٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } وهذا ذم لهم على أن جادلوا في آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعجب تعالى منهم بقوله {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } كما يقول الرجل لمن لا يبين: أنى يذهب بك تعجباً من غفلته، ثم بيّـن أنهم هم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ } أي بالقرآن {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } من سائر الكتب، فإن قيل سوف للاستقبال، وإذ للماضي فقوله {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } مثل قولك: سوف أصوم أمس قلنا المراد من قوله {إِذْ } هو إذاً، لأن الأمور المستقبلة لما كان في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال، هذا لفظ صاحب «الكشاف». ثم إنه تعالى وصف كيفية عقابهم فقال: {إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ، فِى ٱلْحَمِيمِ } والمعنى: أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل، ثم يسحبون بتلك السلاسل في الحميم، أي في الماء المسخن بنار جهنم {ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } والسجر في اللغة الإيقاد في التنور، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم، ويقرب منه قوله تعالى: {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلاْفْئِدَةِ } تفسير : [الهمزة: 6، 7] {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فيقولون {ضَـلُّواْ عَنَّا } أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم، ثم قالوا {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً } أي تبيّـن أنهم لو لم يكونوا شيئاً، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئاً، كما تقول حسبت أن فلاناً شيء، فإذا هو ليس بشيء إذا جربته فلم تجد عنده خيراً، ويجوز أيضاً أن يقال إنهم كذبوا وأنكروا أنهم عبدوا غير الله، كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأنعام أنهم قالوا {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال القاضي: معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة، إذ لا يجوز أن يقال يضلهم عن الحجة إذ قد هداهم في الدنيا إليها، وقال صاحب «الكشاف» {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم، حتى أنهم لو طلبوا الآلهة أو طلبتم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر، ثم قال: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأَرْضِ } أي ذلكم الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق، وهو الشرك وعبادة الأصنام {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ } السبعة المقسومة لكم، قال الله تعالى: {أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } تفسير : [الحجر: 44]، {خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ } والمراد منه ما قال في الآية المتقدمة في صفة هؤلاء المجادلين {أية : إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } تفسير : [غافر: 56].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا}. وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدَر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نزلت هذه الآية في القدَرِية» تفسير : ذكره المهدوي. قوله تعالى: {إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي: لو أن غُلاًّ من أغلال جهنم وضع على جبل لوَهَصه حتى يبلغ الماء الأسود. {وٱلسَّلاَسِلُ} بالرفع قراءة العامة عطفاً على الأغلال. قال أبو حاتم: {يُسْحَبُونَ} مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: «إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ» مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود «والسَّلاسِلَ» بالنصب «يُسْحَبُونَ» بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشدّ عليهم. وحكي عن بعضهم «والسلاسِلِ» بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ؛ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: ومن قرأ «والسلاسِلِ يسحبون» بالخفض فالمعنى عنده وفي «السلاسِلِ يُسْحَبُونَ». قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز؛ لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر «في» فتقول زيد الدارِ، ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال؛ لأن الأغلال في تأويل الخفض؛ كما تقول: خاصم عبد الله زيداً العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه؛ أنشد الفرّاء:شعر : قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَمَا الأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما تفسير : فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها. و«الحميم» المتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. {ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي يطرحون فيكونون وقوداً لها؛ قاله مجاهد. يقال: سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته؛ ومنه {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ }تفسير : [الطور: 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار، وقال الشاعر يصف وعلا:شعر : إِذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةً تَرَى حَوْلَها النَّبْعَ والسِّمْسِمَا تفسير : أي عيناً مملوءة. {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وهذا تقريع وتوبيخ. {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب؛ من ضلّ الماءُ في اللبن أي خفي. وقيل: أي صاروا بحيث لا نجدهم. {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي شيئاً لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكاراً لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة؛ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. قوله تعالى: {ذَلِكُمْ} أي ذلكم العذاب {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخاً. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بما عندهم أنهم قالوا للرّسل: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذّب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [غافر: 83]. {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} قال مجاهد وغيره: أي تبطَرون وتأشَرون. وقد مضى في «سبحان» بيانه. وقال الضحاك: الفرح السرور، والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لَحمِين ويبغض كل حبر سمين» تفسير : فأما أهل بيت لَحمِين: فالذي يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس؛ يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِين: أنهم الذين يكثرون أكل اللحم؛ ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر فإنّ لها ضراوة كَضَراوة الخمر؛ ذكره المهدوي. والأوّل قول سفيان الثوري. {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: {أية : لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}تفسير : [الحجر: 44]. {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} تقدم جميعه. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} هذا تسلية للنبيّ عليه السلام؛ أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ} في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} عطف عليه {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} الجواب. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} عزّاه أيضاً بما لقيت الرسل من قبله. {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ} أي من قبل نفسه {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القتل ببدر. {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي الذين يتبعون الباطل والشرك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق بالباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} أي: من الهدى والبيان، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب جل جلاله لهؤلاء كما قال تعالى: {أية : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [الطور:11] وقوله عز وجل: {إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ} أي: متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم، ولهذا قال تعالى: { يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } كما قال تبارك وتعالى: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ } تفسير : [الرحمن: 43 ــــ 44] وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: {أية : ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:68] وقال عز وجل: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} تفسير : إلى أن قال- {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِـئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الواقعة:41-56] وقال عز وجل {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تفسير : [الدخان: 43 ــــ 50] أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة الخزامي عن خالد بن دريك عن يعلى بن منبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينشىء الله عز وجل سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال: يا أهل النار أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدينا، فيقولون: نسأل بارد الشراب، فتمطرهم أغلالاً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمراً يلهب النار عليهم» تفسير : هذا حديث غريب. وقوله تعالى: { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينصرونكم اليوم؟ {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي: ذهبوا فلم ينفعونا، {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي: جحدوا عبادتهم؛ كقوله جلت عظمته: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] ولهذا قال عز وجل: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ}. وقوله: { ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير حق، ومرحكم وأشركم وبطركم، {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله، واتباع دلائله وحججه، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِى ءايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {أَنَّى} كيف {يُصْرَفُونَ } عن الإِيمان.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ذلكم بما كنتم تفرحون..} الآية. في الفرح والمرح وجهان: أحدهما: أن الفرح: السرور والمرح: البطر، فسرّوا بالإمهال وبطروا بالنعم الثاني: الفرح والسرور، قاله الضحاك، والمرح العدوان. روى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين المرحين، ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين، ويبغض كل حبر سمين" تفسير : فأما أهل بيت لحمين فهم الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة، وأما الحبر السمين فالمتحبر بعلمه ولا يخبر به الناس، يعني المستكثر من علمه ولا ينفع به الناس.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ...} الآيَةُ في الكُفَّارِ المُجَادِلِينَ في رِسَالَةِ نبيِّنا محمَّد ـــ عليه السلام ـــ و{يُسْحَبُونَ} معناه يُجَرُّونَ، والسَّحْبُ: الجَرُّ والحَمِيمُ الذائبُ الشديدُ الحَرِّ من النَّارِ، و{يُسْجَرُونَ}: قال مجاهد: معناه تُوَقَدُ النَّارُ بهِم، والعَرَبُ تَقُول؛ سَجَرْتُ التَّنُّورَ: إذا مَلأْتَهُ نَاراً، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُسْجَرُونَ: يَحْرَقُونَ، ثم أخْبَرَ تعالى؛ أنهم يُقَالُ لهم: أين الأصْنَامُ التي كُنْتُم تَعْبُدونَ في الدنيا؟ فيقولون: ضَلُّوا، أي: تلفوا لنا وغَابوا، ثُمَّ تضْطَرِبُ أَقْوَالُهُمْ ويَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ، فيقولونَ: {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} ثم يقال لهؤلاءِ الكفَّارِ المعذبين: {ذٰلِكُمْ}: العذابُ الذي أنتم فيه {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} في الدنيا بالمعاصي والكفرِ، و{تَمْرَحُونَ} قال مجاهد: معناه: الأشَرُ والبَطَر. وقوله تعالى: {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ} معناه: يقالُ لَهُمُ قبل هذهِ المحاورةِ في أول الأمْرِ: ادْخُلُوا؛ لأنَّ هذه المخاطبةَ إنما هي بعدَ دُخولهمِ، ثم آنَسَ تعالى نبيَّه، وَوَعَدَهُ بقَولهِ: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: في نصرك وإظهار أمرِك؛ فإنَّ ذلك أَمْرٌ إما أنْ تَرَىٰ بَعْضَهُ في حياتِكَ، فَتَقَرَّ عَيْنُكَ به، وإما أنْ تَمُوتَ قَبْلَ ذلك، فإلَىٰ أمرنا وتَعْذِيبِنَا يَصِيرُونَ ويَرْجِعُونَ. قال أبو حيَّان: و«ما» في «إمَّا» زائدةٌ لتأكِيدِ معنى الشَّرْطِ، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ...} الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته. قوله: "الذين كذبوا"، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} جملة مستأنفة، سيقت للتهديد. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ودخول الفاء فيه واضح. فصل المعنى هم الذين كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة. قوله: {إِذِ ٱلأَغْلاَلُ} فيه سؤال، هو أن "سوفَ" للاستقبال، و"إِذْ" للماضي، فقوله: {فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم} مثل قولك: سَوْفَ أَصُومُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في "إذ" هذه أن تكون بمعنى "إذا"؛ لأن العامل فيها محقق الاستقبال وهو فسوف يعلمون. قالوا: وكما تقع "إذَا" موضع إِذْ في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة:11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا. وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [البقرة:165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج "إِذْ" عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب "باذْكُرْ" مُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي. وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها. قوله: "والسَّلاَسِلُ" العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم. الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه. الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: "يُسْحَبُونَ" ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه. "فَيُسْحَبُونَ" مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما في الوجهين المتقدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً. وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره "والسَّلاَسِلَ" نصباً ـ يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية. قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه. وقرأ ابن عباس وجماعة "والسَّلاَسِل" بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف. قال الزمخشري: ووجه إنه لو قيل: "إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم" لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: "والسلاسل" (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره: شعر : 4347ـ مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرةً وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا تفسير : كأنه قيل: بمصلحين. وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ فعطف على المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قلب، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي. وفي مصحف أًُبيٍّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويسمى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله: شعر : 4348ـ أَجِـدَّكَ لَـنْ تَرَى بـثـُعَـيْـلبَـاتٍ وَلاَ بَيْدَاءَ نَـاجِيَـةً ذَمُــولاَ وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْـلُ طِفْـلٌ بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصُـولاَ تفسير : التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ. وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: "من جر السلاسل حمله على المعنى"، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل. الوجه الثاني: أنه عطف على "الحميم"، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك. الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: "وفِي السَّلاَسِلِ" وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ ابْنَ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: "زيد في الدار" لم يحسن أن تضمر "في" فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: "خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ"، بنصب "العاقلين" ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر. وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَـ)ـعْدَانَ. وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟ قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنوع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على "الحميم" وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: "مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو" لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ. قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنه يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا: شعر : 4349ـ ........................ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ تفسير : إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و "السَّلاَسِلُ" معروفة، قال الراغب: "وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره". والسَّحْبُ: الجر بعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (ـ رحمة الله عليه ـ): شعر : 4350ـ إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا تفسير : فمعنى قوله تعالى هنا: {ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي يوقد بهم، كقوله تعالى: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}تفسير : [التحريم:6] والسَّجِيرُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ. فصل هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار {قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الأصنام {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام:23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: "ما كنت أعمل شَيْئاً". ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال {يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو طلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر. قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} تَبْطُرون وتَأشِرُونَ {فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. قوله: {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي السبعة المقسومة لكم {خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} تعجيبٌ من أحوالِهم الشنيعةِ وآرائِهم الركيكةِ وتمهيدٌ لما يعقُبه من بـيانِ تكذيبِهم بكلِّ القُرآنِ وبسائرِ الكتبِ والشرائعِ وترتيبُ الوعيدِ على ذلكَ كَما أنَّ ما سبقَ من قولِه تعالَى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} تفسير : [سورة غافر: الآية 56] الخ بـيانٌ لا بتناءِ جدالِهم على مَبْنى فاسدٍ لا يكادُ يدخلُ تحتَ الوجودِ هُو الأمنيَّةُ الفارغةُ فلا تكريَر فيهِ أي انظُرْ إلى هؤلاءِ المكابرينَ المُجادلينَ في آياتِه تعالَى الواضحةِ الموجبةِ للإيمانِ بها الزاجرةِ عن الجدالِ فيها كيفَ يُصرفونَ عنها معَ تعاضدِ الدَّواعِي إلى الإقبالِ عليها وانتفاءِ الصوارفِ عنها بالكُلِّيةِ. وقولُه تعالَى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ} أيْ بكُلِّ القُرآنِ أو بجنسِ الكُتبِ السماويةِ فإنَّ تكذيبَهُ تكذيبٌ لهَا في محلِّ الجرِّ على أنَّه بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو في حيزِ النصبِ أو الرفعِ على الذمِّ، وإنما وُصلَ الموصولُ الثَّانِي بالتكذيبِ دُونَ المُجادلةِ لأنَّ المعتادَ وقوعَ المُجادلةِ في بعض الموادِ لا في الكُلِّ. وصيغةُ الماضِي للدِلالة على التحقق كما أنَّ صيغةَ المضارعِ في الصلةِ الأُولى للدلالةِ على تجددِ المجادلةِ وتكررِها {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} من سائرِ الكتبِ أو مطلقِ الوَحي والشرائعِ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} كُنْهَ ما فعلُوا من الجدالِ والتكذيبِ عند مشاهدتِهم لعقوباتِه {إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ} ظرفٌ ليعلمونَ إِذ المَعْنى على الاستقبالِ. ولفظُ الماضِي لتيقنِه {وٱلسَّلَـٰسِلُ} عطفٌ على الأغلالِ. والجارُّ في نيةِ التأخيرِ وقيل: مبتدأ حذف خبره لدلالة خبر الأول عليه، وقيل: قوله تعالى: {يُسْحَبُونَ} بحذفِ العائدِ أي يُسحبونَ بَها وهُو على الأولَينِ حالٌ من المُستكنِّ في الظرفِ وقيل: استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالِهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حالُهم بعدَ ذلكَ فقيلَ يُسحبونَ {فِى ٱلْحَمِيمِ} وقُرِىءَ والسلاسلَ يَسحبون بالنَّصبِ وَفتحِ الياءِ عَلَى تقديمِ المفعولِ وعطفِ الفعليةِ على الاسميةِ، والسَّلاسلِ بالجرِّ حملاً على المَعْنى لأنَّ قولَه تعالى: {ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ} في مَعْنى أعناقُهم في الأغلالِ أو إضماراً للباءِ ويدلُّ عليه القراءةُ بهِ {ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي يُحرقونَ مِنْ سجرَ التنورَ إذا ملأَهُ بالوقودِ ومنُه السَّجيرُ للصديقِ كأنَّه سُجِّر بالحبِّ أي مُلىءَ والمرادُ بـيانُ أنَّهم يُعذبونَ بأنواعِ العذابِ ويُنقلونَ من بابِ إلى بابٍ {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي يقالُ لَهمُ ويقولونَ. وصيغةُ المَاضِي للدلالةِ على التحقيقِ ومَعْنى ضلُّوا عنَّا غابُوا عنَّا وذلكَ قبلَ أنْ يُقرنَ بهم آلهتُهم أو ضاعُوا عنَّا فلم نجدْ ما كُنَّا نتوقعُ منُهم. {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي بَلْ تبـينَ لنَا أنَّا لم نكُنْ نعبدُ شيئاً بعبادتِهم لما ظهرَ لنا اليومَ أنَّهم لم يكونُوا شيئاً يعتدُّ بهِ كقولِك حسبتُه فلم يكُنْ. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلكَ الضلالِ الفظيعِ {يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ} حيثُ لا يهتدونَ إلى شيءٍ ينفُعهم في الآخرةِ أو كما ضلَّ عنُهم آلهتُهم يُضلّهم عن آلهتِهم حتَّى لو تطالبُوا لم يتصادفُوا.
القشيري
تفسير : في آيات الله يتبلّدُون؛ فلا حُجة يوردُون، ولا عذاب عن أنفسهم يرُدُّون، سيعلمون حين لا ينفعهم عِلمُهم، ويعتذرون حين لا يُسمَع عُذْرُهم، وذلك عندما {إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ....}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تر} [آيانمى نكرى] {الى الذين يجادلون فى آيات الله} فى دفعها وابطالها {أنى يصرفون} اى انظر يا محمد الى هؤلاء المكابرين المجادلين فى آياته تعالى الواضحة الموجبة للايمان بها الزاجرة عن الجدال فيها وتعجب من احوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة كيف يصرفون عن تلك الآيات القرآنية والتصديق بها الى تكذيبها مع تعاضد الدواعى الى الاقبال عليها بالايمان وانتفاء الصوارف عنها بالكلية. وتكرير ذم المجادلة فى اربعة مواضع فى هذه السورة اما لتعدد المجادل بان يكون فى اقوام مختلفة او المجادل فيه بان يكون فى آيات مختلفة او للتأكيد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الذين يُجادلون}: بدل من الموصول قبله المجرور، أو: رفع، أو: نصب على الذم. يقول الحق جلّ جلاله: {أَلَمْ تَرَ إِلى الذين يُجادلون في آيات الله}، كرر الحق تعالى الجدال في هذه السورة ثلاث مرات، فإما أن يكون في ثلاث طوائف: الأول في قوم فرعون، والثاني في اليهود، والثالث في المشركين، وإما للتأكيد، أي: انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات الله الواضحة، الموجبة للإيمان بها، الزاجرة عن الجدال فيها، {أَنَّى يُصْرَفُون} أي: كيف يُصرفون عنها، مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها، وانتفاء الصوارف عنها بالكلية. وهذا تعجيب من أحوالهم الركيكة، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن، أو بسائر الكتب والشرائع، كما أبانه بقوله: {الذي كذَّبوا بالكتاب} أي: بالقرآن، أو: بجنس الكتب السماوية، {وبما أرسلنا به رسلنا} من سائر الكتب، أو: الوحي، أو: الشرائع، {فسوف يعلمون} عاقبة ما فعلوا من الجدال والتكذيب، عند مشاهدتهم لأنواع العقوبات. {إِذِ الأغلالُ في أعناقهم} أي: سوف يعلمون حين تكون الأغلال في أعناقهم. و "إذ": ظرف للماضي، والمراد به هنا: الاستقبال؛ لأن الأمور المستقبلة لَمّا كانت محققة الوقوع، مقطوعاً بها، عبّر بما كان ووُجد. {و} في أعناقهم أيضاً {السلاسلُ}. وفي تفسير ابن عرفة: ولا يجوز مثل ذلك في العقوبات الدنيوية، وقياسه على العقوبات الأخروية خطأ، وفاعله مخطىء غاية الخطأ، ولم يذكر الأئمة في اعتقال المحبوس للقتل؛ إلا أنه يجعل القيد من الحديد في رِجْلِه، خيفة أن يهرب، وأما عنقه فلا يُجعل فيه شيء. هـ. {يُسْحَبون في الحميم} أي: يُجرّون في الماء الحارّ، وهو استئناف بياني، كأن قائلاً قال: فماذا يكون حالهم بعد ذلك؟ فقال: يُسحبون في الحميم، {ثم في النار يُسْجَرُون} ويُحرقون، من سَجَر التنّور: إذا ملأه بالوقود، والمراد: أنهم يُعذبون بأنواع العذاب، ويُنقلون من لون إلى لون. {ثم قيلَ لهم أين ما كنتم تُشركون من دون الله قالوا ضَلُّوا عنا} أي: غابوا، وهذا قبل أن يُقرن بهم آلهتهم، أو: ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم، {بل لم نكن ندعو من قبلُ شيئاً} أي: تبيّن لنا أنهم لم يكونوا شيئاً. أو: يكون إنكاراً منهم، كقولهم: {أية : واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. وهذا كله مستقبل عبّر عنه بالماضي لتحققه. {كذلك} أي: مثل ذلك الضلال الفظيع {يُضل الله الكافرين} حيث لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو: كما ضلّ عنهم آلهتهم يُضلهم الله عن آلهتهم، حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا. {ذلكم} الإضلال {بما كنتم تفرحون في الأرض} أي: تبطرون وتتكبرون {بغير الحق}، بل بالشرك والطغيان، {وبما كنتم تمرحون}؛ تفخرون وتختالون، أو: تتكبرون وتعجبون. والالتفات إلى الخطاب؛ للمبالغة في التوبيخ. فيقال لهم: {ادْخُلوا أبوابَ جهنَّم} أي: أبوابها السبعة المقسومة عليكم {خالدين فيها} مقدّراً خلودكم فيها، {فبئسَ مثوى المتكبرين} عن الحق، والمخصوص محذوف، أي: جهنّم. الإشارة: الأولياء العارفون أهل التربية الكاملة، آية من آيات الله في كل زمان، فيقال في حق مَن يُخاصم في وجوههم، ويتنكّب عن صحبتهم: الذين يُجادلون في آيات الله أنَّى يُصرفون؟ وهم الذين كذَّبوا بأسرار الكتاب، وعلوم باطنه، وبما أرسل به خلفاء الرسل، ممن يغوص على تلك الأسرار، فسوف يعلمون حين تخاطبهم أغلال الوساوس والخواطر، وسلاسل العلائق والشواغل، فيقبضهم عن النهوض إلى قضاء الشهود والعيان، وجولان الفكرة في أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، يُسحبون في حرّ التدبير والاختيار، ثم في نار القطيعة يُسْجَرون، ثم قيل لهم إذا ماتوا: أين ما كنتم تُشركون في المحبة والميل من دون الله؟ قالوا: ضلُّوا عنا، وغاب عنهم كل ما تمتعوا به من الحظوظ والشهوات، فيقال لهم: ذلكم بما كنتم تنبسطون في الدنيا في أنواع المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، وبما كنتم تفتخرون على الناس، فيخلدون في الحجاب، إلا في وقت مخصوص. وبالله التوفيق. ثم أمر بالصبر وانتظار الفتح، فقال: {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} من الله.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللهِ} القرآن ورسالة نبينا صلى الله عليه وسلم* {أَنَّى يُصْرَفُونَ} عن التصديق وقيل نزلت في القدرية وكرر ذم المجادلة لتعدد المجادل أو المجادل فيه أو للتأكيد قاله القاضي.
اطفيش
تفسير : أى الى الذين بنوا جدالهم على ما لا وجه لثبوته، وهذا المعنى غير متقدم، فلا تكرير، لكن ما الدليل على أن هذا مراد هنا، ولم يرد فيما تقدم، فأولى منه أنه كرر للتأكيد أو المجادلون هنا غير المجادلين هناك، أو الجدال هناك فى البعث، وهنا فى التوحيد.
الالوسي
تفسير : ((تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن وبسائر الكتب والشرائع وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن ما سبق من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ }تفسير : [غافر: 56] الخ بيان لابتناء جدالهم على مبنى فاسد لا يكاد يدخل تحت الوجود فلا تكرير فيه)) كذا في «إرشاد العقل السليم». وقال القاضي: تكرير ذكر المجادلة لتعدد المجادل بأن يكون هناك قوماً وهنا قوماً آخرين أو المجادل فيه بأن يحمل في كل على معنى مناسب ففيما مر في البعث وهنا في التوحيد أو هو للتأكيد اهتماماً بشأن ذلك، واختار ما في «الإرشاد»، ((أي انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها وانتفاء الصوارف عنها بالكلية)).
ابن عاشور
تفسير : بنيت هذه السورة على إبطال جدل الذين يجادلون في آيات الله جدال التكذيب والتورّك كما تقدم في أول السورة إذ كان من أولها قوله: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}تفسير : [غافر: 4] وتكرر ذلك خمس مرات فيها، فنبه على إبطال جدالهم في مناسبات الإِبطال كلها إذ ابتدىء بإبطاله على الإِجمال عقب الآيات الثلاث من أولها بقوله: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} تفسير : [غافر: 4] ثم بإبطاله بقوله: {أية : الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله}تفسير : [غافر: 35]، ثم بقوله: {أية : إنَّ الذين يُجادلُون في ءايٰتِ الله بِغَير سُلطانٍ أتاهم إن في صُدُورهم إلاَّ كِبْرٌ} تفسير : [غافر: 56] ثم بقوله: {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِين يُجٰدِلُون في آياتِ الله أنَّى يُصْرَفُون}. وذلك كله إيماء إلى أن الباعث لهم على المجادلة في آيات الله هو ما اشتمل عليه القرآن من إبطال الشرك فلذلك أعقب كل طريقة من طرائق إبطال شركهم بالإِنحاء على جدالهم في آيات الله، فجملة {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِين يُجٰدِلُون في آياتِ الله} مستأنفة للتعجيب من حال انصرافهم عن التصديق بعد تلك الدلائل البيّنة. والاستفهام مستعمل في التقرير وهو منفي لفظاً، والمراد به: التقرير على الإِثبات، كما تَقدم غير مرة، منها عند قوله: {أية : قال أو لم تؤمن}تفسير : في سورة [البقرة: 260]. والرؤية عِلمية، وفعلها معلق عن العمل بالاستفهام بــــ {أنَّىٰ يُصْرَفُونَ}، و (أنَّى) بمعنى (كيف)، وهي مستعملة في التعجيب مثل قوله: {أية : أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}تفسير : [آل عمران: 47] أي أرأيت عجيب انصرافهم عن التصديق بالقرآن بصارف غير بيّن منشَؤه، ولذلك بني فعل {يصرفون}للنائب لأن سبب صرفهم عن الآيات ليس غير أنفسهم. ويجوز أن تكون (أنَّى) بمعنى (أين)، أي أَلا تعجبُ من أين يصرفهم صارف عن الإِيمان حتى جادلوا في آيات الله مع أن شُبَه انصرافهم عن الإِيمان منتفية بما تكرر من دلائل الآفاق وأنفسِهم وبما شاهدوا من عاقبة الذين جادلوا في آيات الله ممن سبقهم، وهذا كما يقول المتعجب من فعل أحد «أين يُذْهَب بك». وبناء فعل {يصرفون} للمجهول على هذا الوجه للتعجيب من الصارف الذي يصرفهم وهو غير كائن في مكان غير نفوسهم. وأبدل {الَّذِينَ كَذَّبُوا بالكِتٰبِ} من {الَّذِينَ يُجٰدِلُون} لأن صلتي الموصولين صادقتان على شيء واحد، فالتكذيب هو ما صْدَقُ الجدال، والكتاب: القرآن. وعَطْف {وَبِمَا أرْسَلنا به رُسُلنا} يجوز أن يكون على أصل العطف مقتضياً المغايرة، فيكون المراد: وبما أرسلنا به رسلنا من الكتب قبل نزول القرآن، فيكون تكذيبهم ما أُرسلت به الرسل مراداً به تكذيبهم جميعَ الأديان كقوله تعالى: {أية : وما قدروا اللَّه حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91]، ويحتمل أنه أريد به التكذيب بالبعث فلعلهم لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بإثبات البعث سألوا عنه أهل الكتاب فأثبتوه فأنكر المشركون جميع الشرائع لذلك. ويجوز أن يكون عطفَ مرادف، فائدته التوكيد، والمراد بــــ {رسلنا} محمد صلى الله عليه وسلم كقوله: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين}تفسير : [الشعراء: 105] يعني الرسول نوحاً على أن في العطف فائدة زائدة على ما في المعطوف عليه وهي أن مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مواعظ وإرشاداً كثيراً ليس من القرآن. وتفرع على تكذيبهم وعيدهم بما سيلقونه يوم القيامة فقيل فسوف يعلمون، أي سوف يجدون العذاب الذي كانوا يجادلون فيه فيعلمونه. وعبر عن وجدانهم العذاب بالعلم به بمناسبة استمرارهم على جهلهم بالبعث وتظاهرهم بعدم فهم ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم فأنذروا بأن ما جهلوه سيتحققونه يومئذٍ كقول الناس: ستعرف منه ما تجهل، قال أبو علي البصير:شعر : فتذم رأيك في الذين خصصتَهم دُوني وتَعْرِف منهم ما تجهل تفسير : وحذف مفعول {يعلمون} لدلالة {كَذَّبُوا بِالكِتٰبِ} عليه، أي يتحققون ما كذبوا به. والظرف الذي في قوله: {إذِ الأغْلالُ في أعْنٰقِهِم} متعلق بــــ {يعلمون} أي يعلمون في ذلك الزمن. وشأن (إذْ) أن تكون اسماً للزمن الماضي واستعملت هنا للزمن المستقبل بقرينة (سوف) فهو إما استعمالُ المجاز بعلاقة الإِطلاق، وإما استعارة تبعية للزمن المستقبل المحقق الوقوع تشبيهاً بالزمن الماضي وقد تكرر ذلك. ومنه اقترانها بــــ (يوم) في نحو قوله: {أية : يومئذ تحدث أخبارها}تفسير : [الزلزلة: 4]، وقوله: {أية : يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه} تفسير : [الروم: 4، 5]. وأول ما يعلمونه حين تكون الأغلال في أعناقهم أنهم يتحققون وقوع البعث. والأغلال: جمع غُل، بضم العين، وهو حلقة من قِدَ أو حديد تحيط بالعنق تناط بها سلسلة من حديد، أو سَير من قِدّ يُمسك بها المجرم والأسير. والسلاسل: جمع سِلْسِلة بكسر السينين وهي مجموع حلق غليظة من حديد متصل بعضها ببعض. ومن المسائل ما رأيته أن الشيخ ابن عرفة كان يوماً في درسه في التفسير سئل: هل تكون هذه الآية سنداً لما يفعله أمراء المغرب أصلحهم الله من وضع الجناة بالأغلال والسلاسل جرياً على حكم القياس على فعل الله في العقوبات كما استنبطوا بعض صور عقاب من عمل قوم لوط من الرجم بالحجارة، أو الإِلقاء من شاهق. فأجاب بالمنع لأن وضع الغل في العنق ضرب من التمثيل وإنما يوثق الجاني من يده، قال: لأنهم إنما قاسوا على فعل الله في الدنيا ولا يقاس على تصرفه في الآخرةحديث : لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإِحراق بالنار، وقوله: "إنما يعذب بها رب العزة"تفسير : . وجملة {يُسْحَبُون في الحَمِيم} حال من ضمير {أعناقهم} أو من ضمير {يعلمون}. والسَّحْب: الجرّ، وهو يجمع بين الإِيلام والإِهانة. والحميم: أشد الحرّ. و (ثُمّ) عاطفة جملة {فِي النَّارِ يُسْجَرون} على جملة {يُسْحَبون في الحَمِيم}. وشأن (ثمّ) إذا عطَفَت الجمل أن تكون للتراخي الرتبي وذلك أن احتراقهم بالنار أشد في تعذيبهم من سحبهم على النار، فهو ارتقاء في وصف التعذيب الذي أُجمل بقوله: {فَسَوفَ يَعْلَمُونَ} والسَّجْرُ بالنار حاصل عقب السحب سواء كان بتراخٍ أم بدونه. والسجر: ملْءُ التنور بالوقود لتقوية النار فيه، فإسناد فعل {يسجرون} إلى ضميرهم إسناد مجازي لأن الذي يسجر هو مكانهم من جهنم، فأريد بإسناد المسجور إليهم المبالغة في تعلق السجر بهم، أو هو استعارة تبعية بتشبيههم بالتنور في استقرار النار بباطنهم كما قال تعالى: {أية : يصهر به ما في بطونهم والجلود}تفسير : [الحج: 20].