٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلَ } مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي {فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت {مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا } بكثرة المياه والزروع والضروع {وَقَدَّرَ } قسَّم {فِيهَا أَقْوٰتَهَا } للناس والبهائم {فِى } تمام {أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء {سَوَآءً } منصوب على المصدر، أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص {لّلسَّائِلِينَ } عن خلق الأرض بما فيها.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَبَارَكَ فِيهَا} أنبت شجرها بغير غرس وزرعها بغير بذر، أو أودعها منافع أهلها {أَقْوَاتَهَا} أرزاق أهلها "ح"، أو مصالحها من بحارها وأشجارها وجبالها وأنهارها ودوابها، أو المطر، أو قدر في كل بلدة منها ما ليس في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد آخر {فِى أَرْبَعَةِ أَيَامٍ} في تتمة أربعة أيام لقولك خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً أي في تتمة خمسة عشر يوماً وفي الحديث مرفوع أنه خلق الأرض يوم الأحد والأثنين والجبال يوم الثلاثاء والشجر والماء والعمران يوم الأربعاء والسماء يوم الخميس والنجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم يوم الجمعة وخلق ذلك شيئاً بعد شيء لتعتبر به من حضر من الملائكة، أو لتعتبر به العباد إذا أخبروا {لِّلسِّآئِلِينَ} عن مدة الأجل الذي خلق فيها الأرض، أو في أقواتهم وارزاقهم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} [الآية: 10]. قال القاسم: الرواسى الأجلة من الأولياء الذين هم المشرفون على الخلق لأنهم الخواص منهم. وقوله: {مِن فَوْقِهَا} أى من فوق عامة الأولياء وأشرفهم نظرهم أصح وبركاتهم أعم ولا يشرف عليهم أحد إلا القطب الذى هو الواحد فى العلا وبه قوام كل الأولياء والرواسى دونه.
القشيري
تفسير : الجبالُ أوتادُ الأرضِ في الصورة، والأولياءُ أوتادٌ ورواسٍ للأرض في الحقيقة. {وَبَارَكَ فِيهَا}: البركةُ الزيادة.. فيأتيهم المطرُ ببركاتِ الأولياء، ويندفع عنهم البلاء ببركات الأولياء. {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}: وجعلها مختلفةً في الطَّعْمِ والصورةِ والمقدار. وأرزاقُ القلوبِ والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعل فيها رواسى} عطف على وخلق داخل فى حكم الصلة. والجعل ابداعى والمراد تقدير الجعل لا الجعل بالفعل والمراد بالرواسى الجبال الثابتة المستقرة: وبالفارسية [كوههاى بلنديايدار] يقال رسا الشىء يرسو ثبت وارساه غيره ومنه المرساة وهو انجر السفينة وقفت على الانجر بالفارسية [لنكر] {من فوقها} متعلق بجعل او بمضمر هو صفة لرواسى اى كائنة من فوقها مرتفعة عليها لتكون منافعها ظاهرة للطلاب وليظهر للناظر ما فيها من وجوه الاستدلال ولا فالجبال التى اثبتت فوق الارض لا تمنعها عن الميلان ولو كانت تحتها كاساطين الغرف او مركوزة فيها كالمسامير لمنعتها عنه. عن ابن عباس رضى الله عنهما اول ما خلق الله من شىء خلق القلم وقال له اكتب قال يا رب ما اكتب قال اكتب القدر فجرى بما يكون من ذلك الى يوم القيامة ثم خلق النون ثم رفع بخار الماء ففتق منه السماوات ثم بسط الارض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الارض اى مالت فاوتدت بالجبال اى احكمت واثبتت. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره لما خلق الله الارض على الماء تحركت ومالت فخلق الله من الابخرة الغليظة الكثيفة الصاعدة من الارض بسبب هيجانها الجبال فسكن ميل الارض وذهبت تلك الحركة التى لا يكون معها استقرار فطوّق الارض بجبل محيط بها وهو من صخرة خضراء وطوق الجبل بحية عظيمة رأسها بذنبها رأيت من الابدال من صعد جبل قاف فسألته عن طوله علوا فقال صليت الضحى فى اسفله والعصر فى اعلاه يعنى بخطوة الابدال وهى من المشرق الى المغرب. يقول الفقير لعل هذا من قبيل البسط فى السير الملكوتى والا فما بين السماء والارض كما بين المشرق والمغرب وهى خمسمائة عام على ما قالوا. وعن وهب ان ذا القرنين اتى على جبل قاف فرأى حوله جبالا صغارا فقال ما انت قال انا قاف قال فما هذه الجبال حولك قال هى عروقى وليست مدينة الا وفيها عرق منها فاذا اراد الله ان يزلزل مدينة امرنى فحركت عرقى ذلك فتزلزلت تلك المدينة قال يا قاف اخبرنى بشىء من عظمة الله فقال ان شأن ربنا لعظيم وان من ورائي مسيرة خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا لولا ذلك لاحرقت من نار جهنم والعياذ بالله منها. وذكر اهل الحكمة ان مجموع ما عرف فى الاقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وسبعون جبلا منها ما طوله عشرون فرسخا ومنها مائة فرسخ الى الف فرسخ. وفى زهرة الرياض اول جبل نصب على وجه الارض ابو قبيس وعدد الجبال ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول. وجعل الله فى الجبال خصائص منها ان تجر البرودة الى نفسها وجعلها خزائن المياه والثلوج تدفعها بامر الخالق الى الخلق بالمقادير لكل ارض قدر معلوم على حسب استعدادها ومنها خلق الاودية لمنافع العباد واودع فيها انواع المعادن من الذهب والفضة والحديد وانواع الجواهر وهى