Verse. 4212 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اَللہُ الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الْاَنْعَامَ لِتَرْكَبُوْا مِنْہَا وَمِنْہَا تَاْكُلُوْنَ۝۷۹ۡ
Allahu allathee jaAAala lakumu alanAAama litarkaboo minha waminha takuloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي جعل لكم الأنعام» قيل: الإبل خاصة هنا والظاهر والبقر والغنم «لتركبوا منها ومنها تأكلون».

79

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أطنب في تقرير الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله الحكيم الرحيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد، قال الزجاج الإبل خاصة، وقال القاضي هي الأزواج الثمانية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه لم أدخل لام الغرض على قوله {لتركبوا } وعلى قوله {لتبلغوا} ولم يدخل على البواقي فما السبب فيه؟ الجواب: قال صاحب «الكشاف» الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، فهذان القسمان أغراض دينية فلا جرم أدخل عليهما حرف التعليل، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباحات، فلا جرم ما أدخل عليها حرف التعليل، نظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } تفسير : [النحل: 8] فأدخل التعليل على الركوب ولم يدخله على الزنية. السؤال الثاني: قوله تعالى: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } معناه تحملون في البر والبحر إذا عرفت هذا فنقول: لم لم يقل وفي الفلك كما قال {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [هود: 40] والجواب: أن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع في الفلك كما يصح أن يقال وضع فيه يصح أن يقال وضع عليه، ولما صح الوجهان كانت لفظة على أولى حتى يتم المراد في قوله {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثيرة قال: {وَيُرِيكُمْ آيَـٰتِهِ فَأَىَّ ءايَـٰتِ الله تنكرون} يعني أن هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة، فقوله { فَأَىَّ ءايَـٰتِ الله تنكرون} تنبيه على أنه ليس في شيء من الدلائل التي تقدم ذكرها ما يمكن إنكاره، قل صاحب «الكشاف» قوله {فَأَىُّ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } جاء على اللغة المستفيضة، وقولك: فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحوحمار وحمارة غريب، وهي في أي أغرب لإبهامه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} قال أبو إسحاق الزجاج: الأنعام هاهنا الإبل. {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فاحتج من منع من أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأنّ الله عز وجل قال في الأنعام: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وقال في الخيل: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا}تفسير : [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. وقد مضى هذا في «النحل» مستوفى. قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} في الوبر والصوف والشعر واللبن والزبد والسمن والجبن وغير ذلك. {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} أي تحمل الأثقال والأسفار. وقد مضى في «النحل» بيان هذا كله فلا معنى لإعادته. ثم قال: {وَعَلَيْهَا} يعني الأنعام في البر {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر {تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر. {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} نصب «أيا» بـ«ـتنكرون»، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في «أيّ» الرفع؛ ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب، أي إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة؛ كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام وسورة النحل وغير ذلك، ولذا قال عز وجل ههنا: { لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } وقوله جل وعلا: {وَيُرِيكُمْ آيَـٰتِهِ} أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم، {فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ}؟ أي: لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَٰمَ } قيل الإِبل خاصة هنا والظاهر والبقر والغنم {لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }.

ابن عطية

تفسير : هذه آيات عبر وتعديد نعم. و: {الأنعام} الأزواج الثمانية. ع و: {منها} الأولى للتبعيض، لأن المركوب ليس كل الأنعام، بل الإبل خاصة. {ومنها} الثانية لبيان الجنس، لأن الجميع منها يؤكل. وقال الطبري في هذه الآية: إن {الأنعام} تعم الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك ما ينتفع به في البهائم، فـ {منها} في الموضعين للتبعيض على هذا، لكنه قول ضعيف، وإنما الأنعام، الأزواج الثمانية التي ذكر الله فقط. ثم ذكر تعالى المنافع ذكراً مجملاً، لأنها أكثر من أن تحصى. وقوله تعالى: {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} يريد قطع المهامه الطويلة والمشاق البعيدة. و: {الفلك} السفن، وهو هنا جمع. و: {تحملون} يريد: براً وبحراً. وكرر الحمل عليها، وقد تقدم ذكر ركوبها لأن المعنى مختلف وفي الأمرين تغاير، وذلك أن الركوب هو المتعارف فيما قرب واستعمل في القرى والمواطن نظير الأكل منها وسائر المنافع بها، ثم خصص بعد ذلك السفر الأطول وحوائج الصدور مع البعد والنوى، وهذا هو الحمل الذي قرنه بشبيهه من أمر السفن. ثم ذكر تعالى آياته عامة جامعة لكل عبرة وموضع نظر، وهذا غير منحصر لاتساعه، ولأن في كل شيء له آية تدل على وحدانيته، ثم قررهم على جهة التوبيخ بقوله: {فأي آيات الله تنكرون}. ثم احتج تعالى على قريش بما يظهر في الأمم السالفة من نقمات الله في الكفرة الذين {كانوا أكثر} عدداً {وأشد قوة} أبدان وممالك، وأعظم آثاراً في المباني والأفعال من قريش والعرب، فلم يغن عنهم كسبهم ولا حالهم شيئاً حين جاءهم عذاب الله وأخذه و {ما} في قوله: {فما أغنى عنهم} نافية. قال الطبري: وقيل هي تقرير وتوقيف.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع} أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} أي تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد في أسفاركم وحاجاتكم {وعليها وعلى الفلك تحملون} أي على الإبل في البر وعلى السفن في البحر {ويريكم آياته} أي دلائل قدرته {فأي آيات الله تنكرون} يعني أن هذه الآيات التي ذكرها ظاهرة باهرة فليس شيء منها يمكن إنكاره. قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض} يعني مصانعهم وقصورهم والمعنى لو سار هؤلاء في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة هؤلاء المنكرين المتمردين الهلاك والبوار مع أنهم كانوا أكثر عدداً وأموالاً من هؤلاء {فما أغنى عنهم} أي لم ينفعهم {ما كانوا يكسبون} أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا} أي رضوا {بما عندهم من العلم} قيل هو قولهم لن نبعث ولن نعذب وقيل هو علمهم بأحوال الدنيا سمي ذلك علماً على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا} أي عذابنا {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده} يعني أن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة البأس وهو العذاب يعني بتلك السنة أنهم إذا رأوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب {وخسر هنالك الكافرون} يعني بذهاب الدارين قيل الكافر خاسر في كل وقت ولكنه يتبين خسرانه إذا رأى العذاب والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم‏} ‏ قال‏:‏ أسفاركم لحاجتكم ما كانت‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وآثاراً في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ المشي فيها بأرجلهم‏.‏ وفي قوله ‏ {‏فرحوا بما عندهم من العلم‏} ‏ قال‏:‏ قولهم نحن أعلم منهم ولن نعذب، وفي قوله ‏ {‏وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون‏} ‏ قال‏:‏ ما جاءت به رسلهم من الحق‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم‏}‏ قال‏:‏ من بلد إلى بلد‏.‏ وفي قوله ‏{‏سنت الله التي قد خلت في عباده‏} ‏ قال‏:‏ سننه أنهم كانوا إذا رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم عند ذلك‏.

ابو السعود

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمَ} قيلَ هيَ الإبلُ خَاصَّةً، أي خلقَها لأجلِكُم ومصلحتِكم. وقولُه تعالى: {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفصيلٌ لما دلَّ عليهِ اللامُ إجمالاً، ومِنْ لابتداءِ الغايةِ ومعناهَا ابتداءٌ الركوبِ والأكلِ منَها أي تعلقهُما بَها، وقيل: للتبعيضِ أي لتركبُوا بعضَها وتأكلُوا بعضَها لا على أَنَّ كلاَّ من الركوبِ والأكلِ مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بلْ على أنَّ كلَّ بعضٍ منَها صالحٌ لكلَ منهما، وتغيـيرُ النظمِ الكريمِ في الجُملةِ الثانيةِ لمُراعاةِ الفواصلِ معَ الإشعارِ بأصالِة الركوبِ {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ} أُخرُ غيرُ الركوبِ والأكلِ كألبانِها وأوبارِها وجلودِها {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ} بحملِ أثقالِكم من بلدٍ إلى بلدٍ {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} لعلَّ المرادَ به حملُ النساءِ والولدانِ عليها بالهودجِ، وهو السرُّ في فصلِه عن الركوبِ. والجمعُ بـينَها وبـينَ الفلكِ في الحملِ لما بـينَهمَا من المناسبةِ التامَّةِ حتى سُميتْ سفائنَ البرِّ وقيلَ: هي الأزواجُ الثمانيةُ فمعنى الركوبِ والأكلِ منها تعلقُهمَا بالكلِّ لكنْ لا على أنَّ كلاَّ منهُمَا تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أنَّ بعضَها يتعلقُ به كلاهُما كالإبلِ والبقرِ، والمنافعُ تعمُّ الكلَّ، وبلوغُ الحاجةِ عليها يعمُّ البقرَ {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} دلائلَه الدالةَ على كمالِ قُدرتِه ووفورِ رحمتِه {فَأَىَّ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي فأيَّ آيةٍ من تلكَ الآياتِ الباهرةِ {تُنكِرُونَ} فإنَّ كلاً منها من الظهورِ بحيثُ لا يكادُ يجترىءُ على إنكارِها مَنْ له عقلٌ في الجملةِ وهو ناصبٌ لأيَّ، وإضافةُ الآياتِ إلى الاسمِ الجليلِ لتربـيةِ المهابةِ وتهويلِ إنكارِها وتذكير أيْ هُو الشائعُ المستفيضُ، والتأنيثُ قليلٌ لأنَّ التفرقةَ بـين المذكِر والمؤنثِ في الأسماءِ غيرُ الصفاتِ نحوُ حمارٌ وحمارةٌ غريبٌ وهيَ في أيَ أغربُ لإبهامِه. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} أي أقعدُوا فلم يسيُروا {فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأممِ المُهلكةِ. وقولُه تعالَى: {كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} الخ استئنافٌ مسوقٌ لبـيان مبادِي أحوالِهم وعواقِبها {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} باقيةً بعدَهُم من الأبنيةِ والقصورِ والمصانعِ، وقيل هي آثارُ أقدامِهم في الأرضِ لعظمِ أجرامِهم {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} مَا الأُولى نافيةٌ أو استفهاميةٌ منصوبةٌ بأَغْنَى، والثانيةُ موصولةٌ أو مصدريةٌ مرفوعةٌ، أيْ لَم يُغنِ عنهُم أو أيَّ شيءٍ أغنَى عنهُم مكسوبُهم أو كسبُهم.

