٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبيّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ } منهم {أَن يَأْتِيَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ } لأنهم عبيد مربوبون {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ ٱللَّهِ } بنزول العذاب على الكفار {قُضِىَ } بين الرسل وَمُكَذِّبِيها {بِٱلْحَقّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي ظهر القضاء والخسران للناس وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ } إلى أممهم {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } قيل: بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علي رضي الله عنه: إن الله تعالى بعث نبياً أسود فهو ممن لم تذكر قصته في القرآن {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } وهذا جواب اقتراحهم الآيات عناداً يعني إنا قد أرسلنا كثيراً من الرسل وما كان لواحد منهم أن يأتي بآية إلا بإذن الله فمن أين لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها؟ {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي يوم القيامة وهو وعيد ورد عقيب اقتراحهم الآيات {قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } المعاندون الذين اقترحوا الآيات عناداً. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ } خلق {لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ } الإبل {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ } أي الألبان والأوبار {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } أي لتبلغوا عليها ما تحتاجون إليه من الأمور {وَعَلَيْهَا } وعلى الأنعام {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي على الأنعام وحدها لا تحملون ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر {وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ } أنها من عند الله. و{أَي} نصب بـ {تُنكِرُونَ } وقد جاءت على اللغة المستفيضة. وقولك «فأية آيات الله» قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهي في «أي» أغرب لإبهامه {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ } عدداً {وَأَشَدَّ قُوَّةً } بدناً {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} قصوراً ومصانع. {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ } «ما» نافية {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ } يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الروم: 7] فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات، لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به، أو علم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام وقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به كأنه قال: استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ويدل عليه قوله {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أو الفرح للرسل أي الرسل لما رأوا جهلهم واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم. {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } شدة عذابنا {قَالُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } أي فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم {سُنَّتَ ٱللَّهِ } بمنزلة وعد الله ونحوه من المصادر المؤكدة {ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } أن الإيمان عند نزول العذاب لا ينفع وأن العذاب نازل بمكذبي الرسل {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } هنالك مكان مستعار للزمان والكافرون خاسرون في كل أوان، ولكن يتبين خسرانهم إذا عاينوا العذاب، وفائدة ترادف الفاءات في هذه الآيات أن {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ } نتيجة قوله {كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ } و{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } كالبيان والتفسير لقوله {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ } كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء، و{فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تابع لقوله {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ } كأنه قال: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا، وكذلك {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ } تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله، والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} هذِه الآيةُ رَدٌّ عَلى العربِ الذينَ استبعدوا أن يبعثَ اللَّهُ بشراً رَسُولاً. وقوله تعالى: {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ...} الآية، يحتمل أن يريدَ بأمر اللَّه القيامة، فتكونَ الآيةُ توَعُّداً لهم بالآخرةِ، ويحتمل أن يريدَ بأمر اللَّهِ إرسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نبيٍّ قَضَىٰ ذلكَ وأَنْفَذَهُ بِالحَقِّ؛ وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ. * ت *: والأول أَبْيَنُ. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْنْعَـٰمَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا...} الآية، هذه آياتٌ فيها عِبَرٌ وتعديدُ نِعَمٍ، و{ٱلأَنْعَـٰمِ}: الأزواجُ الثمانيةُ، و{مِنْهَا} الأولَىٰ للتبعيضِ، وقال الطبري في هذه الآية: الأَنعامُ تَعُمُّ الإبلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ، وغَيْرَ ذلك مما يُنْتَفَعُ به من البهائمِ، فـ{مِنْهَا} في الموضعين علَىٰ هذا للتَّبْعِيضِ.
البقاعي
تفسير : ولما قسم له الله سبحانه الحال إلى إصابتهم أو وفاته صلى الله عليه وسلم، وكان قد بقي مما هو أقر لعينه وأشفى لصدره أن يريهم في حياته آية تلجئهم إلى الإيمان، وتحملهم على الموافقة والإذعان، فيزول النزاع بحسن الاتباع، كما وقع لقوم يونس عليه الصلاة والسلام، قال عاطفاً على ما تقديره في تعليل الأمر بالصبر، فلقد أرسالناك إليهم ولننفذن أمرنا فيهم، وأما أنت فما عليك إلا البلاغ: {ولقد أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {رسلاً} أي بكثرة. ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان الماضي وإن كان بلوغ رسالة كل لمن بعده موجبة لانسحاب حكم رسالته إلى مجيء الرسول الذي يقفوه، أثبت الجار لإرادة الحقيقة فقال: {من قبلك} أي إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به: {منهم من قصصنا} أي بما لنا من الإحاطة {عليك} أي أخبارهم وأخبار أممهم {ومنهم من لم نقصص} وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة {عليك} لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم {وما} أي أرسلناهم والحال أنه ما {كان لرسول} أصلاً {أن يأتي بآية} أي ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالاً لاتباع قومه له, أو اقتراحاً من قومه عليه أو غير ذلك مما يجادل فيه قومه أو يسلمون له أو ينقادون، وصرف الكلام عن المظهر المشير إلى القهر إلى ما فيه - مع الإهانة - الإكرام فقال: {إلا بإذن الله} أي بأمره وتمكينه، فإن له الإحاطة بكل شيء، فلا يخرج شيء عن أمره، فإن لم يأذن في ذلك رضوا وسلموا وصبروا واحتسبوا، وإن أذن في شيء من ذلك من عذاب أو آية ملجئة أو غير ذلك جاءهم ما أذن فيه {فإذا جاء} وزاد الأمر عظماً لمزيد الخوف والرجاء بالإظهار دون الإضمار فقال: {أمر الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وأمره ما توعد به من العذاب عند العناد بعد الإجابة إلى المقترح، ومن القيامة وما فيها، وتكرير الاسم الأعظم لتعظيم المقام باستحضار ما له من صفات الجلال والإكرام، ولثبات ما أراد ولزومه عبر عنه بالقضاء، فقال مشعراً بصيغة المفعول بغاية السهولة: {قُضيَ} أي بأمره على أيسر وجه وأسهله {بالحق} أي الأمر الثابت الذي تقدم الوعد به وحكم بثبوته من إهلاك ناس وإنجاء آخرين أو إيمان قوم وكفر آخرين - وهذا كله هو الذي أجرى سبحانه سنته القديمة بثبوته، وأما الفضل من الإمهال والتطول بالنعم فإنما هو قبل الإجابة إلى المقترحات، والدليل على أن هذا من مراد الآية ما يأتي من قوله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} وما أشبهه {وخسر} أي هلك أو تحقق وتبين بالمشاهدة أنه خسر {هنالك} أي في ذلك الوقت العظيم بعظمة ما أنزلنا فيه، ظرف مكان استعير للزمان إيذاناً بغاية الثبات والتمكن في الخسارة