خزانة الله وحصنه ودليل على قدرته وكمال حكمته وهى سجن الوحوش والسباع ليلا وشرف الله الجبال بعرض الامانة عليها وفيها التسبيح والخوف والخشية وجعلها كراسى انبيائه عليهم السلام كاحد لنبينا والطور لموسى وسرنديب لآدم والجودى لنوح صلوات الله على نبينا وعليهم اجمعين وكفى شرفا بذلك وانها بمنزلة الرجال فى الاكوان يقال للرجل الكامل جبل. رأى بعض الاولياء مناما فى الليلة التى هلك فيها رجال بغداد على يد هولاكوخان ان جبال العراقين ذهبت من وجه الارض بهبوب الرياح المظلمة على بغداد فوصل الخبر ان هولاكوخان قد دخل مدينة بغداد وقتل من الرجال الاولياء والعلماء والصلحاء والامراء وسائر الناس مالا يحصى عددا ولذا قال بعضهم رواسى الجبال اوتاد الارض فى الصورة والاولياء اوتاد الارض فى الحقيقة فكما ان الجبال مشرفة على سائر الاماكن كذلك الاولياء مشرفون على سائر الخلائق دل عليه قوله {من فوقها} يعنى من فوق العامة فكما ان جبل قاف مشرف على كل جبل كذلك القطب الغوث الاعظم مشرف على كل ولى وبه قوام الاولياء والرواسى دونه. ومن خواص الاولياء من يقال لهم الاوتاد وهم اربعة واحد يحفظ المشرق باذن الله تعالى ويقال له عبد الحى وواحد يحفظ المغرب ويقال عبد العليم وواحد يحفظ الشمال ويقال له عبد المريد وواحد يحفظ الجنوب ويقال له عبد القادر وكان الشافعى رحمه الله فى زمانه من الاوتاد الاربعة على ما نص عليه الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات. وببركات الاولياء يأتى المطر من السماء ويخرج النبات من الارض وبدعائهم يندفع البلاء عن الخلق وان حياتهم ومماتهم سواء فانهم ماتوا عن اوصاف وجودهم بالاختيار قبل الموت بالاضطرار فهم احياء على كل حال ولذا قيل شعر : مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست تفسير : {وبارك فيها} اى قدر بان يكثر خير الارض بان يخلق انواع الحيوان التى من جملتها الانسان واصناف النبات التى منها معايشهم ببذر وغيره {وقدر فيها اقواتها} القوت من الرزق ما يمسك الرمق ويقوم به بدن الانسان يقال قاته يقوته اذا اطعمه قوته والمقيت المقتدر الذى يعطى كل احد قوته. ومن بلاغات الزمخشرى اذا حصلتك ياقوت هان علىّ الدر والياقوت والمعنى حكم تعالى بالفعل بان يوجد فيما سيأتى لاهل الارض من الانواع المختلفة اقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة فالمراد باقوات الارض ارزاق سكانها بمعنى قدّر اقوات اهلها على حذف المضاف بان عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به [ويا براى اهل هرموضعى اززمين روزى مقدر كرد جون كندم وجووبرنج وخرما وكوشت وامثال آن هريك ازينها غالب اقوات بلداست]. وقال بعض العارفين كل خلق لهم عنده تعالى رزق مخصوص فرزق الروحانيين المشاهدة ورزق الربانيين المكاشفة ورزق الصادقين المعرفة ورزق العارفين التوحيد ورزق الارواح الروح ورزق الاشباح الاكل والشرب وهذه الاقوات تظهر لهم من الحق فى هذه الارض التى خلقت معبدا للمطيعين ومرقدا للغافلين شعر : جلوه تقدير درزندان كل دارد مراد ورنه بالا تربود از نه فلك جولان من تفسير : {فى اربعة ايام} من ايام الآخرة او من ايام الدنيا كما سبق وهو متعلق بحصول الامور المذكورة لا بتقديرها اى قدر حصولها فى يومين يوم الثلاثاء ويوم الاربعاء على ما سيأتى. وانما قيل فى اربعة ايام اى تتمة اربعة ايام بالفذلكة ومجموع العدد لانه باليومين السابقين يكون اربعة ايام كأنه قيل نصب الراسيات وتقدير الاقوات وتكثير الخيرات فى يومين آخرين بعد خلق الارض فى يومين وانما لم يحمل الكلام على ظاهره بان يجعل خلق الارض فى يومين وما فيها فى اربعة ايام لانه قد ثبت ان خلق السموات فى يومين فيلزم ان يكون خلق المجموع فى ثمانية ايام وليس كذلك فانه فى ستة ايام على ما تكرر ذكره فى القرآن. وذكر فى البرهان انما لم يذكر اليومين على الانفراد لدقيقة لا يهتدى اليها كل احد وهى ان قوله {أية : خلق الارض فى يومين} تفسير : صلة الذى {أية : وتجعلون له اندادا} تفسير : عطف على تكفرون {وجعل فيها رواسى} عطف على قوله {أية : خلق الارض} تفسير : وهذا ممتنع فى الاعراب لا يجوز فى الكلام وهو فى الشعر من اقبح الضرورات لا يجوز ان يقول جاءنى الذى يكتب وجلس ويقرأ لانه لا يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه باجنبى من الصلة فاذا امتنع هذا لم يكن بد من اضمار فعل يصح الكلام به ومعه فتضمن خلق الارض بعد قوله ذلك رب العالمين خلق الارض وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها اقواتها فى اربعة ايام ليقع هذا كله فى اربعة ايام انتهى. وقال غيره {وجعل فيها رواسى} عطف على خلق وحديث لزوم الفصل بجملتين خارجتين عن حيز الصلة مدفوع بان الاولى متحدة بقوله تعالى {أية : تكفرون} تفسير : فهو بمنزلة الاعادة له والثانية اعتراضية مقررة لمضمون الكلام بمنزلة التأكيد فالفصل بهما كلا فصل فالوجه فى الجميع دون الانفراد ما سبق {سواء} مصدر مؤكد لمضمر هو صفة لايام اى استوت تلك الايام سواء اى استواء يعنى فى اربعة ايام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان {للسائلين} متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر فى الاربعة للسائلين عن مدة خلق الارض وما فيها القائلين فى كم خلقت الارض وما فيها