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 69- ألم تنظر إلى الذين يجادلون فى آيات الله الواضحة كيف يُصرفون عن النظر فيها ويصرون على ما هم فيه من ضلال؟. 70، 71، 72، 73، 74- الذين كذَّبوا بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا - جميعاً - من الوحى، فسوف يعلمون عاقبة تكذيبهم حين تكون الأغلال والسلاسل فى أعناقهم، يجرون بها فى الماء الذى بلغ الغاية فى الحرارة، ثم بعد ذلك يلقون فى النار يصطلون حرها، ثم يقال لهم - توبيخاً وتبكيتاً -: أين معبوداتكم التى كنتم تعبدونها من دون الله؟ قال الكافرون: غابوا عنا، بل الحق أننا لم نكن نعبد من قبل فى الدنيا شيئاً يعتد به. مثل هذا الإضلال الشنيع يُضل الله الكافرين عن سبيل الحق لعلمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهدى. 75، 76- يُقال للكافرين: ذلكم العذاب بسبب ما كنتم فى الدنيا تفرحون فى الأرض بغير ما يستحق الفرح، وبسبب توسعكم فى الفرح بما يصيب أنبياء الله وأولياءه من أذى، ادخلوا أبواب جهنم مقدراً لكم فيها الخلود، فبئس مستقر المتكبرين جهنم. 77- فاصبر - يا محمد - إن وعد الله لك - بعذاب أعدائك - حق لا ريب فيه، وسيأتيهم هذا العذاب إمَّا فى حياتك أو حين يرجعون إلينا، فإن نُرِكَ بعض ما خوَّفناهم من العذاب فى حياتك فذاك، وإن نُمِتْك قبل ذلك فإلينا يرجعون، فنحاسبهم على ما كانوا يفعلون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يجادلون في آيات الله: أي في القرآن وما حواه من حجج وبراهين دالة على الحق هادية إليه. أنى يصرفون: أي كيف يصرفون عن الحق مع وضوح الأدلة وقوة البراهين. الذين كذبوا بالكتاب: أي بالقرآن. وبما أرسلنا به رسلنا: من وجوب الإسلام لله بعبادته وحده وطاعته في أمره ونهيه والإِيمان بلقائه. فسوف يعلمون: أي عقوبة تكذيبهم. إذ الأغلال في أعناقهم: أي وقت وجود الأغلال في أعناقهم يعلمون عاقبة كفرهم وتكذيبهم. ثم في النار يسجرون: أي يوقدون. ثم يقال لهم أين ما كنتم: أي يسألون هذا السؤال تبكيتاً لهم وخزياً. تشركون من دون الله: أي تعبدونهم مع الله. قالوا ضلوا عنا: أي غابوا عنا فلم نرهم. بل لم نكن ندعو من قبل شيئا: أي أنكروا عبادة الأصنام، أوْ لَمْ يعتبروا عبادتها شيئاً وهو كذلك. كذلك يضل الله الكافرين: أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله الكافرين. بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق: أي بالشرك والمعاصي. وبما كنتم تمرحون: أي بالتوسع في الفرح، لأن المرح شدة الفرح. فبئس مثوى المتكبرين: أي دخول جهنم والخلود فيها بئس ذلك مأوى للمتكبرين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد وإلى الإِيمان بالبعث والجزاء، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ} أي يا محمد {إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} القرآنية لإِبطالها وصرف الناس عن قبولها أو حملهم على إنكارها وتكذيبها والتكذيب بها وهذا تعجيب من حالهم. وقوله تعالى: {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد ظهور أدلته. وقوله {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ} الذي هو القرآن {وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} من التوحيد والإِيمان {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة تكذيبهم وقت ما تكون الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أرجلهم يسحبون أي تسحبهم الزبانية في الحميم هو ماء حار تناهى في الحرارة في النار يسجرون أي توقد بهم النار كما توقد بالحطب، هذا عذاب جسماني ووراءه عذاب روحاني إذ تقول لهم الملائكة توبيخا وتبكيتاً وتأنيبا وتقريعاً: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ} أي أين أوثانكم التي كنتم تعبدونها مع الله؟ فيقولون: ضلوا عنا أي غابوا فلم نرهم، بل ما كنا ندعو من قبل شيئاً هذا إنكار منهم حملهم عليه الخوف أو هو بحسب الواقع أنهم ما كانوا يعبدون شيئاً إذ عبادة الأصنام ليست شيئاً لبطلانها. وقوله {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} أي حل بكم هذا العذاب بسبب فرحكم بالباطل من شرك وتكذيب وفسق وفجور، في الدنيا، وبسبب مرحكم أيضا وهو أشد الفرح وأخيراً يقال لهم {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} باباً بعد باب وهي أبواب الدركات {خَالِدِينَ فِيهَا} لا تموتون ولا تخرجون {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} أي ساء وقبح مثواكم في جهنم من مثوى أي مأوى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التعجيب من حال المكذبين بآيات الله المجادلين فيها كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح أدلته وقوة براهينه. 2- إبراز صورة واضحة للمكذبين بالآيات المجادلين لإِبطال الحق وهم في جهنم يقاسون العذاب بعد أن وضعت الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أرجلهم يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون. 3- ذم الفرح بغير فضل الله ورحمته، وذم المرح وهو أشد الفرح. 4- ذم التكبر وسوء عاقبة المتكبرين الذين يمنعهم الكبر من الاعتراف بالحق ويحملهم على احتقار الناس وازدراء الضعفاء منهم.
القطان
تفسير : بالكتاب: بالقرآن. يُسحبون: يجرون. في الحميم: في الماء الحار. يُسْجَرون: يحرقون. ضلوا عنا: غابوا عنا. تفرحون: تبطرون وتسرّون. تمرحون: تختالون من شدة الفرح. المثوى: مكان الاقامة. الم تنظر أيها الرسول الى هؤلاء الجاحدين كيف يجادلون في آيات الله الواضحة، ويحاولون أن يبطلوها، وكيف يُصرفون عن النظر فيها، ويصرّون على ضلالهم. لقد كذّبوا بالقرآن، وبما ارسلنا به رسُلَنا جميعا، فسوف يرون جزاء تكذيبهم حين تكون الأغلال في رقابهم يُجرون بها في الماء الحار، ثم يُحرقون في نار جهنم، ثم يقال لهم: اين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون: لقد غابوا عنا {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} بل تبيَّن لنا أننا لم نكن نعبد في الدنيا شيئا يُعتد به. وكما أضل الله تعالى هؤلاء، كذلك يضلُّ الكافرين. وهذا الذي فعلنا بكم اليوم من شديد العذاب انما هو جزاء بسبب ما كنتم تفرحون وتبطرون وتتكبرون في الارض بغير الحق، وما كنتم تتمتعون به وتمرحون. ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فبئس منزل المتكبرين. ثم امر رسوله بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، وأكَّدَ ان وعد الله له بهلاك الكافرين حق، وسيأتيهم هذا العذاب إما في حياتك يا محمد او حين يرجعون الينا، او نتوفينك قبل ان تراه، {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} جميعا فنجازيهم بما كانوا يعملون. ثم يسلي الرسولَ الكريم ومن معه بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} وتقدّم مثل هذا النص في سورة النساء: 164. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} يبين الله تعالى ان الرسلَ بشرٌ مكلفون بالتبشير والانذار وتعليم الناس، أما المعجزات فهي بأمر الله وحسب مقتضى حكمته. ولا يمكن لرسول ان يأتي بمعجزة الا بأمر الله ومشيئته. فاذا جاء أمر الله بالعذاب في الدنيا او الآخرة قضى بين الناس بالعدل. {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ} ولم يعد هناك مجال للتوبة ولا للرجعة إلى الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُجَادِلُونَ} {ۤ آيَاتِ} (69) - أَلاَ تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللهِ، والَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي الحَقِّ بِالبَاطِلِ، كَيْفَ تُصْرَفُ عُقُولُهُمْ عَنْ الهُدَى إِلَى الضَّلاَلَةِ؟ أَنَّى يُصْرَفُونَ - كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الآيَاتِ مَعَ وُضُوحِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: يجادلون في آيات الله، وهي على ثلاثة أنواع: آيات كونية كالشمس والقمر. وآيات المعجزات التي تصاحب بعثة الرسل. وآيات القرآن حاملة الأحكام. ورأينا أنهم جادلوا في المعجزات فقالوا عنها: سحر. وقالوا: شعوذة. وجادلوا في آيات الأحكام وقالوا: إنها غير مناسبة، أما الآيات الكونية، فليستْ محلاً للجدال. قوله: {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} [غافر: 69] أي: يُصرفون عن الحق وهو واضح فأين عقولهم المفكرة {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 70] قال: {كَذَّبُواْ ..} [غافر: 70] بزمن الماضي، لكن في الجزاء قال {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 70]. يعني: في المستقبل، قالوا: لأن الجزاء ليس بالضرورة أن يكون في نفس الوقت أو وهم موجودون في سعة الحياة الدنيا، يصح أن نؤخر لهم الجزاء في الآخرة. وكلمة سوف دلَّتْ على المستقبل سواء القريب في الدنيا أو البعيد في الآخرة، فإذا لم يدركهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة، كما قال تعالى: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يصلنا دائماً به وَصْلاً بحيث لا يأتي غيره على بالنا، هذا الوصل يجعلك حينما تأتي الأشياء لا تظن أنك أخذتها بذاتيتك، إنما هي موهوبة لك، وللواهب أن يرجع في هبته. ولذلك ينبهنا سبحانه فيقول: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] ثم يقول بعدها: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8] يعني: تذكَّر مردَّك إليه ووقوفك بين يديه. وقوله (الكتاب) أي: الذي أنزله الله حاملاً لمنهجه {وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ..} [غافر: 70] أي: على ألسنة رسله، فإنْ قلت الكتاب هو ما أرسلنا به رسلنا، نقول: لا .. هناك فرق، فالكتاب هو المنهج، أما الرسول فقد أُرسل يحمل المنهج ويُبلِّغه وأُسْوة تطبيقه لذات المنهج كما قال سبحانه: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ..} تفسير : [الأحزاب: 21].
الجيلاني
تفسير : ومع سرعة نفوذ قضاء الله، وظهور هذه الآثار العظيمة من قدرته الكاملة على الوجه المذكور {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى} المشركين المسرفين {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ} ويكابرون {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على كمال علمه وقدرته، ومتانة حكمه وحكمته {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ} [غافر: 69] أي: إلى أين ينصرفون عن عبادته، ويعرضون عن ساحة عز الوحدة الذاتية؟. سيما إلى المكابرين {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ} أي: بالقرآن الجامع الكامل المنزل عليك يا أكمل الرسل {وَبِمَآ أَرْسَلْنَا} أي: بجميع ما أرسلنا {بِهِ رُسُلَنَا} الذين مضوا من قبلك من الكتب والصحف المنزلة عليهم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 70] وبال جدالهم وتكذيبهم في النشأة الأخرى. وقت {إِذِ} تكون {ٱلأَغْلاَلُ} الثقيلة معقودة {فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} بسبب انصرافهم عن آيات الله، وعدم التفاتهم إلى رسله الحاملين {وٱلسَّلاَسِلُ} في أيديهم وأرجلهم؛ لعظم جرائمهم وآثامهم الباعثة على أخذهم ومقتهم {يُسْحَبُونَ} [غافر: 71] ويجرون على وجوههم، {فِي ٱلْحَمِيمِ} أي: الجحيم إلى ما شاء الله تفضيحاً لهم {ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ} المسعرة {يُسْجَرُونَ} [غافر: 72] يوقدون، ويطرحون فيها طرح الحطب الوقود للنار. {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ} من قبل الحق توبيخاً وتقريعاً: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ} [غافر: 73] أي: أين أصنامكم وأوثانكم، وعموم معبوداتكم التي ادعيتم شركتها مع الله في الألوهية، ويسميتوهم آلهة {مِن دُونِ ٱللَّهِ} لم لا تنقذكم من عذاب الله، ولم لا يشفعون لكم عنده سبحانه بمقتضى ما زعمتم في شأنكم؟. وبعدما سمعوا ما سمعوا من التوبيخ والتقريع {قَـالُواْ} متحسرين متأوهين: {ضَـلُّواْ} وغابوا {عَنَّا} آلهتنا وشفعاؤنا التي كنا ندعو إليه ونستشفع منهم {بَل} قد ظهر اليوم أنًَّا {لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ} في النشأة الأولى شيئاً ينفعنا، ويدفع عنَّا من غضب الله {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ} المنتقم المضل {ٱلْكَافِرِينَ} [غافر: 74] الضالين؟ حيث لا ينكشفون بضلالهم إلا وقت حلول العذاب والوبال عليهم. ثم قيل لهم مبالغة في توبيخهم وتعييرهم: {ذَلِكُمْ} أي: إضلال الله إياكم {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ} وتمشون عليها خيلاء بطرين مسرورين، مستكبرين عن قبول آيات الله المنزلة على رسله، مكذبين لهم {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: بلا دليل عقلي قطعي، أو سمعي إقناعي، أو ظني، بل بمجرد الوهم الناشئ من كبركم وخيلائكم {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] أي: تتوسعون، وتتوفرون على أنفسكم الفرح والسرور بمخالفتكم حدود الله وسنن أنبيائه ورسله عناداً ومكابرة. ثم قيل لهم بعد تفضيحهم على رءوس الأشهاد: {ٱدْخُلُوۤاْ} أيها المسرفون الضالون {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} المعدة لكم بدل ما فوَّتهم على نفوسكم من الدرجات العلية الجنانية، وكونوا {خَالِدِينَ فِيهَا} أبد الآبدين {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [غافر: 76] ومأواهم جهنم البعد والخذلان، وجحيم الطرد والحرمان، أعاذنا الله وعموم المؤمنين. وبعدما ظهر واتصح مآل حال الكفرة المستكبرين وعاقبة أمرههم {فَٱصْبِرْ} يا أكمل الرسل على أذاهم، و انتظر إلى هلاكهم الموعود، وثق بالله في إنجاز وعده {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} القدير الحكيم بإهلاك المشركين المكذبين المسرفين {حَقٌّ} ثابت محقق ثبوته ألبتة، بلا خلف منه سبحانه؛ إذ الله لا يخلف المعياد مطلقاً، إلا أن وعده سبحاه مرهون بأجل مقدر عنده. ولا تحزن من تأخير الموعود، ولا تعجل لحلول الأجل المعهود {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ} أي: فإن نُرِكَ ونُبصرك، زيد "ما" في أول الفعل، والنون في آخره للتأكيد والمالبغة {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من القتل والسبي والجلاء، فذاك تحقق وعدنا إياك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} ونميتنك قبل حلول إهلاكهم وتعذيبهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] أي: لا تحزن من تأخير الموعود، وبعد توفيك أيضاً؛ إذ نحن نعذبهم، وننتقم عنهم بعد رجوعهم إلينا في النشأة الأخرى بأضعاف ما في النشأة الأولى وآلافها. وبالجملة: بعدما وعدنا لهم العذاب بانحرافهم عن سبيل الرشاد، مصرين على المكابرة والعناد، أنجزنا الموعود ألبتة سواء كان عاجلاً أم آجلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } الواضحة البينة متعجبًا من حالهم الشنيعة. { أَنَّى يُصْرَفُونَ } أي: كيف ينعدلون عنها؟ وإلى أي شيء يذهبون بعد البيان التام؟ هل يجدون آيات بينات تعارض آيات الله؟ لا والله. أم يجدون شبهًا توافق أهواءهم، ويصولون بها لأجل باطلهم؟ فبئس ما استبدلوا واختاروا لأنفسهم، بتكذيبهم بالكتاب، الذي جاءهم من الله، وبما أرسل الله به رسله، الذين هم خير الخلق وأصدقهم، وأعظمهم عقولا فهؤلاء لا جزاء لهم سوى النار الحامية، ولهذا توعدهم الله بعذابها فقال: { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ } التي لا يستطيعون معها حركة. { وَالسَّلاسِلُ } التي يقرنون بها، هم وشياطينهم { يُسْحَبُونَ * في الحميم } أي: الماء الذي اشتد غليانه وحره. { ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } يوقد عليهم اللهب العظيم، فيصلون بها، ثم يوبخون على شركهم وكذبهم. ويقال { لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } هل نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟. { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } أي: غابوا ولم يحضروا، ولو حضروا، لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا: { بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا } يحتمل أن مرادهم بذلك، الإنكار، وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل -وهو الأظهر- أن مرادهم بذلك، الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس للّه شريك في الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون، بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } أي: كذلك الضلال الذي كانوا عليه في الدنيا، الضلال الواضح لكل أحد، حتى إنهم بأنفسهم، يقرون ببطلانه يوم القيامة، ويتبين لهم معنى قوله تعالى: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } تفسير : ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } تفسير : الآيات. ويقال لأهل النار { ذَلِكُمْ } العذاب، الذي نوع عليكم { بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ } أي: تفرحون بالباطل الذي أنتم عليه، وبالعلوم التي خالفتم بها علوم الرسل وتمرحون على عباد الله، بغيًا وعدوانًا، وظلمًا، وعصيانًا، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: {أية : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ }. تفسير : وكما قال قوم قارون له: {أية : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }. تفسير : وهذا هو الفرح المذموم الموجب للعقاب، بخلاف الفرح الممدوح الذي قال الله فيه: {أية : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } تفسير : وهو الفرح بالعلم النافع، والعمل الصالح. { ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } كل بطبقة من طبقاتها، على قدر عمله. { خَالِدِينَ فِيهَا } لا يخرجون منها أبدًا { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } مثوى يخزون فيه، ويهانون، ويحبسون، ويعذبون، ويترددون بين حرها وزمهريرها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):