Verse. 4221 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

كِتٰبٌ فُصِّلَتْ اٰيٰتُہٗ قُرْاٰنًا عَرَبِيًّا لِّــقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ۝۳ۙ
Kitabun fussilat ayatuhu quranan AAarabiyyan liqawmin yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كتاب» خبره «فصلت آياته» بينت بالأحكام والقصص والمواعظ «قرآناً عربيا» حال من كتاب بصفته «لقوم» متعلق بفصلت «يعلمون» يفهمون ذلك، وهم العرب.

3

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كِتَٰبٌ } خبره {فُصّلَتْ ءَايَٰتُهُ } بينت بالأحكام والقصص والمواعظ {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } حال من كتاب بصفته {لِقَوْمٍ } متعلق بفصلت {يَعْلَمُونَ } يفهمون ذلك، وهم العرب.

ابن عبد السلام

تفسير : {فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ} فُسِّرت، أو فُصِّلت بالوعد والوعيد "ع" أو بالثواب والعقاب، أو ببيان الحلال والحرام والطاعة والمعصية أو بذكر محمد صلى الله عليه وسلم فحكم ما بينه وبين [من] خالفه {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، أو يعلمون أن القرآن نزل من عند الله أو يعلمون العربية فيعجزون عن مثله.

القشيري

تفسير : بُيِّنَتْ آياتُه ودلالاتُه. {قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: الدليل منصوبٌ للكافة ولكنَّ الاستبصار به للعالِمين - دون المُعْرِضين الجاحدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {كتاب} خبر آخر مشتق من الكتب وهو الجمع فسمى كتابا لانه جمع فيه علوم الاولين والآخرين {فصلت آياته} بينت بالامر والنهى والحلال والحرام والوعد والوعيد والقصص والتوحيد. قال الراغب فى قوله {أية : احكمت آياته ثم فصلت} تفسير : هو اشارة الى ما قال {أية : تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة} تفسير : فمن انصف علم انه ليس فى يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل القرآن {قرآنا عربيا} نصب على المدح اى اريد بهذا الكتاب المفصل آياته قرآنا عربيا او على الحالية من كتاب لتخصصه بالصفة ويقال لها الحال الموطئة وهو اسم جامد موصوف بصفة هى الحال فى الحقيقة وقد سبق غير مرة: والمعنى بالفارسية [در حالتى كه قرآنيست تازى يعنى بلغت عرب تا بسهولت خوانند وفهم كنند]. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان القرآن قديم من حيث انه كلام الله وصفته والعربية كسوة مخلوقة كساها الله تعالى ومن قال ان القرآن اعجمى يكفر لانه معارضة لقوله تعالى {قرآنا عربيا} وبوجود كلمة عجمية فيه معربة لا يخرج عن كونه عربيا لان العبرة للاكثر وذلك كالقسطاس فانه رومى معرب بمعنى الميزان والسجيل فانه فارسى معرب سنك وكل والصلوات فانه عبرانى معرب صلوتا بمعنى المصلى والرقيم فانه رومى بمعنى الكلب والطور فانه الجبل بالسريانى {لقوم} اى عرب {يعلمون} اى كائنا لقوم يعلمون معانيه لكونه على لسانهم فهو صفة اخرى لقرآنا. وفى التأويلات النجمية {لقوم يعلمون} العربية والعربية بحروفها مخلوقة والقرآن منزه عنها

