٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها: وهو الأقوى أن يقال حٰم اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره، وثانيها: قال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره، وثالثها: قال الزجاج: تنزيل رفع بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله {تَنزِيلَ } تخصص بالصفة وهو قوله {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } فجاز وقوعه مبتدأ. واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحٰم بأشياء أولها: كونه تنزيلاً والمراد المنزّل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه، والمراد من كونها منزلاً أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلاً وثانيها: كون التنزيل من الرحمٰن الرحيم، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه النعمة، والأمر في نفسه كذلك، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم وثالثها: كونه كتاباً وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع وإنما سمي كتاباً لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين ورابعها: قوله {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السمٰوات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار، وبعضها في المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن وخامسها: قوله {قُرْءَاناً } والوجه في تسميته قرآناً قد سبق وقوله تعالى: {قُرْءاناً } نصب على الاختصاص والمدح أي أُريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت، وقيل هو نصب على الحال وسادسها: قوله {عَرَبِيّاً } والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } تفسير : [إبراهيم: 4] وسابعها: قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } والمعنى إنا جعلناه عربياً لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ليفهموا منه المراد، فإن قيل قوله {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } متعلق بماذا؟ قلنا يجوز أن يتعلق بقوله {تَنزِيلٌ } أو بقوله {فُصِّلَتْ } أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لأجلهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصلات والصفات وثامنها وتاسعها: قوله {بَشِيراً وَنَذِيراً } يعني بشيراً للمطيعين بالثواب ونذيراً للمجرمين بالعقاب، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل. الصفة العاشرة: كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها، ويتفرع عليها مسائل: المسألة الأولى: القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول: أنه وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيير من حال، فوجب أن يكون مخلوقاً الثاني: أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث: المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع: أن قوله {فُصّلَتْ } يدل على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز، وذلك لا يليق بالقديم الخامس: أنه إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس: وصفه بكونه عربياً، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بدّ وأن يكون محدثاً ومخلوقاً الجواب: أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات، وهي عندنا محدثة مخلوقة، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ، والله أعلم. المسألة الثانية: ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، فأما حملها على معان أُخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعاً، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى: {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } وإنما سماه عربياً لكونه دالاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأن ما سواه فهو باطل. المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه حصل في القرآن من سائر اللغات كقوله {أية : إِسْتَبْرَقٍ } تفسير : [الكهف: 31] و {أية : سِجّيلٍ } تفسير : [هود: 82] فإنهما فارسيان، وقوله {أية : مشكاة} تفسير : [النور: 35] فإنها من لغة الحبشة وقوله {أية : قسطاس} تفسير : [الإسراء: 35] فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً }، وقوله {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } تفسير : [إبراهيم: 4]. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى، وعندنا أن هذا باطل، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلاً، الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى: {قُرْءاناً عَرَبِيّاً }، وقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ }. المسألة الخامسة: إنما وصف الله القرآن بكونه {عَرَبِيّاً } في معرض المدح والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات. واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره، فنقول لا شك أن الكلام مركب من الكلمات المفردة، وهي مركبة من الحروف، فالكلمة لها مادة وهي الحروف، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب. فهذه الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها، أما التي بحسب مادتها فهي آحاد الحروف، واعلم أن الحروف على قسمين بعضها بينة المخارج ظاهرة المقاطع وبعضها خفية المخارج مشتبهة المقاطع، وحروف العرب بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع، ولا يشتبه شيء منها بالآخر. وأما الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه بعضها بالبعض، وذلك يخل بكمال الفصاحة، وأيضاً الحركات المستعملة في سائر لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر، وكل واحد من هذه الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازاً ظاهراً جلياً، وأما الإشمام والروم فيقل حصولهما في لغات العرب، وذلك أيضاً من جنس ما يوجب الفصاحة، وأما الكلمات الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع: أحدها: أن الحروف على قسمين متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج، وأيضاً الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة الصلبة المتقاربة، واالرخوة المتقاربة، والصلبة المتباعدة، والرخوة المتباعدة، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان. صعب اللفظ بها، لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جارياً مجرى ما إذا كان الإنسان مقيداً ثم يمشي، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على الموضع الواحد من المخرج، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الضعف والإعياء، ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل وثانيها: أن جنس بعض الحروف ألذ وأطيب في السمع، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب وثالثها: الوزن فنقول: الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، وأعدلها هو الثلاثي لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة، والحركة لا بد لها من مبدأ ووسط ومنتهى، فهذه ثلاث مراتب، فالكلمة لا بد وأن يحصل فيها هذه المراتب الثلاثة حتى تكون تامة، أما الثنائية فهي ناقصة وأما الرباعية فهي زائدة، والغائب في كلام العرب الثلاثيات، فثبت بما ذكرنا ضبط فضائل اللغات، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها، وأما سائر اللغات فليست كذلك، والله أعلم. المسألة السادسة: قوله {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني إنما جعلناه {عَرَبِيّاً } لأجل أن يعلموا المراد منه، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم، تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله {عَرَبِيّاً } لهذه الحكمة، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز. المسألة السابعة: قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم، والدليل عليه قوله تعالى: {قرءاناً عربياً لقوم يعلمون } يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه. المسألة الثامنة: قوله تعالى: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه، لأنا بينا أن كونه نازلاً من عند الإلٰه الرحمٰن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب، وكونه {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } مفصلاً يدل على أنه في غاية الكشف والبيان، وكونه {بَشِيراً وَنَذِيراً } يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات، وقد حصلت هذه الموجبات الثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله، ولا ضال إلا من أضله الله. واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولا يسمعونه، بيّن أنهم صرحوا بهذه النفرة والمباعدة وذكروا ثلاثة أشياء أحدها: أنهم قالوا {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء، والكنان هو الذي يجعل فيه السهام وثانيها: قولهم {وفي آذاننا وقر } أي صمم وثقل من استماع قولك وثالثها: قولهم {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } والحجاب هو الذي يمنع من الرؤية والفائدة في كلمة {مِنْ } في قوله {وَمِن بَيْنِنَا } أنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجاباً حصل وسط الجهتين، وأما بزيادة لفظ {مِنْ } كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب، وما بقي جزء منها فارغاً عن هذا الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب، هكذا ذكره صاحب «الكشاف» وهو في غاية الحسن. واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة، وذلك لأن القلب محل المعرفة وسلطان البدن والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل المعارف، فلما بيّن أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا الباب. واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاماً لم يفهم معناه كما ينبغي، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سبباً للوقوف على دقائق أحوالك ذلك المرئي، وذلك المدرك والشاعر هو النفس، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد، فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم، وذكر أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم فقال: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 88]. ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام فقال: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً } تفسير : [الأنعام: 25] فكيف الجمع بينهما؟ قلنا إنه لم يقل ههنا أنهم كذبوا في ذلك إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا: إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة قالوا {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم {قُلُوبُنَا فِى أكنة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ }. ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ } وبيان هذا الجواب كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً وقهراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عزّ وجلّ أوحى إليّ وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي، ثم بيّن أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين: العلم والعمل، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد، ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله {أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك وجب علينا أن نعترف به، وهو المراد من قوله {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } ونظيره قوله {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الفاتحة: 6] وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30] وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأنعام: 153] وفي قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } وجهان الأول: فاستقيموا متوجهين إليه الثاني: أن يكون قوله {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض. واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما: الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار، فلهذا السبب قال: {وَٱسْتَغْفِرُوهُ } فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما لا ينبغي؟ قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» تفسير : ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي، فقال: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول: أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وذلك لأن الموجودات، إما الخالق وإما الخلق، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحداً وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال، لأنه ضد الشفقة على خلق الله، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفاً بصفات ثلاثة أولها: أن يكون مشركاً وهو ضد التوحيد. وإليه الإشارة بقوله {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } وثانيها: كونه ممتنعاً من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } وثالثها: كونه منكراً للقيامة مستغرقاً في طلب الدنيا ولذاتها، وإليه الإشارة بقوله {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: الأمس واليوم والغد. أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم. وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال، فلهذا حكم الله عليه بالويل، فقال: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } وهذا ترتيب في غاية الحسن، والله أعلم الوجه الثاني: في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله {لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } تفسير : [الشمس: 7] الثالث: قال الفرّاء: إن قريشاً كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما: كونه مشركاً والثاني: أنه لا يؤتي الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد، وذلك هو المطلوب. المسألة الثالثة: احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر، وهو قوله {فَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } وذكر أيضاً بعدها ما يوجب الكفر، وهو قوله {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً، لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب: لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتام الزكاة، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة، والله أعلم. ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } أي غير مقطوع، من قولك مننت الحبل، أي قطعته، ومنه قولهم قد منه السفر، أي قطعه، وقيل لا يمن عليهم، لأنه تعالى لما سماه أجراً، فإذاً الأجر لا يوجب المنّة، وقيل نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } قال الزجاج: «تَنْزِيلٌ» رفع بالابتداء وخبره {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وهذا قول البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: «كِتَابٌ» بدل من قوله: {تَنزِيلٌ}. وقيل: نعت لقوله: «تَنْزِيلٌ». وقيل: «حمۤ» أي هذه «حمۤ» كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا فـ«ـحمۤ» خبر ابتداء مضمر أي هو «حمۤ»، وقوله «تَنْزِيلٌ» مبتدأ آخر، وقوله: «كِتَابٌ» خبره. «فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» أي بُيِّنت وفسرت. قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب والعقاب. وقرىء «فَصَلَتْ» أي فرّقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك فصل أي تباعد من البلد. {قُرْآناً عَرَبِيّاً} في نصبه وجوه؛ قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: على إضمار فعل؛ أي اذكر «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: على إعادة الفعل؛ أي فصلنا «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: على الحال أي «فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» في حال كونه «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: لما شغل «فُصِّلَتْ» بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب «قُرآناً» لوقوع البيان عليه. وقيل: على القطع. {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قال الضحاك: أي إن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إلٰه واحد في التوراة والإنجيل. وقيل: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله. ولو كان غير عربيّ لما علموه. قلت: هذا أصح، والسورة نزلت تقريعاً وتوبيخاً لقريش في إعجاز القرآن. {بَشِيراً وَنَذِيراً} حالان من الآيات والعامل فيه «فُصِّلَتْ». وقيل: هما نعتان للقرآن «بَشِيراً» لأولياء الله «نَذِيراً» لأعدائه. وقرىء «بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} يعني أهل مكة {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} سماعاً ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علماً لا يخفى عليّ إن كان كذلك. فقالوا: إيته فحدّثه. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد! أنت خير أم قصيّ بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفِّه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال: «قد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. (قال فاسمع مني) فقال: «يا ابن أخي اسمع» قال: {بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحمَ ليسْكُتَّنّ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل فقال: أصبوتَ إلى محمد؟ أم أعجبكَ طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالاً، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: {مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} وأمسكت بفيه وناشدته بالرَّحِم أن يكفّ، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الردّ له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «حمۤ. فُصِّلَتْ» حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له: «حديث : يا أبا الوليد قد. سمعتَ الذي قرأتُ عليك فأنت وذاك»تفسير : فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: والله لقد سمعت كلاماً من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي؛ خلُّوا محمداً وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كُفِيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكاً أو نبياً كنتم أسعد الناس به؛ لأن مُلْكَه مُلْككُم وَشَرَفه شرفُكم. فقالوا: هيهات! سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} الأكِنة جمع كِنانٍ وهو الغطاء. وقد مضى في «البقرة». قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل. {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي صَمَم؛ فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة عن فهمه. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر مانع عن الإجابة. وقيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجابُ هنا الثوب. {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل رابعاً: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها ثلاث أو أربع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {حَـمَ} إن جعلته مبتدأ فخبره. {تَنزِيلٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } وإن جعلته تعديداً للحروف فـ {تَنزِيلَ } خبر محذوف أو مبتدأ لتخصصه بالصفة وخبره: {كِتَابٌ } وهو على الأولين بدل منه أو خبر آخر أو خبر محذوف، ولعل افتتاح هذه السور السبع بـ {حـم } وتسميتها به لكونها مصدرة ببيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى، وإضافة الـ {تَنزِيلَ } إلى {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنيوية. {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } ميزت باعتبار اللفظ والمعنى. وقرىء {فُصّلَتْ } أي فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني، أو فصلت بين الحق والباطل. {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } نصب على المدح أو الحال من {فُصّلَتْ }، وفيه امتنان بسهولة قراءاته وفهمه. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي لقوم يعلمون العربية أو لأهل العلم والنظر، وهو صفة أخرى لـ {قُرْءاناً } أو صلة لـ {تَنزِيلَ }، أو لـ {فُصّلَتْ }، والأول أولى لوقوعه بين الصفات. {بَشِيراً وَنَذِيراً } للعاملين به والمخالفين له، وقرئا بالرفع على الصفة للـ {كِتَابٌ } أو الخبر لمحذوف. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ } عن تدبره وقبوله. {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } سماع تأمل وطاعة. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أغطية جمع كنان. {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ } صمم، وأصله الثقل، وقرىء بالكسر. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } يمنعنا عن التواصل، ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة ولم يبق فراغ. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم ومج أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم. {فَٱعْمَلْ } على دينك أو في إبطال أمرنا. {إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } على ديننا أو في إبطال أمرك. {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لست ملكاً ولا جنياً لا يمكنكم التلقي منه، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والاسماع، وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، وقد يدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل. {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه، أو فاستووا إليه بالتوحيد والإِخلاص في العمل. {وَٱسْتَغْفِرُوهُ } مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل، ثم هددهم على ذلك فقال: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله. {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } لبخلهم وعدم اشفاقهم على الخلق، وذلك من أعظم الرذائل، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإِيمان والطاعة. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} حال مشعرة بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ} عظيم. {غَيْرُ مَمْنُونٍ } لا يمن به عليهم من المن وأصله الثقل، أو لا يقطع من مننت الحبل إذا قطعته. وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصلح ما كانوا يعملون. {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ} في مقدار يومين، أو نوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. ولعل المراد من {ٱلأَرْضِ} ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها {فِى يَوْمَيْنِ } أنه خلق لها أصلاً مشتركاً ثم خلق لها صوراً بها صارت أنواعاً، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } ولا يصح أن يكون له ند. {ذٰلِكَ } الذي {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ}. {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } استئناف غير معطوف على {خَلقَ} للفصل بما هو خارج عن الصلة. {مّن فَوْقِهَا} مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار وتكون منافعها معرضة للطلاب. {وَبَـٰرَكَ فِيهَا } وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوان. {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به، أو أقواتاً تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، وقرىء «وقسم فِيهَا أَقْوٰتَهَا».{فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} في تتمة أربعة أيام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً. ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للإِشعار باتصالهما باليومين الأولين. والتصريح على الفذلكة. {سَوَاءٌ} أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيام ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر. وقيل حال من الضمير في أقواتها أو في فيها، وقرىء بالرفع على هي سواء. {لّلسَّائِلِينَ } متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو بقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها. {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء} قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلوي على غيره، والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في المدة لقوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 30] ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها. {وَهِىَ دُخَانٌ} أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي كتب منها {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا} بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة. أو {ٱئْتِيَا } في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة، أو الإِخبار أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة، وقد عرفت ما فيه أو لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ويؤيده قراءة «آتيا» في المؤاتاة أي لتوافق كل واحدة أختها فيما أردت منكما. {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } شئتما ذلك أو أبيتما والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } منقادين بالذات، والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله: {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [البقرة: 117] وما قيل من أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير، وإنما قال طائعين على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله: {أية : سَـٰجِدِينَ }تفسير : [الأعراف: 120]
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: { حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [النحل: 102] وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 192 ــــ 194]. وقوله تبارك وتعالى: {كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ} أي: بينت معانيه، وأحكمت أحكامه {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: في حال كونه قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة؛ كقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} تفسير : [هود: 1] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42]. وقوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئاً مع بيانه ووضوحه، {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىۤ أَكِنَّةٍ} أي: في غلف مغطاة {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ} أي: صمم عما جئتنا به، {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} فلا يصل إلينا شيء مما تقوله، {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ} أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا لا نتابعك، قال الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح عن الزيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش يوماً، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولننظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك؛ فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى؛ أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجك عشراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فرغت؟» تفسير : قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : بسم الله الرحمن الرحيم {حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } ــــ حتى بلغ ــــ {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا» تفسير : فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قاله، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية، لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة. وهكذا رواه الحافظ أيو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواء، وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح، وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي، وقد ضعف بعض الشيء، عن الزيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فذكر الحديث إلى قوله: { فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة، جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة، وأقسم أن لا يكلم محمداً أبداً، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً، لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب، وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله تعالى أعلم، وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط، فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد، فأكلمه وأعرض عليه أموراً؛ لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخي إنك منا حيث علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها؛ لعلك تقبل منها بعضاً. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قل يا أبا الوليد أسمع» تفسير : قال: يابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: «حديث : أفرغت يا أبا الوليد؟» تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : فاستمع مني» تفسير : قال: أفعل. قال: حديث : بسم الله الرحمن الرحيم {حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }تفسير : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: «حديث : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك» تفسير : فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها لي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {حـم } قد تقدم الكلام على إعرابه، ومعناه في السورة التي قبل هذه السورة، فلا نعيده، وكذلك تقدّم الكلام على معنى: {تَنزِيلَ }، وإعرابه. قال الزجاج، والأخفش: تنزيل مرفوع بالابتداء، وخبره: {كِتَـٰبٌ فُصّلَتْ } وقال الفراء: يجوز أن يكون على إضمار هذا، ويجوز أن يقال: كتاب بدل من قوله تنزيل، و {مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } متعلق بتنزيل، ومعنى: {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ }: بينت، أو جعلت أساليب مختلفة، قال قتادة: فصلت ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. وقال الحسن: بالوعد، والوعيد. وقال سفيان: بالثواب، والعقاب، ولا مانع من الحمل على الكل. والجملة في محلّ نصب صفة لكتاب. وقرىء: (فصلت) بالتخفيف، أي: فرقت بين الحق، والباطل. وانتصاب {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } على الحال، أي: فصلت آياته حال كونه قرآناً عربياً. وقال الأخفش: نصب على المدح. وقيل: على المصدرية، أي: يقرؤه قرآناً. وقيل: مفعول ثانٍ لفصلت. وقيل: على إضمار فعل يدل عليه فصلت، أي: فصلناه قرآناً عربياً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي: يعلمون معانيه، ويفهمونها وهم: أهل اللسان العربي. قال الضحاك: أي يعلمون أن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآن، أي: كائناً لقوم، أو متعلق بفصلت، والأول أولى، وكذلك {بَشِيراً وَنَذِيراً } صفتان أخريان لـ {قرآناً}، أو حالان من كتاب، والمعنى: بشيراً لأولياء الله، ونذيراً لأعدائه. وقرىء: (بشير ونذير) بالرفع على أنهما صفة لكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ } المراد بالأكثر هنا: الكفار، أي: فأعرض الكفار عما اشتمل عليه من النذارة {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } سماعاً ينتفعون به لإعراضهم عنه. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أي: في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها قولك، والأكنة جمع كنان، وهو: الغطاء، قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل، وقد تقدّم بيان هذا في البقرة {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي: صمم، وأصل الوقر الثقل. وقرأ طلحة بن مصرف: (وقر) بكسر الواو. وقرىء بفتح الواو والقاف، و «من» في {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } لابتداء الغاية، والمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا، وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق، ومج أسماعهم له، وامتناع المواصلة بينهم، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } أي: اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا. وقال الكلبي: اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: اعمل لآخرتك، فإنا عاملون لدنيانا. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } أي: إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه، وفي آذانكم وقر، ومن بيني، وبينكم حجاب، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل، وإنما أدعوكم إلى التوحيد. قرأ الجمهور: {يوحى} مبنيا للمفعول. وقرأ الأعمش، والنخعي مبنياً للفاعل، أي: يوحي الله إليّ. قيل: ومعنى الآية: إني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسراً، فإني بشر مثلكم، ولا امتياز لي عنكم إلاّ أني أوحى إليّ التوحيد، والأمر به، فعليّ البلاغ وحده، فإن قبلتم رشدتم، وإن أبيتم هلكتم. وقيل: المعنى: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إليّ دونكم، فصرت بالوحي نبياً، ووجب عليكم اتباعي. وقال الحسن في معنى الآية: إن الله سبحانه علم رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يتواضع {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } عدّاه بإلى لتضمنه معنى: توجهوا، والمعنى: وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة، ولا تميلوا عن سبيله {وَٱسْتَغْفِرُوهُ } لما فرط منكم من الذنوب. ثم هدّد المشركين، وتوعدهم، فقال: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ }. ثم وصفهم بقوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } أي: يمنعونها، ولا يخرجونها إلى الفقراء. وقال الحسن، وقتادة: لا يقرّون بوجوبها. وقال الضحاك، ومقاتل: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعة. وقيل: معنى الآية، لا يشهدون أن لا إلٰه إلاّ الله لأنها زكاة الأنفس، وتطهيرها. وقال الفراء: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج، ويطعمونهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمد، فنزلت فيهم هذه الآية {وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } معطوف على لا يؤتون داخل معه في حيز الصلة، أي: منكرون للآخرة جاحدون لها، والمجيء بضمير الفصل لقصد الحصر {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } أي: غير مقطوع عنهم، يقال: مننت الحبل: إذا قطعته، ومنه قول الأصبغ الأودي:شعر : إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون تفسير : وقيل: الممنون المنقوص، قاله قطرب، وأنشد قول زهير:شعر : فضل الجواد على الخيل البطاء فلا يعطى بذلك ممنوناً ولا نزقاً تفسير : قال الجوهري: المنّ القطع، ويقال: النقص، ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ }، وقال لبيد:شعر : غبس كواسب لا يمنّ طعامها تفسير : وقال مجاهد: غير ممنون: غير محسوب. وقيل: معنى الآية: لا يمن عليهم به لأنه إنما يمنّ بالتفضل، فأما الأجر، فحقّ أداؤه. وقال السدّي: نزلت في المرضى، والزمنى، والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون فيه. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، ويقرعهم، فقال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } أي: لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم، وقدرته هذه القدرة الباهرة. قيل: اليومان هما يوم الأحد، ويوم الاثنين. وقيل: المراد مقدار يومين، لأن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض، والسماء. قرأ الجمهور: {أئنكم} بهمزتين الثانية بين بين، وقرأ ابن كثير بهمزة، وبعدها ياء خفيفة {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } أي: أضداداً، وشركاء، والجملة معطوفة على تكفرون داخلة تحت الاستفهام، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الموصول المتصف بما ذكر، وهو مبتدأ وخبره {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، ومن جملة العالمين ما تجعلونها أنداداً لله، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته، وقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } معطوف على خلق، أي: كيف تكفرون بالذي خلق الأرض، وجعل فيها رواسي، أي: جبالاً ثوابت من فوقها. وقيل: جملة، وجعل فيها رواسي مستأنفة غير معطوفة على خلق لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي. والأوّل أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى {مّن فَوْقِهَا }: أنها مرتفعة عليها لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها {وَبَـٰرَكَ فِيهَا } أي: جعلها مباركة كثيرة الخير بما خلق فيها من المنافع للعباد. قال السدي: أنبت فيها شجرها {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } قال قتادة، ومجاهد: خلق فيها أنهارها، وأشجارها، ودوابها، وقال الحسن، وعكرمة، والضحاك: قدّر فيها أرزاق أهلها، وما يصلح لمعايشهم من التجارات، والأشجار، والمنافع، جعل في كلّ بلد ما لم يجعله في الأخرى؛ ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، والأسفار من بلد إلى بلد، ومعنى {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي: في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدّمين. قاله الزجاج، وغيره. قال ابن الأنباري: ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً، أي: في تتمة خمسة عشر يوماً، فيكون المعنى: أن حصول جميع ما تقدّم من خلق الأرض، وما بعدها في أربعة أيام. وانتصاب {سَوَآء } على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام، أي: استوت سواء بمعنى: استواء، ويجوز أن يكون منتصباً على الحال من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها. قرأ الجمهور بنصب: {سواء}، وقرأ زيد بن علي، والحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى، ويعقوب، وعمرو بن عبيد بخفضه على أنه صفة لأيام. وقرأ أبو جعفر برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة، وقوله: {لّلسَّائِلِينَ } متعلق بسواء، أي: مستويات للسائلين، أو بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر للسائلين في كم خلقت الأرض، وما فيها؟ أو متعلق بقدّر، أي: قدّر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها. قال الفراء: في الكلام تقديم، وتأخير، والمعنى: وقدّر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام، واختار هذا ابن جرير. ثم لما ذكر سبحانه خلق الأرض، وما فيها ذكر كيفية خلقه للسماوات، فقال: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } أي: عمد، وقصد نحوها قصداً سوياً. قال الرازي: هو من قولهم: استوى إلى مكان كذا: إذا توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضدّ الاعوجاج، ونظيره قولهم: استقام إليه، ومنه قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماوات بعد خلق الأرض، وما فيها. قال الحسن: معنى الآية: صعد أمره إلى السماء {وَهِىَ دُخَانٌ } الدخان ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض. قال المفسرون: هذا الدخان هو: بخار الماء، وخصّ سبحانه الاستواء إلى السماء مع كون الخطاب المترتب على ذلك متوجهاً إليها، وإلى الأرض كما يفيده قوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } استغناء بما تقدّم من ذكر تقديرها، وتقدير ما فيها، ومعنى ائتيا: افعلا ما آمركما به، وجيئا به، كما يقال: ائت ما هو الأحسن أي: افعله. قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله سبحانه قال: أما أنت يا سماء، فاطلعي شمسك، وقمرك، ونجومك، وأما أنت يا أرض، فشققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، ونباتك. قرأ الجمهور: {ائتيا} أمراً من الإتيان. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد: (آتيا) قالتا: آتينا بالمدّ فيهما، وهو إما من المؤاتاة، وهي: الموافقة، أي: لتوافق كلّ منكما الأخرى، أو من الإيتاء، وهو: الإعطاء، فوزنه على الأوّل فاعلاً كقاتلاً، وعلى الثاني افعلا كأكرما {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } مصدران في موضع الحال، أي: طائعتين، أو مكرهتين، وقرأ الأعمش: (كرهاً) بالضمّ. قال الزجاج: أطيعا طاعة أو تكرهان كرهاً. قيل: ومعنى هذا الأمر لهما التسخير، أي: كونا، فكانتا، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40]، فالكلام من باب التمثيل لتأثير قدرته، واستحالة امتناعها {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } أي: أتينا أمرك منقادين، وجمعهما جمع من يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء. قال القرطبي: قال أكثر أهل العلم: إن الله سبحانه خلق فيهما الكلام، فتكلمتا كما أراد سبحانه. وقيل: هو تمثيل لظهور الطاعة منهما، وتأثير القدرة الربانية فيهما {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } أي: خلقهنّ، وأحكمهنّ، وفرغ منهنّ، كما في قول الشاعر:شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود إذ صبغ السوابغ تبع تفسير : والضمير في: "قضاهنّ" إما راجع إلى السماء على المعنى؛ لأنها سبع سماوات، أو مبهم مفسر بسبع سماوات، وانتصاب {سبع سماوات} على التفسير، أو على البدل من الضمير. وقيل: إن انتصابه على أنه المفعول الثاني لقضاهنّ؛ لأنه مضمن معنى صبرهنّ. وقيل: على الحال، أي: قضاهنّ حال كونهنّ معدودات بسبع، ويكون قضى بمعنى: صنع، وقيل: على التمييز، ومعنى {فِى يَوْمَيْنِ } كما سبق في قوله: {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ }، فالجملة ستة أيام، كما في قوله سبحانه: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } تفسير : [هود:7]، وقد تقدّم بيانه في سورة الأعراف. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون. قال عبد الله بن سلام: خلق الأرض في يوم الأحد، ويوم الاثنين، وقدّر فيها أقواتها يوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، وخلق السمٰوات في يوم الخميس، ويوم الجمعة، وقوله: {وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } عطف على قضاهنّ. قال قتادة، والسدّي: أي خلق فيها شمسها، وقمرها، ونجومها، وأفلاكها، وما فيها من الملائكة، والبحار، والبرد، والثلوج. وقيل: المعنى: أوحى فيها ما أراده وما أمر به، والإيحاء قد يكون بمعنى: الأمر كما في قوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ } تفسير : [الزلزلة: 5]، وقوله: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } تفسير : [المائدة: 111] أي: أمرتهم. وقد استشكل الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30]، فإن ما في هذه الآية من قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } مشعر بأن خلقها متأخر عن خلق الأرض، وظاهره يخالف قوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }، فقيل: إن «ثم» في {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي، فيندفع الإشكال من أصله. وعلى تقدير أنها للتراخي الزماني، فالجمع ممكن بأن الأرض خلقها متقدّم على خلق السماء، ودحوها بمعنى: بسطها، وهو أمر زائد على مجرّد خلقها، فهي متقدّمة خلقاً متأخرة دحواً، وهذا ظاهر، ولعله يأتي عند تفسيرنا لقوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } زيادة إيضاح للمقام إن شاء الله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ } أي: بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح، وانتصاب {حَـٰفِظًا } على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: وحفظناها حفظاً، أو على أنه مفعول لأجله على تقدير: وخلقنا المصابيح زينة، وحفظاً، والأوّل أولى. قال أبو حبان: في الوجه الثاني هو: تكلف، وعدول عن السهل البين، والمراد بالحفظ: حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } أي: البليغ القدرة الكثير العلم. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ } عن التدبر والتفكر في هذه المخلوقات {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ } أي: فقل لهم يا محمد أنذرتكم خوّفتكم {صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } أي: عذاباً مثل عذابهم، والمراد بالصاعقة: العذاب المهلك من كلّ شيء. قال المبرد: الصاعقة المرّة المهلكة لأيّ شيء كان. قرأ الجمهور: {صاعقة} في الموضعين بالألف، وقرأ ابن الزبير، والنخعي، والسلمي، وابن محيصن صعقة في الموضعين، وقد تقدّم بيان معنى الصاعقة، والصعقة في البقرة، وقوله: {إِذْ جَاءتْهُمُ ٱلرُّسُلُ } ظرف لأنذرتكم، أو لصاعقة، لأنها بمعنى العذاب، أي: أنذرتكم العذاب الواقع وقت مجيء الرسل، أو حال من صاعقة عاد. وهذا أولى من الوجهين الأولين، لأن الإنذار لم يقع وقت مجيء الرسل، فلا يصحّ أن يكون ظرفاً له، وكذلك الصاعقة لا يصحّ أن يكون الوقت ظرفاً لها، وقوله: {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } متعلق بجاءتهم، أي: جاءتهم من جميع جوانبهم. وقيل: المعنى: جاءتهم الرسل المتقدّمون، والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم منزلة مجيئهم أنفسهم، فكأن الرسل قد جاءوهم، وخاطبوهم بقولهم: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } أي: بأن لا تعبدوا على أنها المصدرية، ويجوز أن تكون التفسيرية، أو المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. ثم ذكر سبحانه ما أجابوا به على الرسل، فقال: {قَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } أي: لأرسلهم إلينا، ولم يرسل إلينا بشراً من جنسنا، ثم صرّحوا بالكفر، ولم يتلعثموا، فقالوا: {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } أي: كافرون بما تزعمونه من أن الله أرسلكم إلينا، لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فكيف اختصكم برسالته دوننا، وقد تقدّم دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاءوا بها في غير موضع. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } قال: لا يشهدون أن لا إلٰه إلاّ الله، وفي قوله: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير منقوص. وأخرج ابن جرير، والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه: أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: «حديث : خلق الله الأرض في يوم الأحد، والاثنين، وخلق الجبال، وما فيهنّ من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر، والحجر، والماء، والمدائن، والعمران، والخراب، فهذه أربعة أيام، فقال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ }، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم، والشمس، والقمر، والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق من أوّل ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى فيها من كلّ شيء مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة» تفسير : قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: حديث : ثم استوى على العرش» تفسير : قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فنزل: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } تفسير : [قۤ: 38، 39]. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } قال: شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه، وفي هذه ما ليس في هذه. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً قال: إن الله تعالى خلق يوماً، فسماه الأحد، ثم خلق ثانياً، فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً، فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً، فسماه الأربعاء، ثم خلق خامساً، فسماه الخميس، وذكر نحو ما تقدّم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله فرغ من خلقه في ستة أيام، وذكر نحو ما تقدّم»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن أبي بكر نحو ما تقدّم عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } قال: قال للسماء: أخرجي شمسك، وقمرك، ونجومك، وللأرض شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {ٱئْتِيَا } قال: أعطيا، وفي قوله: {قَالَتَا أَتَيْنَا } قال: أعطينا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حم} قد مضى تأويله. {تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير فيكون تقديره حم تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم. الثاني: أن يكون فيه مضمر محذوف تقديره تنزيل القرآن من الرحمن الرحيم. ثم وصفه فقال {كتابٌ فصلت آياتُه} وفي تفصيل آياته خمسة تأويلات: أحدها: فسّرت، قاله مجاهد. الثاني: فصلت بالوعد والوعيد، قاله الحسن. الثالث: فصلت بالثواب والعقاب، قاله سفيان. الرابع: فصلت ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته، قاله قتادة. الخامس: فصلت من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فحكم فيما بينه وبين من خالفه، قال عبد الرحمن بن زيد. {قرآناً عربياً لقوم يعلمون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعلمون انه إله واحد في التوراة والإنجيل، قاله مجاهد. الثاني: أن القرآن من عند الله نزل، قاله الضحاك. الثالث: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله. قوله عز وجل: {وقالوا قلوبنا في أكنّة ما تدعونا إليه} فيه وجهان: أحدهما: أغطية، قاله السدي. الثاني: كالجعبة للنبل، قاله مجاهد. {وفي آذاننا وقر} أي صمم وهما في اللغة يفترقان فالوقر ثقل السمع والصمم ذهاب جميعه. {ومن بيننا وبينك حجاب} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني ستراً مانعاً عن الإجابة، قاله ابن زياد. الثاني: فرقة في الأديان، قاله الفراء. الثالث: أنه تمثيل بالحجاب ليؤيسوه من الإجابة، قاله ابن عيسى. الرابع: أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب، استهزاء منه، حكاه النقاش. {فاعمل إننا عامِلون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فاعمل بما تَعْلَم من دينك فإنا نعمل بما نعلم من ديننا، قاله الفراء. الثاني: فاعمل في هلاكنا فإنَّا نعمل في هلاكك، قاله الكلبي. الثالث: فاعمل لإلهك الذي أرسلك فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها، قاله مقاتل. ويحتمل رابعاً: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في أوائل السور مما يختص به الحواميم، وأمال الأعمش {أية : حم} تفسير : [فصلت: 1، الشورى: 1، الدخان: 1، الزخرف: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] في كلها. و: {تنزيل} خبر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء في: {حم} على ما تقتضيه بعض الأقوال إذا جعلت اسماً للسورة أو للقرآن أو إشارة إلى حروف المعجم، وإما على أن يكون التقدير: هذا تنزيل، ويجوز أن يكون {تنزيل} ابتداء وخبره في قوله: {كتاب فصلت} على معنى ذو تنزيل. و: {الرحمن الرحيم} صفتا رجاء ورحمة لله تعالى. و: {فصلت} معناه بينت آياته، أي فسرت معانيه ففصل بين حلاله وحرامه وزجره وأمره ووعده ووعيده، وقيل {فصلت} في التنزيل، أي نزل نجوماً، لم ينزل مرة واحدة، وقيل {فصلت} بالمواقف وأنواع أواخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ونحوها كالشعر والسجع. و: {قرآناً} نصب على الحال عند قوم، وهي مؤكدة، لأن هذه الحال ليست مما تنتقل. وقالت فرقة: هو نصب على المصدر، وقالت فرقة: {قرآناً} توطئة للحال. و: {عربياً} حال. وقالت فرقة: {قرآناً} نصب على المدح وهو قول ضعيف. وقوله تعالى: {لقوم يعلمون} قالت فرقة: معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل وينظرون على طريق نظر، فكأن القرآن فصلت آياته لهؤلاء، إذ هم أهل الانتفاع بها، فخصوا بالذكر تشريفاً، ومن لم ينتفع بالتفصيل فكأنه لم يفصل له. وقالت فرقة: {يعلمون} متعلق في المعنى بقوله: {عربياً} أي جعلناه بكلام العرب لقوم يعلمون ألفاظه ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب، وكأن الآية رادة على من زعم أن في كتاب الله ما ليس في كلام العرب، فالعلم على هذا التأويل أخص من العلم على التأويل الأول، والأول أشرف معنى، وبين أنه ليس في القرآن إلا ما هو من كلام العرب إما من أصل لغتها وإما عربته من لغة غيرها ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل. وقوله: {بشيراً ونذيراً} نعت للقرآن، أي يبشر من آمن بالجنة، وينذر من كفر بالنار. والضمير في: {أكثرهم} عائد على القوم المذكورين. وقوله: {فهم لا يسمعون} نفي لسمعهم النافع الذي يعتد به سمعاً، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة وأرادوا أن يؤيسوهم من قبولهم دينهم وهي {قلوبنا في أكنة} جمع كنان وهو باب فعال وأفعلة. والكنان: ما يجمع الشيء ويضمه ويحول بينه وبين غيره، ومنه: الكن ومنه: كنانة النبل، وبها فسر مجاهد هذه الآية. و "من" في قوله: {مما} لابتداء الغاية وكذلك هي في قوله: {ومن بيننا} مؤكدة ولابتداء الغاية. والوقر: الثقل في الأذن الذي يمنع السمع. وقرأ ابن مصرف: "وِقر" بكسر الواو. والحجاب: الذي أشاروا إليه: هو مخالفته إياهم ودعوته إلى الله دون أصنامهم، أي هذا أمر يحجبنا عنك، وهذه مقالة تحتمل أن تكون معها قرينة الجد في المحاورة وتتضمن المباعدة، ويحتمل أن تكون معها قرينة الهزل والاستخفاف، وكذلك قوله: {فاعمل إننا عاملون} يحتمل أن يكون القول تهديداً، ويحتمل أن يكون متاركة محضة. وقرأ الجمهور: "قل إنما" على الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: "قل إنما" على المضي والخبر عنه، وهذا هو الصدع بالتوحيد والرسالة. وقوله: {قل إنما أنا بشر} قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع، و "إن" في قوله: {إنما} رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. وقوله: {فاستقيموا} أي على محجة الهدى وطريق الشرع والتوحيد، وهذا المعنى مضمن قوله: {إليه}. والويل: الحزن والثبور، وفسره الطبري وغيره في هذه الآية بقبح أهل النار وما يسيل منهم. وقوله تعالى: {الذين لا يؤتون الزكاة} قال الحسن وقتادة وغيره: هي زكاة المال. وروي: الزكاة قنطرة الإسلام، من قطعها نجا، ومن جانبها هلك. واحتج لهذا التأويل بقول أبي بكر في الزكاة وقت الردة. وقال ابن عباس والجمهور: {الزكاة} في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: {أية : هل لك إلى أن تزكى} تفسير : [النازعات: 18] ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيره من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع. وقال الضحاك ومقاتل: معنى {الزكاة} هنا: النفقة في الطاعة، وأعاد الضمير في قوله: {هم كافرون} توكيداً.
النسفي
تفسير : {حـم } إن جعلته اسماً للسورة كان مبتدأ {تَنزِيلٌ} خبره، وإن جعلته تعديداً للحروف كان {تَنزِيل} خبراً لمبتدأ محذوف و{كِتَابٌ } بدل من {تَنزِيل} أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف أو {تنزيل} مبتدأ {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفته {كِتَابٌ } خبره {فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ } ميزت وجعلت تفاصيل في معانٍ مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد وغير ذلك {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } نصب على الاختصاص والمدح أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت، أو على الحال أي فصلت آياته في حال كونه قرآناً عربياً {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي. و{لِقَوْمٍ } يتعلق بـ {تَنزِيل} أو بـ {فُصّلَتْ } أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لهم، والأظهر أن يكون صفته مثل ما قبله وما بعده أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب {بَشِيراً وَنَذِيراً } صفتان لـ {قُرْءَاناً} {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } أي لا يقبلون من قولك «تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي» ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه فكأنه لم يسمعه. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أغطية جمع كنان وهو الغطاء {مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد {وَفِى ءَاذَانِنَا وَقْرٌ} ثقل يمنع من استماع قولك {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } ستر. وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها ومج إسماعهم له كأنه بها صمماً عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وماهم عليه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه حجاباً ساتراً وحاجزاً منيعاً من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي {فَٱعْمَلْ } على دينك {إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ } على ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. وفائدة زيادة «من» أن الحجاب ابتداء منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، ولو قيل بينا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } هذا جواب لقولهم {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } ووجهه أنه قال لهم: إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحي إلي دونكم فصحت نبوتي بالوحي إليّ وأنا بشر، وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي وفيما يوحى إليّ أن إلهكم إله واحد {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يميناً ولا شمالاً ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء {وَٱسْتَغْفِرُوهُ } من الشرك {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها أو لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان {وَهُم بِٱلآخِرَةِ } بالبعث والثواب والعقاب {هُمْ كَـٰفِرُونَ } وإنما جعل منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته وصدق نيته ونصوع طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وما ارتدت بنو حنيفة إلا بمنع الزكاة، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد من منعها {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } مقطوع. قيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } الأحد والاثنين تعليماً للأناة ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } شركاء وأشباهاً {ذٰلِكَ } الذي خلق ما سبق {رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها {وَجَعَلَ فِيهَا } في الأرض {رَوَاسِىَ} جبالاً ثوابت {مِّن فَوْقِهَا } إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو الله عز وجل {وَبَـٰرَكَ } بالماء والزرع والشجر والثمر {فِيهَا } وفي الأرض. وقيل: وبارك فيها وأكثر خيرها {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوٰتَهَا } أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه {وقسم فيها أقواتها} {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } في تتمة أربعة أيام يريد بالتتمة اليومين تقول: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في خمسة عشر أي تتمة خمسة عشر ولا بد من هذا التقدير، لأنه لو أجرى على الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } ثم قال {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } ثم قال {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ } فيكون خلاف قوله {أية : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }تفسير : [ق:38] في موضع آخر، وفي الحديث: «حديث : إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة»تفسير : قيل: هي الساعة التي تقوم فيها القيامة {سَوَآءً } ـ {سَوَآءٍ }: ـ يعقوب صفة للأيام أي في أربعة أيام مستويات تامات، {سَوَآء } بالرفع: يزيد أي هي سواء، غيرهماا {سَوَآء } على المصدر أي استوت سواء أي استواء أو على الحال {لِّلسَّائِلِينَ } متعلق بـ {قدر} أي قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلاً يطلب القوت ويسأله، أو بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته} أي بينت وميزت وجعلت معاني مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد {قرآناً عربياً} أي باللسان العربي {لقوم يعلمون} أي إنما أنزلناه على العرب بلغتهم ليفهموا منه والمراد ولو كان بغير لسانهم ما فهموه {بشيراً ونذيراً} نعتان للقرآن أي بشيراً لأولياء الله بالثواب ونذيراً لأعدائه بالعقاب {فأعرض أكثرهم} أي عنه {فهم لا يسمعون} أي لا يصغون إليه تكبراً {وقالوا} يعني مشركي مكة {قلوبنا في أكنة} أي أغطية {مما تدعونا إليه} أي فلا نفقه ما تقول {وفي آذاننا وقر} أي صمم فلا نسمع ما تقول والمعنى أنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع {ومن بيننا وبينك حجاب} أي خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول {فاعمل} أي أنت على دينك {إننا عاملون} أي على ديننا {قل} يا محمد {إنما أنا بشر مثلكم} أي كواحد منكم {يوحى إليّ} أي لولا الوحي ما دعوتكم، قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع {إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} أي توجهوا إليه بطاعته ولا تميلوا عن سبيله {واستغفروه} أي من ذنوبكم وشرككم {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} قال ابن عباس: لا يقولون لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقيل: لا يقرون بالزكاة المفروضة ولا يرون إتيانها واجباً يقال الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقيل: معناه لا ينفقون في طاعة الله ولا يتصدقون، وقيل: لا يزكون أعمالهم {وهم بالآخرة هم كافرون} أي جاحدون بالبعث بعد الموت.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سواء} بالرفع: يزيد. وقرأ يعقوب بالجر. الباقون: بالنصب {نحسات} بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب {وأما ثمود} بالنصب: المفضل {نحشر} بالنون {أعداء} بالنصب: نافع ويعقوب. الآخرون: بالياء مجهولاً {أعداء} مرفوعاً. الوقوف: {حم} كوفي {الرحيم} ه ج لأن قوله {كتاب} يصلح أن يكون بدلاً من {تنزيل} وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب. ويجوز أن يكون {تنزيل} هو مع وصفه مبتدأ {وكتاب} خبره {يعلمون} ه ج لأن {وبشيراً} صفة أخرى لـ {قرآناً} {ونذيراً} ه ج لاختلاف الجملتين {لا يسمعون} ه {عاملون} ه {واستغفروه} ج {للمشركين} ه لا {كافرون} ه {ممنون} ه {وأنداداً} ط {العالمين} ه لا للآية مع العطف {أيام} ط لمن نصب {سواء} أو رفع ومن خفض لم يقف {للسائلين} ه {كرهاً} ط {طائعين} ه {أمرها} ج للعدول {بمصابيح} ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء {وحفظاً} ه {العليم} ه {وثمود} ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ {أنذرتكم} {إلا الله} ط {كافرون} ه {منا قوّة} ط {منهم قوّة} ط للفصل بين الإخبار والاستخبار {يجحدون} ه {الدنيا} ج {لا ينصرون} ه {يكسبون} ه {يتقون} ه {يوزعون} ه {يعملون} ه {علينا} ط {ترجعون} ه {تعملون} ه {الخاسرين} ه {مثوى لهم} ط {المعتبين} ه. التفسير: {حم} قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي {كتاب فصلت آياته} أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك. وقد مر في أوّل "هود". وانتصب {قرآناً} على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة {لقوم يعلمون} أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم. والأظهر عندي أنه كقوله {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به. قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته. والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً. والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين. وقوله {فصلت آياته} دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه {قرآناً عربياً} ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم. وكونه {بشيراً ونذيراً} يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي. فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له. ثم أكد بيان إعراضهم بقوله {وقالوا قلوبنا في أكنة} ولا يخفى أنه سبحانه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله {أية : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}تفسير : [الأنعام: 25] هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء. قال جار الله: فائدة "من" في قوله {ومن بيننا وبينك حجاب} دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك. ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية {فاعمل} أي على دينك أو في إبطال ديننا {إننا عاملون} على ديننا أو في إبطال أمرك. ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم بقوله {إنما أنا بشر مثلكم} وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده. ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم. قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد. ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة. ثم هددّ أهل الشرك بقوله {وويل للمشركين} وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله. وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء. وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك. ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر. والممنون المقطوع. وقيل: هو من المنة. قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله {أئنكم لتكفرون بالذي} سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه {خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً} عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك {وجعل فيها رواسي} ومعنى {من فوقها} أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها. {وبارك فيها} بوضع الخيرات الكثيرة فيها. قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه {وقدّر فيها أقواتها} عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها. وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها {في أربعة أيام} يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة. من قرأ {سواء} بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء. ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين. وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله {وجعل} على {خلق} لأن قوله {وتجعلون} معطوف على {لتكفرون} ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً. ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر. ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء. ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات. وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون {للسائلين} متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه. واحتمل أن يكون قوله {للسائلين} متعلقاً بقوله {وقدّر} أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء. وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قوله {ثم استوى إلى السماء} أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة". قوله {وهي دخان} ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات. وزعم المتكلمون أن الله سبحانه خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور. واعلم أن ظاهر قوله {ثم استوى} يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر. وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله تعالى {أية : إن يسرق فقد}تفسير : [يوسف: 77] أي إن يكن يسرق. وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين. ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار. وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله {أية : خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} تفسير : [آل عمران: 59] فإن إيجاد الموجود محال. فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا. قلت: لو لم يكن قوله تعالى {وجعل فيها رواسي من فوقها} إلى قوله {أربعة أيام} لكان هذا التأويل له وجه. وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله {أية : وقد خلقكم أطواراً}تفسير : [نوح: 15] أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : [النجم: 11] ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني. قوله {فقال لها وللأرض ائتيا} الآية. للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال {طائعين} على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء. ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع. ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض. وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك. ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً. ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها. وقوله {طوعاً أو كرهاً} إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين. والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم. وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف. وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره. قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما. قوله {فقضاهن} قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان. والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع. وانتصب {سبع سموات} على الحال. وإما مبهم مميز بما بعده. يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. {وأوحى في كل سماء أمرها} أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها. وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} أي بالنيرات المضيئة كالمصباح {وحفظناها} حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً. وجوّز جار الله أن يكون {حفظاً} مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة {وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم} فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر. ثم قال لنبيه عليه السلام {فإن أعرضوا} عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر {فقل أنذرتكم صاعقة} لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه. يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره. فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك. فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا. وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بسم الله الرحمن الرحيم} إلى قوله {مثل صاعقة عاد وثمود} فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً. فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ. فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ {صاعقة عاد وثمود} ناشدته بالرحم أن يكف. ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله سبحانه في قوله {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟ قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية. قوله {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم} قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل. وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا {ومن خلفهم} الآخرة. وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم. وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب. وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة {أن لا تعبدوا} ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر. والفاء في قوله {فإنا} للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم. وقولهم {ربنا} وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم. ثم فصل حال كل فريق قائلاً {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق} وهذا إخلال بالشفقة على الخلق {وقالوا من أشد منا قوّة} وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة} لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر. وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. وقوله {وكانوا بآياتنا يجحدون} معطوف على قوله {فاستكبروا} وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين. ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب. والتركيب يدور على الضم والجمع. عن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل. والأيام النحسات هي التي فسرها الله سبحانه في الحاقة {أية : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام}تفسير : [الآية: 7] والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر. واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها. وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد. والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة. والإضافة في قوله {عذاب الخزي} كهي في قولك: رجل صدق. وقوله {ولعذاب الآخرة أخزى} من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه. قوله {وأما ثمود} مرتفع على الابتداء. قوله {فهديناهم} خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده. وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير. واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده {فاستحبوا العمى} يعني عمى البصيرة وهي الضلالة {على الهدى} إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها. على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله {أية : هدى للمتقين}تفسير : [الآية: 2] وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة. ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله {ونجينا} الآية. وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال {ويوم يحشر} الآية. والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه {يوزعون} كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم. قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار. قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل". وما الإبهامية في قوله {حتى إذا ما جاؤها} تفيد التأكيد. وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم. وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه"تفسير : وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ. قوله {أنطق كل شيء} من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه. والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟ وقد مر تمام البحث في "يس". عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل {وما كنتم تستترون} الآية. وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم. وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة. ثم أخبر {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً {وإن يستعتبوا} يطلبوا من الله الرضا عنهم {فما هم من المعتبين} أي من المرضيين. والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا. قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه سبحانه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : رُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ليحْتَجَّ عَلَيْهِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ أَمْرُ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ} إلى قوله: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [فصلت:13] فَأُرْعِدَ الشَّيْخُ، وقَفَّ شَعْرُهُ، وأَمْسَكَ عَلَىٰ فَمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ أنْ يُمْسِكَ، وقَالَ حِينَ فَارَقَهُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئاً مَا هُوَ بالشِّعْرِ، وَلاَ هُوَ بِالكَهَانَةِ، وَلاَ هُوَ بِالسِّحْرِ، ولَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ صَاعِقَةَ الْعَذَابِ عَلَىٰ رَأْسِي» و{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}: صِفَتَا رَجَاءٍ ورحمةٍ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، و{فُصِّلَتْ} معناهُ بُيِّنَتْ و{ءَايَـٰتُهُ} أي: فُسِّرَتْ معانيه، فَفُصِّلَ بين حلاله وحرامه، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقيل: فُصِّلَتْ في التنزيلِ، أي: نزل نجوماً، ولم ينزلْ مرةً واحدةً، وقيل: فُصِّلَتْ بالمواقف وأنواعٍ أَوَاخِرِ الآيِ، ولم يكن يرجعُ إلى قافية ونَحْوِها؛ كالسَّجْعِ والشِّعْرِ. وقوله تعالى: {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قالت فرقة: يعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل، فكأنَّ القرآن فُصِّلَتْ آياته لهؤلاء؛ إذ هم أهل الانتفاع بها، فَخُصُّوا بالذكر؛ تشريفاً، وقالت فرقة: {يَعْلَمُونَ}: متعلِّقٌ في المعنى بقوله: {عَرَبِيّاً} أي: لقوم يعلمون ألفاظه، ويتحقَّقون أنَّها لم يخرجْ شيْءٌ منها عن كلام العرب، وَكأَنَّ الآيَةَ عَلَىٰ هذا التأْويلِ رَادَّةٌ علَىٰ مَنْ زَعَمَ أنَّ في كتابِ اللَّهِ ما لَيْسَ في كلامِ العَرَبِ، والتأويلُ الأوَّلُ أَبْيَنُ وأَشْرَفُ مَعْنًى وبَيِّنٌ أنَّه ليس في القرآن إلاَّ ما هو مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ، إمَّا مِنْ أصْلِ لغتِها، وإمَّا مِمَّا عرَّبته من لغة غيرها، ثم ذُكِرَ في القرآن وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ. وقوله تعالى: {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} نفي لسماعهم النافِعِ الذي يُعْتَدُّ به، ثم حكَىٰ عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كُلَّ المباعدة، وأرادوا أن يُؤْيِسُوهُ من قبولهم ما جاء به، وهي: {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} وأكِنَّةً: جمع كِنَانٍ، والوَقْر: الثِّقْلُ في الأذن الذي يمنع السمع. وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ...} الآية: قال الحسن: المراد بالزكاة: زكاة المال، وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ التَّوْحِيدُ؛ كما قال موسَىٰ لفرعَوْنَ: {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [النازعات:18] ويُرَجِّحُ هذا التأويل أَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، وزكاة المال إنما نزلَتْ بالمدينة؛ وإنَّما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من المعاصي؛ وقاله مجاهد والربيع، وقال الضَّحَّاكُ ومقاتلُ: معنى الزكاة هنا: النفقة في الطاعة، و{غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال ابن عباس: معناه: غَيْر منقوصٍ، وقالت فرقة: معناه: غَيْر مَقْطُوعٍ؛ يقال: مَنَنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، وقال مجاهد: معناه: غير محسوب، قال * ع *: ويظهر في الآية أَنَّهُ وصفه بعدم المَنِّ والأَذَىٰ من حيثُ هو من جهة اللَّه تعالى، فهو شرِيفٌ لا مَنَّ فيه، وأُعْطِيَاتُ البشر هي التي يدخلها المَنُّ، والأنداد: الأشباهُ والأَمثَالُ، وهي إشارةٌ إلَىٰ كُلِّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّه. وقوله تعالى: {وَبَـٰرَكَ فِيهَا} أي: جعلها منبتَّةً للطَّيِّبات والأطعمة، وجعلها طهوراً إلى غير ذلك من وجوه البركة، وفي قراءةِ ابن مسعود: «وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» واخْتُلِفَ في معنى قوله: {أَقْوَٰتَهَا} فقال السُّدِّيُّ: هي أقواتُ البَشَرِ وأرزاقُهُمْ، وأضافها إلى الأرض، من حيثُ هي فيها وَعَنْهَا، وقال قتادة: هي أقواتُ الأرض: من الجبال، والأنهار، والأشجار، والصُّخُور، والمعادن، والأشياءِ التي بها قِوَامُ الأَرْضِ ومَصَالِحُها، وروى ابنُ عباس في هذا حديثاً مرفوعاً، فشبَّهها بالقُوتِ الذي به قِوَامُ الحيوان، وقال مجاهَدٌ أراد أقواتَهَا من المَطَرِ والمياه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: أراد بقوله: {أَقْوٰتَهَا}: خصائصها التي قَسَّمها في البلاد من المَلْبُوسِ والمطعومِ، فجعل في بَلَدٍ وفي قُطْرٍ ما ليس في الآخِرِ، لِيَحْتَاجَ بعضُهم إلَىٰ بعضٍ، ويُتَقوَّت مِنْ هذه في هذه، وهذا قريبٌ من الأَوَّلِ. وقوله تعالى: {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يريد: باليومين الأولين، وقرأ الجمهور: «سَوَاءً» بالنصب على الحال، أي: سَوَاءً هي وما ٱنقضَىٰ فيها، وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاعِ: «سَوَاءٌ» ـــ بالرفع ـــ، أي: هِيَ سَوَاءٌ، وقرأ الحسن: «سَوَاءٍ» بالخفض على نعت الأيَّامِ، واخْتُلِفَ في معنى: «للسائلين»: فقال قتادة معناه: سواءٌ لِمَنْ سَأَلَ وٱسْتَفْهَمَ عن الأمْرِ وحقيقةِ وُقُوعِهِ، وأراد العِبْرَةَ فيه، فإنَّه يجده، كما قال تعالى، وقال ابن زيد وجماعة: معناه: مستوٍ مُهَيَّأٌ أمر هذه المخلوقات ونَفْعُهَا للمحتاجِينَ إلَيْهَا من البشر، فعَبَّر عنهم بـ{لِّلسَّائِلينَ} بمعنى «الطالبين»؛ لأَّنَّهُ من شَأْنهم، ولاَ بُدَّ طَلَبَ ما ينتفعون به، فهم في حُكْمِ مَنْ سَأَلَ هذه الأشياء، إذ هُمْ أهل حاجة إليها، ولفظة «سواء» تجري مَجْرَى عَدْل وزَوْر، في أنْ تَرِدَ على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. وقوله سبحانه: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاءِ} معناه: بقدرته واختراعه إلى خلق السماء وإيجادها. وقوله تعالى: {وَهِىَ دُخَانٌ} رُوِيَ: أنَّها كانت جسماً رخْواً؛ كالدُّخَانِ أوِ البُخَارِ، ورُوِيَ: أَنَّه ممَّا أَمَرَهُ اللَّه تَعالَىٰ أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماء، وهنا محذوفٌ، تقديرهُ: فأوجَدَهَا، وأتقنها، وأكمل أمْرهَا، وحينئذٍ قال لها وللأرْضِ أئتيا بمعنى ائتيا أمري وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس: «آتِيَا» بمعنى: أعطيا مِنْ أنْفُسِكُمَا من الطاعة ما أردتُهُ منكما، والإشارةُ بهذا كلِّه إلَىٰ تسخيرهما وما قَدَّرَهُ اللَّه من أعمالهما. وقوله: {أَوْ كَرْهاً} فيه محذوف تقديره ٱئْتِيَا طَوْعاً وإلاَّ أتيتما كرهاً. وقوله سبحانه: {قَالَتَا} أراد الفرقتَيْنِ جعل السمواتِ سماءً والأرضِينَ أرْضاً، وٱخْتُلِفَ في هذه المقالةِ مِنَ السَّمٰوَاتِ والأرضِ، هَلْ هُوَ نُطْقٌ حقيقةٌ أو هو مجازٌ؟ لما ظهر عليها من التذلُّل والخضوعِ والانقيادِ الذي يتنزل منزلة النُّطْقِ، قال * ع *: والقول الأَوَّل: أَنَّه نُطْقٌ حقيقة ـــ أَحْسَنُ؛ لأَنه لا شَيْءَ يدفعه ـــ، وأَنَّ العبرة به أَتَمُّ والقدرةَ فيه أظهرُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: حم تنزيل من الرحمن الرحيم يجوز أن يكون "تنزيل" خبر "حم" على القول بانها اسم السورة،. ويجوز أن يكون تنزيل خبر ابتداء مضمر، أي هذا تنزيل. وقال الأخفش: تنزيل رفعت بالابتداء و "كتاب" خبره. قوله: "كتاب" قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً لِتَنْزِيلُ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون بدلاً من تنزيل، وأن يكون فاعلاً بالمصدر، وهو تنزيل أي نزل الكتاب، قاله أبو البقاء. و {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} صفة "لِكتَابٍ". قوله: "قرآناً" في نصبة ستةُ أوجه: أحدها: هو حال بنفسه. و "عَرَبِيًّا" صفته، أو حال مُوطِّئَة، والحال في الحقيقة "عربياً" وهي حال غير متنقلة وصاحب الحال إما كتاب لوصفه بفصلت، وما "آياته"، أو منصوب على المصدر، أي يقرأه قرآناً أو على الاختصاص والمدح، أو مفعول ثانٍ "لفصلت"، أو منصوب بتقدير فعل، أي فصَّلْنَاهُ قُرْآناً. قوله: "لِقَومٍ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق "بفصلت" أي فصلتُ لهؤلاءِ وبينتُ لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس. الثاني: أن يتعلق بمحذوف صفة "لقرآناً", أي كائناً لهؤلاء خاصةً؛ لما تقدم من المعنى. الثالث: أن يتعلق بتنزيل. وهذا إذا لم تجعل "مِنَ الرَّحْمنِ" صفة له؛ لأنك إن جعلت "من الرحمن" صفة له، فقد أعملت المصدر الموصوف وإذا لم يكن "كتاب" خبراً عنه، ولا بدلاً منه؛ لئلا يلزم الإخبار عن الموصول أو المبدل منه قبل تمام صلته، ومن يتسع في الظرف وعديله لم يبال بشيءٍ. وأما إذا جعلت "من الرحمن" متعلقاً به و"كتاب" فاعلاً به فلا يَضُرُّ ذلك؛ لأنه من تتماته وليس بأجنبي. فصل اعلم أنه تعالى حكم على هذه السورة بأشياء: أولها: كونها تنزيلاً، والمراد المنزل، والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، كقوله: هذا بناء الأمير أي مبنيّه، وهذا الدِّرهم ضربُ السُّلطان (أي مضروبه) ومعنى كونه منزلاً: أن الله كتبها في اللوح المحفوظ، وأمر جبريل، عليه (الصلاة) والسلام ـ أن يحفظ الكلمات ثم ينزل بها على النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويُؤَدِّيها إليه، فلما حصل تفهيمُ هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل ـ عليه (الصلاة) والسلام ـ سمي بذلك تنزيلاً. وثانيها: كون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك التنزيل نعمةٌ عظيمة من الله تعالى، لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحمن رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة، فالتنزيلُ المضاف إلى هاتين الصفتين لا بدَّ وأن يكون دالاً على أعظم وجوه الرحمة والنعمة والأمر كذلك؛ لأن الخَلْقَ في هذا العالم كالمرضى والمُحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم. وثالثها: كونه كتاباً، وتقدم أن هذا الاسم مشتق من الكَتْبِ وهو الجمع، فسمي كتاباً لأنه جمع فيه عِلْمَ الأولين والآخرين. ورابعها: قوله فصلت آياته، أي ميزت وجعلت تفاصيل في معانٍ مختلفةٍ فبعضها وصف ذات الله، وصفاتِ التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وعجائب أصول خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار، وعجائب أحوال النبات والحيوان وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قَصَص الأنبياء وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. وخامسها: قوله: قرآناً وقد سبق توجيه هذا الاسم. وسادسها: قوله عربياً أي إنما نزل بلغة العرب، ويؤكده قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}تفسير : [إبراهيم:4]. وسابعها: قوله "لقوم يعلمون" أي جعلناه قرآناً لأَجْلِ أنا أنزلناه على قوم عربٍ بلغتهم ليفهموا منه المراد. وثامنها وتاسعها: قوله "بشيراً ونذيرا" يجوز أن يكونا نعتين لقرآناً، وأن يكونا حالين؛ إما من كتاب وإما من آياته، وإما من الضمير المنوي في قرآناً. وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت لكتاب، أو على خبر ابتداء مضمر، أي هو بشير ونذير، ومعناه بشيراً للمطيعين بالثواب ونذيراً للمجرمين بالعقاب. قال ابن الخطيب: والحق أن القرآن بشارة ونِذَارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة كما يقال: شعر شاعر وكلام قائل. عاشرها: كونهم معرضين عنه لا يسمعونه ولا يتلفتون إليه، فهذه الصفات العشرة التي وصف الله تعالى القرآن بها. فصل احتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه وصف القرآن بكونه مُنَزَّلاً وتَنْزِيلاً، والمنزَّلُ والتنزيلُ مشعر بالتغيير من حال إلى حال فوجب أن يكونَ مخلوقاً. الثاني: أن التنزيل مصدر، والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين. الثالث: أن المراد بالكتابة إما الكتابة، وهي المصدر الذي هو المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول. الرابع: أن قوله: "فصلت آياته" (بدل) على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم. الخامس: أنه إنما سمي قرآناً، لأنه قُرِنَ بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل. السادس: وصفه بكونه "عربياً"، وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب، واصطلاحاتهم، وما حصل بِجَعْلِ جاعل وفِعْلِ فاعل فلا بد وأن يكون مُحْدَثاً ومَخْلُوقاً. والجواب: أن كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة. فصل ذهب قومٌ إلى أن القرآن من سائر اللغات كالإستبرق والسِّجيل فإنهما فارسيان والمِشْكَاة فإنها حبشية، والقِسْطَاسِ، فإنه من لغة الروم، وهذا فاسد لقوله تعالى: "قرآناً عَرَبياً"، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}تفسير : [إبراهيم:4]. فصل قالت المعتزلة: الإيمان والكفارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ألفاظ شرعية لا لغوية بمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مُسمَّياتها اللُّغويَّة الأصلية إلى مسميات أخرى. وهذا باطل، وليس للشرع تصرفٌ في هذه الألفاظ إلا من وجهٍ واحد، وهو أنه خَصَّص هذه الأسماء بنوعٍ معيَّنٍ من أنواع مسمَّيَاتها، كما أن الإيمان عبارةٌ عن التصديق والصلاة عبارة عن الدعاء، فخصَّصه الشرع بنوع معين من الدّعاء، وكذا القول في البواقي. فصل تمسك القائلون بأن أفعال الله تعالى معلَّلةٌ بالمصالح والحكمة بهذه الآية فقالوا: إنها تدل على أنه إنما جعله قرآناً عربياً لأجل أن يعلموا المراد منه، فدل على أنَّ تعليل أفعالِ الله وأحكامه جائز. فصل قال قوم: القرآن كله معلوم لقوله تعالى: قرآناً عربياً لقوم يعلمون يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقول بأنه غير معلوم يقدح فيه. قوله: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} لا يصغُّون تكبراً. وهذه الآية تدل على أنه لا مُهْتَدِي إلا من هَدَاه الله، ولا مُضِلَّ إلا من أضله الله. ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهم صرحوا بهذه النفرة، وذكروا ثلاثة أشياء: أحدها: قوله: "فِي أَكِنَّةٍ"، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: وفي آذَانِنَا وقر ليكون الكلام على نمطٍ واحد؟ قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة، وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: (إنَّا) جعلنا على قُلُوبِهِم، ولو قيل: جعلنا قلوبهم في أكنةٍ لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منه لا يرون الطباق (والملاحظة) إلا في المعاني. قال أبو حيان: و "في" هنا أبلغ من على، لأنهم قصدوا الإفراط في عدم القبول بحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف، فلا يمكن أن يصل إليها شيء كما تقول: المالُ في الكيسِ بخلاف قولك: المالُ على الكيس، فإنه لا يدل على الحَصر، وعدم الوصول دلالة الوعاء، وأما "وجعلنا" فهو من إخبار الله تعالى فلا يحتاج إلى مبالغة. وتقدم تفسير الأكنة والوقر. وقرأ طلحة بن مصرف وِقْر ـ بكسر الواو ـ وتقدَّم الفرق بينهما. قوله: "مِمَّا تَدْعُونَا" من في "مِمَّا" وفي "ومِنْ بَيْننا" لابتداء الغاية والمعنى أن الحِجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسطة جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، فلو لم تأتٍ "مِنْ" لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين. والمقصود المبالغة بالتبايُن المُفرِط، فلذلك جيء بِمِنْ قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: هو محصول على المعنى؛ لأن المعنى في أكنة محجوبةٍ عن سماع ما تدعُونا إليه. ولا يجوز أن يكون نعتاً لأَكنَّةٍ؛ لأن الأكنة الأغشية، وليس الأغشية مما تدعونا إليه. فصل وقالوا: يعنى المشركين قلوبنا في أكنة أغطية، والأكنة جمع كنان، كأغطية جمع غطاء، والكِنان هو الذي جعل فيه السهام، والمعنى لا نفقهُ ما تقول، وفي آذاننا وقر أي صممٌ فلا نسمعُ ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ومن بيننا وبينك حجاب، خِلاف في الدين، فلا نوافقك على ما تقول فاعمل أنت على دينك إنّا عاملون على ديننا.
البقاعي
تفسير : {حـمۤ *} أي حكمة محمد التي أعجزت الخلائق. ولما ختمت غافر بأن الكفرة جادلوا في آيات الله بالباطل، وفرحوا بما عندهم من علم ظاهر الحياة الدنيا، وأنهم عند البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا منه ورجعوا إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم، فعلم أن كل علم لم ينفع عند الشدة والبأس فليس بعلم، بل الجهل خير منه، وكان ذلك شاقاً على النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من أن يكون آخر أمر أمته الهلاك، مع الإصرار على الكفر إلى مجيء البأس، وأن يكون أغلب أحواله صلى الله عليه وسلم النذارة، افتتح سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن كان له علم وله قوة توجب له القيام فيما ينفعه، وكرر الوصف بالرحمة في صفة العموم وصفة الخصوص إشارة إلى أن أكثر الأمة مرحوم، وأعلم أن الكتاب فصل تفصيلاً وبين تبييناً لا يضره جدال مجادل، وكيد مماحك مماحل، وأنه مغن بعجز الخلق عنه عن اقتراح الآيات فقال مخبراً عن مبتدأ: {تنزيل} أي بحسب التدريج عظيم {من الرحمن} أي الذي له الرحمة العامة للكافر والمؤمن بإنزال الكتب وإرسال الرسل {الرحيم *} أي الذي يخص رحمته بالمؤمنين بإلزامهم ما يرضيه عنهم. ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق بالتدريج، بين أنه مع ذلك حاوٍ لكل خير فقال مبدلاً من تنزيل: {كتاب} أي جامع قاطع غالب. ولما كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال: {فصلت} أي تفصيل الجوهر {آياته} أي بينت بياناً شافياً في اللفظ والمعنى مع كونها مفصلة إلى أنواع من المعاني، وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى أعلى النهايات، حال كونه {قرآناً} أي جامعاً مع التفصيل، وهو مع الجمع محفوظ بما تؤديه مادة "قرا" من معنى الإمساك، وهو مع جمع اللفظ وضبطه وحفظه وربطه منشور اللواء منتشر المعاني لا إلى حد، ولا نهاية وعد، بل كلما دقق النظر جل المفهوم، ولذلك قال تعالى: {عربياً} لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة، وأعمقها عمقاً وأغمرها باحة، وأرفعها بناء وأفصحها لفظاً، وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعاً، قال الحرالي: هو قرأن لجمعه، فرقان لتفصيله، ذكر لتنبيهه على ما في الفطر والجبلات، وجوده حكيم لإنبائه الاقتضاءات الحكمية، مجيد لإقامته قسطاس العدل، عربي لبيانه عن كل شيء، كما قال تعالى في سوره أحسن القصص، وتفصيل كل شيء مبين لمحوه الكفر بما أبان من إحاطة أمر الله، محفوظ لإحاطته حيث لم يختص فيقبل العدول عن سنن. ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك، وأدمن اللزوم ذلاً للأعتاب، والقرع خضوعاً وحباً للأبواب، قال معلقاً بـ "فصلت" أو "تنزيل" أو "الرحمن الرحيم": {لقوم} أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه {يعلمون *} أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم بما فيهم من سلامة الطبع وسلاسة الانقياد لبراهين العقل والسمع وحدة الأذهان وفصاحة اللسان وصحة الأفكار وبعد الأغوار، وفي هذا تبكيت لهم في كونهم لا ينظرون محاسنه فيهتدوا بها كما يعتنون بالنظر في القصائد حتى يقضوا لبعضها على بعض حتى أنهم ليعلقون بعضها على الكعبة المشرفة تشريفاً له، وفيه حث لهم - وهم أولو العزائم الكبار - على العلم بع ليغتنوا عن سؤال اليهود، وفيه بشرى بأنه تعالى يهب العرب بعد هذا الجهل علماً كثيراً، وعن هذا الكفر إيماناً عظيماً كبيراً، وفي الآية إشارة إلى ذم المقترحين المشار إليهم آخر التي قبلها بأنهم قد أتاهم ما أغناهم عنه من آيات هذا الكتاب الذي عجزوا عن مباراته، ومناظرته ومجاراته وذلك في غاية الغرابة، لأنه كلام من جنس كلامهم في كونه عربياً، وقد خالف كلامهم في تخطية من ذرى البلاغة إلى فنن تضاءلت عنها أشعارهم, وتقاصرت دونها خطبهم وأسجاعهم، مع كونه ليس شعراً ولا سجعاً أصلاً ولا هو من أنواع نثرهم، ولا من ضروب خطبهم، فعجزوا عن الإتيان بشيء من مثله في مر الأحقاب وكر الدهور والأعصار، وكفى بذلك معجزة شديدة الغرابة لمن ينيب. وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تضمنت سورة غافر بيان حال المعاندين وجاحدي الآيات، وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وجدلهم، وكان بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها، ألا ترى قوله تعالى {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}تفسير : [غافر: 4] وتأنيس نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله {أية : فلا يغررك تقلبهم في البلاد}تفسير : [غافر: 4] فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} فعصمتهم واقية {أية : إنا لننصر رسلنا}تفسير : [غافر: 51] وقال تعالى: {أية : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب}تفسير : [غافر: 5] أي رأيت ما حل بهم وقد بلغك خبرهم، فهلا اعتبر هؤلاء بهم {أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وأثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق}تفسير : [غافر: 21] وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله} ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون وهامان وقارون، وبسط القصة تنبيهاً على سوء عاقبة من عاند وجادل بالباطل وكذب الآيات، ثم قال تعالى بعد آيات {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} إذ الحول والقوة ليست لهم {أية : فاستعذ بالله}تفسير : [الأعراف: 200] من شرهم، فخلق غيرهم لو استبصروا أعظم من خلقهم {أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}تفسير : [غافر: 57] وهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين {أية : إنْ نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء}تفسير : [سبأ: 9] ثم قال تعالى بعد هذا {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنّى يصرفون} إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها، ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم {أية : ضلوا عنا بل لمن نكن ندعو من قبل شيئاً}تفسير : [غافر: 74] ثم صبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : فاصبر إن وعد الله حق}تفسير : [الروم: 60] ثم أعاد تنبيههم فقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض} إلى ختم السورة، ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آي هذه السورة في سورة الزمر شيء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات، فلما بنيت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التي تحديت بها العرب، وقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق، وكان قيل لهم: احذروا ما قدم لكم، فقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بأوضح آية وأعظم برهان {تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً} وتضمنت هذه السورة العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره وكبير الرحمة به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة، فلا يمكن العربي الفصيح في شاهد برهان أدنى توقف، ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف، وأنه لكتاب عزيز {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي} فوبخهم سبحانه وتعالى وأدحض حجتهم وأرغم باطلهم وبكَّت دعاويهم ثم قال {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في اذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} {إنما يستجيب الذين يسمعون} وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر} وقولهم {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته، وتسجيلهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به} - الآية، وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم، وهم الذين قدم ذكرهم مجملاً في سورة غافر في آيتي {أو لم يسيروا في الأرض} {أفلم يسيروا} فقال تعالى مفصلاً لبعض ذلك الإجمال {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} ثم قال {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة} ثم قال تعالى {فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} الآية، ثم قال {وأما ثمود} فبين تعالى حالهم وأخذهم، فاعتضد التحام السورتين، واتصال المقصدين - والله أعلم - انتهى. ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء البطر، فكان لا يصلحه إلا الاعتدال، بالتوسط الموصل إلى الكمال، بما يكون لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه، قال واصفاً لـ "قرآناً" {بشيراً} أي لمن اتبع {ونذيراً} أي لمن امتنع فانقطع. روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجه أنه قال في خطبة له: وأعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن سنح له الرجاء ادلهمه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر وكل إفراط به مفسد. ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي، سبب عن هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال: {فأعرض أكثرهم} أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره {فهم} لذلك {لا يسمعون *} أي يفعلون فعل من لا يسمع فهم لا يقبلون شيئاً مما دعا إليه وحث عليه. ولما أخبر عن إعراضهم، أخبر عن مباعدتهم فيه فقال: {وقالوا} أي عند إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم: {قلوبنا في أكنَّة} أي أغشية محيطة بها، ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة الاستعلاء فقال {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} وعبروا هنا بالظرف إبعاداً لأن يسمعوا {مما} أي مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي {تدعونا} أيها المخبر بأنه نبي {إليه} فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه أصلاً. ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا: {وفي آذاننا} التي هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب {وقر} أي ثقل قد أصمها عن سماعه {ومن بيننا وبينك} أي مبتدئ من الحد الذي فصلك منا والحد الذي فصلنا منك في منتصف المسافة قي ذلك {حجاب} ساتر كثيف، فنحن لا نراك لنفهم عنك بالإشارة، فانسدت طرق الفهم لما نقول {فاعمل} أي بما تدين به. ولما كان تكرار الوعظ موضعاً للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك الرجاء بالتأكيد بأداته، وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية فقالوا: {إننا عاملون *} أي بما ندين به فلا مواصلة بيينا بوجه ليستحي أحد منا من الآخر في عمله أو يرجع إليه، ولو قال {وبيننا} من غير {من} لأفهم أن البينين بأسرهما حجاب، فكان كل من الفريقين ملاصقاً لبينه، وهو نصف الفراغ الحاصل بينه وبين خصمه، فيكون حينئذ كل فريق محبوساً بحجابة لا يقدر على عمل فينا في ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله بالإعلام بطرق من أراد من المتباينين الحجاب، فأفادت "من" التبعيض مع إفادة الابتداء، فإنهم لا يثبتون الحجاب في غير أمور الدين. ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم فهمهم بما يدعو إليه، أمره سبحانه بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادي عليهم بالعجز: {إنما أنا بشر مثلكم} لا غير بشر مما لا يرى، والبشر يرى بعضه بعضاً ويسمعه ويبصره فقولكم أنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا إدراك شيء مما أقول مما لا وجه له أصلاً. ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة بينهم قد تضمن شيئين: أحدهما فيه، والآخر فيما يدعو إليه، ونقض الأول، قال في الثاني: {يوحى إليّ} أي بطريق يخفى عليكم {إنما إلهكم} أي الذي يستحق العبادة {إله واحد} لا غير واحد، وهذا مما دلت عليه الفطر الأولى السوية, وقامت عليه الأدلة العقلية, وأيدتها في كل عصر الطرق النقلية، وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورات النفسانية، أي لست مغايراً للبشر ممن يخفى عليكم شخصه كالملك، ولا يعجم عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات، ومع كوني بشراً فلست بمغاير لكم في الصنف بكوني أعجمياً، بل أنا مثلكم سواء في كوني عربياً، ومع ذلك كله فأصل ما أوحي إلي ليس معبراً عنه بجمل طوال تمل أو تنسى، أو يشكل فهمها، وإنما هو حرف واحد وهو التوحيد، فلا عذر لكم أصلاً في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية قائله. ولما قطع حجتهم وأزال علتهم، سبب عن ذلك قوله: {فاستقيموا} أي اطلبوا واقصدوا وأوجدوا القوام متوجهين وإن كان في غاية البعد عنكم {إليه} غير معرجين أصلاً على نوع شرك بشفيع ولا غيره. ولما كان أعظم المراد من الوحي العلم والعمل، وكان رأس العلم التوحيد فعرفه وأمر بالاستقامة فيه، أتبعه رأس العمل وهو ما أنبأ عن الاعتراف بالعجز مع الاجتهاد فقال: {واستغفروه} أي اطلبوا منه غفران ذنوبكم، وهو محوها عيناً وأثراً حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها، والإقلاع عنها حالاً ومآلاً. ولما أمر بالخير، رغب فيه ووهب من ضده، فكان التقدير للترغيب: فالفلاح والفوز لمن فعل ذلك، فعطف عليه ما السياق له فقال: {وويل} أي وسواة وهلاك {للمشركين *}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت {حـمۤ} السجدة بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "حديث : اجتمع قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر، والكهانة، والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة قالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله. أنت خير أم عبد المطلب. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع لك، أما والله ما رأينا سلحة قط اشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب. حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف. يا أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان نما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوّجك عشراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فرغت" قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم {حـمۤ، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون} حتى بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود} فقال عتبة: حسبك..! ما عندك غير هذا؟ قال: لا. فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: فهل أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه قال {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} قالوا: ويلك..! يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال: لا. والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة ". تفسير : وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: "حديث : حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان أشد قريش حلماً. قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد؛ يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه، فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منها بعضه، ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة، وفيما عرض عليه من المال، والملك، وغير ذلك. حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفرغت يا أبا الوليد"؟ قال: نعم. قال: "فاستمع مني قال افعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم {حـمۤ، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون} فلما سمعها عتبة انصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة، فسجد فيها ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعت قال: أنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله إني قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. والله ليكونن لقوله الذي سمعت نبا ". تفسير : وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة {حـمۤ، تنزيل من الرحمن الرحيم} أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني في هذا اليوم، واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت مثله قط، وما دريت ما أرد عليه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس، فجاء سعد بن معاذ فتوعده فقال له: أسعد بن زرارة اسمع من قوله؟ فإن سمعت منكراً فأردده يا هذا، وإن سمعت حقاً فأجب إليه. فقال: ماذا تقول؟ فقرأ مصعب {حـمۤ، والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لقوم يعقلون} قال: سعد بن معاذ رضي الله عنه: ما أسمع الا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله. وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حديث : قال أبو جهل والملأ من قريش: قد انتشر علينا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر، والكهانة، والشعر. فقال عتبة: علمت من ذلك علماً، وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فلما أتاه قال له: يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب. فلم يجبه قال: فيم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشرة نسوة تختار من أي بنات قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم - فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم، {حـمۤ، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً} فقرأ حتى بلغ {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، لم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا بنا إليه. فأتوه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً وقال: لقد علمتم أني أكثر قريش مالاً ولكني أتيته. فقص عليهم القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، {حـمۤ تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً} حتى بلغ {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود} فأمسكت بغيه وناشدته الرحم فكيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما، حديث : أن قريشاً اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، فقال لهم عتبة بن ربيعة: دعوني حتى أقوم إلى محمد أكلمه، فإني عسى أن أكون ارفق به منكم. فقام عتبة حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي إنك أوسطنا بيتاً، وأفضلنا مكاناً، وقد أدخلت في قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أن نجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً فنحن مشرفوك حتى لا يكون أحد من قومك فوقك ولا نقطع الأمور دونك، وإن كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر على النزوع عنه بذلنا لك خزائننا في طلب الطب لذلك منه، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفرغت يا أبا الوليد"؟ قال: نعم. فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {حـمۤ} السجدة حتى مر بالسجدة فسجد وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها، وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به. حتى أتى نادي قوله، فلما رأوه مقبلاً قالوا: لقد رجع إليكم بوجه ما قام به من عندكم، فجلس إليهم فقال: يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به. حتى إذا فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول له! يا معشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني فيما بعده. اتركوا الرجل واعتزلوه، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه، وخلوا بينه وبين سائر العرب، فإن يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم، وعزه عزكم، وملكه ملككم، وان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم. قالوا: أصبأت إليه يا أبا الوليد؟ ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قال: "حديث : جئت أزور عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ثم سرى عنه فقال: يا عائشة ناوليني ردائي، فناولته، ثم أتى المسجد فإذا مذكر يذكر، فجلس حتى إذا قضى المذكر تذكره إفتتح {حـمۤ، تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1 - 2] فسجد حتى طالت سجدته، ثم تسامع به من كان على ميلين، وتلا عليه السجدة فأرسلت عائشة رضي الله عنها في خاصتها أن احضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد رأيت ما لم أره منذ كنت معه، فرفع رأسه فقال: سجدت هذه السجدة شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي فقال له أبو بكر رضي الله عنه: وماذا ابلاك في أمتك؟ قال: أعطاني سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن أمتك كثير طيب فازدد قال: قد فعلت فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفاً، سبعين ألفاً فقال: يا رسول الله ازدد لأمتك فقال بيده، ثم قال بها على صدره فقال عمر رضي الله عنه: وعيت يا رسول الله ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الخليل بن مرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك، وحم السجدة.
