Verse. 4227 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

قُلْ اَىِٕنَّكُمْ لَتَكْفُرُوْنَ بِالَّذِيْ خَلَقَ الْاَرْضَ فِيْ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُوْنَ لَہٗۗ اَنْدَادًا۝۰ۭ ذٰلِكَ رَبُّ الْعٰلَمِيْنَ۝۹ۚ
Qul ainnakum latakfuroona biallathee khalaqa alarda fee yawmayni watajAAaloona lahu andadan thalika rabbu alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أئنكم» بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأولى «لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين» الأحد والاثنين «وتجعلون له أنداداً» شركاء «ذلك رب» أي مالك «العالمين» جمع عالم، وهو ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون، تغليباً للعقلاء.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى أن يقول {أية : إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [الكهف: 110] {أية : فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ } تفسير : [فصلت: 6] أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بيّن كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية؟ فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وأما نافع في رواية قالون وأبو عمرو فعلى هذه الصورة، إلا أنهما يمدان، والباقون همزتين بلا مد. المسألة الثانية: قوله تعالى: {أَئِنَّكُمْ } استفهام بمعنى الإنكار، وقد ذكر عنهم شيئين منكرين أحدهما: الكفر بالله. وهو قوله {لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } وثانيهما: إثبات الشركاء والأنداد له، ويجب أن يكون الكفر المذكور أولاً مغايراً لإثبات الأنداد له، ضرورة أن عطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه الأول: قولهم إن الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد كفروا بالله الثاني: أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف، وفي بعثة الأنبياء، وكل ذلك قدح في الصفات المعتبرة في الإلهية، وهو كفر بالله الثالث: أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد، وذلك أيضاً قدح في الإلهية وهو يوجب الكفر بالله، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء، وأثبتوا الأنداد أيضاً لله لأجل قولهم بإلهية تلك الأصنام، واحتج تعالى على فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يجوز الكفر بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً لله تعالى، مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين؟ فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة، كيف يعقل الكفر به وإنكار قدرته على الحشر والنشر، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة الأنبياء، وكيف يعقل جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً له في المعبودية والإلهية، فإن قيل من استدل بشيء على إثبات شيء، فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض، وإنما يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء، والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوّة، فلا يعقل تقرير هذه المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم، قلنا إثبات كون السموات والأرض مخلوقة بطريق العمل ممكن، فإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم، وحينئذ يقال للكافرين فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة وبين الصنم الذي هو جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟ بقي أن يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أثر، فنقول هذا أيضاً له أثر في هذا الباب، وذلك لأن أول التوراة مشتمل على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب، فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني واعتقدوا في كونها حقة، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يحسن أن يقال لهم أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكاً له في المعبودية والإلهية؟ فظهر بما قررنا أن هذا الاستدلال قوي حسن. وأما قوله تعالى: {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي ذلك الموجود الذي علمت من صفته وقدرته أنه خلق الأرض في يومين هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم، فكيف أثبتم له أنداداً من الخشب والحجر؟ ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض في يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك فالأول: قوله {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا } والمراد منها الجبال، وقد تقدم تفسير كونها {رَوَاسِيَ } في سورة النحل (15)، فإن قيل: ما الفائدة في قوله {مّن فَوْقِهَا } ولم لم يقتصر على قوله {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسيَ شَـٰمِخَـٰتٍ } تفسير : [المرسلات: 27] {أية : وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ } تفسير : [الرعد: 3] قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله سبحانه وتعالى والنوع الثاني: مما أخبر الله تعالى في هذه الآية قوله {وَبَـٰرَكَ فِيهَا } والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما يحيط به الشرح والبيان، وقد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والنوع الثالث: قوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } وفيه أقوال الأول: أن المعنى وقدر فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، قال محمد بن كعب: قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان والقول الثاني: قال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر، وعلى هذا القول فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر والقول الثالث: أن المراد من إضافة الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض، وحادثة فيها لأن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، فقوله {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة، حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات من اكتساب الأموال، ورأيت من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة، لأن الله تعالى وضع الأرزاق والأقوات في الأرض قال: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } وإذا كانت الأقوات موضوعة في الأرض كان طلبها من الأرض متعيناً، ولما ذكر الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير قال بعده: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ } وههنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر أنه خلق الأرض في يومين، وذكر أنه أصلح هذه الأنواع الثلاثة في أربعة أيام أُخر، وذكر أنه خلق السموات في يومين، فيكون المجموع ثمانية أيام، لكنه ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فلزم التناقض، واعلم أن العلماء أجابوا عنه بأن قالوا المراد من قوله {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } مع اليومين الأولين، وهذا كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً يريد كلا المسافتين، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفاً في شهر وألوفاً في شهرين فيدخل الألف في الألوف والشهر في الشهرين. السؤال الثاني: أنه لما ذكر أنه خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن الغلط، فلم ترك هذا التصريح، وذكر ذلك الكلام المجمل؟ والجواب: أن قوله {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ } فيه فائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء في يومين لم يفد هذا الكلام كون هذين اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، أما لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال بعده: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ } دل ذلك على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان. السؤال الثالث: كيف القراءات في قوله {سَوَآء }؟ والجواب: قال صاحب «الكشاف» قرىء {سَوَآء } بالحركات الثلاثة الجر على الوصف والنصب على المصدر استوت سواء أي استواء والرفع على هي سواء. السؤال الرابع: ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء؟ فنقول إن الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء وقد تكون مختلفة كالأيام الموجودة في سائر الأماكن، فبيّن تعالى أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة. السؤال الخامس: بم يتعلق قوله {لّلسَّائِلِينَ }؟ الجواب فيه وجهان: الأول: أن الزجاج قال قوله {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي في تتمة أربعة أيام، إذا عرفت هذا فالتقدير {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } في تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها والثاني: أنه متعلق بمحذوف والتقدير كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها، ولما شرح الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } وفيه مباحث: البحث الأول: قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 6] والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها، من غير صرف يصرفه ذلك. البحث الثاني: ذكر صاحب «الأثر» أنه كان عرش الله على الماء قبل خلق السموات والأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فيبقى على وجه الماء فخلق الله منه اليبوسة وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات. واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن، فإن دل عليه دليل صحيح قبل وإلا فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية، بدليل أنه لو جلس إنسان في ضوء السراج وإنسان آخر في الظلمة، فإن الذي جلس في الضوء لا يرى مكان الجالس في الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلماً، وأما الذي جلس في الظلمة فإنه يرى ذلك الذي كان جالساً في الضوء ويرى ذلك الهواء مضيئاً، ولو كانت الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين، فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور، فالله سبحانه وتعالى لما خلق الأجزاء التي لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً، وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس والقمر كانت مظلمة، فصح تسميتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور، فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان، والله أعلم بحقيقة الحال. البحث الثالث: قوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30] مشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء في هذه المسألة، والجواب المشهور: أن يقال إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولاً ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض، وبهذا الطريق يزول التناقض، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من وجوه الأول: أنه تعالى بيّن أنه خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث {جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة، وقوله تعالى: {وَبَـٰرَكَ فِيهَا } مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة، وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني: أنه قد دلّت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضاً فهي منذ خلقت كانت مدحوة، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة، وذلك باطل الثالث: أن الأرض جسم في غاية العظم، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحواً، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة، ثم صارت مدحوة قول باطل، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت المقدس، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك الموضع، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال، وإن كان المراد منه أنه خلق أولاً أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً، فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام، فإذا حصل دحو الأرض من بعد ذلك فقد حصل هذا الدحو في زمان آخر بعد الأيام الستة، فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل الخامس: أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } كناية عن إيجاد السماء والأرض، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل. فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور، ونقل الواحدي في «البسيط» عن مقاتل أنه قال: خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ } ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى: {أية : قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [يوسف: 77] معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا } تفسير : [الأعراف: 4] والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة {ثُمَّ } تقتضي التأخير، وكلمة كان تقتضي التقديم والجمع بينهما يفيد التناقض، وذلك دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره وقد بينا أن قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله {ائتيا} على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرناه، بقي على لفظ الآية سؤالات. السؤال الأول: ما الفائدة في قوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }؟ الجواب: المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو لم تشأ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو مكرهين {قَالَتَا أَتَيْنَا }على الطوع لا على الكره، وقيل إنه تعالى ذكر السماء والأرض ثم ذكر الطوع والكره، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض بتخصيص السماء بالطوع لوجوه أحدها: أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف، تشبه حيواناً مطيعاً لله تعالى بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة تكون في السكون وأخرى في الحركات المضطربة وثانيها: أن الموجود في السماء ليس لها إلا الطاعة، قال تعالى: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] وأما أهل الأرض فليس الأمر في حقهم كذلك وثالثها: السماء موصوفة بكمال الحال في جميع الأمور، قالوا إنها أفضل الألوان وهي المستنيرة، وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة، ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالي، وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغير الذوات والصفات، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون الأرض بالكره، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبداً بما ويوجب الكره والكرب والقهر والقسر. السؤال الثاني: ما المراد من قوله {ٱئْتِيَا } ومن قوله {أتينا }؟ الجواب: المراد ائتيا إلى الوجود والحصول وهو كقوله {أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 117] وقيل المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي بأرض مدحوة قراراً ومهاداً وأي بسماء مقببة سقفاً لهم، ومعنى الإتيان الحصول والوقوع على وفق المراد، كما تقول أتى عمله مرضياً وجاء مقبولاً، ويجوز أيضاً أن يكون المعنى لتأتي كل واحدة منكم صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قراراً للسماء وكون السماء سقفاً للأرض. السؤال الثالث: هلا قيل طائعين على اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون؟ الجواب: لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين في موضع طائعات نحو قوله {أية : سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 120] ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أقل من الذرة الصغيرة في جوف الجبل الكبير، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل والحياة غالبة، إلا أن هذا القول باطل، لإجماع المتكلمين على فساده. ثم قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } وقضاء الشيء إنما هو إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله {فَقَضَاهُنَّ } يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال: {طَائِعِينَ } ونحوه {أية : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 7] ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال والثاني على التمييز. ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم؟ قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدراً بيوم. ثم قال تعالى: {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } قال مقاتل أمر في كل سماء بما أراد، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وقال السدي خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد، قال ولله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، ولله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص، فمن الملائكة من هو في القيام من أول خلق العالم إلى قيام القيامة، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون، وإذا كان ذلك الأمر مختصاً بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصاً بتلك السماء، وقوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا } تفسير : [الأعرف: 4] والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيداً ثم ضربت عمراً بالأمس، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه، والمختار عند أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون} تفسير : [آل عمران:59] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك، وإذا ثبت هذا فنقول قوله {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } معناه أنه قضى بحدوثه في يومين، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا، لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء، ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء، وحينئذٍ يزول السؤال، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل. ثم قال تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }. واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان: القول الأول: أن تجري هذه الآية على ظاهرها فنقول: إن الله تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال: {أية : يٰجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } تفسير : [سبأ: 10]والله تعالى تجلى للجبل قال: { أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } تفسير : [الأعراف: 143] والله تعالى أنطق الأيدي والأرجل فقال: { أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النور: 24] وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء والأرض حياة وعقلاً وفهماً، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع، وههنا لا مانع، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني: أنه تعالى أخبر عنهما، فقال: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث: قوله تعالى: { أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } تفسير : [الأحزاب: 72] وهذا يدل على كونها عارفة بالله، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجوداً، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب، فلم يجز توجيه الأمر عليها، فإن قال قائل: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله {أَتَيْنَا طَائِعِينَ } حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، إلا أن هذا الكلام باطل، لأنه تعالى قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } والفاء للتعقيب، وذلك يدل على أن حدوث السموات إنما حصل بعد قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث. القول الثاني: أن قوله تعالى: {قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع، ونظيره قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال الوتد: أسأل من يدقني، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي. واعلم أن هذا عدول عن الظاهر، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، وقد بينا أن قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرنا. واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات الملائكة، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء،وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات، ثم إنه تعالى أسكنهم فيها، وأيضاً ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر، بل هي أعلى من مصاعد أفهامهم ومرامي أوهامهم، ثم قال: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ } وهي النيرات التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسر معين، وطبيعة معينة، لايعرفها إلا الله، ثم قال: {وَحِفْظاً } يعني وحفظناها حفظا، يعني من الشياطين الذين يسترقون السمع، فأعد لكل شيطان نجماً يرميه به ولا يخطئه، فمنها ما يحرق، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلاً، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات والأرض فقال: « حديث : خلق الله تعالى الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم الخميس السماء، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، ثم خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة تفسير : ـ ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟ قال ـ حديث : ثم استوى على العرش ـ تفسير : قالوا: ثم استراح ـ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم » فنزل قوله تعالى: { أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } تفسير : [ق: 38]. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل، قال: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } والعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، وما أحسن هذه الخاتمة، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} «أَئِنَّكُمْ» بهمزتين الثانية بين بين و«أَائِنَّكُمْ» بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لِمَ تكفرون بالله وهو خالق السموات والأرض؟ٰ «فِي يَوْمَيْنِ» الأحد والاثنين. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} أي أضداداً وشركاء {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا} أي في الأرض {رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} يعني الجبال. وقال وهب: لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء؛ فقال لجبريل: ثَبِّتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال: يا رب أنت أعلم لقد غُلِبت فيها فثبَّتَها بالجبال وأرساها {وَبَارَكَ فِيهَا} بما خلق فيها من المنافع. قال السدي: أنبت فيها شجرها. {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} قال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك: معنى «قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مِثلاً بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابريّ من سابور، والطيالسة من الرّي، والحبر اليمانية من اليمن. {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً؛ أي في تتمة خمسة عشر يوماً. قال معناه ابن الأنباري وغيره. {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي «سَوَاءٍ لِلسَّائِلِينَ» بالجر. وعن ابن القعقاع «سَواءٌ» بالرفع؛ فالنصب على المصدر و«سَوَاءً» بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر «لِلسَّائِلِينَ» أو على تقدير هذه «سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ». وقال أهل المعاني: معنى «سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ» ولغير السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي عَمَد إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} تفسير : [البقرة: 29] وقد مضى القول هناك. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} يعني صعد أمره إلى السماء؛ وقاله الحسن. ومن قال: إنه صفة ذاتية زائدة قال: استوى في الأزل بصفاته. و«ثُمَّ» ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في «البقرة» عن ابن مسعود وغيره. {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شُقِّي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ». وفي الكلام حذف أي أتينا أمرك «طَائِعِينَ». وقيل: معنى هذا الأمر التسخير؛ أي كونا فكانتا كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد؛ ذكره الماوردي. «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» فيه أيضاً وجهان: أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز:شعر : امْتَلأَ الْحَوْضُ وقال قَطْني مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأَتُ بَطْنِي تفسير : يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى؛ قال أبو نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحِيالها، فوضع الله تعالى فيه حَرَمه. وقال: «طَائِعِينَ» ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات وأرضون؛ لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما. وقيل: لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4] وقد تقدّم. وفي حديث: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما «ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً» عصياك ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مَرْج من مُرُوجي. قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال: عِلْم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة «آتَيَا» بالمدّ والفتح. وكذلك قوله: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما «قَالَتَا» أعطينا «طَائِعِينَ» فحذف المفعولين جميعاً. ويجوز وهو أحسن أن يكون «آتَيْنَا» فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ «آتَيْنَا» فالمعنى جئنا بما فينا؛ على ما تقدّم بيانه في غير ما موضع والحمد لله. قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} أي أكملهنّ وفرغ منهنّ. وقيل: أحكمهنّ كما قال:شعر : وعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاودُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ تفسير : {فِي يَوْمَيْنِ} سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الأعراف: 54] على ما تقدّم في «الأعراف» بيانه. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبد الله بن سَلام قال: خلق الله الأرض في يومين، وقدّر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين؛ خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدّر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وآخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عَجَل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: «حديث : خلق الله التربة يوم السبت»تفسير : الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أوّل سورة «الأنعام». {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} قال قتادة والسّدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج. وهو قول ابن عباس؛ قال: ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء؛ أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمراً؛ لقوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 5] وقوله: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ}تفسير : [المائدة: 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} أي بكواكب تضيء. وقيل: إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. {وَحِفْظاً} أي وحفظناها حفظاً؛ أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي تُرجم بها الشياطين على ما تقدّم في «الحجر» بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى: {أية : أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] ثم قال: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } وهذا يدل على خلق السماء أوّلاً. وقال قوم: خلقت الأرض قبل السماء؛ فأما قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } تفسير : [النازعات: 30] فالدَّحْوُ غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدّها وبسطها؛ قاله ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجوَّداً في «البقرة» والحمد لله. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.

ابن كثير

تفسير : هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقتدر على كل شيء، فقال: {قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} أي: نظراء وأمثالاً تعبدونها معه {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الأعراف: 54] ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولاً، لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف؛ كما قال عز وجل: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} تفسير : [البقرة: 29] الآية فأما قوله تعالى: {أية : أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَـٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَـٰمِكُمْ } تفسير : [النازعات:27-33] ففي هذ الآية أن دحي الأرض كان بعد خلق السماء، فالدحي هو مفسر بقوله {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض، فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس رضي الله عنه فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال: وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: {أية : فَلآ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27] {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: { أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَـٰهَا} ــــ إلى قوله ــــ {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فذكر خلق السماء، قبل الأرض ثم قال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ - إلى قوله - طَآئِعِينَ} فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] {أية : عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 56] {أية : سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [النساء: 58] فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} في النفخة الأولى، ثم نفخ في الصور، {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأََرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون بينهم في النفخة الأخرى { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} وأما قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [النساء: 42] {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثاً، وعنده {أية : يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [النساء: 42] الآية، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى: دحاها. وقوله: {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ} فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلق السموات في يومين. {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] سمى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك؛ فإن الله تعالى لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفن عليك القرآن؛ فإن كلاً من عند الله عز وجل. قال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال، هو ابن عمرو، بالحديث. وقوله: {خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ} يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين، {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا} أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}، وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس، يعني: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة، ولهذا قال: {فِىۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه. وقال عكرمة ومجاهد في قوله عز وجل: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا}: جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها، ومنه العصب باليمن، والسابوري بسابور، والطيالسة بالري. وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} أي: لمن أراد السؤال عن ذلك. وقال ابن زيد: معناه: وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، أي: على وفق مراده، من له حاجة، إلى رزق أو حاجة فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج إليه، وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}تفسير : [إبراهيم: 34] والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ} وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض، {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي، طائعتين أو مكرهتين. قال الثوري عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} قال: قال الله تبارك وتعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} واختاره ابن جرير رحمه الله. قالتا: أتينا طائعين، أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجن والإنس جميعاً مطيعين لك، حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية، قال: وقيل: تنزيلاً لهن معاملة من يعقل؛ بكلامهما. وقيل: إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم. وقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره عليه، لعذبهما عذاباً يجدان ألمه، رواه ابن أبي حاتم. {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ فِى يَوْمَيْنِ} أي: ففرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين، أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة {وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} أي: ورتب مقرراً في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ} وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، {وَحِفْظاً} أي: حرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى، {ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي: العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم. قال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد: قرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة {قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } لمن سأله، قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة» تفسير : ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: «حديث : ثم استوى على العرش» تفسير : قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فنزل: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} تفسير : [ق: 38 ــــ 39] هذا الحديث فيه غرابة. فأما حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «حديث : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل» تفسير : فقد رواه مسلم والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به، وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في التاريخ، فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار، وهو الأصح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَئِنَّكُمْ } بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينهما بوجهيها وبين الأولى {لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } الأحد والاثنين {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } شركاء {ذَلِكَ رَبُّ } مالك {ٱلْعَٰلَمِينَ } جمع عالم وهو ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون تغليباً للعقلاء.