٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } بخلق أبيكم آدم منه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } منيِّ {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } دم غليظ {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } بمعنى أطفالاً {ثُمَّ } يبقيكم {لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } تكامل قوّتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين {ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً } بضم الشين وكسرها {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أي قبل الأشدّ والشيخوخة، فعل ذلك بكم لتعيشوا {وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى } وقتاً محدوداً {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } دلائل التوحيد فتؤمنون.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} الآية، تنبيهٌ على الوُحْدَانِيَّةِ بالعبْرة في ابن آدم وتدريج خَلْقِهِ. وقوله سبحانه: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} عبارة تُرَدَّدُ في الأَدْرَاجِ المذكورةِ، فمن الناسِ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلاً وآخرون قَبْلَ الأَشُدِّ، وآخرون قبلَ الشيخوخةِ، {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى}، أي: ليبلغَ كلُّ واحدٍ آجلاً مُسَمًّى لا يتعدَّاهُ، و{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} الحقائقَ إذا نَظَرْتم في هذا وتَدَبَّرْتُمْ حكمةَ اللَّه تعالَىٰ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: يثغر الغلام لسبع، ويحتلم لأربعة عشر، وينتهي طوله لإِحدى وعشرين، وينتهي عقله لثمان وعشرين، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه {ومنكم من يتوفى من قبل} قال: من قبل أن يكون شيخاً {ولتبلغوا أجلاً مسمى} الشيخ والشاب {ولعلكم تعقلون} عن ربكم أنه يحييكم كما أماتكم وهذه لأهل مكة كانوا يكذبون بالبعث. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {أنّى يصرفون} قال: أنّى يكذبون وهم يعقلون.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً}. فمن تُربْةٍ إلى قطْرَةٍ؛ ومن قطرةٍ إلى عَلَقَةٍ.. ثم من بطون أُمهاتكم إلى ظهوركم في دنياكم.. ثم من حال كونكم طفلاً ثم شاباً ثم شيخاً. وهو الذي يحيي ويميت، ثم يبعث في أُخرى الدارين.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو الذى خلقكم} يا بنى آدم {من تراب} اى فى ضمن خلق ابيكم آدم {ثم من نطفة} اى ثم خلقكم خلقا تفصيليا من منى قال الراغب النطفة الماء الصافى ويعبر بها عن ماء الرجل اى ماء الصلب يوضع فى الرحم كما قال ابن سينا شعر : لا تكثرن من الجماع فانه ماء الحياة يصب فى الارحام تفسير : والمعنى خلق اصلكم آدم من تراب ثم خلقكم من نطفة نسلا بعد نسل او خلق كل واحد منكم من التراب بمعنى أن كل انسان مخلوق من المنى وهو من الدم وهو من الاغذية الحيوانية والنباتية والحيوانية لا بد ان تنتهى الى النباتية والا لزم ان يتسلسل الحيوانيات الى غير النهاية والنبات انما يتولد من الماء والتراب او خلق قالبكم فى بدء امركم من الذرة الترابية التى استخرجها من صلب آدم ثم ادعها فى قطرة نطفة بنيه {ثم من علقة} وهى الدم الجامد لأن المنى يصير على هذا الشكل بعد اربعين يوما فى بطن الام {ثم يخرجكم طفلا} الطفل الولد ما دام ناعما كما فى المفردات والصغير من كل شىء او المولود كما فى القاموس وحد الطفل من اول ما يولد الى أن يستهل صارخا الى انقضاه ستة اعوام كما فى التفسير الفاتحة للفنارى والطفل مفرد لا جمع كما وهم وقوله {أية : او الطفل الذين لم يظهروا} تفسير : الآية محمول على الجنس وكذا هو فى هذا المقام جنس وضع موضع الجمع اى الاطفال او المعنى ثم يخرج كل واحد منكم من رحم الام حال كونه طفلا لتكبروا شيئا فشيئا {ثم لتبلغوا اشدكم} كمالكم فى القوة والعقل وبالفارسية بغايت قوت خود كه منتهاى شبابست. قال فى القاموس الاشد واحد جاء على بناء الجمع بمعنى القوة وهو ما بين ثمانى عشرة سنة الى ثلاثين وفى كشف الاسرار يقال اذا بلغ الانسان احدى وعشرين سنة دخل فى الاشد وذلك حين اشتد عظامه وقويت اعضاؤه {ثم لتكونوا شيوخا} اى تصيروا الى حالة الشيخوخة والشيخ يقال لمن طعن فى السن واستبانت فيه او من خمسين او احدى وخمسين الى آجر عمره او الى ثمانين كما فى القاموس (قال فى كشف الاسرار) يقال اذا ظهر البياض بالانسان فقد شاب واذا دخل فى الهرم فقد شاخ قال الشاعر شعر : فمن عاش شب ومن شب شاب ومن شاب شاخ ومن شاخ مات حديث : روى أن ابا بكر رضى الله عنه قال يا رسول الله قد شبت فقال "شيبتنى هود واخواتها" تفسير : يعنى سورة هود وكان الشيب برسول الله صلى الله عليه وسلم قليلا يقال كان شاب منه احدى وعشرون شعرة بيضاء ويقال سبع عشرة شعرة وقال انس رضى الله عنه لم يكن فى رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء وقال بعض الصحابة ما شاب رسول الله وسئل آخر منهم فأشار الى عنفقته يعنى كان البياض فى عنفقته اى فى شعيرات بين الشفة السفلى والذقن وانما اختلفوا لقلتها يقال كان اذا ادهن خفى شيبه {ومنكم من يتوفى} يقبض روحه ويموت {من قبل} اى من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الاشد او قبله ايضا {ولتبلغوا} متعلق بفعل مقدر بعده اى ولتبلغوا {اجلا مسمى} وقتا محدودا معينا لا تتجاوزونه هو وقت الموت او يوم القيامة يفعل ذلك اى ما ذكر من خلقكم من تراب وما بعده من الاطوار المختلفة ولكون المعنى على هذا لم يعطف على ما قبله من لتبلغوا ولتكونوا وانما قلنا او يوم القيامة لأن الآية تحتوى على جميع مراتب الانسان من مبدأ فطرته الى منتهى امره فجاز أن يراد ايضا يوم الجزآء لأنه المقصد الاقصى واليه كمية الاحوال {ولعلكم تعقلون} ولكى تعقلوا ما فى ذلك الانتقال من طور الى طور من فنون الحكم والعبر وتستدلوا به على وجود خالق القوى والقدر
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} ذكر نعمة اخرى بطريق تعداد النّعم او فى مقام التّعليل لقوله نهيت {مِّن تُرَابٍ} فانّ تولّد مادّة النّطفة ليس الاّ من حبوب النّبات وبقولها ولحوم الحيوان وألبانها والكلّ يحصل من التّراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} اتى بالثّلاثة منكّرة للاشارة الى انّ التّراب الحاصل منه مادّة النّطفة لا بدّ وان يكون تراباً مخصوصاً متكيّفاً بكيفيّة مخصوصة ممتزجاً مع سائر العناصر، وانّ النّطفة الّتى تصير مادّة الانسان تكون نطفةً مخصوصةً ممتازةً عن سائر النّطف وكذا العلقة {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ} عطف على لتكونوا او على محذوفٍ اى لتستكملوا فى نفوسكم ولتبلغوا {أَجَلاً مُّسَمًّى} ويكون قوله ومنكم من يتوفّى بين المعطوف والمعطوف عليه، او بين العلّة ومعلولها، او متعلّق بمحذوف اى ومنكم من يبقى لتبلغوا اجلاً مسمّى {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} تدركون بعقولكم، او تصيرون عقلاء، او تعقلون امر الآخرة من امر الدّنيا، فانّ الانتقالات فى الحالات اماتات واحياءات، وليدرك الانسان من تلك الانتقالات النّقلة العظمى وانّها ليست افناءً واستيصالاً بل هى افناء لصورةٍ واحياء بصورةٍ اتمّ واكمل، وقد سبق فى سورة الحجّ الآية باكثر اجزائها مع بيانٍ لها.
الأعقم
تفسير : {هو الذي خلقكم من تراب} يعني آدم وهو أبو الجميع، خلقه من تراب فأحال التراب لحماً ودماً وعظماً وعصباً، وصور منه شخصاً سوياً {ثم من نطفة} أي خلق أولاده من نطفة وهو ماء الرجل والمرأة {ثمَّ من علقة} تصير النطفة قطعة دم {ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدّكم} أي حال القوة والكمال {ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل} أي يموت قبل بلوغ الأشد، وقيل: قبل بلوغ الشيوخة {ولتبلغوا أجلاً مسمى} أي يبقيه البلوغ وقتاً محدوداً لا يجاوزه، وقيل: ما سمي له من الوقت فيموت عنده {ولعلّكم تعقلون}، قيل: لتعقلوا ذلك، وقيل: لتعلموا الآيات {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً} أي خلق وقدر {فإنما يقول له كن فيكون}، قيل: يوجده من غير امتناع {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله} في حججه بالباطل، قيل: الآيات التوحيد والعدل، وقيل: المعجزات الدالة على نبوته {أنَّى يصرفون} أي كيف يصرفون عنها مع وضوحها {الذين كذّبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} عاقبة أمورهم {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} أي يجرون {في الحميم ثم في النار يسجرون} أي يوقد عليهم النار، وقيل: يصيرون وقود النار، وقيل: يطرحون في النار كما يطرح الحطب على النار عن أبي علي {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون} {من دون الله} أي يقال لهؤلاء الكفار إذا دخلوا النار أين ما كنتم تشركون، {من دون} يعني الأصنام التي عبدوها، وهذا سؤال توبيخ {قالوا ضلّوا عنا} أي ضاعوا وهلكوا فلا نراهم ولا نقدر عليهم {بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً} يعني لم نكن ندعو من قبل شيئاً يستحق العبادة وينتفع بعبادته، وقيل: لم ندعو شيئاً ينفعنا {كذلك يضل الله الكافرين}، قيل: يضلهم عن طريق الجنة والثواب، وقيل: يهلكهم ويعذبهم، وقيل: كذلك يضل الله أعمالهم بإبطالها {ذلكم} يعني هذا العذاب الذي أصابكم إنما هو {بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق} أي يفرحهم بالباطل {وبما كنتم تمرحون} أي تبطرون وتفرحون {ادخلوا أبواب جهنّم} وهي سبعة {خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} أي مقام من تكبر من قول الحق {فاصبر} يا محمد على تبليغ الرسالة وإن نالك منهم الأذى {إن وعد الله حق} بالنصر لأنبيائه والانتقام من أعدائه حق، أي صدق لا خلف فيه {فإما نرينك بعض الذي نعدهم} من العذاب في حياتك وإنما قال بعض لأن المعجل في الدنيا بعض ما يستحقه الكفار {أو نتوفيّنَّك} قبل أن يحل بهم ذلك {فإلينا يرجعون} مرجعهم فنجازيهم {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} وذلك تسلية له (صلى الله عليه وآله وسلم) {منهم من قصصنا عليك} بإخبارهم {ومنهم من لم نقصص عليك} من جرى عليهم من أممهم، ذهب بعض المفسرين إلى أن الأنبياء غير معلوم، وذهب بعضهم إلى أنهم معدودون وإنما عدّهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، وذهب بعضهم إلى أن عددهم ثمانية آلاف أربعة آلاف من بني اسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس، وعن علي (عليه السلام): "بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته" {وما كان لرسول أن يأتي بآية} معجزة {إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله} قيل: الساعة، وقيل: عذابه في الدنيا والآخرة {قضي بالحق} أي حكم لكل أحد ما يستحقه {وخسر هنالك المبطلون} أي ظهر خسرانهم بحرمانهم الثواب ونزول العقاب.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي خلق أباكم منه فحذف المضاف أو أراد أنه خلقنا منه باعتبار أن أصلنا وهو آدم منه وانا كنا أجزاء منه وخروجنا كالذر ثم عدنا أو انا خلقنا من النطفة وهى من الأغذية والأغذية من النبات والنبات من التراب. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} المراد جنس الطفل وحقيقته أي يخرجكم على حقيقة الفعل ولكون الغرض بيان الجنس اقتصر على الواحد لوجود الحقيقة أو المراد يخرج كل واحد منكم طفلاً والعلقة الدم الغليظ المتجسد* {ثُمَّ} يبقيكم أحياء* {لِتَبْلُغُواْ} متعلق بذلك المقدر* {أَشُدَّكُمْ} تكامل قوتكم من الثلاثين السنة الى الأربعين* {ثُمَّ لِتَكُونُواْ} عطف على لتبلغوا أو يقدر له مثل ما قدر له* {شُيُوخاً} بضم الشين عند نافع وأبي عمرو وحفص وهشام وبكسرها عند غيرهم وقرئ (شيخاً) بالافراد وارادة الحقيقة أو على معنى ثم ليكون كل واحد شيخاً ممن أراد الله حياته الى الشيخوخة وعن بعضهم ان (طفلاً وشيخاً) في مثل ذلك ونحوهما افراد مستعملة بمعنى الجمع موضوعة وخصه كثير للضرورة وذلك كله تنبيه على الوحدانية بالعبرة في ابن آدم وتدرج خلقه حالة الطفولية وهي حالة البنوة وحالة تكامل القوة وحالة الشيخوخة وهى حالة الضعف. {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ} أي من قبل الشيخوخة أو بعد بلوغ الاشد أو قبل ذلك كله وهو أن يخرج سقطاً بعد ما نفخ فيه الروح* {وَلِتَبْلُغُواْ} متعلق بمحذوف أي ونفعل ذلك لتبلغوا ولا مانع من تقدير نبقيكم أحياء لتبلغوا ولا مانع من عطفه على (لتبلغوا) أو لتكونوا كما قال* {أَجَلاً مُّسَمًّى} يوم الموت فالمراد جنس الأجل أو وليبلغ كل واحد منكم أجلاً على ما مر والمسمى المحدود المعين عند الله وقيل المراد يوم القيامة فعلى الاول لا اشكال في التقدير تقدير (نفعل أو نبقي) ولا في العطف وعلى الثانى فتقدير (نفعل) أولى ويجوز غيره كما مر أي (نبقيكم) مدة لتوافوا يوم القيامة على حال سابق في علم الله بعد موتكم ويضعف جعل اللام بمعنى (الى) مطلقاً ولا سيما مع المضارع {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ما في ذلك من الحجج والعبر والأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته فتؤمنون.
اطفيش
تفسير : {هُو الَّذي خلقكم مِن تُرابٍ} بواسطة خلق أبيكم منه، أو يقدرمضاف، أى خلق أباكم فأصلكم تراب، كأنكم من التراب، أو من خلقكم من أغذية تولدت من تراب، بأن تصير دما، ومن هذا الدم النطفة كما قال: {ثمَّ مِنْ نطفةٍ} منى {ثمَّ مِن عَلقةٍ} دم جامد تولد من النطفة، ولم يذكر المضغة والعظام لذكرهما فى الآية الأخرى، ولعل ذكر ذلك فقط، لأنه أهون شىء وأخسه {ثمَّ يخرجُكم} من بطون أمهاتكم {طِفَلا} أى أطفالا، والطفل يطلق على الواحد والاثنين فصاعدا، والذكر والانثى، أو اعتبر اخراج كل واحد على حدة فافرد. {ثمَّ لتبْلغُوا} متعلق بمعطوف محذوف أى ثم يبقيكم لتبلغوا أو يعطف على علة محذوفة متعلقة بيخرجكم، أى ثم يخرجكم طفلا لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا {أشدَّكُم} كما لكم فى القوة والعقل {ثمَّ لتَكُونوا شيُوخاً} عطف على لتبلغوا، أو متعلق بمعطوف مقدر، أى ثم يعمركم لتكونوا أو يبقيكم لتكونوا {ومنْكُم مَن يُتوفَّى مِنْ قبل} من قبل ما شاء الله من ذلك، من قبل الإخراج، أو من قبل الأشد، أو قبل الشيخوخة. {ولتَبْلغُوا أجلاً مُسمى} عطف على لتكونوا، أو على لتبلغوا عطف عام على خاص أو متعلق بمحذوف معطوف على خلقكم، أى وفعل ذلك الخلق من تراب، ثم من نطفة الخ لتبلغوا أجلا مسمى، أو يقدر بعد مسمى، والأجل المسمى يوم القيامة، والمراد لتبلغوه للجزاء، أو يقدر مضاف أى لتبلغوا جزاء أجل مسمى، وذلك أن الجن والإنس خلقوا العبادة والجزاء، وليس للأجل المسمى يوم الموت فانه يعارضه، ومنكم من يتوفى، فان من توفى لا يقال فيه بعد يبلغ أجلا مسمى {ولعلَّكم تعْقلُون} لتعقلوا عن ربكم أنكم تبعثون بعد الموت، كما أنكم خلقتم من أشياء ميتة، أو يحييكم كما أماتكم، أو لتعقلوا ما فى خلقم من ذلك من الحكم والعبر، والأول أولى، وإنما يفسر باعتبار الحكم والعبر، لو كان الخطاب للمؤمنين لأن الكافرين لا يطلب منهم الاعتبار بذلك لذاته، وأما أن يطلب منهم لينتقلوا منه الى الايمان بالبعث، فجائز راجع للتفسير الأول.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } في ضمن خلق آدم عليه السلام منه حسبما مر تحقيقه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي ثم خلقكم خلقاً تفصيلياً من نطفة أي من مني {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } قطعة دم جامد {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أي أطفالاً وهو اسم جنس صادق على القليل والكثير. وفي «المصباح»: قال ابن الأنباري: يكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والجمع ويجوز فيه المطابقة أيضاً؛ وقيل: إنه أفرد بتأويل خلق كل فرد من هذا النوع ثم يخرج كل فرد منه طفلاً {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وذلك المحذوف عطف على {يُخْرِجُكُمْ } وجوز أن يكون {لِتَـبْلُغُواْ } عطفاً على علة مقدرة ليخرجكم كأنه قيل: ثم يخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا أشدكم وكمالكم في القوة والعقل، وكذا الكلام في قوله تعالى: {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً } ويجوز عطفه على {لِتَـبْلُغُواْ }. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي {شيوخاً } بكسر الشين. وقرىء {شيخًا } كقوله تعالى: {طِفْلاً }. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ } أي من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضاً {وَلِتَبْلُغُواْ } متعلق بفعل مقدر بعده أي ولتبلغوا {أَجَلاً مُّسَمًّى } هو يوم القيامة بفعل ذلك الخلق من تراب وما بعده من الأطوار، وهو عطف على {خَلَقَكُمْ } والمراد من يوم القيامة ما فيه من الجزاء فإن الخلق ما خلقوا إلا ليعبدوا ثم يبلغوا الجزاء، وتفسير الأجل المسمى بذلك مروي عن الحسن، وقال بعض: هو يوم الموت. وتعقب بأن وقت الموت فهم من ذكر التوفي قبله فالأولى تفسيره بما تقدم، وظاهر صنيع الزمخشري ترجيح هذا على ما بين في «الكشف» {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ } ولكي تعقلوا ما في ذلك التنقل في الأطوار من فنون الحكم والعبر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: أي ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه يحييكم كما أماتكم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف رابع بعد استئناف جملة {أية : هُوَ الحَيُّ}تفسير : [غافر: 65] وما تفرع عليها، وكلها ناشىء بعضه عن بعض. وهذا الامتنان بنعمة الإِيجاد وهو نعمة لأن المَوجُود شرف والمعدوم لا عناية به. وأدمج فيه الاستدلال على الإبداع. وتقدم الكلام على أطوار خَلق الإنسان في سورة الحج، وتقدم الكلام على بعضه في سورة فاطر. والطفل: اسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع، للمذكر والمؤنث قال تعالى: {أية : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}تفسير : [النور: 31] وقد يطابق فيقال: طفل وطفلان وأطفال. واللامات في قوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغوا أشُدَّكُم} وما عطف عليه بــــ (ثم) متعلقات بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم، أو ثم ينشئكم لتبلغوا أشدكم، وهي لامات التعليل مستعملة في معنى (إلى) لأن الغاية المقدرة من الله تشبه العلة فيما يفضي إليها، وتقدم نظيره في سورة الحج. وقوله: {ولتبلغوا أجَلاً مُسَمَّى} عطف على {لِتَكُونُوا شُيُوخاً} أي للشيخوخة غاية وهي الأجلُ المسمّى أي الموت فلا طور بعد الشيخوخة. وأما الأجل المقدّر للذين يهلِكون قبل أن يبلغوا الشيخوخة فقد استفيد من قوله: {وَمِنكم مَّن يُتَوفَّى مِن قَبْلُ} أن من قبل بعض هذه الأطوار، أي يتوفى قبل أن يخرج طفلاً وهو السقط أو قبل أن يبلغ الأشدّ، أو يتوفّى قبل أن يكون شيخاً. ولتعلقه بما يليه خاصة عطف عليه بالواو ولم يعطف بــــ (ثم) كما عطفت المجرورات الأخرى، والمعنى: أن الله قدّر انقراض الأجيال وخَلَقَهَا بأجيال أخرى، فالحي غايته الفناء وإن طالت حياته، ولمّا خلقه على حالة تؤول إلى الفناء لا محالة كان عالماً بأن من جملة الغايات في ذلك الخلقِ أن يَبلغوا أجلاً. وبُني {قبل} على الضم على نية معنى المضاف إليه، أي من قبل ما ذُكر. والأشُدّ: القوة في البدن، وهو ما بين ثمانَ عشرةَ سنةً إلى الثلاثين وتقدم في سورة يوسف [22]. وشيوخ: جمع شيخ، وهو مَن بلغ سِن الخمسين إلى الثمانين، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وهذا بعلي شيخاً}تفسير : في سورة [هود: 72]. ويجوز في (شيوخ) ضم الشين. وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحَفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب وخلف. ويجوز كسر الشين وبه قرأ ابن كثير وحمزة، والكسائي. وقوله: {ولَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ} عطف على {ولتبلغوا أجَلاً مُسَمَّى} أي أن من جملة ما أراده الله من خلق الإِنسان على الحالة المبينة، أن تكون في تلك الخلقة دلالة لآحاده على وجود هذا الخالق الخَلْقَ البديع، وعلى إنفراده بالإِلهية، وعلى أن ما عداه لا يستحق وصف الإِلهية، فمن عقل ذلك من الناس فقد اهتدى إلى ما أُريد منه ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل. ولأجل هذه النكتة لم يؤت لفعل {تعقلون} بمفعول ولا بمجرور لأنه نزل منزلة اللازم، أي رجاء أن يكون لكم عقول فهو مراد لله من ذلك الخلق فمن حكمته أن جعل ذلك الخلق العجيب علة لأمور كثيرة.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [الحج: 5] الآية، وفي غير ذلك من المواضع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 67- الله - وحده - الذى خلقكم - يا بنى آدم - من تراب، ثم حول هذا التراب نطفة، ثم حول هذه النطفة إلى قطعة دم جامدة، ثم يُخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا، ثم يمد فى آجالكم لتبلغوا سن الكمال فى القوة والعقل، ثم يطيل أعماركم لتكونوا شيوخاً، ومنكم من يُتوفى قبل سن الشباب أو الشيخوخة، وخلقكم الله على هذا النمط لتبلغوا وقتاً مسمى عنده وهو يوم البعث، ولكى تعقلوا ما فى هذا التنقل فى الأطوار من حكم وعبر. 68- الله الذى يحيى ويميت، فإذا أراد إبراز أمر إلى الوجود فإنما يقول له: كن. فيكون دون تخلف.
د. أسعد حومد
تفسير : (67) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي بَدأ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ يَتَوَالَدُونَ مِنْ نُطْفَةٍ تَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَسْتَقِرُّ فِي رَحِمِ الأُنْثَى، فَتَتَلَقَّحُ البُوَيْضَةُ، وَيَتَطَوَّرُ الحَيَوَانُ المَنَوِيُّ إِلَى عَلَقَةٍ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ مُتَقَلِّباً فِي أَطْوَارٍ شَتَّى حَتَّى يَخْرُجَ طِفْلاً فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ؛ وَيَبْدَأُ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ ضَعِيفاً، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ فِي التَقَدُّمِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَمُنْتَهَى قُوَّتِهِ، ثُمَّ يَبْدَأُ فِي التَّرَاجُعِ، وَيَنْحَدِرُ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ والهَرَمِ. وَمِن النَّاسِ مَنْ يُتَوَفَّى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الشَّيْخُوخَةَ بِأَمْرِ اللهِ؛ وَيَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ لِيَبْلُغَ النَّاسُ الأَجَلَ المُسَمَى، وَهُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَليُدْرِكُوا العِبَرَ مِنْ هَذَا التَّنَقُّلِ فِي أَطْوَارِ التَّكْوِينِ والحَيَاةِ. لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ - كمَالَ عَقْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يعود بنا مرة أخرى إلى مسألة الخلق الأول {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ..} [غافر: 67] معلوم أن لنا خَلْقين: خلقاً من تراب لما خلق الله آدم وحواء، وخلقاً من النسل الذي تناسل منهما. لاحظ أن الله تعالى قال {مِّن تُرَابٍ ..} [غافر: 67] وقال {أية : مِّن طِينٍ ..} تفسير : [الأنعام: 2] و {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26] وقال {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمن: 14]، وهذه كلها مراحل للشيء الواحد، فالتراب حين نضع عليه الماء يصير طيناً، فإذا تركناه فترة تعطّن وتغيَّرتْ رائحته، وهذا هو الحمأ المسنون، فإذا تركناه يجف يصير صلصالاً. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ..} [غافر: 67] لا يعني آباءنا آدم وحده، إنما كلنا من تراب حتى مَنْ خُلِقوا بالزواج والتناسل، لماذا؟ لأن الميكروب الذي ستنشأ منه جرثومة الرجل وبويضة المرأة إنما تأتي مما نأكله من طعام، والطعام يُؤخذ إما من نبات أو حيوان، والنبات والحيوان منشؤهما تراب الأرض. ولذلك رأينا في عملية التحليل الكيماوي لعناصر الإنسان أنها هي نفسها عناصر التراب، وهي العناصر الستة عشر المعروفة، فكَوْنُ الإنسان خُلِق من طين لها دليلٌ مادي معلوم لنا الآن، إذن: كلنا من تراب، وإنْ جئنا من زوجين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلكم لآدم، وآدم من تراب ". تفسير : لذلك الحق سبحانه لما تكلم عن الخَلْق قال: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ..} تفسير : [الكهف: 51] لأن خَلْق السماوات والأرض سابقٌ على خَلْق الإنسان، والإنسان طارئ عليهما، ولما خُلِق آدم لم يكُنْ له تمييز ليعرف كيف خُلق. ثم يأتي سبحانه بكلام يدل على الإعجاز وإفحام المعاندين، فيقول: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. يعني: ما أخذت منهم مساعدين لي، ولا معينين لي في عملية الخلق، والمضلون هم الذين يُضللون الناس، ويقدمون لهم الباطل في ثوب الحق، ويُراد بالمضلين المضلين في مسألة الخلق كمَنْ يقول لنا الآن: إن الإنسان في أصل خَلْقه الأول كان قرداً وتطور كما قال داروين. لكن الحق سبحانه يقطع عليهم طريق الضلال، ويقول لهم: أنتم ما شهدتم الخَلْق لتخبروا الناس به، وأنا الخالق وحدي ولم يكُنْ معي أحدٌ غيري خبر بما حدث، فإذا أردتُم أنْ تعرفوا كيفية الخلق فاسمعوا مني أخبركم به، وقد أخبرنا الله به في آيات كثيرة في كتابه. فإنْ قلت: هذا كلام أخبر الله به ولم نشهده، نقول: تأمل واقع الحياة فإنه يدلّ على صدق الله فيما قال، فأنت لم تَرَ الخَلْق لكن رأيتَ نقيضه وهو الموت، ونَقْض الشيء يأتي على عكس بنائه، فحين تبني مثلاً بيتاً من أربعة أدوار تبدأ بالأول، فإنْ أردتَ أنْ تهدم تهدم الرابع. كذلك الموت، يبدأ بخروج الروح وهي آخر شيء في خَلْق الإنسان بعد خروج الروح يتصلَّب الجسد، ثم يرمّ ويتغيَّر مثل الجيفة، ثم يتبخَّر منه الماء الموجود فيه، ثم يتحلل الباقي إلى تراب، فجاء الموت ليصدق ما غاب عنك في بداية الخَلْق. قوله: {مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً ..} [غافر: 67] هذه مراحل في الخَلْق، {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ..} [غافر: 67] قالوا: هو طفل طالما هو في مراحل النمو، فإذا استوى وأخذ شكله النهائي واستقر على صورة كاملة فقد وصل إلى مرحلة البلوغ التي يستكمل فيها كلَّ أجهزة الوجود، لأن بالبلوغ أصبح قادراً على إنجاب مثله. يقول تعالى: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} تفسير : [النور: 59] فالطفولة هي مرحلة النمو, ومرحلة البلوغ هي الأشد {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ..} [غافر: 67] أي: قوتكم {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً ..} [غافر: 67] أي: تنحدرون مرة أخرى من القوة إلى الضعف وإلى الشيخوخة، وهي مرحلة ضعف وهُزَال في الجسم. فإذا انتهتْ مرحلة النمو والزيادة بدأتْ مرحلةُ الضعف والهزال، في مرحلة النمو تجد أن ما يدخل له من الغذاء أكثرُ مما يخرج منه من الفضلات لذلك يزيد، أما في مرحلة الشيخوخة فتكون الفضلاتُ أكثر، فيحدث له النقص والهزال، وتأخذ قوته في الانحدار وعضلاته في الضمور، إلى أنْ يصلَ إلى المخزن الأخير في الجسم وهو العظام، فتحدث فيها هشاشة وتتكسَّر لما يُمتص منها. لذلك قال سيدنا زكريا: {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ..} تفسير : [مريم: 4] فذكر آخر مراحل الشيخوخة وهي من وَهَن العظام. هذا في الناحية الجسمية المادية، أما في الذاكرة والأشياء المعنوية فيعتريه النسيانُ، كما قال سبحانه: {أية : لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ..} تفسير : [الحج: 5] فيصل به النسيانُ كأنه لم يعلم شيئاً في حياته، ثم نراه يحبو ويُحمل كما يُحمل الأطفال: {أية : وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 68]. وقوله: {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ..} [غافر: 67] يعني: منكم مَنْ يعاجله الموت فلا يصل إلى هذه المراحل، ربما يموت الإنسانُ في بطن أمه أو بعد ولادته أو في طفولته {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى ..} [غافر: 67]. فالأجل مختلف ومكتوب عند الله، منا مَنْ عمره لحظة، ومَنْ عمره دقائق، ومَنْ عمره ساعات، ومَنْ عمره أيام أو شهور، ومن الْخَلْق مَنْ لا يصل إلى تمام مراحل الخلق، فيُؤخذ وهو علقة أو مضغة ولا يستكمل الخلق. وقوله: {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67] يعني: افهم أن الله حين يعطيك الأشدَّ، وتصل إلى مرحلة القوة أنها ليستْ ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك وكلُّ نعمة عندك موهوبة ليست ذاتية، ويمكن أنْ تُسلبَ منك في أيِّ لحظة، وما دمت قد عرفتَ أنها موهوبة وقد تُسلبَ منك أيِّ وقت، فالزم أدبك مع مَنْ وهبك هذه النِّعم.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية، فبعد أن ذكر تعالى دلائل القدرة في الآفاق أردفها بدلائل القدرة في الأنفس، ثم تحدث عن أحوال المشركين يوم القيامة، وختم السورة الكريمة بالوعيد والتهديد لأهل الكفر والضلال. اللغَة: {ٱلأَغْلاَلُ} القيود جمع غُلَّ وهو القيد يجمع اليد إلى العنق {ٱلْحَمِيمِ} الماء الحار البالغ نهاية الحرارة {يُسْجَرُونَ} توقد بهم النار يقال: سجر التنور أوقده {تَمْرَحُونَ} تبطرون وتأْشرون {مَثْوَى} مأوى ومكان إقامة، من ثَوى بالمكان إذا أقام فيه {خَلَتْ} مضت. التفسِير: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} هذا بيانٌ للأطوار التي مرَّ بها خلقُ الإِنسان أي هو جل وعلا بقدرته الذي أوجدكم أيها الناس من العدم، فخلق أصلكم آدم من تراب، ثم خلق ذريته من النطفة وهي المنيُّ، ثم من علقة وهي الدم الغليظ، إلى آخر تلك الأطوار {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي ثم بعد أن ينفصل الجنين من بطن الأم يكون طفلاً {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ} أي ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، وهو سنُّ الأربعين {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} أي ثم لتصبحوا في سنِّ الهرم والشيخوخة قال الإِمام الفخر: رتَّب تعالى عمر الإِنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإِن الإِنسان في أول عمره يكون في النمَّاء والنشوء وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} أي ومنكم من يُتوفى قبل أن يخرج إلى العالم وهو السِّقطُ وقال مجاهد: من قبلِ سنِّ الشيخوخة {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى} أي ولتصلوا إلى الزمان الذي حُدِّد لكل شخصٍ وهو الموتُ {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ولكي تعقلوا دلائل قدرته تعالى وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي هو القادر جل وعلا على الإِحياء والإِماتة {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} أي فإِذا أراد أمراً من الأمور فلا يحتاج إلى تعب وعناء، وإِنما يوجد فوراً دون تأخير قال أبو السعود: وهذا تمثيلٌ لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أن يكون هناك أمرٌ ومأمور.. ثم عاد إلى ذم المجادلين في آيات الله بالباطل فقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} الاستفهام للتعجيب أي ألا ترى السامع وتعجبْ من حال هؤلاء المكابرين، الذين يجادلون في آيات الله الواضحة، كيف تُصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ ثم بيَّنهم بقوله {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} أي الذين كذبوا بالقرآن، وبسائر الكتب والشرائع السماوية {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة تكذيبهم {إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ} أي حين يدخلون النار، وتربط أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والسلاسل {يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي يسحبون بتلك السلاسل في الماء الحارِّ المسخّن بنار جهنم، ثم يُوقدون ويحرقون فيها قال ابن كثير: ومعنى الآية أن السلاسل متصلة بالأغلال وهي بأيدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم تارةً إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم كما قال تعالى {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}تفسير : [الرحمن: 44] {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ثم قيل لهم تبكيتاً: أين هم الأوثان والأصنام التي كنتم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} أي فيقولون: غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي بل لم نكن نعبد شيئاً قال المفسرون: جحدوا عبادتهم، وإِنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضلُّ الله كل كافر {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي ذلكم العذاب بما كنتم تظهرونه في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال وإِنفاقه في المحرمات {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} أي وبسبب بطركم وأشركم وخيلائكم قال الصاوي: وهذا وإن كان ذماً في الكفار، إلا أنه يجرُّ بذيله على كل من توسَّع في معاصي الله، فله من هذا الوعيد نصيب {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي ادخلوا من أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم ماكثين فيها أبداً {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} أي بئست جهنم مقراً وسكناً للمستكبرين عن آيات الله، المعرضين عن دلائل الإِيمان والتوحيد، وإِنما قال {مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} ولم يقل فبئس مدخل المكبرين وهو مقتضى النظم، لأن الدخول لا يدوم، وإِنما يدوم المثوى ولذا خصه بالذمِّ {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، فإِن وعد الله بتعذيبهم كائنٌ لا محالة قال الصاوي: هذا تسلية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ووعدٌ حسن بالنصر له على أعدائه {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} أي إنْ أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب، وجواب الشرط محذوفٌ تقديره فذلك هو المطلوب، أو لتقرَّ به عينُك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} أي أو نتوفينَّك يا محمد قبل إنزال العذاب عليهم، فإِلينا مرجعهم يوم القيامة فننتقم منهم أشدَّ الانتقام، ثم أخبره تعالى بأنباء الرسل تسليةً له عليه السلام فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} أي والله لقد بعثنا يا محمد رسلاً كثيرين قبلك، وأيدناهم بالمعجزات الباهرة فجادلهم قومهم وكذبوهم فتأسَّ بهم في الصبر على ما ينالك قال القرطبي: عزَّاه تعالى بما لقيت الرسلُ من قبله {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} أي من هؤلاء الرسل من أخبرناك عن قصصهم مع قومهم، ومنهم من لم نخبرك عن قصصهم وأخبارهم {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي وما صحَّ ولا استقام لرسولٍ من الرسل أن يأتي قومه بشيء من المعجزات إلا بأمر الله، وهذا ردٌ على قريش حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا الصفا ذهباً وغير ذلك من مقترحاتهم {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} أي فإِذا جاء الوقت المسمّى لعذابهم أهلكهم الله {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي خسر في ذلك الحين المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، ثم ذكَّرهم تعالى بعمه فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} أي الله جلَّ وعلا الذي لا تصلح الألوهية إلا له، هو الذي سخَّر لكم هذه الأنعام "الإِبل والبقر والغنم" وخلقها لكم ولمصلحتكم {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي لتركبوا على ظهور بعض هذه الحيوانات، وتأكلوا من لحومها وألبانها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي ولكم في هذه الأنعام منافع عديدة في الوبر والصوف والشعر، واللبن والزبد والسمن {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} أي بحمل الأثقال في الأسفار البعيدة {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أي وعلى هذه الإِبل في البر، وعلى السفن في البحر تُحملون، وإِنما قرن بين الإِبل والسفن لما بينهما من شدة المناسبة حتى سميت الإِبل سفن البر {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي ويريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته في الآفاق والأنفس {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} توبيخٌ لهم على إِنكارهم لوحدانيته مع ظهور آياته الكثيرة والمعنى أيَّ آية من تلك الآيات الباهرة والدلائل الكثيرة الساطعة تنكرون مع وضوحها وجلائها وكثرتها؟ فإِن هذه الدلائل لظهورها لا تقبل الإِنكار {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الاستفهام إِنكاري أي أفلم يسر هؤلاء المشركون في أطراف الأرض ليعرفوا عاقبة المتكبرين المتمردين، وآثار الأمم السالفة قبلهم، ماذا حلَّ بهم من العذاب والدمار بسبب كفرهم وتكذيبهم؟ {كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي كانوا أكثر عدداً من أهل مكة، وأقوى منهم قوة، وآثارهم لا تزال باقية بعدهم من الأبنية والقصور والمباني الضخمة {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي فلم ينفعهم ما كانوا يكسبونه من الأبنية والأموال شيئاً، ولا دفع عنهم العذاب {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي فلما جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرات، والآيات الواضحات {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي فرح الكفار بما هم عليه من العلم الدنيوي، الخالي عن نور الهداية والوحي، فرح بطرٍ وأشر، وأغتروا بذلك العلم {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي نزل بهم جزاء كفرهم واستهزائهم بالرسل والآيات {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} أي فلما رأوا شدة العذاب وعاينوا أهواله وشدائده قالوا آمنا بالله الواحد الأحد {وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي كفرنا بالأصنام والأوثان التي أشركناها في العبادة مع الله {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي فلم يكن ينفعهم ذلك الإِيمان حين شاهدوا العذاب لأنه إيمانٌ عن قسر وإِلجاء {سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} أي سنَّ الله ذلك سنةً ماضيةً في العباد، أنه لا ينفع الإِيمان إذا رأوا العذاب {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون بربهم، الجاحدون لتوحيد خالقهم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱلذَّنبِ.... ٱلتَّوْبِ} وبين {أَمَتَّنَا.. وَأَحْيَيْتَنَا} وبين {صَادِقاً.. وكَاذِباً} وبين {غُدُوّاً.. وَعَشِيّاً} وبين {يُحْيِـي.. وَيُمِيتُ} وبين {ٱلأَعْـمَىٰ .. وَٱلْبَصِيرُ}. 2- المقابلة {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ}تفسير : [غافر: 12] فقد قابل بين التوحيد والإِشراك، والكفر والإِيمان وكذلك توجد المقابلة بين قوله تعالى {أية : يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ}تفسير : [غافر: 39] وهذه من المحسنات البديعية. 3- المجاز المرسل {أية : وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً}تفسير : [غافر: 13] أطلق الرزق وأراد المطر لأن الماء سبب في جميع الأرزاق، فهو من إِطلاق المسَّبب وإرادة السبب. 4- الاستعارة اللطيفة {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}تفسير : [غافر: 58] استعار الأعمى للكافر، والبصير للمؤمن. 5- المجاز العقلي {أية : وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً}تفسير : [غافر: 61] من إسناد الشيء إلى زمانه، لأن النهار زمنٌ للإِبصار. 6- الكناية {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ}تفسير : [غافر: 15] الروحُ هنا كناية عن الوحي، لأنه كالروح للجسد. 7- صيغ المبالغة مثل: "كذَّاب، جبَّار، سميع، بصير، عليم" الخ. 8- الجناس الناقص {تَفْرَحُونَ.... تَمْرَحُونَ} وكذلك {أية : وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}تفسير : [غافر: 64]. 9- التأكيد بإِن واللام {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ}تفسير : [غافر: 59]. 10- صيغة الحصر {أية : مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [غافر: 4]. 11- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْنَا رُسُلاً}. 12- طباق السلب {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}. 13- توافق رءوس الآيات مع السجع البديع، والكلام الذي يأخذ بالألباب، انظر روعة البيان، وتمعَّنْ قول القرآن وهو يتحدث عن مؤمن آل فرعون بذلك البيان الإلهي المعجز {أية : وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ..}تفسير : [غافر: 41-42] الخ الآيات الكريمة التي هي أجلى من عقود الجُمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):