اطفيش

تفسير : {كتاب} خبر ثان {فُصِّلت آياتُه} نعت كتاب، وتفصيلها لفظى ومعنوى، أما اللفظى فكجعلها سوراً، وجعلها فواصل باتحاد اللفظ فى آخر كل فاصلة، أو بالموازنة كقوله تعالى: " أية : إذا وقب" تفسير : [الفلق: 3] باعتبار ما قبله، وقوله: " أية : مِن مَسَد " تفسير : [المسد: 5] كذلك، وكل فاصلة تمام آية، والمعتبر ما قبل ألف التنوين فى الوقف، وما قبل الف الاطلاق: كالسبيلا، والرسولا، والأمر والنهى، والإخبار والثواب والعقاب، والحلال والحرام، والحق والباطل، وبعضها يتضمن بعضا، ولكن اختلف بالاعتبار، ويضعف ما قيل إنها فصلت بالتنزيل، إذ لم تنزل بمرة كسائر كتب الله عز وجل، ويضعف أن يقال: جعلت فاصلة بين النبى صلى الله عليه وسلم من وخالفه. {قرآناً} حال من كتاب لأنه بمعنى مقروء أو لنعته بما هو كالمشتق وهو قوله تعالى: {عربياً} منسوب الى العرب، وهو امتنان من الله تعالى، إذ جعله بلغة القوم الذين نزل على نبيهم، فيسهل عليهم لفظه ومعناه، وينشرونه للعجم بالترجمة، وكذا امتن الله على أهل كل كتاب بانزاله بلغتهم، وهذه الحال مؤكدة، فكونه قرآنا هو معنى كتابا لأن المكتوب مقروء، أو توطئه للنعت بعده، وأجيز أنه مفعول مطلق لنعت محذوف، أى مقروء قرآنا عربيا، أى قراءة عربية، لكن فيه النعت بالمفرد، بعد النعت بالجملة، أو قدر الفعل أى يقرأ قرآنا عربيا بالبناء للفعول. {لقوم} متعلق بفصلت، ولا تنصت الى ادعاء تعليقها بتنزيل، ولا الى دعوى تعليقها بمحذوف نعتا لقرآنا، ولا الى كون اللام للتعليل {يعْلمُونَ} يعرفون معانيه، لكونه بألسنتهم، وهم كفار، عدى لواحد لكونه بمعنى يعرف أو لا يعلق معناه بمفعول فيكون كاللازم، أى أهل علم ونظر.