فالسؤال استفتائى واللام للبيان او بقدّر. قال فى بحر العلوم وهو الظاهر اى قدر فيها اقواتها لاجل السائلين اى الطالبين لها المحتاجين اليها من المقتاتين فان اهل الارض كلهم طالبون للقوت محتاجون اليه فالسؤال استعطائى واللام للاجل. قال ابن عباس رضى الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا رديفه يقول "حديث : خلق الله الارواح قبل الاجسام باربعة آلاف سنة وخلق الارزاق قبل الارواح باربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل وانا من الذين لم يسألوا الله الرزق ومن سأل فهو جهل" تفسير : وهذا الخبر يشير الى ان اللام فى للسائلين متعلق بسواء واليه الاشارة فى تأويلات البقلى حيث قال لا يزيد الرزق بالسؤال ولا ينقص وفيه تأديب لمن لم يرض بقسمته شعر : كشاد عقده روزى بدست تقديرانست مكن زرزق شكايت از ين وآن زنهار تفسير : وفى الحديث "حديث : من جاع او احتاج فكتمه عن الناس كان حقا على الله ان يفتح له رزق سنة من حلال" تفسير : فالعمدة الصبر وترك الشكاية والتوكل والاشتغال بالذكر. حديث : قال انس رضى الله عنه خرجت مع النبى عليه السلام الى شعب فى المدينة ومعى ماء لطهوره فدخل النبى عليه السلام واديا ثم رفع رأسه واومأ الى بيده ان اقبل فاتيته فدخلت فاذا بطير على شجرة وهو يضرب بمنقاره فقال عليه السلام "هل تدرى ما يقول" قلت لا قال "يقول اللهم انت العدل الذى لا تجور حجبت عنى بصرى وقد جعت فاطعمنى" فاقبلت جرادة فدخلت بين منقاره ثم جعل يضرب منقاره بمنقاره فقال عليه السلام "أتدرى ما يقول" قلت لا فقال "من توكل على الله كفاه ومن ذكره لا ينساه" قال عليه السلام "يا انس من ذا الذى يهتم للرزق بعد ذلك اليوم الرزق اشد طلبا لصاحبه من صاحبه له"تفسير : : قال الصائب شعر : رزق اكر برآدمى عاشق نمىباشد جرا از زمين كندم كريبان جاك مى آيدجرا
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلَ} استئناف لا عطف على الصلة التي هي خلق الفصل بما خرج عن الصلة وهو {أية : تَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} تفسير : ويجوز عندي العطف والجملة معترضة نطقاً معطوفة على (تكفرون) محلها رفع* {فِيهَا} أي في الارض* {رَوَاسِيَ} جبالا ثوابت* {مِن فَوْقِهَا} لا تحتها ولا مركوزة فيها لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبها حاضرة لمحطها وليعتبر الناظر فيها وبارتفاعها ويرى أنها أثقال على أثقال كلها مفتقرة الى ماسك وقد مسكها الله بقدرته* {وَبَارَكَ فِيهَا} أي أنزل البركة فيها أكثر خيرها ماء وزرعاً وضرعاً ونباتاً وأنماه ومن خيراتها البحار والاشجار وأصناف الحيوان وما يصاد* {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} أي أوجد فيها أرزاق أهلها ناساً وجناً ودواب وطيراً وحوتاً وخلق لكل نوع ما يعيش به وما يصلح له وقيل قسم فيها أقوات أهلها ومعايشهم ومصالحهم. وقرأ ابن مسعود: (فيها أقواتها)، وقال الضحاك: أراد بأقواتها أرزاق أهلها ومنافعهم يجعل في بلد ما ليس بالآخر من نحو ملبوس ومطعوم ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة وقيل قدر الخبز لأهل قطر والسمك لأهل قطر وهكذا وقيل المراد الزراعة وهي أكثر الحرف بركة وأضاف الاقوات للارض على حذف مضاف كما رأيت أو لحلولها فيها وخروجها عنها وكذا قال السدي وفسر الاقوات بالأرزاق وقال مجاهد المراد قوت الارض نفسها من المطر والمياه وقال قتادة أقوات الارض من الجبال والانهار والاشجار والصخور والمعادن والاشياء التى بها قوام الارض ومصالحها. وروى ابن عباس في هذا حديثاً وذلك تشبيه بالقوت الذي هو قوام الحيوان* {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} باليومين الأولين خلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين وقدر الأقوات في يومين الثلاثاء والأربعاء وفيهما خلق كل ما في الارض من جبل وغيره ولم يقل في يومين ليدل على اتصال اليومين باليومين وعلى الفرد لكله أي فذلك كله في أربعة أيام ولو قال في يومين لجاز أن يكون أطلق كلا من اليومين الأولين والآخرين على أكثرهما لان اليومين قد يعلقان على أكثر كذا قيل وفيه أن أربعة كذلك. وعن الزجاج قد اتمت في أربعة أيام وأراد بالتتمة اليومين الأخيرين* {سَوَآءً} كاملة مستوية لا زيادة ولا نقص وهو بالنصب عند الجمهور حال من أربعة لاضافته قاله ابن هشام وقيل حال من ضمير (فيها) أو لضمير (أقواتها) ويدل لابن هشام قراءة الحسن ويعقوب بالحفظ على أنه نعت لاربعة لكن يجوز كونه نعتاً وانما نعت به وجعل حالاً مع أنه مفرد مذكر مطلقاً لان أصله مصدر والمصدر يطلق على الواحد المذكر وغيره وقيل هو بالنصب مفعول مطلق اسم مصدر أي استوت استواء والجملة نعت ويدل له قراءة الجر لكن يجوز كونها نعتاً لاربعة أو حال منها وقرأ جعفر بن القعقاع بالرفع أي هى سواء والجملة نعت أيام وأربعة أو حال أربعة* {لِّلسَّآئِلِينَ} عن مدة خلقها وخلق ما فيها اعتباراً أو تعنتاً وهو خبر لمحذوف أي هذا الحصر للسائلين وعلقه قتادة بسواء. وقال ابن زيد وجماعة متعلق بقدر على أن معناه الطالبون وهذا يتم على قول الزجاج ان معنى في أربعة في تتمة أربعة كذا قيل وحكي عن ابن زيد والجماعة تعليقه بسواء أي مستو مهيء أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين الطالبين.
اطفيش
تفسير : {وَجَعل} قيل العطف على خلق، وفيه الفصل بجملتين مشوشا للذهن، مورثا لصعوبة فهم معنى الأصل، ولو كان قوله: {وتجعلون} الخ بمنزلة لتكفرون بالذى خلق الخ فهما كواحدة، وقوله: " أية : ذلك رب العالمين " تفسير : [فصلت: 9] مؤكد لمضمون الكلام، كما رأيت فى تفسيره آنفا، والأقرب العطف على محذوف أى خلقها وجعل {فيها رَواسِيَ} جبالا راسية أى ثابتة {مِنْ فَوقها} متعلق بجعل، أو نعت لرواسى، أو لمنعوته، وانما صح النعت على طريق قولك: ان الرواسى الثابتة من فوقها، هو جعلها وفائدته قوله: " من فوقها " أنها فوقها لا تحتها، كالعمد لها، ولا مغرورة فيها كالمسامير، ليتوصل بارتفاعها الى مصالح واعتبارات، وغرز بعض أسفلها لا ينافى أنها من فوقها لقلته، فانها أنزلت الجبال تعد خلق الأرض، وغرز قليل من أسفلها أو دفن. {وباركَ فيهَا} كثر خيرها بالانبات، وخلق المعادن والجواهر والحيوان، ومنه الانسان {وقَدَّر فيها أقْواتها} جعل الأقوات مقادير مخصوصة، وأضافها لضمير الأرض، لأنها فى الأرض أويقدر مضاف، أى أقوات أهلها، وقيل الأقوات الأمطار والمياه، فانها قوت للأرض تشربها، فتلد الثمار النافعة، وما ينتفع به مما تأكيل الدواب والخشب والحطب، وعن عكرمة أنها ما خص به كل اقليم من الملابس والمطاعم والمشارب والبنات، مما تعمر به الأرض، كما قرىء: {وقسم فيها أقواتها} وقيل: خلق فى كل بلدة ما لم يجعل فى الأخرى لنتفعوا بالتجر، وقيل: قدر البر لأهل أرض، والتمر لأهل أرض، والذرة لأهل أرض، والسمك لأهل أرض. {في أرْبعةِ أيَّامٍ} متعلق بقدر على مذهب أبى حنيفة فى القيدين متعاطفين، أو متعاطفات أنه يعود الى الاخير، والذى يظهر أنه للكل، لأن عاملها واحد حتى يدل دليل على تخصيص، ويجعل ذلك من باب الحذف، أو من التنازع، واذا لم يصلح العامل لكل على حدة قدر ما يعم، مثل أن يقدر هنا حصل مجموع ذلك فى أربعة أيام، ثم رأيته قولا للشافعى، قال الله تعالى: " أية : خلق الأرض في يومين" تفسير : [فصلت: 9] ثم قال: {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} ثم قال: " أية : فقضاهن سبع سماوات في يومين" تفسير : [فصلت: 12] وخالف ظاهر ذلك قوله تعالى فى آية أخرى: " أية : في ستة أيام" تفسير : [الأعراف: 54] الجواب قيل: ان المراد فى تتمة أربعة أيام، وتتمتها يومان، وإلا كانت الأيام ثمانية، وانما هى ستة بزيادة يومين على أربعة، ومثل لذلك بقولك: سرت من البصرة الى بغداد فى عشرة أيام والى الكوفة فى خسمة عشر، تريد تتمة عشرة كذا قيل، وهو تخليط، وانما الجواب ما يجىء بعد ان شاء الله تعالى. وعبارة بعض فى أربعة ايام مع اليومين الأولين المذكورين قبل، ففى المثال خمسة عشر بعد العشرة المذكورة. {سواء للسَّائلين} مفعول مطلق لمحذوف نعت لأربعة، أى مستوية للسائلين، سواء أى استواء، ويدل له قراءة يعقوب بجر سواء على أنه نعت لأربعة، وفائدة سواء دفع الزيادة والنقص،لأنه قد يذكر العدد، والمراد دونه كقوله تعالى: " أية : الحج أشهر معلومات"تفسير : [البقرة: 197] فانهن: شوال وذو القعدة تسعة أيام من ذى الحجة، قيل: وليلة النحر، والبسط فى الفقه، تقول فعلته فى يومين، وتريد أنه لم يستقل به يوم واحد، بل أخذ من الآخر نصفا، أو أقل أو أكثر، فكأنه قيل: فى أربعة أيام كاملة، وللسائلين متعلق بنعت محذوف جوازا، اى سواء مهيأة للسائلين، أى مستوية مهيأة للسائلين، أى المحتاجين، أو خبر لمحذوف، أى ذلك للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو متعلق بقدر بمعنى الطالبين للأقوات، أو حال من الأقوات، معنى الطالبين، والمتبادر الثانى.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } على ما اختاره غير واحد عطف على {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ }تفسير : [فصلت: 9] داخل في حكم الصلة، ولا ضير في الفصل بينهما بالجملتين المذكورتين لأن الأولى متحدة بقوله تعالى: {تَكْفُرُونِ } بمنزلة إعادتها والثانية معترضة مؤكدة لمضمون الكلام فالفصل بهما كلا فصل، وفيه بلاغة من حيث المعنى لدلالته على أن المعطوف عليه أي {خَلَقَ ٱلأَرْضَ } كاف في كونه تعالى رب العالمين وأن لا يجعل له ند فكيف إذا انضمت إليه هذه المعطوفات. وتعقب بأن الاتحاد لا يخرجه عن كونه فاصلاً مشوشاً للذهن مورثاً للتعقيد فالحق والأقرب أن تجعل الواو اعتراضية وكل من الجملتين معترض ليندفع بالاعتراض الاعتراض أو يجعل ابتداء كلام بناء على أنه يصدر بالواو أو يقال: هو معطوف على مقدر كخلق، واختار هذا الأخير صاحب «الكشف» فقال: أوجه ما ذكر فيه أنه عطف على مقدر بعد {أية : رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [فصلت: 9] أي خلقها وجعل فيها رواسي فكأنه ساق قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلاْرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } أولاً رداً عليهم في كفرهم ثم ذكره ثانياً تتميماً للقصة وتأكيداً للإنكار، وليس سبيل قوله سبحانه: {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} سبيل الاعتراض حتى تجعل الجملة عطفاً على الصلة ويعتذر عن تخلل {تَجْعَلُونَ} عطفاً على {تَكْفُرُونِ } باتحاده بما قبله على أسلوب {أية : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }تفسير : [البقرة :217] وذلك لأنه مقصود لذاته في هذا المساق وهو ركن للإنكار مثل قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضِ } وأكد على ما لا يخفى على ذي بصيرة. والرواسي الجبال من رسا إذا ثبت، والمراد بجعلها إبداعها بالفعل، وفي «الإرشاد» المراد تقدير الجعل لا الجعل بالفعل. وقوله تعالى: {مّن فَوْقِهَا } متعلق بجعل أو بمحذوف صفة لرواسي أي كائنة من فوقها والضمير للأرض وفي ذلك استخدام على ما قيل في المراد منها لأن الجبال فوق الأرض المعروفة لا فوق جميع الأجسام السفلية والبسائط العنصرية، وفائدة {مّن فَوْقِهَا } الإشارة إلى أنها جعلت مرتفعة عليها لا تحتها كالأساطين ولا مغروزة فيها كالمسامير لتكون منافعها معرضة لأهلها ويظهر للنظار ما فيها من مراصد الاعتبار ومطارح الأفكار. ولعمري إن في ارتفاعها من الحكم التكوينية ما تدهش منه العقول، والآية لا تأبـى أن يكون في المغمور من الأرض في الماء جبالاً كما لا يخفى والله تعالى أعلم. {وَبَـٰرَكَ فِيهَا } أي كثر خيرها، وفي «الإرشاد» قدر سبحانه أن يكثر خيرها بأن يكثر فيها أنواع النباتات وأنواع الحيوانات التي من جملتها الإنسان {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } أي بين كميتها وأقدارها، وقال في «الإرشاد»: أي حكم بالفعل بأن يوجد فيما سيأتي لأهلها من الأنواع المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة. والكلام على تقدير مضاف، وقيل: لا يحتاج إلى ذلك والإضافة لأدنى ملابسة، وإليه يشير كلام / السدي حيث قال: أضاف الأقوات إليها من حيث هي فيها وعنها برزت، وفسر مجاهد الأقوات بالمطر والمياه. وفي رواية أخرى عنه وإليه ذهب عكرمة والضحاك أنها ما خص به كل إقليم من الملابس والمطاعم والنباتات ليكون الناس محتاجين بعضهم لبعض وهو مقتض لعمارة الأرض وانتظام أمور العالم، ويؤيد هذا قراءة بعضهم {وقسم فيها أقواتها}. {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } متعلق بحصول الأمور المذكورة لا بتقديرها على ما في «إرشاد العقل السليم»، والكلام على تقدير مضاف أي قدر حصولها في تتمة أربعة أيام؛ وكان الزجاج يعلقه ـ بقدر ـ كما هو رأي الإمام أبـي حنيفة في القيد إذا وقع متعاطفات نحو أكرمت زيداً وضربت عمراً ورأيت خالداً في الدار، والشافعي يقول: المتعقب للجمل يعود إليها جميعاً لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات فيكون القيد هنا عائداً إلى جعل الرواسي وما بعده وهو الذي يتبادر إلى فهمي ولا بد من تقدير المضاف الذي سمعت وقد صرح الزجاج بتقديره ولم يقدره الزمخشري وجعل الجار متعلقاً بمحذوف وقع خبراً لمبتدأ محذوف أي كل ذلك من خلق الأرض وما بعده كائن في أربعة أيام على أنه فذلكة أي كلام منقطع أتى به لمجمل ما ذكر مفصلاً مأخوذة من فذلكة الحساب وقولهم: فذلك كذا بعد استقرار الجمع فما نحن فيه ألحق فيه أيضاً جملة من العدد بجملة أخرى وجعله كذلك لا يمنع عطف {جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} على مقدر لأن الربط المعنوي كاف. والقول بأن الفذلكة تقتضي التصريح بذكر الجملتين مثل أن يقال: سرت من البصرة إلى واسط في يومين ومن واسط إلى الكوفة في يومين فذلك أربعة أيام وهٰهنا لم ينص إلا على أحد المبلغين غير سديد لأن العلم بالمبلغين في تحقيق الفذلكة كاف على أن المراد أنه جار مجراها وإنما لم يجز الحمل على أن جعل الرواسي وما ذكر عقيبه أو تقدير الأقوات في أربعة أيام لأنه يلزم أن يكون خلق الأرض وما فيها في ستة أيام وقد ذكر بعده أن خلق السمٰوات في يومين فيكون المجموع ثمانية أيام. وقد تكرر في كتاب الله تعالى أن خلقهما أعني السمٰوات والأرض في ستة أيام وقيدت الأيام الأربعة بقوله تعالى: {سَوَآءً } فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة لأيام أي استوت سواء أي استواء كما يدل عليه قراءة زيد بن علي، والحسن وابن أبـي إسحٰق وعمرو بن عبيد وعيسى ويعقوب {سوآء } بالجر فإنه صريح في الوصفية وبذلك يضعف القول بكونه حالاً من الضمير في {أَقْوٰتَهَا } مع قلة الحال من المضاف إليه في غير الصور الثلاث ولزوم تخالف القراءتين في المعنى. ويعلم من ذلك أنه على قراءة أبـي جعفر بالرفع يجعل خبر المبتدأ محذوف أي هي سواء وتجعل الجملة صفة لأيام أيضاً لا حالاً من الضمير لدفع التجوز فإنه شائع في مثل ذلك مطرد في عرفي العرب والعجم فتراهم يقولون: فعلته في يومين ويريدون في يوم ونصف مثلاً وسرت أربعة أيام ويريدون ثلاثة ونصفاً مثلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ }تفسير : [البقرة: 197] فإن المراد بالأشهر فيه شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة النحر وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازاً. ثم أطلق على المجموع اسم العدد الكامل فالمعنى هٰهنا في أربعة أيام لا نقصان فيها ولا زيادة وكأنه لذلك أوثر ما في التنزيل على أن يقال: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين كما قيل / أولاً {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ }تفسير : [فصلت: 9] وحاصله أنه لو قيل ذلك لكان يجوز أن يراد باليومين الأولين والآخيرين أكثرهما وإنما لم يقل خلق الأرض في يومين كاملين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين أو خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين تلك أربعة سواء لأن ما أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقاً لما عليه التنزيل من مغاصات القرائح ومصاك الركب ليتميز الفاضل من الناقص والمتقدم من الناكص وترتفع الدرجات وتتضاعف المثوبات. وقال بعض الأجلة: إن في النظم الجليل دلالة أي مع الاختصار على أن اليومين الأخيرين متصلان باليومين الأولين لتبادره من جعلهما جملة واحدة واتصالهما في الذكر. وقوله تعالى: {لّلسَّائِلِينَ } متعلق بمحذوف وقع خبراً لمبتدأ محذوف أي هذا الحصر في أربعة كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، ولا ضير في توالي حذف مبتدأين بناء على ما آثره الزمخشري في الجار والمجرور قبل، وقيل هو متعلق ـ بقدر ـ السابق أي وقدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين، وقيل: متعلق بمقدر هو حال من الأقوات، والكل لا يستقيم إلا على ما آثره الزجاج دون ما آثره الزمخشري لأن الفذلكة كما يعلم مما سبق لا تكون إلا بعد تمام الجملتين فلا يجوز أن تتوسط بين الجملة الثانية وبعض متعلقاتها وقيل متعلق بسواء على أنه حال من الضمير والمعنى مستوية مهيأة للمحتاجين أو به على قراءة الرفع وجعله خبر مبتدأ محذوف أي هو أي أمر هذه المخلوقات ونفعها مستو مهيأ للمحتاجين إليه من البشر وهو كما ترى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على فعل الصلة لا على معمول الفعل، فجملة {وَجَعَلَ فِيهَا رَوٰسِيَ} الخ صلة ثانية في المعنى، ولذلك جيء بفعل آخر غير فعل (خلق) لأن هذا الجعل تكوين آخر حصل بعد خلق الأرض وهو خلق أجزاء تتصل بها إما من جنسها كالجبال وإما من غير جنسها كالأقوات ولذلك أعقب بقوله: {فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ} بعد قوله: { أية : فِي يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت: 9]. والرواسي: الثوابت، وهو صفة للجبال لأن الجبال حجارة لا تنتقل بخلاف الرمال والكثبان، وهي كثيرة في بلاد العرب. وحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه كقوله تعالى: { أية : ومن آياته الجواري في البحر } تفسير : [الشورى: 32] أي السفن الجواري. وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى: { أية : وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم } تفسير : في سورة الأنبياء (31). ووصفُ الرواسي بــــ {مِن فَوْقِهَا} لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال، فمنها الجميل المنظر المجلّل بالخضرة أو المكسوّ بالثلوج، ومنها الرهيب المرأى مثل جبال النار (البراكين)، والجبال المعدنية السود. و {بارك فيها} جعل فيها البَرَكة. والبَرَكة: الخير النافع، وفي الأرض خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيتِه، وفيها التراب والحجارة والمعادن، وكلها بركات. و{قدَّر} جعل قَدْراً، أي مقداراً، قال تعالى: { أية : قد جعل اللَّه لكل شيء قدراً } تفسير : [الطلاق: 3]. والمقدار: النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية، فمعنى {قدر فيها أقواتها} أنه خلق في الأرض القُوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحَبّ للحبوب، والكَلأ والكمْأة، والنَّوى للثمار، والحرارةِ التي يَتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير، وما يتولد منه الحيتان ودَوابّ البحار والأنهار. ومن التقدير: تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال. وأشار إلى ذلك قوله: { أية : واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً } تفسير : [نوح: 17] ويأتي القول فيه، وقوله: { أية : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } تفسير : [النحل: 81] وقوله: { أية : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } تفسير : [النحل: 80] الآية. وجمع الأقوات مضافاً إلى ضمير الأرض يفيد العموم، أي جميع أقواتها وعمومُه باعتبار تعدد المقتاتين، فللدواب أقوات، وللطير أقوات، وللوحوش أقوات، وللزواحف أقوات، وللحشرات أقوات، وجُعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى: { أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } تفسير : ومضى الكلام عليه في سورة البقرة (29). وقوله: {فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ} فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جِرمِها، وما عليها من رواسي، وما فيها من القوى، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومانِ اللذان في قوله: { أية : فِي يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت: 9] فكأنه قيل: في يَومين آخرين فتلك أربعة أيام، فقوله في {أرْبَعَة أيام} فذلكة، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإِيجاز واعتماداً على ما يأتي بعدُه من قوله: { أية : فقضاهن سبع سماوات في يومين } تفسير : [فصلت: 12]، فلو كان اليومان اللذان قضى فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار مجموع الأيام ثمانية، وذلك ينافي الإِشارة إلى عِدّة أيام الأسبوع، فإن اليوم السابع يوم فراغ من التكوين. وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة كاملة متناسبة. و {سواء} قرأه الجمهور بالنصب على الحال من {أيام} أي كاملة لا نقص فيها ولا زيادة. وقرأه أبو جعفر مرفوعاً على الابتداء بتقدير: هي سواء. وقرأه يعقوب مجروراً على الوصف لــــ {أيام}. و{للسائلين} يتنازعه كل من أفعال {جعل} و{بَارك} و{قَدر} فيكون {للسائلين}جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، أي بيّنا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون لــــ {السائلين} متعلقاً بفعل {قدر فيها أقواتها} فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}. الظاهر أن معنى قوله هنا في أربعة أيام: أي في تتمة أربعة أيام. وتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط، لأنه تعالى قال: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] ثم قال في أربعة أيام، أي في تتمة أربعة أيام. ثم قال: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 12] فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة، فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما، ستة أيام. وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال، لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كقوله في الفرقان: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 59]. وقوله تعالى في السجدة {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} تفسير : [السجدة: 4] الآية. وقوله تعالى في ق. {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [ق: 38] وقوله تعالى في الأعراف {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الأعراف: 54] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فلو لم يفسر قوله تعالى {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} بأن معناه في تتمة أربعة أيام، لكان المعنى أنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام، لأن قوله تعالى: {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّام} إذا فسر بأنها أربعة كاملة ثم جمعت مع اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض المذكورين في قوله {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9]، واليومين اللذين خلقت فيهما السماوات المذكورين في قوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 12] لكان المجموع ثمانية أيام. وذلك لم يقل به أحد من المسلمين. والنصوص القرآنية مصرحة بأنها ستة أيام، فعلم بذلك صحة التفسير الذي ذكرنا وصحة دلالة الآيات القرآنية عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} قد قدمنا الكلام على أمثاله من الآيات، في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15] الآية، وقوله تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا} أي أكثر فيها البركات، والبركة الخير، وقوله تعالى {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}. التقدير والخلق في لغة العرب معناهما واحد. والأقوات جمع قوت، والمراد بالأقوات أرزاق أهل الأرض ومعايشهم وما يصلحهم. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب: أن آية فصلت هذه، أعني قوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} يفهم منها الجمع بين الآيات الدالة على أن الأرض خلقت قبل السماء كقوله هنا {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] ثم رتب على ذلك بثم، قوله {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] إلى قوله {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 12] مع بعض الآيات الدالة على أن السماء خلقت قبل الأرض، كقوله تعالى في النازعات: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] إلى قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات:30 ]. فقلنا في كتابنا المذكور ما نصه: قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 29] الآية، هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء، بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال. وكذلك آية حم السجدة، تدل أيضاً على خلق الأرض قبل السماء، لأنه قال فيها: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] إلى أن قال {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] الآية. مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأنه قال فيها {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27]، ثم قال: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30]. اعلم أولاً أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات، فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولاً قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك. فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك، بعد خلق السماء. ويدل لهذا أنه قال: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] ولم يقل خلقها ثم فسر دحوه إياها بقوله: {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} تفسير : [النازعات: 31] وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه. مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه. وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بما فيها بعد خلق السماء. وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 29] الآية. وقد مكثت زمناً طويلاً أفكر في حل هذا الإشكال حتى هداني الله إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم. وإيضاحه: أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين، كل منهما تدل عليه أية من القرآن. الأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعاً قبل خلق السماء: الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل، الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، والعرب تسمي التقدير خلقاً. ومنه قول زهير: شعر : ولأنت تَفْري ما خلقت وبعض القوم يخلُقُ ثم لا يَفْري تفسير : والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير، أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت. حيث قال: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَاَ} تفسير : [فصلت: 10] ثم قال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] الآية. الوجه الثاني: أنه لما خلق الأرض غير مدحوة وهي أصل لكل، ما فيها كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلاً. والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، وإن لم يكن موجوداً بالفعل، قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : [الأعراف: 11] الآية، فقوله {أية : خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} تفسير : [الأعراف: 11] أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم. وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] أي مع ذلك، فلفظة بعد، بمعنى مع. ونظيره قوله تعالى: {أية : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} تفسير : [القلم: 13] وعليه فلا إشكال في الآية. ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة وبها قرأ مجاهد، والأرض مع ذلك دحاها. وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة. لأنها مبينة على أن خلق السماء قبل الأرض وهو خلاف التحقيق. منها أن ثم: بمعنى الواو. ومنها: أنها للترتيب الذكري كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد: 17] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَوَاسِيَ} {بَارَكَ} {أَقْوَاتَهَا} {لِّلسَّآئِلِينَ} (10) - وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ الذِي جَعَلَ فِي الأَرْضِ جِبَالاً ثَوَابِتَ، رَاسِيَاتٍ، تُرْسِي الأَرْضَ وَتُثَبِّتُهَا لِكَيْلاَ تَمِيدَ وَتَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيْهَا مِنَ المَخْلُوقَاتِ. وَهُوَ الذِي بَارَكَ فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَهَا كَثِيرَةَ الخَيْرِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَقَدَّرَ لأَِهْلِهَا الأَقْوَاتَ والأَرْزَاقَ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَ كُلٍّ مِنْهُم، فَأَتَمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: فَقَدْ خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَكْثَرَ الخَيْرَاتِ وَقَدَّرَ الأَرْزَاقَ فِي يَوْمَينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَامٍ كَامِلَةٍ، وَفْقَ مُرَادِ طَالِبِ القُوتِ (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)، وَهُوَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَيْهِ مِنْ إِنْسَانِ وَحَيَوانٍ. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ تَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَنْ عَلَيْهَا. بَارَكَ فِيهَا - كَثَّرَ خَيْرَها وَمَنَافِعَهَا. سَوَاءً - وَفْقَ المُرَادِ، أَوْ اسْتَوَتْ وَتَمَّتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تكلم الحق سبحانه عن خَلْق الأرض، وأخبر أنه خلقها في يومين، فهل معنى هذا أن خَلْق الأرض استغرق مُدَّة يومين بيومنا نحن؟ لا، إياك أنْ تظنَّ أن خَلْق الأرض استغرق يومين، أو أنه كان معالجة تحتاج إلى وقت. فالمسألة كما تقول مثلاً: أريد أنْ أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات اللبن وضَعْ عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلاً، فهل يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقتْ منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددتَ فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي. مثلاً حين تذهب للخياط ليخيط لك ثوباً، يقول لك: تعالَ خُذْه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده أسبوعاً؟ كذلك مسألة الخَلْق هذه. وبعد أنْ خلق اللهُ الأرض جعل فيها الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 7] ولو أن الأرضَ مستقرةٌ بطبيعتها ما احتاجتْ إلى الجبال، إذن: دلَّتْ الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض. {وَبَارَكَ فِيهَا ..} [فصلت: 10] قلنا: البركة أنَّ الشيء يعطي من الخير فوق مظنَّة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجدَ الطعام مثلاً الذي تظنه يكفي خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة. وقوله {وَبَارَكَ فِيهَا ..} [فصلت: 10] في أي شيء؟ في الأرض حيثُ ذُكِرت أولاً؟ أم في الجبال وهي آخر مذكور؟ قالوا {وَبَارَكَ فِيهَا ..} [فصلت: 10] أي: في الرواسي {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} [فصلت: 10] أي: في الجبال أيضاً. وقد أثبت الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بدَّ منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مَدَد وتجدُّد من حين لآخر. وهذا ما يحدث فعلاً، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في أعلى الجبال. وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصبِّ في البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلاً. كذلك الحال في الوديان حول الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها {وَبَارَكَ فِيهَا ..} [فصلت: 10]. وتأمل أيضاً الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، وكلّ عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية. فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: اطمئنْ فالرزق عند الله مضمون؛ لذلك قال بعدها {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} [فصلت: 10]. هذه المراحل: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} [فصلت: 10] جاءت في {أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ..} [فصلت: 10] هذه الأربعة أيام {سَوَآءً ..} [فصلت: 10] أي: أيام متساوية {لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 10] أي: الطالبين للرزق. أو {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ..} [فصلت: 10] يعني: في تتمة أربعة أيام {سَوَآءً ..} [فصلت: 10] أي: استوت وتمتْ. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} تفسير : [الأعراف: 54]. بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خَلْق السماوات على وجه التفصيل، فيقول: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]. كلمة {ٱسْتَوَىٰ ..} [فصلت: 11] عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا أنها وردتْ اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ..} [فصلت: 11] وواحدة في البقرة: {أية : فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ..} تفسير : [البقرة: 29]. هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل: {أية : ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ} تفسير : [النجم: 6] يعني: بلغ مداه. وواحدة في موسى: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [القصص: 14] يعني: بلغ سنِّ الرشد. وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ..} تفسير : [الفتح: 29]. هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشدَّاء على الكفار رحماءُ على المؤمنين، وهم رُكَّع سُجَّد لهم سيمة وعلامة يُعرفون بها، وهذه كلها قِيَمٌ معنوية لم يأتِ فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أنْ يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [النساء: 153]. أما مثلُهم في الإنجيل فلم يأتِ بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلاً مادياً بحتاً، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيدُ دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سُئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أُرسَل مُورِّثاً. لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلاً مادياً، فالمثل عند اليهود جاء روحانياً لأنها مفقودةٌ عند اليهود، وجاء مادياً لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال: {أية : وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ..} تفسير : [الفتح: 29] هذا مثَلٌ مادي صِرْف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معاً في دين واحد. هذه اثنتا عشرة موضعاً ذُكرتْ فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله: شعر : فَفِي سُورَةِ الأعْرَافِ ثمَّةَ يُونُسٌ وَفِي الرعْدِ مَعْ طَهَ فَللعدِّ أكِّدْ وَفِي سُورَةِ الفُرْقان ثُمةَ سَجدةٌ كَذَا فِي الحدِيدِ فَافهَمُوا فَهْمَ مُؤيِّد تفسير : كلمة {ٱسْتَوَىٰ ..} [فصلت: 11] إنْ كانت للعرش يقول: استوى على، وإنْ كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فَهِمَ استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجَّه إليها بإرادته سبحانه. ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكُّن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إنْ كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملْك إلا إذا دَانَ له الجميع وخضعوا. لذلك قال في بلقيس: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] يعني: استتبَّ لها الأمر، فكلمة (استوى على العرش) دلتْ على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع؛ لذلك قال هنا عن السماء والأرض {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]. وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله: شعر : وَلَهُمْ مَقالاَتٌ عَليْهَا أرْبَع قَدْ حُصِّلَتْ للفَارسِ الطّعَّانْ وَهْيَ اسْتَقرَّ وَقَدْ عَلاَ وكَذاكَ قَدْ صَعَد الذِي هُوَ رابِعْ تفسير : فالمعنى هنا {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ..} [فصلت: 11] أي: قصدها وتوجَّه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتبَّ، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يُقبل على قوله (كَنْ) إلا لعلمه تعالى أن شيئاً من مُلْكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره؛ لذلك قال {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فوراً، لذلك شهد الله لذاته بذلك: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كُنْ فكان. وبعد ذلك شهدتْ الملائكة، وشهد أولو العلم. وقوله: {وَهِيَ دُخَانٌ ..} [فصلت: 11] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السَّديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكوَّنت الأرض والصخور والجبال. وبعد أنْ تكوَّنتْ السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ..} [فصلت: 11] فكان الردّ {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]. وهذا الرد دَلَّ على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كُلِّه لخالقه تعالى {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] وهل نملك المخالفة، ولماذا نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلاً على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هَوًى في نفسه يُغير الموقف {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. أما الإنسان فكلٌّ له هَوًى، لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعٌ لما جئتُ به" تفسير : وما دام سيكون هواك تبعاً لما جاء به النبي، وأنا هواي تبعٌ لما جاء به النبي، فالهوى إذن واحد {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] هذا كلام السماء والأرض، وكان القياس أنْ يقول: طائعينِ بالمثنى إنما قال {طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنَّث، فكان القياس أنْ يقول: طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفرداً لكنه تحته. فإذا نظرتَ إلى المفرد جئتَ بالمفرد، وإذا نظرتَ إلى ما تحته جئتَ بالجمع. قال تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} تفسير : [الحجرات: 9] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما {ٱقْتَتَلُواْ ..} [الحجرات: 9] لأن أمر القتال راجعٌ إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون القتال أو عدم القتال، وساعةَ القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به الفريق الآخر، إنما يمسك كلُّ فرد بسيفه. فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، فقال في القتال {ٱقْتَتَلُواْ ..} [الحجرات: 9] لكن عند الصلح قال: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} تفسير : [الحجرات: 9] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع القادة لكل طائفة الذين يُصرِّفون الأمر حرباً أو سِلْماً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} معناه معاشُها في هذه الأرضِ ما ليس في هذهِ، وفي هذهِ ما ليس في هذهِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 854 : 1 : 6 - سفين في قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} (قال) ثياب اليمن لا يكون إلا باليمن، وثياب الخراسان بخراسان. [الآية 10]. 855 : 2 : 4 - سفين في قوله {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} من سأل فهو على هذا. [الآية 10].
همام الصنعاني
تفسير : 2692- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}: [الآية: 10]، قالَ: أرزاقها. 2693- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: جبالها، ودوابها، وأنهارها، وثمارها. 2694- حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثَّوْري، عن حصين، عن عِكْرِمة، في قوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}: [الآية: 10]، قال: السابري لا يصلح إلا (بسابور)، واليماني لا يصلح إلا باليمن. 2695- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}: [الآية: 10]، قال: من سأل فهوكما قال الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):