القشيري

تفسير : ذكّرهم عظيمَ إنعامه بتسخير الأنعام؛ فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب والحمل والعمل، ولتستقوا ألبانها، ولتأكلوا لحومها وشحومَها، ولتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وأشعارها، ولتقطعوا مسافة بعيدةً عليها.. فعلى الأنعام وفي الفُلْكِ تنتقلون من صُقْعٍ إلى صُقعٍ.. وأنا الذي يَسَّرْتُ لكم هذا، وأنا الذي ألهمتكم الانتفَاع به؛ فثقُوا في ذلك واعرفوه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله الذى جعل لكم الانعام} اى خلق الابل لاجلكم ومصلحتكم جمع نعم بفتحتين وهو فى الاصل الراعية والكثير استعماله فى الابل {لتركبوا منها ومنها تأكلون} من لابتداء الغاية ومعناها ابتداء الركوب والاكل منها اى تعلقهما بها او للتبعيض اى لتركبوا وتأكلوا بعضها لا على ان كلا من الركوب والاكل مختص ببعض معين منها بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على ان كل بعض منها صالح لكل منهما وتغيير النظم فى الجملة الثانية لمراعاة الفواصل مع الاشعار باصالة الركوب لان الغرض انما يكون فى المنافع والركوب متعلق بالمنفعة لانه اتلاف المنفعة بخلاف الاكل فانه متعلق بالعين لانه اتلاف العين ولا يقدح فى ذلك كون الاكل ايضا من المنافع ولهذا جاء {أية : لتأكلوا منه لحما طريا }

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {الله الذي جعل}؛ خلق {لكم الأنعامَ}؛ الإبل {لتركبوا منها ومنها تأكلون} أي: لتركبوا بعضها، وتأكلوا بعضها، وليس المراد: أن الركوب والأكل مختص ببعض معين منها، بحيث لا يجوز تعلُّقه بالآخر، بل على أن بعضاً منها صالح لكل منهما. {ولكم فيها منافعُ} أُخر غير الركوب، كألبانها وأوبارها وجلودها، {ولِتبلُغوا عليها حاجةً} أي: ما تحتاجون إليه من حمل أثقالكم من بلد إلى بلد، {في صُدورِكمْ}؛ في قلوبكم، {وعليها وعلى الفلك تُحملون} أي: وعليها في البر، وعلى الفلك في البحر تُحملون، ولعل المراد به: حمل النساء والولدان عليها بالهودج، وهو السر في فصله عن الركوب. والجمع بينها وبين الفلك في الحمل؛ لِمَا بينهما من المناسبة، حتى سُميت الإبل: سفائن البر. وقيل: المراد بالأنعام: الأزواج الثمانية، على أن المعنى: لتركبوا بعضها، وهي الإبل، وتأكلوا بعضها، وهي الغنم والبقر، فذكر ما هُوَ الأهم من كلٍّ، والمنافع تعم الكل، وبلوغ الحاجة تعم الإبل والبقر. وقال الثعلبي: التقدير: لتركبوا منها بعضاً، ومنها تأكلون، فحذف "بعضاً" للعلم به. {ويُريكم آياته}؛ دلائله الدالة على قدرته ووفور رحمته، {فأيَّ آياتِ الله} أي: فأيّ آية من تلك الآيات الباهرة {تُنكرون}؟ فإن كُلاًّ منها من الظهور بحيث لا يكاد يجترىء على إنكارها، و "آيات" نصب بتنكرون، وتذكير "أيّ" مع تأنيث المضاف إليه، هو الشائع المستفيض، والتأنيث قليل؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حمار وحمارة غريب، وهي في "أيّ" أغرب؛ لإبهامه. الإشارة: ما أعظم قدرك أيها الإنسان إن اتقيت الله، وعرفت نعمه، فقد سلّطك على ما في الكون بأسره، الحيوانات تخدمك، وتنتفع بها، أكْلاً، وركوباً، وملبساً، وحملاً، والبحر يحملك، والأرض تُقلك، والسماء تُظلك، وما قنع لك بالدنيا حتى ادخر لك الآخرة، التي هي دار الدوام، فإن شكرت هذه النعم فأنت أعز ما في الوجود، وإن كفرتها فأنت أهون ما في الوجود. وبالله التوفيق. ولا تعرف حقائق النعم إلا بالتفكُّر، ولذلك أمر به إثر ذكرها، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ}.

الأعقم

تفسير : {الله الذي جعل لكم الأنعام} أي خلقها لمنافعكم {لتركبوا منها ومنها تأكلون} يعني بعضها للركوب والأكل كالإِبل والبقر، وبعضها للأكل كالأغنام، وقيل: الأنعام الإِبل وحدها، وقيل: الأصناف الثمانية وهو الوجه قاله الحاكم {ولكم فيها منافع} في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} أي في الأسفار تحمل عليها الأثقال وتركب وتبلغ المقاصد {وعليها وعلى الفلك تحملون} يعني الأنعام في البر وعلى الفلك في البحر {ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} لأن جميعها دالة على توحيده وعدله، ثم وعظهم بذكر الأمم الماضية تسلية له ووعدٌ له ودعا إلى الإيمان فقال سبحانه: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم} عدداً {وأشد قوة} في أنفسهم وأعوانهم {وآثاراً في الأرض} في اتخاذ الأبنية والمنازل والقصور واستخراج الكنوز {فينظروا} إلى آثارهم فيعتبروا بذلك لأنهم تعالوا وتركوا جميع ذلك {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} أي لم ينفعهم كسبهم {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني الأمم والبينات الحجج {فرحوا بما عندهم من العلم}، قيل: نحن أعلم منهم لا نبعث ولا نعذب، وقيل: رضوا بالشرك الذي كانوا عليه، يعني أعجبوا به وظنوا أنه علم، وقيل: فرحوا بما عندهم من الجاه والمال والرئاسة وبطروا، ويدل على ذلك قوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}، وقيل: يجعل الفرح للرسل، ومعناه أن الرسل لما رأوا جهلهم والتمادي واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا لله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم، وحاق بهم أي حلّ بهم ونزل، وقيل: وجب ما كانوا به يستهزئون من العذاب {فلما رأوا بأسنا} عذابنا {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} من الأصنام {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} أي لم ينفعهم الإِيمان بعد رؤية العذاب {سنّة الله} أي طريقته {التي قد خلت في عباده} يعني في عذاب الكفار، وقيل: في قبول التوبة لأنه لا يقبلها إلا من المختار دون الملجأ {وخسر هنالك الكافرون} أي خسر فارق مجيء أمر الله أو وقت القضاء بالحق.

اطفيش

تفسير : {اللهُ} لا غيره {الَّذِي جَعَلَ} أوجد وخلق* {لَكُمُ الأَنْعَامَ} الابل خاصة بدليل الركوب والبلوغ عليها والحمل عليها كالفلك زيادة على الأكل منعا والمنافع والمشار لها وغيرها فيها ويجوز أن يريد الابل والبقر والغنم فالحكم بالركوب والبلوغ والحمل حكم على المجموع لا الجميع فيصرف لقابله ويصرف سواء للجميع. {لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تركبوا شيئاً من الابل وتأكلون شيئاً منها ومن للتبعيض أو للابتداء ويصح ارادة الانعام كلها كما مر فان منها ما يؤكل كالغنم وما يؤكل ويركب وهو الابل والبقر وركوب البقر قليل، بل قال الطبري الآية تعم الخيل والبغال والحمير فانها تركب ويحمل على البغل والحمار أيضاً وغير ذلك مما ينتفع به من البهائم

اطفيش

تفسير : {الله الَّذي جَعَل لَكُم الأنْعام} الأزواج الثمانية {لتركبُوا منْها} لا مفعول لتركب، لأن المعنى ليحصل لكم الركوب منها، وهو على الابل منها، وعلى البقر فى بعض المواضع، وهذه اللام للتعليل كما لا يخفى، وأما لام لكم فللاختصاص لا للتعليل، وإلا تعلق حرفان لمعنى واحد بمتعلق واحد، وذلك لا يجوز إلا بالتبعية، فان جعلنا لتركبوا بدل اشتمال من لكم صح التعليلان، ومن للابتداء أو للتبعيض {ومنْها تأكُلون} كما نأكل لحم البعير والغنم والبقر، وما يتولد من الألبان، ومن للابتداء، وجملة تأكلون حال من الواو فى تركبوا، أو من ها، والواو حالية لا عاطفة، وقدم منها للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمَ } المراد بها الإبل خاصة كما حكي عن الزجاج واختاره صاحب «الكشاف»، واللام للتعليل لا للاختصاص فإن ذلك هو المعروف في نظير الآية أي خلقها لأجلكم ولمصلحتكم. وقوله تعالى: {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا } الخ تفصيل لما دل عليه الكلام إجمالاً، ومن هنا جعل ذلك بعضهم بدلاً مما قبله بدل مفصل من مجمل بإعادة حرف الجر. و(من) لابتداء الغاية أي ابتداء تعلق الركوب بها أو تبعيضية وكذا (من) في قوله تعالى: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } وليس المراد على إرادة التبعيض أن كلاً من الركوب والأكل مختص ببعض معين منها بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على أن كل بعض منها صالح لكل منهما. نعم كثيراً ما يعدون النجائب من الإبل للركوب. والجملة على ما ذهب إليه الجلبـي عطف على المعنى فإن قوله تعالى: {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا } في معنى منها تركبون أو إن منها تأكلون في معنى لتأكلوا منها لكن لم يؤت به كذلك لنكتة. وقال العلامة التفتازاني: إن هذه الجملة حالية لكن يرد على ظاهره أن فيه عطف الحال على المفعول له ولا محيص عنه سوى تقدير معطوف أي خلق لكم الأنعام منها تأكلون ليكون من عطف جملة على جملة. وتعقبه الخفاجي بقوله: لم يلح لي وجه جعل هذا الواو عاطفة محتاجة إلى التقدير المذكور مع أن الظاهر أنها واو حالية سواء قلنا إنها حال من الفاعل أو المفعول والمنساق إلى ذهني العطف بحسب المعنى، ولعل اعتباره في جانب المعطوف أيسر فيعتبر أيضاً في قوله تعالى:{وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ }.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الامتنان على الناس بما سخر لأجْلهم من نظام العوالم العليا والسفلى، وبما منحهم من الإِيجاد وتطوره وما في ذلك من الألطاف بهم وما أدمج فيه من الاستدلال على انفراده تعالى بالتصرف فكيف ينصرف عن عبادته الذين أشركوا به آلهة أخرى، إلى الامتنان بما سخر لهم من الإِبل لمنافعهم الجمّة خاصّة وعامّة، فالجملة استئناف سادس. والقول في افتتاحها كالقول في افتتاح نظائرها السابقة باسم الجلالة أو بضميره. والأنعام: الإِبل والغنم والمعز والبقر. والمراد هنا: الإِبلُ خاصة لقوله: {وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً} وقوله: {وَعَلَيْهَا وعَلَى الفُلْككِ تُحْمَلُونَ} وكانت الإِبل غالب مكاسبهم. والجَعْل: الوضع والتمكين والتهيئة، فيحمل في كل مقام على ما يناسبه وفائدة الامتنان تقريب نفوسهم من التوحيد لأن شأن أهل المروءة الاستحياء من المنعم. وأدمج في الامتنان استدلال على دقيق الصنع وبليغ الحكمة كما دل عليه قوله: {أية : وَيُرِيكُم آياتِهِ}تفسير : [غافر: 81] أي في ذلك كله. واللام في {لكم} لام التعليل، أي لأجلكم وهو امتنان مُجمل يشمل بالتأمل كل ما في الإِبل لهم من منافع وهم يعلمونها إذا تذكّروها وعدُّوها. ثم فصّل ذلك الإِجمال بعضَ التفصيل بذكر المهمّ من النعم التي في الإِبل بقوله: {لِتَرْكَبُوا منهَا} إلى {تحملون}. فاللام في {لِتَرْكَبُوا منهَا} لام كي وهي متعلقة بــــ {جعل} أي لركوبكم. و (مِنْ) في الموضعين هنا للتبعيض وهي صفة لمحذوف يدل عليه (من) أي بعضاً منها، وهو ما أعد للأسفار من الرواحل. ويتعلق حرف (مِن) بــــ {تركبوا}، وتعلُّقُ (مِن) التبعيضية بالفعل تعلق ضعيف وهو الذي دعا التفتزاني إلى القول بأن (مِن) في مثله اسمٌ بمعنى بعضٍ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا باللَّه}تفسير : في سورة [البقرة: 8]. وأريد بالركوب هنا الركوب للراحة من تَعب الرِّجلين في الحاجة القريبة بقرينة مقابلته بقوله: {وَلِتَبلُغُوا عَليهَا حَاجَةً في صُدُورِكُم}. وجملة {وَمِنْها تَأكُلُونَ} في موضع الحال من {الأنعام}، أو عطف على المعنى من جملةِ {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا} لأنها في قوة أن يقال: تركبونَ منها، على وجه الاستئناف لبيان الإجمال الذي في {جَعَلَ لَكُمُ الأنْعٰمَ}، وعلى الاعتبارين فهي في حيّز ما دخلت عليه لاَم كي فمعناها: ولتأكلوا منها. وجملة {ولكم فيها منٰفِع} عطف على جملة {وَمِنْهَا تَأكُلُونَ}، والمعنى أيضاً على اعتبار التعليل كأنه قيل: ولتجتنوا منافعها المجعولة لكم وإنما غيّر أسلوب التعليل تفنناً في الكلام وتنشيطاً للسامع لئلا يتكرر حرف التعليل تكراراتٍ كثيرة. والمنافع: جمع منفعة، وهي مَفْعلة من النفع، وهي: الشيء الذي ينتفع به، أي يستصلح به. فالمنافع في هذه الآية أريد بها ما قابل منافع أكل لحومها في قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} مثل الانتفاع بأوبارها وألبانها وأثمانها وأعواضِها في الديَات والمهور، وكذلك الانتفاع بجلودها باتخاذها قباباً وغيرَها وبالجلوس عليها، وكذلك الانتفاع بجَمال مرآها في العيون في المسرح والمراح، والمنافع شاملة للركوب الذي في قوله: {لِتَركبوا مِنهَا}، فذكر المنافع بعد {لِتَركبوا منها} تعميم بعد تخصيص كقوله تعالى: {أية : ولي فيها مآرب أخرى} تفسير : [طه: 18] بعد قوله: {أية : هي عصاي أتوكأ عليها} تفسير : [طه: 18]، فذُكر هنا الشائع المطروق عندهم ثم ذكر مثيله في الشيوع وهو الأكل منها، ثم عاد إلى عموم المنافع، ثم خص من المنافع الأسفار، فإن اشتداد الحاجة إلى الأنعام فيها تجعل الانتفاع بركوبها للسفر في محل الاهتمام. ولما كانت المنافع ليست منحصرة في أجزاء الأنعام جيء في متعلقها بحرف (في) دون (مِن) لأن (في) للظرفية المجازية بقرينة السياق فتشمل كل ما يُعدّ كالشيء المحوي في الأنعام، كقول سَبْرَةَ بن عَمْرو الفقعسي من شعراء الحماسة يذكر ما أخذه من الإبل في ديةِ قريبٍ:شعر : نحابي بها أكفاءَنا ونُهينُها وَنَشْرَب في أثمانها ونُقامر تفسير : وأنبأ فعل {لِتَبْلغوا} أن الحاجة التي في الصدور حاجة في مكان بعيد يطلبها صاحبها. والحاجة: النية والعزيمة. والصدور أطلق على العقول اتباعاً للمتعارف الشائع كما يطلق القلوب على العقول. وأعقب الامتنان بالأنعام بالامتنان بالفلك لمناسبة قوله: {ولِتَبلُغُوا عَلَيها حَاجَةً في صُدُورِكُم} فقال: {وَعَلَيهَا وَعَلَى الفُلْكِ تُحمَلُونَ}، وهو انتقال من الامتنان بجعل الأنعام، إلى الامتنان بنعمة الركوب في الفلك في البحار والأنهار فالمقصود هو قوله: {وعَلَى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ}. وأما قوله: {وعليها} فهو تمهيد له وهو اعتراض بالواو الاعتراضية تكريراً للمنّة، على أنه قد يشمل حمل الأثقال على الإِبل كقوله تعالى: {أية : وتحمل أثقالكم}تفسير : [النحل: 7] فيكون إسناد الحمل إلى ضمير الناس تغليباً. ووجه الامتنان بالفلك أنه امتنان بما ركَّب الله في الإِنسان من التدبير والذكاء الذي توصل به إلى المخترعات النافعة بحسب مختلف العصور والأجيال، كما تقدم في سورة [البقرة: 164] عند قوله تعالى: {أية : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}تفسير : الآيات، وبيّنا هنالك أن العرب كانوا يركبون البحر الأحمر في التجارة ويركبون الأنهار أيضاً قال النابغة يصف الفرات:شعر : يظل من خوفه الملاح معتصماً بالخيزرانة بعد الأيْن والنجَد تفسير : والجمع بين السفر بالإِبل والسفر بالفلك جمع لطيف، فإن الإِبل سفائن البر، وقديماً سموها بذلك، قاله الزمخشري في تفسير سورة المؤمنين. وإنما قال: {وَعلَى الفُلْكِ} ولم يقل: وفي الفلك، كما قال: {أية : فإذا ركبوا في الفلك} تفسير : [العنكبوت: 65] لمزاوجة والمشاكلة مع {وعليها}. وإنما أعيد حرف (على) في الفلك لأنها هي المقصودة بالذكر وكان ذكر {وعليها} كالتوطئة لها فجاءت على مثالها. وتقديم المجرورات في قوله: {وَمِنْهَا تأكُلُون} وقوله: {وَعَلَيها وعَلَى الفُلْكِ} لرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بما هو المقصود في السياق. وتقديم {لكم} على {الأنعام} مع أن المفعول أشد اتصالاً بفعله من المجرور لقصد الاهتمام بالمنعَم عليهم. وأما تقديم المجرورين في قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنٰفِعُ} فللاهتمام بالمنعم عليهم والمنعم بها لأنه الغرض الأول من قوله: {الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعٰمَ}.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا أن لفظة جعل، تأتي في اللغة العربية لأربعة معان، ثلاثة منها في القرآن. الأول: إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف: 19] أي اعتقدوهم إناثاً، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر. الثاني: جعل بمعنى صيَّر، كقوله: {أية : حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 15] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضاً. الثالث: جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] أي خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور. والظاهر، أن منه قوله هنا: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} أي خلق لكم الأنعام، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} تفسير : [النحل: 5]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً} تفسير : [يس: 71] الآية. الرابع: وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع، ومنه قوله: شعر : وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فانهض نهض الشارب السَّكِرِ تفسير : وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من الامتنان بهذه النعم الكثيرة، التي أنعم عليهم بها، بسبب خلقه لهم الأنعام وهي الذكور والإناث، من الإبل والبقر والضأن والمعز، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله: والأنعام والحرث بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ } تفسير : [النحل: 5ـ7] والدفء ما يتدفؤون به في الثياب المصنوعة من جلود الأنعام وأوبارها وأشعارها وأصوافها. وقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80]. وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 71ـ73] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} تفسير : [النحل: 66]. وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 21ـ22]. وقوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 142ـ143] إلى قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} تفسير : [الأنعام: 144] وقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6] الآية. وقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} تفسير : [الشورى: 11] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} تفسير : [الزخرف: 12] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

القطان

تفسير : الأنعام: الابل والبقر والغنم. الفُلك: السفن. بالبينات: الآيات الواضحة. وحاق بهم: احاط بهم. بأسنا: شدة عذابنا. سنّة الله: طريقته. يبين الله تعالى في هذه الآيات بعضَ هذه المعجزات التي يطلبها الجاحدون، ولكنهم لا يحسّون بها لأنهم ألِفوها، ثم يذكّرهم بما في هذه الآيات من نعم كبار. ان الله تعالى خلق هذه الأنعام من الإبل والغنم والبقر، وذلّلها للانسان، منها ما يركبه ويستعمله في قضاء حاجاته، ومنها ما يأكله. فقد كانت وسائط السفر من هذه الانعام ولا يزال هناك حاجة لها في التنقّل بين الاماكن الوعرة في الجبال رغم وجود الوسائط الحديثة. ومنها ما يأكلونه ويشربون لبنه، كما يستعملون جلودها. {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} وقد تقدم في سورة النحل في الآيات 5 و 6 و 7 و 8 بأوسع من ذلك. ثم بين انه يريكم آياته الباهرة التي لا مجال لانكارها بقوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ!}. والله تعالى يريكم دلائلَ قدرته، لا تقدِرون على إنكار شيء منها لأنها واضحة لا يُنكرها من له ادنى عقل. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ....} تقدم هذا المعنى في اكثر من آية في سورة يوسف والحج والروم. فلو انهم اعتبروا بما رأوا من آثار الأمم السابقة واتّعظوا بها لأغناهم ذلك عن جحودهم وكفرهم. وتلك الأمم السابقة حين جاءتهم رسُلهم بالشرائع والمعجزات الواضحة، فرحوا بما عندهم من علوم الدنيا، واستهزأوا بالمرسَلين، فنزل بهم العذابُ وأحاط بهم. فلما رأوا العذاب آمنوا بالله وحده وكفروا بآلهتهم التي عبدوها، ولكن ذلك لم يُفِدْهم شيئاً. لقد فات الأوان، فلا يفيد الندم. {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} وتلك سنَّةُ الله قد سبقت في عباده ان لا يقبل الايمان حين نزول العذاب، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} وسنة الله ثابتة لا تختلف ولا تحيد عن الطريق. اللهم اقبل توبتنا، وأحسن ختامنا، واسترنا واغفر لنا يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَنْعَامَ} (79) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الأَنْعَامِ، وَهِيَ الإِبْلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَاعِزُ، فَيَأْكُلُونَ مِنْ لُحُومِهَا، وَيَرْكَبُونَ عَلَى الإِبلِ مِنْهَا وَيَحْمِلُونَ أَثْقَالَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱلأَنْعَامَ} هي: الإبل والبقر والغنم والماعز وهذه لها مهمة {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا ..} [غافر: 79] يعني: منها ما يُركب وهو الإبل، فلا نركب الخروف مثلاً {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [غافر: 79] أي: اللحوم {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ..} [غافر: 80] أي: منافع أخرى غير الركوب. والأكل، كأن ننتفع منها بالجلود والأصواف والأوبار، وكانوا يصنعون منها الملابس والأغطية والمفروشات والخيام ... الخ. وتأمل هنا عظمة الأداء القرآني، ففي الركوب قال: {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا ..} [غافر: 79] وفي الأكل قال: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [غافر: 79] قالوا: لأن الأكل من المباحات، أما الركوب فمن الضروريات. وقوله: {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ..} [غافر: 80] أي: أنها تُبلِغكم حاجتكم في السفر للحج مثلاً أو للتجارة وحمل الأثقال {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [غافر: 80] عليها نعم لأننا نركبها ونضع عليها الأحمال. أما {عَلَى ٱلْفُلْكِ ..} [غافر: 80] أي: السفن. فمعلوم أننا نركب في السفينة كما قال تعالى في سفينة سيدنا نوح عليه السلام: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 40] ولم يَقُلْ عليها، كيف؟ قالوا: لأن الحق سبحانه كأنه يُعطينا المراحل التي تمر بها صناعة السفن وكيفية الاستفادة منها، فسفينة نوح كانت أولَ سفينة فكانتْ على صورة بسيطة، فأراد الحق سبحانه أنْ يُعلمنا أن صناعة السفن ستتطور، ويكون بها طوابق مختلفة فنركب عليها. لذلك كنا سألناهم في سان فرانسيسكو عن السفن العملاقة هذه، متى صُنِعت؟ وكانوا لا يعرفون سنة بالتحديد، فقال أحد الحضور: اعتبر أنها منذ قرن مثلاً، قلت: نعم، وفي القرآن الكريم إخبار بها ووصفٌ دقيق لها، فهي متسعة من أسفل تضيق في كل دور من الأدوار إلى أعلى، فتراها عملاقة على صفحة الماء مثل الجبل. فكيف يقول الحق سبحانه في قرآنه وهو يُعدِّد نعمه علينا في سورة الرحمن: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24] يعني: كالجبال، ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر ولم يَرَ مثل هذه السفن العملاقة، إنه دليلٌ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه. ثم قولوا لي: متى صُنِعت هذه (الأسانسيرات) وهذه المصاعد الحديثة؟ قالوا: من خمسين عاماً مثلاً، قلت: فالحق سبحانه يقول في القرآن الكريم: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33]. معارج يعني: مصاعد كالتي عندكم منذ خمسين سنة، أخبرنا الله بها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان. هذه كلها لقطات من كتاب الله ذكرها الحق سبحانه لتكون دليلاً على الإعجاز: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على عباده، بما جعل لهم من الأنعام، التي بها، جملة من الإنعام: منها: منافع الركوب عليها، والحمل. ومنها: منافع الأكل من لحومها، والشرب من ألبانها. ومنها: منافع الدفء، واتخاذ الآلات والأمتعة، من أصوافها، وأوبارها وأشعارها، إلى غير ذلك من المنافع. { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ } من الوصول إلى الأوطان البعيدة، وحصول السرور بها، والفرح عند أهلها. { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: على الرواحل البرية، والفلك البحرية، يحملكم الله الذي سخرها، وهيأ لها ما هيأ، من الأسباب، التي لا تتم إلا بها. { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } الدالة على وحدانيته، وأسمائه، وصفاته، وهذا من أكبر نعمه، حيث أشهد عباده، آياته النفسية، وآياته الأفقية، ونعمه الباهرة، وعدَّدَها عليهم، ليعرفوه، ويشكروه، ويذكروه. { فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } أي: أي آية من آياته لا تعترفون بها؟ فإنكم، قد تقرر عندكم، أن جميع الآيات والنعم، منه تعالى، فلم يبق للإنكار محل، ولا للإعراض عنها موضع، بل أوجبت لذوي الألباب، بذل الجهد، واستفراغ الوسع، للاجتهاد في طاعته، والتبتل في خدمته، والانقطاع إليه.