تمكن الجالس {المبطلون *} أي المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق، إما باقتراح الآيات مع إتيانهم بما يغنيهم عنها وتسميتهم له سحراً أو بغير ذلك، إما بتيسرهم على الرجوع عما هم فيه من العناد من غير إذعان وإما الهلاك، وإما بإدحاض الحجج والحكم عليهم بالغلب ثم النار ولو بعد حين، ومن هذه الآية أخذ سبحانه في رد مقطع السورة على مطلعها، فهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} {وما كان لرسول أن يأتي بآية} إلى {وجادلوا بالباطل} و {أفلم يسيروا في الأرض} إلى {فأخذتهم فكيف كان عقاب} وهذا وما بعده مما اشتمل عليه من الحكمة والقدرة إلى الثلاث الآيات الأول. ولما كان المبطلون ليسوا أشد ولا أقوى من بعض الحيوانات العجم، دل على ما أخبر به من نافذ نصرته فيهم بقوله مذكراً لهم نعمته مستعطفاً إلى طاعته دالاً على التوحيد بعد تليينهم بالوعيد مظهراً الاسم الجامع إشارة إلى أن هذه الآية من الدلالات لا يحصى: {الله} أي الملك الأعظم {الذي جعل لكم} لا غيره {الأنعام} أي الأزواج الثمانية بالتذليل والتسخير {لتركبوا منها} وهي الإبل مع قوتها ونفرتها، والتعبير باللام في الركوب مطلقاً ثم فيه مقيداً ببلوغ الأماكن الشاسعة إشارة إلى أن ذلك هو المقصود منها بالذات، وهو الذي اقتضى تركيبها على ما هي عليه، فنشأ منه بقية المنافع فكانت تابعة. ولما كان الاقتيات منها - في عظيم نفعه وكثرته وشهوته - بحيث لا يناسبه غيره، عد الغير عدماً فقال تعالى: {منها} أي من الأنعام كلها {تأكلون *} بتقديم الجار. ولما كان التصرف فيها غير منضبط، أجمله بقوله: {ولكم فيها} أي كلها {منافع} أي كثيرة بغير ذلك في الدر والوبر والصوف وغيرها. ولما كان سوقها وبلوغ الأماكن الشاسعة عليها في أقرب مدة لنيل الأمور الهائلة عظيم الجدوى جداً، نبه على عظمته بقطعه عما قبله بإجمال المنافع ثم تفصيله منه فقال: {ولتبلغوا} أي مستعلين {عليها} وهي في غاية الذل والطواعية، ونبههم على نقصهم وعظيم نعمته عليهم بقوله: {حاجة} أي جنس الحاجة. ولما كان في مقام التعظيم لنعمه لأن من سياق الامتنان وإظهار القدرة وحدها وجمع ما تضمر فيه فقال: {في صدوركم} إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها. ولما كان الحمل يكون مع مطلق الاستعلاء سواء كان على أعلى الشيء أولاً بخلاف الركوب، قال معبراً بأداة الاستعلاء فيها وفي الفلك غير سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، فإنها كانت مغطاة كما حكي فكانوا في بطنها لا على ظهرها: {وعليها} أي في البر {وعلى الفلك} أي في البحر {تحملون *} أي تحمل لكم أمتعتكم فإن حمل الإنسان نفسه تقدم بالركوب. وأشار بالنباء للمفعول أنه سخر ذلك تسخيراً عظيماً لا يحتاج معه إلى علاج في نفس الحمل.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {ومنهم من لم نقصص عليك} قال: بعث الله عبداً حبشياً نبياً، فهو ممن لم يقصص على محمد صلى الله عليه وسلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} [الآية: 78]. قال الواسطى رحمة الله عليه: من ذكر القسمة وما جرى له فى السبق ينقطع عن السؤال والدعاء ويعلم أن المقضى كائن بالحق ومن الحق لذلك قال بعضهم: أمرونا بالسكوت والجمود، ودعونا إلى الدعاء، والثناء فى الدعاء لمن لا سابقة له والثناء لا يصلح إلا لأهل الثناء فإنك إن سألت ما ليس لك استعجلت وأسأت الثناء وإن سألت ما لك اتهمت وإن سكت أجرى لك ما قضاه فى الدهور لك وهذا كقوله: فإذا جاء أمر الله قضى بالحق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} بين ان مراد الحق سابق على كل مراد لا يتغير سوابق مقاديره فاذا جاء -----حقيقة القضية الازلية قال الواسطى من ذكر القسمة وما جرى له فى السبق ينقطع عن السؤال والدعاء ويعمل ان المقتضى لان من الحق وبالحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا} ـ روى ـ ان الذين كانوا يجادلون فى آيات الله اقترحوا معجزات زائدة على ما اظهره الله على يده عليه السلام من تفجير العيون واظهار البساتين وصعود السماوات ونحوها مع كون ما اظهره من المعجزات كافية فى الدلالة على صدقه فانزل الله تعالى قوله {ولقد ارسلنا} {رسلا} ذوى عدد كثير الى قومهم {من قبلك} اى من قبل بعثتك يا محمد او من قبل زمانك {منهم من قصصنا عليك} قوله منهم خبر مقدم لقوله من قصصنا عليك والجملة صفة لرسلا وقص عليه بين اى بيناهم وسميناهم لك فى القرآن فانت تعرفهم {ومنهم من لم نقصص عليك} لم نسمهم لك ولم نخبرك بهم. قال الكاشفى [بعضى ازايشان آنها اندكه خوانده ايم قصهاى ايشان برتوكه آن بيست ونه بيغمبراند]. وفى عين المعانى هم ثمانية عشر [وبعضى آنانندكه قصه ايشان نخوانده ايم برتو اما نام ايشان دانسته اليسع وغيراو وبعضى آنست كه نه نام ايشان دانسته ونه قصه ايشان شنيده ودرايمان بديشان تعيين عدد ومعرفت ايشان بانساب واسامى شرط نيست] وعن على رضى الله عنه ان الله بعث نبيا اسود. وفى التكملة عبدا حبشيا وهو ممن لم يقصص الله عليه. يقول الفقير لعل معناه ان الله بعث نبيا اسود الى السودان فلا يخالف ما ورد من ان الله تعالى ما بعث نبيا الا حسن الاسم حسن الصورة حسن الصوت وذلك لان فى كل جنس حسنا بالنسبة الى جنسه. والحاصل ان المذكور قصصهم من الانبياء افراد معدودة وقد قيل عدد الانبياء مائة واربعة وعشرون الفا. قال فى شرح المقاصد حديث : روى عن ابى ذر الغفارى رضى الله عنه انه قال قلت لرسول الله عليه السلام كم عدد الانبياء فقال "مائة الف واربعة وعشرون الفا" فقلت فكم الرسل فقال "ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا" تفسير : لكن ذكر بعض العلماء ان الاولى ان لا يقتصر على عددهم لان خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط لا يفيد الا الظن ولا يعتبر الا فى العمليات دون الاعتقاديات وههنا حصر عددهم يخالف ظاهر قوله تعالى {منهم من قصصنا} الخ. ويحتمل ايضا مخالفة الواقع واثبات من ليس بنبى ان كان عددهم فى الواقع اقل مما يذكر ونفى النبوة عمن هو نبى ان كان اكثر فالاولى عدم التنصيص على عدد. وفى رواية "حديث : مائتا الف واربعة وعشرون الفا" تفسير : كما فى شرح العقائد للتفتازانى. قال ابن ابى شريف فى حاشيته لم ار هذه الرواية. وقال المولى محمد الرومى فى المجالس ومما يجب الايمان به الرسل والمراد من الايمان بهم العلم بكونهم صادقين فيما اخبروا به عن الله فانه تعالى بعثهم الى عباده ليبلغوهم امره ونهيه ووعده ووعيده وايدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم اولهم آدم وآخرهم محمد عليه السلام فاذا آمن بالانبياء السابقة فالظاهر انه يؤمن بانهم كانوا انبياء فى الزمان الماضى لا فى الحال اذ ليست شرائعهم بباقية واما الايمان بسيدنا محمد عليه السلام فيجب بانه رسولنا فى الحال وخاتم الانبياء والرسل فاذا آمن بانه رسول ولم يؤمن بانه خاتم الرسل لا نسخ لدينه الى يوم القيامة لا يكون مؤمنا ومن قال آمنت بجميع الانبياء ولا اعلم آدم نبى ام لا فقد كفر ثم انه لم يبين فى القرآن عدد الانبياء كم هم وانما المذكور فيه باسم العلم على ما ذكر بعض المفسرين ثمانية وعشرون وهم آدم ونوح وادريس وصالح وهود وابراهيم واسماعيل واسحاق ويوسف ولوط ويعقوب وموسى وهارون وشعيب وزكريا ويحيى وعيسى وداود وسليمان والياس واليسع وذو الكفل وايوب ويونس ومحمد وذو القرنين وعزير ولقمان على القول بنبوة هذه الثلاثة الاخيرة وفى الامالى شعر : وذو القرنين لم يعرف نبيا كذا لقمان فاحذر عن جدال تفسير : وذلك لان ظاهر الادلة يشير الى نفى النبوة عن الانثى وعن ذى القرنين ولقمان ونحوهما كتبع فانه عليه السلام "حديث : قال لا ادرى أهو نبى ام ملك" تفسير : وكالخضر فانه قيل نبى وقيل ولى وقيل رسول فلا ينبغى لاحد ان يقطع بنفى او اثبات فان اعتقاد نبوة من ليس بنبى كفر كاعتقاد نفى نبوة نبى من الانبياء يعنى اذا كان متفقا على نبوته او عدم نبوته واما اذا كان فيه خلاف فلا يكفر لانه كالدليل الظنى والكفر فى القطعى. وفى فتح الرحمن فى سورة البقرة والمذكورون فى القرآن باسم العلم ستة وعشرون نبيا وهم محمد وآدم وادريس ونوح وهود وصالح وابراهيم ولوط واسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف وايوب وذو الكفل وشعيب وموسى وهارون وداود وسليمان وعزير ويونس وزكريا ويحيى وعيسى والياس واليسع صلوات الله عليهم اجمعين واشير الى اشمويل بقوله تعالى {أية : وقال لهم نبيهم} تفسير : واشير الى ارميا بقوله {أية : أو كالذى مرّ على قرية} تفسير : واشير الى يوشع بقوله {أية : واذ قال موسى لفتاه} تفسير : واشير الى اخوة يوسف بقوله {أية : لقد كان فى يوسف واخوته} تفسير : والاسباط ذكروا اجمالا وهم من ذرية اولاد يعقوب الاثنى عشر نبيا وكان فيهم انبياء وفى لقمان وذى القرنين خلاف كالخضر انتهى. قال بعض الحكماء يجب على المؤمن ان يعلم صبيانه ونساءه وخدمه اسماء الانبياء الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوا بجميعهم ولا يظنوا ان الواجب عليهم الايمان بمحمد عليه السلام فقط لا غير فان الايمان بجميع الانبياء سواء ذكر اسمه فى القرآن او لم يذكر واجب على المكلف فمن ثبت تعينه باسمه يجب الايمان به تفصيلا ومن لم يعرف اسمه يجب الايمان به اجمالا ـ وحكى ـ ابن قتيبة فى المعارف ان الانبياء مائة الف واربعة وعشرون الفا الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر منهم خمسة عبرانيون وهم آدم وشيث وادريس ونوح وابراهيم وخمسة من العرب هود وصالح واسماعيل وشعيب ومحمد عليهم السلام. قال فى التكملة هذا الذى ذكر ابن قتيبة لا يصح لانه قد حديث : روى انه كان من العرب نبى آخر وهو خالد بن سنان بن غيث وهو من عبس بن بغيض روى عن النبى عليه السلام انه قال فيه "ذلك نبى اضاعه قومه" تفسير : وردت ابنته على رسول الله عليه السلام فسمعته يقرأ {أية : قل هو الله احد} تفسير : فقالت كان ابى يقول هذا. قال ابن قتيبة واول انبياء بنى اسرائيل موسى وآخرهم عيسى. قال فى التكملة صاحبها وهذا عندى غير صحيح لانه ان اراد اول الرسل فقد قال الله تعالى حكاية عن قول الرجل المؤمن من آل فرعون {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} تفسير : فقد اخبر انه ارسل اليهم يوسف وهو اما ابن يعقوب او ابن افراييم بن يوسف بن يعقوب على الخلاف المتقدم وان اراد النبوة خاصة فيوسف واخوته انبياء وهم بنوا اسرائيل لان يعقوب عليه السلام هو اسرائيل واول الانبياء آدم وآخرهم محمد عليهم السلام. وروى ابن سلام وغيره عن عائشة رضى الله عنها انها قالت لا تقولوا لا نبى بعد محمد وقولوا خاتم النبيين لانه ينزل عيسى بن مريم حكما عدلا واماما مفسطا فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتضع الحرب اوزارها. قال فى التكملة وقول عائشة لا تقولوا لا نبى بعد محمد انما ذكر والله اعلم لئلا يتوهم المتوهم رفع ما روى من نزول عيسى بن مريم فى آخر الزمان وعلى الحقيقة فلا نبى بعد رسول الله عليه السلام لان عيسى وان نزل بعده فهو موجود قبله حى الى ان ينزل واذا نزل فهو متبع لشريعته مقاتل عليها فلا يخلق نبى بعد محمد ولا تجدد شريعة بعد شريعته فعلى هذا يصح ولا نبى بعده. وقد روى فى اسماء النبى عليه السلام فى كتاب الشمائل وغيره والعاقب الذى ليس بعده نبى فهذه زيادة وان لم يذكرها مالك فهى موجودة فى غير الموطأ ويحتمل ان تكون من قبل النبى او من قبل الراوى فان كانت من قبل النبى عليه السلام فحسبك بها حجة وان كانت من قبل الراوى فقد صح بها ان اطلاق هذا اللفظ غير ممتنع ولا معارضة بينه وبين حديث عائشة كما ذكرنا والمراد به لا تقولوا لا نبى بعده يعنى لا يوجد فى الدنيا نبى فان عيسى ينزل الى الدنيا ويقاتل على شريعة النبى عليه السلام والمراد بقوله عليه السلام فى الحديث والعاقب الذى ليس بعده نبى ولا يبعث بعده نبى ينسخ شريعته وهذا معنى قوله {أية : وخاتم النبيين} تفسير : اى الذى ختمت النبوة والرسالة به لان نبوة عيسى قبله فنبوته عليه السلام ختمت النبوات وشريعته ختمت الشرائع انتهى ما فى التكملة. وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى ان الحكمة البالغة الازلية اقتضت انا نبعث قبلك رسلا ونجزى عليهم وعلى اممهم احوالا ثم نقص عليك من انبائهم ما نثبت به فؤادك ونؤدبك بتأدبهم لتتعظ بهم ولا نقدمك بالرسالة عليهم ليتعظوا بك فان السعيد من يتعظ بغيره شعر : هر طبيدن قاصدى باشد دل آكاهرا تفسير : {ومنهم من لم نقصص عليك} لاستغنائك عن ذلك تخفيفا لك عما لا يعنيك وهذا امارة كمال العناية فيما قص عليه وفيما لم يقصص عليه {وما كان لرسول} اى وما صح وما استقام لرسول منهم {ان يأتى بآية} تقترح عليه [يعنى بيارد معجزه كه نشانه نبوت او باشد] {الا باذن الله} فان المعجزات تشعب فنونها عطايا من الله تعالى قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم ليس لهم اختيار فى ايثار بعضها ولا استبداد باتيان المقترح بها. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنه قيل ما من رسول من قبلك سواء كان مذكورا او غير مذكور اعطاه الله آيات معجزات الا جادله قومه فيها وكذبوه عنادا وعبثا فصبروا وظفروا فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا: وفى المثنوى شعر : صدهزاران كيميا حق آفريد كيميايى همجو صبر آدم نديد تفسير : {فاذا جاء امر الله} بالعذاب فى الدنيا والآخرة {قضى بالحق} حكم بين الرسل ومكذبيهم بانجاء المحق واهلاك المبطل وتعذيبه {وخسر} هلك او تحقق وتبين انه خسر {هنالك} اى وقت مجىء امر الله وهو اسم مكان استعير للزمان {المبطلون} اى المتمسكون بالباطل على الاطلاق فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولا اوليا. قال فى القاموس الباطل ضد الحق وابطل جاء بالباطل فالمبطل صاحب الباطل والمتمسك به كما ان المحق صاحب الحق والعامل به ولم يقل وخسر هنالك الكافرون لما سبق من نقيض الباطل الذى هو الحق كما فى برهان القرآن. وفى الآية اشارة الى انه يجب الرجوع الى الله قبل ان يجىء امره وقضاؤه بالموت والعذاب فانه ليس بعده الا الاحزان شعر : توبيش ازعقوبت درعفوكوب كه سودى ندارد فغان زيرجوب جه سود از بشيمانى آيد بكف جو سرمايه عمر كردى تلف كسى كرجه بد كردهم بدنكرد كه بيش از قيامت غم خويش خورد تفسير : يعنى [بيش از قيامت موت زيراكه مرد قيامت او برخاست]
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} فانظر الى حالهم ومآلهم من الله وما ورد عليهم من اممهم، ولينظر قومك الى ما كان منهم حتّى تتسلّى وتصبر على اذى قومك، ويعلم قومك انّ الرّسول لا يكون الاّ بشراً، ولا يكون حاله سوى حال سائر النّاس {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فانّ الآيات تنزل من الله على وفق الحكم والمصالح فليس لاحدٍ ان يقترح وليس لك ان تسأل ما اقترحوا {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} بالعذاب فى الدّنيا او الآخرة او بانقضاء الاجل او بالحساب فى القيامة او بظهور القائم عجّل الله فرجه {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ} الزّمان والمكان {ٱلْمُبْطِلُونَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} فى مقام التّعليل او مقام تعداد النّعم {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} اُخر كالالبان والجلود والاوبار وغير ذلك {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} بحمل الاحمال على ظهورها ونقلها الى ما تريدون {وَعَلَيْهَا} فى البرّ {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} قد سبق الآية ببعض اجزائها فى سورة المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} ثلاثمائة وثلاثة عشر وأنت رابع أربعة عشر وقيل ثلاثمائة واثنا عشر وأنت ثالث ثلاثة عشر وهو الصحيح وجملة الانبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} خبره وحاله وهو القليل المذكور في القرآن* {وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصُ عَلَيْكَ} وهم الكثير وكل بآيات ومعجزات وجادله قومه وكذبوه فصبر فاصبر أنت وهذه تسلية قال بعضهم بعث الله ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بنى اسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس وعن علي ان الله بعث نبياً أسود فهو ممن لم يقصص عليه. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} لانهم عبيد أمرهم بيد ربهم لا يقدر واحد منهم أن يأتى بأية طلب بها الا أن قدرها الله وكأنه قال أرسلنا كثيراً من الرسل وما كان لواحد أي يأتي بأية طلب بها الا ان قدرها الله وكأنه قال أرسلنا كثيراً من الرسل وما كان لواحد أن يأتى بآية اقترحوها عليك أي طلبوها من غير روية والمعجزات قسم كالأرزاق وقيل ان الآية نزلت رداً على العرب في انكار أن يبعث الله بشراً رسولاً. {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللهِ} قضاء بين الانبياء والامم يوم القيامة* {قُضِيَ} بين الأنبياء والأمم* {بِالْحَقِّ} بالعدل وقيل أمر الله بالعذاب في الدنيا والاخرة والقضاء بانجاء المحق وتعذيب المبطل* {وَخَسِرَ} أي هلك* {هُنَالِكَ} أي وقت القضاء والمجيء فهنا مستعملة في الزمان أو المراد في مكان القضاء وهو المحشر* {الْمُبْطِلُونَ} المجادلون في آيات الله بغير سلطان المقترحون الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها وذلك وعيد وتهديد لهم وان شئت فقل المراد بالقضاء اظهاره والا فقضاؤه أزلي وبالخسران ظهور بطلان سعيهم وهم في كل وقت خاسرون ويجوز أن يريد بأمر الله ارسال رسول وبعث نبي وبالقضاء انفاذ الارسال والبعث وبخسران المبطلين بيان ضلالهم
اطفيش
تفسير : {ولَقَد أرسَلنا رُسُلا} عظاما كثيرين، والمراد الأنبياء المرسلون كما يتبادر، وقيل: المراد الأنبياء ولو كانوا غير مرسلين، لأن شأن النبى مطلق التبليغ {مِن قَبْلك} من قبل وجودك، أو من قبل إرسالك وهو أولى {مِنْهُم مَنْ قَصصَنْا عَليك} بعض أخبارهم كآدم وإدريس، ونوح وهود وصالح، وابراهيم ولوط، ويوسف وموسى، وشعيب وداود، وسليمان وعيسى {ومِنْهم مَنْ لم نَقْصُص عَليْك} بعض أخبارهم وهم الأكثر، أو يقدر أولا رسُلا قصصناهم، ورسلا لم نقصصهم، ثم يقدر مضافان كما رأيت، وهو أولى، ويجوز تقدير الضمير فى ذلك كله مفردا مراعاة للفظ من، وأكثر الرسل لم يقصصهم الله فى القرآن، وعدم قصصهم لا ينافى معرفته صلى الله عليه وسلم بعددهم، كما قال صلى الله عليه وسلم لأبى ذر السائل عن عدد الأنبياء: " حديث : هم ألف وأربعة وعشرون ألفاً الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر" تفسير : ويروى:" حديث : ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا" تفسير : لأن المنفى فى الآية قص أخبارهم لا معرفة عددهم. ولا مانع أنه تعالى أخبره بعد الآية بأسمائهم، وأخطأ من قال إنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم عدد الأنبياء والمرسلين، وقد أخبره الله تعالى بهؤلاء الأنبياء الذين بعد عيسى عليه السلام، والذين لم يشهروا إذا صح الخبر، مثل خالد بن سنان العبسى، وأخبره بعبد حبشي نبى كما فى ابن مردوية، والطبرانى عن على فهوه ممن لم يقصصه الله تعالى عليه، صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عباس أن الله تعالى بعث عبدا أسود فى الحبشة، والمراد بالقص المنفى القص فى القرآن، ولا ينافى القص فى غير القرآن بعد الآية، ومعنى كونه عبدا أنه ممن يتخذ عبيدا من السودان، ولا نفرة فى ذلك، لأنه غير مملوك، ولأنه مرسل الى جنسه، وذلك عرف الآن أيضا يقال: هو أحد العبيد أى السودان الذين تتخذ منهم العبيد، وقيل: انه عبد مملوك لبنى الخشاش يرعى فى الغنم. {وما كانَ} ما صح ولا خبر للكون، ويجوز أن يكون له خبر {لرسُولٍ} من تلك الرسل {أن يأتي بآيةٍ} تتلى أو معجزة {إلا بإذن الله} فالآيات هبات من الله تعالى {فإذا جاء أمْر الله} بالعذاب فى الدنيا والآخرة، وقيل: يوم القيامة، وقيل: يوم {قُضِيَ بالحقِّ} أنجز ولم يتخلف ولم يؤخر {وخَسِر هُنالكَ} هنا اسم المكان، استعير للزمان، لجامع أن كلا ظرف للحوادث، ويجوز إبقاؤه على معنى المكان المقضى فيه كأرض بدر والمحشر، فيكون الأمر القتل، وعذاب يوم القيامة {المبْطِلون} المتمسكون بالباطل، أو الداخلون فيه، أو أصحاب الباطل، ويبعد أن يفسر بالمضيعين لما لهم فى الجنة من الأملاك والحور، ويبعد أن يقال فى تفسيره: إذا جاء أمر الله بارسال رسول أرسله، وخسر مكذبوه.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً } ذوي خطر وكثرة {مِن قَبْلِكَ } من قبل إرسالك. {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا } أوردنا أخبارهم وآثارهم {عَلَيْكَ } كنوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام. {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } وهم أكثر الرسل عليهم الصلاة والسلام، أخرج الإمام أحمد عن أبـي ذر رضي الله تعالى عنه قال: «قلت يا رسول الله كم عدة الأنبياء؟ قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً» والظاهر أن المراد بالرسول في الآية ما هو أخص من النبـي، وربما يوهم صنيع القاضي أن المراد به ما هو مساو للنبـي. وأياً ما كان لا دلالة في الآية على عدم علمه صلى الله عليه وسلم بعدد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام - كما توهم بعض الناس وَرَدَّ لذلك خبر الإمام أحمد وجرى بيننا وبينه من النزاع ما جرى - وذلك لأن المنفي القص وقد علمت معناه فلا يلزم من نفي ذلك نفي ذكر أسمائهم، ولو سلم فلا يلزم من نفي ذكر الأسماء نفي ذكر أن عدتهم كذا من غير تعرض لذكر أسمائهم، على أن النفي بلم وهي على الصحيح تقلب المضارع ماضياً فالمنفي القص في الماضي ولا يلزم من ذلك استمرار النفي فيجوز أن يكون قد قصوا عليه عليه الصلاة والسلام جميعاً بعد ذلك ولم ينزل ذلك قرآناً، وأظهر من ذلك في الدلالة على عدم استمرار النفي قوله تعالى: {أية : رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}تفسير : [النساء: 164] لتبادر الذهن فيه إلى أن المراد لم نقصصهم عليك من قبل لمكان {قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} وبالجملة الاستدلال بالآية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم عدة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ولا علمها بعد جهل عظيم بل خذلان جسيم نعوذ بالله تعالى من ذلك، وأخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } قال: بعث الله تعالى عبداً حبشياً نبياً فهو ممن لم يقصص على محمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس بلفظ «إن الله تعالى بعث نبياً أسود في الحبش فهو ممن لم يقصص عليه عليه الصلاة والسلام» والمراد بذلك على نحو ما مر أنه لم تذكر له صلى الله عليه وسلم قصصه وآثاره ولا أوردت عليه أحواله وأخباره كما كان في شأن موسى وعيسى وغيرهما من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يقال: المراد أنه لم يذكر له صلى الله عليه وسلم بعثة شخص موصوف بذلك إذ لا يساعد عليه اللفظ، وأيضاً لو أريد ما ذكر فمن أين علم علي كرم الله تعالى وجهه أو ابن عباس ذلك وهل يقول باب مدينة العلم على علم لم يفض عليه من تلك المدينة؟ حاشاه ثم حاشاه وكذا ابن عمه العباس عبد الله. واستشكل هذا الخبر بأن فيه رسالة العبد وقد قالوا العبد لا يكون رسولاً، وأجيب بأن العبد فيه ليس بمعنى المملوك وهو الذي لا يكون رسولاً لنقصان تصرفه ونفرة النفوس عن اتباعه بل هو أحد العبيد بمعنى السودان عرفاً ولو قيل: إن العبد بهذا المعنى لا يكون رسولاً أيضاً لنفرة النفوس عن اتباعه كنفرتها عن اتباع المملوك قلنا: على تقدير تسليم النفرة إنما هي فيما إذا كان الإرسال لغير السودان وأما إذا كان الإرسال للسودان فليست هناك نفرة أصلاً، وظاهر لفظ ابن عباس أن ذلك الأسود إنما بعث في الحبش والتزام أنه لا يكون رسول من السودان أولاد حام مما لا يساعد عليه الدليل لأنه إن كانت النفرة مانعة من الإرسال فهي لا تتحقق فيما إذا كان الإرسال إلى بني صنفه؛ وإن كان المانع أنه لا يوجد متأهل للإرسال في بني حام لنقصان عقولهم وقلة كمالهم فدعوى ذلك جهل والله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته وكم رأينا في أبناء حام من هو أعقل وأكمل من كثير من أبناء سام ويافث، وإن كان قد ورد قاطع من نبينا صلى الله عليه وسلم / أنه لا يكون من أولئك رسول فليذكر وأنى به ثم إن أمر النبوة فيمن ذكر أهون من أمر الرسالة كما لا يخفى، وكأنه لمجموع ما ذكرنا قال الخفاجي عليه الرحمة: في صحة الخبر نظر. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ } أي وما صح وما استقام لرسول من أولئك الرسل {أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ} بمعجزة {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فالمعجزات على تشعب فنونها عطايا من الله تعالى قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها. {فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ } بالعذاب في الدنيا والآخرة {قُضِيَ بِٱلْحَقّ } بإنجاء المحق وإثابته وإهلاك المبطل وتعذيبه {وَخَسِرَ هُنَالِكَ } أي وقت مجىء أمر الله تعالى اسم مكان استعير للزمان {ٱلْمُبْطِلُونَ } المتمسكون بالباطل على الإطلاق فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولاً أولياً. ومن المفسرين من فسر المبطلين بهم وفسر أمر الله بالقيامة، ومنهم من فسره بالقتل يوم بدر وما ذكرنا أولى. وأبعد ما رأينا في الآية أن المعنى فإذا أراد الله تعالى إرسال رسول وبعثة نبـي قضى ذلك وأنفذه بالحق وخسر كل مبطل وحصل على فساد آخرته.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط استكمال للتعقيب في آخر الدرس الماضي. استكمال لتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين إلى الصبر، حتى يأذن الله، ويتحقق وعده ووعيده، سواء تحقق هذا في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم استأخر بعد وفاته. فالأمر ليس أمره، إنما هو أمر هذه العقيدة والمؤمنين بها والمجادلين فيها، المستكبرين عنها. والحكم في هذا الأمر هو الله. وهو الذي يقود حركتها ويوجه خطواتها كما يشاء. فأما هذا الشوط الجديد ـ الذي تختم به السورة ـ فيستطرد في عرض جوانب أخرى من هذه الحقيقة.. إن قصة هذا الأمر قصة طويلة وقديمة، ولم تبدأ برسالة الإسلام ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقبله كانت رسل. قص الله بعضهم عليه وبعضهم لم يقصصهم عليه. وكلهم ووجهوا بالتكذيب والاستكبار. وكلهم طولب بالآيات والخوارق. وكلهم تمنى لو يأتي الله بخارقة يذعن لها المكذبون. ولكن ما من آية إلا بإذن الله، في الوقت الذي يريده الله. فهي دعوته، وهو يصرفها كيف يشاء. على أن آيات الله مبثوثة في الكون، معروضة للأنظار في كل زمان ومكان. يتحدث منها هنا عن الأنعام، والفلك، ويشير إشارة عامة إلى سائرها الذي لا يملك إنكاره أحد. ويختم السورة بلمسة قوية عن مصارع الغابرين، الذين وقفوا موقف المكذبين، وغرهم ما كانوا فيه من القوة والعمارة والعلم. ثم أدركتهم سنة الله: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، سنة الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون}.. وبهذا الإيقاع تختم السورة التي دارت كلها على المعركة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان حتى ختمت هذا الختام الأخير.. {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك، منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك؛ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، فإذا جاء أمر الله قضي بالحق، وخسر هنالك المبطلون}.. إن لهذا الأمر سوابق كثيرة، قص الله على رسوله بعضها في هذا الكتاب، وبعضها لم يقصصه. وفيما قصه من أمر الرسل ما يشير إلى الطريق الطويل الواصل الواضح المعالم؛ وما يقرر السنة الماضية الجارية التي لا تتخلف؛ وما يوضح حقيقة الرسالة ووظيفة الرسل وحدودها أدق إيضاح. وتؤكد الآية حقيقة تحتاج إلى توكيدها في النفس، وتتكئ عليها لتقررها تقريراً شديداً: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}.. فالنفس البشرية ـ ولو كانت نفس رسول ـ تتمنى وترغب أن تستعلي الدعوة وأن يذعن لها المكابرون سريعاً. فتتطلع إلى ظهور الآية الخارقة التي تقهر كل مكابرة. ولكن الله يريد أن يلوذ عباده المختارون بالصبر المطلق؛ ويروضوا أنفسهم عليه؛ فيبين لهم أن ليس لهم من الأمر شيء، وأن وظيفتهم تنتهي عند حد البلاغ، وأن مجيء الآية هو الذي يتولاه حينما يريد. لتطمئن قلوبهم وتهدأ وتستقر؛ ويرضوا بكل ما يتم على أيديهم ويدعوا الأمر كله بعد ذلك لله. ويريد كذلك أن يدرك الناس طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة، ويعرفوا أن الرسل بشر منهم، اختارهم الله، وحدد لهم وظيفتهم، وما هم بقادرين ولا محاولين أن يتجاوزوا حدود هذه الوظيفة.. كذلك ليعلم الناس أن تأخير الآيات رحمة بهم؛ فقد قضى في تقديره بأن يدمر على المكذبين بعد ظهور الآيات. وإذن فهي مهلة، وهي من الله رحمة: {فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون}.. ولم يعد هناك مجال لعمل ولا لتوبة ولا لرجعة بعد قضاء الله الأخير. ثم يوجه طلاب الخوارق إلى آيات الله الحاضرة التي ينسون وجودها بطول الألفة. وهي لو تدبروها بعض هذه الخوارق التي يطلبون؛ وهي شاهدة كذلك بالألوهية؛ لبطلان أي ادعاء بأن أحداً غير الله خلقها، وأي ادعاء كذلك بأنها خلقت بلا خالق مدبر مريد: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها، ومنها تأكلون. ولكم فيها منافع، ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم، وعليها وعلى الفلك تحملون.. ويريكم آياته، فأي آيات الله تنكرون؟}.. وخلق هذه الأنعام ابتداء آية خارقة كخلق الإنسان. فبث الحياة فيها وتركيبها وتصويرها كلها خوارق، لا يتطاول الإنسان إلى ادعائها! وتذليل هذه الأنعام وتسخيرها للإنسان، وفيها ما هو أضخم منه جسماً وأشد منه قوة، وهو جعلها: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها، ومنها تأكلون..} وهذه لا يستحق الاحترام أن يقول قائل: إنها هكذا وجدت والسلام! وإنها ليست خارقة معجزة بالقياس إلى الإنسان! وإنها لا تدل على الخالق الذي أنشأها وسخرها بما أودعها من خصائص وأودع الإنسان! ومنطق الفطرة يقر بغير هذا الجدال والمراء. ويذكرهم بما في هذه الآيات الخوارق من نعم كبار: {لتركبوا منها، ومنها تأكلون}، {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم. وعليها وعلى الفلك تحملون}.. والحاجات التي كانت في الصدور والتي كانوا يبلغونها على الأنعام هي حاجات ضخمة في ذلك الزمان. قبل نشوء كل وسائل النقل والسفر والاتصال إلا على هذه الأنعام. وما تزال هناك حاجات تبلغ على هذه الأنعام حتى اليوم وغد. وهناك حتى اللحظة أسفار في بعض الجبال لا تبلغها إلا الأنعام مع وجود القطار والسيارة والطيارة، لأنها مجازات ضيقة لا تتسع لغير أقدام الأنعام! {وعليها وعلى الفلك تحملون}.. وهذه كتلك آية من آيات الله. ونعمة من نعمه على الإنسان. وسير الفلك على الماء قائم على نواميس وموافقات في تصميم هذا الكون: سمائه وأرضه. يابسه ومائه. وفي طبيعة أشيائه وعناصره. لا بد أن توجد حتى يمكن أن يسير الفلك على الماء. سواء سار بالشراع أم بالبخار أم بالذرة، أم بغيرها من القوى التي أودعها الله هذا الكون، ويسر استخدامها للإنسان.. ومن ثم تذكر في معرض آيات الله، وفي معرض نعمه على السواء. وكم هنالك من آيات من هذا النوع الحاضر المتناثر في الكون، لا يملك إنسان أن ينكره وهو جاد: {ويريكم آياته. فأي آيات الله تنكرون؟} نعم إن هنالك من ينكر. وهنالك من يجادل في آيات الله. وهنالك من يجادل بالباطل ليدحض به الحق.. ولكن أحداً من هؤلاء لا يجادل إلا عن التواء، أو غرض، أو كبر، أو مغالطة، لغاية أخرى غير الحقيقة. هنالك من يجادل لأنه طاغية كفرعون وأمثاله، يخشى على ملكه، ويخشى على عرشه، لأن هذا العرش يقوم على أساطير يذهب بها الحق، الذي يثبت بثبوت حقيقة الألوهية الواحدة! وهنالك من يجادل لأنه صاحب مذهب في الحكم كالشيوعية يتحطم إذا ثبتت حقيقة العقيدة السماوية في نفوس البشر. لأنه يريد أن يلصق الناس بالأرض؛ وأن يعلق قلوبهم بمعداتهم وشهوات أجسادهم؛ وأن يفرغها من عبادة الله لتعبد المذهب أو تعبد الزعيم! وهنالك من يجادل لأنه ابتلي بسيطرة رجال الدين ـ كما وقع في تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى ـ ومن ثم فهو يريد الخلاص من هذه السيطرة. فيشتط فيرد على الكنيسة إلهها، الذي تستعبد باسمه الناس! وهنالك أسباب وأسباب.. غير أن منطق الفطرة ينفر من هذا الجدال، ويقر بالحقيقة الثابتة في ضمير الوجود؛ والتي تنطق بها آيات الله بعد كل جدال! وفي الختام يجيء ذلك الإيقاع القوي الأخير: {أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده، وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا. سنة الله التي قد خلت في عباده. وخسر هنالك الكافرون}. ومصارع الغابرين كثيرة في تاريخ البشرية؛ وبعضها ما تزال له آثار تحكي قصته؛ وبعضها حفظته الروايات على الألسنة، أو حفظته الأوراق والكتب. والقرآن كثيراً ما يوجه القلوب إليها، لما فيها من دلالة على حقائق ثابتة في خط سير البشرية؛ ولما لها كذلك من أثر في النفس الإنسانية عميق عنيف. والقرآن يخاطب الفطرة بما يعلمه منزل هذا القرآن من حقيقة الفطرة، ومساربها ومداخلها، وأبوابها التي تطرق فتفتح، بعضها بعد نقرة خفيفة وبعضها بعد طرقات كثيرة إن كان قد ران عليها الركام! وهنا يسألهم وينشطهم للسير في الأرض، بعين مفتوحة، وحسن متوفز، وقلب بصير لينظروا ويتدبروا ما كان في الأرض قبلهم؛ وما يتعرضون هم لجريانه عليهم: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟}.. وقبل أن يذكر كيف كان هذه العاقبة، يصف حال الذين من قبلهم، ويقرن إليها حالهم هم لتتم الموازنة، وتتم العبرة: {كانوا أكثر منهم، وأشد قوة وآثاراً في الأرض}.. توافرت لهم الكثرة والقوة والعمران. ومن هؤلاء أجيال وأمم كانت قبل العرب، قص الله على رسوله بعضها، ولم يقصص عليه بعضها. ومنهم من كان العرب يعرفون قصته ويمرون بآثاره.. {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}.. ولم تعصمهم قوة ولا كثرة ولا عمارة، مما كانوا يعتزون به ويغترون. بل كان هذا هو أصل شقائهم، وسبب هلاكهم: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم}.. والعلم ـ بغير إيمان ـ فتنة. فتنة تعمي وتطغي. ذلك أن هذا اللون من العلم الظاهري يوحي بالغرور، إذ يحسب صاحبه أنه يتحكم بعلمه هذا في قوى ضخمة، ويملك مقدرات عظيمة، فيتجاوز بنفسه قدرها ومكانها! وينسى الآماد الهائلة التي يجهلها. وهي موجودة في هذا الكون؛ ولا سلطان له عليها. بل لا إحاطة له بها. بل لا معرفة له بغير أطرافها القريبة. وبذلك ينتفخ فيأخذ أكثر من حقيقته. ويستخفه علمه وينسى جهله. ولو قاس ما يعلم إلى ما يجهل. وما يقدر عليه في هذا الكون إلى ما يعجز حتى عن إدراك سره لطامن من كبريائه، وخفف من فرحه الذي يستخفه. وهؤلاء فرحوا بما عندهم من العلم. واستهزأوا بمن يذكرهم بما وراءه: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. فلما عاينوا بأس الله، سقط عنهم القناع، وأدركوا مدى الغرور، واعترفوا بما كانوا ينكرون، وأقروا بوحدانية الله، وكفروا بشركائهم من دونه. ولكن الأوان كان قد فات: {فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}.. ذلك أن سنة الله قد جرت على أن لا تقبل التوبة بعد ظهور بأس الله: فهي توبة الفزع لا توبة الإيمان: {سنة الله التي قد خلت في عباده}.. وسنة الله ثابتة لا تضطرب ولا تختلف ولا تحيد عن الطريق. {وخسر هنالك الكافرون}.. وعلى هذا المشهد العنيف. مشهد بأس الله يأخذ المكذبين. ومشهدهم يستغيثون ويفزعون، ويعلنون كلمة الإذعان والتسليم. تختم السورة. فيتناسق هذا الختام مع جوها وظلها وموضوعها الأصيل. ولقد مررنا في ثنايا السورة بقضايا العقيدة التي تعالجها السور المكية: قضية التوحيد، وقضية البعث، وقضية الوحي.. ولكنها لم تكن هي موضوع السورة البارز: إنما كانت المعركة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، هي البارزة، وكانت ملامح المعركة هي التي ترسم "سخصية السورة".. وسماتها المميزة لها بين سور القرآن..
ابن عاشور
تفسير : ذكرنا عند قوله تعالى: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}تفسير : في أول هذه السورة (4) أن من صور مجادلتهم في الآيات إظهارهم عدم الاقتناع بمعجزة القرآن فكانوا يقترحون آيات كما يريدون لقصدهم إفحام الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما انقضى تفصيل الإِبطال لضلالهم بالأدلة البَيِّنَة والتذكير بالنعمة والإِنذارِ بالترهيب والترغيب وضربِ الأمثال بأحوال الأمم المكذّبة ثم بوعد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصر وتحقيق الوعد، أعقب ذلك بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ما كان شأنُه إلا شأنَ الرُّسُل من قبله أن لا يأتوا بالآيات من تلقاءِ أنفسهم ولا استجابةً لرغائب معانديهم ولكنها الآيات عند الله يُظهر ما شاء منها بمقتضى إرادته الجارية على وفق علمه وحكمته، وفي ذلك تعريض بالرد على المجادلين في آيات الله، وتنبيه لهم على خطإ ظنهم أن الرُّسل تنتصب لمناقشة المعاندين. فالمقصود الأهمّ من هذه الآية هو قوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أنْ يأتِيَ بِآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ الله} وأما قوله: {وَلَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلاً مِن قَبْلِكَ} الخ فهو كمقدمة للمقصود لتأكيد العموم من قوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}، وهو مع ذلك يفيد بتقديمه معنى مستقلاً من رد مجادلتهم فإنهم كانوا يقولون: { أية : ما أنزل اللَّه على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91] ويقولون: {أية : لولا أنزل عليه ملك}تفسير : [الأنعام: 8] فدُمغت مزاعمهم بما هو معلوم بالتواتر من تكرر بعثة الرسل في العصور والأمم الكثيرة. وقد بعث الله رسلاً وأنبياء لا يعلم عددهم إلا الله تعالى لأن منهم من أعلم الله بهم نبيه صلى الله عليه وسلم ومنهم من لم يعلمه بهم إذ لا كمال في الإِعلام بمن لم يعلمه بهم، والذين أعلمه بهم منهم من قصّهُ في القرآن، ومنهم من أعلمه بهم بوحي غير القرآن فورد ذكر بعضهم في الآثار الصحيحة بتعيين أو بدون تعيين، ففي الحديث: «حديث : أن الله بعث نبيئاً اسمه عَبُّود عبداً أسود»تفسير : وفي الحديث ذكر: حَنظلة بن صفوان نَبيُ أهل الرس، وذكرُ خالد بن سِنان نبي عَبس، وفي الحديث: «حديث : أن نبيئاً لسعَتْه نملة فأحرق قريتها فعوتِبَ في ذلك»تفسير : . ولا يكاد الناس يحصون عددهم لتباعد أزمانهم وتكاثر أممهم وتقاصِي أقطارهم مما لا تحيط به علوم الناس ولا تستطيع إحصاءه أقلام المؤرخين وأخبار القصاصين وقد حصل من العلم ببعضهم وبعض أممهم ما فيه كفاية لتحصيل العبرة في الخير والشر، والترغيب والترهيب. وقد جاء في القرآن تسمية خمسةَ عشر رسولاً وهم: نوح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وهُود وصالح وشعيب وموسى وهارون وعيسى ويونس ومحمد صلى الله عليه وسلم واثنا عشر نبيئاً وهم: داود وسليمان وأيوب وزكرياء ويحيى وإلياس واليسع وإدريس وآدم وذو الكِفل وذو القرنين ولقمان ونبيئة وهي مريم. وورد بالإِجمال دون تسمية صاحبُ موسى المسمى في السنة خضراء ونبيُ بني إسرائيل وهو صمويل وتُبَّعٌ. وليس المسلمون مطالبين بأن يعلموا غير محمد صلى الله عليه وسلم ولكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بصريح وصف النبوءة يجب الإِيمان بنبوءتهم لمن قرأ الآيات التي ذكروا فيها وعدتهم خمسة وعشرون بين رسول ونبيء، وقد اشتمل قوله تعالى: {أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}تفسير : [الأنعام: 83] إلى قوله: {أية : ولوطاً}تفسير : [الأنعام: 86] على أسماء ثمانية عشر منهم وذكر أسماء سبعة آخرين في آيات أخرى وقد جمعها من قال:شعر : حَتْم على كل ذي التكليف معرفة بأنبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا تفسير : واعلم أن في كون يوسف رسولاً تردداً بينتُه عند قوله تعالى: {أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات}تفسير : في هذه السورة (34)، وأن في نبوءة الخضر ولقمان وذي القرنين ومريم تردداً. واخترتُ إثبات نبوءتهم لأن الله ذكر في بَعْضهم أنه خاطبهم، وذكر في بعضهم أنه أوتى الحِكمة وقد اشتهرتْ في النبوءة، وفي بعضهم أنه كلمتْه الملائكة. ولا يجب الإِيمان إلا بوقوع الرسالة والنبوءة على الإِجمال. ولا يجب على الأمة الإِيمان بنبوءة رسالة معين إلا محمداً صلى الله عليه وسلم أو من بلغ العلمُ بنبوءته بين المسلمين مبلغ اليقين لتواتره مثل موسى وعيسى وإبراهيم ونوح. ولكن من اطلع على ذكر نبوءة نبيء بوصفه ذلك في القرآن صريحاً وجب عليه الإِيمان بما علمه. وما ثبت بأخبار الآحاد لا يجب الإِيمان به لأن الاعتقادات لا تجبُ بالظن ولكن ذلك تعْليم لا وجوبُ اعتقاد. وتنكير {رسلاً} مفيد للتعظيم والتكثير، أي أرسلنا رسلاً عددهم كثير وشأنهم عظيم. وعطف {ومَا كَانَ لِرَسُولٍ} الخ بالواو دون الفاء يفيد استقلال هذه الجملة بنفسها لما فيها من معنى عظيم حقيق بأن لا يكون تابعاً لغيره، ويكتفي في الدلالة على ارتباط الجملتين بموقع إحداهما من الأخرى. والآية: المعجزة، وإذن الله: هو أمر التكوين الذي يخلق الله به خارق العادة ليجعله علامة على صدق الرسول. ومعنى إتيان الرسول بآية: هو تحديه قومه بأن الله سيؤيده بآية يعينّها مثل قول صالح عليه السلام: {أية : هذه ناقة الله لكم آية}تفسير : [الأعراف: 73] وقول موسى عليه السلام لفرعون: {أية : أَوَلَو جئتك بشيء مبين}تفسير : [الشعراء: 30] الآية. وقول عيسى عليه السلام: {أية : إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيها فيكون طيراً بإذن اللَّه}تفسير : [آل عمران: 49] وقول محمد صلى الله عليه وسلم {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23]. فالباء في بــ {آية} باء التعدية لفعل {أَنْ يَأْتِيَ} وأما الباء في بــ {إذن الله} فهي باء السببية دخلت على مستثنىً من أسباب محذوفة في الاستثناء المفرغ، أي ما كان له أن يأتي بآية بسبب من الأسباب إلا بسبب إذن الله تعالى. وهذا إبطال لما يتوركون به من المقترحات والتعلات. وفُرع عليه قوله: {فَإذَا جَاءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بِالحَقِّ} أي فإذا جاء أمر الله بإظهار الرسول آية ظهر صدق الرسول وكان ذلك قضاء من الله تعالى لرسوله بالحق على مكذبيه، فإذن الله هو أمره التكويني بخلق آية وظهورها. وقوله: {فَإِذَا جَاءَ أمْرُ الله} الأمر: القضاء والتقدير، كقوله تعالى: {أية : أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه}تفسير : [النحل: 1] وقوله: {أية : أو أمر من عنده}تفسير : [المائدة: 52] وهو الحدث القاهر للناس كما في قول عمر لما قال له أبو قَتادة يومَ حُنين «ما شأن الناس» حين انهزموا وفَرّوا قال عمر: «أَمرُ الله». وفي العدول عن: إذن الله، إلى {أَمْرُ الله} تعريض بأن ما سيظهره الله من الإِذن لمحمد صلى الله عليه وسلم هي آيات عقاب لمعانديه، فمنها: آية الجوع سبع سنين حتى أكلوا الميتة، وآيةُ السيفِ يوم بدر إذْ استأصل صناديدَ المكذبين من أهل مكة، وآية السيفِ يوم حُنين إذ استأصل صناديدَ أهل الطائف، وآية الأحزاب التي قال الله عنها: {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}تفسير : [الأحزاب: 9] ثم قال: {أية : وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى اللَّه المؤمنين القتال وكان اللَّه قوياً عزيزاً وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديراً }تفسير : [الأحزاب: 25- 27]. وفي إيثار {قُضِيَ بِالحَق} بالذكر دون غيره من نحو: ظهر الحق، أو تبين الصدق، ترشيح لما في قوله: {أَمْرُ الله} من التعريض بأنه أمر انتصاف من المكذبين. ولذلك عطف عليه {وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ} أي خسر الذين جَادلوا بالباطل ليُدحضوا به الحق. والخسران: مستعار لحصول الضرّ لمن أراد النفع، كخسارة التاجر الذي أرادَ الربح فذهب رأس ماله، وقد تقدم معناه غير مرة، منها قوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : في أوائل سورة [البقرة: 16]. و {هنالك} أصله اسم إشارة إلى المكان، واستعير هنا للإِشارة إلى الزمان المعبر عنه بــــ (إذا) في قوله: {فَإِذَا جَاءَ أمْرُ الله}. وفي هذه الاستعارة نكتة بديعية وهي الإِيماء إلى أن المبطلين من قريش ستأتيهم الآية في مكان من الأرض وهو مكان بَدر وغيره من مواقع إعمال السيف فيهم فكانت آيات محمد صلى الله عليه وسلم حجة على معانديه أقوى من الآيات السماوية نحو الصواعق أو الريح، وعن الآياتِ الأرضية نحو الغَرق والخسف لأنها كانت مع مشاركتهم ومداخلتهم حتى يكون انغلابهم أقطع لحجتهم وأخزى لهم نظير آية عَصَا موسى مع عِصيّ السحرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}. ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله تبارك وتعالى قص على نبيه صلى الله عليه وسلم، أنباء بعض الرسل، أي كنوح وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وأنه لم يقصص عليه أنباء رسل آخرين، بينه في غير هذا الموضع، كقوله في سورة النساء: {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]، وأشار إلى ذلك في سورة إبراهيم في قوله: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [إبراهيم: 9] الآية. وفي سورة الفرقان في قوله تعالى: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} تفسير : [الفرقان: 38] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ}. قوله هنا: فإذا جاء أمر الله أي قامت القيامة، كما قدمنا إيضاحه في قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] فإذا قامت القيامة، قضى بين الناس بالحق الذي لا يخالطه حيف ولا جور، كما قال تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الزمر: 69] الآية. وقال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الزمر: 75]. والحق المذكور في هذه الآيات: هو المراد بالقسط المذكور في سورة يونس في قوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [يونس: 47]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه إذا قامت القيامة يخسر المبطلون، أوضحه جل وعلا في سورة الجاثية في قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الجاثية: 27]. والمبطل هو: من مات مصراً على الباطل. وخسران المبطلين المذكور هنا، قد قدمنا بيانه في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تفسير : [يونس: 45].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 78- لقد أرسلنا رسلا كثيرين من قبلك، منهم من أوردنا أخبارهم عليك، ومنهم من لم نرد عليك أخبارهم، وما كان لرسول منهم أن يأتى بمعجزة إلا بمشيئة الله وإرادته، لا من تلقاء نفسه ولا باقتراح قومه، فإذا جاء أمر الله بالعذاب فى الدنيا أو الآخرة قضى بينهم بالعدل، وخسر فى ذلك الوقت أهل الباطل. 79- الله الذى ذلل لكم الإبل، لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها. 80- ولكم فيها منافع كثيرة غير الركوب والأكل، ولتبلغوا عليها حاجة تهتمون بها فى أنفسكم، كجر الأثقال وحملها ونحو ذلك. وعلى الإبل التى هى نوع من الأنعام، وعلى الفلك تحملون أنتم وأمتعتكم. 81- ويريكم الله دلائل قدرته، فأخبرونى أى دليل منها تنكرون، وهى من الوضوح بحيث لا ينكرها من له أدنى عقل. 82- أقعدوا فلم يسيروا فى الأرض فيروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الهلاك والتدمير!؟ كان من قبلهم أكثر منهم عدداً وأشد منهم قوة وآثاراً فى الأرض، فما دفع عنهم عذاب الله ما كسبوه من مال أو قوة أو سلطان.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَةٍ} (78) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ قَبْلَهُ رُسُلاً إِلَى أَقْوَامِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ اللهُ لَهُ أَخْبَارَهُمْ فِي القُرْآنِ وَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقْصُصِ اللهُ أَخْبَارَهُمْ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حديث : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ عَدَدُ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ مِئَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفاً، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلاَثُمِئَةٍ وَخَمْسَةََ عَشَرَ جَمّاً غَفِيراًتفسير : ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ). وَلَمْ يَكُنْ لأِحَدٍ مِنَ الرًّسُلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ بِمُعْجِزَةٍ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ بِذَلِكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمُ بِهِ. فَإِذَا نَزَلَ عَذَابُ اللهِ وَنَكَالُهُ بِالمُكَذِّبِينَ قُضِيَ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ. فَيُنَجِّي اللهُ رُسُلَهُ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُمْ، وَيُهْلِكُ الكَافِرِينَ الذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللهِ كَذِباً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعم ذكر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أسماء بعض الرسل، وعددهم في القرآن خمس وعشرون، قال الناظم: شعر : فِي تِلْك حجتنا منهم ثمانيةٌ من بَعْد عشر ويَبْقَى سَبْعةٌ وَهُمُو إدْريس هُود شُعَيْب صَالح ذُو الكِفْل آدم بالمخْتَارِ قَدْ خُتِموا تفسير : لكن الحق سبحانه يقول في موضع آخر: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24] وهذا يعني أن الذين لم يُذكروا من الرسل كثيرون. {أية : وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 38] ما مناسبة هذه هنا؟ قالوا: لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات، كما قال سبحانه: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً} تفسير : [الإسراء: 90-91] يعني: لتستديم هذه الجنة {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ..} تفسير : [الإسراء: 92-93] فماذا كان جوابه: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93] يعني: ما أنا إلا رسول من الله أبلغ ما أرسلت به. والحق سبحانه أوضح لنا حينما لا يجيبهم إلى ما طلبوا من الآيات أنهم لم يكتفوا بما عندهم ولم يقنعوا به، فطلب الآيات بعد ذلك يُعَد طعناً في الآية السابقة هذه واحدة، وأيضاً هناك أُنَاس طلبوا الآيات فأجابهم الله، ومع ذلك كفروا بها. إذن كَوْني أجاريهم في طلب الآيات عبثٌ لا فائدة منه، لذلك قال سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..} تفسير : [الإسراء: 59] أي: الآيات المطلوبة. وقوله سبحانه: {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُون} [غافر: 78] معنى {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ ..} [غافر: 78] ما دام القضاء بالحق، فقد فاز المؤمنون وخسر {هُنَالِكَ ..} [غافر: 78] أي: في الآخرة {ٱلْمُبْطِلُون} [غافر: 78] الكافرون أهل الباطل، وهذه هي النهاية الطبيعية والجزاء من جنس العمل.
الجيلاني
تفسير : {وَ} ليس لك أن تتعب نفلك بتعجيل العذاب عليهم قل حلول الأجل المقدر من عندنا؛ إذ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} من مقام جودنا {رُسُلاً} كثيراً {مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا} قصتهم {عَلَيْكَ} في كتابك {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} ولم نذكر قصتهم في كتابك؛ إذ ما يعلم جنود ربك وما جرى عليهم إلا هو. {وَ} بالجملة: {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِرَسُولٍ} من الرسل {أَن يَأْتِيَ} ويعجل {بِآيَةٍ} مقترحة أو غير مقترحة من تلقاء نفسه {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وبمقتضى مشيئته وإرادته سبحانه، بل أن ينتظر الوقت الذي عين سبحانه ظهورها فيه؛ إذ جميع الآيات والمعجزات موهوبة لله، مقسومة بين أنبيائه ورسله بمقتضى قسمته سبحانه في حضرة علمه ولوح قضائه، لا يسع لأحد منهم أن يعجل بها، أو يؤخر عن وقتها، بل {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} العليم الحكيم بتعذيب المشركين وإثابة الموحدين {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} جميع المقتضيات الإلهية، سواء كانت من العقوبات والمثوبات {وَ} كما {خَسِرَ هُنَالِكَ} أي: عند وقوع المقضي وظهوره {ٱلْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78] المستوجبون لأنواع العذاب والنكال، وربح حينئذ المستحقون لأصناف المثوبات واللذات الروحانية. وكيف لا يكون مقاليد الأمور بيد الله وقبضته وقدرته؛ إذ {ٱللَّهُ} المتفرد بالألوهية والربوبية هو {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} مسخرة مقهورة لكم، محكومة تحت أمركم وحكمكم {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا} ما يليق بركوبكم تتميماً لتربيتكم وحضوركم {وَ} جعل لكم أيضاً {مِنْهَا} أي: من النعام {تَأْكُلُونَ} [غافر: 79] لتقويم المزاج وتقوية البدن. {وَ} جعل {لَكُمْ فِيهَا} أيضاً {مَنَافِعُ} كثيرة كالألبان والصواف والأشعار والأوبار، وغير ذلك {وَلِتَـبْلُغُواْ} أي: لتصلوا، وتنالوا بالحمل والركوب {عَلَيْهَا} أي: على الأنعام {حَاجَةً} مطلوبة لكم مركوزة {فِي صُدُورِكُمْ} ونفوسكم، ولولا ركوبكم وحملكم عليها، لم تصلوا إليها إلا بشق النفس {وَ} بالجملة: {عَلَيْهَا} أي: على الأنعام في البر {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر {تُحْمَلُونَ} [غافر: 80] يعني: سهل عليكم سبحانه أمور معاشكم في إقامتكم وأسفاركم تتميماً لتربيتكم وحفظكم؛ لتواظبوا على شكر نعمه، وتلازموما لعبادته وعبوديته بالتبتل والإخلاص التام. {وَ} بهذا {يُرِيكُمْ} أيها المغمورون المستغرقون في بحار أفضاله وجوده {آيَاتِهِ} الدالة على وجوب وجوده، ووحدة ذاته واستقلاله في الآثار الصادرة منه سبحانه حسب أسمائه وصفاته {فَأَيَّ} آية من {آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على كمال ألوهيته وربوبيته {تُنكِرُونَ} [غافر: 81] أيها المسرفون المشركون.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إرسال الرسل، وإيضاح السبل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} [غافر: 78] يشير إلى أن الحكمة البالغة الأزلية اقتضت أنا نبعث قبلك رسلا، ونجري عليهم وعلى أممهم أحوالاً، ثم {أية : نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ} تفسير : [هود: 120] أنبائهم {أية : مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [هود: 120] ونؤدبك بتأديبهم؛ لتتعظ بهم، ولا نقدمك بالرسالة عليهم؛ ليتعظوا بك، فإن السعيد من يتعظ بغيره {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78]؛ لاستغنائك عن ذلك، تحفيفاً لك عما لا يعنيك، وهذه أمارة كمال العناية فيما قص عليه وفيما لم نقصص عليه، وفيه جواب من التمس منه صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآية، فقال: كما أن ذكر الرسل وقصصهم ما كان بالتماس النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإرادة الله، كذلك {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [غافر: 78] على ما اقتضت الحكمة والإرادة في إتيان الآية {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ} [غافر: 78] بإتيانها في وقتها وإظهارها على يده كما التمسوها، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78] الذين أرادوا إبطال الحق بتكذيب الآيات. ثم أخبر أنه تعالى أظهر من الآيات لمصلحة عباده، وما لم يظهر أيضاً لم يظهر لمصلحتهم بقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 79-80]؛ أي: خلقها لمنافعكم، ولو كان لكم فيها مفاز لم يخلقها ومنافعها {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [غافر: 80]؛ يعني: خلق الفلك أيضاً لمصلحتكم ومنفعتكم. وفيه إشارة أخرى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا} [غافر: 79]؛ أي: خلق النفس البهيمية الحيوانية؛ ليكون مركباً لروحكم العليا {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} [غافر: 80] من مشاهدة الحق ومقامات القرب {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [غافر: 80]؛ أي: في صفاتها، وهي الشهوة الحيوانية، ومنفعتها أنها مركب العشق والغضب، وأنها مركب الصلابة في الدين، والحرص مركب الهمة، وبهذه المراكب يصل إلى المراتب العلوية، كما قال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ}؛ صفات القلب {تُحْمَلُونَ}؛ أي: جوار الحق تعالى، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [غافر: 81] بتجلي صفاته {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ} [غافر: 81]؛ أي: صفاته {تُنكِرُونَ} [غافر: 81] إذا تجلى بها؛ أي: لا يبقي معها الإنكار والجحود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ } كثيرين إلى قومهم، يدعونهم ويصبرون على أذاهم. { مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ } خبرهم { وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } وكل الرسل مدبرون، ليس بيدهم شيء من الأمر. وما كان لأحد منهم { أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ } من الآيات السمعية والعقلية { إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بمشيئته وأمره، فاقتراح المقترحين على الرسل الإتيان بالآيات، ظلم منهم، وتعنت، وتكذيب، بعد أن أيدهم اللّه بالآيات الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به. { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } بالفصل بين الرسل وأعدائهم، والفتح. { قُضِىَ } بينهم { بِالْحَقِّ } الذي يقع الموقع، ويوافق الصواب بإنجاء الرسل وأتباعهم، وإهلاك المكذبين، ولهذا قال: { وَخَسِرَ هُنَالِكَ } أي: وقت القضاء المذكور { الْمُبْطِلُونَ } الذين وصفهم الباطل، وما جاءوا به من العلم والعمل، باطل، وغايتهم المقصودة لهم، باطلة، فَلْيَحْذَر هؤلاء المخاطبون، أن يستمروا على باطلهم، فيخسروا، كما خسر أولئك، فإن هؤلاء لا خير منهم، ولا لهم براءة في الكتب بالنجاة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):