الالوسي

تفسير : {كِتَـٰبٌ} وحكي ذلك عن الزجاج والحوفي، وهو على الأوجه الأول بدل منه أو خبر آخر أو خبر لمحذوف، وجملة {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } على جميع الأوجه في موضع الصفة لكتاب، وإضافة التنزيل إلى / {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } من بين أسمائه تعالى للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية والدنيوية واقع بمقتضى الرحمة الربانية حسبما ينبـىء عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 107] وتفصيل آياته تمييزها لفظاً بفواصلها ومقاطعها ومبادىء السور وخواتمها، ومعنى بكونها وعداً ووعيداً وقصصاً وأحكاماً إلى غير ذلك بل من أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة عبارة وإشارة مثل ما في القرآن. وعن السدي {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ } أي بينت ففصل بين حرامه وحلاله وزجره وأمره ووعده ووعيده، وقال الحسن: فصلت بالوعد والوعيد، وقال سفيان: بالثواب والعقاب، وما ذكرنا أولاً أعم ولعل ماذكروه من باب التمثيل لا الحصر، وقيل: المراد فصلت آياته في التنزيل أي لم تنزل جملة واحدة وليس بذاك. وقرىء {فصلت } بفتح الفاء والصاد مخففة أي فرقت بين الحق والباطل، وقال ابن زيد: بين النبـي صلى الله عليه وسلم ومن خالفه على أن فصل متعد أو فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني على أن فصل لازم بمعنى انفصل كما في قوله تعالى: {أية : فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ }تفسير : [يوسف: 94]. وقرىء {فصلت } بضم الفاء وكسر الصاد مخففة على أنه مبني للمفعول والمعنى على ما مر. {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } نصب على المدح بتقدير أعني أو أمدح أو نحوه أو على الحال فقيل: من {كِتَابٌ } لتخصصه بالصفة، وقيل: من {ءايَـٰتُهُ } وجوز في هذه الحال أن تكون مؤكدة لنفسها وأن تكون موطئة للحال بعدها، وقيل: نصب على المصدر أي يقرؤه قرآناً، وقال الأخفش: هو مفعول ثان لفصلت، وهو كما ترى إن لم تكن أخفش، وأياً ما كان ففي {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } امتنان بسهولة قراءته وفهمه لنزوله بلسان من نزل بين أظهرهم. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي معانيه لكونه على لسانهم على أن المفعول محذوف أو لأهل العلم والنظر على أن الفعل منزل منزلة اللازم ولام {لِقَوْمٍ } تعليلية أو اختصاصية وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون به والجار والمجرور إما في موضع صفة أخرى ـ لقرآناً ـ أو صلة ـ لتنزيل ـ أو ـ لفصلت ـ قال الزمخشري: ولا يجوز أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات، ولعله أراد لئلا يلزم التفريق بين الصفة وهي قوله تعالى: {بَشِيراً وَنَذِيراً }.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}. كتاب خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، والكتاب، فعال بمعنى مفعول، أي مكتوب. وإنما قيل له كتاب، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج: 21ـ22]. ومكتوب أيضاً في صحف عند الملائكة كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} تفسير : [عبس: 11ـ16]. وقال تعالى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، لما تضمنته الصحف المكتوب فيها القرآن: {أية : رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} تفسير : [البينة: 2ـ3]. وقوله تعالى: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}. التفصيل ضد الإجمال، أي فصل الله آيات هذا القرآن، أي بينها وأوضح فيها ما يحتاج إليه الخلق، من أمور دينهم ودنياهم. والمسوغ لحذف الفاعل في قوله تعالى: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} هو العلم بأن تفصيل آيات هذا القرآن، لا يكون إلا من الله وحده. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تفصيل آيات هذا الكتاب، جاء موضحاً في آيات أخر، مبيناً فيها أن الله فصله على علم منه وأن الذي فصله حكيم خبير، وأنه فصله ليهدي به الناس ويرحمهم، وأن تفصيله شامل لكل شيء، وأنه لا شك أنه منزل من الله كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأعراف: 52] وقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} تفسير : [هود: 1]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 37] وقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يوسف: 111] وقوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} تفسير : [الأنعام: 114] والآيات بمثل ذلك كثيرة. قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}. قوله: قرآناً عربياً قد تكلمنا عليه وعلى الآيات التي بمعناه في القرآن في سورة الزمر، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} تفسير : [الزمر: 28] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، أي فصلت آياته، في حال كونه قرآناً عربياً لقوم يعلمون. وإنما خصهم بذلك، لأنهم هم المنتفعون بتفصيله، كما خصهم بتفصيل الآيات في سورة يونس في قوله تعالى: {أية : مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 5]، وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 