٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا لطيفاً في آخر هذه السورة، وذلك أنه ذكر فصلاً في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة، ثم أردفه بفصل التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل على الوعيد، والمقصود أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة، لأن الدنيا فانية ذاهبة، واحتج عليه بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين، ليست إلا الهلاك والبوار، مع أنهم كانوا أكثر عدداً ومالاً وجاهاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار، والحسرة والبوار، فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عدداً فإنما يعرف في الأخبار، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثاراً في الأرض، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم، مثل الأهرام الموجودة بمصر، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً. ثم قال تعالى: {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ما في قوله {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ } نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب، وما في قوله {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. ثم بيّن تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا بما عندهم من العلم، واعلم أن الضمير في قوله {فَرِحُواْ } يحتمل أن يكون عائداً إلى الكفار، وأن يكون عائداً إلى الرسل، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان؟ وفيه وجوه الأول: أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم {أية : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } تفسير : [الجاثية: 24] وقولهم {أية : لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } تفسير : [الأنعام: 148] وقولهم {أية : مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس: 78]، {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } تفسير : [الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } تفسير : [المؤمنون: 53]، الثاني: يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم، وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث: يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الروم: 7]، {أية : ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به. أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول: أن يجعل الفرح للرسل، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلاً كاملاً، وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني: أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال استهزؤا بالبينات، وبما جاؤا به من علم الوحي فرحين، ويدل عليه قوله تعالى: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ }. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } تفسير : [الأعراف: 165] فإن قيل أي فرق بين قوله {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ } وبين ما لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلنا هو مثل كان في نحو قوله {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم، فإن قيل اذكروا ضابطاً في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه، قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب، لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه، حتى يكون المرء مختاراً، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا. ثم قال تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } والمعنى أن عدم قبول الإيمان حال اليأس سنة الله مطردة في كل الأمم. ثم قال: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } فقوله {هُنَالِكَ } مستعار للزمان أي وخسروا وقت رؤية البأس، والله الهادي للصواب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} حتى يشاهدوا آثار الأمم السالفة {كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ} عدداً {وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الأبنية والأموال وما أدالوا به من الأولاد والأتباع؛ يقال: دلوت بفلان إليك أي استشفعت به إليك. وعلى هذا «ما» للجحد أي فلم يغن عنهم ذلك شيئاً. وقيل: «ما» للاستفهام أي أيّ شيء أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا. ولم ينصرف «أَكْثَرَ»؛ لأنه على وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس: ولو كانت مِن المانعة من صرفه لوجب ألا يقال: مررت بخير منك وشر (منك و) من عمرو. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالآيات الواضحات. {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} في معناه ثلاثة أقوال. قال مجاهد: إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم منهم لن نعذّب ولن نبعث. وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الروم: 7]. وقيل: الذين فرحوا الرسل لمّا كذبهم قومهم أعلمهم الله عز وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين فـ«ـفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» بنجاة المؤمنين {وَحَاقَ بِهِم} أي بالكفار {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله عليهم. قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي عاينوا العذاب. {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي بالأوثان التي أشركناهم في العبادة {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ} بالله عند معاينة العذاب وحين رأوا البأس. {سُنَّةَ ٱللَّهِ} مصدر؛ لأن العرب تقول: سَنّ يسن سنّاً وسُنّة؛ أي سنّ الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب وقد مضى هذا مبيناً في «النساء» و«يونس» وأن التوبة لا تقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل: أي احذروا يا أهل مكة سنّة الله في إهلاك الكفرة فـ«ـسنّة اللَّهِ» منصوب على التحذير والإغراء. {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} قال الزجاج: وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه بيّن لنا الخسران لما رأوا العذاب. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي «لَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا» «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ» كسنتنا في جميع الكافرين فـ«ـسنة» نصب بنزع الخافض أي كسنّة الله في الأمم كلها. والله أعلم. تم تفسير سورة «غافر» والحمد لله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئاً، ولا رد عنهم ذرة من بأس الله، وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم، لن نبعث ولن نعذب. وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به {وَحَاقَ بِهِم} أي: أحاط بهم {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، {قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي: وحدوا الله عز وجل، وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: {أية : ءَامَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَٰءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 90] قال الله تبارك وتعالى: { أية : الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91]؟ أي: فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام دعاءه حين قال: {أية : وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88] وهكذا قال تعالى ههنا: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ} أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر» تفسير : أي: فإذا غرغر، وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} آخر سورة غافر، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ } من مصانع وقصور {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العِلمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بقولهم نحن أعلم منهم لن نبعث لن نعذب، قاله مجاهد. الثاني: بما كان عندهم أنه علم وهو جهل، قاله السدي. الثالث: فرحت الرسل بما عندهم من العلم بنجاتهم وهلاك أعدائهم، حكاه ابن عيسى. الرابع: رضوا بعلمهم واستهزأوا برسلهم، قاله ابن زيد. {وحاق بهم} فيه وجهان: أحدهما: أحاط بهم، قاله الكلبي. الثاني: عاد عليهم. {ما كانوا به يستهزئون} فيه وجهان: أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم أنه ساحر. الثاني: بالقرآن أنه شِعْر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ...} الآية، هذا احتجاجٌ على قريشٍ بما أظهر سبحانه في الأمم السالفةِ من نِقمَاتِهِ في الكفارِ الذين كانوا أَكْثَرَ منهم، وأشَدَّ قُوَّةً قال أبو حيان: {فَمَا أَغْنَىٰ} «مَا» نافيةٌ أو استفهامية بمعنى النفي، انتهى. وقوله سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} الآية، الضميرُ في (جاءتهم) عائدٌ على الأمم المذكورةِ، واخْتَلفَ المفسِّرونَ في الضميرِ في {فَرِحُواْ} على مَنْ يَعُودُ؟ فقال مجاهدٌ وغيره: هو عائد على الأممِ المذكُورِينَ، أي: فَرِحُوا بما عِنْدَهُمْ من الْعِلْمِ في ظَنِّهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ من أنهم لا يُبْعَثُونَ ولا يحاسَبُونَ، قال ابن زيد: واغترُّوا بعلمِهِم بالدنيا والمعاش، وظنوا أنه لا آخرة؛ فَفَرِحُوا وهذا كقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الروم:7] وقالت فرقة: الضميرُ في {فَرِحُواْ} عائدٌ على الرُّسُلِ، وفي هذا التأويلِ حَذْفٌ وتقديره: فلما جَاءتهم رسُلُهم بالبيناتِ، كذَّبُوهُمْ فَفَرِحَ الرُّسُلُ بما عندَهم من العلمِ باللَّهِ والثقةِ به، وبأنه سينصُرُهُمْ، والضمير في {بِهِمُ} عائدٌ على الكفارِ بلا خِلافٍ، ثم حَكَىٰ سبحانَهُ حالةَ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بَعْدَ تَلَبُّسِ العذابِ بهِم، فَلمْ يَنْفَعْهم ذلك؛ وفي ذكر هذا حضٌّ على المبادرة. و{سُنَتَ} نصبٌ على المصدرِ، * ت *: وقيل: المعنى: احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ، كقوله: {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ }تفسير : [الشمس:13] قَالَ الفَخْرُ، وقوله: {هُنَالِكَ}: اسْمُ مَكَانٍ مُسْتَعَارٌ للزَّمَانِ، أي: وخَسِرُوا وقتَ رؤية البأْس، انتهى، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ...} معناه أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكِبْر العظيم في صدورهم، إنما كان السبب في ذلك طلب الرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ومن ترك الانقياد على الحق طلباً لهذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا وهذه طريقة فاسدة؛ لأن الدنيا ذاهبة واحتج بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...} يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين والمتمردين ليس إلا الهلاك والبَوَار مع أنهم كانوا أكثر عَدَداً وعِدَداً ومالاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم تُفِدْهُمْ تلك المُكْنَةُ العظيمة إلا الخَيْبَة والخَسَار فكيف حال هؤلاء الفقراء المساكين؟!. قوله: {فما أغنى عنهم} يجوز في "ما" أن تكون نافية واستفهامية بمعنى النفي، ولا حاجة إليه وقوله "مَا كَانُوا" يجوز أن يكون "ما" مصدرية، ومحلها الرفع أي مَكْسُوبُهُمْ أو كَسْبُهُمْ ويجوز أن يكون بمعنى الذي فلا عائد على الأول وعلى الثاني هو محذوف أي يكسبونه وهي فاعل "بأَغْنَى" على التقدِيرين. قوله: {بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} فيه أوجه: أحدها: أنه تهكم بهم، والمعنى ليْسَ عندهم عِلْم. الثاني: أن ذلك جاء على زَعْمِهِمْ أنَّ عندهم علماً ينتفعون به. الثالث: أن "مِنْ" بمعنى بدل أي بما عندهم من الدنيا بدل العلم. الرابع: أن يكون الضمير للرسل، أي فَرِحَ الرسل بما عندهم من العلم. الخامس: أن الأول للكفار، وأما الثاني لِلرسل، ومعناه فرح الكفار فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاءٍ بما عند الرسل من العلم؛ إذ لم يأخذوه بقبول ويمتثلوا أوامر الوحي ونواهيه. وقال الزمخشري: وَمِنْهَا ـ أي من الوجوه ـ أن يوضع قوله: فَرِحُوا بِمَا عِندَهُمْ مِنَ العِلْمِ مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفَرْطِ خُلُوِّهم من العلم وجهلهم. قال أبو حيان: ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام، نحو: "شَرٌّ أهَرَّ ذا ناب" على خلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل لأن في ذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة. فصل قال المفسرون: الضمير في قوله: "فَرِحُوا" يحتمل أن يكون عائداً على الكفار وأن يكون عائداً إلى الرسل فإن عاد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به قيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً، وهي الشبهات المحكيّة عنهم في القرآن، كقولهم: {أية : وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ}تفسير : [الجاثية:24] وقولهم: {أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا}تفسير : [الأنعام:148] وقولهم: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}تفسير : [يس:78] {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف:36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون:53] و [الروم:32] وقيل: المراد علوم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغَّروا علوم الأنبياء عن علومهم كما روي عن سقراط أن سمع بمجيء أحد الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}تفسير : [الروم:7] {أية : ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [النجم:30] فلما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزأوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به. وإن عاد الضمير إلى الأنبياء ففيه وجهان: الأول: أن يفرح الرُّسُلُ إِذَا رَأوا من قومهم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحقِّ وعلموا سوء غَفْلَتِهِمْ وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم يفرحوا بما أوتوا من العلم، ويشركوا الله عليه "وَحَاقَ" بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عندهم من العلم فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاء. قوله: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي عذابنا {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله، البأسُ: شدة العذاب، ومنه قوله تعالى: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}تفسير : [الأعراف:165]. قوله: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ} يجوز رفع "إيمانهم" اسماً لكان، و"يَنْفَعُهُمْ" جملة خبراً مقدماً، ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ينفعهم، وفي كان ضمير الشأن. وقد تقدم هذا محققاً في قوله: {أية : مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}تفسير : [الأعراف:137] وأنه ليس من باب التنازع. ودخل حرف النفي على الكون لا على النفي؛ لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي، كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}تفسير : [مريم:35]. واعلم أن المراد بالوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه هو وقت مُعَاينَة نزول ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لاَ يَنْفَعُ. قوله: {سُنَّةَ ٱللَّهِ} يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة يعني إن الذي فعل الله بهم سنة سابقة من الله، ويجوز انتصابها على التحذير، أي احذَرُوا سنة الله في المكذبين {التي قد خلت في عباده}، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} "هُنَالِكَ" في الأصل مكان. قيل: واستعير هنا للزمان، ولا حاجة فالمكانيةُ فيه ظاهرة، أي وخسر هُنَالِكَ الكافرون بذهاب الدارين. قال الزَّجَّاجُ: "الكافر خاسر في كل وقت، وإنما يُبَيِّنُ لهم خسرانهم إذا رأوا العَذَاب". فصل قال ابن سيرين: رأى رجل في المنام سَبْعَ جوارٍ حِسَانٍ في مكان واحد لم ير أحْسَنَ منْهُنَّ فقال لهُنَّ: لِمَنْ أنتُنَّ؟ فقُلْنَ: لِمَنْ قَرَأَ آلَ حمۤ. (اللَّهم وفِّقنا لكتابك) (والله سبحانه وتعالى أعلم).
القشيري
تفسير : أمَرَهم بالاعتبار بِمَنْ كانُوا قبلهُمْ؛ كانوا أشدّ قوةً وأكثر أموالاً وأطولَ أعماراً، فانجرُّوا في حِبَالِ آمالهم، فوقعوا في وهْدَة غرورهم، وما بقي الحقُّ عن مراده فيهم، واغتروا بسلامتهم في مُدّةِ ما أرخينا لهم عنان إمهالهم، ثم فاجأناهُم بالعقوبة، فلم يُعْجِزُوا لله في مُرادِه منهم. فلمَّا رأوا شِدَّةَ البأسِ، ووقعوا مذلّةِ الخيبة واليأس تمنّوا أن لو أُعيدُوا إلى الدنيا من الرأس.. فقابلهم الله بالخيبة؛ وخرطهم في سِلكِ مَن أبادهم من أهل الشِّرْكِ والسّخْطِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفلم يسيروا} الهمزه للاستفهام التوبيخى والفاء للعطف على مقدر اى أقعدوا اى قومك وهم قريش فلم يسيروا ولم يسافروا {فى الارض} [در زمين عاد وثمود] {فينظروا} ويعتبروا جواب الاستفهام: وبالفارسية [تابنكرندكه] {كيف كان} [جه كونه بود} {عاقبة الذين من قبلهم} من الامم المهلكة يعنى انهم قد ساروا فى اطراف الارض وسافروا الى جانب الشام واليمن وشاهدوا مصارع المكذبين من الامم السالفة وآثارهم فليحذروا من مثل عذابهم فلا يكذبوك يا محمد. ثم بين مبادى احوال الامم المتقدمة وعواقبها فقال {كانوا} اى تلك الامم {اكثر} عددا {منهم} اى من قومك {واشد قوة} فى الابدان والعدد {وآثارا فى الارض} باقية بعدهم من الابنية والقصور والمصانع وهى جمع مصنعة بفتح النون وضمها شىء كالحوض يجمع فيه ماء المطر ويقال له الصهريج ايضا وتغلط فيه العامة من الاتراك فيقولون صارنج واكثر بلاد العرب محتاجة الى هذا لقلة الماء الجارى والآبار. وفى التأويلات النجمية {وآثارا فى الارض} بطول الاعمار وقيل هى آثار اقدامهم فى الارض بعظم اجرامهم ـ وحكى ـ عن الشيخ محى الدين بن العربى قدس سره انه قال قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس عليه السلام سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالاندلس حيث كنت فيه وقست اثر رجل واحد منهم فى الارض فرأيت طول قدمه ثلاثة اشبار وثلثى شبر {فما اغنى عنهم} يقال اغنى عنه كذا اذا كفاه ونفعه وهو اذا استعمل بعن يتعدى الى مفعول كما سبق اى لم يغن عنهم لم يدفع ولم ينفع {ما كانوا يكسبون} كسبهم او مكسوبهم من الاموال والاولاد وترتيب العساكر فاذا لم تفدهم تلك المكنة العظيمة الا الخيبة والخسار فكيف هؤلاء الفقراء المساكين. ويجوز ان تكون ما الاولى استفهامية بمعنى أى شىء اغنى عنهم ذلك وما الثانية على التقديرين فاعل اغنى وهذه الفاء بيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم وما كانوا يكسبون بذلك زعما منهم ان ذلك يغنى عنهم فلم يترتب عليه الا عدم الاغناء فهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة وان كان عكس الغرض ونقيض المطلوب كما فى قولك وعظته فلم يتعظ اى لم يترتب عليه الا عدم الاتعاظ مع انه عكس المتوقع
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَفَلَمْ يسيروا} أي: أَقعدوا فلم يسيروا {في الأرض} {فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} من الأمم المهْلَكة، {كانوا أكثرَ منهم} عدداً {وأشدَّ قوةً} في الأبدان والأموال، {و} أشد {آثاراً في الأرض} أي: تركوا آثاراً كثيرة بعدهم، من الأبنية، والقبور، والمصانع، فكانوا أشدّ منهم، وقيل: هي آثار أقدامهم في الأرض؛ لِعظم أجرامهم، {فما أَغْنى عنهم ما كانوا يَكْسِبون} أي: لم يغن عنهم ذلك شيئاً حين نزل بهم العذاب، أو: أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم؟ على أنَّ "ما" استفهام. {فلما جاءتهم رُسلهم بالبيناتِ}؛ بالمعجزات الواضحة، {فرحوا بما عندهم من العلم} يريد علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الروم: 7]، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانة، والتأهُّب ليوم القيامة، وهي أبعد شيء من علمهم؛ لبعثِها على رفض الدنيا، والتباعد عن تتبع ملاذها، لم يلتفتوا إليها، وصغّروها، واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفؤاد من علمهم، ففرحوا به. أو: علم التنجيم والفلسفة، والدهريّين؛ فإنهم كانوا إذا سمعوا بالوحي دفعوه، وصغّروا علم الأنبياء إلى علمهم، واعتقدوا عندهم علماً يستغنون به عن علم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ولما سمع بقراط بموسى عليه السلام قيل له: لو هاجرت إليه! فقال: نحن قوم مهذَّبون، فلا حاجة إلى مَن يُهذّبنا. ورأى بعضُ الصالحين النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن ابن سيرين، فقال له: "حديث : إِنه أراد أن يصل إلى الله بلا واسطة، فانقطع عن الله" تفسير : وعلى فرض وقوفهم بالتجريد والرياضة على انكشاف حضرة القدس، فلا يظفرون بالعبودية، ولا بالفناء في توحيد الربوبية، والتخلُّص من لَوَث وجودهم، والشأن أن تكون عين الاسم، لا أن تعرف الاسم والعين، إنما تقتبس من مشكاة مهبط الوحي، وانصباب أنوار الغيب إنما تفيض بواسطة دُرة الوجود، نبينا صلى الله عليه وسلم، ومظهر سر العيان الأحدي الأحمدي، فافهم. قاله شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي. قال تعالى: {وحاقَ بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم عقوبة استخفافهم بالحق، وتعظيمهم واغتباطهم بالباطل. {فلما رأوا بأسَنا}؛ شدة عذابنا، ومنه: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف: 165]، {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} يعنون الأصنام. {فلم يَكُ ينفعهم إِيمانُهم لَمّا رأَوْا بأسَنَا} أي: فلم يستقم، ولم يصح أن ينفعهم إيمانهم عند مجيء العذاب؛ لأن النافع هو الإيمان الاختياري، لا الاضطراري، {سُنَّتَ اللهِ التي قد خلتْ في عباده} أي: سَنَّ اللهُ ذلك سُنَّة ماضية في عباده، ألاَّ يُقبل الإيمان إلا قبل نزول العذاب. وهو من المصادر المؤكدة، نحو: وعد الله، ونحوه. {وخَسِرَ هُنالك الكافرون} أي: وقت رؤيتهم البأس. فهنالك: مكان استعير للزمان، والكافرون خاسرون في كل أوان، ولكن يتبيّن خسرانهم إذا عاينوا العذاب. وفائدة ترادف الفاءات في هذه الآيات: أن {فما أغنى عنهم} نيتجة قوله: {كانوا أكثر منهم} و {فلما جاءتهم رسلهم} كالبيان والتفسير لقوله: {فما أغنى عنهم}، كقولك: رُزِق زيد المال، فمَنَع المعروف، فلم يحسن إلى الفقراء، و {فلما رأوا بأسنا} تابع لقوله: {فلما جاءتهم}، كأنه قال: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا. وكذلك {فلم يك ينفعهم إيمانهم} تابع لإيمانهم لمّا رأوا بأس الله، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدّم مراراً الحث على عبادة التفكُّر. وقوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم...} الآية، كذلك مَن يَظهر بعلم التجريد، ويتكلم في أسرار التوحيد، سَخِرَ منه أهل زمانه، ويقنعون بما عندهم من علم الرسوم الظاهرة، وهو علم لا يُغني ولا يُفني؛ لأن جله يتعلق بمنافع الناس، لا بمنافع القلب، فلا يُغني القلب، ولا يُفني الحِس، إنما ينفع لطالب الأجور، لا لطالب الحضور ورفع الستور، وما مثال مَن ظفر بعلم القلوب ـ وهو أسرار التوحيد الخاص ـ إلا كمَن عنده كنز من الفلوس، ثم ظفر بالذهب الإبريز، او الإكسير، فكيف يمكن أن يلتفت إلى الفلوس مَن ظفر بالإكسير؟! ولا يظهر هذا لأهل الظاهر إلا بعد موتهم، فيؤمنوا به حيث لا ينفعهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
اطفيش
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ} من نحو القصور والمصانع وقيل (آثار) أرجلهم لعظم اجرمتهم* {فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم} ما نافية أو استفهامية مفعول لأغنى أي شيء أغنى أو مفعولاً مطلقاً أي أن اغناء أغنى والاستفهام بمعنى النفي والاغناء الحفظ والنفع* {مَّا} اسم موصول فاعل (أغنى) أو حرف موصول والفعل بعدها في تأويل مصدر فاعل لأغنى* {كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي ما أغنى عنهم ما كسبوه أو كونهم كاسبين أو كسبهم أهلكهم الله بذنوبهم مع انهم أكثر وأقوى من هؤلاء العرب المعاندين لك يا محمد.
الالوسي
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } أي أقعدوا فلم يسيروا على أحد الرأيين {فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم المهلكة وقوله تعالى: {كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} الخ استئناف نظير ما مر في نظيره أول السورة بل أكثر الكلام هناك جار هٰهنا {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } {مَا } الأولى: نافية أو استفهامية في معنى النفي في محل نصب بأغنى، والثانية: موصولة في موضع رفع به أو مصدرية والمصدر الحاصل بالتأويل مرفوع به أيضاً أي لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم الذي كسبوه أو كسبهم.
ابن عاشور
تفسير : تفريع هذا الاستفهام عقب قوله: {أية : وَيُرِيكُم آياتِهِ}تفسير : [غافر: 81]، يقتضي أنه مساوق للتفريع الذي قبله وهو {أية : فَأَيَّ آياتِ الله تُنكِرُونَ}تفسير : [غافر: 81] فيقتضي أن السيْر المستفهم عنه بالإِنكار على تركه هو سير تحصل فيه آيات ودلائل على وجود الله ووحدانيته وكلا التفريعينْ متصل بقوله: {أية : وَلِتَبلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً في صُدُورِكُم وعَلَيها وعَلَى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ}تفسير : [غافر: 80]، فذلك هو مناسبة الانتقال إلى التذكير بعبرة آثار الأمم التي استأصلها الله تعالى لما كذبت رُسله وجحدت آياته ونعمه. وحصل بذلك تكرير الإنكار الذي في قوله قبل هذا: {أية : أوَلَمْ يَسِيروا في الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانوا مِن قَبْلِهِم كَانُوا هم أَشَدَّ منهم قُوَّةً}تفسير : [غافر: 21] الآية، فكان ما تقدم انتقالاً عقب آيات الإِنذار والتهديد، وكان هذا انتقالاً عقب آيات الامتنان والاستدلال، وفي كلا الانتقالين تذكير وتهديد ووعيد. وهو يشير إلى أنهم إن لم يكونوا ممن تزعهم النعم عن كفران مسديها كشأن أهل النفوس الكريمة فليكونوا ممن يردعهم الخوف من البطش كشأن أهل النفوس اللئيمة فليضعوا أنفسهم حيث يختارون من إحدى الخطتين. والقول في قوله: {أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ} إلى قوله: {وَءَاثَاراً في الأرْضِ} مثل القول في نظيره السابق في هذه السورة، وخولف في عطف جملة {أفَلَمْ يَسِيرُوا} بين هذه الآية فعطفت بالفاء للتفريع لوقوعها بعدما يصلح لأن يفرع عنه إنكار عدم النظر في عاقبة الذين من قبلهم بخلاف نظيرها الذي قبلها فقد وقع بعد إنذارهم بيوم الآزفة. وجملة {فَمَا أغْنَىٰ عَنْهم مَا كَانُوا يَكْسِبونَ} معترضة والفاء للتفريع على قوله: {كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم} وهو كقوله تعالى: {أية : هذا فليذوقوه حميم وغساق}تفسير : [ص: 57] وقول عنترة: شعر : ولقد نَزَلْتِ فلا تظنّي غيره مني بمنزلة المحَبّ المكرَم تفسير : وفائدة هذا الاعتراض التعجيل بإفادة أن كثرتهم وقوتهم وحصونهم وجناتهم لم تغن عنهم من بأس الله شيئاً. وجملة {فَلَمَّا جَاءَتْهُم رُسُلُهم بِالبيِنٰتِ} الآية مفرعة على جملة {كَانُوا أكْثَرَ مِنْهُم} أي كانوا كذلك إلى أن جاءتهم رسل الله إليهم بالبينات فلم يُصدقوهم فرأوا بأسنا. وجعلها في «الكشاف» جارية مجرى البيان والتفسير لقوله: {فَمَا أغْنَىٰ عَنْهُم}، وما سلَكْتُه أنا أحسن ومَوقع الفاء يؤيده. ولِما في (لَمَّا) من معنى التوقيت أفادت معنى أن الله لم يغير ما بهم من النعم العظمى حتى كذبوا رسله. وجواب (لمّا) جملة {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلْمِ} وما عطف عليها. واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قِدداً ذكر بعضها الطبري عن بعض سلف المفسرين. وأنهاها صاحب «الكشاف» إلى ستّ، ومال صاحب «الكَشف» إلى إحداها، وأبو حيان إلى أُخرى ولا حاجة إلى جلب ذلك. والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين وأن بعضها عائد لا محالة على {الَّذِينَ مِن قَبلِهم} وأن وجه النظم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد، فالذين (فَرحوا بما عندهم من العلم) هم (الذين جَاءتهم رُسُلهم بالبينات)، وهم الذين (حَاق بهم ما كانوا به يستهزئون)، والذين رأوا بأس الله، فما بنا إلا أن نُبين معنى {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلمِ}. فالفَرَح هنا مكنّى به عن آثاره وهي الازدهاء كما في قوله تعالى: {أية : إذ قال له قومه لا تفرح}تفسير : [القصص: 76] أي بما أنت فيه مكنىًّ به هنا عن تمسكهم بما هم عليه، فالمعنى: أنهم جادلوا الرسل وكابروا الأدلة وأعرضوا عن النظر. وما عندهم من العلم هو معتقداتهم الموروثة عن أَهل الضلالة من أسلافهم. قال مجاهد: قالوا لرسلهم: نحن أعلم منكم لن نُبعث ولن نُعذب اهــــ. وإطلاق العلم على اعتقادهم تهكم وجري على حسب معتقدهم وإلا فهو جهل. وقال السُدّي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهلهم يعني فهو من قبيل قوله تعالى: {أية : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}تفسير : [الأنعام: 148]. وحاق بهم: أحاط، يقال: حاق يحيق حيقا، إذا أحاط، وهو هنا مستعار للشدة التي لا تنفيس بها لأن المحيط بشيء لا يدع له مَفرجاً. و {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزِءُونَ} هو الاستئصال والعذاب. والمعنى: أن رسلهم أوعدوهم بالعذاب فاستهزؤوا بالعذاب، أي بوقوعه وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أن الاستهزاء بوعيد الرسل كان شنشنة لهم، وفي الإتيان بــــ {يستهزؤون} مُضارعاً إفادة لتكرر استهزائهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الآية. قد ذكرنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، وبينا مواضعها في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [الروم: 9] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفلم يسيروا في الأرض: أي أعجزوا فلم يسيروا في الأرض شمالاً وجنوبا وغربا. كيف كان عاقبة الذين من قبلهم: أي عاقبة المكذبين من قبلهم قوم عاد وثمود وأصحاب مدين. وآثاراً في الأرض: أي وأكثر تأثيراً في الأرض من حيث الإِنشاء والتعمير. فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون: أي لم يمنع العذاب عنهم كسبهم الطائل وقوتهم المادية. فرحوا بما عندهم من العلم: أي فرح الكافرون بما عندهم من العلم الذي هو الجهل بعينه. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا: أي عذابنا الشديد النازل بهم. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية قريش بما يذكرهم به وما يعرض عليهم من صور حية لمن كذب ولمن آمن لعلهم يهتدون قال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي أعجزوا فلم يسيروا في الأرض أرض الجزيرة شمالاً ليروا آثار ثمود في مدائنها وجنوبا ليروا آثار عاد، وغربا ليرو آثار أصحاب الأيكة قوم شعيب والمؤتفكات قرى قوم لوط: فينظروا نظر تفكر واعتبار كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. كانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض من مصانع وقصور وحدائق وجنات فما أغنى عنهم لما جاءهم العذاب ما كانوا يكسبونه من مال ورجال وقوة مادية. هذا ما دلت عليه الاية الأولى [82] أما الآية الثانية [83] فهي قوله تعالى {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} يخبر تعالى عن المكذبين الهالكين أنهم لما جاءتهم رسلهم بالحجج والأدلة الظاهرة على توحيد الله والبعث والجزاء وصدقهم في النبوة والرسالة {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} المادي وسخروا من العلم الروحي واستهزأوا بأهله فرحاً ومرحاً، {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم العذاب الذي كان نتيجة كفرهم وتكذيبهم واستهزائهم، فلما رأوا عذاب الله الشديد وقد حاق بهم أعلنوا عن توبتهم {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} أي قالوا لا إله إلا الله. قال تعالى {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي شديد عذابنا {سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} وأخبر تعالى أن هذه سنة من سننه في خلقه وهي أن الإيمان لا ينفع عند معاينة العذاب إذ لو كان يقبل الإِيمان عند رؤية العذاب وحلوله لما كفر كَافر ولما دخل النار أحد. وقوله {وَخَسِرَ هُنَالِكَ} أي عند رؤية العذاب وحلوله {ٱلْكَافِرُونَ} أي المكذبون المستهزئون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية السير في البلاد للعظة والاعتبار تقوية للإِيمان. 2- القوى المادية لا تغني عن أصحابها شيئاً إذا أرادهم الله بسوء. 3- بيان سنة بشرية وهي أن الماديين يغترون بمعارفهم المادية ليستغنوا بها عن العلوم الروحية في نظرهم إلا أنها لا تغني عنهم شيئاً عند حلول العذاب بهم في الدنيا وفي الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاقِبَةُ} {آثَاراً} (82) - أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فِي الأَرْضِ فَيَرَوْا فِي البِلاَدِ التِي مَرُّوا بِهَا مَا حَلَّ بِالذِينَ كَذَّبُوا قَبْلَهُمْ رُسُلَ اللهِ مِنَ الأُمَمِ البَائِدَةِ: عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الأَيْكَةِ.. وَكَيْفَ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ، فَلَمْ يُبْقِ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، وَكَانَ هَؤُلاَءِ السَّالِفُونَ أَكْثَرَ قَوَّةً مِنْ قُرَيِشٍ، وَأَبْقَى أَثَراً فِي الأَرْضِ، وَأَكْثَرَ عَدَداً.. فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ كُلُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُغِنِ عَنْهُمْ شَيئاً مِنْ بَأْسِ اللهِ حِينَمَا جَاءَهُمْ، فَهَلاَّ اعْتَبرَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ بِذَلِكَ؟ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ - فَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا سير كما قلنا للاعتبار، والاعتبار هنا بمَنْ سبقهم من الأمم، يُبين لهم الحق سبحانه أنْ مَنْ سبقكم من الأمم المكذِّبة كانوا أكثر منكم عدداً، وأشدّ منكم قوة وآثاراً في الأرض، والآثار هي ما يتركه القوم بعدهم كالأهرام بالنسبة للفراعنة، مثلاً يبقيها اللهُ شاهدةً عليهم. وهناك آثار أخرى لم نَرَها لأنها مطمورة، لكن أخبرنا الله عنها كما في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 6-8] هذه آثار باقية {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137- 138]. فأين أنتم أيها العرب من هذه الحضارات الذاهبة؟ لقد كان عليكم أن تفهموا الدرس من السابقين الذين كذَّبوا الرسل وعاندوهم، أخذهم الله وهم أقوى منكم وأشدّ ونصر رسله ومنهجه، وأنتم دون هؤلاء ولن تُعجزوا الله، بل إن مسألتكم أسهل. وقوله: {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [غافر: 82] يعني: هذه الحضارات وهذه العمارة التي تُعدُّ إعجازاً لم نصل إلى سِرِّه حتى الآن، لم تنفع أصحابها. ولنتكلم عن آثارهم في مصر مثلاً، عندنا آثار الفراعنة في المعابد وفي الأهرام، رأينا الألوان على الجدران كما هي وكأنها منقوشة في العصر الحديث، رأينا بعض الحبوب كما هي وقالوا إنها صالحة للإنبات بعد هذه الآلاف من السنين، وتعلمون ما في بناء الأهرام من الأسرار التي لم نتوصل إليها حتى الآن. كل هذا التقدم لم يستطع أصحابه حمايته، ولم يستطيعوا الإبقاء على هذه الحضارة، ولا حتى استطاعوا أنْ يتركوا لنا ما يُفسِّرها، ولولا شامبليون فكَّ لنا رموز حجر رشيد لما استطعنا التوصل إلى هذا التاريخ ولا معرفته.
الجيلاني
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني: أينكر المشركون المصرون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية كمال قدرته سبحانه على أنواع الانتقام والعذاب، فلم يسيروا في الأرض التي هي محل الكون والفساد {فَيَنظُرُواْ} عليها معتبرين من البلاقع والخربة والأطلال المندرسة {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} الأمم الهالكة المسرفة {ٱلَّذِينَ} مضروا {مِن قَبْلِهِمْ} مع أنهم {كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ} عَدداً وعُدداً {وَأَشَدَّ قُوَّةً} أي: بسطة واستيلاء {وَ} أحكم {آثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي: أبنية وقصوراً وقلاعاً وحصوناً مشيدة مرفوعة، ومع ذلك {فَمَآ أَغْنَىٰ} وأدفع {عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [غافر: 82] عليها من الأمور المذكورة شيئاً من غضب الله وعذابه، بل لحقهم ما لحقهم من العذاب، بحيث لا شعور لهم بأماراته ومقدماته فاستأصلهم بالمرة. {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي: فهم في العتو والعناد كانوا كأمثال هؤلاء المسرفين، لما جاءهم رسلهم المبعوثون إليهم بالمعجزات والآيات الواضحات، المبينة لطريق الحق، لم يلتفتوا ولم يلقوا أسماعهم نحوها تعنتاً واستكباراً، بل {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي: الجهل المركب المركوز في طباعهم من تقليد آبائهم على أوجه الأصرار، بلا التفات منهم إلى ما ظهر من الوحي الإلهي المنزل على رسلهم، بل كذبوهم واستهزءوا معهم {وَ} لهذا {حَاقَ} وأحاط {بِهِم} وبال {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83] حين دعوة الرسل وإرشادهم إلى طريق الحق بأنواع الوعد والوعيد، وكانوا على ما هم عليه من العناد مصرين مستكبرينز {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي: عذابنا وبطشنا حلَّ عليهم {قَالُوۤاْ} متذكرين دعوة رسلهم متسحرين على ما فوَّتوا على أنفسهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} على الوجه الذي هدانا إليه رسله {وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84] من الأصنام والأوثان، وسائر ما عبدنا من دونه سبحانه. {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} إذ حينئذ قد انقضى زمان التدارك والتفلافي، وبالجملة: قد كانت هذه الديدنة المستمرة {سُنَّتَ ٱللَّهِ} العليم الحكيم {ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ} ومضت {فِي عِبَادِهِ} المستكبرين عن إطاعته وانقياده حين دعوة الرسل وإرشادهم {وَ} بعد حلول أوان اليأس ونزول العذاب {خَسِرَ هُنَالِكَ} أي: عنده {ٱلْكَافِرُونَ} [غافر: 85] المصرون على الإنكار والاستهزاء خسراناً عظيماً في الدنيا، وفي الآخرة أعظم منه وأدوم، أعاذنا الله وعموم عباده المؤمنين من بأسه وبطشه مبنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي القاصد نحو الحق المتوجه إلى توحيده - وفقك الله على إنجاح مهامك، وأوصلك إلى منتهى مقصدك ومرامك - أن تكون على خبرة كاملة من آيات الله النازلة من عنده سبحانه؛ لإهداء عباده التائهين في فضاء وجوده وعبرة تامة سريان وحدته الذاتية على عموم هياكل ما لمع عليه بروق تجلياته الجمالية والجلالية المنتشئة من ذاته حسب شئونه وتطوراته المتفرعة على أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى. فلك ألاَّ تغفل في عموم أحوالك عن مطالعة جمال الله وجلاله في كل ذرة من ذرائر الأكوان على وجه الاستبصار والاعتبار، بلا شائبة شك وإنكار وتردد واستكبار؛ لئلا تلحق بالأخسرين الذين يؤمنون بالله وتوحيده، حين يكُ ينفعهم إيمانهم؛ لانقضاء نشأة التلافي والاختبار، وذلك حين يعرضون على الملك الجبار، ويساقون إلى النار بأنواع الخسار والبوار. ربنا آتنا من لدنك رحمة وقنَّا عذاب النار.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [غافر: 82] أرض البشرية {فَيَنظُرُواْ} [غافر: 82] ببصيرة القلوب {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [غافر: 82] من النفوس المتمردة {كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ} [غافر: 82] استعداداً في طلب الدنيا، واستيفاء الشهوات {وَأَشَدَّ قُوَّةً} [غافر: 82] في الحرص على المال وطلب الجاه {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} [غافر: 82] بطول أعمال الأعمار {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [غافر: 82] أمَرَهم بالاعتبار بِمَنْ كانُوا قبلهُمْ؛ كانوا أشدّ قوةً وأكثر أموالاً وأطولَ أعماراً، فانجرُّوا في حِبَالِ آمالهم، فوقعوا في وهْدَة غرورهم، وما للحقُّ عن مراده فيهم، واغتروا بسلامتهم في مُدّةِ ما أرخينا لهم عنان آمالهم، ثم فاجأناهُم بالعقوبة، فلم يُعْجِزُوا الله في مُرادِه منهم. وهذا تحقيق قوله: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} [غافر: 83]؛ أي: من شبهات المعقولات والمخيلات والموهومات، ثم عاجلناهم بالعقوبة {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83] فلم يعجزوا الله في مراده منهم {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 84] ووقعوا في مذلة الخيبة وشدة البأس {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84] تمنوا أن لو أعيدوا إلى الدنيا من البأس، وما قابلهم الله في الخيبة {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85] وتخرطهم في سلك من أبائهم من أهل الشرك والسخطة، {سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 85] الذين أشركوا في عبودية غيره {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} [غافر: 85]؛ أي: كافري النعمة خسروا على أنفسهم مزيد النعمة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يحث تعالى، المكذبين لرسولهم، على السير في الأرض، بأبدانهم، وقلوبهم: وسؤال العالمين. { فَيَنْظُرُوا } نظر فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال. { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من الأمم السالفة، كعاد، وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارًا في الأرض من الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } حين جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم. ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } من الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من الضلال، والحق من الباطل { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } المناقض لدين الرسل. ومن المعلوم، أن فرحهم به، يدل على شدة رضاهم به، وتمسكهم، ومعاداة الحق، الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقًا، وهذا عام لجميع العلوم، التي نوقض بها، ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي رُدَّت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة، أدلة لفظية، لا تفيد شيئًا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله، والمعارضة لها، والمناقضة، فالله المستعان. { وَحَاقَ بِهِمْ } أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } من العذاب. { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } أي: عذابنا، أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار { قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } من الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل، من علم أو عمل. { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } أي: في تلك الحال، وهذه { سُنَّةَ اللَّهِ } وعادته { الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا منجيًا لهم من العذاب، وذلك لأنه إيمان ضرورة، قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه، هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانًا بالغيب، وذلك قبل وجود قرائن العذاب. { وَخَسِرَ هُنَالِكَ } أي: وقت الإهلاك، وإذاقة البأس { الْكَافِرُونَ } دينهم ودنياهم وأخراهم، ولا يكفي مجرد الخسارة، في تلك الدار، بل لا بد من خسران يشقي في العذاب الشديد، والخلود فيه، دائما أبدًا. تم تفسير سورة المؤمن بحمد الله ولطفه ومعونته، لا بحولنا وقوتنا، فله الشكر والثناء
همام الصنعاني
تفسير : 2687- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جُريْج، سمعته يذكر عن مجاهد في قوله تعالى: {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 82]، قال: المشي فيها بأرجلهم. 2688- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جُرَيْج، عن مجاهد، في قوله: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ}تفسير : : [فصلت: 5]، قَال: كالجعبة للنَّبْلِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):