ابو السعود
تفسير : {حـم} إنْ جُعلَ إسماً للسورةِ فهو إما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وهو الأظهرُ لما مرَّ مِنْ سرِّه مِراراً أو مبتدأٌ خبرُهُ {تَنزِيلَ} وهو عَلى الأولِ خبرٌ بعدَ خبرٍ، وخبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ إن جُعلَ مسروداً على نمطِ التعديدِ وقولُه تعالى: {مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} متعلقٌ به مؤكدٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ، أو خبرٌ آخرُ. أو تنزيلٌ مبتدأٌ لتخصصِه بالصفةِ خبرُهُ {كِتَابٌ} وهو على الوجوهِ الأُوَل بدلٌ منه أو خبرٌ آخرُ أو خبرٌ لمحذوفٍ. ونسبةُ التنزيلِ إلى الرحمٰنِ الرحيمِ للإيذانِ بأنه مدارٌ للمصالحِ الدينيةِ والدنيويةِ، واقعٌ بمقتضى الرحمةِ الربانيةِ حسبما ينبىءُ عنه قولُه تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [سورة الأنبياء: الآية 107]. {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ} ميزتْ بحسبِ النظمِ والمَعنْى وجُعلتْ تفاصيلَ في أساليبَ مختلفةٍ ومعانٍ متغايرةٍ من أحكامٍ وقصصٍ ومواعظَ وأمثالٍ ووعدٍ ووعيد. وقُرِىءَ فُصِلَتْ، أي فَرَقتْ بـينَ الحقِّ والباطلِ، أو فُصلَ بعضُها من بعضٍ باختلافِ الأساليبِ والمعانِي من قولكَ فُصلَ من البلدِ فُصُولاً {قُرْءاناً عَرَبِيّاً} نصبٌ على المدحِ أو الحاليةِ من كتابٌ لتخصصه بالصفة أو من آياته {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي معانيَهُ لكونِه على لسانِهم، وقيلَ لأهل العلم والنظر، لأنهم المنتفعونَ به. واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ أُخْرى لقرآناً، أي كائناً لقومٍ الخ، أو بتنزيلٌ على أنَّ منَ الرحمٰنِ الرحيمِ ليستْ بصفة له أو بفصِّلَتْ {بَشِيراً وَنَذِيراً} صفتانِ أُخريانِ لقرآناً أي بشيراً لأهل الطاعة ونذيراً لأهل المعصية، أو حالانِ منْ كتابٌ، أو من آياتِه. وقُرِئَا بالرفع على الوصفية لكتابٌ أو الخبريةِ لمحذوف {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} عنْ تدبره مع كونه على لغتهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} سماعَ تفكرٍ وتأملٍ حتى يفهمُوا جلالَة قدرِه فيؤمنُوا به {وَقَالُواْ} أي لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عندَ دعوتِه إيَّاهم إلى الإيمان والعملِ بما في القرآن {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ} أي أغطيةٍ متكاثفةٍ {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ} أي صممٌ، وأصلُه الثقلُ. وقُرِىءَ بالكسرِ، وقُرِىءَ بفتحِ القافِ {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} غليظٌ يمنعنَا عن التواصلِ، ومنْ للدلالةِ على أن الحجابَ مبتدأٌ من الجانبـينِ بحيثُ استوعبَ ما بـينهما من المسافةِ المتوسطةِ ولم يبقَ ثمةَ فراغٌ أصلاً وهذه تمثيلاتٌ لنُبوِّ قلوبِهم عنْ إدراك الحقِّ وقبولِه ومجِّ أسماعِهم له كأنَّ بها صمماً وامتناع مواصلتِهم وموافقتِهم للرسولِ عليه الصلاةُ والسلامُ. {فَٱعْمَلْ} أي على دينكَ وقيلَ في إبطال أمرنا {إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ} أي على دينِنا، وقيل في إبطال أمرِك والأولُ هو الأظهرُ فإن قولَه تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تلقينٌ للجوابِ عنه أي لستُ منْ جنس مغايرٍ لكم حتى يكونَ بـيني وبـينكم حجابٌ وتباينٌ مصححٌ لتباين الأعمالِ والأديان، كما ينبىءُ عنه قولُكم. {أية : فاعملْ إننَا عاملونَ} تفسير : [سورة فصلت: الآية 5] بلْ إنما أنا بشرٌ مثلُكم مأمورٌ بما أُمرتم به حيثُ أُخبرْنا جميعاً بالتوحيدِ بخطابِ جامعٍ بـيني وبـينكم فإن الخطابَ في إلهُكم محكيٌ منتظمٌ لكلِّ لا أنه خطابٌ منه عليه الصلاةُ والسلامُ للكفرةِ كما في مثلُكم، وقيلَ المعنى لستُ مَلَكاً ولا جِنياً لا يمكنكم التلقّي منه ولا أدعوكم إلى ما تنبُو عته العقولُ والأسماعُ وإنما أدعوكُم إلى التوحيدِ والاستقامةِ في العملِ، وقد تدلُّ عليهما دلائلُ العقلِ وشواهدُ النقلِ. وقيلَ المَعْنى إني لستُ بملَكٍ وإنما أنا بشرٌ مثلُكم وقد أُوحي إليّ دونَكُم فصحَّتْ بالوحي إليَّ وأنا بشرٌ نبوتِي وإذا صحَّت نبوتِي وجبَ عليكم اتباعِي، فتأمل. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ} لترتيبِ ما بعدَها على ما قبلَها من إيحاءِ الوحدانيةِ فإن ذلك موجبٌ لاستقامتِهم إليه تعالى بالتوحيدِ والإخلاصِ في الأعمالِ {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} مما كنتم عليهِ من سُوءِ العقيدةِ والعملِ. وقولُه تعالى: {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ} ترهيبٌ وتنفيرٌ لهم عن الشركِ إثَر ترغيبِهم في التوحيدِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ}[1] يعني قضى في اللوح المحفوظ، وكتب فيه ما هو كائن.
السلمي
تفسير : قال سهل فى قوله: {حـمۤ} قال قضى فى اللوح المحفوظ، وكتب فيه ما هو كائن. وقال بعضهم فى قوله: {حـمۤ} قال: الحافظ للملك هو الله. قال بعضهم: أنزل هذا القرآن الرحمن الرحيم. وقال ابن عطاء فى قوله: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} قال: بينت أحكامه.
القشيري
تفسير : بحقي وحياتي، ومجدي في صفاتي وذاتي..هذا تنزيلٌ من الرحمن الرحيم.
البقلي
تفسير : {حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} معنى الحاء والميم ان هذا الخطاب وهذا التنزيل من الحبيب الاعظم الى المحبوب الاعظم وايضا هو قسم اى بحيوتى ومدى هذا التنزيل نزل من عين الرحمانية الرحمية الازلية الابدية نزل برحمتى على عبادى ومحبتى لهم وايضا بحيوتك ومشاهدتك يا حبيبى ويا محبوبى هذا تنزيل انزلت اليك بالرحمة والكرم عليك وعلى امتك قال سهل فى قوله حم قضى فى اللوح المحفوظ وكتب فيه ما هو كاين وقال الاستاذ اى بحقى وحيوتى ومجدى فى ذاتى وصفاتى ان هذا تنزيل من الرحم الرحيم.
اسماعيل حقي
تفسير : {حم} خبر مبتدأ محذوف اى هذه السورة مسماة بحم فيكون اطلاق الكتاب عليها فى قوله كتاب الخ باعتبار انها من الكتاب وجزء من اجزائه. وقيل حم اسم للقرآن فيكون اطلاق الكتاب عليه حقيقة وانما افتتح السورة بحم لان معنى حم بضم الحاء وتشديد الميم على ما قاله سهل قدس سره قضى ما هو كائن: يعنى [بودنى همه بودم كردنى همه كردم راندنى همه راندم كزيدنى همه كزيدم بذيرفتنى همه بذيرفتم برداشتنى همه برداشتم افكندنى همه افكندم آنجه خواستم كردم آنجه خواهم كنم آنراكه بذيرفتم بدان ننكرم كه ازو جفا ديدم بلكه عفو كنم ودر كذارم واز كفته او باز نيايم] ما يبدل القول. ولما كانت هذه السورة مصدرة بذكر الكتاب الذى قدرت فيه الاحكام وبينت ناسب ان تفتح بحم رعاية لبراعة الاستهلال. وانما سميت هذه السورة السبع بحم لاشتراكها فى الاشتمال على ذكر الكتاب والرد على المجادلين فى آيات الله والحث على الايمان بها والعمل بمقتضاها ونحو ذلك. قال بعض العرفاء معنى الحاء والميم اى هذا الخطاب والتنزيل من الحبيب الاعظم الى المحبوب المعظم. وايضا هو قسم اى بحياتى ومجدى هذا تنزيل او بحياتك ومشاهدتك يا حبيبى ويا محبوبى او بالحجر الاسود والمقام فانهما ياقوتتان من يواقيت الجنة وسران عظيمان من اسرار الله فناسب ان يقسم بهما. او هذه الحروف تنزيل الخ نزل بها جبرائيل عليه السلام من عند الله [ميكويد اين حروف تهجى كه حاوميم ازان جمله است فرو فرستاده رحمانست جنانكه كودك را كويى جومى آموزى ياكويى درلوح جه نوشته كويد الف وباء نه خود اين دو حرف خواهد بلكه جمله حروف تهجى خواهد اين همجنان است وحروف تهجى برآدم عليه السلام نازل بوده وقرآن مشتمل شده برآن جمله] فهى اصل كل منزل وفى الحديث "حديث : من قرأ القرآن فاعربه" تفسير : يعنى [هركه خواندقرآنرا ولحن نكنددروى] "حديث : فله بكل حرف خمسون حسنة ومن قرأ ولحن فيه فله بكل حرف عشر حسنات أما انى لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف " تفسير : يقول الفقير لعل سرد العدد ان القراءة فى الاصل للصلاة وكان اصل الصلوات الخمس خمسين فلذا اجرى الله تعالى على القارئ الفصيح بمقابلة كل حرف خمسين اجرا واما العشر فهى ادنى الحسنات كما قال الله تعالى {أية : من جاء بالحسنة فله عشر امثالها } تفسير : قال الكاشفى [اسم اعظم الهى در حروف مقطعه مخفيست وهركس دراستخراج اين قادر نيست]: قال الكمال الخجندى قدس سره شعر : كرت دانستن علم حروفست آرزو صوفى نخست افعال نيكوكن جه سودازخواندن اسما
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {تنزيل}: خبر عن مضمر، أي: هذا تنزيل. و {كتاب}. بدل من {تنزيل}، أو: خبر بعد خبر، و {تنزيل}: مبتدأ. و {من الرحمن}: صفة، و {كتاب}. خبره، و {قرآناً}: منصوب على الاختصاص والمدح، أو: حال، أي: فُصِّلت آياته في حال كونه قرآناً. و {لقوم}: متعلق بفُصِّلت، أو: صفة، مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآناً عربياً كائناً لقوم يعلمون. و {بشيراً ونذيراً}: صفتان لـ "قرآناً". يقول الحق جلّ جلاله: {حم}؛ يا محمد هذا {تنزيلٌ}، قاله القشيري: أي: بحقي وحياتي ومجدي في ذاتي وصفاتي، هذا تنزيلٌ {من الرحمن الرحيم}. ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه نزل للمصالح الدينية والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]، {كتاب فُصّلت آياتُه}؛ مُيزت وجُعلت تفاصيل في أساليب مختلفة، ومعانٍ متغايرة؛ من أحكام، وتوحيد، وقصص، ومواعظ، ووعد، ووعيد وغير ذلك، {قرآناً عربياً} أي: أعني قرآناً بلسان العرب كائناً {لقوم يعلمون} معانيه، ويتدبّرون في آياته؛ لكونه على لسانهم، أو: لأهل العلم والنظر؛ لأنهم المنتفعون به. {بشيراً ونذيراً}؛ بشيراً لأهل الطاعة، ونذيراً لأهل المعصية، {فأعْرَض أكثرُهم} عن الإيمان به والتدبُّر في معانيه مع كونه على لغتهم، {فهم لا يسمعون} سماع تفكُّر وتأمُّل، حتى يفهموا جلالة قدره؛ فيؤمنوا به. {وقالوا} للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ عند دعوته إياهم إلى الإيمان والعمل بما في القرآن: {قلوبنا في أَكِنَّةٍ} أي: أغطية متكاثفة، {وفي آذاننا وَقْر}؛ صمم وثِقَل يمنعنا من استماع قولك، {ومن بيننا وبينك حجاب} غليظ، وستر مانع يمنعنا من التواصل إليك. و (من) للدلالة على أن الحجاب مبتدى منهم ومنه بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة، ولم يبق ثمَّ فراغ أصلاً. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله، ومج أسماعهم له، كأنَّ بها صمماً وثِقلاً منعهم من موافقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: {فاعمل} على دينك وإبطال ديننا، {إِننا عاملون} على ديننا، لا نفارقه أبداً. {قُلْ إِنما أنا بشر مثلُكم يُوحَى إِليَّ أَنَّما إِلهكُم إِله واحد}، هذا تلقين للجواب عنه، أي: لستُ من جنسٍ مباينٍ لكم حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء عنه قوله: {فاعلم إننا عاملون}، بل إنما أنا بشر مثلكم، مأمور بما أُمرتم به من التوحيد، حيث أخبرنا جميعاً بأن إلهنا واحد، فالخطاب في "إلهكم" محكي منتظم للكل، لا أنه خطاب منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ للكفرة. وقيل: لمّا دعاهم إلى الإيمان، قالوا: إنا نراك مثلنا، تأكل وتشرب، فلو كنتَ رسولاً لاستغنيت عن ذلك، فأنزل: {قل إنما أنا بشر...} الآية. {فاستقيموا إِليه} بالتوحيد وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يميناً وشمالاً، ولا ملتفتين إلى ما يُسوّل لكم الشيطانُ من عبادة الأصنام... قال تعالى: {واستغفروه} مما كنتم عليه من سوء العقيدة. والفاء لترتيب ما قبلها من إيحاء التوحيد على ما بعدها من الاستقامة، {وويل للمشركين}، وهو ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله: {الذين لا يؤتون الزكاة} أي: لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يُعطونها، وهو إخبار بما سيقع، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة، أو: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. وفيه تحذير من منع الزكاة، حيث جعله من أوصاف المشركين. {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون. والجملة: عطف على (يؤتون) داخل في الصلة. وإنما جعل منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها. {إِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ}؛ غير مقطوع، من: مننت الحبل: قطعته، أو: غير ممنون به عليهم. وقيل: نزلت في المرضى والهَرْمَى، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. الإشارة: كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره، وحضور القلب عند تلاوته، فأعرض أكثرُ الناس عن صُحبتهم، {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه...} إلى تمام الآية. فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى، ألسنتهم تتلو وقلوبهم تجول في أودية الدينا، فلا حضور ولا تدبُّر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا طلَبوا من المشايخ ـ الذين هم أطبّة القلوب ـ الكرامة، يقولون ما قالت الرسل: إنما نحن بشر يُوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق، وانفراده بالوجود، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم، واستغفروه من سالف زلاتكم، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السِّوى، فويل للمشركين الذين لا يُزكُّون أنفسهم، وهم بالآخرة ـ حيث لم يتأهّبوا لها كلَّ التأهُّب ـ هم الكافرون. إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، بصحبة الخصوص، لهم أجر غير ممنون، وهو شهود الحق على الدوام. والله تعالى أعلم. ثم وبّخهم على الكفر بعد بيان بطلانه، فقال: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ}.
الطوسي
تفسير : خمس آيات فى الكوفي وأربع في الباقي عد الكوفيون "حم" ولم يعده الباقون قرأ بعض الكوفيين (حم) رفع بـ (تنزيل) و (تنزيل) رفع بـ (حم) وقال الفراء: ارتفع (تنزيل) باضمار (ذلك) او هذا تنزيل. وقال البصريون (تنزيل) رفع بالابتداء، وخبره {كتاب فصلت آياته} و {قراناً} نصب على المصدر او الحال ذهب اليه قوم. قد بينا اختلاف المفسرين فى معنى قوله (حم) فلا وجه لا عادته. وقيل: فى وجه الاشتراك فى اسماه هذه السور السبع بـ (حم) انه للمشاكلة التي بينهما بما يختص به بما ليس لغيرها، لانه إسم علم أجري على الصفة الغالبة بما يصح فيه الاشتراك، والتشاكل الذي اختصت به هو ان كل واحدة منها استفتحت بصفة الكتاب مع تقاربها فى الطول والقصر ومع شدة تشاكل الكلام فى النظام، وحكم الكتاب البيان عن طريق النجاة الذي يصغر كل شيء فى حنب الفائدة به من طريق الهلاك الذي لا صبر للنفس عليه، وهو على وجوه: منها تبيين الواجب مما ليس بواجب، وتبيين الأولى فى الحكمه مما ليس بأولى، وتبيين الجائز مما ليس بجائز، وتبيين الحق فى الدين من الباطل، وتبيين الدليل على الحق مما ليس بدليل، وتبيين ما يرغب فيه مما لا يرغب فيه، وما يحذر منه مما لا يحذر مثله. وغير ذلك من وجوه أحكامه وهي اكثر من ان تحصى. وقوله {تنزيل من الرحمن الرحيم} وصف الكتاب بأنه تنزيل لأن جبرائيل عليه السلام نزل به على محمد صلى الله عليه وآله وفى ذلك دلالة على حدوثه، لأن التنزيل لا يكون إلا محدثاً. وقوله {كتاب فصلت آية} أي هذا كتاب، وإنما وصف القرآن بأنه كتاب وإن كان المرجع فيه إلى كلام مسموع، لأنه مما ينبغي أن يكتب ويدوّن لأن الحافظ ربما نسيه او نسي بعضه، فينذكر، وغير الحافظ فيتعلم منه. وقوله {فصلت آياته} معناه ميزت دلائله. وإنما وصفه بالتفصيل دون الاجمال، لان التفصيل يأتى على وجوه البيان، لأنه تفصيل جملة عن جملة او مفرد عن مفرد، ومدار أمر البيان على التفصيل والتمييز فى ما يحتاج اليه من أمور الدين إذ العلم علمان: علم دين وعلم دنيا وعلم الدين أجلهما واشرفهما لشرف النفع به. وقيل: {فصلت آياته} بالأمر والنهي والوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ونصب قوله {قرآناً عربياً} على الحال - في قول الزجاج - وتقديره فصلت آياته في حال جمعه. ووصف بأنه قرآن، لانه جمع بعضه إلى بعض، وبأنه عربي لأنه يخالف جميع اللغات التي هي ليست عربية {لقوم يعلمون} أي لمن يعلم العربية. وقوله {بشيراً} أي مبشراً بالجنة وثوابها {ونذيراً} أي مخوفاً من النار وعقابها. وقوله {فأعرض أكثرهم} اخبار منه تعالى عن الكفار أن اكثرهم يعدل عن التفكر فيه وعن سماعه {فهم لا يسمعون} لعدولهم عنه. ويجوز أن يكون مع كونهم سامعين إذا لم يفكروا فيه ولم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه. وقال البلخي: معناه إنهم يفعلون فعل من لا يسمعه، لأنهم مع سماعه يستثقلونه ويعرضون عن الفكر فيه. ثم حكى ما قاله الكفار من قولهم {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} قال مجاهد والسدي: معناه في أغطية وإنما قالوا ذلك لييؤسوا النبي صلى الله عليه وآله من قبولهم دينه، فهو على التمثيل، فكأنهم شبهوا قلوبهم بما يكون في غطاء فلا يصل اليه شيء مما وراءه، وفيه تحذير من مثل حالهم في كل من دعي إلى امر أن لا يمتنع ان يكون هو الحق، فلا يجوز ان يدفعه بمثل ذلك الدفع {وفي آذاننا وقر} أي ثقل عن استماع هذا القرآن {ومن بيننا وبينك حجاب} قيل الحجاب الخلاف الذى يقتضي أن يكون بمعزل عنك. قال الزجاج: معناه حاجز في النحلة والدين أي لا نوافقك في مذهب {فاعمل إننا عاملون} معناه فاعمل بما يقتضيه دينك، فانا عاملون بما يقتضيه ديننا، وقال الفراء: معناه فاعمل في هلاكنا، فاننا عاملون في هلاكك، تهديداً منهم.
الجنابذي
تفسير : {حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} بعد ان كان فى المقام العالى مجملاً ومجموعاً {قُرْآناً} حال كونه قرآناً ومجموعاً فى المقامات العالية ومجموعاً ومضموماً فيه الاحكام مع المواعظ والعبر والقصص والعقائد والعلوم {عَرَبِيّاً} يعنى بلغة العرب او منسوباً الى العرب دون الاعراب من حيث اشتماله على الآداب والاحكام والعلوم {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يعنى هذه الاوصاف للكتاب لقومٍ يعلمون لا لغيرهم، او كونه منسوباً الى العرب لقومٍ يعلمون اى لقومٍ خرجوا من جهالاتهم السّاذجة وجهالاتهم المركّبة الّتى هى صور العلوم العاديّة ونقوش الفنون الاصطلاحيّة الى دار العلم الّتى اوّل حريم حرمها مقام الانصات للانسان والتّحيّر فى طريقه، وآخر مقاماته نشر العلم فى العباد، او لقومٍ يعلمون انّ ذلك الكتاب منزل من الله.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا علي بن محمد الجعفي قال: حدثني الحسين بن علي بن أحمد العلوي قال: بلغني عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال لداود الرقي: يا داود أيكم ينال قطب سماء [أ، ع: السماء] الدنيا فوالله إن أرواحنا وأرواح النبيين لتنال العرش كل ليلة جمعة يا داود قرأ أبي محمد بن علي حم السجدة حتى إذا بلغ {فهم لا يسمعون} [قال]: نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الإمام بعدك علي بن أبي طالب عليه السلام حتى قرأ [ع: ثم قال]: حم السجدة [أ، ب: تنزيل من الرحمان الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون] حتى بلغ {فأعرض أكثرهم} [قال]: عن ولاية علي [بن أبي طالب عليه السلام. ب] {فهم لا يسمعون وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون}.
الأعقم
تفسير : {حم} قد تقدم الكلام فيه، وقيل: هو اسم السورة، وعن ابن عباس: انه افتتاح أسماء الله تعالى {تنزيل} يعني هذه السورة {تنزيل من الرحمان الرحيم} ثم فسّره فقال تعالى: {كتاب فصّلت آياته} بالأمر والنهي والوعد والوعيد والحلال والحرام والمواعظ والأمثال {قرآناً عربياً} أي بلغة العرب {لقوم يعلمون} {بشيراً ونذيراً} أي: {بشيراً} للمؤمنين بما فيه من الوعد {ونذيراً} للكافرين بما فيه من الوعيد {فأعرض أكثرهم} فلم يفهموه ولم ينتفعوا به {فهم لا يسمعون} {وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه} الآية نزلت في أبي جهل وستة من مشركي قريش أعرضوا عن القرآن، وقوله: {تدعونا إليه} فلا نفقه ما تقول {وفي آذاننا وقرٌ} أي صمم فلا نسمع ما يقول {ومن بيننا وبينك حجاب} أي حلاف في الدين فجعل خلافهم ذلك حاجزاً {فاعمل إننا عاملون}، قيل: اعمل بما يقتضيه رأيك ودينك، إننا عاملون أي إننا نعمل بما يقتضيه ديننا، وقيل: اعبد إلهك فإنا عابدون إلهنا، وقيل: أراد بأنا لا نفهم ما تقول فاعمل ما شئت {قل} يا محمد {إنما أنا بشر مثلكم}، قيل: أراد بذلك استعطافهم بأنه من جنسهم، وقيل: أراد أنه لا يخالفهم في البشرية وإنما خالفهم في الدين لأنه أوحي إليه {يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} أي اعدلوا عن عبادة غيره واجعلوا قصدكم إليه، وقيل: إليه بمعنى له {واستغفروه} بمعنى تطلبوا منه المغفرة من ذنوبكم {وويلٌ للمشركين} كلمة وعيد {الذين لا يؤتون الزكاة} يعني لا يشهدون أن لا إله إلا الله وهي زكاة الأبدان عن أبي علي، وقيل: لا يؤتون الزكاة ولا يدينون بها {وهم بالآخرة هم كافرون}.
الهواري
تفسير : تفسير سورة حم فصلت، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عزّ وجلّ: {حـمۤ} قد فسّرناه في حم المؤمن. {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يعني القرآن. {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: فسّرت آياته بالحلال والحرام والأمر والنهي. {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: يؤمنون. {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: بشيراً بالجنة ونذيراً من النار {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} أي عنه {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي: لا يسمعون الهدى سمعَ قبول. {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي: في غلف. وقال مجاهد: على قلوبنا أكنة كالجعبة للنبل {مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} يا محمد، فلا نفعله {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} أي: صمم عنه فلا نسمعه. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} فَلا نفقه ما تقوله. {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي: فاعمل على دينك، إننا عاملون على ديننا. قال الله تعالى للنبي عليه السلام: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} أي: إنما أنا بشر مثلكم، غير أنه يوحى إلي {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} بالتوحيد والعمل الصالح {وَاسْتَغْفِرُوهُ} أي: من الشرك والنفاق والعمل السوء. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} أي: في النار {الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } أي: لا يوحّدون الله ولا يعملون الصالحات. {وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. وهي مثل قوله: (أية : إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) تفسير : [فصلت:30] أي: على التوحيد والفرائض ولم يشركوا.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم} مبتدأ وخبر* {تَنزِيلٌ} وهذا على انه اسم السورة وان جعل تعديدا للحروف فتنزيل خبر لمحذوف وكتاب بدل أو خبر آخر أو خبر لمحذوف وتنزيل مبتدأ خبره كتاب وسوغ الابتداء به وصفه بقوله* {مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أو تعليقه به بمعنى منزل أو {كِتَابٌ} بدل من تنزيل و {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} خبره وعلى غير هذا الجملة نعت كتاب ولعل افتتاح هذه السور السبع بحم وتسميتها بها لتصديرها ببيان الكتاب وتشاكلها نظماً وترتيباً ولم تذكر أول السورة قبلها والحكم لله والعلم له وذكر بعضهم ان حم من أسماء القرآن وأضاف التنزيل اضافة معنوية الى الرحمن الرحيم انه قيوم المصالح الدينية والدنيوية وتفصيل الآيات تمييزها وجعلها واضحة شتى حكماً وأمثالاً ومواعظ ووعداً ووعيداً وغير ذلك وقرئ (فصلت) بالبناء للفاعل وعدم وعدم التشديد أي انفصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني كما تقول فصل زيد من البلد بمعنى انفصل أو فصلت بين الحق والباطل وقيل معنى تفصيلها أو فصلها تنزيلها أو نزولها نحو ما لأمره* {قُرْآناً عَرَبِيّاً} باللسان العربي فهو سهل وذلك امتنان بسهولته قراءة وفهما ومدح له فقيل منصوب على المدح أي امدح قرآنا عربيا ومن قال على الاختصاص فانما هو جار على القليل لعدم سبق ضمير حضور بمعناه وعدم قرنه أو قرن ما أضيف اليه بأل بل لا اضافة أصلاً ولعله حال من الهاء لان المضاف جزء من المضاف اليه لأن آيات القرآن باعتبار كل على حدة أو جملة جملة جزء منه ولصحة الاستيفاء بالمضاف اليه* {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} العربية وهم العرب والاعراب نزل بلغتهم ليفهموه ويفهموه غيرهم وقيل المراد بالقوم أهل العلم أو النظر وقيل لقوم يعلمون الدلايل وخصوا بالذكر لانهم أهل الانتفاع به وتشريفاً لهم وليس في القرآن الا ما هو من كلام العرب اما من أصل لغتهم واما مما عربوه واستعملوه من لغة غيرهم واللام متعلقة بتنزيل أي تنزيل من الله لهم أو بفصلت أو بمحذوف نعت بـ {قرآناً} أو حال منه أو من ضمير {عربيا} وفي الاول الفصل بين العامل والمعمول مع أن العامل مصدر والمعمول أجنبي والنعت أولى ليكون كما قبله وما بعده فلا يفصل بين النعوت بما ليس نعتاً ان جعل (بشيراً) نعتاً.
اطفيش
تفسير : {حم* تنْزيل} خبر لمحذوف أى القرآن تنزيل، أى منزل {مِن الرَّحْمن الرَّحيم} متعلق بتنزيل.
الالوسي
تفسير : إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فهو إما خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره: {تَنزِيلٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.
سيد قطب
تفسير : قضية العقيدة بحقائقها الأساسية هي التي تعالجها هذه السورة.. الألوهية الواحدة. والحياة الآخرة. والوحي بالرسالة. يضاف إليها طريقة الدعوة إلى الله وخلق الداعية. وكل ما في السورة هو شرح لهذه الحقائق، واستدلال عليها. وعرض لآيات الله في الأنفس والآفاق، وتحذير من التكذيب بها، وتذكير بمصارع المكذبين في الأجيال السابقة، وعرض لمشاهد المكذبين يوم القيامة. وبيان أن المكذبين من الجن والإنس هم وحدهم الذين لا يسلمون بهذه الحقائق ولا يستسلمون لله وحده؛ بينما السماء والأرض والشمس والقمر والملائكة.. كلهم يسجدون لله ويخشعون ويسلمون ويستسلمون. فعن حقيقة الألوهية الواحدة يرد في مطلع السورة: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين}.. و: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً؟ ذلك رب العالمين}.. ويحكى عن عاد وثمود أن رسلهم قالت لهم هذه الحقيقة ذاتها: {ألا تعبدوا إلا الله}.. وفي وسطها يرد: {أية : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن}.. تفسير : وفي نهايتها يرد عن الحقيقة ذاتها: {أية : ويوم يناديهم أين شركائي؟ قالوا: آذناك ما منا من شهيد }.. تفسير : وعن قضية الآخرة يرد تهديد للذين لا يؤمنون بالآخرة: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}.. وتختم بقوله: {أية : ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم، ألا إنه بكل شيء محيط}.. تفسير : كما يرد ذكر هذه القضية في مشاهد القيامة وهي عرض لما يقع فيها يقوم على تأكيد وقوعها طبعاً. بل إن هذا الطريق أشد توكيداً لهذه القضية وتشخيصاً. وعن قضية الوحي يرد كلام كثير يكاد يجعل هذا الموضوع هو موضوع السورة الرئيسي. فهي تفتتح به في تفصيل: {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي..}.. وفي وسطها يجيء عن استقبال المشركين لهذا القرآن: {أية : وقال الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ما يقال لك: إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم. ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته؟ أأعجمي وعربي؟ قل: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، وهو عليهم عمى. أولئك ينادون من مكان بعيد.. }.. تفسير : وأما عن طريقة الدعوة وخلق الداعية فيرد قوله: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة. ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم}.. هذه القضايا تعرض في حشد من المؤثرات الشعورية العميقة. تعرض في المجال الكوني الحافل بالآيات العظام. وتعرض في عالم النفس البشرية العجيبة التكوين. وتعرض في مجال بشري من مصارع الغابرين. وأخيراً تعرض في جو من مشاهد القيامة وتأثيرها العميق؛ وبعض هذه المشاهد فريد في صوره ومواقفه يثير الدهش الشديد. ومن بين المشاهد الكونية في هذه السورة مشهد الخلق الأول للأرض والسماء بكثير من التفصيل المثير: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً؟ ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً. ذلك تقدير العزيز العليم}.. ومن بينها كذلك آيات الليل والنهار والشمس والقمر وعبادة الملائكة وخشوع الأرض بالعبادة ونبضها بالحياة: {أية : ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون. ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة؛ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت. إن الذي أحياها لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير}..تفسير : أما النفس البشرية فيكشف عن حقيقتها في هذه السورة، وتعرض على أصحابها عارية من كل ستار: {أية : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيؤوس قنوط، ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن: هذا لي، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ. وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض }.. تفسير : ومن مصارع الغابرين يصور مصرع عاد ومصرع ثمود: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.. ومن مشاهد القيامة المؤثرة في هذه السورة: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعلمون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. وهو خلقكم أول مرة، وإليه ترجعون}.. ومنها كذلك مشهد الحنق الواضح من المخدوعين على الخادعين: {وقال الذين كفروا: ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس، نجعلهما تحت أقدامنا، ليكونا من الأسفلين!}.. وهكذا تعرض حقائق العقيدة ـ في السورة ـ في هذا الحشد من المؤثرات العميقة. ولعل هذا الحشد المنوع من تلك المؤثرات يصف جو السورة، ويصور طابعها، ويرسم ظلالها.. والواقع أن القلب يجد أنه منذ مطلع السورة إلى ختامها أمام مؤثرات وإيقاعات تجول به في ملكوت السماوات والأرض، وفي أغوار النفس، وفي مصارع البشر، وفي عالم القيامة، وتوقع على أوتاره إيقاعات شتى كلها مؤثر عميق.. ويجري سياق السورة بموضوعاتها ومؤثراتها في شوطين اثنين، متماسكي الحلقات.. الشوط الأول يبدأ بالآيات التي تتحدث عن تنزيل الكتاب وطبيعته وموقف المشركين منه. وتليها قصة خلق السماء والأرض. فقصة عاد وثمود. فمشهدهم في الآخرة تشهد عليهم الأسماع والأبصار والجلود. ومن هنا يرتد إلى الحديث عنهم في الدنيا وكيف ضلوا هذا الضلال، فيذكر أن الله قيض لهم قرناء سوء من الجن والإنس. يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم. ومن آثار هذا قولهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون. ثم موقفهم يوم القيامة حانقين على هؤلاء الذين خدعوهم من قرناء الجن والإنس! وعلى الضفة الأخرى الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا. وهؤلاء تتنزل عليهم الملائكة ـ لا قرناء السوء ـ يطمئنونهم ويبشرونهم ويعلنون ولايتهم لهم في الدنيا والآخرة. ويلي هذا ما جاء عن الدعوة والداعية.. وبذلك ينتهي هذا الشوط. ويليه الشوط الثاني يتحدث عن آيات الله من الليل والنهار والشمس والقمر والملائكة العابدة، والأرض الخاشعة، والحياة التي تهتز فيها وتربو بعد الموات. ويلي هذا الحديث عن الذين يلحدون في آيات الله وفي كتابه، وهنا يجيء ذلك الحديث عن هذا الكتاب. ويشار إلى كتاب موسى واختلاف قومه فيه. ويوكل أمرهم إلى الله بعد الأجل المضروب. وهنا يرد حديث عن الساعة واختصاص علم الله بها. وعلمه بما تكنه الأكمام من ثمرات، وما تكنه الأرحام من أنسال. ويعرض مشهد الكافرين وهم يسألون عن الشركاء. يلي هذا الحديث عن النفس البشرية عارية من أستارها. ومع حرص الإنسان على نفسه هكذا فإنه لا يحتاط لها فيكذب ويكفر، غير محتاط لما يعقب التكذيب من دمار وعذاب. وتختم السورة بوعد من الله أن يكشف للناس عن آياته في الأنفس والآفاق حتى يتبينوا ويثقوا: {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم. ألا إنه بكل شيء محيط }.. تفسير : وتختم السورة بهذا الإيقاع الأخير.. والآن نبدأ في التفصيل.. {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب. فاعمل إننا عاملون. قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه؛ وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم كافرون. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون}.. سبق الحديث عن الافتتاح بالأحرف المقطعة في سور شتى. وتكرار هذا الافتتاح: "حا. ميم".. يتمشى مع طريقة القرآن في تكرار الإشارة إلى الحقائق التي يلمس بها القلب البشري، لأن فطرة هذا القلب تحتاج إلى تكرار التنبيه؛ فهو ينسى إذا طال عليه الأمد؛ وهو يحتاج ابتداء إلى التكرار بطرق شتى لتثبيت أية حقيقة شعورية فيه. والقرآن يأخذ هذا القلب بما أودع في فطرته من خصائص واستعدادات، وفق ما يعلم خالق هذا القلب ومصرفه بما يشاء. {تنزيل من الرحمن الرحيم}.. وكأن "حا. ميم" اسم للسورة. أو لجنس القرآن. إذ أنها من جنس الأحرف التي صيغ منها لفظ هذا القرآن. وهي تقع مبتدأ.. و {تنزيل من الرحمن الرحيم} خبر المبتدأ. وذكر الرحمن الرحيم عند ذكر تنزيل الكتاب؛ يشير إلى الصفة الغالبة في هذا التنزيل. صفة الرحمة. وما من شك أن تنزيل هذا الكتاب جاء رحمة للعالمين. رحمة لمن آمنوا به واتبعوه ورحمة كذلك لغيرهم. لا من الناس وحدهم، ولكن للأحياء جميعاً. فقد سن منهجاً ورسم خطة تقوم على الخير للجميع. وأثر في حياة البشرية، وتصوراتها، ومدركاتها، وخط سيرها؛ ولم يقتصر في هذا على المؤمنين به إنما كان تأثيره عالمياً ومطرداً منذ أن جاء إلى العالمين. والذين يتتبعون التاريخ البشري بإنصاف ودقة؛ ويتتبعونه في معناه الإنساني العام، الشامل لجميع أوجه النشاط الإنساني، يدركون هذه الحقيقة، ويطمئنون إليها. وكثير منهم قد سجلوا هذا واعترفوا به في وضوح. {كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون}.. والتفصيل المحكم، وفق الأغراض والأهداف، ووفق أنواع الطبائع والعقول، ووفق البيئات والعصور، ووفق الحالات النفسية وحاجاتها المتنوعة.. التفصيل المحكم وفق هذه الاعتبارات سمة واضحة في هذا الكتاب. وقد فصلت هذه الآيات وفق تلك الاعتبارات. فصلت قرآناً عربياً {لقوم يعلمون}.. لديهم الاستعداد للعلم والمعرفة والتمييز. وقام هذا القرآن يؤدي وظيفته: {بشيراً ونذيراً}.. يبشر المؤمنين العاملين، وينذر المكذبين المسيئين، ويبين أسباب البشرى وأسباب الإنذار، بأسلوبه العربي المبين. لقوم لغتهم العربية. ولكن أكثرهم مع هذا لم يقبل ويستجب: {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} وقد كانوا يعرضون فلا يسمعون فعلاً، ويتحامون أن يعرضوا قلوبهم لتأثير هذا القرآن القاهر. وكانوا يحضون الجماهير على عدم السماع كما سيجيء قولهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}.. وأحياناً كانوا يسمعون، وكأنهم لا يسمعون، لأنهم يقاومون أثر هذا القرآن في نفوسهم؛ فكأنهم صم لا يسمعون! {وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون}.. قالوا هذا إمعاناً في العناد، وتيئيساً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليكف عن دعوتهم، لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته، على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين! قالوا: قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك. وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك. ومن بيننا وبينك حجاب، فلا اتصال بيننا وبينك. فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا. أو أنهم قالوا غير مبالين: نحن لا نبالي قولك وفعلك، وإنذارك ووعيدك. فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا. لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل. وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين. هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو، لا يكف عن الدعوة، ولا ييأس من التيئيس، ولا يستبطئ وعد الله له ولا وعيده للمكذبين. كان يمضي مأموراً أن يعلن لهم أن تحقق وعيد الله ليس بيده؛ فما هو بشر يتلقى الوحي، فيبلغ به، ويدعو الناس إلى الله الواحد. وإلى الاستقامة على الطريق، وينذر المشركين كما أمر أن يفعل. والأمر بعد ذلك لله لا يملك منه شيئاً، فهو ليس إلا بشراً مأموراً: {قل: إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد؛ فاستقيموا إليه واستغفروه، وويل للمشركين}.. يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال، والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف، واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار، دون استعجال الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين.. إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة، ومن عظمة في احتمال هذه المشقة، إلا من يكابد طرفاً من هذا الموقف في واقع الحياة. ثم يمضي في الطريق! ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل. فطريق الدعوة هو طريق الصبر. الصبر الطويل. وأول ما يستوجب الصبر تلك الرغبة الملحة في انتظار الدعوة، ثم إبطاء النصر. بل إبطاء أماراته. ثم ضرورة التسليم لهذا والرضى به والقبول! إن أقصى ما كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمر به في مقابلة التبجح والاستهتار أن يقول: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}.. وتخصيص الزكاة في هذا الموضع لا بد كانت له مناسبة حاضرة، لم نقف عليها، فهذه الآية مكية. والزكاة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة. وإن كان أصل الزكاة كان معروفاً في مكة. والذي جد في المدينة هو بيان أنصبتها في المال، وتحصيلها كفريضة معينة. أما في مكة فقد كانت أمراً عاماً يتطوع به المتطوعون، غير محدود، وأداؤه موكول إلى الضمير.. أما الكفر بالآخرة فهو عين الكفر الذي يستحق الويل والثبور. وقد ذكر بعضهم أن المقصود بالزكاة هنا الإيمان والطهارة من الشرك. وهو محتمل كذلك في مثل هذه الظروف. ثم يمضي الداعية يكشف لهم عن شناعة الجرم الذي يرتكبونه بالشرك والكفر. يمضي بهم في المجال الكوني العريض. مجال السماوات والأرض، والكون الذي هم بالقياس إليه شيء ضئيل هزيل. يمضي بهم في هذا المجال ليكشف لهم عن سلطان الله الذي يكفرون به في فطرة هذا الكون الذي هم جزء منه. ثم ليخرجهم من الزاوية الضيقة الصغيرة التي ينظرون منها إلى هذه الدعوة، حيث يرون أنفسهم وذواتهم كبيرة كبيرة؛ ويشغلهم النظر إليها وإلى اختيار محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دونهم. والحرص على مكانتهم ومصالحهم.. إلى آخر هذه الاعتبارات الصغيرة.. يشغلهم هذا عن النظر إلى الحقيقة الضخمة التي جاءهم بها محمد، وفصلها هذا القرآن. الحقيقة التي تتصل بالسماوات والأرض؛ وتتصل بالبشرية كلها في جميع أعصارها؛ وتتصل بالحق الكبير الذي يتجاوز زمانهم ومكانهم وشخوصهم؛ وتتصل بالكون كله في الصميم: {قل: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وتجعلون له أنداداً؟ ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا: أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها، وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً. ذلك تقدير العزيز العليم}.. قل لهم: إنكم إذ تكفرون. إذ تلقون بهذه الكلمة الكبيرة في استهتار. إنما تأتون أمراً عظيماً، مستنكراً قبيحاً، إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها. وبارك فيها. وقدر فيها أقواتها. والذي خلق السماوات ونظم أمرها. وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً. والذي أسلمت له السماء والأرض قيادهما طائعتين مستسلمتين.. وأنتم.. أنتم بعض سكان هذه الأرض تتأبون وتستكبرون! ولكن النسق القرآني يعرض هذه الحقائق بطريقة القرآن التي تبلغ أعماق القلوب وتهزها هزاً. فلنحاول أن نسير مع هذا النسق بالترتيب والتفصيل: {قل: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وتجعلون له أنداداً. ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين}.. إنه يذكر حقيقة خلق الأرض في يومين. ثم يعقب عليها قبل عرض بقية قصة الأرض. يعقب على الحلقة الأولى من قصة الأرض. {ذلك رب العالمين}.. وأنتم تكفرون به وتجعلون له أنداداً. وهو خلق هذه الأرض التي أنتم عليها. فأي تبجح وأي استهتار وأي فعل قبيح؟! وما هذه الأيام: الاثنان اللذان خلق فيهما الأرض. والاثنان اللذان جعل فيهما الرواسي وقدر فيهما الأقوات، وأحل فيهما البركة. فتمت بهما الأيام الأربعة؟ إنها بلا شك أيام من أيام الله التي يعلم هو مداها. وليست من أيام هذه الأرض. فأيام هذه الأرض إنما هي مقياس زمني مستحدث بعد ميلاد الأرض. وكما للأرض أيام، هي مواعيد دورتها حول نفسها أمام الشمس، فللكواكب الأخرى أيام، وللنجوم أيام. وهي غير أيام الأرض. بعضها أقصر من أيام الأرض وبعضها أطول. والأيام التي خلقت فيها الأرض أولاً، ثم تكونت فيها الجبال، وقدرت فيها الأقوات، هي أيام أخرى مقيسة بمقياس آخر، لا نعلمه، ولكننا نعرف أنه أطول بكثير من أيام الأرض المعروفة. وأقرب ما نستطيع تصوره وفق ما وصل إليه علمنا البشري أنها هي الأزمان التي مرت بها الأرض طوراً بعد طور، حتى استقرت وصلبت قشرتها وأصبحت صالحة للحياة التي نعلمها. وهذه قد استغرقت ـ فيما تقول النظريات التي بين أيدينا ـ نحو ألفي مليون سنة من سنوات أرضنا! وهذه مجرد تقديرات علمية مستندة إلى دراسة الصخور وتقدير عمر الأرض بوساطتها. ونحن في دراسة القرآن لا نلجأ إلى تلك التقديرات على أنها حقائق نهائية. فهي في أصلها ليست كذلك. وإن هي إلا نظريات قابلة للتعديل. فنحن لا نحمل القرآن عليها؛ إنما نجد أنها قد تكون صحيحة إذا رأينا بينها وبين النص القرآني تقارباً، ووجدنا أنها تصلح تفسيراً للنص القرآني بغير تمحل. فنأخذ من هذا أن هذه النظرية أو تلك أقرب إلى الصحة لأنها أقرب إلى مدلول النص القرآني. والراجح الآن في أقوال العلم أن الأرض كانت كرة ملتهبة في حالة غازية كالشمس الآن ـ والأرجح أنها قطعة من الشمس انفصلت عنها لسبب غير متفق على تقديره ـ وأنها استغرقت أزماناً طويلة حتى بردت قشرتها وصلبت. وأن جوفها لا يزال في حالة انصهار لشدة الحرارة حيث تنصهر أقسى الصخور. ولما بردت القشرة الأرضية جمدت وصلبت. وكانت في أول الأمر صخرية صلبة. طبقات من الصخر بعضها فوق بعض. وفي وقت مبكر جداً تكونت البحار من اتحاد الإيدروجين بنسبة 2 والأكسجين بنسبة 1 ومن اتحادهما ينشأ الماء. "والهواء والماء على أرضنا هذه قد تعاونا على تفتيت الصخر وتشتيته، وحمله وترسيبه، حتى كانت من ذلك تربة أمكن فيها الزرع. وتعاونا على نحر الجبال والنجاد، وملء الوهاد، فلا تكاد تجد في شيء كان على الأرض أو هو كائن إلا أثر الهدم وأثر البناء". "إن هذه القشرة الأرضية في حركة دائمة، وفي تغير دائم، يهتز البحر بالموج فيؤثر فيها، ويتبخر ماء البحر. تبخره الشمس، فيصعد إلى السماء فيكون سحباً تمطر الماء عذباً، فينزل على الأرض متدفقاً، فتكون السيول، وتكون الأنهار، تجري في هذه القشرة الأرضية فتؤثر فيها. تؤثر في صخره فتحله فتبدل فيه من صخر صخراً. (أي تحوله إلى نوع آخر من الصخور) وهي من بعد ذلك تحمله وتنقله. ويتبدل وجه الأرض على القرون، ومئات القرون وآلافها. وتعمل الثلوج الجامدة بوجه الأرض ما يفعله الماء السائل. وتفعل الرياح بوجه الأرض ما يفعل الماء. وتفعل الشمس بوجه الأرض ما يفعله الماء والريح، بما تطلق على هذا الوجه من نار ومن نور. والأحياء على الأرض تغير من وجهها كذلك. ويغير فيها ما ينبثق فيها من جوف الأرض من براكين". "وتسأل عالم الأرض ـ العالم الجيولوجي ـ عن صخور هذه القشرة فيعدد لك من صخورها الشيء الكثير، ويأخذ يحدثك عن أنواعها الثلاثة الكبرى". "يحدثك عن الصخور النارية. تلك التي خرجت من جوف الأرض إلى ظهرها صخراً منصهراً. ثم برد. ويضرب لك منها مثلاً بالجرانيت والبازلت. ويأيتك بعينة منها يشير لك فيها إلى ما احتوته من بلورات، بيضاء وحمراء أو سوداء، ويقول لك: إن كل بلورة من هذه تدل على مركب كيماوي، له كيان بذاته. فهذه الصخور أخلاط. ويلفت فكرك إلى أنه من هذه الصخور النارية ومن أشباهها تكونت قشرة هذه الأرض عندما تمت الأرض تكونا في القديم الأقدم من الزمان. ثم قام يفعل فيها الماء، هابطاً من السماء أو جارياً في الأرض، أو جامداً في الثلج، وقام يفعل الهواء ويفعل الريح.. وقامت تفعل الشمس. قامت جميعها تغير من هذه الصخور. من طبيعتها ومن كيميائها. فولدت منها صخوراً غير تلك الصخور حتى ما يكاد يجمعها في منظر أو مخبر شيء". "وينتقل بك الجيولوجي إلى الصنف الأكبر الثاني من الصخور. إلى الصخور التي أسموها بالمترسبة أو الراسبة، وهي تلك الصخور التي اشتقت، بفعل الماء والريح والشمس، أو بفعل الأحياء من صخور أكثر في الأرض أصالة وأعقد. وأسموها راسبة لأنها لا توجد في مواضعها الأولى. إنها حملت من بعد اشتقاق من صخورها الأولى، أو وهي في سبيل اشتقاق. حملها الماء أو حملتها الريح، ثم هبطت ورسبت واستقرت حيث هي من الأرض". "ويضرب لك الجيولوجي مثلاً للصخور الراسبة بالحجر الجيري الذي يتألف منه جبل كجبل المقطم، ومن حجره تبني القاهرة بيوتها. ويقول لك: إنه مركب كيماوي يعرف بكربونات الكلسيوم، وإنه اشتق في الأرض من عمل الأحياء أو عمل الكيمياء. ويضرب لك مثلا، بالرمل، ويقول لك: إن أكثره أكسيد السيلسيوم، وإنه مشتق كذلك، ومثلا آخر بالطفل والصلصال، وكلها من أصول سابقة". "وتسأل عن هذه الأصول السابقة التي منها اشتقت تلك الصخور الراسبة، على اختلافها، فتعلم أنها الصخور النارية. بدأت الأرض عندما انجمد سطحها من بعد انصهار، في قديم الأزل، ولا شيء على هذا السطح المنجمد غير الصخر الناري. ثم جاء الماء، وجاءت البحار، وتفاعل الصخر الناري والماء. وشركهما الهواء. شركهما غازات متفاعلة، وشركهما رياحاً عاصفة، وشركتهما الشمس ناراً ونوراً. وتفاعلت كل هذه العوامل جميعا. وفقا لما أودع فيها من طبائع. فغيرت من صخر ناري صلد غير نافع، إلى صخر نافع. صخر ينفع في بناء المساكن، وصخر ينفع في استخراج المعادن. وأهم من هذا، وأخطر من هذا، أنها استخرجت من هذا المساكن، وصخر ينفع في استخراج المعادن. وأهم من هذا، وأخطر من هذا، أنها استخرجت من هذا الصخر الناري الصلد، الذي لا ينفع لحياة تقوم عليه، استخرجت تربة، رسبت على سطح الأرض، مهدت لقدوم الأحياء والخلائق". "إن الجرانيت لا ينفع لحرث أو زرع أو سقيا، ولكن تنفع تربة هشة لينة خرجت منه ومن أشباه له. وبظهور هذه التربة ظهر النبات، وبظهور النبات ظهر الحيوان. وتمهدت الأرض لقيام رأس الخلائق على هذه الأرض. ذلك الإنسان.." هذه الرحلة الطويلة كما يقدرها العلم الحديث، قد تساعدنا على فهم معنى الأيام في خلق الأرض وجعل الرواسي فوقها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها في أربعة أيام.. من أيام الله.. التي لا نعرف ما هي؟ ما طولها؟ ولكننا نعرف أنها غير أيام هذه الأرض حتماً.. ونقف لحظة أمام كل فقرة من النص القرآني قبل أن نغادر الأرض إلى السماء! {وجعل فيها رواسي من فوقها}.. وكثيراً ما يرد تسمية الجبال {رواسي} وفي بعض المواضع يعلل وجود هذه الرواسي {أية : أن تميد بكم} تفسير : أي إنها هي راسية، وهي ترسي الأرض، وتحفظ توازنها فلا تميد.. ولقد غبر زمان كان الناس يحسبون أن أرضهم هذه ثابتة راسخة على قواعد متينة! ثم جاء زمان يقال لهم فيه الآن: إن أرضكم هذه إن هي إلا كرة صغيرة سابحة في فضاء مطلق، لا تستند إلى شيء.. ولعلهم يفزعون حين يقال لهم هذا الكلام أول مرة أو لعل منهم من ينظر بوجل عن يمينه وعن شماله خيفة أن تتأرجح به هذه الأرض أو تسقط في أعماق الفضاء! فليطمئن. فإن يد الله تمسكها أن تزول هي والسماء. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده! وليطمئن فإن النواميس التي تحكم هذا الكون متينة من صنع القوي العزيز! ونعود إلى الجبال فنجد القرآن يقول إنها {رواسي} وإنها كذلك ترسي الأرض فلا تميد. ولعلها ـ كما قلنا في موضع آخر من هذه الظلال ـ تحفظ التناسق بين القيعان في المحيطات والمرتفعات في الأرض فتتوازن فلا تميد. وهذا عالم يقول: "إن كل حدث يحدث في الأرض، في سطحها أو فيما دون سطحها، يكون من أثره انتقال مادة من مكان إلى مكان يؤثر في سرعة دورانها. فليس المد والجزر هو العامل الوحيد في ذلك. (أي في بطء سرعة الأرض كما قال قبل هذه الفقرة) حتى ما تنقله الأنهار من مائها من ناحية في الأرض إلى ناحية يؤثر في سرعة الدوران. وما ينتقل من رياح يؤثر في سرعة الدوران. وسقوط في قاع البحار، أو بروز في سطح الأرض هنا أو هنا يؤثر في سرعة الدوران.. ومما يؤثر في سرعة هذا الدوران أن تتمدد الأرض أو تنكمش بسبب ما. ولو انكماشاً أو تمدداً طفيفاً لا يزيد في قطرها منه إلا بضع أقدام". فهذه الأرض الحساسة إلى هذا الحد، لا عجب أن تكون الجبال الرواسي حافظة لتوازنها ومانعة: {أية : أن تميد بكم} تفسير : كما جاء في القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً. {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها}.. وقد كانت هذه الفقرة تنقل إلى أذهان أسلافنا صورة الزرع النامي في هذه الأرض وبعض ما خبأه الله في جوف الأرض من معادن نافعة كالذهب والفضة والحديد وما إليها.. فأما اليوم بعد ما كشف الله للإنسان أشياء كثيرة من بركته في الأرض ومن أقواتها التي خزنها فيها على أزمان طويلة، فإن مدلول هذه الفقرة يتضاعف في أذهاننا.. وقد رأينا كيف تعاونت عناصر الهواء فكونت الماء. وكيف تعاون الماء والهواء والشمس والرياح فكونت التربة الصالحة للزرع. وكيف تعاون الماء والشمس والرياح فكونت الأمطار أصل الماء العذب كله من أنهار ظاهرة وأنهار باطنة تظهر في شكل ينابيع وعيون وآبار.. وهذه كلها من أسس البركة ومن أسس الأقوات. وهناك الهواء. ومن الهواء أنفاسنا وأجسامنا.. "إن الأرض كرة تلفها قشرة من صخر. وتلف أكثر الصخر طبقة من ماء. وتلف الصخر والماء جميعاً طبقة من هواء. وهي طبقة من غاز سميكة. كالبحر، لها أعماق. ونحن ـ بني الإنسان، والحيوان، والنبات، نعيش في هذه الأعماق، هانئين بالذي فيها". "فمن الهواء نستمد أنفاسنا، من أكسجينه. ومن الهواء يبني النبات جسمه، من كربونه، بل من أكسيد كربونه، ذلك الذي يسميه الكيماويون ثاني أكسيد الكربون. يبني النبات جسمه من أكسيد الفحم هذا. ونحن نأكل النبات. ونأكل الحيوان الذي يأكل النبات. ومن كليهما نبني أجسامنا. بقي من غازات الهواء النتروجين، أي الأزوت، فهذا لتخفيف الأكسجين حتى لا نحترق بأنفاسنا. وبقي بخار الماء وهذا لترطيب الهواء. وبقيت طائفة من غازات أخرى، توجد فيه بمقادير قليلة هي ـ في غير ترتيب ـ الأرجون، والهليوم، والنيون، وغيرها. ثم الإدروجين، وهذه تخلقت ـ على الأكثر ـ في الهواء من بقايا خلقة الأرض الأولى". والمواد التي نأكلها والتي ننتفع بها في حياتنا ـ والأقوات أوسع مما يؤكل في البطون ـ كلها مركبات من العناصر الأصلية التي تحتويها الأرض في جوفها أو في جوها سواء. وعلى سبيل المثال هذا السكر ما هو؟ إنه مركب من الكربون والايدروجين والاكسيجين. والماء علمنا تركيبه من الادروجين والاكسيجين.. وهكذا كل ما نستخدمه من طعام أو شراب أو لباس أو أداة.. إن هو إلا مركب من بين عناصر هذه الأرض المودعة فيها.. فهذا كله يشير إلى شيء من البركة وشيء من تقدير الأقوات.. في أربعة أيام.. فقد تم هذا في مراحل زمنية متطاولة.. هي أيام الله، التي لا يعلم مقدارها إلا الله. {ثم استوى إلى السماء وهي دخان. فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً. ذلك تقدير العزيز العيم}. والاستواء هنا القصد. والقصد من جانب الله تعالى هو توجه الإرادة. و {ثم} قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للارتقاء المعنوي. والسماء في الحس أرفع وأرقى. {ثم استوى إلى السماء وهي دخان}.. إن هناك اعتقاداً أنه قبل خلق النجوم كان هناك ما يسمى السديم. وهذا السديم غاز.. دخان "والسدم ـ من نيرة ومعتمة ـ ليس الذي بها من غاز وغبار إلا ما تبقى من خلق النجوم إن نظرية الخلق تقول: إن المجرة كانت من غاز وغبار. ومن هذين تكونت بالتكثف النجوم. وبقيت لها بقية. ومن هذه البقية كانت السدم. ولا يزال من هذه البقية منتشراً في هذه المجرة الواسعة مقدار من غاز وغبار، يساوي ما تكونت منه النجوم. ولا تزال النجوم تجر منه بالجاذبية إليها. فهي تكنس السماء منه كنساً. ولكن الكناسين برغم أعدادهم الهائلة قليلون بالنسبة لما يراد كنسه من ساحات أكبر وأشد هولاً". وهذا الكلام قد يكون صحيحاً لأنه أقرب ما يكون إلى مدلول الحقيقة القرآنية: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان}.. وإلى أن خلق السماوات تم في زمن طويل. في يومين من أيام الله. ثم نقف أمام الحقيقة الهائلة: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا: أتينا طائعين}.. إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس، وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته. فليس هناك إذن إلا هذا الإنسان الذي يخضع للناموس كرهاً في أغلب الأحيان. إنه خاضع حتماً لهذا الناموس، لا يملك أن يخرج عنه، وهو ترس صغير جداً في عجلة الكون الهائلة؛ والقوانين الكونية الكلية تسري عليه رضي أم كره. ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعاً طاعة الأرض والسماء. إنما يحاول أن يتفلت، وينحرف عن المجرى الهين اللين؛ فيصطدم بالنواميس التي لا بد أن تغلبه ـ وقد تحطمه وتسحقه ـ فيستسلم خاضعاً غير طائع. إلا عباد الله الذين تصطلح قلوبهم وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإراداتهم ورغباتهم واتجاهاتهم.. تصطلح كلها مع النواميس الكلية، فتأتي طائعة، وتسير هينة لينة، مع عجلة الكون الهائلة، متجهة إلى ربها مع الموكب، متصلة بكل ما فيه من قوى، وحينئذ تصنع الأعاجيب، وتأتي بالخوارق، لأنها مصطلحة مع الناموس، مستمدة من قوته الهائلة، وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى الله {طائعين}.. إننا نخضع كرهاً. فليتنا نخضع طوعاً. ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء. في رضى وفي فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة لله رب العالمين. إننا نأتي أحياناً حركات مضحكة.. عجلة القدر تدور بطريقتها. وبسرعتها. ولوجهتها. وتدير الكون كله معها. وفق سنن ثابتة.. ونأتي نحن فنريد أن نسرع. أو أن نبطئ. نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل. نحن بما يطرؤ على نفوسنا ـ حين تنفك عن العجلة وتنحرف عن خط السير ـ من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة.. ونظل نشرد هنا وهناك والموكب ماض. ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم. ونصطدم هنا وهناك ونتحطم. والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها. وتذهب قوانا وجهودنا كلها سدى. فأما حين تؤمن قلوبنا حقاً، وتستسلم لله حقاً، وتتصل بروح الوجود حقاً. فإننا ـ حينئذ ـ نعرف دورنا على حقيقته؛ وننسق بين خطانا وخطوات القدر؛ ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة، في المدى المناسب. نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود. ونصنع أعمالاً عظيمة فعلاً، دون أن يدركنا الغرور. لأننا نعرف مصدر القوة التي صنعنا بها هذه الأعمال العظيمة. ونوقن أنها ليست قوتنا الذاتية، إنما هي كانت هكذا لأنها متصلة بالقوة العظمى. ويا للرضى. ويا للسعادة. ويا للراحة. ويا للطمأنينة التي تغمر قلوبنا يومئذ في رحلتنا القصيرة، على هذا الكوكب الطائع الملبي، السائر معنا في رحلته الكبرى إلى ربه في نهاية المطاف.. ويا للسلام الذي يفيض في أرواحنا ونحن نعيش في كون صديق. كله مستسلم لربه، ونحن معه مستلسمون. ولا تشذ خطانا عن خطاه، ولا يعادينا ولا نعاديه. لأننا منه. ولأننا معه في الاتجاه: {قالتا: أتينا طائعين}.. {فقضاهن سبع سماوات في يومين}.. {وأوحى في كل سماء أمرها}.. واليومان قد يكونان هما اللذان تكونت فيهما النجوم من السدم. أو تم فيهما التكوين كما يعلمه الله. والوحي بالأمر في كل سماء يشير إلى إطلاق النواميس العاملة فيها، على هدى من الله وتوجيه؛ أما ما هي السماء المقصودة فلا نملك تحديداً. فقد تكون درجة البعد سماء. وقد تكون المجرة الواحدة سماء. وقد تكون المجرات التي على أبعاد متفاوتة سماوات.. وقد يكون غير ذلك. مما تحتمله لفظة سماء وهو كثير. {وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً}.. والسماء الدنيا هي كذلك ليس لها مدلول واحد محدد. فقد تكون هي أقرب المجرات إلينا وهي المعروفة بسكة التبان والتي يبلغ قطرها مائة ألف مليون سنة ضوئية! وقد يكون غيرها مما ينطبق عليه لفظ سماء. وفيه النجوم والكواكب المنيرة لنا كالمصابيح. {وحفظاً}.. من الشياطين.. كما يدل على هذا ما ورد في المواضع الأخرى من القرآن.. ولا نملك أن نقول عن الشياطين شيئاً مفصلاً. أكثر من الإشارات السريعة في القرآن. فحسبنا هذا.. {ذلك تقدير العزيز العليم}.. وهل يقدر هذا كله؟ ويمسك الوجود كله، ويدبر الوجود كله.. إلا العزيز القوي القادر؟ وإلا العليم الخبير بالموارد والمصادر؟ فكيف ـ بعد هذه الجولة الكونية الهائلة ـ يكون موقف الذين يكفرون بالله ويجعلون له أندادا؟ كيف. والسماء والأرض تقولان لربهما: {أتينا طائعين} وهذا النمل الصغير العاجز من البشر الذي يدب على الأرض يكفر بالله في تبجح واستهتار؟ وما يكون جزاء هذا التبجح وهذا الاستهتار؟ {فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله. قالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، فإنا بما أرسلتم به كافرون. فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟ وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.. وهذا الإنذار المرهوب المخيف: {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} يناسب شناعة الجرم وقبح الذنب، وتبجح المشركين الذي حُكي في مطلع السورة، وشذوذ كفار البشر من موكب الوجود الكبير الذي عُرض قبل هذا الإنذار. وقد روى ابن إسحاق قصة عن هذا الإنذار قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ ـ وذلك حين أسلم حمزة ـ رضي الله عنه ـ ورأوا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزيدون ويكثرون ـ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. "حديث : فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً؛ وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك؛ وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمع منه قال: "أفرغت يا أبا الوليد" قال: نعم. قال: "فاستمع مني". قال: أفعل. قال: {بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} ثم مضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمداً عليهما، يستمع منه حتى انتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السجدة منها فسجد. ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به" تفسير : . فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالسحر. ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي.. خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم. وقد روى البغوي في تفسيره حديثاً بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح ـ وهو ابن عبدالله الكندي الكوفي (قال ابن كثير: وقد ضُعف بعض الشيء) عن الزيال بن حرملة عن جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنه ـ إلى قوله: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه. وناشده الرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم.. الخ.. ثم لما حدثوه في هذا قال: "فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف. وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب. فخشيت أن ينزل بكم العذاب".. فهذه صورة من وقع هذا الإنذار من فم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قلب رجل لم يؤمن! ولا نترك هذه الرواية قبل أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن. وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه، وقلبه مشغول بما هو أعظم، حتى لتبدو هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه، وقلبه مشغول بما هو أعظم، حتى لتبدو هذه الخواطر مقززة تثير الاشمئزاز: ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتلقاها حليماً، ويستمع كريماً، وهو مطمئن هادئ ودود. لا يعجل عتبة عن استكمال هذه الخواطر الصغيرة. "حديث : حتى إذا انتهى قال في هدوء وثبات وسماحة: "أفرغت يا أبا الوليد؟". فيقول: نعم. فيقول: ـ صلى الله عليه وسلم ـ "فاستمع مني" ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل. وعندئذ يتلو ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه لا قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم. حم...}.. " تفسير : إنها صورة تلقي في القلب المهابة. والثقة. والمودة. والاطمئنان.. ومن ثم كان يملك قلوب سامعيه.. الذين قد يقصدون إليه أول الأمر ساخرين أو حانقين! صلى الله عليه وسلم.. وصدق الله العظيم: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته }.. تفسير : ونعود بعد هذه الوقفة القصيرة إلى النص القرآني الكريم: {فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود..}.. إنها جولة في مصارع الغابرين، بعد تلك الجولة في ملكوت السماوات والأرض. جولة تهز القلوب المستكبرة برؤية مصارع المستكبرين: {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله}.. الكلمة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعين. وقام عليها بنيان كل دين. {قالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة. فإنا بما أرسلتم به كافرون}.. وهي كذلك الشبهة المتكررة التي ووجه بها كل رسول. وما كان لرسول يخاطب البشر أن يكون إلا من البشر. يعرفهم ويعرفونه. ويجدون فيه قدوة واقعية، ويعاني هو ما يعانونه. ولكن عادا وثمودا أعلنوا كفرهم برسلهم، لأنهم بشر لا ملائكة كما كانوا يقترحون! وإلى هنا أجمل مصير عاد وثمود. وهو واحد. إذ انتهى هؤلاء وهؤلاء إلى الأخذ بالصاعقة. ثم فصل قصة كل منهما بعض التفصيل: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق. وقالوا: من أشد منا قوة؟}.. إن الحق أن يخضع العباد لله، وألا يستكبروا في الأرض، وهم من هم بالقياس إلى عظمة خلق الله. فكل استكبار في الأرض فهو بغير حق. استكبروا واغتروا {وقالوا: من أشد منا قوة؟}.. وهو الشعور الكاذب الذي يحسه الطغاة. الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم. وينسون: {أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟}.. إنها بديهة أولية.. إن الذي خلقهم من الأصل أشد منهم قوة. لأنه هو الذي مكن لهم في هذا القدر المحدود من القوة. ولكن الطغاة لا يذكرون: {وكانوا بآياتنا يجحدون}.. وبينما هم في هذا المشهد يعرضون عضلاتهم! ويتباهون بقوتهم. إذا المشهد التالي في الآية التالية هو المصرع المناسب لهذا العجب المرذول: {فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات. لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا}.. إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم. وإنه الخزي في الحياة الدنيا. الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد.. ذلك في الدنيا.. وليسوا بمتروكين في الآخرة: {ولعذاب الآخرة أخزى. وهم لا ينصرون}.. {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}.. ويظهر أن هذه إشارة إلى اهتدائهم بعد آية الناقة، ثم ردتهم وكفرهم بعد ذلك. وإيثارهم العمى على الهدى. والضلال بعد الهدى عمى أشد العمى! {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون}.. والهوان أنسب عاقبة. فليس هو العذاب فحسب، وليس هو الهلاك فحسب. ولكنه كذلك الهوان جزاء على العمى بعد الإيمان. {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.. وتنتهي الجولة على مصرع عاد وثمود. والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب. ويتكشف لهم سلطان الله الذي لا ترده قوة ولا يعصم منه حصن، ولا يبقى على مستكبر مريد. والآن وقد كشف لهم عن سلطان الله في فطرة الكون؛ وسلطان الله في تاريخ البشر، يطلعهم على سلطان الله في ذوات أنفسهم، التي لا يملكون منها شيئاً، ولا يعصمون منها شيئاً من سلطان الله. حتى سمعهم وأبصارهم وجلودهم تطيع الله وتعصيهم في الموقف المشهود، وتكون عليهم بعض الشهود: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة، وإليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون. وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم، فأصبحتم من الخاسرين. فإن يصبروا فالنار مثوى لهم. وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.. إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب. وسلطان الله الذي تطيعه جوارحهم وتستجيب. وهم يوصمون بأنهم أعداء الله. فما مصير أعداء الله؟ إنهم يحشرون ويجمع أولهم على آخرهم وآخرهم على أولهم كالقطيع! إلى أين؟ إلى النار! حتى إذا كانوا حيالها وقام الحساب، إذا شهود عليهم لم يكونوا لهم في حساب. إن ألسنتهم معقودة لا تنطق، وقد كانت تكذب وتفتري وتستهزئ. وإن أسماعهم وأبصارهم وجلودهم تخرج عليهم، لتستجيب لربها طائعة مستسلمة، تروي عنهم ما حسبوه سراً. فقد يستترون من الله. ويظنون أنه لا يراهم وهم يتخفون بنواياهم، ويتخفون بجرائمهم. ولم يكونوا ليستخفوا من أبصارهم وأسماعهم وجلودهم. وكيف وهي معهم؟ بل كيف وهي أبعاضهم؟! وها هي ذي تفضح ما حسبوه مستوراً عن الخلق أجمعين. وعن الله رب العالمين! يا للمفاجأة بسلطان الله الخفي، يغلبهم على أبعاضهم فتلبي وتستجيب! {وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟}.. فإذا هي تجبههم بالحقيقة التي خفيت عليهم في غير مواربة ولا مجاملة: {قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}؟ أليس هو الذي جعل الألسنة هي الناطقة؟ وإنه لقادر على أن يجعل سواها. وقد أنطق كل شيء فهو اليوم يتحدث وينطق ويبين. {وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون}.. فإليه المنشأ وإليه المصير، ولا مفر من قبضته في الأول وفي الأخير. وهذا ما أنكروه بالعقول. وهذا ما تقرره لهم الجلود! وقد تكون بقية التعليق من حكاية أقوال أبعاضهم لهم. وقد تكون تعقيباً على الموقف العجيب: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}.. فما كان يخطر ببالكم أنها ستخرج عليكم، وما كنتم بمستطيعين أن تستتروا منها لو أردتم! {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون}.. وخدعكم هذا الظن الجاهل الأثيم وقادكم إلى الجحيم: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}.. ثم يجيء التعقيب الأخير: {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم}.. يا للسخرية! فالصبر الآن صبر على النار؛ وليس الصبر الذي يعقبه الفرج وحسن الجزاء. إنه الصبر الذي جزاؤه النار قراراً ومثوى يسوء فيه الثواء! {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.. فما عاد هناك عتاب، وما عاد هناك متاب. وقد جرت العادة أن الذي يطلب العتاب يطلب من ورائه الصفح والرضى بعد إزالة أسباب الجفاء. فاليوم يغلق الباب في وجه العتاب. لا الصفح والرضى الذي يعقب العتاب! ثم يكشف لهم كذلك عن سلطان الله في قلوبهم، وهم بعد في الأرض، يستكبرون عن الإيمان بالله. فالله قد قيض لهم ـ بما اطلع على فساد قلوبهم ـ قرناء سوء من الجن ومن الأنس، يزينون لهم السوء، وينتهون بهم إلى مواكب الذين كتب عليهم الخسران، وحقت عليهم كلمة العذاب: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس، إنهم كانوا خاسرين}.. فلينظروا كيف هم في قبضة الله الذي يستكبرون عن عبادته. وكيف أن قلوبهم التي بين جنوبهم تقودهم إلى العذاب والخسارة وقد قيض الله وأحضر قرناء يوسوسون لهم، ويزينون لهم كل ما حولهم من السوء، ويحسنون لهم أعمالهم فلا يشعرون بما فيها من قبح. وأشد ما يصيب الإنسان أن يفقد إحساسه بقبح فعله وانحرافه، وأن يرى كل شيء من شخصه حسناً ومن فعله! فهذه هي المهلكة وهذا هو المنحدر الذي ينتهي دائماً بالبوار. وإذا هم في قطيع السوء. في الأمم التي حق عليها وعد الله من قبلهم من الجن والإنس. قطيع الخاسرين {إنهم كانوا خاسرين}. وكان من تزيين القرناء لهم دفعهم إلى محاربة هذا القرآن، حين أحسوا بما فيه من سلطان: {وقال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}.. كلمة كان يوصي بها الكبراء من قريش أنفسهم ويغرون بها الجماهير؛ وقد عجزوا عن مغالبة أثر القرآن في أنفسهم وفي نفوس الجماهير. {لا تسمعوا لهذا القرآن}. فهو كما كانوا يدعون يسحرهم، ويغلب عقولهم، ويفسد حياتهم. ويفرق بين الوالد وولده، والزوج وزوجه. ولقد كان القرآن يفرق نعم ولكن بفرقان الله بين الإيمان والكفر، والهدى والضلال. كان يستخلص القلوب له، فلا تحفل بوشيجة غير وشيجته. فكان هو الفرقان. {والغوا فيه لعلكم تغلبون}. وهي مهاترة لا تليق. ولكنه العجز عن المواجهة بالحجة والمقارعة بالبرهان، ينتهي إلى المهاترة، عند من يستكبر على الإيمان. ولقد كانوا يلغون بقصص اسفنديار ورستم كما فعل مالك بن النضر ليصرف الناس عن القرآن. ويلغون بالصياح والهرج. ويلغون بالسجع والرجز. ولكن هذا كله ذهب أدراج الرياح وغلب القرآن، لأنه يحمل سر الغلب، إنه الحق. والحق غالب مهما جهد المبطلون! ورداً على قولتهم المنكرة يجيء التهديد المناسب: {فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون. ذلك جزاء أعداء الله النار، لهم فيها دار الخلد، جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون}. وسرعان ما نجدهم في النار. وسرعان ما نشهد حنق المخدوعين، الذين زين لهم قرناؤهم ما بين أيديهم وما خلفهم، وأغروهم بهذه المهلكة التي انتهى إليها مطافهم: {وقال الذين كفروا: ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس، نجعلهما تحت أقدامنا، ليكونا من الأسفلين}. إنه الحنق العنيف، والتحرق على الانتقام: {نجعلهما تحت أقدامنا}. {ليكونا من الأسفلين}. وذلك بعد الموادة والمخادنة والوسوسة والتزيين! هذه صلة. صلة الوسوسة والإغراء. وهناك صلة. صلة النصح والولاء. إنهم المؤمنون. الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا على الطريق إليه بالإيمان والعمل الصالح. إن الله لا يقيض لهؤلاء قرناء سوء من الجن والإنس؛ إنما يكلف بهم ملائكة يفيضون على قلوبهم الأمن والطمأنينة، ويبشرونهم بالجنة، ويتولونهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة: {إن الذين قالوا: ربنا الله. ثم استقاموا. تتنزل عليهم الملائكة: ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم}. والاستقامة على قولة: {ربنا الله}. الاستقامة عليها بحقها وحقيقتها. الاستقامة عليها شعوراً في الضمير، وسلوكاً في الحياة. الاستقامة عليها والصبر على تكاليفها. أمر ولا شك كبير. وعسير. ومن ثم يستحق عند الله هذا الإنعام الكبير. صحبة الملائكة، وولاءهم، ومودتهم. هذه التي تبدو فيما حكاه الله عنهم. وهم يقولون لأوليائهم المؤمنين: لا تخافوا. لا تحزنوا. أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم يصورون لهم الجنة التي يوعدون تصوير الصديق لصديقه ما يعلم أنه يسره علمه ورؤيته من حظه المرتقب: لكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. ويزيدونها لهم جمالاً وكرامة: نزلاً من غفور رحيم. فهي من عند الله أنزلكم إياها بمغفرته ورحمته. فأي نعيم بعد هذا النعيم؟ ويختم هذا الشوط برسم صورة الداعية إلى الله، ووصف روحه ولفظه، وحديثه وأدبه. ويوجه إليها رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل داعية من أمته. وكان قد بدأ السورة بوصف جفوة المدعوين وسوء أدبهم، وتبجحهم النكير. ليقول للداعية: هذا هو منهجك مهما كانت الأمور: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال: إنني من المسلمين! ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم}.. إن النهوض بواجب الدعوة إلى الله، في مواجهة التواءات النفس البشرية، وجهلها، واعتزازها بما ألفت، واستكبارها أن يقال: إنها كانت على ضلالة، وحرصها على شهواتها وعلى مصالحها، وعلى مركزها الذي قد تهدده الدعوة إلى إله واحد، كل البشر أمامه سواء. إن النهوض بواجب الدعوة في مواجهة هذه الظروف أمر شاق. ولكنه شأن عظيم: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين}. إن كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء. ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة؛ ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات. فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ. ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض، أو بسوء الأدب، أو بالتبجح في الإنكار. فهو إنما يتقدم بالحسنة. فهو في المقام الرفيع؛ وغيره يتقدم بالسيئة. فهو في المكان الدون: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة}. وليس له أن يرد بالسيئة، فإن الحسنة لا يستوي أثرها ـ كما لا تستوي قيمتها ـ مع السيئة والصبر والتسامح، والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر، يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء، ومن الجماح إلى اللين: {ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات. وينقلب الهياج إلى وداعة. والغضب إلى سكينة. والتبجح إلى حياء؛ على كلمة طيبة، ونبرة هادئة، وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام! ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجاً وغضباً وتبجحاً ومروداً. وخلع حياءه نهائياً، وأفلت زمامه، وأخذته العزة بالإثم. غير أن تلك السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرد. وهذه القدرة ضرورية لتؤتي السماحة أثرها. حتى لا يصور الإحسان في نفس المسيء ضعفاً. ولئن أحس أنه ضعف لم يحترمه، ولم يكن للحسنة أثرها إطلاقاً. وهذه السماحة كذلك قاصرة على حالات الإساءة الشخصية. لا العدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها. فأما في هذا فهو الدفع والمقاومة بكل صورة من صورها. أو الصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذه الدرجة، درجة دفع السيئة بالحسنة، والسماحة التي تستعلي على دفعات الغيظ والغضب، والتوازن الذي يعرف متى تكون السماحة ومتى يكون الدفع بالحسنى.. درجة عظيمة لا يلقاها كل إنسان. فهي في حاجة إلى الصبر. وهي كذلك حظ موهوب يتفضل به الله على عباده الذين يحاولون فيستحقون: {وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}.. إنها درجة عالية إلى حد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الذي لم يغضب لنفسه قط؛ وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد. قيل له: وقيل لكل داعية في شخصه ـ: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم}.. فالغضب قد ينزغ. وقد يلقي في الروع قلة الصبر على الإساءة. أو ضيق الصدر عن السماحة. فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حينئذ وقاية، تدفع محاولاته، لاستغلال الغضب، والنفاذ من ثغرته. إن خالق هذا القلب البشري، الذي يعرف مداخله ومساربه، ويعرف طاقته واستعداده، ويعرف من أين يدخل الشيطان إليه، يحوط قلب الداعية إلى الله من نزغات الغضب. أو نزغات الشيطان. مما يلقاه في طريقه مما يثير غضب الحليم. إنه طريق شاق. طريق السير في مسارب النفس ودروبها وأشواكها وشعابها، حتى يبلغ الداعية منها موضع التوجيه؛ ونقطة القياد!!!
ابن عاشور
تفسير : القول في الحروف الواقعة فاتحةَ هذه السورة كالقول في {أَلٰمّ}.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه وعلى نظائره من الآيات، في أول سورة الزمر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- حم حرفان من حروف المعجم افتتحت بهما السورة - كعادة القرآن فى افتتاح كثير من السور - لإثارة الانتباه والتدليل على إعجاز القرآن. 2- هذا الكتاب تنزيل بديع من المنعم بجلائل النعم ودقائقها. 3- كتاب ميزت آياته لفظاً ومقاطع، ومعنى بتمييزه بين الحق والباطل، والبشارة والإنذار، وتهذيب النفوس، وضرب الأمثال، وبيان الأحكام، وهو مقروء باللسان العربى ميسراً فهمه لقوم يعلمون. 4- مبشراً المؤمنين العاملين بما أعد لهم من نعيم، ومخوفاً المكذبين بما أعد لهم من عذاب أليم، فانصرف عنه أكثرهم، فلم ينتفعوا به، كأنهم لم يسمعوا. 5- وقال الكافرون للرسول - صلى الله عليه وسلم -: قلوبنا فى أغطية متكاثقة مما تدعونا إليه من توحيد الله، وفى آذاننا صمم فلا نسمع ما تدعونا إليه، ومن بيننا وبينك حجاب منيع يمنعنا من قبول ما جئت به، فاعمل ما شئت إننا عاملون ما شئنا. 6، 7- قل لهم - أيها الرسول -: ما أنا إلا بشر مثلكم يوحى إلى من الله إنما معبودكم الحق إله واحد، فاسلكوا إليه الطريق القويم، واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، وعذاب شديد للمشركين الذين لا يؤدون الزكاة إلى مستحقيها، وهم بالحياة الآخرة - دون غيرهم - جاحدون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا حـمۤ، ويقرأ هكذا حَا مِيم. تنزيل من الرحمن الرحيم: أي من الله إذ هو الرحمن الرحيم. فصلت آياته: أي بينت آياته غاية البيان بلسان عربي لقوم يعلمون إذ هم الذين ينتفعون. بشيراً ونذيراً: أي مبشراً أهل الإِيمان والعمل الصالح بالفوز، ومنذراً المكذبين الكافرين بالخسران. فأعرض أكثرهم: أي أعرض عن سماع القرآن أكثر مشركي مكة وكفار قريش. فهم لا يسمعون: أي سماع تعقل وتدبر لينتفعوا بما يسمعون. في أكنة: أي أغطية جمع كنان: ما فيه يكن الشيء ويستر. وفي آذاننا وقر: أي ثقل فلم نطق السمع. ومن بيننا وبينك حجاب: أي مانع وفاصل بيننا فلا نسمع ما تقول ولا نرى ما تفعل. معنى الآيات: قوله تعالى {حـمۤ} هذا أحد الحروف المقطعة وتفسيره أن يقال فيه وفي أمثاله من الحروف المقطعة الله أعلم بمراده به. وقد ذكرنا ما أثرنا عن أهل العلم فائدتين هامتين لمثل هذه الحروف المقطعة في أول سورة غافر، وفي العديد من السور المفتتحة بهذه الحروف فليرجع إليها ولتعرف وتحفظ وقوله {تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} أي هو منزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وليس كما يقول المبطلون. وقوله {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي هو كتاب فخم جليل القدر فصلت آيته أي بينت حال كون ذلك التفصيل {قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لسان العرب ويفهمون معاني الكلام وأسراره. وقوله {بَشِيراً وَنَذِيراً} وحال كونه أيضاً بشيراً لأهل الإِيمان وصالح الأعمال بالفوز بالجنة والنجاة من النار؟ ونذيراً للمشركين المكذبين من عذاب النار، وقوله تعالى: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} يخبر تعالى أنه مع بيان الكتاب ووضوح ما جاء به ودعا إليه من التوحيد والخير أعرض أكثر كفار قريش عنه ولم يلتفتوا إليه فهم لا يسمعونه ولا يريدون سماعه بحال، وقالوا معتذرين بأقبح الأعذار: قلوبنا في أكنة أي أغطية تسترها من أجل أن لا نفهم ما تدعونا إليه من التوحيد والإِيمان بالبعث والجزاء المقتضي لمتابعتك والسير وراءك، وفي آذاننا وقر أي ثقل فلا تقوى على سماع ما تقول ومن بيننا وبينك حجاب ساتر وحائل لنا عنك فلا نسمع ما تقول ولا نرى ما تعمل فاتركنا كما تركناك، واعمل على نصرة دينك فإننا عاملون كذلك على نصرة ديننا والحفاظ على معتقداتنا وهذه نهاية المفاصلة التي أبدتها قريش للرسول صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تعيّن تعلم اللغة العربية على كل مسلم يريد أن يفهم كلام الله القرآن العظيم. 2- اشتمال القرآن على أسلوب الترغيب والترهيب وهي البشارة والنِّذارة. 3- بيان شدة عداوة المشركين للتوحيد والداعين إليه في كل زمان ومكان.
القطان
تفسير : فصلت: بينت. لا يسمعون: لا يطيعون. أكنّة: أغطية، جمع كنان. وقْر: صمم. غير ممنون: غير مقطوع، فهو دائم بلا مَنّ. حاميم: حرفان من حروف المعجم افتتحت بهما السورة، لإثارة الانتباه والتدليل على إعجاز القرآن. ان هذا القرآن منزل من عند الله الرحمن الرحيم. وتتكرر هاتان الصفتان من الرحمة دائما لأن الله تعالى رحيم بعباده سبقت رحمته غضبَه، وحتى يعلم الناس ان الله تعالى رحمن رحيم بخلقه، بابه مفتوح لهم دائما حتى لا يقنطوا من رحمته، فالقرآن رحمة من الله تعالى، والرسول الكريم رحمة من الله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. وهذا القرآن كتاب بُيّنت آياته وفصّل فيه الحرام والحلال والنصائح والمواعظ والاخلاق، بلغةٍ عربية فصيحة، ميسّراً فهمه لقوم يعلمون معانيه ومقاصده، ومراميه الانسانية الخالدة. ولقد أُنزل هذا الكتاب العظيم بشيراً لمن أطاع ونذيرا لمن عصى. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} فلم يطيعوه ولم يقبلوه كأنهم لا يسمعون. ثم صرحوا بإعراضهم عنه فقالوا: إن قلوبنا مغلقة دونه عليها الأغطية، فلا تقبله، وفي آذاننا صمم فلا نسمع ما تدعونا اليه، وبيننا وبينك يا محمد حجاب ساتر يمنعنا من قبول ما جئت به. {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} فاعمل ما شئت، فاننا لا نَحيد عن موقفنا منك ومن دعوتك. قل لهم ايها الرسول: ما أنا إلا بشر مثلكم يوحَى إليّ من الله بأن الهكم الذي يجب ان تعبدوه هو الله الواحد الأحد. {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ...} فاستقيموا في افعالكم متوجهين اليه، واطلبوا اليه المغفرة فانه رحيم يحب التوابين، و الويلُ والهلاك لمن أشرك به، وبخل بمالِه فلم يعط الفقراء والمحتاجين قليلا منه. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وينكرون البعثَ والجزاء. ونرى ان منع الزكاة مقرونٌ بالكفر لأن أحبَّ شيء الى الانسان هو المال، وهو شقيق الروح، ولذلك شدّد الله تعالى في هذا الموضوع وأمَرَ بالبذل والعطاء. والزكاة كانت معروفة قبل الهجرة، وهذه الآية مكية، ولم تكن محدَّدة، وانما فُرضت وحُددت في المدينة في السنة الثانية من الهجرة. ثم بين الله ما للمؤمنين عنده تعالى حتى يظهر الفرقُ بين المحسن والمسيء فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} جزاؤهم دائم غير مقطوعٍ بلا منٍّ ولا أذى عند رب غفور رحيم.
د. أسعد حومد
تفسير : (حَا. مِيمِ) (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ} بينت {آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ولو كان غير عربي لما علموه. وفي نصب القرآن وجوه: أحدها: إنّه شغل الفعل علامات حتّى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب القرآن وقوع البيان عليه. الثاني: على المدح. والثالث: على إعادة الفعل، أي فصَّلنا قرآناً. والرابع: على إضمار فعل، أي ذكرنا قرآناً. والخامس: على الحال. والسادس: على القطع. {بَشِيراً وَنَذِيراً} نعتان للقرآن {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يسمعونه ولا يصغون إليه {وَقَالُواْ} يعني مشركي مكّة {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ} أغطية {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} فلا نفقه ما يقول، قال مجاهد: كالجعبة للنبل {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} فلا نسمع ما يقول، وإنّما قالوا ذلك ليؤَيّسئوه من قبولهم لدينه وهو على التمثيل. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} خلاف في الدين، فجعل خلافهم ذلك ساتراً وحاجزاً لا يجتمعون ولا يوافقون من أجله ولا يرى بعضهم بعضاً. {فَٱعْمَلْ} بما يقتضيه دينك. {إِنَّنَا عَامِلُونَ} بما يقتضيه ديننا. قال مقاتل: فأعبد أنت إلهِك، وإنّا عابدون آلهتنا. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} قال الحسن: عَلَمَهُ الله التواضع {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} وجهوا وجوهكم إليه بالطاعة والإخلاص {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} من ذنوبكم الّتي سلفت. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} قال ابن عباس: لا يشهدون لا إله إِلاَّ الله وهي زكاة الأنفس، وقال الحسن وقتادة: لا يقرّون بالزكاة ولا يؤمنون بها، ولا يرون إيتاءها واجباً، وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. وكان يقال: الزّكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل الردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزّكاة فوالله لا تغصب أموالنا. وقال أبو بكر "رضي الله عنه": والله لا أفرق بين شيء جمع الله تعالى بينه والله لو منعوني عقالاً ممّا فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه. وقال مجاهد والربيع: يعني لا يزكّون أعمالهم، وقال الفراء: هو أنّ قريشاً كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمّد صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال ابن عباس: غير مقطوع. مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنّه ينقص منه الإنسان أي قوته. مجاهد: غير محسوب، وقيل: غير ممنون به. قال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعلمون فيه. {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْن} الأحد والأثنين. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} أي في الأرض بما خلق فيها من المنافع، قال السدي: أنبت شجرها. {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} قال الحسن والسدي: يعني أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقال مجاهد وقتادة: وخلق فيها بحارها، وأنهارها، وأشجارها، ودوابها في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، روى ابن نجيح عن مجاهد، قال: هو المطر. قال عكرمة والضحاك: يعني وقدر في كل بلدة منها، ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، فالسابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر واليمانية من اليمن، وهي رواية حصين، عن مجاهد. وروى حيان، عن الكلبي، قال: الخبز لأهل قِطر، والتمر لأهل قِطر، والذرة لأهل قِطر، والسمك لأهل قِطر، وكذلك أخواتها. {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يعني إنّ هذا مع الأول أربعة أيّام، كما يقول: تزوجت أمس امرأة واليوم اثنتين وأحدهما الّتي تزوجتها أمس، ويقال: أتيت واسط في خمسة والبصرة في عشرةِ، فالخمسة من جملة العشرة. فرد الله سبحانه الآخر على الأوّل، وأجمله في الذكر. {سَوَآءً} رفعه أبو جعفر على الإبتداء، أي هي سواءٌ، وخفضه الحسن ويعقوب على نعت قوله: في أربعة أيّام، ونصبه الباقون على المصدر، أي استوت إستواءً، وقيل: على الحال والقطع، ومعنى الآية: سواءً. {لِّلسَّآئِلِينَ} عن ذلك، قال قتادة والسدي: من سأله عنه، فهكذا الأمر، وقيل: لّلسائلين الله حوائجهم. قال إبن زيد: قدر ذلك على قدر مسائلهم، لأنّه لا يكون من مسائلهم شيء إلاّ قد علمه قبل أن يكون. قال أهل المعاني: معناه سواءً لّلسائلين وغير السائلين، يعني إنّه بيّن أمر خلق الأرض وما فيها لمن سأل ومن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لم يسأل. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي عمد إلى خلق السماء وقصد، تسويتها، والإستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله سبحانه وتعالى: ثمّ استوى إلى السّماء. {وَهِيَ دُخَانٌ} بخار الماء. {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع، وإخرجاها، وإظهراها بمصالح خلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسّموات: إطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شقي أنهارك اخرجي ثمارك. {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} ولم يقل طائعتين، لأنّه ذهب به إلى السّماوات والأرض ومن فيهنّ، مجازه: أَتينا بمن فينا طائعين، فلمّا وصفهما بالقول أخرجهما في الجمع مجرى ما يعقل، وبلغنا أنّ بعض الأنبياء، قال: ياربّ لو إنّ السّماوات والأرض حين قلت لهما ائتيا طوعاً أو كرهاً عصيناك، ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت أأمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: وأين تلك الدابة؟. قال: في مرج من مروجي. قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علمي. وقرأ ابن عباس: أئتيا وآتينا بالمد، أي اعطينا الطاعة من أنفسكما. قالتا: أعطينا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: (حم) من الحروف المقطعة، وقد حام العلماء حول معاني هذه الحروف وهذه المحاولات إرضاءً لشهوة البحث في العقل، ولكن الإيمان غير ذلك، فالإيمان يأخذ القضية مُسلَّمة، وما دام الله قد قالها فقد انتهت المسألة. ولذلك سيدنا أبو بكر الصديق ساعةَ قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه فعل كذا وكذا قال: أَو قَاله رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق يعني: هذه مسألة فوق البحث، ولا مجالَ لإعمال العقل فيها لأن لها رصيداً من الصدق يجعلها فوق البحث. ولقد ذكرنا سابقاً خلاصة القول في هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي يذكر الله فيها اسم الحرف، لأن كلَّ حرف له اسم وله مُسمَّى، فالألف مثلاً اسمه الألف ومُسمَّاه أَ - أُ - إِ. الاسم لا يَنطق به إلا المتعلم، فالأمي لا يَعْرف الباء والتاء والثاء، لكنه ينطق بها حين يتكلم. إذن: ينطق الأُميّ مُسمَّى الحرف، ولا يعرف اسمه بدليل أننا حينما نُعلِّم الأولاد نقول لهم: تهجّ هذه الكلمة، فيقول: ك ت ب. أما الأمي فينطقها كتب دون أنْ يعرفَ حروفها ولا هجاءها. اتفقنا على هذه المسألة. اذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أُمياً، فما الذي أفهمه أن (ح) اسمها حاء، و (م) اسمها ميم، بدليل أنك تقرأ في أول سورة البقرة (الم) ألف لام ميم. أما في أول الشرح فتقول {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] فلماذا قرأتها في البقرة هكذا، وفي الشرح هكذا؟ أنت قرأت في البقرة اسم الحرف، أما في الشرح فقرأتَ مُسمَّى الحرف، وهذه لا يفرق بينها إلا متعلم، فمَنْ علَّم محمداً هذه المسألة، والحروف هي نفس الحروف بنفس الترتيب؟ شيء آخر: أن الحروف المقطعة في القرآن أخذت نصف حروف الهجاء، حروف الهجاء معروف أنها ثمانية وعشرون حرفاً، أخذتْ منها الحروفُ المقطعة أربعة عشر حرفاً موزَّعة توزيعاً عجيباً، وما زال العلماء حائرين في فهم معانيها. ففي الحروف التسعة الأولى لم يذكر منها إلا حرفين: الألف والحاء. وفي الحروف التسعة الأخيرة جاء منها سبعة فقط، ولم يأتِ حرفان على عكس الأولى، أما العشرة في الوسط فقد أخذ منها غير المنقوط وترك المنقوط، فأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين، إذن: هي مسألة مدروسة ليست رتابة، إنما هي بنظام وحكمة مثل أسنان المفتاح، فهي دقة مقصودة. ثم ترى أنه سبحانه مرة يأتي في أول السورة بحرف واحد مثل: ص، ق. ومرة حرفين مثل: حم، ومرة ثلاثة مثل: الم، ومرة أربعة مثل: المر، وخمسة مثل حمعسق، كهيعص. إذن: المسألة حكمة مقصودة ليستْ هكذا دون نظام، لها مقصد، مقصد يضع الله فيه حَدَّ الخلاف بين الحروف وباقي الكلام، كيف؟ قالوا: الحروف المقطعة تنطقها أسماء، ولا بدَّ أنْ تقف فيها فلا تقول مثلاً: ألفٌ لامٌ ميمٌ هكذا بالوصل. إنما تقول: ألف وتسكت. لام وتسكت. ميم وتسكت، مع أن القرآن كله في مُجْمله مَبنيٌّ على الوصل لا على الوقف، تقول في سورة (الرحمن): {أية : مُدْهَآمَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 64] هكذا بالكسر ليتم الوصل بما بعدها {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 13]. حتى آخر كلمة في القرآن في سورة (الناس) تقول: {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 6] لتبدأ بعدها وتُوصلها بـ {أية : بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 1-2]. أما الحروف المقطَّعة فجاءت مبنية على الوقف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف, ولام حرف، وميم حرف ". تفسير : إذن: في الحروف المقطَّعة مقاصد وحِكَم ما يزال العلماء يحاولون التوصل إلى شيء منها، كلٌّ حسب ما فتح الله عليه منها، أما هي فكنز باقٍ لا ينفد يعطينا منه الحق سبحانه على قدرنا. يقولون: القرآن جاء معجزةً أسلوبية بلاغية، وأمة العرب مشهورة بالفصاحة والبلاغة، ومع ذلك ما استطاعوا محاكاة القرآن ولا الإتيان بمثله، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم وتعبيراتهم، وتحدَّاهم بهذا كله، فلم يستطيعوا الإتيان ولو بآية واحدة من مثله. وكأن الله يقول لهم: معكم نفس الحروف ونفس الكلمات، فلماذا لم تنسجوا منها مثل نسجي؟ إذن: وجه الإعجاز هنا أنه سبحانه وتعالى هو المتكلم بالقرآن، هو الذي صاغه وتكلم به. وأيضاً، والمعنى الذي يجب أنْ يسودَ في هذا كله، أن الحق سبحانه أنزل لنا عقائد وأحكاماً صدرتْ ممن اعتقدته وآمنتَ به، وقرآن يدل على ذلك، هذه ثلاثة: العقائد وهي الإيمان بالوجود الأعلى وواجب الوجود، وأن له صفات الكمال المطلقة: الأول والآخر والظاهر والباطن .. إلخ لأن هذه يُقام عليها دليل عقلي. فهذا الكون البديع المحكم لا بدَّ له من خالق قادر حكيم عليم .. إلخ .. فالعقل يؤيد هذه العقيدة ويثبتها، لكن ليست هذه كل العقائد، بل هناك سمعيات لا يقوم عليها دليل عقلي لأنها غيبيات كما نقول مثلاً: في الجنة كذا وكذا، وصفتها كذا وكذا. ومثلها كذلك عذاب القبر، هذه غيبيات، نعم لا يقوم عليها دليل من العقل، إنما هي محمية فيما له دليل عقلي، فما دُمتَ قد آمنتَ بهذا الإله، ودلَّكَ العقل عليه، فخذ ما أخبرك به دون أنْ تناقشها، فقط تقف عند سماعها. كذلك الأحكام مثل الصلاة، وأنها إدامة الولاء لله تعالى، والزكاة للاستطراق المالي والاقتصادي في المجتمع، كذلك الحج لبيت الله الحرام. وهكذا. فالأحكام أيضاً فيها جانب عقلي وجانب سمعي، فالصلاة كعبادة لله ودليل ولاء للمعبود سبحانه هذا أمر عقليٌّ، أما كيفيتها وعدد ركعاتها فهذا أمر سمعي نأخذه كما هو ولا نناقشه، كذلك كل العبادات. والأحكام فيها أمر عقلي يُفهم، وأمر سمعي يُؤخذ مُسلَّماً به، فإنْ قلت: كيف نقف عند أمور في الدين لا تُناقش. نقول: نعم لأن هذا الوقوف في أمور الغيبيات هو دليلُ إيمانك بالله، لأن الأمور العقلية يستوي فيها كل الناس. قلنا: لو عندك مبلغ تخاف عليه السرقة مثلاً، ووضعتَه تحت حجر في الحديقة، وجاء آخر الشهر وأردتَ مثلاً أن تعطي خادمك راتبه من هذا المال. تقول له: يا فلان ارفع هذا الحجر وهاتِ ما تحته، فيقول لك: لا أقدر على رفعه وحدي، وسأنتظر فلاناً يرفعه معي، تقول له: اعلم أن تحته الكيس الذي به النقود التي ستأخذ منها راتبك، عندها يذهب ويرفع الحجر وحده. أما إنْ قلتَ لشخص آخر: ارفع هذا الحجر فرفعه دون علة. فهل يستوي في طاعتك هذا وهذا؟ كذلك أمر العقائد، فَرْق بين مَنْ يؤمن بالأمور العقلية الحسية، ومَنْ يؤمن ويصدق حتى بالأمر الغيبي الذي تخبر به. كذلك الحال في العقائد وفي الأحكام وفي القرآن كُلٌّ فيه الأمر العقلي والأمر الغيبي، وعليك أن تحمل الأمور الغيبية على الأمور العقلية. والقرآن الكريم - وهذا هو موضوعنا - فيه كلام عقلي يُفهم بالعقل، وحروف لا يُفهم معناها إلا أن الله قالها، ولذلك نقول فيها: والله أعلم بمراده. وقوله: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 1-2] أنا أقول أن (حم) هذه هي التي يقول الله عنها {تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 2] وما دامتْ تنزيلاً من الرحمن الرحيم، فإياك أنْ تخوض فيها وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة .. إلخ لا بل قف عندها وخُذْها على أن لله فيها مراداً وهو أعلم به. واعلم أنه سبحانه يقول بعدها: {أية : كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..} تفسير : [فصلت: 3] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده مثل (حم)، وهذه الغيبيات هي مجالُ اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضاً الأمر العقلي المفهوم يُفصِّله لك تفصيلاً. كلمة {تَنزِيلٌ ..} [فصلت: 2] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عالٍ إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيراً تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزَّلناه، أنزلنا {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} تفسير : [الإسراء: 105] وقال: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} تفسير : [القدر: 4]. لذلك ساعة تسمع كلمة {تَنزِيلٌ ..} [فصلت: 2] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ..} تفسير : [الحديد: 25] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه مُنزَّل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك. إذن: فكل هذه الاشتقاقات من (نزل) تدل على علو الشيء المنزَّل، ومُنزَّل مِنْ مَنْ؟ {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 2] فيجب أن تتلقى هذا المنزَّل إليك بالتسليم المطلق والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدَّعي أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقلياً. إنما قال لهم: إنْ كان قال فقد صدق. فجعل قَوْل الله هو الأساس، فإنْ حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لُقِّب بالصدِّيق. مع أن الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر إلى بيت المقدس معلومة زماناً ومكاناً، ومع ذلك لم يناقش فيها. أما المعراج فهو أمر غيبيٌّ، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء. ونفهم أيضاً من قوله تعالى: {تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 2] أن التكليف الذي نزَّله الله لك لم يأتِ ليشقَّ عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وَسِعَتْ كل شيء المؤمن والكافر. و (الرحيم) يعني: دائمَ الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإنْ رأيتَ في التنزيل تكليفاً تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاسٍ عليك، إنما هو من رحمن رحيم. رحمن بك، لأنه يدلُّك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشقّ على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإنْ لم تؤمن به وإنْ لم تُصَلِّ. فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلاً: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {فصِّلتْ} بُيِّنت ووُضِّحت {أَكِنَّةٍ} جمع كنان وهو الغطاء {وَقْرٌ} صمم وثقل يمنع سماع الكلام {مَمْنُونٍ} مقطوع من مننْتُ الحبل إِذا قطعته قال الشاعر: شعر : إني لعمرُك ما بابي بذي غلقٍ على الصِّديق ولا خيري بممنون تفسير : {صَرْصَر} الصَّرْصر: الريح الباردة العاصفة مع الصوت الشديد {نَّحِسَاتٍ} مشئومات من النَّحس بمعنى الشؤم وهو ضدُّ السَّعد قال الشاعر: شعر : سواءٌ عليه أيَّ حينٍ أتيته أساعة نحسٍ تُتَّقى أم بأسعد تفسير : {أَخْزَىٰ} أشد إهانةً وإِذلالاً من الخزي بمعنى الإِهانة {ٱلْهُونِ} الإِهانة والذل. التفسِير: {حـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} أي هذا القرآن المجيد منزَّل من الرحمن الرحيم، أنزله جل وعلا رحمة بعباده، وإِنما خصَّ هذين الإِسمين {الرحمن الرحيم} إشارة إلى أن نزوله من أكبر النعم، ولا شك أن القرآن نعمة باقية إلى يوم القيامة {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي كتابٌ جامع للمصالح الدينية والدنيوية، بُيِّنت معانيه، ووُضِّحت أحكامه، بطريق القصص والمواعظ والأحكام والأمثال، في غاية البيان والكمال {قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي في حال كونه قرآناً عربياً، واضحاً جلياً نزل بلسان العرب {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي لقومٍ يفهمون تفاصيل آياته، ودلائل إعجازه، فإِنه في أعلى طبقات البلاغة، ولا يتذوق أسراره إلا من كان عالماً بلغة العرب {بَشِيراً وَنَذِيراً} أي مبشراً للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذراً للكافرين بعذاب الجحيم {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي فأعرض أكثر المشركين عن تدبر آياته مع كونه نزل بلغتهم، فهم لا يسمعون سماع تفكر وتأمل قال أبو حيان: المعنى أعرض أكثر أولئك القوم مع كونهم من أهل العلم، ولكن لم ينظروا النظر التام بل أعرضوا، فهم لإِعراضهم لا يسمعون ما احتوى عليه من الحجج والبراهين وقال القرطبي: السورةُ نزلت تقريعاً وتوبيخاً لقريش في إِعجاز القرآن، فهم لا يسمعون سماعاً ينتفعون به، ثم أخبر تعالى عن عتوهم وضلالهم فقال {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} أي وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الإِيمان: قلوبنا في أغطية متكاثفة، لا يصل إليها شيءٌ مما تدعونا إليه من التوحيد والإِيمان {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي وفي آذاننا صممٌ وثقلٌ يمنعنا من فهم ما تقول قال الصاوي: شبهوا أسماعهم بآذانٍ فيها صمَمٌ، من حيث إنها تمجُّ الحقَّ ولا تميل إلى استماعه {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} أي وبيننا وبينك يا محمد حاجز يمنع أن يصل إلينا شيء مما تقول، فنحن معذورون في عدم اتباعك، لوجود المانع من جهتنا وجهتك {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي اعملْ أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا، واستمرَّ على دينك فإِنا مستمرون على ديننا {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي قل يا محمد لأولئك المشركين: لستُ إلا بشراً مثلكم خصّني الله بالرسالة والوحي، وأنا داعٍ لكم إلى توحيد خالقكم وموجدكم، الذي قامت الأدلة العقلية والشرعية على وحدانيته ووجوده، فلا داعي إلى تكذيبي {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي توجهوا إليه بالاستقامة على التوحيد والإِيمان، والإِخلاص في الأعمال، واسألوه المغفرة لسالف الذنوب {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي دمارٌ وهلاك للمشركين الذين لا يفعلون الخير، ولا يتصدقون ولا ينفقون في طاعة الله قال القرطبي: قرَّعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفي الآية دلالة على أن الكافر يُعذَّب بمنع الزكاة مع عذابه على كفره وقال ابن عباس: المراد زكاة الأنفس والمعنى: لا يطهرون أنفهسم من الشرك بالتوحيد، ولا يقولون لا إله الله {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أي كفروا بالبعث والنشور، وكذَّبوا بالحساب والجزاء قال الصاوي: وإِنما خصَّ منع الزكاة وقرنه بالكفر بالآخرة، لأن المال شقيق الروح فإِذا بذله الإِنسان في سبيل الله كان دليلاً على قوته وثباته في الدين {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} لما ذكر حال الكفار ووعيدهم، أردفه بذكر حال المؤمنين وما لهم من الوعد الكريم والمعنى الذين صدَّقوا الله ورسوله، وجمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح، لهم في الآخرة أجرٌ غير مقطوع عند ربهم، بل هو دائم مستمر بدوام الجنة، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} الاستفهام للتوبيخ والتعجب أي كيف تكفرون بالله وهو الإِلهُ العليُّ الشأن، القادر على كل شيء، خالقُ الأرض في يومين؟ {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} أي تجعلون له شركاء وأمثالاً تعبدونها معه {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ذلك الخالق المبدع هو ربُّ العالمين كلهم، فكيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإِلهية والمعبودية؟ قال الصاوي: الاستفهام {أَإِنَّكُمْ} للإِنكار والتشنيع عليهم والمعنى: أنتم تعلمون أنه لا شريك له في العالم العلوي والسفلي، فكيف تجعلون له شريكاً؟ {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} أي جعل في الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بالبشر {وَبَارَكَ فِيهَا} أي أكثر خيرها بما جعل فيها من المياه، والزروع، والضروع {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} أي قدَّر أرزاق أهلها ومعاشهم قال مجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} أي في تمام أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان، للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي عمد إلى خلقها وقصد إلى تسويتها وهي بهيئة الدخان قال ابن كثير: والمراد بالدخان بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي استجيبا لأمري طائعتين أو مكرهتين {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} أي قالت السموات والأرض أتينا أمرك طائعين قال الزمخشري: وهذا على التمثيل أي أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المُطاع، والغرضُ تصوير أثر قدرته في المقدورات من غير أن يكون هناك خطاب وجواب، ومثله قول القائل: قال الحائطُ للمسمار لم تشقني؟ قل: سلْ من يدُقُّني، وروي عن ابن عباس قال قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين "قالتا أتينا أمرك طائعتين" واختاره ابن جرير {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ} أي صنعهنَّ وأبدع خلقهن سبع سماواتٍ في وقت مقدَّر بيومين، فتمَّ خلق السماواتِ والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقهنَّ بلمح البصر، ولكنْ أراد أن يعلّم عباده الحلم والأناة {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} أي أوحى في كل سماء ما أراده، وما أمر به فيها قال ابن كثير: أي رتَّب في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً} أي وزينَّا السماءَ الأولى القريبة منكم، بالكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، وحرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي ذلك المذكور من الخلق والإِبداع هو صنع الله، العزيز في ملكه، العليم بمصالح خلقه {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أي فإِن أعرضوا عن الإِيمان بعد هذا البيان، فقل لهم: إني أخوفكم عذاباً هائلاً وهلاكاً مثل هلاك عاد وثمود، وعبَّر بالماضي إشارةً إلى تحققه وحصوله {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي حين جاءتهم الرسلُ من كل جوانبهم، واجتهدوا في هدايتهم من كل جهة، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتوَّ والإِعراض {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي بأن لا تعبدوا إلاّ اللهَ وحده {قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي لو شاء ربُّنا إرسالَ رسولٍ لجعله ملكاً لا بشراً {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي فإِنا كافرون برسالتكم، لا نتبعكم وأنتم بشرٌ مثلُنا، وفي قولهم {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ} ضربٌ من التهكم والسخرية بهم {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} هذا تفصيلٌ لما حلَّ بعاد وثمود من العذاب أي فأمَّا عادٌ فبغوا وعتوا وعصوا، وتكبروا على عبادِ الله "هود" ومن آمن منهم معه، بغير استحقاقٍ للتعظم والاستعلاء {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}؟ أي وقالوا اغتراراً بقوتهم لمّا خُوّفوا بالعذاب: لا أحد أقوى منا فنحن نستطيع أن ندفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا قال أبو السعود: كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} جملة اعتراضية للتعجيب من مقالتهم الشنيعة والمعنى أغفلوا عن قدرة الله ولم يعلموا أن الله العظيم الجليل الذي خلقهم وخلق الكائنات، هو أعظم منهم قوةً وقدرة؟ {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} أي وكانوا بمعجزاتنا يجحدون قال الرازي: إنهم كانوا يعرفون أنها حقٌّ ولكنهم جحدوا كما يجحد المودعُ الوديعة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي فأرسلنا على عاد ريحاً باردة شديدة البرد، وشديدة الصوت والهبوب، تُهلك بشدة صوتها وبردها {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي في أيامٍ مشئومات غير مباركاتٍ {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لكي نذيقهم العذاب المخزي المذل في الدنيا قال الرازي: {عَذَابَ ٱلْخِزْيِ} أي عذاب الهوان والذل، والسبب أنهم استكبروا عن الإِيمان، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الذل والهوان إليهم {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} أي ولعذابهم في الآخرة أعظم وأشدُّ إهانةً وخزياً من عذاب الدنيا، وليس لهم ناصر يدفع عنهم ذلك العذاب {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي وأمَّا ثمود فبينا لهم طريق الهدى، ودللناهم على سبيل السعادة، فاختاروا الضلالة على الهداية، والكفر على الإِيمان {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} أي فأخذتهم قارعة العذاب الموقع في الإِهانة والذل {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي بسبب إجرامهم وطغيانهم وتكذيبهم لنبيّ الله "صالح" قال ابن كثير: بعث الله عليهم صيحةً ورجفة وذلاً وهواناً، وعذاباً ونكالاً، بتكذيبهم صالح وعقرهم الناقة {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ} أي ونجينا صالحاً ومن آمن به من ذلك العذاب.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} هذه السورة مكية بلا خلاف ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال أفلم يسيروا إلخ فتضمن وعيداً وتهديداً وتقريعاً لقريش فاتبع ذلك التقريع والتوبيخ والتهديد بتوبيخ آخر فذكر أنه نزل كتاباً مفصلاً آياته بشيراً لمن اتبعه نذيراً لمن أعرض عنه وأن أكثر قريش أعرضوا عنه ثم ذكر قدرة الإِلٰه تعالى على إيجاد العالم العلوي والسفلي ثم قال: فإِن أعرضوا وهذا كله مناسب لآخر سورة المؤمن تنزيل مبتدأ خبره كتاب فصلت أي بينت وفسرت معانيه فصل بين حرامه وحلاله وزجره وأمره ونهيه ووعده ووعيده وانتصب بشيراً ونذيراً على النعت لقرآناً عربياً. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} أي أكثر أولئك القوم أي كانوا من أهل العلم ولكن لم ينظروا النظر التام بل أعرضوا. {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} لإِعراضهم مما احتوى عليه من الحجج والبراهين روي حديث : أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه وليقبح عليه فيما بينه وبينه وليبعد ما جاء به فلما تكلم عتبة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حم ومرّ من صدرها حتى انتهى إلى قوله: فإِن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة فأرعد الشيخ ووقف شعره وأمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم أن يمسك وقال حين فارقه والله لقد سمعت شيئاً ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي . تفسير : {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} تقدم الكلام عليه قال الزمخشري: فإِن قلت هلا قيل على قلوبنا أكنة كما قيل وفي آذاننا وقر ليكون الكلام على نمط واحد قلت هو على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة والدليل على ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً}تفسير : [الكهف: 57] ولو قيل انا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني "انتهى" تقول ان في أبلغ في هذا الموضع من على لأنهم قصدوا إفراط عدم القبول لحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف فلا يمكن أن يصل إليها شىء كما تقول المال في الكيس بخلاف قولك على المال كيس فإِنه لا يدل على الحصر وعدم الحصول دلالة الوعاء واما في قوله: انا جعلنا فهو من اخبار الله تعالى لا يحتاج إلى مبالغة بخلاف قولهم وقول الزمخشري وترى المطابيع منهم يعني من العرب وشعرائهم ولذلك تكلم الناس في شعر حبيب ولم يستحسن بعضهم كثرة صنعة البديع فيه قالوا وأحسنه ما جاء من غير تكلف. والحجاب الستر المانع من الإِجابة وهو خلاف في الدين لأنه يعبد الله وهم يعبدون الأصنام وروي أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال يا محمد بيننا وبينك حجاب استهزاء منه. {فَٱعْمَلْ} قال مقاتل: اعمل لإِلٰهك الذي أرسلك فإِننا عاملون لآلهتنا التي نعبدها وضمن استقيموا معنى التوجه فلذلك تعدى بإِلى أي وجهوا استقامتكم ولما كان العقل ناطقاً بأن السعادة مربوطة بأمرين التعظيم لله تعالى والشفقة على خلقه ذكر أن الويل والثبور والخزي للمشركين الذين لم يعظموا الله بتوحيده ونفي الشريك عنه ولم يشفقوا على خلقه بإِيصال الخير إليهم وأضافوا إلى ذلك إنكار البعث. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال السدي: نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون والممنون المنقوص قاله ابن عباس: قل أئنكم تقدم الكلام عليه. ومعنى في يومين أي في مقدار يومين وبارك فيها أكثر من خيرها، وقدّر فيها أقواتها أي أرزاق ساكنيها ومعائشهم في أربعة أيام أي في تمام أربعة أيام باليومين المتقدمين. وقرىء: سواء بالجر صفة لأربعة وبالنصب على الحال وبالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره هي سواء. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي قصد إليها والظاهر أن المادة التي خلقت منها السماء كانت دخاناً وفي أول الكتاب الذي تزعم اليهود أنه التوراة أن عرشه تعالى كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض فأحدث الله تعالى في ذلك سخونة فارتفع زبد ودخان أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله تعالى منه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما الدخان فارتفع وعلا وخلق الله منه السماوات وفيه أيضاً أنه خلق السماوات من أجزاء مظلمة "انتهى". {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ} هذا القول مجاز وهو كناية عن انفعال هذه الأجرام العظيمة لما يريد الله تعالى منها ونحوه قول القائل: شعر : قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني تفسير : قال ابن عطية: وقوله: قالتا أراد الفرقتين جعل السماوات سماء والأرضين أرضاً وهذا نحو قول الشاعر: شعر : ألم يحزنك ان حبال قومي وقومك قد تباينتا انقطاعا تفسير : جعلها الفرقين وعبر عنها بتباينتا "انتهى". وهذا ليس كما ذكر لأنه إنما تقدم ذكر الأرض مفردة والسماء مفردة فحسن التعبير عنها بالتثنية والبيت هو من وضع الجمع موضع التثنية كأنه قال: ألم يحزنك أن حبلى قومي قومك فلذلك ثنى في قوله قد تباينتا وأنث على معنى الحبل لأنه لا يريد الحبل حقيقة إنما عني به الذمة والمودة التي كانت بين قوميهما. {فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} أي صنعهن وأوجدهن قال الشاعر: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : وعلى هذا انتصب سبع على الحال وحفصاً أي حفظناها حفظاً من المسترقة بالثواقب. ذلك إشارة إلى جميع ما ذكر أي أوجده بقدرته وعزه وعلمه. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} التفات خرج من ضمير الخطاب في قوله: أئنكم لتكفرون إلى ضمير الغيبة إعراضاً من خطابهم إذ كانوا قد ذكروا بما يقتضي إقبالهم وإيمانهم من الحجج الدالة على الوحدانية والقدرة الباهرة. {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ} أي أعلمتكم. {صَاعِقَةً} أي حلول صاعقة قالوا أو ضمير غيبة انتقل منه إلى ضمير الخطاب في قوله: انا وما في قوله بما موصولة بمعنى الذي والعائد عليه قوله به وبما متعلق بكافرون قال الزمخشري: ومفعول شاء محذوف تقديره لو شاء ربها إرسال الرسل لأنزل ملائكة "انتهى". تتبعت ما جاء في القرآن وكلام العرب من هذا التركيب فوجدته لا يكون محذوفاً إلا من جنس الجواب نحو قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الأنعام: 35] أي لو شاء جمعهم على الهدى لجمعهم عليه وكذلك لو نشاء لجعلناه حطاماً لو نشاء جعلناه أجاجا ولو شاء ربك ما فعلوه ولو شاء الله ما عبدنا من دونه شىء شعر : فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ولو شاء ربي كنت عمرو ابن مرثد تفسير : وقال الراجز واللذ لو شاء لكنت صخراً أو جبلاً أشم مشمخراً. فعلى هذا الذي تقرر لا يكون تقدير المحذوف ما قاله الزمخشري وإنما التقدير لو شاء ربنا إنزال الملائكة بالرسالة منه إلى الإِنس لأنزلهم بها إليهم وهذا أبلغ في الامتناع من إرسال البشر إذ علقوا ذلك بإِنزال الملائكة وهو لم يشأ فكيف يشاء ذلك في البشر. {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي بينا لهم وأرشدناهم. {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد والهون الهوان وصف العذاب بالمصدر أو أبدل منه ثم ذكر قريشاً بنجاة من آمن واتقى قيل وكان من نجا من المؤمنين ممن استجاب لهود وصالح مائة وعشرة أنفس. {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} يوم منصوب باذكر منهم يوزعون تقدم الكلام عليه وحتى غاية ليحشر وأعداء الله هم الكفار من الأولين والآخرين وما بعد إذا زائدة للتأكيد والظاهر أن الجلود هي المعروفة وقيل كني به عن الفروج وعليه أكثر المفسرين منهم ابن عباس ثم سألوا جلودهم عن سبب شهادتها عليهم فلم تذكر سبباً غير أن الله تعالى أنطقها ولما صدر منها ما صدر من العقلاء وهي الشهادة خاطبوها بقولهم لم شهدتم مخاطبة العقلاء والظاهر أن قوله: وما كنتم تستترون من كلام الله تعالى توبيخاً لهم. {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ} الخفيات من أعمالكم. {وَذَلِكُمْ} إشارة إلى ظنهم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً من أعمالهم وهو مبتدأ خبره أرادكم وظنكم بدل من ذلكم وقال الزمخشري: وظنكم وأرادكم خبر أن وقال ابن عطية: أرداكم يصلح أن يكون خبراً بعد خبر "انتهى". ولا يصح أن يكون ظنكم الذي ظننتم بربكم خبراً لأن قوله: وذلكم إشارة إلى ظنهم فيصير التقدير وظنهم بأن ربكم لا يعلم ظنكم بربكم فاستفيد من الخبر ما استفيد من المبتدأ وهو لا يجوز وصار نظير ما منعه النحاة من قولك سيد الجارية مالكها. {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} أي يتعذروا فما هم من المعذورين ولما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفرة أردفه بذكر السبب الذي أوقعهم في الكفر فقال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} أي سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا وقرناء جمع قرين أي قرناء سوء من غواة الجن والإِنس. {فَزَيَّنُواْ لَهُم} أي حسنوا وقرروا في أنفسهم. {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قال ابن عباس من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث. {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الدنيا من الضلالة والكفر ولذات الدنيا. {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي كلمة العذاب وهو القضاء المحتم أنهم معذبون. {فِيۤ أُمَمٍ} أي في جملة أمم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ} أي لا تصغوا لهذا القرآن وألغوا فيه قيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في المسجد أصغى إليه الناس من مؤمن وكافر فخشي الكفار استمالته القلوب بذلك فقالوا حتى قرأ محمد فلنغلط نحن بالمكاء والصفير والصياح وشاد الشعر والارجاز حتى يخفى صوته وهذا الفعل هو اللغو. {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} بتشويشكم عليه على قراءته فلا يصغى إليها. {ذَلِكَ} خبر مبتدأ محذوف أي الأحرف ذلك وجزاء مبتدأ والنار خبره. {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} أي موضع البقاء الدائم الذي لا ينقطع والنار هي دار الخلد فكيف قيل فيها ثم محذوف تقديره في عذابها.
الجيلاني
تفسير : {حـمۤ} [فصلت: 1] يا حافظ وحي اللهن المؤيَّد من عنده لحفظ حدوده بمقتضى أوارمه ونواهيه، هذا القرآن الجامع لمصالح عموم المظاهر والأكوان. {تَنزِيلٌ} صارد {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: من الذات الأحدية بمقتضى اسم الرحمن المستوي به على عروش عموم الأكوان؛ لإصلاح حال كل ما لاح عليه شمس ذاته تتميماً لتربيته إياه؛ إذ ما من رطب ولا يابس إلا وهو سبحانه مشتمل عليه ومتكفل لتربيته وتدبيره {ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 2] بإنزاله لخواص عباده؛ ليتنبهوا من رموزه وإشاراته إلى وحدة الحق كمال أسمائه وصفاته. وإنما صار القرآن جامعاً بين مرتبتي الظاهر والباطن والأول والآخر؛ لأنه {كِتَابٌ} شامل كامل {فُصِّلَتْ} بُينت وأُوحضت {آيَاتُهُ} المشتملة على دلائل التوحيد بشواهد القصص والأحكام، ومبنهات العز والحكم، ومحاسن الأخلاق والأعمال، ومقابيح المناهي من الأفعال والأحوال في النشأة الأولى والأخرى، ولهذا صار {قُرْآناً} فرقاناً واضحاً تبياناً {عَرَبِيّاً} بياناً؛ إذ لا لغهة أحسن منه وأشمل وأفضل وأكمل، وإنما فصلت وأوضحت {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] أي: يوفقون من لدنه سبحانه على العلم اللدني والفطرة الأصلية التي هي المعرفة والتوحيد. ولهذا صار {بَشِيراً} يبشر أهل العناية والسعاة والفوز العظيم الذي هو يحققهم بمقام الرضا والتسليم {وَنَذِيراً} ينذر أصحاب الشقاوة والحرمان عن خلود النيران ولعذاب الأليم، ومع علو شأنه ووضح تبيانه وبرهانه. {فَأَعْرَضَ} عنه، وانصرف عن قبوله وسماعة سمع تدبر وتأمل {أَكْثَرُهُمْ} أي: أكثر المكلفين المأمورين من عنده سبحانه بامتثال ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام، وباتصاف ما ذكر فيه من الأخلاق والأعمال، وما رمز إليه من المعارف والأحوال {فَهُمْ} من شدة قساوتهم وغفلتهم {لاَ يَسْمَعُونَ} [فصلت: 4] ولا يلتفتون نحوه عتوّاً وعناداً، فكيف عن فحصه وقبوله، ودراية ما فيه من الرموز والإشارات. {وَ} من غاية عمههم وسكرتهم، ونهاية عتوهم، وإعراضهم عن استماع كلمة الحق والالتفات إليه {قَالُواْ} على سبيل التهكم والتسخر: {قُلُوبُنَا} التي في وعاء الإيمن والاعتقاد {فِيۤ أَكِنَّةٍ} وأغيطة كثيفة وغشاوة غليظة {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من المعرفة والتوحيد، لا نتنبه ولا نتفطن بحقيته {وَ} أيضاً {فِي آذانِنَا} التي هي وسائل العظة والتذكير {وَقْرٌ} صمم مانع عن استماع آياتك الدالة على صدقك في دعواك المبينة المثبتة لدعواك. {وَ} بالجملة: حال {مِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ} أيها المؤيَّد بالوحي والإلهام {حِجَابٌ} عظيم يمنعنا عما تدعونا إليه؛ بحث لا يتيسر لنا رفعه، ولا نقدر على انكشافه {فَٱعْمَلْ} أيها المدعي بمقتضى ما أوحاك إليك ربك وألهمك عليه {إِنَّنَا} أيضاً {عَامِلُونَ} [فصلت: 5] بما تيسر لنا ووفقنا عليه؛ إذ كل ميسر لما خُلق له.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [فصلت: 1-2] يشير: بالحاء إلى الحكمة، وبالميم إلى المنة؛ أي: منَّ على عباده بتنزيل حكمة من الرحمن الأزلي، الذي سبقت رحمته غضبه، فخلق الموجودات برحمانيته الرحيم الأبدي، الذي وسعت رحمته كل شيء إلى الأبد {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 3] بين الحق والباطل، والسعيد والشقي، وبقوله: {قُرْآناً عَرَبِيّاً} [فصلت: 3] يشير إلى أن القرآن قديم من حيث أنه كلام الله وصفته، والعربية كسوة مخلوقة، كساه الله {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] العربية، والعربية بحروفها مخلوقة والقرآن منزه عنها، {بَشِيراً} [فصلت: 4] لمن يعرف قدره ويؤدي حقه بالوصول والوصال {وَنَذِيراً} [فصلت: 4] لمن لم يعرف قدره، ولا يؤدي حقه بالانقطاع والانفصال، {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} [فصلت: 4] عن أداء حقه {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [فصلت: 4] بسمع القبول والانقياد. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] في التوحيد {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} [فصلت: 5] ما يفهم كلامك قالوه حقاً، وإن قالوا على الاستهانة والاستهزاء؛ لأن قلوبهم في أكنة حب الدنيا وزينتها، مقفولة بقفل الشهوات والأوصاف البشرية، ولو قالوا ذلك عن بصيرة لكان ذلك منهم توحيد، فتعرضوا للمقت لما فقدوا من صدق القلب؟! قالوا: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] من الأنانية {فَٱعْمَلْ} [فصلت: 5] بالله فانياً عن وجودك موحداً {إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] ببقاء وجودنا مشركين، وبقوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [فصلت: 6] يشير إلى أن البشر كلهم متساو، وفي البشرية مسدود بهم باب معرفة الله بالوحدانية بالآلات البشرية من العقل وغيره، وإنما فتح هذا الباب على قلوب الأنبياء بالوحي، وقلوب الأولياء بالشواهد والكشوف، وعلى قلوب المؤمنين بالإلهام والشرح، كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، وبقوله: {فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} [فصلت: 6] يشير إلى أن استقامة المرء في دينه موقوف على استقامته في المتابعة ظاهراً وباطناً، {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6]؛ ليرفع بقوة النبوة الحجب التي بينكم وبينه {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] الذين بقوا في شرك الوجود {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [فصلت: 7]؛ أي: لا يزكون نفوسهم عن خبث الحديث {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ} [فصلت: 7] وهى وجودهم الباقي {هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 7] بكفر السر والحجاب. ثم أخبر عن عرفان الإيمان بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8] يشير إلى أن من آمن ولم يعمل صالحاً لم يؤجر إلا ممنوناً؛ أي: ناقصاً، وهو أجر الإيمان، ونقصان من ترك العمل، ثم بترك العمل الصالح يدخل النار ويخرج منها بأجر الإيمان، فأجر العمل الصالح الذي يصدر من النفس الجنة، وهو الأعمال البدنية: كالصلاة والصوم والحج وما أشبهها، وأجر الأعمال القلبية: كالرضاء واليقين والتوكل وما أشبهن من الأخلاق الحسنة، الشوق والمحبة وصدق الطلب، وأجر الأعمال الروحانية: كالتوجه إلى الله بالكلية، وترك التلذذ بكشف الأسرار، وشهود المعاني والكرامات، والاستئناس بالله، والاستيحاش من الخلق، والقلق في المحية، وأجر أعمال الأسرار: كالإعراض عما سوى الله، وترك الركون إلى مقامات القرب، والفطام عن الالتذاذ بالمعارف، ودوام التجلي، وكشوف الحقائق بالدقائق.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عباده أن هذا الكتاب الجليل والقرآن الجميل { تَنزيلُ } صادر { مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها، إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به، من العلم والهدى، والنور، والشفاء، والرحمة، والخير الكثير، ما هو من أجل نعمه على العباد، وهو الطريق للسعادة في الدارين. ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: { فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } أي: فصل كل شيء من أنواعه على حدته، وهذا يستلزم البيان التام، والتفريق بين كل شيء، وتمييز الحقائق. { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيًا. { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والْغَيِّ من الرشاد. وأما الجاهلون، الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالا ولا البيان إلا عَمًى فهؤلاء لم يُسَقِ الكلام لأجلهم، {أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }. تفسير : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } أي: بشيرًا بالثواب العاجل والآجل، ونذيرًا بالعقاب العاجل والآجل، وذكر تفصيلهما، وذكر الأسباب والأوصاف التي تحصل بها البشارة والنذارة، وهذه الأوصاف للكتاب، مما يوجب أن يُتَلقَّى بالقبول، والإذعان، والإيمان، والعمل به، ولكن أعرض أكثر الخلق عنه إعراض المستكبرين، { فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } له سماع قبول وإجابة، وإن كانوا قد سمعوه سماعًا، تقوم عليهم به الحجة الشرعية. { وَقَالُوا } أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينين عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب الموصلة إليه: { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } أي: أغطية مغشاة { مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ } أي: صمم فلا نسمع لك { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } فلا نراك. القصد من ذلك، أنهم أظهروا الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه، والرضا بما هم عليه، ولهذا قالوا: { فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } أي: كما رضيت بالعمل بدينك، فإننا راضون كل الرضا، بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا الآخرة بالدنيا. { قُلْ } لهم يا أيها النبي: { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ } أي: هذه صفتي ووظيفتي، أني بشر مثلكم، ليس بيدي من الأمر شيء، ولا عندي ما تستعجلون به، وإنما فضلني اللّه عليكم، وميَّزني، وخصَّني، بالوحي الذي أوحاه إليَّ وأمرني باتباعه، ودعوتكم إليه. { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ } أي. اسلكوا الصراط الموصل إلى اللّه تعالى، بتصديق الخبر الذي أخبر به، واتباع الأمر، واجتناب النهي، هذه حقيقة الاستقامة، ثم الدوام على ذلك، وفي قوله: { إِلَيْهِ } تنبيه على الإخلاص، وأن العامل ينبغي له أن يجعل مقصوده وغايته، التي يعمل لأجلها، الوصول إلى اللّه، وإلى دار كرامته، فبذلك يكون عمله خالصًا صالحًا نافعًا، وبفواته، يكون عمله باطلا. ولما كان العبد، -ولو حرص على الاستقامة- لا بد أن يحصل منه خلل بتقصير بمأمور، أو ارتكاب منهي، أمره بدواء ذلك بالاستغفار المتضمن للتوبة فقال: { وَاسْتَغْفِرُوهُ } ثم توَّعد من ترك الاستقامة فقال: { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الذين لا يؤتون الزكاة } أي: الذين عبدوا من دونه من لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا ودنسوا أنفسهم، فلم يزكوها بتوحيد ربهم والإخلاص له، ولم يصلوا ولا زكوا، فلا إخلاص للخالق بالتوحيد والصلاة، ولا نفع للخلق بالزكاة وغيرها. { وَهُمْ بِالآخِرَةِ هم كَافِرُونَ } أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا بالجنة والنار، فلذلك لما زال الخوف من قلوبهم، أقدموا على ما أقدموا عليه، مما يضرهم في الآخرة. ولما ذكر الكافرين، ذكر المؤمنين، ووصفهم وجزاءهم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } بهذا الكتاب، وما اشتمل عليه مما دعا إليه من الإيمان، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة للإخلاص، والمتابعة. { لَهُمْ أَجْرٌ } أي: عظيم { غَيْرُ مَمْنُونٍ } أي: غير مقطوع ولا نافد، بل هو مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):