97ـ98] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا وجه تخصيص المنتفعين بالأمر المشترك دون غيرهم في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [فاطر: 18] وبينا هناك أن تخصيصهم بالإنذار دون غيرهم، في آية فاطر هذه، وفي قوله تعالى في يس {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يس: 11] وقوله في النازعات: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} تفسير : [النازعات: 45] وقوله في الأنعام: {أية : وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} تفسير : [الأنعام: 51] الآية. مع أن أصل الإنذار عام شامل للمذكورين وغيرهم كما يدل عليه قوله تعالى {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]. وإنما خص المذكورين بالإنذار، لأنهم هم المنتفعون به، لأن من لم ينتفع بالإنذار، ومن لم ينذر أصلاً سواء في عدم الانتفاع، كما قال الله تعالى {أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 10]. وقوله تعالى، في هذه الآية الكريمة {بَشِيراً وَنَذِيراً} حال بعد حال. وقد قدمنا الكلام عليه وبعض شواهده العربية، في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الكهف: 2] الآية. وبسطنا الكلام عليه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 2]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7] وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يسمعون سماع قبول وانتفاع. وقد أوضحنا ذلك بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل: 80] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} {آيَاتُهُ} {قُرْآناً} (3) - وَهُوَ كِتَابٌ بُيِّنَتْ مَعَانِيهِ، وَأُحْكِمَتْ أَحْكَامُهُ، وَأَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَيَسْهُلَ عَلَى أَهْلِ العُقُولِ والأَلْبَابِ مِنَ العَرَبِ قِرَاءَتُهُ وَفَهْمُ مَعَانِيهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). فُصِّلَتْ - مُيِّزَتْ أَوْ بُيِّنَتْ أَوْ أُحْكِمَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سماه {كِتَابٌ ..} [فصلت: 3] لأن الكتاب تعني الجمع. والكتيبة جمع الجنود، فالكتاب تجمع الكلمات إلى بعضها، والكتاب يعني: مجتمع فيه أشياء، وفي القرآن اجتمع كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كتاب لأنه مكتوب ومُسجَّل تستطيع أن تقرأه. ولذلك لما أرادوا جمع القرآن وضع الجامعُ مبدأ، وهو ألاَّ يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة بالفعل على الرِّقاع أو العظام أو غيره، مما كانوا يكتبون عليه، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، فهو كتاب لأنه مكتوب في السطور، وقرآن لأنه مقروء محفوظ في الصدور. الحق سبحانه وتعالى أراد بذلك كما قال الشيخ المرحوم محمد عبد الله دراز: أنْ تُذكِّر إحداهما الأخرى، فالمكتوب من المقروء يتعاونان في تسجيل كتاب الله تسجيلاً دقيقاً لا يتطرق إليه الشك. والدليل على ذلك أن جامع القرآن وجد آية مكتوبة، وطلب لها شاهدين فلم يجد إلا واحداً يشهد على صحتها فتوقف عن كتابتها، وكان هذا الشاهد هو سيدنا حذيفة رضي الله عنه، وجاء للكاتب مَنْ ذكَّره بحديث سيدنا رسول الله في شأن خزيمة حين قال: "حديث : من شهد له خزيمة فحَسْبه" تفسير : فجعل شهادة خزيمة بشهادتين، وأخذ عنه الآية وكتبها. ولها قصة: قالوا حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد استدان مالاً من يهودي، وأدَّاه لَهُ دون شاهد بينهما، ثم جاء اليهودي مرة أخرى يطالب رسول الله بالسداد فقال له رسول الله: لقد أديتك. قال: لا، قال أدَّيْتُك، قال: إذن ابغني شاهداً، فقام أحدُ الصحابة وقال: أنا يا رسول الله شهدتُ ذلك، عندها سكن اليهودي لأنه كاذب. وبعد نهاية الموقف استدعى رسول الله الصحابي وقال له: كيف شهدتَ بذلك ولم يكُنْ معنا أحد؟ فقال له: يا رسول الله، كيف أُصدقك في خبر السماء وأُكذِّبك في كذا درهم .. نعم: نقول هنا نِعْمَ الاستنباط، لذلك استحق هذه المكانة من رسول الله "من شهد له خزيمة فَحَسْبُه ". تفسير : ومعنى {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..} [فصلت: 3] يقولون في الفعل (فُصِّلت) مبني للمجهول أو لما لم يُسَمَّ فاعله، والمعنى هنا أن الله فصَّلها أولاً ففُصِّلت أي: صارتْ مُفصَّلة، فلما بلَّغها رسول الله للناس أصبحت هي مُفصَّلة لأمورهم ولأحكامهم. ومعنى {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ..} [فصلت: 3] لأن القرآن مُقسَّم ومُفصَّل إلى سور، كل سورة قائمة بذاتها، وداخل السُّور آيات، كل آية بذاتها، ففي السُّوَر الطويل والقصير، كذلك في الآيات تجد كلمة واحدة آية، وتجد آية من عدة أسطر، كذلك فصَّل الكلمات من حيث مادتها، كذلك فصَّل الحلال والحرام، وفصَّل الطاعة والمعصية، ألم يفصل بين الوعد والوعيد، بين الثواب والعقاب. لقد فَصَل القرآن بين كل هذه المسائل، أو فُصلت فيه كل آيات الكون إلى قيام الساعة، لذلك قالوا: "حديث : خطبنا رسول الله خطبة بليغة، ما ترك فيها شيئاً، وما ترك من ورقة تسقط إلا حدَّثنا عنها إلى أنْ تقوم الساعة، حفظها مَنْ حفظها ونسيها مَنْ نسيها ". تفسير : نعم كما قال تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 38] يعني: أن الأمور التي تحدث في الكون موجودة عندكم في هذا الكتاب. ولذلك لما سُئلنا في إحدى رحلاتنا إلى أوربا من أحد المستشرقين قال: عندكم في القرآن: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} تفسير : [الصف: 9]. وفيه: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]. ومع ذلك وبعد مرور أربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام، ما يزال اليهود والنصارى والملاحدة والمشركون موجودين، ولم يظهر عليهم الإسلام، فكان الرد الذي وفقنا الله إليه أن الإسلام ظهر بالفعل عليهم رغم وجودهم، والمراد بالظهور هنا ظهور الحجة، فالإسلام ظهر على هؤلاء بالحجة من أعدائهم. وفرْق بين أن تظهر الحجة من مُعتقده، وبين أن تظهر الحجة من معاند، كيف؟ قالوا: ستظهر في الكون أقضية من صُنْع البشر لا يجدون لها حلاً، إلا أن يرجعوا إلى حكم القرآن. إذن: ظهر القرآن عليهم وعلى أفكارهم وعلى أحكامهم وعلى حضارتهم، وإلا لما رجعوا إليه. ومثَّلنا لذلك بقضية الطلاق في الإسلام، وهي من أهم القضايا التي عارضوها وانتقدوها، وبعد ذلك اضطرَّ الفاتيكان نفسه إلى إباحة الطلاق عندهم، وهذا هو ظهور الإسلام، لا بأنْ يكونوا مسلمين، إنما بأنْ تظهر حجته ويشهد له منهم مَنْ لم يؤمن به. وقوله: {قُرْآناً عَرَبِيّاً ..} [فصلت: 3] أي: بلسان عربي وفي أمة عربية، لكن كيف ذلك وهو رسالة عالمية لكل البشر ولكل اللغات؟ ولماذا لم ينزل بكل اللغات؟ قالوا: إذن لم يكُنْ هناك لغة (اسبرانتو) فالقرآن نزل على محمد في بيئته العربية، لأن الله تعالى يريد أن يظهر هذا الدين في أمة أمية، وعلى لسان رسول أميٍّ حتى لا يقول أحد: إن القرآن وثبة حضارية. فالعرب كانوا أمة لا دولةَ لها تحكمها ولا نظام ولا قانون، كانوا مجموعة من القبائل كل قبيلة لها قانونها، كل واحد منهم (شوكته من ظهره) ومع ذلك تأتي مثل هذه الأمة وتوحد العالم كله بما فيه من دول متحضرة من فارس في الشرق إلى الروم في الغرب. فمن أين أتت هذه الأمة بذلك؟ كان عليهم أنْ يفهموا أنه قانونُ السماء جاء من أعلى، وإلا ما كان العرب ليقوموا بهذا الدور لولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. إذن: لا مجالَ لأنْ نقول عن الإسلام إنه وثبة حضارية، لذلك لما أراد الحق سبحانه إعلاءَ دينه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم يجهر بهذا الدين في مكة، لماذا مكة بالذات؟ لأن فيها قريشاً وهي موضع السيادة في الجزيرة كلها، وفيها الصناديد الذين لا يجرؤ أحد على مواجهتهم. فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه المسألة حكمة، هي ألاَّ يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد. فالقرآن عربي لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كُلٌّ لقبيلته، لذلك كثرت بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة. هذه الحروب درَّبتهم على القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يُعدَّ جيشاً لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلاً من الرجال جاهزاً مُعداً يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار إليها. هؤلاء هم الرجال الذين سيتلقوْنَ الدعوة من رسول الله، هم الذين سينشرونها. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الكلامُ بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ليستطيعوا حملها. لذلك قال تعالى في موضع آخر: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ..} تفسير : [إبراهيم: 4] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولاً. لكن كيف تكون عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى الناس لا ألفاظاً، لكن يحملونها منهجاً وسلوكاً وقدوةً، ومعلوم أن المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن. إذن: نزل القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعَدُّون لهذه المهمة، القادرون على حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة حضارية. وقوله: {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] أي: يعلمون أساليب العربية، بل ويُجوِّدون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك لن تجد أمة في الأرض صنعتْ معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ويُقيِّمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة. إذن: {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] العربية وينبغون فيها نبوغاً، بحيث نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، فالذي يجهل شيئاً لا يصح أنْ تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون الإعجاز للمُجيد في الشيء المتحدَّى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه. ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن. ولذلك الحق سبحانه وتعالى لا يُنزل آية مع رسول من رسُله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كانت معجزته العصا، لأن قومه نبغوا في السحر، وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدَّى القوم بالقرآن، وبذلك يتأتَّى الإعجاز. لذلك نسمع مَنْ يقول: إن العرب انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قوياً، فتحدَّى الله لهم دليلٌ على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة.