Verse. 4231 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

فَاِنْ اَعْرَضُوْا فَقُلْ اَنْذَرْتُكُمْ صٰعِقَۃً مِّثْلَ صٰعِقَۃِ عَادٍ وَّثَمُوْدَ۝۱۳ۭ
Fain aAAradoo fuqul anthartukum saAAiqatan mithla saAAiqati AAadin wathamooda

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن أعرضوا» أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان «فقل أنذرتكم» خوَّفتكم «صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود» عذاباً يهلككم مثل الذي أهلكهم.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكلام إنما ابتدىء من قوله {أية : أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [فصلت: 6] واحتج عليه بقوله { أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } تفسير : [فصلت: 9] وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة كيف يجوز الكفر به، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له في الإلهية؟ ولما تمم تلك الحجة قال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } وبيان ذلك لأن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذٍ علاج في حقهم إلا إنزال لعذاب عليهم فلهذا السبب قال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ } بمعنى أن أعرضوا عن قبول هذه الحجة القاهرة التي ذكرناها وأصروا على الجهل والتقليد {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ } والإنذار هو: التخويف، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأي شيء كان، وقرىء {صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } قال صاحب«الكشاف» وهي المرة من الصعق. ثم قال: {إِذْ جَاءتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } وفيه وجهان الأول: المعنى أن الرسل المبعوثين إليهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما جكى الله تعالى عن الشيطان قوله {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } تفسير : [الأعراف: 17] يعني لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة، ويقول الرجل: استدرت بفلان من كل جانب فلم تؤثر حيلتي فيه. السؤال الثاني: المعنى: أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم، فإن قيل: الرسل الذين جاؤا من قبلهم ومن بعدهم، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم؟ قلنا: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاؤهم. ثم قال: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } يعني أن الرسل الذي جاؤهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك، قال صاحب «الكشاف» أن في قوله {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله. ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا {لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل، وقالوا الدليل على كونكم كاذبين أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زمرة الملائكة، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } معناه: فإذاً أنتم بشر ولستم بملائكة، فأنتم لستم برسل، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم، وهو المراد من قوله {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ }. واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام، وقوله {أُرْسِلْتُمْ بِهِ } ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلاً، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27]. روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والسحر والكهانة فكلمه، ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علماً وما يخفى علي، فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن، أي بنات من شئت من قريش، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فزع قال: بسم الله الرحمن الرحيم {حم * تنزيل من الرحمن الرحيم} إلى قوله {صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلم احتبس عنهم قالوا، لا نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت: فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم، ولقد علمت أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. واعلم أنه تعالى لما بيّـن كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بيّـن خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } وهذاالاستكبار فيه وجهان الأول: إظهارالنخوة والكبر، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني: الاستعلاء على الغير واستخدامهم، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالو {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى، خاضعين لأوامره ونواهيه. واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة لله، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله {ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } تفسير : [الذاريات: 58] فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي، فما معنى قوله إن الله أشد منهم قوة؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر. ثم قال: {وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ } والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة. واعلم أن نظم الكلام أن يقال: أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون، وقوله {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } واعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار. واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق، فقوله {ٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } مضاد للإحسان إلى الخلق وقوله {وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ } مضاد للتعظيم للخالق، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية القصوى، فلهذا المعنى سلّط الله العذاب عليهم فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } وفي الصرصر قولان أحدهما: أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في هبوبها، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير الباب، وقيل من الصرة والصيحة، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ } تفسير : [الذاريات: 29] والقول الثاني: أنها الباردة التي تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } تفسير : [آل عمران: 117] وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات » تفسير : وعن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته. وأما قوله {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {نَّحِسَاتٍ } بسكون الحاء والباقون بكسر الحاء، قال صاحب «الكشاف» يقال نحس نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر. المسألة الثانية: استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه االآية على أن بعض الأيام قد يكون نحساً وبعضها قد يكون سعداً، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى، أجاب المتكلمون بأن قالوا {أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف، وأيضاً قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها، أجاب المستدل الأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات لأن السعد يقابله السعد، والكدر يقابله الصافي، وأجاب عن السؤال الثاني أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايراً لذلك العذاب الذي وقع فيها. ثم قال تعالى: {ولنذيقهم عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } أي عذاب الهوان والذل، والسبب فيه أنهم استكبروا، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الخزي والهوان والذل إليهم. ثم قال تعالى {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ } أي أشد إهانة وخزياً {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي عنهم. ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ } قال صاحب «الكشاف» قرىء {ثَمُودُ } بالرفع والنصب منوناً وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرىء بضم الثاء وقوله {فَهَدَيْنَـٰهُمْ } أي دللناهم على طريق الخير والشر {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. واعلم أن صاحب «الكشاف» ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى: { أية : هُدىً لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وهذه الآية تبطل قوله، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل، فثبت أن قيد كونه مفضياً إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى. وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جواباً شافياً فتركناه، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ } يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد، وبيانه من وجهين: الأول: أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى، لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب الثاني: أنه تعالى قال: {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلاً، بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلماً لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد وأن يكون مسبوقاً بجهل آخر، فإن كان ذلك الجهل الثاني باختياره أيضاً لزم التسلسل وهو محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب، ولما وصف الله كفرهم قال: {فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ } و{صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ } أي داهية العذاب و{ٱلْهُونِ } الهوان، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يريد من شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة، وشرع صاحب «الكشاف» ههنا في سفاهة عظيمة. والأولى أن لا يلتفت إليه أنه وإن كان قد سعى سعياً حسناً فيما يتعلق بالألفاظ، إلا أن المسكين كان بعيداً من المعاني. ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ } يعني وكانوا يتقون الأعمال التي كان يأتي بها قوم عاد وثمود، فإن قيل: كيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود، مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صرّح الله تعالى بذلك في قوله { أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } تفسير : [الأنفال: 33] وجاء في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع من الآفات قلنا إنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة جوزوا حدوث ما يكون من جنس ذلك، وإن كان أقل درجة مهم وهذا القدر يكفي في التخويف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} يعني كفار قريش عما تدعوهم إليه يا محمد من الإيمان. {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أي خوفتكم هلاكاً مثل هلاك عاد وثمود. {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} يعني من أرسل إليهم وإلى من قبلهم {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} موضع «أَنْ» نصب بإسقاط الخافض أي بـ«ـأَلاَّ تَعْبُدُوا» و{قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} بدل الرسل {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} من الإنذار والتبشير. قيل: هذا استهزاء منهم. وقيل: إقرار منهم بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد. قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} على عباد الله هود ومن آمن معه {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوّتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. وقد مضى في «الأعراف» عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعاً. فقال الله تعالى ردًّا عليهم: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وقدرة، وإنما يقدر العبد بإقدار الله، فالله أقدر إذاً. {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } أي بمعجزاتنا يكفرون. قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي ريحاً باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ويقال: أصلها صَرَّرَ من الصِّر (وهو البرد) فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل؛ كقولهم كَبْكَبوا أصله كبَبَّوا، وتَجَفْجَفَ الثوبُ أصله تجفَّف. أبو عبيدة: معنى صَرْصَر: شديدة عاصفة. عكرمة وسعيد بن جبير: شديدة البرد. وأنشد قُطْرُب قول الحطيئة:شعر : المُطْعِمون إذا هَبّتْ بصَرْصَرةٍ والحامِلون إذا اسْتُودُوا على النَّاسِ تفسير : استودوا: إذا سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة قال: باردة. وقاله عطاء؛ لأن «صَرْصَراً» مأخوذ من صرّ والصرّ في كلام العرب البرد كما قال:شعر : لها عُذَرٌ كقُرون النِّسا ءِ رُكِّبْنَ في يومِ ريح وصِرْ تفسير : وقال السدي: الشديدة الصّوت. ومنه صَرّ القلمُ والباب يصِرّ صرِيراً أي صَوَّت. ويقال: درهم صَرِّيٌّ وصِرِّيٌّ للذي له صوت إذا نُقِد. قال ابن السِّكيّت: صَرْصَرْ يجوز أن يكون من الصِّر وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرِير الباب، ومن الصَّرة وهي الصيحة. ومنه {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} تفسير : [الذاريات: 29]. وصَرْصَرْ اسم نهر بالعراق. {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي مشؤومات؛ قاله مجاهد وقتادة. كنّ آخر شوّال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً}تفسير : [الحاقة: 7] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وقيل؛ «نَحِسَاتٍ» باردات؛ حكاه النقاش. وقيل: متتابعات؛ عن ابن عباس وعطية. الضحاك: شِداد. وقيل: ذات غبار؛ حكاه ابن عيسى. ومنه قول الراجز:شعر : قدِ اغْتَدى قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ لِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَليلِ النَّحْسِ تفسير : قال الضحاك وغيره: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرّت الرياح عليهم في غير مطر، وخرج منهم قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عن بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم، وكلهم مُعظِّم لمكة، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال جابر بن عبد الله التيمي: إذا أراد الله بقوم خيراً أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شراً حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «نَحْسَاتٍ» بإسكان الحاء على أنه جمع نحس الذي هو مصدر وصف به. الباقون: «نَحِسَاتٍ» بكسر الحاء أي ذوات نحس. ومما يدل على أن النحس مصدر قوله: {أية : فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ}تفسير : [القمر: 19] ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه؛ وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته؛ واختاره أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال: لا تصح حجة أبي عمرو؛ لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حجة لو نوّن اليوم ونعت وأسكن؛ فقال: «فِي يَوْمٍ نَحْسٍ» وهذا لم يقرأ به أحد نعلمه. وقال المهدوي: ولم يسمع في «نَحْسٍ» إلا الإسكان. قال الجوهري: وقرىء في قوله: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ» على الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد نحِس الشيء بالكسر فهو نحس أيضاً؛ قال الشاعر:شعر : أبلِغ جذاما ولَخْما أنّ إخوتهم طَيًّا وبَهْراء قوم نصرهم نحِس تفسير : ومنه قيل: أيام نَحِسَاتٍ. {لِّنُذِيقَهُمْ} أي لكي نذيقهم {عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالريح العقيم. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ} أي أعظم وأشدّ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى، فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم؛ كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين {صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أي: ومن شاكلهما؛ ممن فعل كفعلهما، {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} تفسير : [الأحقاف: 21] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل، يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا، ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لاََنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} أي: لو أرسل الله رسلاً، لكانوا ملائكة من عنده، {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: أيها البشر {كَـٰفِرُونَ} أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا. قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بغوا وعتوا وعصوا، {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة، فإنه العظيم الذي خلق الأشياء، وركب فيها قواها الحاملة لها، وأن بطشه شديد؛ كما قال عز وجل: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47] فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، فلهذا قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} قال بعضهم: وهي شديدة الهبوب، وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك؛ فإنها كانت ريحاً شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جداً؛ كقوله تعالى: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6] أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صرصراً؛ لقوة صوت جريه. وقوله تعالى: {فِىۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي: متتابعات {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 7] وكقوله: {أية : فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} تفسير : [القمر: 19] أي: ابتدأوا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 7] حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة، ولهذا قال: {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَخْزَىٰ} أي: أشد خزياً لهم، {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} أي: في الآخرة؛ كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب، ويدرأ عنهم النكال، وقوله عز وجل: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وأبو العالية وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد: بينا لهم، وقال الثوري: دعوناهم {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي: بصرناهم وبينا لهم، ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، {فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلاً وهواناً وعذاباً ونكالاً {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: من التكذيب والجحود، {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: من بين أظهرهم، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام بإيمانهم وبتقواهم لله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ } أي كفار مكة عن الإِيمان بعد هذا البيان {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ } خوَّفتكم {صَٰعِقَةً مّثْلَ صَٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } أي عذاباً يهلككم مثل الذي أهلكهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إذ جاءتهم الرسلُ مِن بين أيديهم ومِن خلفهم} فيه وجهان: أحدهما: أرسل من قبلهم ومن بعدهم، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: ما بين أيديهم عذاب الدنيا، وما خلفهم عذاب الآخرة، قاله الحسن. قوله عز وجل: {فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الشديدة البرد، قاله عكرمة وسعيد بن جبير، وأنشد قطرب قول الحطيئة: شعر : المطعمون إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا على الناس تفسير : استودوا أي سئلوا الدية. الثاني: الشديدة السموم، قاله مجاهد. الثالث: الشديدة الصوت، قاله السدي مأخوذ من الصرير، وقيل إنها الدبور. {في أيام نحسات} فيها أربعة أقاويل: أحدها: مشئومات، قاله مجاهد وقتادة، كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك {سبع ليال وثمانية أيام حسوماً} قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. الثاني: باردات، حكاه النقاش. الثالث: متتابعات، قاله ابن عباس وعطية. الرابع: ذات غبار، حكاه ابن عيسى ومنه قول الراجز: شعر : قد أغتدي قبل طلوع الشمس للصيد في يوم قليل النحس تفسير : قوله عز وجل: {وأمّا ثمود فهديناهم} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: دعوناهم، قاله سفيان. الثاني: بيّنا لهم سبيل الخير والشر، قاله قتادة. الثالث: أعلمناهم الهدى من الضلالة، قاله عبد الرحمن بن زيد. {فاستحبوا العَمى على الهدى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: اختاروا العمى على البيان، قاله أبو العالية. الثاني: اختاروا الكفر على الإيمان. الثالث: اختاروا المعصية على الطاعة، قاله السدي. {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} وفي الصاعقة هنا أربعة أقاويل: أحدها: النار، قاله السدي. الثاني: الصيحة من السماء، قاله مروان بن الحكم. الثالث: الموت وكل شيء أمات، قاله ابن جريج. الرابع: أن كل عذاب صاعقة، وإنما سميت صاعقة لأن كل من سمعها يصعق لهولها. وفي {الهون} وجهان: أحدهما: الهوان، قاله السدي. الثاني: العطش، حكاه النقاش.

ابن عطية

تفسير : المعنى: فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم إلى الله عن هذه الآيات البينة، فأعلمهم بأنك تحذرهم أن يصيبهم من العذاب الذي أصاب الأمم التي كذبت كما تكذب هي الآن. وقرأ جمهور الناس: "صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" وقرأ النخعي وأبو عبد الرحمن وابن محيصن "صعقة مثل صعقة"، فأما هذه القراءة الأخيرة فبينة المعنى، لأن الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار، فشبهت هنا وقعة العذاب بها، لأن عاداً لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة، وبالوقيعة فسر هنا "الصاعقة"، قال قتادة وغيره. وخص عاداً وثمود بالذكر لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام. وقوله: {من بين أيديهم} أي قد تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة. وقوله: {من خلفهم} أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن، فلذلك قال: {ومن خلفهم} وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمَّتهم خبراً ومباشرة، ولا يتوجه أن يجعل {ومن خلفهم} عبارة عما أتى بعدهم في الزمن، لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير، وأما الطبري فقال: الضمير في قوله: {ومن خلفهم} عائد على الرسل، والضمير في قوله: {من بين أيديهم} على الأمم، وتابعه الثعلبي، وهذا غير قوي لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. و {أن} في قوله: {ألا تعبدوا} نصب على إسقاط الخافض، التقدير: "بأن". و {تعبدوا} مجزوم على النهي، ويتوجه أن يكون منصوباً على أن تكون {لا} نافية، وفيه بعد. وكان من تلك الأمم إنكار بعثة البشر واستدعاء الملائكة، وهذه أيضاً كانت من مقالات قريش. وقوله: {فإنا بما أرسلتم به} ليس على جهة الإقرار بأنهم أرسلوا بشيء، وإنما معناه على زعمكم ودعواكم. ثم وصف حالة القوم، وأن عاداً طلبوا التكبر ووضعوا أنفسهم فيه بغير حق، بل بالكفر والمعاصي وغوتهم قوتهم وعظم أبدانهم والنعم فقالوا على جهة التقرير: {من أشد منا قوة} فعرض الله تعالى موضع النظر بقوله: {أو لم يروا} الآية، وهذا بين في العقل، فإن للشيء المخترع له المذهب متى شاء هو أقوى منه، وأخبر تعالى عنهم بجحودهم بآياته المنصوبة للنظر والمنزلة من عنده، إذ لفظ الآيات يعم ذلك كله في المعنى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً} هذا التفات من خطابهم بقوله: "قُلْ أَئِنَّكُمْ" إلى الغيبة لفعلهم الإعراض، أعرض عن خطابهم وهو تناسب حسنٌ، والمعنى أن الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، فإن بقُوا مصرِّين على الجهل لم يبق حينئذ علاجٌ في حقهم إلا إنزال العذاب عليهم، فلهذا قال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}، أي هلاكاً مثلَ هلاكِهِمْ، والإنذار التخويف. قال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيءٍ كان. وقرأ الجمهور: صاعِقَةً مثل صََاعِقَةِ بالألف فيهما. وابنُ الزبير والنَّخعيُّ والسُّلميُّ وابن محيصنٍ: صعقةً مثل صعقةِ محذوف الألف وسكون العين. وتقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة. يقال: صعقته الصاعقة فصعق. وهذا مما جاء فيه فعلتُهُ بالفتح ففعل بالكسر. ومثله: جذَعتُهُ فجذعَ. قال الزمخشري: والصَّعقَةُ المرة من الصَّعق. قوله: "إذْ جَاءَتْهُم" فيه أوجه: أحدها: أنه ظرف "لأنْذَرْتُكُم"، نحو: لقيتك إذ كان كذا. الثاني: أنه منصوب بصاعقه، لأنها بمعنى العذاب، أي أنذرتكم العذاب الواقع في وقت مجيء رُسُلهم. الثالث: أنه صفة لصاعقة الاولى. الرابع: أنه حال من "صاعقة" الثانية، قالهما أبو البقاء. وفيه نظر إذ الظَّاهِرُ أنَّ الصَّاعِقَة جُثَّةٌ وهي قطعة نار تنزل من السماء فتحرق كما تقدم تفسيرها، ولا يقع الزمان صفة لها، ولا حالاً عنها، وتأويلها بمعنى العذاب إخراجٌ لها عن مدلولها من غير ضرورةٍ، وإنما جعلها وصفاً للأولى، لأنها نكرة، وحالاً من الثانية لأنها معرفة لإضافتها إلى علم، ولو جعلها حالاً من الأولى لأنها تخصصت بالإضافة لجاز. فتعودُ الأوجهُ خمسةً. قوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} الظاهر أن الضَّميرين عائدان على عاد وثمود. وقيل: الضمير في "خَلْفِهِمْ" يعودُ على الرسل واستُبعد هذا من حيث المعنى؛ إذ يصير التقدير: جاءتهم الرسل من خلف الرسل أي من خلف أنفسهم، وقد يجاب عنه بأنه من باب: دِرْهَمٌ ونصفُهُ، أي ومن خلف رسُلٍ أخرين. قوله: {أَنْ لاَّ تَعْبُدُوۤاْ} يجوز في "أن" ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن تكون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفٌ، الجملة النهيية بعدها خبر، كذا أعربه أبو حيان وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ المخففة (من الثقيلة) لا يقع بعدها فعلٌ إلا من أفعال اليقين. والثاني: أن الخبر في باب إنَّ وأخواتها لا يكون طلباً، فإن ورد منه شيء أوِّلَ، ولذلك تأَوَّلُوا: شعر : 4356ـ إنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا تفسير : وقوله: شعر : 4357ـ وَلَوْ أَصَابَتْ لَقَالَتْ وَهيَ صَادِقَةٌ إنَّ الرِّيَاضَةَ لاَ تُنْصِبْكَ لِلشِّيبِ تفسير : على إضمار القول. الثاني: أنها الناصبة للمضارع، والجملة النهيية بعدها صلتها وصلت بالنهي كما توصل بالأمر في كتبتُ إليه بأن قُم. وقد مر في وصلها بالأمر إشكالٌ يأتي مثله في النهي. الثالث: أن تكون مفسرة لمجيئهم؛ لأنه يتضمن قولاً، و "لا" في هذه الأوجه كلها ناهية، ويجوز أن تكون نافية على الوجه الثاني، ويكون الفعل منصوباً بأن بعد لا النافية، فإنَّ لا النافية لا تمنع العامل أن يعمل فيما بعدها، نحو: جئتُ بلا زيدٍ، ولم يذكر الحوفيُّ غيره. قوله: "لَوْ شَاءَ" قدَّر الزمخشري مفعول شاء لو شاء إرسالَ الرُّسل لأنْزَلَ ملائكةً قال أبو حيان تتبعت القرآن وكلام العرب، فلم أجد حذف مفعول شاء الواقع بعد لو إلاَّ من جنس جوابها، نحو {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [الأنعام:35] أي لو شاء (الله) جمعهم على الهدى لجمعهم عليه. (و) {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}تفسير : [الواقعة:65] و {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}تفسير : [الواقعة:70] و {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ}تفسير : [يونس:99] و{أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}تفسير : [الأنعام:112] و{أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ}تفسير : [النحل:35]، وقال الشاعر (ـ رحمة الله عليه ـ): شعر : 4358ـ فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتَ قَيْسَ بْنَ خَالِدٍ وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتَ عَمْرو بْنَ مَرْثَدِ تفسير : وقال الأخرة: شعر : 4359ـ واللَّذِ لَوْ شَاءَ لَكُنْت صَخْراً أَوْ جَبَلاً أَشَمَّ مُشْمَخرًّا تفسير : قال: فعلى ما تقدم لا يكون المحذوف ما قدره الزمخشري، وإنما التقدير: لو شاء ربنا إنزال ملائكةٍ بالرسالة إلى الإنس لأَنزلهُم بها إليهم وهذا أبلغ في الامتناع من إرسال البشر إذ علَّقُوا ذلك بإنزال الملائكة وهو لم يشأ ذلك فكيف يشاءُ ذلك في البشر. قال شهاب الدين: وتقدير أبي القاسم أوقع معنًى وأخلصُ من إيقاع الظاهر موقع المضمر؛ إذ يصير التقدير "لوشاء إنزال ملاكةٍ لأنزلَ ملائكة". قوله: {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} هذا خطاب لهودٍ وصالح وغيرهم من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغلب المخاطب على الغائب نحو: أَنتَ وَزَيْدٌ تقومانِ. و "ما" يجوز أن تكون موصولة بمعنى "الذي"، وعائدها "به"، وأن تكون مصدرية، أي بإرسالكم فعلى هذا يكون "به" يعود على ذلك المصدر المؤول، ويكون من باب التأكيد، كأنه قيل: كافرون بإِرسالكم به. فصل معنى جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم، أي إن الرسل المبعوثين إليهم أتوهُم من كل جانب، وأتوا بجميع وجوه الدلالات، فلم يروا منهم إلا العُتُوَّ والإعراض، كما حكى الله تعالى عن الشيطان: {أية : لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ}تفسير : [الأعراف:17] أي من كل جهة. وقيل: المعنى أن الرسل جاءتهم من قبلهم أي أرسلوا إلى آبائهم، ومن خلفهم يعني الذين أرسلوا إليهم. فإن قيل: كيف يمكن وصفهم بأنهم جاءوا؟!. فالجواب: قد جاءهم هودٌ وصالح داعيين إلى الإيمان بهما، وبجميع الرسل، وبهذا التقدير: فكأن جميع الرسل قد جاءوهم وأمروهم بالتوحيد ونفي الشرك، فقالوا: {لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة} وجعلوا عدم إنزال الملائكة دليلاً على تكذيب الرسل، والمعنى أنه تعالى لو شاء إرسال الرسل إلى البشر لجعل رسله ملائكةً؛ لأن الملائكة أفضى إلى المقصود من بعثةِ البشر. ثم قالوا إنا بما أُرْسلتُم به كافرون، وتقدم الجواب عن هذه الشُّبهة في سورة الأنعام. واعلم أن قولهم: أرسلتم به، ليس إقراراً بأن أولئك الأنبياء رسلٌ وإنما ذكروه حكاية الكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الشعراء:27]. فصل روي أن أبا جهل ـ لعنه الله ـ قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمرُ محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والسحر والكهانةِ وكلَّمَهُ ثم أتانا من أمره، فقال عُيينةُ بْنُ حصن: والله لقد علمتُ الشعر والسحر والكهانة، وعلمُ من ذلك علماً ولا يخفى عليَّ، فأتاه، فقال يا محمدُ: أنت خيرٌ أم هاشم؟ أتت خير أم عبد المطلب؟ أنت خبر أم عبد الله؟ فَلِمَ تَشْتِمُ آلهتنا وتضلِّلُ آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواءَ فكنت رئيسنا، وإن أردت الباءة زوَّجناك أَعزَّ نسوة تختارُوهُنَّ من أيِّ بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستعين به على ذلك، ورسو الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ساكت، فلما فرغ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَفرغت؟ قال: نعم. قال: فاسمع ثم إنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تَعَوَّذَ ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً إلى أن بلغ قوله: فإن أَعْرَََضُوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك عُيينةُ على فِيهِ وناشدهُ بالرحم إلا ما سكت، ثم رجع إلى أهله، فلم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عيينة إلا قد صَبَأ فانطلقوا إليه وقالوا: يا عيينة، ما حَبَسَكَ عنا، إلا أنك قد صبأت إلى محمد، وأعجبك طعامُه، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: "واللهُ لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني قصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ماهو بشعرٍ ولا كهانةٍ ولا سحر، وقرأ السورة ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه، وناشدته بالرحم حتى سكت، لقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخِفت أن ينزل العذاب". قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} قيل: هذا الاستكبار إظهار العُجبِ والتِّيه وعدم الالتفات إلى الغير. وقيل: الاستعلاء على الناس واستخدامهم. ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو قولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وكانوا ذوي أجسام طوال، وقوة شديدة. ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنهم لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل فيجب عليهم الانقياد لله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه. فإن قيل: صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما نسبة إلى الآخر لكن قدرة العبد متناهية، وقدرة الله لا نهاية لها والمتناهي لا نسبة لها إلى غير المتناهي فما معنى قوله: "أنَّ الله أَشَدَّ منْهُمْ قوة"؟. فالجواب: هذا ورد على قانون قولنا: الله أكبر، ثم قال: {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} والمعنى أنهم يعرفون أنها حق ولكنهم يجحدونها كما يجحد المُودَعُ الوَدِيعةَ. واعلم أنَّ نظم الكلام أن يقال: أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون، وأما قولهم: مَنْ أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة اعتراض وقع في البين لتقرير الداعي إلى الاستكبار.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا القدر من العلم موجباً للانقياد لكل خير من الوحدانية وغيرها، والإقبال على الحق في كل أمر، فكان المتمادي على إعراضه قبل الوعظ به كأنه جدد إعراضاً غير إعراضه الأول، قال مفصلاً بعض قوله {فأعرض أكثرهم}: {فإن أعرضوا} أي استمروا على إعراضهم، أو أعرض غيرهم عن قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة {فقل} أي لهم: إن لكم سلفاً سلكتم طريقهم في العناد، فإن أبيتم إلا الإصرار ألحقناكم بهم كأمثالهم وهو معنى {أنذرتكم صاعقة}، أي حلول صاعقة مهيأة لمن كشف له الأمر فعاند، فإن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، قال البغوي وابن الجوزي: والصاعقة المهلكة من كل شيء - انتهى. والحاصل أنه عذاب شديد الوقع كأنه في شدة وقعه صاعقة. ولما كان التخويف بما تسهل مشاهدة مثله أوقع في النفس قال: {مثل صاعقة عاد وثمود *} أي الذين تنظرون ديارهم وتستعظمون آثارهم، وعلل إيقاع ذلك بهم بقوله: {إذا} ويجوز أن يكون ظرفاً لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته أي حين {جاءتهم الرسل} لأن الزمان الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه، ولما كانت الرسل إنما أتت بالفعل في بعض الزمان أدخل الجار فقال: {من بين أيديهم} أي من قبلهم لأن النذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به {ومن خلفهم} وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إتيانهم، فالخلف كناية عن الخفاء، والقدام عن الجلاء، ولا شك أن الإنسان لما انقاد له من قبله فسمعه منه أقبل مما رآه بعينه، لأن النفس لا تنقاد لما خالفها إلا بعد جدال وجهاد، فإذا تطاول الزمن وانقاد له الغير، سهل عليها الأمر، وخف عليها الخطب، وأيضاً الآتي إلى ناس إنما يأتيهم بعد وجودهم وبلوغهم حد التكليف، فهو بهذا آتٍ إليهم من ورائهم أي بعد وجودهم أو يكون ما بين الأيدي هو من جاءهم لأنهم علموا بمجيئه علم من ينظر من قدامه، وما خلفهم ما غاب عنهم ممن تقدمهم، فلم تنقل إليهم أخبارهم إلا على وجوه تحتمل الطعن، أو المعنى: أتاهم رسولهم الذي هو بإظهار المعجزة كجميع الرسل بالوعظ من كل جانب يخفى عليهم أو يتضح لهم وأعمل فيهم كل حيلة بكل حجة حتى لم يدع لهم شبهة، ثم بين أن مجيء الرسل ينفي عبادة غير الله وقصر العبادة عليه، فقال مظهراً مع العبادة الاسم الذي هو أولى بها: {أن} أي بأن قولوا لهم {لا تعبدوا إلا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان هذا موضعاً لتشوف السامع إلى خبرهم عند ذلك إجابة بقولهم: {قالوا} أي كل منهم: {لو شاء ربنا} أي والذي ربانا أحسن تربية وجعلنا من خواصه بما حبانا به من النعم أن يرسل إلينا رسولا {ملائكة} فأرسلهم إلينا بما يريده منا لكنه لم ينزل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولاً، فتسبب عما قالوه من القياس الاستثنائي الذي استنتجوا فيه من نقيض تاليه نقيض مقدمه، لما جعلوا بين المقدم والتالي من الملازمة بزعمهم قولهم: {فإنا بما} أي بسبب الذي ولما كانوا لم ينكروا مطلق رسالتهم، إنما أنكروا كونها من الله، بنوا للمجهول قولهم مغلباً تعالى في الترجمة عنهم للخطاب على الغيبة لأنه أدخل في بيان قلة أدبهم: {أرسلتم} أي أيها الرسل ومن كان على مثل حالهم من البشر {به} أي على ما تزعمون خاصة لا بغير ما أرسلتم به مما أنزل به ملائكة مثلاً {كافرون *} لأن قياسنا قد دل على أنه تعالى لم يشأ الإرسال، فأنتم لستم بمرسل عنه لأنكم بشر لا ملائكة وقد كذبوا في قياسهم الذي لم يأخذوه عن عقل ولا نقل لأنه لا ملازمة بين مشيئة الإرسال إلى الناس كافة أو إلى أمة منهم وبين أن يكون المرسل إليهم كلهم ملائكة. ولما جمعهم فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصل ما اختلفوا فيه فقال مسبباً عما مضى من مقالهم: {فأما عاد} أي قوم هود عليه الصلاة والسلام {فاستكبروا} أي طلبوا الكبر وأوجدوه {في الأرض} أي كلها التي كانوا فيها بالفعل وبقيتها بالقوة، أو في الكل بالفعل لكونهم ملكوها كلها. ولما كان الكبر قد يكون بالحق كما على من خالف أمر الله قال: {بغير الحق} أي الأمر الذي يطابقه الواقع، وهو إنكار رسالة البشر، فإن الواقع إرسالهم {وقالوا} أي وضموا إلى استكبارهم على قبول ما جاءهم من الحق أن قالوا متعاظمين على أمر الله بما أتاهم الله من فضله: {من أشد منا قوة} فنحن نقدر على دفع ما يأتي من العذاب الذي يهددنا به هود عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا أشد الناس قوى وأعظمهم أجساماً. ولما كان التقدير أن يقال إنكاراً عليهم: ألم يروا أن الله لو شاء لجعلهم كغيرهم، عطف عليه قوله: {أو لم يروا} أي يعلموا علماً كما هو كالمشاهدة لأنه غريزة في الفطرة الأولى فهو علم ضروري {أنّ الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {الذي خلقهم} ولم يكونوا شيئاً {هو أشد منهم قوة} ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلاً انقاد له فيما ينفعه ولا يضره، واجتماع قوتهم التي هي شدة البنية وقوته سبحانه التي هي كمال القدرة وهي صفة قائمة بذاته سبحانه إنما هو في الآثار الناشئة عن القوة، فلذلك جمعاً بأشد. ولما بين أنهم أوجدوا الكبر، عطف عليه من غرائزهم ما هو أصل لكل سوء، فقال مبيناً قرط جهلهم باجترائهم على العظمة التي شأنها قصم الظالم وأخذ الآثم: {وكانوا} أي طبعاً لهم {بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا {يجحدون *} أي ينكرون إنكاراً يضمحل عنده كل إنكار عناداً مع علمهم بأنها من عندنا {فأرسلنا} بسبب ذلك على ما لنا من العظمة، ودل على صغارهم وحقارتهم بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} وزاد في تحقيرهم بأن أخبر أنه أهلكهم لأجل ما تعززوا به من قوة أبدانهم ووثاقة خلقهم بما هو من ألطف الأشياء جسماً وهو الهواء فقال: {ريحاً} أي عظيمة {صرصراً} أي شديدة البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجمد البدن ببردها فتكون كأنها تصره - أي تجمعه - في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوته، وتقطع القلب بصوتها، فتقهر شجاعته، وتحرق بشدة بردها كل ما مرت عليه. ولما تقدم في هذا السياق استكبارهم على الوجه المذكور وادعاؤهم أنهم أشد الناس قوة اقتضى الحال تحقيرهم في إهلاكهم، فذكر الأيام دون الليالي وإن تضمنتها فقال تعالى: {في أيام} ولما كان جمع القلة قد يستعار للكثرة حقق أن المراد القلة بوصفه بجمع السلامة فقال: {نحسات} وكان ذلك أدل على هذا المراد من إفراد اليوم كما في القمر لأنه قد يراد به زمان يتم فيه أمر ظاهر ولو طالت مدته، ويصح للجنس فيشمل مع القليل ما يصلح له جمع الكثرة. وفيه - مع أنه نذارة - رمز للمنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه وسلم بأعظم بشارة لما أومأ إليه افتتاح السورة باسمي الرحمة، وقوله تعالى {بشيراً ونذيراً} ومن جعل أيام هذا العذاب ثمانية، أشار إلى الحلم والتأني كما أشار إليه ما تقدم من خلق هذا الوجود في ستة أيام، وقد كان قادراً على كل من التعذيب والإيجاد في لحظة واحدة، فأشار ذلك إلى أنه في السنة السادسة من الهجرة يكون الفتح السببي بعمرة الحديبية التي كانت سبب نزول سورة الفتح، وفي السابعة يكون الاعتمار الذي كان عليهم أشد من وقوع الصارم البتار، حتى ذهب عمرو بن العاص من أجل ذلك إلى الحبشة لئلا يرى من دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما لا صبر له عليه، وفي الثامنة يكون الفتح الحقيقي بعشرة آلاف مقاتل أكثرهم دارع لا يُرى منهم إلا الحدق، حتى خالوا بياض لأمهم السراب، فظنوا بهم غاية العذاب، فكانوا رحمة، وعاد رأوا السحاب فظنوه رحمة فكان عذاباً ونقمة، ووصفها بالنحس مبالغة مثل رجل عدل ليدل على أنها كانت قابلة لانفعال الجسد وما كان فيه من القوى بهذه الريح، وهو مصدر جمع لاختلاف أنواع النحس فيها - هذا على قراءة الجماعة بسكون الحاء، وأما قراءة ابن عامر والكوفيين بكسر الحاء فهي صفة من فعل بالكسر مثل: فرح فهو فرح، وأول هذه الأيام الأربعاء في قول يحيى بن سلام، وقال غيره: وما عذب قوم إلا يوم الأربعاء {لنذيقهم} وأضاف الموصوف إلى صفته على المبالغة من وادي رجل عدل فقال: {عذاب الخزي} أي الذي يهيئهم ويفضحهم ويذلهم بما تعظموا وافتخروا على كلمة الله التي أتتهم بها رسله، وصف العذاب بالخزي الذي هو للمعذب به مبالغة في إخزائه له {في الحياة الدنيا} ليذلوا عند من تعظموا عليهم في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها, فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم {ولَعذاب الآخرة} الذي أعد للمتكبرين {أخزى} أي أشد إخزاء كما قالوا: هو أعطاهم للدراهم وأولادهم للمعروف، وأكد لإنكارهم له. ولما انتفت مدافعتهم عن أنفسهم، نفى دفع غيرهم فقال: {وهم} أي أصابهم هذا العذاب وسيصيبهم عذاب الآخرة والحال أنهم {لا يُنصرون *} أي لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبداً بوجه من الوجوه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏ {‏صاعقة‏}‏ فهو عذاب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود‏} ‏ يقول‏:‏ أنذرتكم وقيعة عاد وثمود‏.‏ وفي قوله ‏ {‏ريحاً صرصرا‏ً} ‏ باردة‏.‏ وفي قوله ‏{‏نحسات‏} ‏ قال‏:‏ مشئومات نكدات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏} ‏ قال‏:‏ شديدة الشؤم، قال‏:‏ مشؤومات‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وأما ثمود فهديناهم‏} ‏ قال‏:‏ بينا لهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وأما ثمود فهديناهم‏} ‏ يقول‏:‏ بينا لهم سبيل الخير والشر والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} متصلٌ بقولِه تعالَى: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ} تفسير : [سورة السجدة: الآية 9] الخ أي فإنْ أعرضُوا عن التدبرِ فيما ذُكِرَ من عظائمِ الأمورِ الداعيةِ إلى الإيمانِ أو عن الإيمانِ بعد هذا البـيانِ {فَقُلْ} لهم {أَنذَرْتُكُمْ} أي أنذركُم وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحقيقِ الإندارِ المنبـىءِ عن تحقيقِ المنذَرِ به {صَـٰعِقَةُ} أي عذاباً هائلاً شديدَ الوقع كأنه صاعقةٌ {مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} وقُرِىءَ صعقةً مثلَ صعقةِ عادٍ وثمودٍ وهي المرةُ من الصعْقِ أو الصَّعَقُ يقالَ صعقتْهُ الصاعقةُ صعْقاً فصَعِقَ صعْقاً وهو من باب فعلته فَفَعِلَ {إِذْ جَاءتْهُمُ ٱلرُّسُلُ} حَالٌ منْ صَاعقةِ عادٍ ولا سَدادَ لجعلِه ظرفاً لأنذرتكُم أو صفةً لصاعقةً لفسادِ المَعنْى وأما جعلُه صفةً لصاعقةِ عادٍ أي الكائنةِ إذْ جاءتهُم ففيهِ حذفُ الموصولِ مع بعضِ صلتِه {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} متعلقٌ بجاءتْهم أي من جميعِ جوانبِهم واجتهدُوا بهم من كلِّ جهةٍ أو من جهةِ الزمانِ الماضِي بالإنذارِ عما جَرى فيهِ على الكفارِ ومن جهةِ المستقبل بالتحذيرِ عما سيحيقُ بهم من عذابِ الدُّنيا وعذابِ الآخرةِ وقيلَ المَعْنى جاءتْهم الرسلُ المتقدمونَ وَالمتأخرونَ على تنزيلِ مجيءِ كلامِهم ودعوتِهم إلى الحقِّ منزلةَ مجيءِ أنفسِهم فإنَّ هُوداً وصَالحاً كانا داعيـينِ لهُم إلى الإيمانِ بهما ويجميعِ الرسلِ ممن جاءَ من بـينِ أيديِهم أي من قبلِهم وممن يجيءُ من خلفِهم أي من بعدِهم فكأنَّ الرسلَ قد جاءُوهم وخاطبُوهم بقولِه تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي بأنْ لا تعبدُوا على أَنَّ أنْ مصدريةٌ أو أن لا تعبدُوا على أنَّها مفسرةٌ {قَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا} أي إرسالَ الرسلِ لا إنزالَ الملائكةِ كما قيل فإنه عارٍ عن إفادةِ ما أرادُوه منْ نفي رسالةِ البشرِ وقد مرَّ فيما سلفَ {لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} أي لأرسلَهُم لكنْ لما كانَ إرسالُهم بطريقِ الإنزالِ قيل لأنزلَ {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي على زعمِكم وفيه ضربُ تهكمٍ بهم {كَـٰفِرُونَ} لِما أنَّكم بشرٌ مثلُنا من غيرِ فضلٍ لكُم علينا. رُوِيَ أنَّ أَبا جهلٍ قالَ في ملأٍ من قُريشٍ: قد التبسَ علينا أمرُ محمدٍ فلو التمستُم لنا رجلاً عالماً بالشعرِ والكهانةِ والسحرِ فكلَّمه ثم أتانَا ببـيانٍ من أمرِه فقالَ عتبةُ بنُ ربـيعةَ والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ وعلمتُ من ذلكَ علماً وما يَخْفي عليَّ فأَتاهُ فقالَ أنتَ يا محمدُ خيرٌ أَمْ هاشمٌ أنتَ خيرٌ أمْ عبدُ المطلبِ أنت خيرٌ أم عبدُ اللَّهِ فيمَ تشتمُ آلهتَنا وتضللنَا فإنْ كنتَ تريدُ الرياسةَ عقدنَا لكَ اللواءَ فكنتَ رئيساً وإن تكُ بكَ الباءةُ زوجناكَ عشرَ نسوةٍ تختارهُنَّ أيَّ بناتِ قريشٍ شئتَ وإنْ كانَ بكَ المالُ جمعنَا لكَ ما تستغِني ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساكتٌ فلما فرغَ عتبةُ قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: "بسم الله الرحمٰنِ الرحيمِ حم" إلى قولِه تعالى: {أية : مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [سورة فصلت: الآية 13] فأمسكَ عتبةُ على فيهِ عليه الصلاةُ والسلامُ وناشدَهُ بالرحمَ ورجعَ إلى أهلِه ولم يخرجْ إلى قريشٍ فلما احتبسَ عنْهُم قالُوا ما نَرى عتبةَ إلا قدْ صبأَ فانطلقُوا إليه وقالُوا يا عتبةُ ماحبسكَ عَنَّا إلا أنكَ قد صبأتَ فغضبَ ثم قال والله لقد كلَّمتُه فأجابني بشيءٍ والله ما هو بشعرٍ ولا كهانةٍ ولا سحرٍ ولما بلغَ صاعقةَ عادٍ وثمودَ أمسكتُ بفيِه وناشدتُه بالرحم أنْ يكفَّ وقد علمتُم أن محمداً إذا قالَ شيئاً لم يكذبْ فخفتُ أن ينزلَ بكُم العذابُ.

القشيري

تفسير : أي أخْبِرْ المُكَذِّبين لَكَ أنَّ لكم سَلَفاً.. فإن سلكتم طريقهم في العناد، وأبيتم إلاَّ الإصرار ألحقناكم بأمثالكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان اعرضوا} متصل يقوله قل ائنكم الخ فان اعرض كفار قريش عن الايمان بعد هذا البيان وهو بيان خلق الاجرام العلوية والسفليه وما بينهما {فقل} لهم {انذرتكم} اى انذركم واخوفكم وصيغة الماضى للدلالة على تحقق الانذار المنبىء عن تحقق المنذر {صاعقة} اى عذابا هائلا شديد الوقع كأنه صاعقة يعنى ان الصاعقة فى الاصل قطعة من النار تنزل من السماء فتحرق ما اصابته استعيرت هنا للعذاب الشديد تشبيها له بها فى الشدة والهول وفى المفردات الصاعقة الصوت الشديد من الجو ثم يكون فيها نار فقط او عذاب او موت وهى فى ذاتها شىء واحد وهذه الاشياء تأثيرات منها وبالفارسية صاعقه از عذاب بيهوش سازنده وهلاك كنند {مثل صاعقة عاد} مانند عذاب قوم عادكه باد صر صر بود {وثمود} وعذاب قوم ثمود كه صيحه جبرآئيل عليه السلام بوده. اى لم يبق فى حقكم علاج الا انزال العذاب الذى نزل على من قبلكم من المعاندين المتمردين المعرضين عن الله وطلبه وطلب رضاه فهم سلف لكم فى التكذيب والجحود والعناد وقد سلكتم طريقهم فتكونون كأمثالهم فى الهلاك قال مقاتل كان عاد وثمود ابنى عم وموسى وقارون ابنى عم والياس واليسع ابنى عم وعيسى ويحيى ابنى خالة. وتخصيص اين دو قوم بجهت آنست كه درسفر رحلة الشتاء والصيف برمواضع اين دو كروه كذشته آثار عذاب مشاهده ميكرده اند

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وأما ثمود}، قراءة الجماعة بالرفع، غير مصروف، إرادة القبيلة، وقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب مصروفاً، إرادة الحي، وقراءة ابن أبي إسحاق: بالنصب، من باب الاشتغال، وأصل الكلام: مهما يكن من شيء فثمود هديناهم، فحُذف الملزوم الذي هو الشرط، وأُقيم مقامه لازمه، وهو الجزاء، وأبقيت الفاء المؤذنه بأن ما بعدها لازم لما قبلها، وإلا فليس هذا موضع الفاء؛ لأن موضعه صدر الجزاء. انظر المُطوّل. يقول الحق جلّ جلاله: {فإِن أعرضُوا} عن الإيمان بعد هذا البيان؛ {فقلْ} لهم: {أنذرتُكمْ}؛ خوَّفتكم. وعبّر بالماضي للدلالة على تحقُّق الإنذار المنبىء عن تحقُّق الوقوع، {صاعقةً} أي: عذاباً شديداً لو وقع كان كأنه صاعقة، وأصلها: رعد معه نار تحرق. تكون {مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ} وقد تقدّم عذابهما. {إِذ جاءتْهُمُ}: ظرف لمحذوف، أي: أنزلناها بهم حين جاءتهم {الرسلُ من بين أيديهم ومن خلفِهِم} أي: أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو: جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدَهم لِمَن خلفهم، أي: تواردت عليهم الرسل قديماً وحديثاً، والمعهود إنما هو هود وصالح ـ عليهما السلام ـ وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله بمَنْ قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، {ألاَّ تعبدوا إِلا اللهَ} أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو: لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل: مخففة، أي: أنه لا تعبدوا إلا الله. {قالوا لو شاء ربُّنا لأنزل ملائكةً} أي: لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولَمَّا كان إرسالهم بطريق الإنزال عبَّر به، {فإِنا بما أُرسلتُم به كافرون} أي: فحيث كنتم بشراً مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم: {أُرسلتم به} ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكُّم، كما قاله فرعون: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27] وقولهم: {بما أرسلتم به كافرون} خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان. رُوي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة، فكَلَّمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عُتبة بن ربيعة: والله لقد سمعتُ الشعر والكهانة والسحر، وعلمتُ من ذلك علماً ما يخفى عليَّ، فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبمَ تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوةٍ من أيّ بنات قريش شئتَ، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبةُ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : {بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم...} إلى قوله تعالى: {مثل صاعقة عاد وثمود} "تفسير : ، فأمسك عتبة على فِيه النبيّ صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عبتةُ إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا: يا عتبة؛ ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه؟ فغضب، ثم قال لهم: لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله: {مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسكتُ بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفتُ أن ينزل بكم العذاب. هـ. ثم بيَّن ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال: {فأما عاد فاستبكروا في الأرض بغير الحق} أي: تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، {وقالوا مَن أشدُّ منا قوةً}، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلْق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، {أوَلَمْ يَرَوا} أي: أَوَلَم يعلموا علم عيان {أن الله الذي خلقهم هو أشَدُّ منهم قوةً}؟ أوسعُ منهم قدرة؛ لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، {وكانوا بآياتنا} المنزلة على رسلهم {يجحدون} أي: ينكرونها وهم يعرفون حقِيتها، كما يجحد المودَعُ الوديعة. و (هم): عطف على (فاستكبروا)، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء. {فأرسلنا عليهم ريحاً صَرْصَراً} أي: بارداً تهلك وتُحرق؛ لشدة بردها، من: الصر، وهو البرد، الذي يجمع ويقبض، أو: عاصفة تصوّت في هبوبها، من الصرير، فضوعف، كما يقال: نهنهت وكفكفت. {في أيام نَّحِساتٍ}؛ مشؤومات عليهم، من: نَحِس نحساً، نقيض: سعد سعداً، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء، وما عُذِّب قوم إلا في الأربعاء. قيل: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر. قيل: إذا أراد الله بقوم خيراً، أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرّاً، حبس عنهم المطر، وأرسل عليهم كثرة الرياح. هـ. {لنُذيقَهُمْ عذابَ الخزي في الحياة الدنيا}، أضاف العذاب إلى الخزي، وهو الذل، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، ويدل عليه قوله: {ولعذابُ الآخرة أخزى} أي: أذل لصاحبه، وهو في الحقيقة وصف للمعذَّب، وُصف به العذاب للمبالغة، كقولك: له شعر شاعر. {وهم لا يُنصَرُون} برفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه. {وأما ثمودُ فهديناهمْ}؛ دللناهم على الرشد، بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية، {فاستحبُّوا العَمَى على الهُدى} أي: اختاروا الضلالة على الهداية، {فأخذتهم صاعقةُ العذابِ الهُون} أي: داهية العذاب الذي يهين صاحبه ويخزيه، وهي الصيحة والرجفة، والهُون: الهوان، وصف به للمبالغة، {بما كانوا يكسبون} أي: بكسبهم الخبيث من الشرك والمعاصي. قال الشيخ أبو منصور: يحتمل قوله: {فهديناهم}: بيَّنا لهم، كما تقدّم، ويحتمل: خلق الهداية في قلوبهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك، وعقروا الناقة، لأن الهدي المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان، ويكون بخلق فعل الاهتداء، وأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان، لا غير. هـ. وقال الطيبي: قوله تعالى: {فهديناهم} هو كقوله تعالى: {أية : إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ} تفسير : [فصلت: 14]. وقوله: {فاستحبوا العمى على الهدى} هو كقوله: {أية : قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا...}تفسير : [فصلت: 14] الآية. وكذا في قوله: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض}، فإن الفاء في "فاستكبروا" فصيحة، تُفصح عن محذوف، أي: فهديناهم فاستكبروا بدلالة ما قيل في ثمود. هـ. {ونجينا الذين آمنوا} أي: اختاروا الهدى على العمى، من تلك الصاعقة، {وكانوا يتقون} الضلالة والتقليد. الإشارة: كل مَن أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صُحبة الأبرار؛ فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى: {فأما عاد فاستكبروا...} الآية: أوصاف العبودية أربعة: الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمَن خرج عن واحد منها، فقد تعدّى طوره، واستحقّ الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران. وقوله: {وأما ثمود فهديناهم} أي: بيَّنا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادُوا عنها، واستحبُّوا العمى على الهدى؛ حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تُؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة. وقوله تعالى: {ونجينا الذين آمنوا} أي: في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري: منهم مَن نجَّاهم من غير أن رأوا النار، عَبَروا القنطرةَ ولم يعلموا، وقومٌ كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم ـ قلت: بل أعلاهم كالطرف ـ ثم قال: وقوم كالرواكض، وهم أيضاً الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردُّهم الملائكة على الصراط، فبَعُدوا. ثم قال: وقومٌ بعدما دخلوا النار، فمنهم مَن تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حَقْوَيْه، فإذا بلغ القلب قال الحقُّ للنار: لا تحرقي قلبه، فإنه محترقُ بي. وقوم يخرجون من النار بعدما أمْتُحِشُوا فصاروا حُمَماً. هـ منه. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ}.

الجنابذي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عنك او عن الايمان بالله بعد ما بيّنت لهم حجّة صدقك وحجّة آلهة الله وتدبيره لكلّ الامور {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ} بالكنايات السّابقة او انذرتكم بالتّهديدات الّتى هدّدتكم بها او انذركم بهذا الكلام {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} يعنى فى زمانهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} يعنى قبل زمانهم او جاءتهم الرّسل بالمواعظ من جهة دنياهم وآخرتهم، او حفّوا بهم من جميع جوانبهم، او من بين ايديهم يعنى الرّسل الظّاهرة ومن خلفهم اى الرّسل الباطنة، او بالعكس {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} ان تفسيريّة ولا ناهية او مصدريّة ولا ناهية او نافية {إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ} فى جواب الرّسل {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا} ارسال رسول الينا {لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} مناسبة له تعالى خارجة من جنسنا {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} على زعمكم {كَافِرُونَ} لانّكم بشر مثلنا لا مزيّة لكم علينا حتّى نطيعكم بذلك ونقبل منكم.

الأعقم

تفسير : {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} الآية عن جابر بن عبد الله قال: قال الملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فإن التمستم رجلاً عالماً بالشعر والكهانة فأتاه فكلمه، ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر وعلمت من ذلك علماً وما يخفى عليَّ، فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم هشام أم عبد المطلب؟ فبم تشتم آلهتنا؟ فإن كنت تريد الرئاسة عقدنا لك اللواء وكنت رئيسنا، وإن بك الباءة زوجناك أي بنات قريش شئت، وإن كان بك الحاجة إلى المال جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ساكتاً، فلما فرغ قال: "{بسم الله الرحمن الرحيم حم}، إلى قوله: {مثل صاعقة عاد وثمود}"، فأمسك عتبة على فيِّه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبا، فانطلقوا اليه وقالوا له: قد صبوت، فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، وقال لهم: والله ما هو سحر ولا كهانة ولا شعر {إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم}، قيل: من قبلهم ومن بعدهم ونقلت أخبارهم إليكم {ألا تعبدوا إلا الله قالوا} يعني الكفار للرسل: {لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنَّا بما أرسلتم به كافرون} {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منَّا قوة}، وبلغ من قوتهم أن الرجل ينزع الصخرة من الجبل فيقلعها بيده {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون} {فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} أي باردة شديدة الهبوب والصوت، وقيل: شديدة السموم {في أيَّام نحسات}، قيل: مشؤمات، وقيل: نحسات باردات {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} أي عذاب الصيحة والذل {ولعذاب الآخرة أخزى} أشد في القضاء {وهم لا ينصرون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} يعني هديناهم أي دللناهم وبيَّنا لهم فاختاروا الكفر على الإِيمان {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} يعني لهيئتهم بذلك {بما كانوا يكسبون} {ونجيّنا الذين آمنوا وكانوا يتّقون} {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار} أي نجمع من قبورهم من سائر البقاع أعداء الله وهم الكافرون والعصاة {فهم يوزعون} يحبسون أولهم على آخرهم، وقيل: يسحبون من ورائهم ويجمعون من بين أيديهم، وقيل: يطردون ويساقون معجلاً بهم إلى النار {حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم} قيل: أراد الجلود المعروفة تشهد بما باشرت، وقيل: أراد الفرج، ومتى قيل: وكيف تشهد الجوارح؟ قالوا: فيه وجهان: أحدهما أن يبنى بنية الحيوان ويعطى آلة النطق ويلجأ إلى الشهادة، والثاني أن يخلق الله الشهادة ويُضاف إليها مجازاً، والفائدة في شهادة الجوارح زيادة فضيحتهم، وقيل: إظهار العذاب {وقالوا} يعني الكفار {لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} أعطاها آلة النطق والقدرة {وهو خلقكم أول مرَّة وإليه ترجعون} أي كما قدر على خلق جميع الأشياء قدر على انطاق الجوارح وإلى حكمه ترجعون.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} أي كفار قريش عن الايمان بعد هذا البيان* {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ} أي خوفتكم* {صَاعِقَةٍ} مفعول مقيد أي بصاعقة عذاباً مهلكاً أو داهية مهلكة* {مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أي مثل عذابهم المهلك أو داهيتهم وقيل الصاعقة تختص بالوقعة الشديدة من نحو صوت الرعد ونحو النار تنزل من السماء فشبه العذاب الشديد بتلك الوقعة واستعار اسمها له لان عاد لم تعذب الا بريح أي عذاب شديد الوقوع كأنه صاعقة. وقرأ النخعي: (صعقة) مثل صعقة بفتح الصاد واسكان العين فيهما وهى فعلة للوحدة من الصعق بالفتح فالسكون أو بالفتح فالكسر يقال صعقته الصاعقة بفتح العين صعقاً باسكانها فصعق بكسرها صعقاً بفتحها وهو من مطاوعة الثلاثى المكسور للثلاثى المفتوح أي اهلاكاً واحداً أو هلكة واحدة فعلى الاولى الاضافة للمفعول وعلى الثانى للفاعل ولا مجاز في هذه القراءة وخص عاد وثمود بالذكر لوقوف قريش في اليمن وفي الحجاز وفي طريق الشام على بلادهم

اطفيش

تفسير : {فإنْ أْعرضُوا} متعلق بقوله: "أية : قل أئنَّكم لتكفرون" تفسير : [فصلت: 9] الخ أى أعرضوا عما تقول من التوحيد، وسائر الشرع، وعن التدبر فى ذلك {فقُل أنْذرتكُم} إنشاء لا إخبار، كأعتقت وبعت ونحوه من العقود، فقد حصل الإنذار بهذا اللفظ وقال غيرى: ماض عبر به عن المضارع للدلالة على تحقق الإنذار، المنبىء عن تحقق المنذر به، فان أراد أنه مستقبل بمعنى سأنذركم لم يجز تأخير الانذار، والله لا يأمره بتأخيره، وإن أراد الحال كان المعنى الاخبار بأنه قد أنذرهم فى الحال، وهذا الانذار غير واقع فى الحال بغير هذا اللفظ، فلا يصح فلزم أنه لفظ أنشأ به الإنذار، وإن أراد الاخبار بأنه قد أنذرتكم قبل، وبلغت فلا على جاز لكن ذلك ماض على ظاهره، واخبار صحيح، ومعنى تحقق المنذر به أنى خوفتكم من تحققه لقولكم لا يقع. {صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمُودَ} عذابا كعذابهم قاله قتاده، ولعله أراد عذابا كعذابهم الذى يسمى صاعقة، وإلا فالصاعقة لا يطلق على مطلق العذاب، فالمراد صاعقة حقيقة كصاعقة هؤلاء، أو عذاب يشبهها فى الشدة، وخص عاد أو ثمود بالذر لوقوعهم على بلادهم فى اليمن والحجر، وسمى ذلك العذاب صاعقة، لأنه يصعق به الانسان، أى يموت به، ويطلق لفظ الصاعقة على النار النازلة من السماء، ولا تختص بأهل الشقاوة، ولا يخلو منها عذاب عاد وثمود، وما زالت تنزل الى الآن، وقد كثرت فتارة تحرق الناس، وتارة الدواب، وتارة الشجر، وغير ذلك، وحرقت سنة ثلاث مائة وخمس أسواق فاس، وأسواق تيهرت قاعدة زناتة، وأسواق رطبة، وأرباض مكناسة من بلاد حوف أندلس، وكل ذلك فى شوال السنة المذكورة، فسميت سنة النار.

الالوسي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ } متصل بقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ } الخ أي فإن أعرضوا عن التدبر فيما ذكر من عظائم الأمور الداعية إلى الإيمان أو عن الإيمان بعد هذا البيان {فَقُلْ } لهم: {أَنذَرْتُكُمْ } أي أنذركم، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر {صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } أي عذاباً مثل عذابهم قاله قتادة، وهو ظاهر على القول بأن الصاعقة تأتي في اللغة بمعنى العذاب، ومنع ذلك بعضهم وجعل ما ذكر مجازاً، والمراد عذاباً شديد الوقع كأنه صاعقة مثل صاعقتهم، وأياً ما كان فالمراد أعلمتكم حلول صاعقة. وقرأ ابن الزبير والسلمي وابن محيصن {صعقة مثل صعقة} بغير ألف فيهما وسكون العين وهي المرة من الصعق أو الصعق ويقال: صعقته الصاعقة صعقاً فصعق صعقاً بالفتح أي هلك بالصاعقة المصيبة له.

ابن عاشور

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}. بعد أن قَرَعتهم الحجة التي لا تترك للشك مسرباً إلى النفوس بعدها في أَن الله منفرد بالإِلهية لأنه منفرد بإيجاد العوالم كلها. وكان ثبوت الوحدانية من شأنه أن يزيل الريبة في أن القرآن منزَّل من عند الله لأنهم ما كفروا به إلا لأجل إعلانه بنفي الشريك عن الله تعالى، فلما استبان ذلك كان الشأن أن يفيئوا إلى تصديق الرسول والإِيمانِ بالقرآن، وأن يقلعوا عن إعراضهم المحكي عنهم بقوله في أول السورة { أية : فأعرض أكْثَرُهُم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } تفسير : [فصلت: 4] الخ، فلذلك جعل استمرارهم على الإِعراض بعد تلك الحجج أمراً مفروضاً كما يُفْرَض المُحال، فجيء في جانبه بحرف (إنْ) الذي الأصل فيه أن يقع في الموقع الذي لا جزم فيه بحصول الشرط كقوله تعالى: { أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين } تفسير : [الزخرف: 5] في قراءة من قرأ بكسر همزة (إنْ). فمعنى {فَإنْ أعْرَضُوا} إن استمروا على إعراضهم بعد ما هديتهم بالدلائل البينة وكابروا فيها، فالفعل مستعمل في معنى الاستمرار كقوله: { أية : ياأيها الذين آمنوا آمنوا باللَّه ورسوله } تفسير : [النساء: 136]. والإِنذار: التخويف، وهو هنا تخويف بتوقع عقاب مثل عقاب الذين شابهوهم في الإِعراض خشيةَ أن يحلّ بهم ما حل بأولئك، بناء على أن المعروف أن تجري أفعال الله على سَنن واحد، وليس هو وعيداً لأن قريشاً لم تصبهم صاعقة مثلُ صاعقة عاد وثمود، وإن كانوا قد ساوَوْهما في التكذيب والإِعراض عن الرسل وفي التعللات التي تعللوا بها من قولهم: { أية : ولو شاء الله لأنزل ملائكة } تفسير : [المؤمنون: 24] وأمهل الله قريشاً حتى آمن كثير منهم واستأصل كفارهم بعذاب خاص. وحقيقة الصاعقة: نار تخرج مع البرق تُحرق ما تصيبه، وتقدم ذكرها في قوله تعالى: { أية : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } تفسير : في سورة البقرة (19). وتطلق على الحادثة المبيرة السريعة الإهلاكِ، ولما أضيفت صاعقة هنا إلى عادٍ وثمود، وعادٌ لم تهلكهم الصاعقة وإنما أهلكهم الريح وثمودُ أهلكوا بالصاعقة فقد استُعمل الصاعقة هنا في حقيقته ومجازه، أو هو من عموم المجاوز والمقتضي لذلك على الاعتبارين قصدَ الإِيجاز، وليقع الإِجمَال ثم التفصيل بعد بقوله: { أية : فأمَّا عَادٌ } تفسير : [فصلت: 15] إلى قوله: { أية : بما كانوا يكسبون } تفسير : [فصلت: 17]. و{إذ} ظرف للماضي، والمعنى مثل صاعقتهم حين جاءتهم الرسل إلى آخر الآيات. روى ابن إسحاق في سيرته أن عتبةَ بن ربيعة كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من خلافِ قومه فتلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم { أية : حم تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم } تفسير : [فصلت: 1] حتى بلغ { أية : فَقُلْ أنذَرْتُكُمْ صٰعِقَةً } تفسير : [فصلت: 13] الآية، فأمسَكَ عتبةُ على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ( حديث : ناشدتُك الله والرحم ) تفسير : . وضمير {جاءتهم} عائد إلى عاد وثمود باعتبار عدد كل قبيلة منهما. وجَمْع الرسل هنا من باب إطلاق صيغة الجمع على الاثنين مثل قوله تعالى: { أية : فقد صغت قلوبكما } تفسير : [التحريم: 4]، والقرينة واضحة وهو استعمالٌ غير عزيز، وإنما جاءهم رسولان هود وصالح. وقوله: {مِن بَيْنِ أيْدِيهم ومِن خَلْفِهِم} تمثيل لحرص رسول كل منهم على هداهم بحيث لا يترك وسيلة يَتوسل بها إلى إبلاغهم الدين إلا توسل بها. فمُثِّل ذلك بالمجيء إلى كل منهم تارة من أمامه وتارة من خلفه لا يترك له جهة، كما يفعل الحريص على تحصيل أمرٍ أَن يتطلبه ويعيد تطلبه ويستوعب مظانّ وجوده أو مظانّ سماعه، وهذا التمثيل نظير الذي في قوله تعالى حكاية عن الشيطان { أية : ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } تفسير : [الأعراف: 17]. وإنما اقتصر في هذه الآية على جهتين ولم تُستوعب الجهات الأربع كما مُثل حال الشيطان في وسوسته لأن المقصود هنا تمثيل الحرص فقط وقد حصل، والمقصود في الحكاية عن الشيطان تمثيل الحرص مع التلهف تحذيراً منه وإثارة لبُغضه في نفوس الناس. و{أَلاَّ تعبدوا إلا الله} تفسير لِجملة {جَآءَتهُمُ الرُّسُلُ} لتضمن المجيء معنى الإبلاغ بقرينة كون فاعل المجيء متصفاً بأنهم رسُل، فتكون (أَنْ) تفسيرية لــــ {جاءتهم} بهذا التأويل كقول الشاعر: شعر : إِنْ تحمِلا حاجة لي خفٌ مَحْمَلُها تَسْتَوْجبَا مِنةً عندي بها ويَدا أَنْ تَقرَآنِ على أسماءَ ويحكما مني السَّلام وأن لا تُشعرا أحدا تفسير : إذ فسر الحاجة بأن يقرأ السلام على أسماء لأنه أراد بالحاجة الرسالة، وهذا جري على رأي الزمخشري والمحققين من عدم اشتراط تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه بل الاكتفاء بتقدم ما أريد به معنى القول ولو لم يكن جملة خلافاً لما أطال به صاحب «مغني اللبيب» من أبحاث لا يرضاها الأريب، أو لما يتضمنه عنوان {الرسل} من إبلاغ رسالة. {قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} حكاية جواب عاد وثمود لرسولَيْهم فقد كان جواباً متماثلاً لأنه ناشىء عن تفكير متماثل وهو أن تفكير الأذهان القاصرة من شأنه أن يبنَى على تصورات وهمية وأقيسة تخييلية وسفسطائية، فإنهم يتصورون صفات الله تعالى وَأفعاله على غير كنهها ويقيسونها على أحوال المخلوقات، ولذلك يتماثل في هذا حالُ أهل الجهالة كما قال تعالى: { أية : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } تفسير : [الذاريات: 52،53]، أي بل هم متماثلون في الطغيان، أي الكفر الشديد فتملي عليهم أوهامهم قضايا متماثلة. ولكون جوابهم جَرَى في سياق المحاورة أتتْ حكاية قولهم غير معطوفة بأسلوب المقاولة، كما تقدم قوله تعالى: { أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : [البقرة: 30] فإن قول الرسل لهم: لا تعبدوا إلا الله قد حكي بفعل فيه دلالة على القول، وهو فعل {جاءتهم}كما تقدم آنفاً. فقولهم: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً} يتضمن إبطال رسالة البشر عن الله تعالى. ومفعول {شاء} محذوف دل عليه السياق، أي لو شاء ربنا أن يرسل إلينا لأنزل ملائكة من السماء مرسَلين إلينا، وهذا حذف خاص هو غير حذف مفعول فعل المشيئة الشائع في الكلام لأن ذلك فيما إذا كان المحذوف مدلولاً عليه بجواب {لوْ} كقوله تعالى: { أية : فلو شاء لهداكم أجمعين } تفسير : [الأنعام: 149]، ونكتته الإِبهام ثم البيان، وأما الحذف في الآية فهو للاعتماد على قرينة السياق والإيجاز وهو حذف عزيز لمفعول فعل المشيئة، ونظيره قول المعري: شعر : وإنْ شئتَ فازعُم أَنَّ مَن فوقَ ظهرها عَبيدُكَ واستَشْهِدْ إلهَكَ يَشْهَدِ تفسير : وتضمن كلامهم قياساً استثنائياً تركيبه: لو شاء ربنا أن يرسل رسولاً لأرسل ملائكة ينزلهم من السماء لكنه لم ينزل إلينا ملائكة فهو لم يشأ أن يرسل إلينا رسولاً. وهذا إيماء إلى تكذيبهم الرسل ولهذا فرعوا عليه قولهم: {فَإنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بهِ كٰفِرُونَ} أي جاحدون رسالتكم وهو أيضاً كناية عن التكذيب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فإن أعرضوا: أي كفار قريش عن الإِيمان والتوحيد بعد ذلك البيان المفصل. فقل أنذرتكم صاعقة: أي خوّفتكم صاعقة تنزل بكم فتهلككم إن أصررتم على هذا الكفر. من بين أيديهم ومن خلفهم: أي أتتهم رسلهم تعرض عليهم دعوة الحق من أمامهم ومن ورائهم. لو شاء ربنا لأنزل ملائكة: أي بدلاً عنكم أيها الرسل من البشر. بغير الحق: أي بغير أن يأذن الله لهم بذلك العلو والاستكبار والتَّجبُّر. ريحاً صرصراً: أي ذات صوت يسمع له صرصرة مع البرودة الشديدة. في أيام نحسات: أي مشئومات عليهم لم يفلحوا بعدها. ولعذاب الآخرة أخزى: أي أشد خزياً من عذاب الدنيا. فاستحبوا العمى على الهدى: أي استحبوا الكفر على الإِيمان إذ الكفر ظلام والإِيمان نور. الذين آمنوا وكانوا يتقون: أي الشرك والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية قريش فقال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} بعد ذلك البيان الذي تقدم لهم في الآيات السابقة المبين لقدرة الله وعلمه وحكمته والموجب للإِيمان ولقائه وتوحيده فقل لهم أنذرتكم أي خوفتكم صاعقة تنزل بكم إن أصررتم على إعراضكم مثل صاعقة عادٍ وثمود أي عذاباً مهلكاً كالذي أهلك الله به عاداً وثموداً. وقوله: {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ} وهم هود وصالح من بين أيديهم ومن خلفهم كناية أن الرسول بلغهم دعوة الله لهم إلى الإِيمان والتوحيد بعناية فائقة يأتيهم من أمامهم ومن خلفهم يدعوهم، قائلاً لهم: لا تعبدوا إلا الله فإنه الإِله الحق وما عداه فباطل فكان جوابهم لهم لا نؤمن لكم ولا نقبل منكم لو شاء الله ما تقولون لنا لأنزل به ملائكة يدعوننا إليه لا أن يرسل مثلكم من البشر وأخيراً قالوا لهم فإننا بما أرسلتم به كافرون فأياسوا الرسل من إجابتهم. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [13] والثانية [14) وفي الآية الثالثة [15] بين تعالى حال القوم كلا على حدة فقال فأما عاد أي قوم هود فاستكبروا في الأرض بغير الحق فحملهم الكبر الناجم عن القوة المادية على رفض دعوة هود عليه السلام وقالوا فيه وفي دعوته الكثير وقد مر في سورة هود ويأتي في سورة الأحقاف مفصلا ما أجمل هنا، وقوله بغير الحق أي أن استكبارهم لا حق لهم فيه أولا لضعفهم أمام قوة الله عز وجل، وثانيا لم يأذن الله تعالى لهم بالاستكبار فهو بغير حق إذاً. وقوله: {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وهذا منهم تحد صريح وعلو وعتو واضحان، ولذا تحداهم الله تعالى بالقوة فقال عز وجل أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة أي أعَموا ولم يروا أن الله الذي خلقهم قطعا هو أشد منهم قوة: إذ كل قوة لهم مصدرها الله هو خالقهم وواهب القوة لهم، فقوتهم ليست ذاتية ولكنها موهوبة إذ يُخلق أحدهم وهو لا يقدر على دفع أدنى شيء عن نفسه وقوله: وكانوا بآياتنا يجحدون هذا تسجيل عليهم أكبر ذنب وهو جحودهم بآيات الله التي جاء بها رسول الله هود عليه السلام كما جحدت قريش آيات الله، وقوله تعالى فأرسلنا أي بمجرد أن تأكد كفرهم بجحودهم بآيات الله أرسل الله تعالى عليهم ريحا صرصراً أي باردة ذات صوت مزعج دامت سبع ليال وثمانية أيام فلم تبق منهم أحداً وهي أيام نحسات عليهم مشؤمات قال تعالى لنذيقهم أي أرسلناها عليهم لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. ولعذاب الآخرة أخزى أي أشد خزيا وإهانة لهم وذلة، وهم لا ينصرون أي لا ناصر لهم من الله عز وجل. هذا بيان حال عاد. وأما ثمود فقد قال تعالى وأما ثمود قوم صالح فاستحبوا الضلال على الهدى والكفر على الإِيمان وقتلوا الناقة وهَمُّوا بقتل صالح فأخذتهم صاعقة العذاب الهون وذلك صباح السبت فأخذتهم صيحة انخلعت لها قلوبهم فرجفت الأرض من تحتهم فهلكوا عن آخرهم، وذلك بما كانوا يكسبون من الشرك والظلم والكفر والعناد. ونجىَّ الله تعالى صالحاً ومن معه من المؤمنين الذين آمنوا وكانوا يتقون الشرك والمعاصي وكانوا أربعة آلاف مؤمن ومؤمنة وهو معنى قوله تعالى في ختام الحديث: ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من الإِعراض عن إجابة دعوة الحق، والاستمرار في التمرد والعصيان. 2- تقرير التوحيد وهو أن لا إله إلا الله. 3- دعوة الرسل واحدة وهي الأمر بالكفر بالطاغوت، والإِيمان بالله وعبادته وحده بما شرع للناس من عبادات. 4- التنديد بالاستكبار وأنه سبب الكفر والعصيان. 5- لا مصيبة إلا بذنب "بما كانوا يكسبون" أي من الذنوب. 6- الإِيمان والتقوى هما سبيل النجاة من العذاب في الدنيا والآخرة وهما ركنا الولاية ولاية الله تعالى لقوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون.

القطان

تفسير : صاعقة: عذاب شديد ينزل بهم. من بين أيديهم ومن خلفهم: من كل مكان. ريحاً صرصرا: باردة تهلك بشدة بردها. نحسات: نكدات مشئومات. أخزى: اذل. الهُون: الهوان، الذل. فإن أعرضَ المشركون عن الإيمان، فقل لهم ايها الرسول: انني أنذركم بعذابٍ شديد مثل ما حلّ بعادٍ وثمود، اذ جاءتهم الرسُل من جميع النواحي ونصحوهم أن لا يعبدوا الا الله، فردّوا عليهم بقولهم: لو أراد الله إرسالَ رسولٍ لأنزل الينا ملائكة. {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} فاستكبروا في الارض بغير حق وقالوا مغترّين بأنفسهم: من أشدُّ منا قوة؟ قالوا ذلك ولم يروا ان الله الذي خلقهم هو اشد منهم قوة، {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}. وبعد ذلك يبين الله مصيرهم المشئوم فيقول: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً....} ريحاً باردة تهلك بشدّة بردها، ولها صوتٌ مخيف، ارسلناها في ايام مشئومة لنذيقَهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا، ولَعذابُ الآخرة أشدُّ خِزيا، يوم لا يستطيع احد ان ينصرهم منه. واما ثمود فإننا بينّا لهم طريق الخير وطريق الشر، فاختاروا الضلالة على الهدى، فأصابتْهم صاعقة أحرقتْهم وتركتهم في ذلٍ وهوان {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الذنوب والجحود. وأما الذين آمنوا وكانوا يعملون الصالحات ويتقون ربّهم فقد نجّيناهم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع: نحْسات باسكان الحاء. والباقون: نحِسات بكسر الحاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَاعِقَةً} {صَاعِقَةِ} (13) - فَإِنْ أََعْرَضَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ، فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ بِحُلُولِ نَقْمَتِهِ تَعَالَى بِكُمْ كَمَا نَزَلَتْ بِالأُمَمِ المَاضِيَةِ التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا كَعَادٍ وَثَمُودَ وَمَنْ شَاكَلَهُمَا. أَنْذَرْتُكُمْ - خَوَّفْتُكُمْ مِنْ حُلُولِ العَذَابِ بِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أعرضوا، يعني بعد كل هذه الآيات، وبعد أنْ أقرُّوا هم بأنه سبحانه خالقهم وخالق السماوات والأرض، خاصة وهذه مسألة لم يدَّعها أحدٌ لنفسه، فما دام أن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعها أحد فقد سَلَمتْ لله وحده، لذلك قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18] شهد الله لنفسه وأعلنها، فهل اعترض أحد عليها؟ لم يعترض أحد. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ ..} [فصلت: 13] بعد هذه الآيات الواضحات {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] الإنذار يكون بشيء مخيف مُروِّع قبل حدوثه، لا بعد أن يكون حدوث المُنذَر به ليُجِدي الإنذار ونحتاط له، فلو وقع الأمر المروّع لم يُجْدِ الإنذار به. كذلك قلنا في البشارة بالأمر السَّارّ قبل أوانه لنقبل عليه، إذن: البشارة والنذارة لا بدَّ أنْ يكون كل منها قبل الحدث المبشَّر به أو المنذَر به. فقل يا محمد للذين كذَّبوا بآياتنا: {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] أنذرتكم أي الحق سبحانه هو المنذر، وهو سبحانه عزيز لا يُغلب، وما دام أنذر بشيء فلا بدّ أنْ يقع وأنْ يتحقق. وقوله: {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] يعني: المسألة ليستْ كلاماً، إنما واقع حدث بالفعل وسوابق، كما حدث مع عاد وثمود وأنتم على علم بها وتشاهدون آثار هؤلاء. هنا كان عتبة بن ربيعة، وهو سيد من سادات قريش حينما أسلم سيدنا عمر وأسلم حمزة والعباس، قال صناديد الكفر: إن أمر محمد في اتساع، فلا بدَّ أنْ نتدارك الأمر ونحدد موقفنا منه لنمنع هذا الاتساع، فعلينا أن نختار واحداً منا على علم واسع باللغة والشعر، وكاهناً يجيد أساليب الكهان، وكذلك يكون ساحراً، يعني: يجيد كل ما نتهم محمداً به. فقال عتبة: أنا أعلم الناس بكل ذلك فدَعُوني أذهب إلى محمد، فلما ذهب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أنت خير أم جدُّك هاشم؟ أنت خير أم جدّك قصي؟ أنت خير أم جدّك عبد المطلب؟ هؤلاء لم يُسفِّهونا في عبادتنا، فهل أنت خير منهم لتأتي بدين جديد غير دين آبائنا؟ إن كنت يا محمد تريد مالاً جمعنا لك المال، وإن كنتَ تريد مُلْكاً ملَّكناك علينا ونجعلك سيدنا، وإن كنتَ تريد الزواج زوّجناك بأفضل نسائنا، واسكت عن هذا الأمر الذي تدعو إليه، وانْتَهِ، عن سَبِّ آلهتنا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمع؟ قال: نعم أسمع فقرأ عليه من أول سورة فُصِّلت إلى أن وصل {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]. وعندها قام عتبة ووضع يده على فم رسول الله، وقال: سألتُكَ بالرحم ألاَّ تكمل ما قرأتَ، لماذا؟ لأنه علم أن محمداً لا يقول شيئاً إلا وقع، وبعدها اعتزل عتبة قومه حتى قالوا: لقد صبأ عتبة، لقد طمع فيما عند محمد من الخير، يعني: افتقر إلى ما عند محمد من المال، وسمع عتبة هذا الكلام لكنه لم يُجِبْ. وبعد ذلك قال لهم: لا والله ما صبأت ولكني خِفْتُ على قومي إنذارَ محمد بصاعقة تحلّ بهم مثل صاعقة عاد وثمود، لأنني أعلم أن كل شيء يقوله محمد لا بد أنْ يقع، فأنا أنجيكم من هذا بأنْ أجعله لا يكمل هذه الآية .. وظل رسول الله يقرأ السورة إلى السجدة. الحق سبحانه وتعالى حينما يعطي كلاماً نظرياً يُؤيده بواقع، وقريش تعلم قصة عاد وثمود، لكن ما هي الصاعقة؟ الصاعقة هي الشيء الذي يصعق ما تحته، قد يكون ريحاً مدمرة، وقد يصطحب معه ناراً محرقة، والقرآن قال: صاعقة، وسمَّاها صيحة وقال: ريحاً صرصراً عاتية.

الجيلاني

تفسير : وبعدما ظهر من دلائل توحيد الحق ما ظهر، ولاح من آثار قدرته الكاملة ما لاح {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} أي: الكفرة الجهلة المستكبرون عنك يا أكمل الرسل، وعن جميع ما جئت لهم من الآيات البينات لدلائل توحيد الذات، وكمال الأسماء والصفات الإلهية {فَقُلْ} لهم على وجه التحذير والتنبيه: {أَنذَرْتُكُمْ} أيها التائدون في تيه الغفلة والضلال، أتى بالماضي لتحقق وقوعه {صَاعِقَةً} أي: بلية عظيمة نازلة عليكم من شدة قساوتكم، وإعراضكم عن الحق وأهله كأنها صاعقة في الحول والشدة {مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]. وقت {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ} المبعوثون إليهم؛ لتكميلهم وإرشادهم، والمبلغون لهم الوحي الإلهي {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي: في حضورهم وغيبتهم بواسة وبغير واسطة، المنبهون عليهم، القائلون لهم: عليكم أيها المجبولون على فطرة التوحيد {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} ولا تتوجهوا بالعبودية الخالصة {إِلاَّ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، الحقيق بالإطاعة والانقياد؛ إذ لا معبود لكم سواه، ولا مقصد إلا هو. وبعدما سمعوا من رسلهم ما سمعوا {قَالُواْ} متهكمين مستهزئين: {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا} الذي ادعيتم ربوبيته وألوهيته بالانفراد والاستقلال {لأَنزَلَ} بمقتضى قدرته الكاملة التي ادعيتم له {مَلاَئِكَةً} يخرجوننا من أودية الجهالات وبادية الضلال والغفلات، وبالجملة: {فَإِنَّا} بأجمعنا {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: بجميع ما جئتم به وادعيتم الرسالة فيه {كَافِرُونَ} فصلت: 14] منكرون جاحدون، إن أنتم إلا بشر مثلنا بلا مزية لكم علينا، ومن أين يتأتى لكم هذا؟!. ثم فصل سبحانه ما أجمل بقوله: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ} على عباد الله {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل الاختبار الإلهي {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: بلا انقياد وإطاعة إلى دين ونبي يرشدهم إلى طريق الحق {وَ} من كمال تعنتهم وبطرهم {قَالُواْ} على وجه الشرف والمباهاة: {مَنْ أَشَدُّ} على وجه الأرض {مِنَّا قُوَّةً} وأكثر عَدداً وعُدداً، وأتم بسطة واستيلاء؟!. وقالوا هذا حين تخويفهم الرسل بإلمام العذاب عليهم، وهم كانوا أعظم الناس جسما وأوفرهم قوة وقدرة، لذلك اغتروا بما عندهم من القوة والثروة، فكذبوا الرسل وقالوا لهم: نحن ندفع العذاب الذي ادعيتم نزوله أيها الكاذبون بوفور حولنا وقوتنا {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني: أيغترون على قوتهم وجسامتهم وينكرون كمال قدرة الله وشدة انتقامه، ولم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} القدير العزيز {ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ} وإظهرهم من كتم العدم، ولم يكونوا شيئاً مذكوراً {هُوَ} سبحانه بذات وكمال أسمائه وصفاته {أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وأكمل حولاً وقدرة، وأحكم بطشاً وانتقاماً {وَ} هم وإن جزموا حقية رسلنا المبعوثين إليهم، وآياتنا المنزلة عليهم في ظواهرهم وبواطنهم، لكن {كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] وينكرون بحسب الظاهر عناداً ومكابرة، اغتراراً بما معهم من الثروة والجسامة. وبعدما تمادوا على غيبهم، وأصروا على عتوهم وضلالهم {فَأَرْسَلْنَا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} باردة شديدة البرد، عقيمة عن المطر، تعميهم بنقعها، وتصميهم بصريرها {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} لا سعود فيها؛ يعني: إنما بدلنا مسعودات ايامهم بالمنحوسات {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ} أي: المذلة والهوان اللازم على العذاب حيث كان ونزول {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} التي هم مغرورون فيها، مسرورون بلذاتها وشهواتها {وَ} الله {لَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ} المعدة للانتقام والجزاء {أَخْزَىٰ} أي: أشد خزياً، وأتم تذليلاً وتصغيراً بأضعاف عذاب الدنيا وآلافها {وَ} بالجملة: {هُمْ لاَ يُنصَرُونَ} [فصلت: 16] ولا يشفعون فيها بدفع العذاب عنهم لحظة، بل يخلدون في العذاب ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فإن أعرض هؤلاء المكذبون بعد ما بين لهم من أوصاف القرآن الحميدة، ومن صفات الإله العظيم { فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً } أي: عذابًا يستأصلكم ويجتاحكم، { مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } القبيلتين المعروفتين، حيث اجتاحهم العذاب، وحل عليهم، وبيل العقاب، وذلك بظلمهم وكفرهم. حيث { جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أي: يتبع بعضهم بعضا متوالين، ودعوتهم جميعا واحدة. { أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ } أي: يأمرونهم بالإخلاص للّه، وينهونهم عن الشرك، فردوا رسالتهم وكذبوهم، { قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً } أي: وأما أنتم فبشر مثلنا { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين المكذبين، ]من الأمم[ وهي من أوهى الشُّبَهِ، فإنه ليس من شرط الإرسال، أن يكون المرسل مَلَكًا، وإنما شرط الرسالة، أن يأتي الرسول بما يدل على صدقه، فَلْيَقْدَحُوا، إن استطاعوا بصدقهم، بقادح عقلي أو شرعي، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا.

همام الصنعاني

تفسير : 2969- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}: [الآية: 13]، قال: يقول: أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود.