث. ثم قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} أي: هو المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} أي: لا يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان لا محالة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَاءنِى ٱلْبَيّنَٰتُ } دلائل التوحيد {مِن رَّبّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
الشوكاني
تفسير : أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن الله نهاه عن عبادة غيره، وأمره بالتوحيد، فقال: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وهي: الأصنام. ثم بيّن وجه النهي، فقال: {لَمَّا جَاءنِى ٱلْبَيّنَـٰتُ مِن رَّبّى }، وهي: الأدلة العقلية والنقلية، فإنها توجب التوحيد {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي: أستسلم له بالانقياد، والخضوع. ثم أردف هذا بذكر دليل من الأدلة على التوحيد، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } أي: خلق أباكم الأوّل، وهو: أدم، وخلقه من تراب يستلزم خلق ذرّيته منه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } قد تقدّم تفسير هذا في غير موضع {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أي: أطفالاً، وأفرده لكونه اسم جنس، أو على معنى: يخرج كلّ واحد منكم طفلاً {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ }، وهي: الحالة التي تجتمع فيها القوّة، والعقل. وقد سبق بيان الأشدّ مستوفى في الأنعام، واللام التعليلية في: {لتبلغوا} معطوفة على علة أخرى، {ليخرجكم} مناسبة لها، والتقدير: لتكبروا شيئًا، فشيئا، ثم لتبلغوا غاية الكمال، وقوله: {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } معطوف على لتبلغوا، قرأ نافع، وحفص، وأبو عمرو، وابن محيصن، وهشام: {شيوخاً} بضم الشين، وقرأ الباقون بكسرها، وقرىء وشيخاً على الإفراد لقوله طفلاً، والشيخ من جاوز أربعين سنة {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أي: من قبل الشيخوخة {وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى } أي: وقت الموت، أو يوم القيامة، واللام هي: لام العاقبة {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة {هُوَ ٱلَّذِى يُحْيِـي وَيُمِيت} أي: يقدر على الإحياء، والإماتة {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً } من الأمور التي يريدها {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } من غير توقف، وهو: تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها، وقد تقدّم تحقيق معناه في البقرة، وفيما بعدها. ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات الله، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }، وقد سبق بيان معنى المجادلة {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } أي: كيف يصرفون عنها مع قيام الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد. قال ابن زيد: هم: المشركون بدليل قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } قال القرطبي: وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فلا أدري فيمن نزلت، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء بصفة تدلّ على غير ما قالوه، فقال: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ } أي: بالقرآن، وهذا وصف لا يصحّ أن يطلق على فرقة من فرق الإسلام، والموصول إما في محل جرّ على أنه نعت للموصول الأوّل، أو بدل منه، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذمّ، والمراد بالكتاب: إما القرآن، أو جنس الكتب المنزلة من عند الله، وقوله: {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } معطوف على قوله {بالكتاب}، ويراد به ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب إن كانت اللام في الكتاب للجنس، أو سائر الكتب إن كان المراد بالكتاب القرآن {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة أمرهم، ووبال كفرهم، وفي هذا وعيد شديد، والظرف في قوله: {إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } متعلق {بيعلمون}، أي: فسوف يعلمون وقت كون الأغلال في أعناقهم {وٱلسَّلَـٰسِلُ } معطوف على الأغلال، والتقدير: إذ الأغلال، والسلاسل في أعناقهم، ويجوز أن يرتفع السلاسل على أنه مبتدأ وخبره محذوف لدلالة في أعناقهم عليه، ويجوز أن يكون خبره {يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ } بحذف العائد، أي: يسحبون بها في الحميم، وهذا على قراءة الجمهور برفع السلاسل، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وأبو الجوزاء بنصبها، وقرءوا: (يسحبون) بفتح الياء مبنياً للفاعل، فتكون السلاسل مفعولاً مقدّماً، وقرأ بعضهم بجرّ السلاسل. قال الفراء: وهذه القراءة محمولة على المعنى، إذ المعنى: أعناقهم في الأغلال، والسلاسل. وقال الزجاج: المعنى على هذه القراءة: وفي السلاسل يسحبون، واعترضه ابن الأنباري: بأن ذلك لا يجوز في العربية، ومحل يسحبون على تقدير عطف السلاسل على الأغلال، وعلى تقدير كونها مبتدأ، وخبرها في أعناقهم النصب على الحال، أو لا محل له، بل هو مستأنف جواب سؤال مقدّر، والحميم هو: المتناهي في الحرّ. وقيل: الصديد، وقد تقدّم تفسيره {ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } يقال: سجرت التنور أي: أوقدته، وسجرته ملأته بالوقود، ومنه {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } تفسير : [الطور: 6] أي: المملوء، فالمعنى: توقد بهم النار، أو تملأ بهم. قال مجاهد، ومقاتل: توقد بهم النار، فصاروا وقودها. {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } هذا توبيخ، وتقريع لهم، أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا } أي: ذهبوا، وفقدناهم، فلا نراهم، ثم أضربوا عن ذلك، وانتقلوا إلى الإخبار بعدمهم، وأنه لا وجود لهم، فقالوا: {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً } أي: لم نكن نعبد شيئاً، قالوا هذا لما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة، والجهالة، وأنهم كانوا يعبدون ما لا يبصر، ولا يسمع، ولا يضرّ، ولا ينفع، وليس هذا إنكاراً منهم لوجود الأصنام التي كانوا يعبدونها، بل اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: مثل ذلك الضلال يضلّ الله الكافرين حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى الإضلال المدلول عليه بالفعل، أي: ذلك الإضلال بسبب {مَّا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: بما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله،والسرور بمخالفة رسله، وكتبه. وقيل: بما كنتم تفرحون به من المال، والأتباع، والصحة، وقيل: بما كنتم تفرحون به من إنكار البعث. وقيل: المراد بالفرح هنا: البطر، والتكبر، وبالمرح: الزيادة في البطر. وقال مجاهد، وغيره: تمرحون، أي: تبطرون، وتأشرون. وقال الضحاك: الفرح السرور، والمرح العدوان. وقال مقاتل: المرح البطر، والخيلاء {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ } حال كونكم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي: مقدّرين الخلود فيها {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ } عن قبول الحق جهنم. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر، فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: وعده بالانتقام منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ولهذا قال: {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } من العذاب في الدنيا بالقتل، والأسر، والقهر، وما في {فإما} زائدة على مذهب المبرد، والزجاج، والأصل فإن نرك، ولحقت بالفعل نون التأكيد، وقوله: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } معطوف على {نرينك} أي: أو نتوفينك قبل إنزال العذاب بهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يوم القيامة، فنعذبهم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ } أي: أنبأناك بأخبارهم، وما لقوه من قومهم {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } خبره، ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينه، وبين قومه {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } لا من قبل نفسه، والمراد بالآية: المعجزة الدالة على نبوّته {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ } أي: إذا جاء الوقت المعين لعذابهم في الدنيا، أو في الآخرة {قُضِىَ بِٱلْحَقّ } فيما بينهم، فينجي الله بقضائه الحق عباده المحقين {وَخَسِرَ هُنَالِكَ } أي: في ذلك الوقت {ٱلْمُبْطِلُونَ } الذين يتبعون الباطل، ويعملون به. ثم امتنّ سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمَ } أي: خلقها لأجلكم، قال الزجاج: الأنعام ها هنا الإبل، وقيل: الأزواج الثمانية {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا } من للتبعيض، وكذلك في قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ويجوز أن تكون لابتداء الغاية في الموضعين، ومعناها: ابتداء الركوب، وابتداء الأكل، والأوّل أولى. والمعنى: لتركبوا بعضها، وتأكلوا بعضها {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ } أخر غير الركوب، والأكل من الوبر، والصوف، والشعر، والزبد، والسمن، والجبن، وغير ذلك {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } قال مجاهد، ومقاتل، وقتادة: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في سورة النحل {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: على الإبل في البرّ، وعلى السفن في البحر. وقيل: المراد بالحمل على الأنعام هنا: حمل الولدان، والنساء بالهوادج {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } أي: دلالاته الدالة على كمال قدرته، ووحدانيته {فَأَىَّ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ}، فإنها كلها من الظهور، وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها منكر، ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم، وتوبيخ عظيم، ونصب {أيّ} بتنكرون، وإنما قدم على العامل فيه، لأن له صدر الكلام. ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار، والتفكر في آيات الله، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم التي عصت الله، وكذبت رسلها، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدلّ على ما نزل بهم من العقوبة، وما صاروا إليه من سوء العاقبة. ثم بيّن سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة، والقوّة، فقال: {كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً } أي: أكثر منهم عدداً، وأقوى منهم أجساداً، وأوسع منهم أموالاً، وأظهر منهم {آثَارا فِى ٱلأَرْضِ } بالعمائر، والمصانع، والحرث {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يجوز أن تكون "ما" الأولى استفهامية، أي: أيّ شيء أغنى عنهم، أو نافية. أي: لم يغن عنهم، و"ما" الثانية يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: بالحجج الواضحات، والمعجزات الظاهرات {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } أي: أظهروا الفرح بما عندهم مما يدعون أنه من العلم من الشبه الداحضة، والدعاوي الزائغة، وسماه علماً تهكماً بهم، أو على ما يعتقدونه. وقال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نعذب، ولن نبعث. وقيل: المراد من علم أحوال الدنيا لا الدين كما في قوله: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الروم: 7]، وقيل: الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم: الرسل، وذلك أنه لما كذبهم قومهم أعلمهم الله بأنه مهلك الكافرين، ومنجي المؤمنين، ففرحوا بذلك {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: أحاط بهم جزاء استهزائهم {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } أي: عاينوا عذابنا النازل بهم {قَالُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ }، وهي: الأصنام التي كانوا يعبدونها {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } أي: عند معاينة عذابنا، لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فإنه إنما ينفع الإيمان الاختياري لا الإيمان الاضطراري {سُنَّتُ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } أي: التي قد مضت في عباده، والمعنى: أن الله سبحانه سن هذه السنّة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، وقد مضى بيان هذا في سورة النساء، وسورة التوبة، وانتصاب سنّة على أنها مصدر مؤكد لفعل محذوف بمنزلة وعد الله، وما أشبهه من المصادر المؤكدة. وقيل: هو منصوب على التحذير، أي: احذروا يا أهل مكة سنّة الله في الأمم الماضية، والأوّل أولى. {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } أي: وقت رؤيتهم بأس الله، ومعاينتهم لعذابه. قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب. وقد أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور، عن عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } إلى قوله: {يُسْجَرُونَ }، فقال: حديث : لو أن رصاصة مثل هذه، وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها، أو قال قعرها»تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس قال: يسحبون في الحميم، فينسلخ كل شيء عليهم من جلد، ولحم، وعرق حتى يصير في عقبه حتى إن لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعاً، ثم يكسى جلداً آخر، ثم يسجر في الحميم. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } قال: بعث الله عبداً حبشياً، فهو ممن لم يقصص على محمد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بهذا القول؛ ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبين وجه النهي في ذلك وهو ما جاءه من البينات، وهو ما تقدم من الدلائل على أن إله العالم قد ثَبَتَ كونُهُ موصوفاً بصفات الجَلاَل والعظمة على ما تقدم وصريحُ العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، والأحجار المنحوتة والأخشاب المُصوَّرة لا تصلح أن تكون شريكاً له فقال: وأمرت أَنْ أُسْلِمَ لرب العالمين، وذلك حين دُعِيَ إلى الكفر. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ...} لما استدل على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان: أحدهما: حسن العودة ورزق الطيّبات؛ ذكر النوع الثاني وهو: تكوين البدن من ابتداء كونه نُطفةً وجَنيناً إلى آخر الشَّيْخُوخَة والموت فقال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}، قيل: المراد آدم. قال ابن الخطيب: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المَنِي ومن دَم الطَّمْثِ والمَنِي مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدّم، والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيواينة وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات والنبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان مُتَكَوِّن من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً، ثم بعد كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن الأم. والله تعالى ترك ذكرها ههنا لأنه ذكرها في آيات أُخَر، قال: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ}. (قال الزمخشري: قوله: لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثُكم لِتبلغُوا أَشُدَّكُمْ، {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} أي: أن يصير شَيْخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطاً ثم قال: {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى} أي ولتبلغوا جميعاً {أَجَلاً مُّسَمًّى} وقتاً محدوداً لا تُجَاوِزُونَه وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة، {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى. ثم قال: {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي كما أن الانتقال من الحياةِ إلى الموت وبالعكس، يدل على الإله القادر. (و) قوله: {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} فيه وجوه: الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلةٍ تعينه إنما يقول له كن فيكون. الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: {كُن فيَكُونُ} فكأنه قيل: الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفةً إلى كونه علقةً انتقالاتٌ تَحْصُل على التدريج قليلاً. وأما صَيْرُورَتُهُ حَيَّا فهي إنما تحصل بتعليق جَوْهَر الرُّوح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: "كن فيكون". الثالث: أنَّ من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المَنِي والدَّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخرَ؛ لأن التسلسل محالٌ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المَنِي والدم بل بإيجاد الله تعالى، ابتداءً، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: {كُن فيَكُونُ}.
البقاعي
تفسير : ولما أمر سبحانه بما دل على استحقاقه إياه، أنتج قطعاً قوله: {قل} أي لهؤلاء الذين يجادلونك في التوحيد والبعث مقابلاً لإنكارهم بالتأكيد: {إني نهيت} أي ممن لا ناهي غيره، نهياً عاماً ببراهين العقل، ونهياً خاصاً بأدلة النقل {أن أعبد} ولما أهلوهم لأعلى المقامات، عبر عنهم إرخاء للعنان بقوله: {الذين تدعون} أي يؤهلونهم لأن تدعوهم، ودل على سفولهم بقوله تعالى: {من دون الله} أي الذي له الكمال كله، ودل على أنه ما كان متعبداً قبل البعث بشرع أحد بقوله: {لما جاءني البينات} أي الحجج الواضحة جداً من أدلة العقل والنقل ظاهرة، ولفت القول إلى صفة الإحسان تنبيهاً على أنه كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكراً لإحسانه فقال: {من ربي} أي المربي لي تربية خاصة هي أعلى من تربية كل مخلوق سواي، فلذلك أنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. ولما أخبر بما يتخلى عنه، أتبعه الأمر بما يتحلى به فقال: {وأُمرت أن أسلم} أي بأن أجدد إسلام كليتي في كل وقت على سبيل الدوام {لرب العالمين *} لأن كل ما سواه مربوب فالإقبال عليه خسار، وإذا نهى هو صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي ربه لأنه رب كل شيء، كان غيره مشاركاً له في ذلك لا محالة. ولما قامت الأدلة وسطعت الحجج على أنه سبحانه رب العالمين الذين من جملتهم المخاطبون، ولا حكم للطبيعة ولا غيرها، أتبع ذلك آية أخرى في أنفسهم هي أظهر مما مضى، فوصل به على طريق العلة لمشاركتهم له صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي في التي قبلها قوله تعالى: {هو} لا غيره {الذي} ولما كان الوصف بالتربية ماضياً، عبر عنه به فقال: {خلقكم من تراب} أي أصلكم وأكلكم التي تربى به أجسادكم {ثم من نطفة} من مني يمنى {ثم من علقة} مباعداً حالها لحال النطفة كما كان النطفة مباعداً لحال التراب، {ثم} بعد أن جرت شؤون أخرى {يخرجكم} أي يجدد إخراجكم شيئاً بعد شيء {طفلاً} لا تملكون شيئاً ولا تعلمون شيئاً، ثم يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طوراً بعد طور وحالاً بعد حال {لتبلغوا أشدكم ثم} يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول {لتكونوا شيوخاً} ضعفاء غرباء، قد مات أقرانكم، ووهت أركانكم، فصرتم تخشون كل أحد. ولما كان هذا مفهماً لأنه حال الكل، بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن المخاطب الجنس، وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال: {ومنكم من يتوفى} بقبض روحه وجميع معانيه. ولما كان الموت ليس مستغرقاً للزمن الذي بين السنين, وإنما هو في لحظة يسيرة مما بينهما، أدخل الجار على الظرف فقال: {من قبل} أي قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية. ولما كان المعنى: لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم، عطف عليه قوله: {ولتبلغوا} أي كل واحد منكم {أجلاً مسمى} أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل، فلا يتعداه مرة، ولا بمقدار ذرة, فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان. ولما كانت هذه الأمور مقطوعاً بها عند من يعلمها، وغير مترجاة عند من يجهلها، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها، فعبر فيها اللام، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء للعاقل قال: {ولعلكم تعقلون *} أي فتعلموا بالمفاوتة بين الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار، لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء. ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب، وختمه بأن دلالته على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - لا يحتاج إلى غير العقل، أنتج عنه قوله: {هو} لا غيره {الذي يحيي ويميت} كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها، ثم رجوعها عوداً على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها، ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن تصير تراباً كما كان، فليست النهاية بأبعد من البداية. ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة، سبب عن ذلك قوله معبراً بالقضاء: {فإذا قضى أمراً} أي أراد أيّ أمر كان من القيامة أو غيرها {فإنما يقول له كن} ولما كانت {إذا} شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله: {فيكون *} وعطفها في قراءة غيره على {كن} بالنظر إلى معناه، أو يكون خبراً لمبتدأ أي فهو يكون، وعبر بالمضارع تصويراً للحال وإعلاماً بالتجدد عند كل قضاء، وقد مضى في سورة البقرة إشباع الكلام في توجيه قراءة ابن عامر بما تبين به أنها أشد من قراءة غيره. ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه الأمور المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق، أنتج التعجب من حالهم لمن له الفهم الثاقب والبصيرة الوقادة، وجعل ذلك آياته الباهرة وقدرته القاهرة الظاهرة، فلذلك قال لافتاً الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل من أجل مقصود هذه السورة: {ألم تر} أي يا أنور الناس قلباً وأصفاهم لباً، وبين بعدهم بأداة النهاية فقال: {إلى الذين يجادلون} أي بالباطل، ونبه على ما في هذه الآيات من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم الجامع فقال: {في آيات الله} أي الملك الأعظم {أنَّى} أي وكيف ومن أي وجه {يُصرفون *} عن الآيات الحقة الواضحة التي سبقت بالفطرة الأولى إلى جذور قلوبهم، فلا حجة يوردون ولا عذاب عن أنفسهم يردون، لأنه سبحانه استاقهم - كما قال ابن برجان - بسلاسل قهره المصوغة من خالص عزماتهم وعزائهم إرادتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة - فصل ما جادلوا فيه واصفاً لهم بما يزيد في التعجيب من شدة جهلهم وتعاظم عماهم فقال: {الذين كذبوا} وحذف المفعول إشارة إلى عموم التكذيب: {بالكتاب} أي بسببه في جميع ما له من الشؤون التي تفوت الحصر والعظمة في كل أمر كان أشير بأداة الكمال إلى أنه لكماله كأنه لا كتاب غيره لأن من سمعه فكأنما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لإعجازه، فمن كذب بحرف منه فقد كذب بكل كتاب الله. ولما كان التذكيب به تكذيباً بجميع الرسالات الإلهية، أكد عظمته بذلك وبالإضافة إلى مظهر العظمة، تحذيراً للمكذبين من سطواته، وتذكيراً لهم بأن العمل مع الرسول عمل مع من أرسله، فلذا لفت الكلام على الاسم الجامع لصفتي الجلال والإكرام فقال تعال: {وبما أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {به رسلنا} من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره، وهو بحيث لا يحاط بكنه جلاله وعظمه حاله، ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى: {فسوف يعلمون *} أي بوعيد صادق لا خلف فيه، ما يحل بهم من سطوتنا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قالا: يا محمد ارجع عما تقول وعليك بدين آبائك وأجدادك. فأنزل الله تعالى {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين} .
القشيري
تفسير : قُلْ - يا محمد - إني نهيت عن عادة ما تدعون من دون الله، أي أُمِرْتُ بالتبرِّي عمَّا عبدتم، والإعراض عمّا به اشتغلتم، والاستسلام للذي خلقني، وبالنبوة استخصّني.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل} روى أن كفار قريش قالوا يا محمد ألا تنظر الى ملة ابيك عبد الله وملت جدك عبد المطلب فتأخذ بهما فأنزل الله تعالى قل يا محمد {انى نهيت} النهى الزجر عن الشىء {ان اعبد الذين تدعون من دون الله} اى الاصنام {لما جاءنى البينات من ربى} اى وقت مجيى الآيات القرآنية من ربى وذلك لأنه لا نهى ولا وجوب عند اهل السنة الا بعد ورود الشرع ويجوز أن يقال كان منهيا عن عبادتها عقلا بحسب دلالة الشواهد على التوحيد فأكد النهى بالشرع ويجوز أنه نهى له عليه السلام والمراد غيره وفى قوله من ربى اشارة الى أن دلائل التوحيد وشواهد أنوار الحقيقة لا تطلع الا من مطلع الهداية الازلية ولكن ينبغى للملتمسين أن يتوجهوا الى ذلك الجانب بالاعراض عن السوى وترك اصنام البدع والهوى شعر : دركعبه دلست شب وروز روى دل جون آفتاب سجده بهر در نميكنم تفسير : {وامرت ان اسلم لرب العالمين} بان انقاد له واخلص له دينى قال ابن الشيخ يقال اسلم امره لله اى سلم وذلك انما يكون بالرضى والانقياد لحكمه واسلمت له الشىء اذا جعلته سالما خالصا له وعلى التقديرين يكون مفعول اسلم محذوفا اى ان اسلم امرى واخلص توحيدى وطاعتى له قال فى برهان القرءآن مدح سبحانه نفسه وختم ثلاث آيات على التوالى بقوله رب العالمين وليس له فى القرآن نظير وفى الآية اشارة الى أنه عليه السلام مع كمال نبوته ورسالته وقربه بربه وعظم قدره عنده وريه من أصفى الشراب الطهور الذى هو تجلى ذاته وصفاته لو لم يسلم لرب العالمين بالعبودية وترك الربوبية له لم يكن مسلما فعلى العاشق ان يضبط نفسه القدسية عن اثبات الالهية لغيره تعالى فى مقام الوحدة عند غلبات السكر من لذاذة شراب التجلى فان الرب رب والعبد عبد والادب مع الله مقبول. بزركى كفت اى اهل معنى بنكر يدكه بامنصور حلاج جه كردند تابا مدعيان جه خواهند كردن بزركى كفت جون منصور ابا الحق كفت واورا در بغداد بردار مى كردند آن شب تا روز بزير آن دار بودم نماز ميكردم جون روزشد هاتفى آواز دادكه اطلعناه على سر من اسرارنا فأفشى سرنا فهذا جزآء من يفشى سر الملوك قال بعض العارفين الملوك لا يعفون عمن تعرض لمملكتهم او لحرمهم او افشى سرهم (قال الجامى) شعر : رسيد جان بلب ودم نميتوانم زد كه سر عشق همى ترسم آشكار شود تفسير : قيل للشيخ ابى سعيد قدس سره أن فلانا يمشى على الماء قال ان السمك والضفدع كذلك فقيل ان فلانا يطير فى الهوآء فقال ان الطيور كذلك فقيل ان فلانا يصل الى الشرق والغرب فى آن واحد فقال ان ابليس كذلك فقيل فما الكمال عندك قال ان تكون فى الظاهر مع الخلق وفى الباطن مع الحق وهذا مقام الاستقامة فان اهله راسخ فى التمكين بل وفى تلوين التمكين فلا يصدر عنه افشاء الاسرار ودعوى ما يقع به الفتنة بين الناس فطوبى لمن وقف عند الادب وعامل جميعا مع الرب قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره فى حق السيد نسيمى قد فهم فهما حسنا ولكنه اظهر بعض شىء كان للستر انتهى وقد جعله الشيخ بالى الصوفى من زمرة الزنادقة والملاحدة فلا بد من رعاية الشرع المطهر فى كل مقام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُل إِني نُهيتُ أن أعبدَ الذين تدعونَ} أي: تعبدون {من دون الله} ولم يكن عَبَدَها قط، {لَمَّا جاءنيَ البيناتُ من ربي}؛ من الحُجَج العقلية، والآيات التنزيلية. قال الطيبي: معرفة الله تعالى ووحدانيته معلومتان بالعقل، وقد ترد الأدلة العقلية في مضمون السمعية، أما وجوب عبادة الله، وتحريم عبادة الأصنام، فحُكْمٌ شرعي؛ لقوله: {قل إني نُهيت} أي: حَرُم عليّ، وهذا إنما يتحقق بعد البعثة، خلافاً للمعتزلة في الإيجاب قبل الشرع، للتحسين والتقبيح، والمعنى: أن قضية التقليد تُوجب ما أنتم عليه، ولكني خُصصت بأمر دونكم، كما قال إبراهيم: {أية : يَآ أَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ...} تفسير : [مريم: 43] إلخ كلامه، {وأُمرت أن أُسْلِمَ}، أن أنقاد وأُخلص ديني {لربِّ العالمين}. {هو الذي خلقكم من ترابٍ} أي: أصلكم، وأنتم في ضمنه، {ثم من نطفةٍ} أي: ثم خلقكم خلقاً تفصيليّاً من نطفة تُمنى، {ثم من علقةٍ، ثم يُخرجكم طفلاً} أي: أطفالاً، واقتصر على الواحدة؛ لأن المرادَ الجنس، {ثم لتبلغوا أشُدَّكم}: متعلق بمحذوف، أي: ثم يُبقيكم لتبلغوا أشدَّكم، وكذلك {ثم لتكونوا شُيوخاً}، وقيل: عطف على محذوف، عِلة ليُخرجكم، فـ "يخرجكم" من عطف علة على أخرى، كأنه قيل: ثم يخرجكم طفلاً لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، ثم لتكونوا شيوخاً، بكسر الشين وضمها جمع شيخ، وقرىء "شيخاً" كقوله: "طفلاً". {ومنكم مَن يُتوفى من قبلُ} عبارة تجري في الأدراج المذكورة، فمِن الناس مَن يموت قبل أن يُخرج طفلاً، وآخرون قبل الأشدّ، وآخرون قبل الشيخوخة. {ولتبلغوا أجلاً مسمى} أي: وفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مُسمى، أي: ليبلغ كل واحد منكم أجلاً مسمى لا يتعداه، وهو أجل موته، {ولعلكم تعقلون}؛ ولكي تعقلوا ما في ذلك من العِبَر، والحجج، وفنون الحِكَم؛ فإنَّ ذلك التدريج البديع يقضي بالقدر السابق، ونفوذ القدرة القاهرة؛ لبُعد ذلك التفاوت، والاختلاف العظيم، عن الطبيعة والعلة، وإنما موجب ذلك سبق الاختيار والمشيئة الأزلية، ولذلك عقّبه بقوله: {هو الذي يُحيي ويُميتُ} دفعاً لما قد يُتوهم ـ من كونه لم يذكر الفاعل في قوله {ومنكم مَن يُتوفى من قبل} ـ أن ذلك من فساد مزاجه، أو قتل غيره قبل أجله، فرفع ذلك الإبهام بقوله: {هو الذي يُحيي ويُميت} لا غيره، أي: يحيي الأموات، ويميت الأحياء، أو: يفعل الإحياء والإماتة، {فإِذا قَضَى أمراً} أي: أراد أمراً من الأمور، {فإِنما يقولُ له كن فيكون} من غير توقُّف على شيء من الأشياء أصلاً، وهو تمثيل لتأثير قدرته تعالى في الأشياء عند تعلُّق إرادته بها، وتصوير سرعة ترتُّب المكونات على تكوينه، من غير أن يكون هناك أمر ولا مأمور. الإشارة: إذا دخل المريد مقامَ التجريد، طالباً لأسرار التوحيد والتفريد، وطلبه العامة بالرجوع للأسباب قبل التمكين، يقول: {إِني نُهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله...} الآية. والبينات التي جاءته من ربه، هو اليقين الكبير بأن الله يرزق أهلَ التقوى بغير أسباب، لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2 - 3] وفي هذا المعنى قال الغزالي رضي الله عنه: شعر : تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دِينَهُم ودُنْيَاهُم شُغْلاً بِذِكْرِكَ يَا دِيني وَدُنْيَاي تفسير : قال القشيري: قل يا محمد: إِني نُهيت وأُمرتُ بالتبرِّي مما عبَدتم، والإعراضِ عما به اشتغلتم، والاستسلام للذي خَلَقني، وبالنبوة خصّني. هـ. وكما تتربى النطفة الإنسانية في الرحم، تتربى نطفة الإرادة ـ وهي المعرفة العيانية ـ في القلب، فإذا عقد المريد نكاح الصُحبة مع الشيخ، قذف في قلبه نطفة الإرادة، فما زال يربيها له حتى يخرج عن حس دائرة الأكوان، فهي ولادته طفلاً، ثم لا يزال يحاذيه بهمته حتى يبلغ أشده، وهو كماله، ثم يكون شيخاً مريباً؛ إن أَذِنَ له. والله تعالى أعلم. وفيما ذكر الحق تعالى من أطوار البشر، شواهد ظاهرة، دالة على إثبات البعث، وإنكارُ ذلك والجدال فيه، جهالة، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : هذا امر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ان يقول الكفار قومه {إني نهيت} أى نهاني الله {أن أعبد} أى اوجه العبادة إلى {الذين تدعون من دون الله} التي تجعلونها آلهة {لما جاءني البينات من ربي} أى حين أتاني الحجج والبراهين من جهة الله دَّلتني على ذلك {وأمرت} مع ذلك {أن أسلم لرب العالمين} أى استسلم لأمر رب العالمين الذى خلقكم وأوجدكم ويملك تدبير الخلائق اجمعين. ثم وصفه فقال {وهو الذى خلقكم} معاشر البشر {من تراب} ومعناه خلق أباكم آدم من تراب وانتم نسله واليه ترجعون واليه تنتمون {ثم من نطفة...} اى ثم انشأ من ذلك الاصل الذى خلقه من تراب النطفة ثم قلبها إلى علقة وهي القطعة من الدم لانها تعلق بما يمر به لظهور اثرها فيه وخلقكم منها {ثم يخرجكم طفلا} أى اطفالا واحداً واحداً، فلهذا ذكره بالتوحيد، كما قال {أية : بالأخسرين أعمالا} تفسير : لان لكل واحد منهم اعمالا قد خسر بها {ثم لتبلغوا أشدكم} وهو حال استكمال القوة وهو جمع شدة واشد كنعمة وانعم. واصل الشدة اللف الذى يصعب منه الانحلال، ثم {لتكونوا شيوخاً} بعد ذلك {ومنكم من يتوفى من قبل} ان يصير شيخاً ومن قبل ان يبلغ اشدة {ولتبلغوا أجلا مسمى} أى يبلغ كل واحد منكم ما سمى له من الأجل. وقال الحسن: هو النسل الذى يقوم عليه القيامة والأجل المسمى القيامة {ولعلكم تعقلون} أى خلقكم لهذه الأغراض التي ذكرها ولكي تفكروا في ذلك فتعقلوا ما انعم الله عليكم من انواع النعم واراده منكم من اخلاص العبادة. ثم قال {هو الذى يحيى ويميت} يعني من خلقكم على هذه الاوصاف التي ذكرها هو الذى يحييكم وهو الذي يميتكم فأولكم من تراب وآخركم إلى تراب تعودون {فإذا قضى أمراً} اى اراد امراً من الامور {فإنما يقول له كن فيكون} ومعناه انه يفعل ذلك من غير ان يتعذر عليه ولا يمتنع منه فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون، لا انه خاطب المعدوم بالتكوين، لأن ذلك محال. والله لا يأمر بالمحال. ثم قال {الذين يجادلون في آيات الله} يعني المشركين الذين يخاصمون في دفع آيات الله وابطالها {أنى يصرفون} أى كيف ومن أين ينقلبون عن الطريق المستقيم إلى الضلال ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحتها والفكر فيها لما ذمهم الله. قال ابن زيد اراد بذلك المشركين. ثم وصفهم فقال {الذين كذبوا بالكتاب} يعني بالقرآن جحدوه وكذبوا بما ارسلنا به من الكتب فى الشرائع رسلنا قبلك {فسوف يعلمون} عاقبة أمرهم إذا حل بهم وبال ما جحدوه ونزل بهم عقاب ما ارتكبوه ويعرفون ان ما دعوتهم اليه حق وما ارتكبوه ضلال وفساد.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} يعنى بعد ما ذكّرتهم بنعم الله وحصر الالهة فيه تعالى اظهر براءتك عن عبادة معبوداتهم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ} قال الله له ذلك حين دعوه للكفر* {أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ} تعبدون أو تسمون آلهة. {مِن دُونِ اللهِ لَمَّا جَآءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} وقد كان عقله والهام الله اياه نهاية عن عبادتهم قبل مجيء البينات ثم جاءت مقوية ومؤكدة وهى أقوى في ابطال مذهبهم بل قد تضمنت البيانات آيات العقل كقوله {أية : أتعبدون ما تنحتون} تفسير : الخ فذكر البينات ذكر لأدلة العقل. {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي أن أنقاد وأخلص له ديني
اطفيش
تفسير : {قل إنِّي نُهيتُ} نهانى الله {أن أعْبُد} عن أن أعبد {الَّذين تدعُون} تعبدون {مِنْ دُونِ الله لمَّا جاءني البينات مِن ربِّي} من الآيات المتلوات والمعجزات فى السموات والأرض، وفى أنفسكم، ومعنى مجىء المعجزات التى فى السماوات والأرض، وفى الأنفس مجىء التذكير بهن من الله عز وجل، وهذا النهى هو مضمون البينات، ففى وقت نزول البينات حصل النهى عن عبادة غير الله بنفس هذه البينات، أو لما جاءنى الألفاظ المشتملة على البينات، حصل النهى بها {وأمِرتُ أنْ} بأن {أسْلِم} أنقاد بالعمل واخلاصه فيما يتجدد بعد، كما أسلمت قبل له {لرب العالمينَ}.
الالوسي
تفسير : { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} من الحجج والآيات أو من الآيات لكونها مؤيدة لأدلة العقل منبهة عليها فإن الآيات التنزيلية مفسرات للآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي بأن أنقاد له تعالى وأخلص له عز وجل ديني.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين أدلة الوحدانية بدلالة الآيات الكونية والنفسية ليَجْرُوا على مقتضاها في أنفسهم بأن يعبدوا الله وحده، فانتقل إلى تقرير دليل الوحدانية بخبر الوحي الإِلهي بإبطال عبادة غير الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ليعمل بذلك في نفسه ويبلغ ذلك إليهم فيعلموا أنه حُكم الله فيهم، وأنهم لا عذر لهم في الغفلة عنها أو عدم إتقان النظر فيها أو قصور الاستنتاج منها بعد أن جاءهم رسول من الله يبينّ لهم أنواعاً بمختلف البيان من أدلّة برهانية وتقريبية إقناعية. وأن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدعوهم إلى ما يريده لنفسه فهو ممحض لهم النصيحة، وهاديهم إلى الحجة لتتظاهر الأدلة النظرية بأدلة الأمر الإِلهي بحيث يقوى إبطال مذهبهم في الشرك، فإن ما نزل من الوحي تضمن أدلة عقلية وإقناعية وأوَامر إلهية وزواجر وترغيبات، وكل ذلك يحوم حول إثبات تفرد الله تعالى بالإِلهية والربوبية تفرداً مطلقاً لا تشوبه شائبة مشاركة ولو في ظاهر الحال كما تشوب المشاركة في كثير من الصفات الأخرى في مثل المُلك والمِلك والحَمد، والنفع والضر، والكرم والإِعانة وذلك كثير. فكان قوله تعالى: {قُلْ إني نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الذينَ تَدْعُون مِن دُونِ الله لَمَّا جَاءَني البَيِنٰتُ مِن رَّبِي} إبطالاً لعبادة غير الله بالقول الدال على التحذير والتخويف بعد أن أبطل ذلك بدلالة الحجة على المقصود. وهذه دلالة كنائية لأن النهي يستلزم التحذير. وذكر مجيء البينات في أثناء هذا الخبر إشارة إلى طرق أخرى من الأدلة على تفرد الله بالإِلهية تكررت قبل نزول هذه الآية. وكان تقديم المسند إليه وهو ضمير {إني}على الخبر الفعلي لتقوية الحكم نحو: هو يعطي الجزيل، وكان تخصيص ذاته بهذا النهي دون تشريكهم في ذلك الغرض الذي تقدم مع العلم بأنهم مَنْهيُّون عن ذلك وإلا فلا فائدة لهم في إبلاغ هذا القول فكان الرسول صلى الله عليه وسلم من حين نشأته لم يسجد لصنم قط وكان ذلك مصرفة من الله تعالى إياه عن ذلك إلهاماً إلٰهياً إرهاصاً لنبوءته. و {لمّا} حرف أو ظرف على خلاف بينهم، وأيًّا مَّا كان فهي كلمة تفيد اقتران مضمون جملتين تليانها تُشبِهان جملتي الشرط والجزاء، ولذلك يدعونها (لمّا) التوقيتية، وحصولَ ذلك في الزمن الماضي، فقوله: {لَمَّا جاءَنِي البينَاتُ من رَّبِي} توقيت لنهيه عن عبادة غير الله بوقت مجيء البينات، أي بينات الوحي فيما مضى وهو يقتضي أن النهي لم يكن قبل وقت مجيء البينات. والمقصود من إسناد المنهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم التعريضُ بنهي المشركين، فإن الأمر بأن يقول ذلك لا قصد منه إلا التبليغ لهم وإلا فلا فائدة لهم في الإِخبار بأن الرسول عليه الصلاة والسلام منهي عن أن يعبد الذين يدعون من دون الله، يعني: فإذا كنتُ أنا منهياً عن ذلك فتأملوا في شأنكم واستعملوا أنظاركم فيه، ليسوقهم إلى النظر في الأدلة سوقاً ليّناً خفياً لاتِّبَاعِه فيما نهى عنه، كما جاء ذلك صريحاً لا تعريضاً في قول إبراهيم عليه السلام لأبيه {أية : يا أبت إني قد جَاءني من العلم ما لم يَأتِك فاتَّبِعْني أهدِك صراطاً سويًّا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا}تفسير : [مريم: 43، 44] وبُني الفعل للنائب لظهور أن الناهي هو الله تعالى بقرينة مقام التبليغ والرسالة. ومعنى الدعاء في قوله: {الَّذِينَ تَدْعُون} يجوز أن يكون على ظاهر الدعاء، وهو القول الذي تسأل به حاجة، ويجوز أن يكون بمعنى تعبدون كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وقَالَ رَبُّكم ادعُوني أستجب لكم}تفسير : [غافر: 60] فيكون العدول عن أن يقول: أن أعبد الذين تعبدون، تفنناً. و(مِنْ) في قوله: {مِن رَّبِي} ابتدائية، وجعل المجرور بــــ (من) وصف (رب) مضافاً إلى ضمير المتكلم دون أن يجعل مجرورها ضميراً يعود على اسم الجلالة إظهاراً في مقام الإِضمار على خلاف مقتضى الظاهر لتربية المهابة في نفوس المعرَّض بهم ليعلموا أن هذا النهي ومجيء البينات هو من جانب سيّده وسيدهم فما يسعهم إلا أن يطيعوه ولذلك عززه بإضافة الرب إلى الجميع في قوله: {وَأُمِرتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَب العٰلَمِين} أي ربكم ورب غيركم فلا منصرف لكم عن طاعته. والإسلام: الانقياد بالقول والعمل، وفعله متعدّ، وكثر حذف مفعوله فنزّل منزلة اللازم، فأصله: أسلم نفسه أو ذاتَه أو وجهه كما صرح به في نحو قوله تعالى: {فقل أسلمت وجهي للَّه}، ومن استعماله كاللازم قوله تعالى: { أية : فقل أسلمت وجهي لله}تفسير : في سورة آل عمران (20) وقوله تعالى: {أية : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}تفسير : في سورة البقرة (131)، وكذلك هو هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَيِّنَاتُ} {ٱلْعَالَمِينَ} (66) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى نَهَانِي، وَنَهَى خَلْقَهُ جَمِيعاً، فِي القُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَيَّ، أَنْ نَعْبُدَ مِنْ دُونِهِ مَا تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ مِنَ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ، وَأَمَرَنِي بِأَنْ أَنْقَادَ إِلَيهِ، وَأَنْ أُخْلِصَ لَهُ دِينِي، لأَِنَّهُ تَعَالَى رَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً. أَنْ أُسْلِمَ - أَنْ أَنْقَادَ وَأُخْلِصَ دِينِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (قل) الخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [غافر: 66] يعني: المسألة ليستْ من عندي، إنما هي نَهْي من الله جاءني في آيات بينات واضحات {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [غافر: 66] أي: أُسْلم قيادي وأمري لرب العالمين سبحانه. نعم، لأن الإنسان منا حتى في دنيا الناس حينما يكون لا يحسن شيئاً ولا تسعفه أسبابه يلجأ إلى مَنْ يقضي له حاجته ويقدر عليها، كما نذهب مثلاً للمحامي في رَفْع قضية أو نذهب للطبيب للتداوي .. إلخ لأنك لا تستطيع أنْ تدافع عن نفسك أمام القاضي، ولا تستطيع أن تداوي مرضك، فإذا ما ذهبتَ إلى واحد من هؤلاء فلا شكَّ أنك تسلم له زمام أمرك، وتَفوِّضه أنْ يفعل ما يراه صالحاً دون أنْ تناقشه أو تعترض عليه. إذن: معنى {أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [غافر: 66] يعني: إسلام الزمام من عاجز عن شيء لقادر على هذا الشيء، فإذا أمرك ربك أمراً فخذ الأمر من منطلق إيمانك به، كيف؟ قال: مثل حالي مع الطبيب حين يصف لي الدواء المناسب لحالتي لا أناقشه فيه، ولا أقول له: لم كتبت كذا وتركت كذا؟ حتى حين أسأل عن الدواء أقول: والله كتبهُ لي الطبيب، وألقى التبعة والمسئولية عليه. فإذا كنت تُسلم أمرك وزمامك للطبيب وهو بشرٌ مثلك يخطئ ويُصيب؛ لأنك رأيت له حكمة فوق حكمتك وعلماً ليس عندك، كيف تفعل هذا معه ولا تفعله مع الله عز وجل، وهو العليم الحكيم القادر؟ إذن: ما أمرك به ربُّكَ فامتثل للأمر ونفِّذ دون نقاش أو اعتراض أو تبرُّم بما قضى عليك به. والحق سبحانه يعلمنا درس التسليم له سبحانه في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيف أنه أسلم وجهه، وألقى زمام أمره لربه تعالى، حينما أمره بذبح ولده إسماعيل الذي لم يُرزق به إلا على كبر وبعد يأس، لذلك قال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} تفسير : [إبراهيم: 39]. أراد المفسرون تقريب هذا المعنى، فقالوا: المراد الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر، فجعلوا على بمعنى مع، وفرْقٌ بين كلمة من حرفين، وكلمة من ثلاثة أحرف، ولا يعدل القرآن الكريم عن الحرفين ويختار الثلاثة إلا لملحظ يحتاجه المعنى، فما هو؟ قالوا: معنى (مع الكبر) أي: مظنة ألاَّ ينجب، لكن مراد الله تعالى فوق هذه المظنة، يعني: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} تفسير : [إبراهيم: 39] لا مع الكبر. كذلك في قصة سيدنا زكريا عليه السلام قال: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ} تفسير : [مريم: 8-9]. إذن: فمعنى {أية : عَلَى ٱلْكِبَرِ} تفسير : [إبراهيم: 39] أن الكبر كان يقتضي عدم الإنجاب لكن مراد الله أعلى من الكبر وفوقه. ونفهم هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} تفسير : [الرعد: 6] البعض قال: يعني مع ظلمهم، وهذا لا يصح بل على ظلمهم كما أرادها الحق سبحانه، لأن الظلم يقتضي العقاب، لكن تأتي مغفرة الله وتعلو على الظلم، وعلى قانون مجازاة الظالم بظلمه. وقوله: {نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [غافر: 66] نهي لأنه مُحبّ له، فقال له: وجَّه عبادتك لمن يقدر أنْ يفعل لك، وهذا النصح لا يكون إلا من مُحب كما تنصح صاحبك وتدلّه على الخير، ولولا حبك إياه ما نصحته. وقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [غافر: 66] أسلم قيادي وزمام حركتي في الحياة لربي أفعل ما أمر بفعله، وأنتهي عما نهاني عنه، أمر سكت عنه ولم يقل لي فيه: افعل ولا تفعل فأدخله في مقام المباح، ولو كان أمراً النفس العادية تنفر منه. وحتى إنْ حكم عليك حكماً ترى فيه مشقة ظاهرية على نفسك فاعلم أنه يريد لك الخير من حيث لا تدري، كما قلنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وتعلمون أن سيدنا إبراهيم ابتلاه ربه بأمور كثيرة كلها مشقة: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] ولما أتمهن {أية : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124] في شبابه ابتُلِي بالإحراق، ولما كبر سنه ابتُلي بذبح ولده، وهو في حال ابنه أعزّ عليه من نفسه، لأن الإنسان حين يتقدم به سِنُّه ويقبل على الآخرة والنهاية يودّ أنْ يكون له امتداد في ولده من بعده. فابتُلِي إذن في أول حياته في ذاته بالإحراق، ثم ابتُلي عند وجود الولد وبعد كِبَر السنِّ بقتل الولد. والابتلاء هنا ابتلاء مبالغة، فلو أنه سيموت موتاً طبيعياً لكان ابتلاءً، فما بالك حين يقول له: اذبحه بيديك، عندها يكون الابتلاء أشدّ، وهذا الابتلاء لم يأتِ بأمر مباشر، إنما برؤيا منامية قابلة للتأويل، ومع ذلك أذعن إبراهيمُ لمجرد الرؤيا لأنه يعلم أنها من الله. لكن كيف أقبل سيدنا إبراهيم على تنفيذ هذا الأمر؟ أأخذ ولده على غِرَّة؟ لا بل أحب أنْ يُدخِله معه في مجال الابتلاء، وألاَّ يحرمه ثواب التسليم معه لله، فقال له: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} تفسير : [الصافات: 102]. وقوله: {أية : فِي ٱلْمَنَامِ} تفسير : [الصافات: 102] أراد أنْ يعطيه فرصة لأنْ يقول: كيف تذبحني يا أبي برؤيا منام، فيكون له مجال لأنْ يعترض لكنه لم يفعل {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} تفسير : [الصافات: 102]. وتصوَّر لو أن سيدنا إبراهيم أخذ ولده دون أنْ يخبره بشيء وألقاه على الأرض وأمسك بالسكين ليذبحه، ماذا سيكون شعور الولد نحو والده؟ سيكرهه ويكره فعله ويغضب عليه، وفي هذه الحالة لا نصيبَ له في ثواب هذا الابتلاء. وتأمل قول إسماعيل في الرد على أبيه: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} تفسير : [الصافات: 102] فيُذكِّره بالآمر يعني: يا أبت افعل ما دام الأمر من أعلى منك، وسبق أن قلنا: إن الفعل في ذاته ينبغي ألاَّ يترتب عليه فرحٌ به ولا غضبٌ منه إلى أنْ تعرف الفاعل، فإذا عرفتَ أن ربك هو الآمر، فقد انتهت المسألة وليس إلا التسليم للأمر. وهكذا رأينا التسليم منهما معاً، لذلك قال: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا} تفسير : [الصافات: 103] هكذا بصيغة المثنى {أية : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} تفسير : [الصافات: 103] يعني: بدأ التنفيذ والانقياد بشكل عملي قال له ربه: ارفع يدك فقد نجحتَ في الامتحان {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 104-107]. هكذا رفع البلاء ولا يُرفع قضاء حتى يُرْضَى به، رفع عن إسماعيل القتل ونزل له الفداء وعوَّضه ربه عن الفزع الذي أصابه، فبشّره بغلام آخر {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] يعني: كنا نريد أَخْذ إسماعيل، فلما رضيتَ بقضائنا فيه زدناه بآخر، ثم جعلناهما من الأنبياء ومن ذريتهما الأنبياء، فتأمل ماذا جَرَّ لك التسليمُ بالقضاء والرضا به؟ إذن: أنت في التسليم لله لا تأخذ الفعل لذاته، إنما بضميمة صاحبه، الآمر به.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لعموم المشركين على وجه التنبيه والإرشاد، بعدما وضح أمر التوحيد، واتضح سبيل الهداية والرشاد: {إِنِّي نُهِيتُ} من قِبل ربي الذي سمعتم استقلاله في ألوهيته وربوبيته {أَنْ أَعْبُدَ} وانقاد الآلهة الباطلة {ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} أنتم {مِن دُونِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، الفريد في الألوهية، الوحيد بالربوبية {لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي: حين نزل علي الآليات المبينة الموضحة {مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ} أيضاً من لدنه سبحانه {أَنْ أُسْلِمَ} أي: أعبد وأنقاد على وجه الإخلاص والاختصاص، بلا رؤية الوسائل والأسباب {لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [غافر: 66] إذ هو سبحانه منزه عن التعدد والتكثر مطلقاً، ورجوع الكل إليه أولاً وبالذات. وكيف لا يعبدونه سبحانه، ولا ينقادون إليه بتوحيده مع أنه {هُوَ} الخالق المصور {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} قدر صوركم أولاً {مِّن تُرَابٍ} مسترذل إظهاراً لقدرته الغالبة الكاملة {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} مهينة مستحدثة من التراب {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} خبيثة متكونة من النطفة {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ} من بطون أمهاتكم {طِفْلاً} كائناً من أجزاء العلقة، والروح المنفوخ فيها من لدنه سبحانه. {ثُمَّ} يربيكم بأنواع اللطف والكرم {لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ} أي: كمال قوتكم وحولكم نظراً وعملاً {ثُمَّ} أمهلكم وأعمركم زماناً {لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} منحطين منسلخين عن كلتا القوتين معاً {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} ويموت {مِن قَبْلُ} أي: قبل بلوغه إلى أشده أو شيخوخته {وَ} إنما فعل سبحانه كل ما فعل من الأطوار المتعاقبة {لِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً} معيناً مقدراً {مُّسَمًّى} عنده بلا اطاع أحد عليه؛ لقبضكم نحوه ورجوعكم إليه {وَ} الحكمة الباعثة على جميع ذلك {لَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67] وتفهمون أن مبدأكم ومنشأكم منه، ومعادكم إليه، فتبعدونه حق عبادته كي تعرفوه حق معرفته. وكيف لا تعبدون سبحانه، ولا تعرفونه أيها العقلاء المجبولون على فطرة الدراية والشعور مع أنه {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي} بامتداد أظلال أسمائه كل ما لاح عليه شمس وجوده {وَيُمِيتُ} يقبض تلك الأضلال بالإرادة والاختيار، وبالجملة: {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي: تعلقت إرادته ومشيئته بإحداث ما ظهر في عالم الأمر {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} بعد تعلق مشيئته: {كُن فيَكُونُ} [غافر: 68] بلا تراخ وتعاقب، مفهوم من منطوق هذا الكلام على ما هو المتبادر من أمثاله، بل كل ما لمع عليه برق إرادته، وصدر منه سبحانه ما يدل على نفوذ قضائه يكون المقضي؛ بحيث لا يسع بين القضاء والمقضي توهم المهلة والتراخي والترتيب أصلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر الأمر بإخلاص العبادة للّه وحده، وذكر الأدلة على ذلك والبينات، صرح بالنهي عن عبادة ما سواه فقال: { قُلْ } يا أيها النبي { إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأوثان والأصنام، وكل ما عبد من دون الله. ولست على شك من أمري، بل على يقين وبصيرة، ولهذا قال: { لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } بقلبي ولساني، وجوارحي، بحيث تكون منقادة لطاعته، مستسلمة لأمره، وهذا أعظم مأمور به، على الإطلاق، كما أن النهي عن عبادة ما سواه، أعظم مَنْهِيٍّ عنه، على الإطلاق. ثم قرر هذا التوحيد، بأنه الخالق لكم والمطور لخلقتكم، فكما خلقكم وحده، فاعبدوه وحده فقال: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } وذلك بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } وهذا ابتداء خلق سائر النوع الإنساني، ما دام في بطن أمه، فنبه بالابتداء، على بقية الأطوار، من العلقة، فالمضغة، فالعظام، فنفخ الروح، { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا } ثم هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا أشدكم من قوة العقل والبدن، وجميع قواه الظاهرة والباطنة. { ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ } بلوغ الأشد { وَلِتَبْلُغُوا } بهذه الأطوار المقدرة { أَجَلا مُسَمًّى } تنتهي عنده أعماركم. { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أحوالكم، فتعلمون أن المطور لكم في هذه الأطوار كامل الاقتدار، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأنكم ناقصون من كل وجه. { هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي هو المنفرد بالإحياء والإماتة، فلا تموت نفس بسبب أو بغير سبب، إلا بإذنه. {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }. تفسير : { فَإِذَا قَضَى أَمْرًا } جليلا أو حقيرًا { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } لا رد في ذلك، ولا مثنوية، ولا تمنع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):