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} قال ابن عباس خلقها في يومي الأحد والاثنين، وخلقها في يومين أدل على القدرة والحكمة من خلقها دفعة واحدة في طرفة عين، لأنه أبعد من أن يظن به الاتفاق والطبع، وليرشد خلقه إلى الأناة في أمورهم. {وتجعلون له أنداداً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أشباهاً، قاله ابن عباس. الثاني: شركاء، قاله أبو العالية. الثالث: كفواً من الرجال تطيعونهم في معاصي الله تعالى قاله السدي. الرابع: هو قول الرجل لولا كلبة فلان لأتي اللصوص، ولولا فلان لكان كذا، رواه عكرمة عن ابن عباس. قوله عز وجل: {وجعل فيها رواسي من فوقها} اي جبالاً، وفي تسميتها رواسي وجهان: أحدهما: لعلوّ رءوسها. الثاني: لأن الأرض بها راسية أو لأنها على الأرض ثابتة راسية. {وبارك فيها} فيه وجهان: أحدهما: أي أنبت شجرها من غير غرس وأخرج زرعها من غيره بذر، قال السدي. الثاني: أودعها منافع أهلها وهو معنى قول ابن جريج. {وقَدَّر فيه أقواتها} فيه أربعة تأويلات: أحدها: قدر أرزاق أهلها، قاله الحسن. الثاني: قدر فيها مصالحها من جبهالها وبحارها وأنهارها وشجرها ودوابها قاله قتادة. الثالث: قدر فيها أقواتها من المطر، قاله مجاهد. الرابع: قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، قاله عكرمة. {في أربعة أيام} يعني تتمة أربعة أيام، ومنه قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً، أي في تتمة خمسة عشريوماً. وقد جاء في الحديث المرفوع أن الله عز وجل خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والخراب والعمران، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم. وفي خلقها شيئاً بعد شيء قولان: أحدهما: لتعتبر به الملائكة الذين أحضروا. والثاني: ليعتبر به العباد الذين أخبروا. {سواء للسائلين} فيه تأويلان: أحدهما: سواء للسائلين عن مبلغ الأجل في خلق الله الأرض، قاله قتادة. الثاني: سواء للسائلين في أقواتهم وأرزقاهم. قوله عز وجل: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} فيه وجهان: أحدهما: عمد إلى السماء، قاله ابن عيسى. الثاني: استوى أمره إلى السماء، قاله الحسن. {فقال لها واللأرض ائتيا طوْعاً أو كرهاً} فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك قبل خلقها، ويكون معنى ائتيا اي كونا فكانتا كما قال تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُن فيكون} قاله ابن بحر. الثاني: قول الجمهور أنه قال ذلك لهما بعد خلقهما. فعلى هذا يكون في معناها أربع تأويلات: أحدها: معناه أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما طوعاً أو كرهاً أي اختياراً أو إجباراً قاله سعيد بن جبير. الثاني: ائتيا عبادتي ومعرفتي طوعاً أو كرهاً باختيار أو غير اختيار. الثالث: ائتيا بما فيكما طوعاً أو كرهاً، حكاه النقاش. الرابع: كونا كما أمرت من شدة ولين، وحزن وسهل ومنيع وممكن، قاله ابن بحر. وفي قوله {لَهَا} وجهان: أحدهما: أنه قول تكلم به. الثاني: أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد {قالتا أتينا طائعين} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه أعطينا الطاعة، رواه طاووس. الثاني: أتينا بما فينا. قال ابن عباس: أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت الأرض بما فيها من الأشجار والأنهار والثمار. الثالث: معناه كما أراد الله أن نكون، قاله ابن بحر. وفي قولهما وجهان: أحدهما: أنه ظهور الطاعة منهما قائم مقام قولهما. الثاني: أنهما تكلمتا بذلك. قال أبو النصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة ونطق من السماء ما بحيالها فوضع الله فيها حرمه. قوله عز وجل: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي خلقهن سبع سماوات في يومين، قيل يوم الخميس والجمعة، قال السدي: سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات وخلق الأرضين. وقالت طائفة خلق السماوات قبل الأرضين في يوم الأحد والاثنين، وخلق الأرضين والجبال في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق ما سواهما من العالم يوم الخميس والجمعة، وقالت طائفة ثالثة أنه خلق السماء دخاناً قبل الأرض ثم فتقها سبع سماوات بعد الأرضين والله أعلم بما فعل فقد اختلفت فيه الأقاويل وليس للاجتهاد فيه مدخل. {وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أسكن في كل سماء ملائكتها، قاله الكلبي. الثاني: خلق في كل سماء خلقها خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها، قاله قتادة. الثالث: أوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة، حكاه ابن عيسى. {وزينا السماءَ الدنيا بمصابيح وحِفْظاً} أي جعلناها زينة وحفظاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَوْمَيْنِ} الأحد والاثنين "ع" {أَندَاداً} أشباهاً "ع"، أو شركاء أو أكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصيه، أو قول الرجل لولا كلب فلان لأتاني اللص ولولا فلان لكان كذا "ع".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما‏، ‏"حديث : أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال‏:‏ "‏خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى ‏{‏قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين‏}‏ وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه‏.‏ فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات‏.‏ وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء من منتفع به‏.‏ وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود‏:‏ ثم ماذا يا محمد‏؟‏ قال‏: ثم استوى على العرش" قالوا‏:‏ لقد أصبت لو أتممت‏.‏ ثم قالوا‏:‏ استراح‏.‏ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديدا‏ً.‏ فنزل ‏{‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون‏} ‏[‏ق: 38‏]‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏وقدر فيها أقواتها‏} ‏ قال‏:‏ شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه، وفي هذه ما ليس في هذه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {‏وقدر فيها أقواتها‏}‏ قال‏:‏ قدر في كل أرض شيئاً لا يصلح في غيرها‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏ {‏وقدر فيها أقواتها‏} ‏ قال‏:‏ لا يصلح النيسابوري إلا بنيسابور، ولا ثياب اليمن إلا باليمن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن الحسن ‏ {‏وقدر فيها أقواتها‏} ‏ قال‏:‏ أرزاقها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏سواء للسائلين‏} ‏ قال‏:‏ من سأل فهو كما قال الله‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال‏:‏ خلق الله السموات من دخان، ثم ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين فذلك قول الله تعالى ‏ {‏قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين... وقدر فيها أقواتها‏} ‏ في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فذلك قوله ‏ {‏وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان‏}‏ فسمكها وزينها بالنجوم والشمس والقمر وأجراهما في فلكهما، وخلق فيها ما شاء من خلقه وملائكته يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق الجنة يوم الجمعة، وخلق اليهود يوم السبت لأنه يسبت فيه كل شيء، وعظمت النصارى يوم الأحد لأنه ابتدىء فيه خلق كل شيء، وعظم المسلمون يوم الجمعة لأن الله فرغ فيه من خلقه، وخلق في الجنة رحمته، وجمع فيه آدم عليه السلام، وفيه هبط من الجنة، وفيه قبلت توبته وهو أعظمها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ إن الله تعالى خلق يوماً فسماه الأحد، ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء، وخلق خامساً فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، كذلك وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإِنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت‏. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال‏:‏ إن الله تعالى ابتدأ الخلق وخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات يوم الخميس والجمعة إلى صلاة العصر، وخلق آدم عليه السلام في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد يدعو ربه إلا استجاب له، فهو ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس‏. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه حديث : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما يوم الأحد‏؟‏ قال‏:‏ ‏"خلق الله فيه الأرض قالوا‏:‏ فيوم الأربعاء‏؟‏ قال‏: الأقوات قالوا‏:‏ فيوم الخميس‏؟‏ قال‏:‏ فيه خلق الله السموات قالوا‏:‏ فيوم الجمعة‏؟‏ قال‏: خلق في ساعتين الملائكة، وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار قالوا‏:‏ ألست تذكر الراحة فقال سبحان الله‏.‏‏.‏‏!"‏ فأنزل الله ‏{ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} ‏[‏ق: 38‏]‏ . تفسير : وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام‏.‏ أولهن يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، خلق يوم الأحد السموات، وخلق يوم الاثنين الشمس والقمر، وخلق يوم الثلاثاء دواب البحر ودواب الأرض وفجر الأنهار وقوت الأقوات، وخلق الأشجار يوم الأربعاء، وخلق يوم الخميس الجنة والنار، وخلق آدم عليه السلام يوم الجمعة، ثم أقبل على الأمر يوم السبت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي بكر رضي الله عنه قال‏:‏ جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والاقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول ساعة الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا‏:‏ صدقت أن تممت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب، فأنزل الله {‏وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون} [ق: 38]‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏قال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً‏} ‏ قال‏:‏ قال للسماء أخرجي شمسك اخرجي قمرك ونجومك، وقال للأرض‏:‏ شققي أنهارك وأخرجي ثمارك {‏فقالتا أتينا طائعين‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ائتيا‏}‏ قال‏:‏ اعطيا وفي قوله {‏أتينا‏} ‏ قال‏:‏ أعطينا‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وأوحى في كل سماء أمرها‏} ‏ قال‏:‏ ما أمر به وأراده من خلق النيرات وغير ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وأوحى في كل سماء أمرها‏} قال‏:‏ خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها‏.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ} إنكارٌ وتشنيعٌ لكفرهم وإنَّ واللامُ إما لتأكيد الإنكارِ وتقديمُ الهمزةِ لاقتضائها الصدارةَ لا لإنكارِ التأكيدِ وإما للإشعارِ بأن كفرَهُم من البعد بحيثُ ينكرُ العقلاءُ وقوعَهُ فيحتاجُ إلى التأكيد وإنما علق كفرُهم بالموصول حيثُ قيل: {بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ} لتفخيم شأنِه تعالى واستعظامِ كفرِهم به أي بالعظيمِ الشأنِ الذي قدَّرَ وجودَها أي حكَم بأنها ستوجدُ في مقدار يومينِ أو في نوبتينِ على أن ما يُوجدُ في كلِّ نوبةٍ يوجدُ بأسرعِ ما يكونُ وإلا فاليومُ الحقيقيُّ إنما يتحققُ بعدَ وجودِها وتسويةِ السمواتِ وإبداعِ نيرّاتِها وترتيبِ حركاتِها {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} عطفٌ على تكفرُونَ داخلٌ في حكم الإنكارِ والتوبـيخِ. وجمعُ الأندادِ باعتبار ما هو الواقعُ لا بأن يكونَ مدارُ الإنكارِ هو التعددُ أي وتجعلونَ له أنداداً والحالُ أنه لا يمكنُ أن يكونَ له ندٌّ واحدٌ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ وما فيه من معنى البعدِ مع قرب العهدِ بالمشار إليه للإيذانِ ببُعدِ منزلتِه في العظمة وإفرادُ الكافِ لما مرَّ مِراراً من أنَّ المرادَ ليس تعيـينَ المخاطبـينَ وهو مبتدأٌ خبرُهُ ما بعدَهُ أي ذلكَ العظيمُ الشأنِ الذي فعلَ ما ذُكرَ {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي خالقُ جميعِ الموجوداتِ ومربـيها دونَ الأرضِ خاصَّة فكيف يتُصورُ أن يكونَ أخسُّ مخلوقاتِه نِداً له وقولُه تعالَى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} عطفٌ على خلقَ داخلٌ في حكم الصلةِ والجعلُ إبداعيٌّ وحديثُ لزومِ الفصلِ بـينهما بجملتيـنِ خارجتينِ عن حيزِ الصلةِ مدفوعٌ بأن الأُولى متحدةٌ بقولِه تعالى: تكفرونَ فهو بمنزلةِ الإعادةِ له، والثانيةُ اعتراضيةٌ مقررةٌ لمضمون الكلامِ بمنزلة التأكيدِ فالفصلُ بهما كلاَ فصلٍ على أن فيه فائدةَ التنبـيِه على أن مجردَ المعطوفِ عليه كافٍ في تحقق ربوبـيتِه للعالمينَ واستحالةِ أنْ يجعلَ له ندٌّ فكيفَ إذا انضمَّ إليه المعطوفاتُ وقيلَ هو عطفٌ على مقدرٍ أي خلقَها وجعلَ الخ وقيلَ هو كلامٌ متسأنفٌ وأيَّاً ما كان فالمرادُ تقديرُ الجعلِ لا الجعلُ بالفعلِ. وقولُه تعالى: {مّن فَوْقِهَا} متعلقٌ بجعلَ أو بمضمر هو صفةٌ لرواسِي أي كائنةً من فوقها مرتفعةً عليها لتكونَ منافعُها معرضةً لأهلها ويظهرَ للنظّارِ ما فيَها من مراصدِ الاعتبارِ ومطارحِ الأفكارِ {وَبَـٰرَكَ فِيهَا} أي قدرَ أن يكثرَ خيرُها بأن يخلقَ أنواعَ الحيواناتِ التي من جُملتها الإنسانُ وأصنافُ النباتِ التي منها معايشُهم {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا} أي حكَم بالفعلِ بأن يوجدَ فيما سيأتي لأهلها من الأنواع المختلفةِ أقواتُها المناسبةُ لها على مقدار معينٍ تقتضيه الحكمةُ. وقُرِىءَ وقَسَّم فيَها أقواتَها {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} متعلقٌ بحصول الأمورِ المذكورةِ، لا بتقديرها أي قدرَ حصولَها في يومينِ وإنما قيلَ في أربعة أيامٍ أي تتمةِ أربعةٍ تصريحاً بالفذلكةِ {سَوَآء} مصدرٌ مؤكدٌ لمضمرٍ، هو صفةٌ لأيامٍ أي استوتْ سواءً أيَّ استواءً كما ينبىءُ عنه القراءةُ بالجرِّ وقيلَ هو حالٌ من الضمير في أقواتها أو في فيَها. وقُرِىءَ بالرفع أي هو سواءٌ {لّلسَّائِلِينَ} متعلقٌ بمحذوف تقديرُه هذا الحصرُ للسائلينَ عن مدةِ خلقِ الأرضِ وما فيها أو بقدَّرَ أي قدَّرَ فيها أقواتَها لأجل السائلينَ أي الطالبـين لها المحتاجين إليها من المقتاتين.

القشيري

تفسير : خَلَقَ الزمانَ ولم يكن قبله زمان، وخَلَقَ المكان، ولم يكن قبله مكان؛ فالحقُّ - سبحانه - كان ولا مكان ولا زمان، فهو عزيزٌ لا يُدْرِكُه المكانُ، ولا يَمْلِكُه الزمان. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً}... وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل نِدًّا للذي لم يَزَلْ... ولا يزال كما لم يزل؟! ذلك ربُّ العالمين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} يوم القضاء ويوم القدر ويوم الامر والقول ويوم الظاهر والباطن اى لتجحدون من اوجد سبع ارضين فى يومين لكم وتكفرون نعمته وتقبلون الى غيره {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} اى صاحب هذه النعم ثم زاد ذكر نعمته عليهم بقوله {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} رواسى اوتاد الارض من الاولياء مشرفون على قلوب الخلائق بسرّ من الله منهم ونور منه فى قلوبهم {وَبَارَكَ فِيهَا} باظهار أياته فيها وخلق منافع الكل فيها {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} ارزاق الخلائق بكل خلق منهم عنده رزق فرزق الروحانيين المشاهدة ورزق الربّانين المكاشفة ورزق الصديقين المعرفة رزق العارفين التوحيد ورزق الارواح والروح ورزق الاشباح الاكل والشرب وهذه الاقوات تظهر من الحق لهم فى هذه الارض التى خلقت معبد للمطيعين ومرقد للمقبلين وقر للعارفين {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يوم ظهر نور الفعل العام ويوم ظهر نور الفعل ويوم ظهر نور الصفة ويوم ظهر نور الذات الاول نور الارادة والثانى نور المشية والثالث نور القدرة والرابع نور القضاء والقدر فنور الافعال بركة على الاشباح ونور الفعل الخاص بركة على القلوب ونور الصفة بركة على العقول ونور الذات بركة على الارواح فاقواتها على مقادير تلك البركات وهذان اليومان مع الاول اربعة ثم بين انه تعالى قدّر هذه المقادير فيها عل سنن مستوية بقوله {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} يزيد الرزق بالسوال ولا ينقص وفيه تاديب لمن لم يرض بقسمته وبين ان ما سبق منه فى الازل من السعادة والشقاوة لا يتغير بجهد الجاهدين وسوال السائلين بل جف القلم بما انت لاق ثم ذكر صنيعة المبارك فى تسويته السّماء وتزيينها بقوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} بسط نور قدمه عليها فسويها سبع سماوات كما بسط نور قدرته على الارضين فلما ادخل فى السماوات والارضين روح فعله وكساها نور قدرته وقهرهما بجبروته دعاها الى خدمته {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} اى ائتيا من العدم الى ساحة القدم وائتيا بما قدرنا فيكما بنا انوار فعلنا طوعا او كرها طوعاً من حيث الحدوثية والعجز او كرها من حيث انكما تعلمان انكالا لا تطيقان عمل وارد امرى وطاعتى بالحقيقة فتشققا من قهرى ائتيا وان انتم خالفان من قهر سلطان وبطش جبروتى وايضا ائتيا طوعا من حيث باشر كما روح فعلى فيقسمان على نعت العجز وائتينا كرها من حيث ان عليكما لباس ربوبيتى وما وجدتما من سر الالوهية ونظرتما الى ذلك وظهور جرأتكما بنعت البقاء فان عليكما نور صفاتى وانتما خارجان من عز الربوبية فائتيا وان عليكما كسوة جباريتى حتى تكونا فى جلال كبريائى اقل من خردلة فلما سمعا خطاب الغيرة ولم يبق فيها كره قالتا اتيتا طائعين فى حمل انور فعلك حيث عجزنا عن حمل امانتك وانوار صفاتك التى حملها الانسان ثم بين ان خلقهم ايضا كان فى يومين حتى يكون سنته ايام كما قال سبحانه خلق السماوات والارض فى ستة ايام فاتمهن جميعا فى يومين يوم شرق انوار القدم عليها ويوم طلع شمس البقاء عليها {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} بما اودعها من خزائن اسراره ولطائف انوراه وحقائق مقاديره التى لا يطلع عليها لا من يكشف له منها شيئا من الانبياء والاولياء والملائكة خص السماء الدنيا من بينهن بالزينة وشرف الباسه ايها انوار قدرته الخاصة وفاعلاه المقدسة من الشمس والقمر والنجوم بقوله {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} زينها بانوار الكروبين كما زين الارض بالانبياء والاولياء ايضا زين سماء قلوب العارفين بشموس تجلى الذات واقمار تدلى الصفات ونيرات سيارات اسرار الملكوت والجبروت قال سهل بن عبد الله فى قوله خلق الارض فى يومين اى قضى خلقها فى يومين كما قال فقضهن من سبع سماوات فى يومين وقال فى قوله ثم استوى الى السماء استوى امره على الارض والسماء وما بينهما وما تحت الثرى قال ابو عطا استوى علمه فيما قرب منه وبعد اذ لا قرب ولا بعد وقال القاسم فى قوله وجعل فيها روات الرواسى الاجل من الاولياء الذين هم المشرفون على الخلق لانهم الخواص منهم وقيل فى قوله من فوقها اى من فوق عامة الاولياء واشرافهم نظرهم اصح وبركاتهم اعم ولا يشرف عليهم احد لا القطب الذى هو الواحد فى العدد وبه قوام كل الاولياء والرواسى دونه وقال ابن عطا فى قوله وزينا السماء الدنيا قال زينا قلوب العارفين بانوار المعرفة وجعل فيها مصابيح الهداية وضياء التوحيد وقال جعفر زينا جوارح المؤمنين الخدمة وقال الجنيد زينا الجنة بنور مناجاة العارفين وزهرة خدمة العابدين قال الاستاذ فى قوله وجعل بها رواسى الجبال اوتاد الارض فى الصورة والاولياء اوتاد الارض فى الحقيقة فبارك فيها البركة والزيادة ياتيهم المطر ببركة الاولياء ويندفع عنهم البلاء ببركتهم وقال فى قوله وزينا السماء الدنيا بمصابيح جعل نفوس العابدين ارض لطاعته وعبادته وجعل قلوبهم فلكما لنجوم علمه وشمس معرفته فاوتاد النفوس الخوف والرجاء والرغبة والرهبة فى القلوب ضياء العرفان وشموس التوحيد ونجوم العلوم والعقول والنفوس والقلوب بيده يصرفها على ما اراد من احكامه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ءَإنكم} [آياشما] {لتكفرون} انكار وتشنيع لكفرهم وان واللام لتأكيد الانكار {بالذى} اى بالعظيم الشان الذى {خلق الارض} قدر وجودها اى حكم بانها ستوجد {فى يومين} فى مقدار يومين من ايام الآخرة ويقال من ايام الدنيا كما فى تفسير ابى الليث [واكر خواستى بيك لحظه بيافريدى لكن خواست كه باخلق نمايدكه سكونت وآهستكى به ازشتاب وعجله وبندكانرا نسبتى باشد بسكونت كاركردن وبراه آهستكى رفتن]. وفى عين المعانى تعليما للتأنى واحكاما لدفع الشبهات عن توهن المصنوعات تحقيقا لاعتبار الملائكة عند الاحضار وللعباد عند الاخبار وان امكن الايجاد فى الحال بلا امهال انتهى شعر : زود درجاه ندامت سرنكون خواهد فتاد هركه باى خود كذارد بى تأمل برزمين تفسير : [امام ابو الليث آورده كه روز يكشنبه بيافريد وروز دوشنبه بكسترانيد] وسيجىء تحقيقه ويجوز ان يراد خلق الارض فى يومين اى فى نوبتين على ان ما يوجد فى كل نوبة يوجد باسرع ما يكون فيكون اليومان مجازا عن دفعتين على طريق ذكر الملزوم وارادة اللازم. وقال سعدى المفتى الظاهر ان اليوم على هذا التفسير بمعنى مطلق الوقت انتهى. وجه حمل اليومين على المعنيين المذكورين ان اليوم الحقيقى انما يتحقق بعد وجود الارض وتسوية السموات وابداع نيراتها وترتيب حركاتها يعنى ان اليوم عبارة عن زمان كون الشمس فوق الارض ولا يتصور ذلك قبل خلق الارض والسماء والكواكب فكيف يتصور خلق الارض فى يومين {وتجعلون له اندادا} عطف على تكفرون داخل فى حكم الانكار والتوبيخ وجمع الانداد باعتبار ما هو الواقع لا بان يكون مدار الانكار هو التعدد اى وتجعلون له انداد بمعنى تصفون له شركاء واشباها وامثالا من الآلهة والحال انه لا يمكن ان يكون له ند واحد فضلا عن الانداد وامر الله تعالى رسوله عليه السلام بان ينكر عليهم امرين. الاول كفرهم بالله بالحادهم فى ذاته وصفاته كالتجسم واتخاذ الصاحبة والولد والقول بانه لا يقدر على احياء الموتى وانه لا يبعث البشر رسلا. والثانى اثبات الشركاء والانداد له تعالى فالكفر المذكور اولا مغاير لاثبات الانداد له ضرورة عطف احدهما على الآخر {ذلك} العظيم الشأن الذى فعل ما ذكر من خلق الارض فى يومين وهو مبتدأ خبره قوله {رب العالمين} اى خالق جميع الموجودات ومربيها دون الارض خاصة فكيف يتصور ان يكون اخس مخلوقاته نداّ له تعالى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وتجعلون}: عطف على {تكفرون}. و {جَعَلَ}: عطف على {خَلَقَ} داخل في حيز الصلة، و {سواء}: مَن نَصَبَه فمصدر أي: استوت سواء. ومَن جَرَّه فصفة لأيام، ومَن رفعه فخبر هي سواء. و {للسائلين}: متعلق بقدّر، أو: بمحذوف، أي: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض. يقول الحق جلّ جلاله: {قل أَئِنَّكم لتكفرون بالذي خلقَ الأرضَ في يومين} وهما الأحد والاثنين، تعليماً للتأني، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل. {وتجعلون له أنداداً}؛ شركاء وأشباهاً. والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد، فضلاً عن التعدُّد، وكيف يكون الحادث المعدوم ندّاً للقديم؟! {ذلك} الذي خلق ما سبق. وما في الإشارة من معنى البُعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبُعد منزلته في العظمة، أي: ذلك العظيم الشأن هو {ربُّ العالمين} أي: خالق جميع الموجودات ومُربِّيها، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق نِدّاً له؟! {وجعل فيها رواسي}؛ جبالاً ثوابت كائنة {من فوقها}، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال مُعرَضة لأهلها، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعبتار، ومطارح الأفكار، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها ممسَكة بقدرة الله عزّ وجل. {وباركَ فيها} أي: قدّر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع، ويجعل فيها من المصالح، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النعم. {وقدّر فيها أقواتَها} أي: حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار مُعين، تقتضيه الحكمة والمشيئة، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار، وقيل: خصابها التي قسمها في البلاد. جعل ذلك {في أربعةِ أيام} أي: تتمة أربعة أيام، يومين للخلق، ويومين لتقدير الأقوات، كما تقول: سِرت إلى البصرة في عشرة، وإلى الكوفة في خمسة عشر، أي: في تتمة خمسة عشر، ولو أجري الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام؛ يومين للخلق؛ وأربعة للتقدير، ويومين لخلق السماء، وهو مناقض لقوله: {أية : فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الأعراف: 54]. وقوله: {سواء} راجع للأربعة، أي: في أربعة أيام مستويات تامات، أو: استوت سواء {للسائلين} أي: قدَّر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها، لأن كلاًّ يطلب القوت ويسأله، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل مَن سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ {ثم استوى إِلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طَوعاً أو كَرهاً قالتا أتينا طائعين}، الاستواء مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد، تقول العرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، أو قصد وانتهى. فالاستواء إذا عدي بـ "إلى" فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير، وإذا عدّي بـ "على" فبمعنى الاستعلاء، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض، وهو كذلك، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء، كما صرح في قوله: {أية : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} تفسير : [النازعات: 30]، والترتيب في الخارج: أنه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض في يومين، فـ "ثم" للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب، أو: للتفاوت في المرتبة، ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، كقول القائل: شعر : إِنْ مَنْ ساد ثم ساد أبوه ثم [قد] ساد بعد ذلك جَدُّه تفسير : وفي بعض الأحاديث: "حديث : إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعُمران والخراب، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة" تفسير : وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة. قاله النسفي، وفي حديث مسلم ما يخالفه. قال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما خلق الله ـ أي: بعد العرش ـ جوهرة طُولها وعرضها ألف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت وصارت ماء، فكان العرش على الماء، فاضطرب الماء، فثار منه دخان، فارتفع إلى الجو، واجتمع زيد، فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضاً، ثم فتقها سبعاً، والدخان سماء، فسوّاهن سبع سموات. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعاً أو كرهاً وامتثالهما؛ أنه أراد أن يُكوّنهما، فلم يمتنعا عليه، ووجدتَا كما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان، مع أن الأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؛ لأن المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي: ائتي يا أرض مدحوة قراراً ومهاداً لأهلك، وائتي يا سماء مبنية سقفاً لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع. وقوله: {طوعاً أو كَرهاً} لبيان تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما عن قدرته مُحال؛ كما تقول لمَن تحت يدك: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، طوعاً أو كرهاً. وقال ابن عطية: الأمر بالإتيان بعد اختراعهما، قال: وهنا حذف، أي: ثم استوى إلى السماء فأوجدها، وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض: ائتيا لأمري وإرادتي فيكما، والمراد: تنجيزهما لما أراده منهما، وما قدر من أعمالهما. هـ. حُكي أن بعض الأنبياء قال: يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما: ائتيا طوعاً أو كرهاً عصتاك، ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنتُ آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علومي. وانتصاب {طوعاً أو كرهاً} على الحال، أي: طائعين أو مكرهين. ولم يقل "طائعتين"؛ لأن المراد الجنس، أي: السموات والأرضين، وجمع جمع العقلاء لوصفهما بالطوع والكره، اللذين من وصف العقلاء، وقال: طائعين في موضع طائعات؛ تغليباً للتذكير؛ لشرفه، كقوله: {أية : سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4]. {فقضاهنّ سبعَ سماواتٍ} أي: فأحكم خلقهن، وأتقن أمرهن سبعاً، حسبما تقتضيه الحكمة، فالضمير راجع إلى السماء، لأنه جنس، يجوز أن يكون الضمير مبهماً مفسراً بقوله: {سبع سماوات}، فينتصب سبع على الأول حالاً، وعلى الثاني تمييزاً. حصل ذلك القضاء {في يومين}؛ الخميس والجمعة، أي: في وقتين قدر يومين، فكان المجموع ستة أيام، {وأَوحى في كلِّ سماءٍ أمرها} أي: أوحى إلى ساكنها وعُمّارها من الملائكة في كل سماء ما شاء الله من الأمور، التي تليق بهم، كالخدمة وأنواع العبادة، وإلى السماء في نفسها ما شاء الله من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. {وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح}؛ كالشمس والقمر والنجوم، وهي زينة السماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها؛ لأنها تُرى متلألأة عليها كأنها فيها، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بأمرها، {وحفظاً} أي: حفظناها حفظاً من المسترقة، أو من الآفات، فهو مصدر لمحذوف، وقيل: مفعول لأجله على المعنى، أي: وجعلنا المصابيح للزينة والحفظ. {ذلك تقديرُ العزيز العليم} أي: ذلك الذي ذكر تفصيله تقدير البالغ في القدرة والعلم، أو: الغالب العليم بمواقع الأمور. الإشارة: خلق الحق ـ تعالى ـ أرض النفوس محلاًّ للعبودية، وأرساها بجبال العقل، لئلا تميل إلى بحر الهوى، وبارك فيها، بأن جعل فيها صالحين وأبراراً، وعباداً وزهاداً، وعُلماء أتقياء، وقدّر لها أقواتها الحسية والمعنوية، فجعل الحسية سواء للسائلين، أي: مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب، ولا ينقص، ففيه تأديب لمَن لم يرضَ بقسمته، والأرزاق المعنوية: أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة، يزيد بالطلب والتعب، وينقص بنقصانه، حكمة من الحكيم العليم، ثم استوى إلى سماء الأرواح، أي: قصدها بالدعاء إليه، وهي لطائف، فقال لها ولأرض النفوس: ائتيا إلى حضرتي، طوعاً أو كرهاً، قالتا: أتينا طائعين، فقضاهن سبع طبقات، وهي دوائر الأولياء، دائرة الغوث، ثم دائرة الأقطاب، ثم الأوتاد، ثم النقباء، ثم النجباء، ثم الأبرار، ثم الصالحين. وأوحى في كل سماء، أي: في كل دائرة ما يليق بها من العبادة، فمنهم مَن عبادته الشهود والعيان، ومنهم مَن عبادته الفكرة، ومنهم الركوع والسجود، ومنهم التلاوة والذكر... إلى غير ذلك من أنواع الأعمال. قال القشيري: وجعل نفوسَ العابدين، أرضاً لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فَلَكاً لنجوم علمه، وشموس معرفته، فأوتاد النفوس الخوفُ والرجاءُ، والرغبةُ والرهبة، وفي القلوب ضياءُ العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول، والنفوس والقلوب، بيده يُصَرِّفُها على ما أراد من أحكامه. وقال في قوله: {وجعل فيها رواسي من فوقها}: الجبالُ أوتادُ الأرض، في الصورة، والأولياءُ رواسي الأرض في الحقيقة، بهم تنزل البركة والأمطار، وبهم يُدفع البلاء. ثم قال: قوله تعالى: {وزيَّنا السماء الدنيا بمصابيح} وزيَّن وجه الأرض بمصابيح، وهي قلوب الأحباب، فأهلُ السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء الله بالليل، فذلك متنزهُهُم، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنّسوا برؤية الكواكب. هـ. ثم هدّد أهل الكفر، فقال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً}.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ} الّتى هى مقرّ قراركم ومحلّ معاشكم {فِي يَوْمَيْنِ} قد يعبّر عن مراتب العالم باعتبارٍ بالامام، وباعتبارٍ بالاشهر، وباعتبارٍ بالاعوام، والارض اسمٌ لكلّ ما كان فيه جهة القبول اظهر وجهة الفاعليّة اخفى، وجملة عالم الطّبع وعالم المثال هكذا كان حالهما، والتّعبير عن هذين العالمين بالارض كثير، فالمراد بالارض الاجسام الظّلمانيّة والاجسام النّورانيّة وخلقهما ليس الاّ فى المرتبة الاخيرة النّازلة الّتى هى عالم الطّبع وفى المرتبة السّابقة عليها اعنى عالم المثال وقد عبّر عنهما باعتبار امد بقائهما باليومين، وقد مضى فى سورة الاعراف بيانٌ لخلق السّماوات والارض فى ستّة ايّامٍ وقد كان الارض باعتبار وجودها العينىّ مخلوقةً فى ذينك اليومين ولكنّها باعتبار وجودها المطلق مخلوقة فى ستّة ايّام كالسّماوات، والسّماوات يعنى سماوات الارواح باعتبار وجودها العينىّ مخلوقة فى اربعة ايّام، يوم النّفوس الجزئيّة، ويوم النّفوس الكلّيّة، ويوم العقول ويوم الارواح المعبّر عنها بيومين، يوم المدبّرات ويوم المجرّدات الصّرفة اى النّفوس والعقول بالمعنى الاعمّ وتقدير اقوات الارض والارضين ليس الاّ فى تلك الايّام الّتى هى ايّام السّماوات فانّه ينزّل من السّماء رزقاً لكم {وَتَجْعَلُونَ} مع ذلك {لَهُ أَندَاداً} لا يقدرون على شيءٍ ولا يخلقون ولا يرزقون {ذَلِكَ} الموصوف {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} لئلاّ تميد بكم ولتوليد الماء من تحتها ولسهولة جريان الماء من تحتها فى سفحها {وَبَارَكَ فِيهَا} فى الرّواسى او فى الارض فانّ الرّواسى بحسب التّنزيل منبع بركات الارض ومحلّ المعادن النّافعة والنّباتات النّافعة الغذائيّة والدّوائيّة، وبحسب التّأويل لا بركة الاّ منها، والارض محلّ البركات الكثيرة الّتى منها الانسان والنّفوس الكاملة الّتى لا بركة الاّ منها {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} حال كون الاقوات مساوية لجملة السّائلين بسؤال الحال والاستعداد لا تفاضل فيهم فى الاقوات المسؤلة بسؤال الحال وان كان سؤال القال قد يتخلّف المسؤل عنه ويتخلّف السّائلون فيه بحسب الاجابة وعدمها، او حال كون الاربعة الايّام سواء للسّائلين فانّ ايّام الآخرة نسبتها الى ما دونها نسبة الحقّ الى الخلق بالنّسبة الرّحمانيّة الّتى لا تفاوت فيها بالنّسبة الى شيءٍ من الاشياء، وقرئ سواء بالجرّ وبالنّصب وبالرّفع.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَئِنَّكُمْ} بهمزتين خالصتين الاولى للاستفهام الانكارى التوبيخى والثانية همزة (ان)؛ وورش يحذف الاولى لانه ينقل حركتها للحرف قبلها وبعضهم ينطق بالثانية بين الهمزة والياء وبعضهم بألف بين الهمزتين والتسهيل للثانية بينها وبين جنس حركتها وهو مذهب نافع* {لِتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ} مع سعتها وغلظها* {فِي يَوْمَيْنِ} لا أكثر يوم الأحد ويوم الاثنين وقيل في قدر يومين ولا يوم ولا ليل اذ ذاك وانما خلقها في يومين لما علمه هو وقيل تعليماً للخلق بعدم العجلة وهو قادر على خلقها في أسرع من لمحة وقيل خلق بعضها في يوم في أسرع ما يكون وبعضها الآخر في يوم كذلك وقيل المراد بالأرض جنس الأرضين خلق أصلها في يومين ثم خلق لها صوراً بها صارت أنواعاً. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً} أمثالاً شركاء ولا يصح له ند واحد فضلاً عن جماعة والعطف تفسير فان كفرهم أي شركهم هو جعل الأنداد وتغاير فالمراد بكفرهم الالحاد في ذاته وسائر صفاته وجعل الانداد الحاد في صفة الوحدانية كيف تجعل أصناماً خسيسة شركاء لمن خلق الارضين وهي لا تقدر على دفع ذباب نزل عليها* {ذَلِكَ} الخالق للأرض في يومين* {رَبُّ الْعَالَمِينَ} مالك ما سواه وخالقه ومربيه المستحق للعبادة* هؤلاء الانداد

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } إلى آخر الآيات والكلام فيها كثير ومنه ما ليس بالمشهور ولنبدأ بما هو المشهور وبعد التمام نذكر الآخر فنقول: هذا إنكار وتشنيع لكفرهم، وإن واللام. إما لتأكيد الإنكار وتقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة لا لإنكار التأكيد وإما للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد. وعلق سبحانه كفرهم بالموصول لتفخيم شأنه تعالى واستعظام كفرهم به عز وجل. والظاهر أن المراد بالأرض الجسم المعروف، وقيل: لعل المراد منها ما في جهة السفل من الأجرام الكثيفة واللطيفة من التراب والماء والهواء تجوزاً باستعمالها في لازم المعنى على ما قيل بقرينة المقابلة وحملت على ذلك لئلا يخلو الكلام عن التعرض لمدة خلق ما عدا التراب، ومن خلقها في يومين أنه سبحانه خلق لها أصلاً مشتركاً ثم خلق لها صوراً بها تنوعت إلى أنواع. واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق وأريد منه هٰهنا الوقت مطلقاً لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر والأقل أنسب بالمقام، وأياً ما كان فالظاهر أن اليومين ظرفان لخلق الأرض مطلقاً من غير توزيع. وقال بعض الأجلة: إنه تعالى خلق أصلها ومادتها في يوم وصورها وطبقاتها في آخر، وقال في «إرشاد العقل السليم» ((المراد بخلق الأرض تقدير وجودها أي حكم بأنها ستوجد في يومين)) مثله في قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }تفسير : [آل عمران:59] والمراد بكفرهم به تعالى إلحادهم في ذاته سبحانه وصفاته عز وجل وخروجهم عن الحق اللازم له جل شأنه على عباده من توحيده واعتقاد ما يليق بذاته وصفاته جل جلاله فلا ينزهونه تعالى عن صفات الأجسام ولا يثبتون له القدرة التامة والنعوت واللائقة به سبحانه وتعالى ولا يعترفون بإرساله تعالى الرسل وبعثه سبحانه الأموات حتى كأنهم يزعمون أنه سبحانه خلق العباد عبثاً وتركهم سدى. وقوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } عطف على (تكفرون) داخل معه في حكم الإنكار والتوبيخ، / وجعله حالاً من الضمير في {خُلِقَ } لا يخفى حاله. وجمع الأنداد باعتبار ما هو الواقع لا بأن يكون مدار الإنكار هو التعدد أي وتجعلون له أنداداً وأكفاء من الملائكة والجن وغيرهم والحال أنه لا يمكن أن يكون له سبحانه ند واحد. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في العظمة، وإفراد الكاف لما أن المراد ليس تعيين المخاطبين، وهو مبتدأ خبره ما بعده أي ذلك العظيم الشأن الذي فعل ما ذكر في مدة يسيرة {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة فكيف يتصور أن يكون شيء من مخلوقاته نداً له عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب المشركين بأنه بشَر يُوحَى إليه فما يملك إلجاءَهم إلى الإِيمان أمره عقب ذلك بمعاودة إرشادهم إلى الحق على طريقة الاستفهام عن كفرهم بالله، مدمِجاً في ذلك تذكيرهم بالأدلة الدالة على أن الله واحد، بطريقة التوبيخ على إشراكهم به في حين وضوح الدلائل على انفراده بالخلق واتصافه بتمام القدرة والعلم. فجملة {قُلْ أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ} إلى آخرها استئناف ابتدائي ثان هو جواب ثان عن مضمون قولهم: { أية : إننا عاملون } تفسير : [فصلت: 5]. وهمزة الاستفهام المفتتح بها الكلام مستعملة في التوبيخ فقوله: { أية : أئِنَّكُم لَتَكْفُرُونَ } تفسير : كقوله في سورة البقرة (28) {كيف تكفرون باللَّه}. وفي الافتتاح بالاستفهام وحرفي التوكيد تشويق لتلقي ما بعد ذلك لدلالة ذلك على أن أمراً مُهمّاً سيُلقى إليهم، وتوكيد الخبر بــــ (إنَّ) ولام الابتداء بعد الاستفهام التوبيخي أو التعجيبي استعمال وارد كثيراً في الكلام الفصيح، ليكون الإِنكار لأمر محقق، وهو هنا مبني على أنهم يحسبون أنهم مهتدون وعلى تجاهلهم الملازمةَ بين الانفراد بالخلق وبين استحقاق الإِفراد بالعبادة فأُعلموا بتوكيد أنهم يكفرون، وبتوبيخهم على ذلك، فالتوبيخ المفاد من الاستفهام مسلط على تحقيق كفرهم بالله، وذلك من البلاغة بالمكانة العليا، واحتمالُ أن يكون التوكيد مسلطاً على التوبيخ والإِنكار قلب لنظام الكلام. ومجيء فعل «تكفرون» بصيغة المضارع لإِفادة أن تجدد كفرهم يوماً فيوماً مع سطوع الأدلة التي تقتضي الإِقلاع عنه أمر أحق بالتوبيخ. ومعنى الكفر به الكفر بانفراده بالإِلهية، فلما أشركوا معه آلهة كانوا واقعين في إبطال إلهيته لأن التعدد ينافي حقيقة الإِلهية فكأنهم أنكروا وجوده لأنهم لمّا أنكروا صفات ذاته فقد تصوروه على غير كنهه. وأدمج في هذا الاستدلال بيان ابتداء خلق هذه العوالم، فمحل الاستدلال هو صلة الموصول، وأما ما تعلق بها فهو إدماج. و{الأرض}: هي الكرة الأرضية بما فيها من يابس وبحار، أي خلق جِرمها. واليومان: تثنية يوم، وهو الحصة التي بين طلوع الشمس من المشرق وطلوعها ثانية. والمراد: في مدة تساوي يَومين مما عرفَه الناس بعد خَلق الأرض لأن النور والظلمة اللذان يُقدَّر اليوم بظهورهما على الأرض لم يظهرا إلا بعد خلق الأرض، وقد تقدم ذلك في سورة الأعراف. وإنما ابتُدىء بذكر خلق الأرض لأن آثاره أظهرُ للعيان وهي في متناول الإِنسان، فلا جرم أن كانت الحجة عليهم بخلق الأرض أسبقَ نهوضاً. ولأن النعمة بما تحتوي عليه الأرض أقوى وأعمّ فيظهر قبح الكفران بخالقها أوضح وأشنع. وعطْفُ {وَتَجْعَلُون لَهُ أندَاداً} على {لتكفرون} تفسيرٌ لكفرهم بالله. وكان مقتضى الظاهر أن في التفسير لا يعطف فعدل إلى عطفه ليكون مضمونه مستقلاً بذاته. والأنداد: جمع نِدّ بكسر النون وهو المثل. والمراد: أنداد في الإِلهية. والتعبير عن الجلالة بالموصول دون الاسم العلم لما تؤذن به الصلة من تعليل التوبيخ، لأن الذي خلق الأرض هو المستحق للعبادة. والإشارة بــــ {ذٰلِكَ رَبُّ العٰلَمِينَ} إلى «الذي خلق الأرض في يومين» وفي الإشارة نداء على بلادة رأيهم إذ لم يتفطنوا إلى أن الذي خلق الأرض هو رب العالمين لأنه خالق الأرض وما فيها، ولا إلى أن ربوبيته تقتضي انتفاء الند والشريك، وإذا كان هو رب العالمين فهو رب ما دون العالمين من الأجناس التي هي أحط من العقلاء كالحجارة والأخشاب التي منها صُنعِ أصنامهم. وجملة {ذٰلِكَ رَبُّ العٰلَمِين} معترضة بين المعطوفات على الصلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بالذي خلق الأرض في يومين: أي الأحد والإثنين. وتجعلون له أنداداً: أي شركاء وهذا داخل في حيز الإِنكار الشديد عليهم. ذلك رب العالمين: أي الله مالك العالمين وهم كل ما سواه عز وجل من سائر الخلائق. وجعل فيها رواسي: أي جبالاً ثوابت. وبارك فيها: أي في الأرض بكثرة المياه والزروع والضروع. وقدر فيها أقواتها: أي أقوات الناس والبهائم. في أربعة أيام: أي في تمام أربعة أيام وهي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء. سواء للسائلين: أي في أربعة أيام هي سواء لمن يسأل فإنها لا زيادة فيها ولا نقصان. ثم استوى إلى السماء: أي قصد بإرادته الربانية إلى السماء وهي دخان قبل أن تكون سماء. فقضاهن سبع سماوات في يومين: أي الخميس والجمعة ولذا سميت الجمعة جمعة لاجتماع الخلق فيها. وأوحى في كل سماء أمرها: أي ما أراد أن يكون فيها من الخلق والأعمال. وزينا السماء الدنيا بمصابيح: أي بنجوم. وحفظاً: أي وحفظناها من إستراق الشياطين السمع بالشهب الموجودة فيها. ذلك تقدير العزيز العليم: أي خلق العزيز في ملكه العليم بخلقه. معنى الكلمات: إنه بعد الإِصرار على التكذيب والإِنكار من المشركين أمر تعالى رسوله أن يقول لهم {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إن كفرهم عجب منكم هل تعلمون بمن تكفرون إنكم لتكفرون بالذي خلق الأكوان كلها علويها وسفليها في ستة أيام، أين يذهب بعقولكم ياقوم أتستطيعون جحود الله تعالى وجحود آياته وهذه الأكوان كلها آيات شاهدات على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته وموجبة له الربوبية عليها والألوهية له فيها دون غيره من سائر خلقه وأعجب من ذلك أنكم تجعلون له أنداداً أي شركاء تسوونهم به وهم أصنام لا تسمع ولا تبصر فكيف تُسوّى بالذي خلق الأرض في يومين أي الأحد والاثنين، وهو رب العالمين أجمعين أي رب كل شيء ومليكه ومالكه. وقوله تعالى في الآية الثانية [9] {وَجَعَلَ فِيهَا} أي في الأرض رواسي أي جبالا ثوابت ترسو في الأرض حتى لا تميد بأهلها ولا تميل فيخرب كل شيء عليها، {وَبَارَكَ فِيهَا} بكثرة المياه والرزق والضروع والخيرات {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} تقديراً يعجز البيان عن وصفه، والقلم عن رقمه وآلالات الحاسبة عن عِدّة. وذلك كله من الخلق والتقدير {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً} لمن يسأل عنها إنها الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء أي مقدرة بأيامنا هذه التي تكونت نتيجة الشمس والقمر والليل والنهار فلا تزيد يوماً ولا تنقص آخر. وقوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} في الآية الثالثة [10] يُخبر تعالى أنه بعد خلق الأرض استوى إلى السماء أي قصد بإرادته التي تعلو فوق كل إرادة {إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي بخار وسديم ارتفع من الماء الذي كان عرشه تعالى عليه فقال لها كما قال {لِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي طائعتين أو مكرهتين لا بد من مجيئكما حسب ما أردت وقصدت فأجابتا بما أخبر تعالى عنهما في قوله: {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} أي لم يكن لنا أن نخالف أمر ربنا، {فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ} وهما الخميس والجمعة، {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} أي ما أراد أن يخلقه فيها ويعمرها به من المخلوقات والطاعات. وقوله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ} وهي النجوم وحفظاً أي وجعلناها أي النجوم حفظاً من الشياطين أن تسترق السمع فإن الملائكة يرجمونهم بالشهب من النجوم فيحترقون أو يخبلون. وقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي ذلك المذكور من الخلق والتقدير تقدير العزيز في ملكه أي الغالب على أمره العليم بتدبير ملكه وأعمال وأحوال خلقه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الكفر بالله لا ذنب فوقه فما بعد الكفر ذنب، وهو عجيب وأعجب منه اتخاذ أصنام وأحجار أوثاناً تعبد مع الله الحي القيوم مالك الملك ذي الجلال والإِكرام. 2- بيان الأيام التي خلق الله فيها العوالم العلوية والسفلية وهي ستة أيام أي على قدر ستة أيام من أيام الدنيا هذه مبدوءة بالأحد منتهية بالجمعة، وقدرة الله صالحة لخلق السماوات والأرض وبكل ما فيهما بكلمة التكوين "كن" ولكن لحكم عالية أرادها الله تعالى منها تعليم عباده الأناة والتدرج في إيجاد الأشياء شيئاً فشيئاً. 4- لا تعارض بين قوله تعالى في هذه الآية ثم استوى إلى السماء المشْعِر بأن خلق السماوات كان بعد خلق الأرض، وبين قوله، والأرض بعد ذلك دحاها من سورة والنازعات المفهم أن دَحْوَ الأرض كان بعد خلق السماء، إذ فسر تعالى دَحْوَ الأرض بإخراج مائها ومرعاها وهو ما ترعاه الحيوانات التي سيخلقها عليها، ثم قوله خلق الأرض في يومين على صورة يعلمها هو ولا نعلمها نحن، وتقدير الأقوات في قوله وقدر فيها أقواتها لا يستلزم أن يكون فعلا أظهر ما قدره إلى حيز الوجود، وحينئذ لا تعارض بين ما يدل من الآيات على خلق الرض أولا ثم خلق السماوات وهو الذي صرحت به الأحاديث إذ خلق الأرض في يومين وقدر الأقوات في يومين وبعد أن خلق السماوات دحا الأرض فأخرج منها ما قدره فيها من أقوات وأرزاق الحيوانات حسب سنته في ذلك. 4- بيان فائدتين عظيمتين للنجوم الأولى أنها زينة السماء بها تضاء وتشرق وتذهب الوحشة منها والثانية أن ترمي الشياطين بالشهب من النجوم ذات التأجج الناري.

القطان

تفسير : أندادا: امثالا. الرواسي: الجبال الثابتة الرواسخ. أقواتها: أقواتَ اهلها. سواء: كاملة لا نقصان فيها ولا زيادة. استوى الى السماء: قصد نحوها. دخان: مادة غازية أشبه بالدخان. فقضاهن: خالقهن. امرها: شأنها. بمصابيح: بكواكب ونجوم كما نراها. وحفظا: حفظناها حفظا من الآفات. قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين: كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض في يومين، وانتم مع هذا تجعلون له شركاء أمثالاً له! {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. وجعل في الأرض جبالاً ثابتة من فوقها لئلا تَميدَ بكم، وجعلَها مباركة كثيرة الخيرات، وقدر فيها أرزاقَ أهلِها حسبما تقتضيه حكمته، كل ذلك في اربعة ايام متكاملة. وقد جاء في القرآن الكريم ذكر اليوم والايام، ففي سورة الحج {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47]. وفي سورة السجدة الآية 5 {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}. تفسير : وفي سورة المعارج الآية 4 {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}. تفسير : ان هذا اليوم الذي نعيش فيه ونعرفه مرتبطٌ بالأرض ودورانها حول نفسها، فاذا خرجنا من منطقة الأرض الى الفضاء الواسع الفسيح اختلفت المقاييس، ولم يعدْ للزمن حدود، وان سَنَتَنا 365 يوما، بينما سنة عطارد وهو اقرب الكواكب الى الشمس 88 يوما فقط حسب دورته حول الشمس، وان ابعد الكواكب وهو بلوتو تقدّر سنته بنحو 250 سنة، لأنه يتم دورة واحدة بهذا الزمن، وهكذا فان الزمن نسبي. ان ايام الله هو يعلم مداها، ولا شك بانها أطول بكثير من ايام الأرض المعروفة. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} ثم توجهتْ إرادته تعالى الى السماء وهي غاز هو معروف بالسديم الآن، وخلقَ السماوات والأرض على وفق ارادته، فقال للسماء والأرض، ائتيا طائعين او مكرهتين بما وضعتُ فيكما من التأثير، وأبرِزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات، وائتيا في الوجود على ما أردتُه لكما، قالتا: أتينا طائعين لك أيها الخالق العظيم. والمراد هنا من هذا التعبير تصويرُ قدرته تعالى فيهما وامتثالهما بالطاعة لأمره. فخلقَهن سبع سماوات في يومين من أيامه، واوحى في كل سماءٍ أمرها وما أُعدّت له واقتضته حكمته، وزين السماء الدنيا التي نراها بالنجوم المنيرة كالمصابيح في أقرب المجرّات الينا التي نعيش على اطرافها، وهي المعروفة بدرْب التبّانة، والتي يقدَّر قطرها بنحو مئة الف مليون سنة ضوئية. وجعل لهذه الارض غلافاً جوياً يحفظها من كل سوء. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} الذي يمسك هذا الكون، ويدبر الوجود كله بقدرته وحكمته. قراءات: قرأ يعقوب: سواءٍ بالجر. والباقون سواءً بالنصب.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَإِنَّكُمْ} {ٱلْعَالَمِينَ} (9) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مُوَبِّخاً وَمُقَرِّعاً: إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِاللهِ الذِي خَلَقَ الأَرْضَ التِي تَقِفُونَ عَلَيْهَا فِي يَوْمَينِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَمْثَالاً تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِهِ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، فَعِبَادَتُكُمْ غَيْرَهُ مَعَهُ، ظُلْمٌ كَبِيرٌ. (وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ: فِي يَوْمَيْنِ، فِي طَوْرِينِ أَوْ عَلَى دُفْعَتَينِ أَوْ نَوْبَتَينِ: نَوْبَةٍ جَعَلَهَا جَامِدَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كُرَةً غَازِيَّةً، وَمَرَّةٍ جَعَلَهَا سِتاً وَعِشْرِينَ طَبَقَةً فِي سِتَّةِ أَطْوَارٍ). أَنْدَاداً - أَمْثَالاً وَأَشْبَاهاً مِنَ المَخْلُوقَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انتقل السياق هنا إلى النظر في آيات الكون، لأنها هي الوسيلة للإيمان بالمكوِّن سبحانه، فالكون كَوْن عجيب بديع مُتقن في نظامه وفي هندسته، هذا النظام مُستقر لا يتخلف ولا يطرأ عليه ما يُخرجه عن هذا الإتقان، فإنْ أردتَ أنْ تُرقِّق قلوب الناس فذكِّرهم بالآيات الكونية الطبيعية التي لا دخْلَ للإنسان فيها. لذلك نجد كثيراً في القرآن: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ..} تفسير : [الشورى: 32]. وهنا يحدثنا عن الخلق الأول وبداية نشأة هذه الأرض {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ..} [فصلت: 9] والهمزة هنا أفادتْ الاستفهام الإنكاري الذي ينكر عليهم كفرهم بالخالق سبحانه، وكأنه يقول لهم: إن هذا العمل منكم معلوم لنا وهو لا يجوز، فيريد سبحانه أنْ يلفتهم إلى المقابل. ثم لم يكتفُوا بالكفر بالخالق بل {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ..} [فصلت: 9] يعني: شركاء. مع أنهم يعلمون أنه سبحانه الخالق وحده {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [الزخرف: 87] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [لقمان: 25]. هكذا يعترفون بها عندما يغيب عنهم اللَّدد والعناد. وقوله: {فِي يَوْمَيْنِ ..} [فصلت: 9] أي: اليوم المعروف لنا، واليوم عندنا من الوقت إلى مثله، ويشمل الليل والنهار لأن الله يخاطبنا بما نعرفه {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ..} [فصلت: 9] شركاء لم يخلقوا شيئاً {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [فصلت: 9] أي: هذا الذي تجعلون له أنداداً هو ربُّ العالمين، وهو ربّ العالمين بإقراركم أنتم {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25].

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله، وجحد توحيده على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَإِنَّكُمْ} أيها الجاهدون المسرفون {لَتَكْفُرُونَ} وتنكرون {بِٱلَّذِي} أي: بالقادر العليم الحكيم الذي {خَلَقَ ٱلأَرْضَ} أي: عالم الطبيعة والهيولي {فِي يَوْمَيْنِ} يوماً لاستعداداتها القابلة لانعكاس أشعة نور الوجود، ويوماً لاتصافها بها بمقتضى الجود الإلهي. {وَ} من كمال غفلتكم وضلالكم عن توحيد الحق وتوحده في ذاته {تَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} تثبتون له شركاء في الوجود، مشاركين معه سبحانه في الآثار والتصرفات الواقعة في الكائنات، وتتوجهون نحوهم في الخطوب والملمات، مع أنه لا رب لهم سواه سبحانه، ولا مرجع لهم غيره، بل {ذَلِكَ} الواحد الأحد الصمد الذي ذكر نبذاً من أخص أوصافه {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [فصلت: 9] أي: موجد جميع ما لاح عليه برق الوجود، ومربيها بمقتضى الجود. {وَ} كيف تنكرون وحدة الحق، واستقلاله في ملكه وملكوته مع أنه {جَعَلَ} بمقتضى حكمته {فِيهَا} أي: في عالم الطبيعة {رَوَاسِيَ} اي: أقطاباً وأوتاداً رفعية الهمم عالية القدر مستمرة {مِن فَوْقِهَا} أي: من عالم الأسماء والصفات {وَ} لهذا {بَارَكَ فِيهَا} وكثَّر الخير والبركة عليها {وَ} من كما حكمته سبحانه {قَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} أي: قدر وأظهر في عالم الطبيعية جميع ما يحتاج إليه أهلها من الرزق الصوري والمعنوي تتميماً لتربيتهم، وتكميلاً لهم حسب نشأتهم. كل ذلك صدر منه سبحانه {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يومين للنشأة الأولى المتعلقة بالظور والبروز، ويومين للنشأة والأخرى المتعلقة بالكمون والبطون، ولهذا كانت الأيام المذكورة {سَوَآءً} أي: سبيلاً وطريقاً مستقيماً { لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 10] المستكشفين عن مدة بروز عالم الطبيعة عن مكمن الغيب. {ثُمَّ} أي: بعدما هبط ونزل من عالم الأسماء إلى مهبط الطبيعة والهيولي، وصعد إليها {ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء الأسماء، وتمكن عليها مستعلياً مستغنياً فارغاً عن الصعود والهبوط {وَ} الحال أنه {هِيَ} أي: عالم الأسماء والصفات في أنفسها أيضاً {دُخَانٌ} حجاب بالنسبة إلى صرافة الذات؛ إذ لا تلخوا عن شوب الكثرة المستلزمة للظلمة، بعدما استقر عليها سبحانه، وتمكن {فَقَالَ لَهَا} أي: لسماء الأسماء والصفات. {وَلِلأَرْضِ} أي: الطبيعة والهيولي إظهاراً للقدرة الشاملة والسلطنة الغالبة: {ٱئْتِيَا} وتوجهاً نحو جانبنا، منسلخين عن هوياتكما الباطلة ووجوداتكما العاطلة الزائلة {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي: طائعتين أو كارهتين؛ إذ لا وجود لكما في أنفسكما، وبعدم سمعتا من النداء المهوول ما سمعتا {قَالَتَآ} على وجه التصريح والتذلل، حسب استعداداتهما الف رية وقابالياتهما الجبلية: {أَتَيْنَا} نحو بابك يا ربنا {طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] من أين يتأتى منا الكره لحكمك، يا من لا وجود لنا إلا منك، لا تحقق إلا بك، نعبدك ونستعين منك عل العبادة عبادتك؛ إذ لا معبود لنا سواك، ولا مقصود إلا إياك. {فَقَضَٰهُنَّ} أي: قضي سبحانه وقدر لإمدادهما {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} على عدد الصفات السبع التي هي أمهات الأسماء الإلهية {فِي يَوْمَيْنِ} أي: يوم الظهور ويوم البطون، يوم ل تحصيل المادة، ويوم لتكميل الصورة {وَ} بعدما حكم وقضي سبحانه {أَوْحَىٰ} وألهم {فِي كُلِّ سَمَآءٍ} من الأسماء المدبرة {أَمْرَهَا} أي: أمورها التي طلب منها ووضع لأجلها {وَ} قال سبحانه بعدما رتبها عليها تتميماً للتربية، وتكميلاً للقدرة الكاملة الشاملة: {زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي: القرب إلى عالم الشهادة المشتملة على الآثار والأعمال، الصادرة من المظاهر والأظلال {بِمَصَٰبِيحَ} مقتبسة مسرجة من أشعة أنوار الذات {وَ} جعلناها {حِفْظاً} أي: وقاية ورقيباً لأرباب العناية من وساوس شيطان الأوهام، والخيالات المترتبة على القوى الطبيعية المائلة بالذات إلى السفل {ذَلِكَ} الذي سمعت من الخلق والإيجاد على النظام البديع والترتيب العجيب {تَقْدِيرُ} الحكيم {ٱلْعَزِيزِ} الغالب على إيجاد جميع ما دخل في حيطة إرادته {ٱلْعَلِيمِ} [فصلت: 12] بإظهارها على عموم الصور الممكنة لظهورها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9]؛ أي: أرض البشرية في يومي الهوى والطبيعة، {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} [فصلت: 9] من الهوى والطبيعة إذا تحركت أرض البشرية، {ذَلِكَ} [فصلت: 9] من ابتلاء {رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [فصلت: 9] الذي خلق عالمي العقل والهوى، {وَجَعَلَ فِيهَا} [فصلت: 10] في أرض البشرية {رَوَاسِيَ} [فصلت: 10] من العقل؛ لتسكين أرض البشرية لا يستقر إلا برواسخ العقل {مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} [فصلت: 10] بالحواس الخمس، {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} [فصلت: 10] بستة من قوى البشرية {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: 10]؛ أي: مع يومي خلق الأرض؛ يعني: في يومي الروح الحيواني والروح الطبيعي {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 10] لهذه القضية، {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [فصلت: 11] سماء القلب {وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] نار الروحانية، وبقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} لتجيبا {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] وإنما ذكرهما بلفظ التأنيث في البداية، كأنهما كانتا ميتة وهي مؤنثتان، وإنما ذكرهما في النهاية بلفظ التذكير؛ لأنه أحياهما وأعقلهما وهما في العدم، فأجابا بقولهما: أتينا طائعين جواب العقلاء، وفي قوله: {فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} [فصلت: 12] إشارة إلى أن لسماء القلب سبعة أطوار، كما قال تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح: 14] فالطور الأول من القلب يسمى: الكركر وهو محل الوسوسة. والثاني: الشغاف وهو مظهر الهواجس. والثالث: الفؤاد وهو معدن الرؤية كما قال تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} تفسير : [النجم: 11]، والرابع: القلب وهو منبع الحكمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ظهرت ينابيع الحكمة في قلبه على لسانه"تفسير : ، والخامس: السويداء وهو مرآة الغيب. والسادس: الشغاف وهو مثوى المحبة كما قال تعالى: {أية : قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}تفسير : [يوسف: 30]، والسابع: محبة القلب وهي مودة التجلي وموضوع الكشوف، ومركز الأسرار ومهبط الأنوار، {فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12]؛ أي: يومي الروح الإنساني، والإلهام الرباني {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12]؛ أي: ما هو أهله ومحله، {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ} [فصلت: 12] وهي أنوار الأذكار والطاعات والعبادات {وَحِفْظاً} [فصلت: 12] من الشياطين، {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} [فصلت: 12] الذي لإظهار عزَّته وعظمة قدر هذه الكمالات ودبَّرها في نطفة قدرة {ٱلْعَلِيمِ} [فصلت: 12] الذي أحاط علمه بمصالح الدارين وأهلها، {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} [فصلت: 13] أرباب النفوس المتمردة عن الله، وطلبه وطلب رضاه {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]؛ أي: أخبر المكذبين لك أن لكم سلفاً سلكتم طريقهم في العناد والجحود، فإن أبيتم إلا الإصرار ألحقناكم بهم بالهلاك فتكونوا كأمثالهم {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [فصلت: 14].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينكر تعالى ويعجِّب، من كفر الكافرين به، الذين جعلوا معه أندادا يشركونهم معه، ويبذلون لهم ما يشاؤون من عباداتهم، ويسوونهم بالرب العظيم، الملك الكريم، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، ثم دحاها في يومين، بأن جعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار. فكمل خلقها، ودحاها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } عن ذلك، فلا ينبئك مثل خبير، فهذا الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص. { ثُمَّ } بعد أن خلق الأرض { اسْتَوَى } أي: قصد { إِلَى } خلق { السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } قد ثار على وجه الماء، { فَقَالَ لَهَا } ولما كان هذا التخصيص يوهم الاختصاص، عطف عليه بقوله: { وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه. { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } ليس لنا إرادة تخالف إرادتك. { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } فَتَمَّ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، مع أن قدرة اللّه ومشيئته صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة، ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة. واعلم أن ظاهر هذه الآية، مع قوله تعالى في النازعات، لما ذكر خلق السماوات قال: { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } يظهر منهما التعارض، مع أن كتاب اللّه، لا تعارض فيه ولا اختلاف. والجواب عن ذلك، ما قاله كثير من السلف، أن خلق الأرض وصورتها متقدم على خلق السماوات كما هنا، ودحي الأرض بأن {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } تفسير : متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات، ولهذا قال فيها: {أية : وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا } تفسير : إلى آخره ولم يقل: "والأرض بعد ذلك خلقها". وقوله: { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } أي: الأمر والتدبير اللائق بها، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين. { وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } هي: النجوم، يستنار، بها، ويهتدى، وتكون زينة وجمالا للسماء ظاهرًا، وجمالا لها، باطنًا، بجعلها رجومًا للشياطين، لئلا يسترق السمع فيها. { ذَلِكَ } المذكور، من الأرض وما فيها، والسماء وما فيها { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ } الذي عزته، قهر بها الأشياء ودبرها، وخلق بها المخلوقات. { الْعَلِيمِ } الذي أحاط علمه بالمخلوقات، الغائب والشاهد. فَتَرْكُ المشركين الإخلاص لهذا الرب العظيم الواحد القهار، الذي انقادت المخلوقات لأمره ونفذ فيها قدره، من أعجب الأشياء، واتخاذهم له أندادًا يسوونهم به، وهم ناقصون في أوصافهم وأفعالهم، أعجب، وأعجب، ولا دواء لهؤلاء، إن استمر إعراضهم، إلا العقوبات الدنيوية والأخروية، فلهذا خوفهم بقوله: { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ ...}.