Verse. 4210 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

فَاصْبِرْ اِنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ۝۰ۚ فَاِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِيْ نَعِدُہُمْ اَوْ نَتَـوَفَّيَنَّكَ فَاِلَيْنَا يُرْجَعُوْنَ۝۷۷
Faisbir inna waAAda Allahi haqqun faimma nuriyannaka baAAda allathee naAAiduhum aw natawaffayannaka failayna yurjaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فاصبر إن وعد الله» بعذابهم «حق فإما نرينَّك» فيه إن الشرطية مدغمة وما زائدة تؤكد معنى الشرط أول الفعل والنون تؤكد آخره «بعض الذي نعدهم» به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف، أي فذاك «أو نتوفينك» أي قبل تعذيبهم «فإلينا يرجعون» فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم من أول السورة إلى هذا الموضع في تزييف طريقة المجادلين في آيات الله، أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبر على إيذائهم وإيحاشهم بتلك المجادلات، ثم قال: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } وعنى به ما وعد به الرسول من نصرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه، ثم قال: {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } يعني أولئك الكفار من أنواع العذاب، مثل القتل يوم بدر، فذلك هو المطلوب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل إنزال العذاب عليهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } تفسير : [الزخرف: 41، 42]. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقُصُّ عَلَيْكَ } والمعنى أنه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنت كالرسل من قبلك، وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين، وليس فيهم أحد أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه فيها وكذبوه فيها وجرى عليهم من الهم ما يقارب ما جرى عليك فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظهار المعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل العناد والتعنت، ثم إن الله تعالى لما علم أن الصلاح في إظهار ما أظهره، وإلا لم يظهره ولم يكن ذلك قادحاً في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً، لا جرم ما أظهرناها، وهذا هو المراد من قوله {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } ثم قال: {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقّ } وهذا وعيد ورد عقيب اقتراح الآيات {وَأَمَرُّ ٱللَّهِ } القيامة {والمبطلون} هم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، ويقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل التعنت.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم، بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه؛ فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ} أي: في الدنيا، وكذلك وقع؛ فإن الله تعالى أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم، أبيدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته صلى الله عليه وسلم وقوله عز وجل: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} أي: فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة، ثم قال تعالى مسلياً له: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} كما قال جل وعلا في سورة النساء سواء، أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم، ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة، {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات، إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدل على صدقه فيما جاءهم به، {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين، {قُضِىَ بِٱلْحَقِّ} فينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين، ولهذا قال عز وجل: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بعذابهم {حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } فيه إن الشرطية مدغمة، و ما زائدة تؤكد معنى الشرط أوّل الفعل والنون تؤكد آخره {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } به من العذاب في حياتك و جواب الشرط محذوف أي فذاك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل تعذيبهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } فنعذبهم أشدّ العذاب، فالجواب المذكور للمعطوف فقط.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}. والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه. قوله: {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ} قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و "ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: "إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ" قال أبو حيان: "وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، وما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج. ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً. قوله: {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه. وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري: "فَإِلَيْنَا" متعلق بقوله "نَتَوفَّينَّكَ" وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ "نَتَوَفَّيَنَّكَ" قبل يوم بدر "فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ" فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ. وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب "إما نُرِيَنَّكَ" محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون "فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ "فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون" ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب "أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ" أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ}تفسير : [الزخرف:41 و42]. إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قول الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب. قوله: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا} يجوز أن يكون "مِنْهُمْ" صفة "لِرُسُولاً" فيكون "مَنْ قَصَصْنَا" فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و"مَنْ" مبتدأ مؤخر. ثم في الجملة وجهان: أحدهما: الوصف "لِرُسُلاً" وهو الظاهر. والثاني: الاستئناف. فصل معنى الآية قال لمحمد (ـ صلى الله عليه وسلم ـ)، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة عِناداً وعبثاً، {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها. ثم قال: {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ} وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ...} الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد. قال الزجاج: "الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة)"، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: "مِنْهَا.... وَمِنْهَا". "من" الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: "لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها". وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ. فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: "لِتَرْكَبُوا" وعلى قوله: "لِتَبْلُغُوا" ولم يدخل على البَوَاقِي؟. فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل:8] فأدخل حرف التعليل على "الرُّكُوبِ" ولم يدخله على الزِّينَةِ. قوله {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا} أي بعضها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [هود:40]؟. فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ "عَلَى" أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: {وعليها وعلى الفلك تحملون}. وقال بعضهم: إن لفظة "فِي" هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها. قوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائل قدرته، وقوله: {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ} منصوب بـ "تُنْكِرُونَ" وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين "أي" يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي: "أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ" يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرق عَسِرٌ. وقال الزمخشري: "فأَيَّ آيَاتِ" جاءت على اللغة المستفيضة وقولك: فأية آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ): وِمن قلة تأنيث أيٍّ قولُه: شعر : 4351ـ بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ تفسير : وقوله: وهو في "أي" أغرب إن عَنَى "أيًّا" على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}تفسير : [الفجر:27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يـٰأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية. قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ. فصل معنى قوله {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [الآية: 77]. قال أبو بكر بن طاهر: اصبر على شدائد الدنيا فإن وعد الله حق لمن صبر فيها على الشدائد أن يوصله إلى الراحة الكبرى وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}. كُنْ بِقلبكَ فارغاً عنهم، وانظر من بعدُ إلى ما يُفعلُ بهم، واستيقن بأنه لا بقاء لجولة باطلهم.. فإن لقيت بعض ما نتوعدُهم به وإلاّ فلا تكُ في ريبٍ من مقاساتهم ذلك بَعْدُ. ثم أكَّدَ تسليتَه إياه وتجديدَ تصبيره وتعريفه بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ}. قصصنا عليك قصصَ بعضهم، ولم نخبرك عن قصص آلاخرين. ولم يكن في وسع أحدٍ الإتيان بمعجزة إلا إذا أظهرنا نحن عليه ما أردنا إذا ما أردنا. فكذلك إن طالبُوك بآيةٍ فقد أظهرنا عليك من الآيات ما أزحنا به العُذْر، وأوضحنا صِحّةَ الأمر.. وما اقترحُوه.. فإن شئنا أظْهَرنا، وإن شِئنا تَرَكنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاصبر} يا محمد على اذية قومك لك بسبب تلك المجادلات وغيرها الى ان يلاقوا ما اعد لهم من العذاب {ان وعد الله حق} اى وعده بتعذيبهم حق كائن لا محالة {فاما نرنيك} اى فان نرك: وبالفارسية [بس اكربنماييم بتو] وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذا لحقت النون الفعل ولا تلحقه مع ان وحدها فلا تقول ان تكرمنى اكرمك بنون التأكيد بل اما تكرمنى اكرمك {بعض الذى نعدهم} وهو القتل والاسر وجوابه محذوف اى فذاك {او نتوفينك} قبل ان تراه: وبالفارسية [اكر بميرانيم ترا بيش از ظهور آن عذاب] {فالينا يرجعون} وهو جواب نتوفينك اى يردون الينا يوم القيامة لا الى غيرنا فنجازيهم باعمالهم [بس هيج وجه ايشانرا فرونخواهيم كذاشت وحق سبحانه وتعالى درين دنيا بعضى ازعذاب كفار بسيد ابرار عليه السلام نمود ازقتل واسر وقحط وجزآن وباقى عقوبات ايشان درعقبى خواهد بود] شعر : دوستان هردوعالم شاد وخرم مىزيند دشمنان درمخت وغم اين سراو آن سرا تفسير : اما سرور الاولياء فى الآخرة فظاهر واما سرورهم فى الدنيا فان الحق بايديهم وهم راضون عن الله على كل حال فى الفقر والغنى والصحة والمرض فلا يكدّرهم شىء من الاكدار لشهودهم المبلى فى البلاء وتهيئتهم لنعيم الآخرة واما غم الاعداء فى الدنيا فمما لا حاجة الى بيانه اذ من كان مع النفس فى الدنيا كيف يستريح ومن كان مع سخط الله فى الآخرة كيف يضحك. وفى الآية اشارة الى كيفية القدوم على الله فان كان العبد عاصيا فيقدم على مولاه وهو عليه غضبان وان كان مطيعا فيقدم عليه قدوم الحبيب المشتاق على الحبيب شعر : بهار عمر ملاقات دوستان باشد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فاصبرْ} يا محمد على أذى قومك، وانتظر ما يلاقوا مما أُعِد لهم. {إِنَّ وعدَ الله} بإهلاكهم وتعذيبهم {حقٌّ}؛ كائن لا محالة، {فإِما نُريَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهُم} من الهلاك، كالقتل والأسر في حياتك، {أوْ نتوفينّك} قبل هلاكهم بعدك، {فإِلينا يُرجعون} لا محالة، فـ "ما": صلة بعد "أن"، لتأكيد الشرطية، والجواب: محذوف، أي: فإن نُرينك بعض ما نعدهم فذاك، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا يُرجعون يوم القيامة، فلننتقم منهم أشد الانتقام. ثم سلاّه بمَن قبله، فقال: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} فأُوذوا وصبروا حتى جاءهم نصرنا، {منهم مَن قَصصْنا عليك} في القرآن، {ومنهم مَن لم نقصصْ عليك}، قيل: عدد الأنبياء ـ عليهم السلام ـ مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفاً، والمذكور قصصهم في القرآن أفراد معدودة. قال الطيبي: والصحيح ما روينا عن أحمد بن حنبل، عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، كم عدد الأنبياء؟ قال: "حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غفيراً"تفسير : . هـ. وقد تكلم في الحديث بالضعف والصحة والوضع، وقيل: عدتهم ثمانية آلاف، أربعة آلاف نبيّ من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن عليّ كرّم الله وجهه: "إنه الله تعالى بعث نبيّاً أسود، فهو ممن لم تُذكر قصته في القرآن". فقوله تعالى: {ومنهم مَن لم نقصص عليك} أي: في القرآن، فلا ينافي إخباره بمطلق العدد على ما في حديث أبي ذر. {وما كان} أي: ما صحّ، ولما استقام {لرسولٍ} منهم {أن يأتيَ بآيةٍ} مما اقترح عليه قومه، {إِلا بإذن الله}. فإنَّ المعجزات على تشعُّب فنونها، عطايا من الله تعالى، قسمها بينهم على حسب المشيئة، المبنية على الحِكَم البالغة، وهذا جواب اقتراح قريش على رسول الله الآيات؛ عناداً، يعني إنَّا قد أرسلنا كثيراً من الرسل، وما استقام لأحد منهم أن يأتي بآية {إِلا بإذن الله} ومشيئته، فمَن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إِلاَّ أن يشاء الله، ويأذن في الإتيان بها؟ {فإذا جاء أمرُ الله} بهلاكهم، أو: بقيام الساعة، {قُضي بالحقِ} أي: بإنجاء المُحق وإثابته، وإهلاك المبطل وتعذيبه، {وخَسِرَ هنالك المبطلون} أي: المعاندون المقترحون للآيات، أو: المتمسكون بالباطل، فيدخل المقترحون المعاندون دخولاً أولياً. الإشارة: فاصبر أيها المتوجه إلى الله على الأذى وحمل الجفاء، فإما أن ترى ما وُعد أهلُ الإنكار على الأولياء، من التدمير، وقطع الدابر، في حياتك، أو يلحقهم بعد موتك. ولقد أُوذي من قبلك، منهم مَن عرفت ومنهم مَن لم تعرف، وما صحّ لأحد منهم أن يُظهر كرامةً إلا بإذن الله، فإذا جاء أمر الله وقامت القيامة، قُضي بالحق، فيرتفع أهل الصبر من المقربين، في أعلى عليين، وينخفض أهل الإذاية في أسفل سافلين. ثم ذكَّرهم بالنعم الحسية، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ}.

الجنابذي

تفسير : {فَٱصْبِرْ} يعنى اذا علمت حال المنافقين الّذين ينافقون بالنّسبة اليك والى علىٍّ (ع) فاصبر ولا تجزع ولا تحزن {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} لا خلف فيه {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} وقد سبق الآية فى سورة يونس وسورة الرّعد.

اطفيش

تفسير : {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ} بعذابهم ونصرك* {حَقٌّ} وذلك تأنيس له صلى الله عليه وسلم* {فَإِمَّا} ان الشرطية وما الزائدة أدغمت نون (ان) بعد القلب فيما يدل على ذلك التوكيد بالنون ولولا ما الزائدة لما أكد بعد (إن). {نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} اياه من العذاب في حياتك وهو القتل والاسر يوم بدر وغيره فتقر عينك وجواب (إن) محذوف أى فذاك {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} نمتك قبل تعذيبهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} بالموت بعدك أو يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام لأعمالهم والجملة جواب معطوف على الشرط أى وان نتوفينك على حذف بعضها أي قد يرجعون بقد التحتية أو التوقعية باعتبار المخاطب أو هم يرجعون والتحقيق ان هذه جواب لذلك كله أي ان أريناك ولم نرك فمرجعهم الينا وان قلت من أين يفهم أشدية العذاب؟ قلت: من ذكر الرجوع في معرض العقاب.

اطفيش

تفسير : {فاصبْر إنَّ وعْد الله} بتعذيب المكذبين {حَقّ} واقع لا بد {فإمَّا نُرينَّك} أن الشرطية أدغمت نونها فى ميم ما الصلة، والنون للتوكيد، وقد يؤكد بها دون زيادة ما قال الشاعر: شعر : فإما ترينى ولى لمة فإن الحوادث أولى بها تفسير : فزاد ما بلا توكيد {بعْض الذي نَعدهُم} كالقتل والأسر فى حياتك {أو نتوفينَّك} قد علم الله سبحانه أنه يريد بعض ما يعدهم قبل التوفى، ولكن قال ذلك تهييجا على الازدياد التوكل {فإلينا} لا الى غيرنا {يُرجَعونَ} يوم القيامة، الجواب محذوف نابت عنه علته، أى نعذبهم لأنهم إلينا يرجعون، ولا يفوتوننا، أو إلينا يرجعون مجاز عن قوله نعذبهم فى الآخرة تعبيراً بالملزوم، أو السبب عن اللازم، أو المسبب، وقدر بعض أن قبل نتوفينك، وجعل الينا يرجعون جوابا لها، بمعنى لجاز أو نائبا عن جوابها، أى إما نرينك بعض الذى نعدهم، وقدر جواب المذكورة هكذا فاما نرينك بعض الذى نعدهم فذلك أو إن نتوفينك فالينا يرجعون، واذا جعل الينا يرجعون جوابا، فانما رفع لأنه كأنه جملة اسمية لتقدم الى، لأن الى لا تلى إن الشرطية، فقرن بالفاء والبعض الآخر المفهوم من الآية ما يصيبهم فى الدنيا أيضا، وما يصيبهم فى الآخرة، فالذى يعدهم عام لما فى الدنيا، ولما فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بتعذيب أعدائك الكفرة {حَقٌّ } كائن لا محالة {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله فإن نرك فزيدت {مَا } لتوكيد {إِن} الشرطية ولذلك جاز أن يلحق الفعل نون التوكيد على ما قيل. وإلى التلازم بين ما ونون التوكيد بعد إن الشرطية ذهب المبرد والزجاج فلا يجوز عندهما زيادة (ما) بدون إلحاق نون ولا إلحاق نون بدون زيادة (ما) ورد بقوله: شعر : فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودي بها تفسير : ونسب أبو حيان - على كلام فيه - جواز الأمرين إلى سيبويه والغالب أن إن إذا أكدت ـ بما ـ يلحق الفعل بعدها نون التوكيد على ما نص عليه غير واحد {بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ } وهو القتل والأسر {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، وهو جواب {نَتَوَفَّيَنَّكَ } وجواب {نُرِيَنَّكَ } محذوف مثل فذاك، وجوز أن يكون جواباً لهما على معنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب ويدل على شدته الاقتصار على ذكر الرجوع في هذا المعرض. والزمخشري آثر في الآية هنا ما ذكر أولاً وذكر في الرعد في نظيرها أعني قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ }تفسير : [الرعد: 40] ما يدل على أن الجملة المقرونة بالفاء جواب على التقديرين، قال في «الكشف»: والفرق أن قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } عدة للإنجاز والنصر وهو الذي همه عليه الصلاة والسلام وهم المؤمنين معقود به لمقتضى هذا السياق فينبغي أن يقدر فذاك هناك ثم جىء بالتقدير الثاني رداً لشماتتهم وأنه منصور على كل حال وإتماماً للتسلي، وأما مساق التي في الرعد فلا يجاب التبليغ وأنه ليس عليه غير ذلك كيفما دارت القضية، فمن ذهب إلى إلحاق ما هنا بما في الرعد ذهب عنه مغزى الزمخشري انتهى فتأمل ولا تغفل. وقرأ أبو عبد الرحمن ويعقوب {يرجعون } بفتح الياء، وطلحة بن مصرف ويعقوب في رواية الوليد بن / حسان بفتح تاء الخطاب.

ابن عاشور

تفسير : قد كان فيما سبق من السورة ما فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما تلقَّاه به المشركون من الإِساءة والتصميم على الإِعراض ابتداء من قوله في أول السورة {أية : فَلاَ يَغْرُرك تقَلُّبُهم في البِلٰدِ}تفسير : [غافر: 4] ثم قوله: {أية : أوَلَمْ يَسِيُروا في الأرض فَيَنْظُروا كيْفَ كانَ عٰقِبَةُ الذين كانُوا مِن قَبْلِهم} تفسير : [غافر: 21]، ثم قوله: {أية : إنَّا لَنَنْصر رُسُلنا} تفسير : [غافر: 51] ثم قوله: {أية : فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك}تفسير : [غافر: 55] الآية، ففرع هنا على جميع ما سبق وما تخلله من تصريح وتعريض أن أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يلاقيه منهم، وهذا كالتكرير لقوله فيما تقدم {أية : فَاصْبِر إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ واستغْفِر لِذَنْبِك}تفسير : [غافر: 55]. وذلك أن نظيره المتقدم ورد بعد الوعد بالنصر في قوله: {أية : إنَّا لننصُرُ رُسُلنا والذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنيا ويوْمَ يَقُوم الأشْهادُ}تفسير : [غافر: 51] ثم قوله: {أية : ولقد ءاتينا موسى الهُدى وأورثنا بني إسرائيل الكِتاب} تفسير : [غافر: 53] الآية، فلما تمّ الكلام على ما أخذ الله به المكذبين من عذاب الدنيا انتقَلَ الكلامُ إلى ذكر ما يلقونه في الآخرة بقوله: {أية : الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رُسُلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسِل}تفسير : [غافر: 70، 71] الآيات، ثم أعقبه بقوله: {فاصبر إن وعد الله حق} عوْداً إلى بدء إذ الأمر بالصبر مفرّع على ما اقتضاه قوله: {أية : فَلا يَغْرُرك تقلبهم في البلادِ كَذَّبَت قبلهم قومُ نوح }تفسير : [غافر: 4، 5] الآيات، ثم قوله: {أية : وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر}تفسير : [غافر: 18] ثم قوله: {أية : أوَلَمْ يَسِيروا في الأرضِ فَيَنظُروا}تفسير : [غافر: 21] وما بعده، فلما حصل الوعد بالانتصاف من مكذبي النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، أعقب بقوله: {فَاصْبِر إنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فإمَّا نُرينَّك بعض الذي نعِدُهُم} فإن مناسبة الأمر بالصبر عقب ذلك أن يكون تعريضاً بالانتصار له ولذلك فرع على الأمر بالصبر الشرطُ المردَّد بين أن يريه بعض ما توعدهم الله به وبين أن لا يراه، فإن جواب الشرط حاصل على كلتا الحالتين وهو مضمون {فإلينا يُرْجعون} أي أنهم غير مفلَتين من العقاب، فلا شك أن أحد الترديديْن هو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم عذابهم في الدنيا. ولهذا كان للتأكيد بــــ (إنَّ) في قوله: {إنَّ وعد الله حق} موقعُه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استبطأوا النصر كما قال تعالى: {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللَّه} تفسير : [البقرة: 214] فنزلوا منزلة المتردد فيه فأُكد وعده بحرف التوكيد. والتعبير بالمضارع في قوله: {يرجعون}لإِفادته التجدد فيشعر بأنه رجوع إلى الله في الدنيا. وقوله: {فإمَّا نُرِيَنَّكَ} شرط، اقترن حرف (إنْ) الشرطية بحرف (ما) الزائدة للتأكيد ولذلك لحقت نون التوكيد بفعل الشرط. وعطف عليه {أو نَتَوفَّيَنَّكَ} وهو فعل شرط ثان. وجملة {فإلينا يُرْجَعُون} جواب لفعل الشرط الثاني لأن المعنى على أنه جواب له. وأما فعل الشرط الأول فجوابه محذوف دل عليه أول الكلام وهو قوله: {إنَّ وعد الله حق} وتقديرُ جوابه: فإما نرينك بعض الذي نعدهم فذاكَ، أو نتوفينك فإلينا يُرجعون، أي فهم غير مفلَتين مما نعدهم. وتقدم نظير هذين الشرطين في سورة يونس إلا أن في سورة [يونس: 46] {أية : فإلينا مرجعهم} تفسير : وفي سورة غافر {فإلينا يُرْجعون}، والمخالفة بين الآيتين تفنن، ولأن ما في يونس اقتضى تهديدهم بأن الله شهيد على ما يفعلون، أي على ما يفعله الفريقان من قوله: {أية : ومنهم من يستمعون إليك}تفسير : [يونس: 42] وقوله: { أية : ومنهم من ينظر إليك} تفسير : [يونس: 43] فكانت الفاصلة حاصلة بقوله: {أية : على ما يفعلون} تفسير : [يونس: 46]، وأما هنا فالفاصلة معاقبة للشرط فاقتضت صوغ الرجوع بصيغة المضارع المختتم بواو ونون، على أن {أية : مرجعهم}تفسير : [يونس: 46] معرف بالإِضافة فهو مشعر بالمرجع المعهود وهو مرجعهم في الآخرة بخلاف قوله: {يرجعون} المشعر برجوع متجدد كما علمت. والمعنى: أنهم واقعون في قبضة قدرتنا في الدنيا سواء كان ذلك في حياتك مثل عذاب يوم بدر أو بعد وفاتك مثل قتلهم يوم اليمامة، وأما عذاب الآخرة فذلك مقرر لهم بطريق الأوْلى، وهذا كقوله: {أية : أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون}تفسير : [الزخرف: 42]. وتقديم المجرور في قوله: {فإلينا يُرْجعون} للرعاية على الفاصلة وللاهتمام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فاصبر إن وعد الله حق: أي فاصبر يا رسولنا على دعوتهم متحملا أذاهم فإن وعد ربك بنصرك حق. فإما نرينَّك بعض الذي نعدهم: أي من العذاب في حياتك. منهم من قصصنا عليك: أي ذكرنا لك قصصهم وأخبارهم وهم خمسة وعشرون. أن يأتي بآية إلا بإذن الله: أي لأنهم عبيد مربوبون لا يفعلون إلا ما يأذن لهم به سيدهم. وخسر هنالك المبطلون: أي هلك أهل الباطل بعذاب الله فخسروا كل شيء. جعل لكم الأنعام: أي الإِبل وإن كان لفظ الأنعام يشمل البقر والغنم أيضاً. ولكم فيها منافع: أي من اللبن والنسل والوبر. ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم: أي حمل الأثقال وحمل أنفسكم من بلد إلى بلد، لأنها كسفن البحر. فأي آيات الله تنكرون: أي فأي آية من تلك الآيات تنكرون فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار. معنى الآيات: بعد تلك الدعوة الإِلهية للمشركين إلى الإِيمان والتوحيد والبعث والجزاء والتي تلوَّن فيها الأسلوب وتنوعت فيها العبارات والمعاني، والمشركون يزدادون عتواً قال تعالى لرسوله آمراً إياه بالصبر على الاستمرار على دعوته متحملاً الأذى في سبيلها {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} فيخبره بأن ما وعده به ربُّه حق وهو نصره عليهم وإظهار دعوة الحق ولو كره المشركون. وقوله {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} أي من العذاب الدنيوي {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} فنعذبهم بأشد أنواع العذاب في جهنم، وننعم عليك بجوارنا في دار الإِنعام والتكريم أنت والمؤمنون معك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [77] وقوله تعالى في الآية الثانية [78] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} يخبر تعالى رسوله مؤكداً له الخبر مسلياً له حاملا له على الصبر بأنه أرسل من قبله رسلا كثيرين منهم من قص خبرهم عليه ومنهم من لم يقصص وهم كثير وذلك بحسب الفائدة من القصص وعدمها وأنه لم يكن لأحدهم أن يأتي بآية كما طالب بذلك قومه، والمراد من الآية المعجزة الخارقة للعادة، إلا بإِذن الله، إذ هو الوهاب لما يشاء لمن يشاء، فإذا جاء أمر الله بإهلاك المطالبين بالآيات تحدياً وعناداً ومكابرة قضى بالحق أي حكم الله تعالى بين الرسول وقومه المكذبين له المطالبين بالعذاب تحدياً، فَنَجىَّ رسوله والمؤمنين وخسر هنالك المبطلون من أهل الشرك والتكذيب. وقوله تعالى في الآية الثالثة [79] الله الذي جعل لكم الأنعام يعرفهم تعالى بنفسه مقرراً ربوبيته الموجبة لألوهيته فيقول الله أي المعبود بحق هو الذي جعل لكم الأنعام على وضعها الحالي الذي ترون لتركبوا منها وهي الإِبل، ومنها تأكلون ومن بعضها تأكلون كالبقر والغنم ولا تركبون، ولكن فيها منافع وهي الدَّرُّ والوبر والصوف والشعر والجلود ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وهي حمل أثقالكم والوصول بها إلى أماكن بعيدة لا يتأتى لكم الوصول إليها بدون الإِبل سفائن البر، وقوله وعليها أي على الإِبل وعلى الفلك "السفن" تحملون أي يحملكم الله تعالى حسب تسخيرها لكم. وأخيراً يقول تعالى بعد عرض هذه الآيات القرآنية والكونية يقول لكم {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} في أنفسكم وفي الآفاق حولكم {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} وكلها واضحة في غاية الظهور والبيان والاستفهام للإِنكار عليهم علَّهُم يرعوون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الصبر على دعوة الحق والعمل في ذلك إلى أن يحكم الله تعالى. 2- الآيات لا تعطي لأحد إلا بإذن الله تعالى إذ هو المعطي لها فهي تابعة لمشيئته. 3- من الرسل من لم يقصص الله تعالى أخبارهم، ومنهم من قص وهم خمسة وعشرون نبياً ورسولاً. وعدم القص لأخبارهم لا ينافي بيان عددهم إجمالاً لحديث أبي ذر في مسند أحمد أن أبا ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله كم عِدّة الأنبياء؟ قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشرة جماً غفيراً. 4- ذكر مِنَّة الله على الناس في جعل الأنعام صالحة للانتفاع بها أكلاً وركوباً لبعضها لعلهم يشكرون بالإِيمان والطاعة والتوحيد.

د. أسعد حومد

تفسير : (77) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَ مِنْ قَوْمِهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُنْجِزُ وَعْدَهُ، وَسَيُظْفِرُهُ بِأَعْدَائِهِ، وَسَيُنْزِلُ العِقَابَ بِالمُكَذِّبِينَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: إِمَّا أَنْ يُرِيَهُ فِي حَيَاتِهِ بَعْضَ الذِي يَعِدُهُمْ مِنَ العَذَاب والنَّقْمَةِ، كَالقَتْلِ والأَسْرِ فِي بَدْرٍ، فَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللهُ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِم عُقُوبَتَهُ وَعَذَابَهُ فَإِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ فِي الآخِرَةِ عِقَاباً شَدِيداً حِينَمَا يُرْجَعُونَ إِلَيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [غافر: 77] أي: وعده بنصرة رسله وهو حق، لأنه تعالى قادر على إنفاذ وعده، وبيَّنا الفرق بين وعدك ووعد الله، وعدك أنت غير الحق لأنك لا تملك أسباب الوفاء به وتضمنها، أما الحق سبحانه فله صفات الكمال، ولا يمنعه شيء من تحقيق وعده. وقوله: {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ ..} [غافر: 77] أي: من العذاب في الدنيا. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ..} [غافر: 77] تموت قبل أن ترى فيهم آية {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] أي: في الآخرة حيث لا يفلتون من العذاب؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [السجدة: 21]. العذاب الأدنى ما يقع لهم في الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة، يعني: لا مفرَّ لهم. ثم يُوضح سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم حقيقة الرسالة، يقول له: اعلم يا محمد أنك لستَ بدعاً من الرسل، ولستَ أول مَنْ أُوذِي في سبيل دعوته، فكل مَنْ سبقك من إخوانك في موكب الرسالات أُوذِي بقدر رسالته، لذلك فأنت أشدّهم إيذاءً، لأنك نبيُّ آخر الزمان، ورسالتك عامة للناس كافة في كل زمان ومكان، فلا بُدَّ أنْ يكون ابتلاؤك أشدَّ ممَّنْ سبقوك. يقول سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي { فَاصْبِرْ } يا أيها الرسول، على دعوة قومك، وما ينالك منهم، من أذى، واستعن على صبرك بإيمانك { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } سينصر دينه، ويُعْلِي كلمته، وينصر رسله في الدنيا والآخرة، واستعن على ذلك أيضًا، بتوقع العقوبة بأعدائك في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } في الدنيا فذاك { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل عقوبتهم { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } فنجازيهم بأعمالهم، {أية : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } تفسير : ثم سلاه وصبَّره، بذكر إخوانه المرسلين فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا ...}.