Verse. 4233 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

فَاَمَّا عَادٌ فَاسْـتَكْبَرُوْا فِي الْاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوْا مَنْ اَشَدُّ مِنَّا قُوَّۃً۝۰ۭ اَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّ اللہَ الَّذِيْ خَلَقَہُمْ ہُوَاَشَدُّ مِنْہُمْ قُوَّۃً۝۰ۭ وَكَانُوْا بِاٰيٰتِنَا يَجْــحَدُوْنَ۝۱۵
Faamma AAadun faistakbaroo fee alardi bighayri alhaqqi waqaloo man ashaddu minna quwwatan awalam yaraw anna Allaha allathee khalaqahum huwa ashaddu minhum quwwatan wakanoo biayatina yajhadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا» لما خوِّفوا بالعذاب «من أشد منا قوة» أي لا أحد، كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء «أولم يروْا» يعلموا «أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوَّة وكانوا بآياتنا» المعجزات «يجحدون».

15

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَقَالُواْ } لما خُوِّفوا بالعذاب {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي لا أحد، كان وأحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } يعلموا {أَنَّ ٱللهَ ٱلَّذِىِ خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بئَايَـٰتِنَا} المعجزات {يَجْحَدُونَ }.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه عادًا، وثمود إجمالاً ذكر ما يختص بكل طائفة من الطائفتين تفصيلاً، فقال: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي: تكبروا عن الإيمان بالله، وتصديق رسله، واستعلوا على من في الأرض بغير الحق، أي: بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر، والتجبر. ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر عنهم من الأقوال الدالة على الاستكبار، فقال: {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }، وكانوا ذوي أجسام طوال، وقوّة شديدة، فاغترّوا بأجسامهم حين تهدّدهم هود بالعذاب، ومرادهم بهذا القول: أنهم قادرون على دفع ما ينزل بهم من العذاب، فردّ الله عليهم بقوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً }، والاستفهام للاستنكار عليهم، وللتوبيخ لهم، أي: أو لم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة، فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله كن، فيكون {وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ } أي: بمعجزات الرسل التي خصهم الله بها، وجعلها دليلاً على نبوّتهم، أو بآياتنا التي أنزلناها على رسلنا، أو بآياتنا التكوينية التي نصبناها لهم، وجعلناها حجة عليهم، أو بجميع ذلك. ثم ذكر سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه، فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } الصرصر: الريح الشديدة الصوت من الصرّة، وهي: الصيحة. قال أبو عبيدة: معنى صرصر: شديدة عاصفة. وقال الفراء: هي: الباردة تحرق كما تحرق النار. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة: هي: الباردة، وأنشد قطرب قول الحطيئة:شعر : المطعمون إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا عن الناس تفسير : أي: إذا سئلوا الدية. وقال مجاهد: هي: الشديدة السموم، والأولى تفسيرها بالبرد، لأن الصرّ في كلام العرب البرد، ومنه قول الشاعر:شعر : لها غرد كقرون النسا ء ركبن في يوم ريح وصر تفسير : قال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصرّ، وهو: البرد، ويجوز أن يكون من صرصر الباب، ومن الصرة وهي: الصيحة، ومنه: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ } تفسير : [الذاريات: 29]. ثم بيّن سبحانه وقت نزول ذلك العذاب عليهم، فقال: {فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } أي: مشئومات ذوات نحوس. قال مجاهد، وقتادة: كنّ آخر شوّال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك سبع ليال، وثمانية أيام حسوماً. وقيل: نحسات باردات. وقيل: متتابعات. وقيل: شداد. وقيل: ذوات غبار. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (نحسات) بإسكان الحاء على أنه جمع نحس، وقرأ الباقون بكسرها، واختار أبو حاتم القراءة الأولى لقوله: {أية : فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ } تفسير : [القمر: 19] واختار أبو عبيدة القراءة الثانية. {لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: لكي نذيقهم، والخزي هو: الذل، والهوان بسبب ذلك الاستكبار {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَخْزَىٰ } أي: أشدّ إهانة، وذلاً، ووصف العذاب بذلك، وهو في الحقيقة وصف للمعذبين، لأنهم الذين صاروا متصفين بالخزي {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } أي: لا يمنعون من العذاب النازل بهم، ولا يدفعه عنهم دافع. ثم ذكر حال الطائفة الأخرى، فقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ } أي: بينا لهم سبيل النجاة، ودللناهم على طريق الحقّ بإرسال الرسل إليهم، ونصب الدلالات لهم من مخلوقات الله، فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله، ويصدّق رسله. قال الفراء: معنى الآية: دللناهم على مذهب الخير بإرسال الرسل. قرأ الجمهور: {وأما ثمود} بالرفع، ومنع الصرف. وقرأ الأعمش، وابن وثاب بالرفع، والصرف، وقرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، وعاصم في رواية بالنصب، والصرف وقرأ الحسن، وابن هرمز، وعاصم في رواية بالنصب، والمنع، فأما الرفع، فعلى الابتداء والجملة بعده الخبر، وأما النصب فعلى الاشتغال، وأما الصرف فعلى تفسير الاسم بالأب، أو الحي، وأما المنع فعلى تأويله بالقبيلة {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان، وقال السدّي: اختاروا المعصية على الطاعة {فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ } قد تقدّم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأيّ شيء كان، والهون الهوان والإهانة، فكأنه قال: أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو الإهانة، ويقال عذاب هون، أي: مهين كقوله: {أية : مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } تفسير : [سبأ: 14]، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } للسببية، أي: بسبب الذي كانوا يكسبونه، أو بسبب كسبهم {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ }، وهم: صالح ومن معه من المؤمنين، فإن الله نجاهم من ذلك العذاب، ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر ما عاقبهم به في الآخرة، فقال: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ }، وفي وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة في ذمهم، والعامل في الظرف محذوف دلّ عليه ما بعده تقديره: يساق الناس يوم يحشر، أو باذكر، أي: اذكر يوم يحشرهم. قرأ الجمهور: {يحشر} بتحتية مضمومة، ورفع أعداء على النيابة، وقرأ نافع: (نحشر) بالنون، ونصب أعداء، ومعنى حشرهم إلى النار: سوقهم إليها، أو إلى موقف الحساب، لأنه يتبين عنده فريق الجنة، وفريق النار {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي: يحبس أوّلهم على آخرهم؛ ليتلاحقوا ويجتمعوا، كذا قال قتادة، والسدّي، وغيرهما، وقد سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى. {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءوهَا } أي: جاءوا النار التي حشروا إليها، أو موقف الحساب، و «ما» مزيدة للتوكيد {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا من المعاصي. قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم بالشرك، والمراد بالجلود هي: جلودهم المعروفة في قول أكثر المفسرين. وقال السدّي، وعبيد الله بن أبي جعفر، والفراء: أراد بالجلود الفروج، والأوّل أولى {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } وجه تخصيص الثلاثة بالشهادة دون غيرها ما ذكره الرازي أن الحواس الخمس وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وآلة المس هي الجلد، فالله سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس، وهي: السمع، والبصر، واللمس، وأهمل ذكر نوعين، وهما: الذوق، والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الحنك مماسة لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس، وإذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال، لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس، فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر وأما على قول من فسر الجلود بالفروج، فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر، لأنه ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحاً، وأجلب للخزي والعقوبة، وقد قدّمنا وجه إفراد السمع، وجمع الأبصار {قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء } أي: أنطق كلّ شيء مما ينطق من مخلوقاته، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح. وقيل: المعنى: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله، والأوّل أولى {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قيل: هذا من تمام كلام الجلود. وقيل: مستأنف من كلام الله، والمعنى: أن من قدر على خلقكم، وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم، ورجعكم إليه. {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ } هذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله سبحانه، أو من كلام الجلود، أي: ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذراً من شهادة الجوارح عليكم، ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا: ترك المعصية. وقيل: معنى الاستتار: الاتقاء، أي: ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة و «أن» في قوله: {أَن تَشْهَدَ } في محل نصب على العلة، أي: لأجل أن تشهد، أو مخافة أن تشهد. وقيل: منصوبة بنزع الخافض، وهو: الباء أو عن أو من. وقيل: إن الاستتار مضمن معنى الظنّ، أي: وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو: بعيد {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْلَمُونَ } من المعاصي، فاجترأتم على فعلها. قيل: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسرّ. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى: العلم وقيل: أريد بالظنّ معنى مجازي يعمّ معناه الحقيقي، وما هو فوقه من العلم، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما ذكر من ظنهم، وهو: مبتدأ وخبره: {ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ }، وقوله: {أَرْدَاكُمْ } خبر آخر للمبتدأ. وقيل: إن أرداكم في محل نصب على الحال المقدّرة. وقيل: إن ظنكم بدل من ذلكم، والذي ظننتم خبره، وأرداكم خبر آخر، أو حال، وقيل: إن ظنكم خبر أوّل، والموصول وصلته خبر ثان، وأرداكم خبر ثالث، والمعنى: أن ظنكم بأن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون أهلككم، وطرحكم في النار {فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ } أي: الكاملين في الخسران. ثم أخبر عن حالهم، فقال: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } أي: فإن يصبروا على النار، فالنار مثواهم، أي: محل استقرارهم، وإقامتهم لا خروج لهم منها. وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار، فالنار مثوى لهم {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ } يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته طلبت منه أن يرضى، والمعنى: أنهم إن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون لم يرجع، لأنهم لا يستحقون ذلك. قال الخليل: تقول: استعبته، فأعتبني، أي: استرضيته، فأرضاني، ومعنى الآية: إن يطلبوا الرضى لم يقع الرضى عنهم، بل لا بدّ لهم من النار. قرأ الجمهور: {يستعتبوا} بفتح التحتية، وكسر التاء الفوقية الثانية مبنياً للفاعل. وقرءوا: {من المعتبين} بفتح الفوقية اسم مفعول، وقرأ الحسن، وعبيد بن عمير، وأبو العالية: (يستعتبوا) مبنياً للمفعول (فما هم من المعتبين) اسم فاعل، أي: إنهم إن أقالهم الله، وردّهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } تفسير : [الأنعام: 28]. وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } قال: يحبس أوّلهم على آخرهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يدفعون. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان، أو ثقفيّ وقرشيان، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران: إن سمع منه شيئاً سمعه كله؛ قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ } إلى قوله: {مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحشرون ها هنا، وأومأ بيده إلى الشام، مشاة وركباناً، وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام، وأوّل ما يعرب عن أحدكم، فخذه وكتفه» تفسير : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ }». وأخرج أحمد، وأبو داود الطيالسي، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ }».

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة} وذلك أن هوداً هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا وكانوا ذوي أجسام طوال قال الله تعالى رداً عليهم {أولم يروا} أي أو لم يعلموا {أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً} أي عاصفاً شديد الصوت وقيل هي الريح الباردة فقيل إن الريح ثمانية، فأربع منها عذاب وهي الريح الصرصر والعاصف والقاصف والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات قيل أرسل عليهم من الريح على قدر خرق الخاتم فأهلكوا جميعاً {في أيام نحسات} أي نكدات مشؤومات ذات نحس وقيل ذات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه وقيل أمسك الله عز وجل عنهم المطر ثلاث سنين ودأبت عليهم الريح من غير مطر {لنذيقهم عذاب الخزي} أي عذاب الذل والهوان وذلك مقابل لقوله {فاستكبروا في الأرض بغير الحق} {في الحياة الدنيا} أي ذلك الذي نزل بهم من الخزي والهوان في الحياة الدنيا {ولعذاب الآخرة أخزى} أي أشد إهانة {وهم لا ينصرون} أي لا يمنعون من العذاب.

ابو السعود

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} شروعٌ في حكايةِ ما يخصُّ بكلِّ واحدةٍ من الطائفتينِ من الجنايةِ والعذابِ إثرَ حكايةِ ما يعمُّ الكلَّ من الكفرِ المطلقِ أي فتعظمُوا فيَها على أهلِها أو استعلَوا فيَها واستولَوا على أهلِها {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} أي بغيرِ استحقاقٍ للتعظيمِ والولايةِ {وَقَالُواْ} مدلين بشدَّتِهم وقوَّتِهم {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} حيثُ كانُوا ذوي أجسامٍ طوالٍ وخَلْقٍ عظيمٍ وقد بلغَ من قوتهم أنَّ الرجلَ كان ينزعُ الصخرةَ من الجبلِ فيقتلعها بـيدِه {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} أي أغفَلُوا أو ألم ينظرُوا ولم يعلُموا علماً جلياً شبـيهاً بالمشاهدةِ والعيانِ {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي قدرةً فإنه تعالَى قادرٌ بالذاتِ مقتدرً على ما لا يتناهى قويٌّ على ما لا يَقدرُ عليهِ غيرُه مفيضٌ للقُوى والقُدرِ على كُلِّ قوي وقادرِ وإنما أوردَ في حيز الصلةِ خلقَهم دونَ خلقِ السمواتِ والأرضِ لادِّعائِهم الشدةَ في القوةِ وفيه ضربٌ من التهكمِ بهم {وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} المنزلةِ على الرُّسلِ {يَجْحَدُونَ} أي ينكرونَها وهم يعرفونَ حقيقتَها وهو عطفٌ على فاستكبرُوا كقولِه تعالَى وقالُوا وما بـينَهمَا اعتراضٌ للردِّ على كلمتِهم الشنعاءِ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي باردةً تهلكُ وتحرقُ بشدةِ بردِها من الصِرِّ وهو البردُ الذي يصِرُّ أي يجمعُ ويقبضُ، أو عاصفةً تصوّتُ في هبوبِها من الصريرِ {فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} جمعُ نحِسةٍ من نحِس نَحْساً نقيضُ سَعِدَ سَعْداً. وقُرِىءَ بالسكونِ على التخفيفِ أو على أنه نعتٌ على فَعْلٍ أو وصفٌ بمصدرٍ مبالغةً. قيلَ كُنَّ آخرَ شوالٍ منَ الأربعاءِ إلى الأربعاءِ وما عذبَ قومٌ إلا في يومِ الأربعاءِ {لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} وقُرِىءَ لتُذيقَهمُ على إسنادِ الإذاقةِ إلى الريحِ أو إلى الأيامِ وأُضيفَ العذابُ إِلى الخزْي الذي هُو الذُّلُّ والاستكانةُ على أنه وصفٌ له كما يُعرِبُ عنه قولُه سبحانَهُ {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَخْزَىٰ} وهُو في الحقيقةِ وَصفٌ للمعذَّبِ وَقد وُصفَ به العذابُ للمبالغةِ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} بدفعِ العذابِ عنهم بوجهٍ من الوجوهِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [الآية: 15]. قال عمرو المكى: من شاهد من نفسه قيامًا إلى شىء من الأوامر وقعودًا عن شىء من النواهى فقد صغّر ما عظَّمه الله وعظّم ما صغره الله ألا ترى أن الله هو الذى أقامه إليها وقواه عليها حينئذ يخلو من حاله وعمله ويرى قدرة الله وقوته عليه وضعفه عن القيام إلى حقائق أوامره ويعلم أن القوى على الحقيقة من يقدر على أن يقوى العبد على القيام بأحكامه. قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}.

القشيري

تفسير : ركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم، واستمكنت منهم بلواهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاما عاد} لما كان التفصيل مسببا عن الاجمال السابق ادخل عليه الفاء السببية بس آماده كرده وعاديان {فاستكبروا فى الارض} در زمين احقاق دربلاد يمن اى تعظموا فيها على اهلها {بغير الحق} اى بغير الاستحقاق للتعظيم وركنوا الى قوة نفوسهم {وقالوا} اغترارا بتلك القوة الموقوفة على عظم الاجسام {من} استفهام {اشد منا قوة} وكان طول كل واحد منهم ثمانية عشر ذراعا وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل ويجعلها حيث شاء وكانوا يظنون انهم يقدرون علىدفع العذاب بفضل قوتهم فخانتهم قواهم لما استمكن منهم بلواهم وقد رد الله عليهم بقوله {اولم يروا} آياندا نستند مغرور شدكان بقوت خود. اى أغفلوا ولم يعلموا علما جليا شبيها بالمشاهدة والعيان {أن الله الذى خلقهم} وخلق الاشياء كلها خصوصا الاجرام العظيمة كالسموات والجبال ونحوها وانما اورد فى حيز الصلة خلقهم دون خلق السموات والارض لادعائهم الشده فى القوة {هو اشد منهم قوة} اى قدرة لأن قدرة الخالق لا بد وان تكون اشد من قدرة المخلوق اذ قدرة المخلوق مستفادة من قدرة الخالق والقوة عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للضعف ولما كانت صيغة التفضيل تستلزم اشتراك المفضل المفضل عليه فى الوصف الذى هو مبدأ اشتقاق افعل ولا اشتراك بينه تعالى وبين الانسان فى هذه القوة لكونه منزها عنها اريد بها القدرة مجازا لكونها مسببة عن القوة بمعنى صلابة البنية {وكانوا} وبودند وقوم عادكه ازروى تعصب {بآياتنا} المنزلة على الرسل {يجحدون} الجحود الانكار مع العلم اى ينكرونها وهم يعرفون حقيقتها كما يجحد المودع الوديعة وينكرها فهو عطف على فاستكبروا وما بينهما اعتراض للرد على كلمتهم الشنعاء والمعنى أنهم جمعوا بين الاستكبار وطلب العلو فى الارض وهو فسق وخروج عن الطاعة بترك الاحسان الى الخلق وبين الجحود بالآيات وهو كفر وترك لتعظيم الحق فكانوا فسقة كفرة وهذان الوصفان لما كانا اصلى جميع الصفات الذميمة لا جرم سلط الله عليهم العذاب كما قال

الجنابذي

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} اغترّوا بقوّتهم لانّ الرّجل منهم يقلع الصّخرة بيده {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} اى يعرفونها ثم ينكرونها.

الهواري

تفسير : قال الله: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يعني كفرهم وتكذيبهم رسلهم. {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} عجبوا من شدتهم وقوتهم. قال الله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}. قال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} قال الحسن: الصرصر: شديدة البرد، [وهي الدبور]. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . تفسير : قال: {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي: مشؤومات، وهي الثمانية الأيام التي في الحاقة. قال الله: (أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) تفسير : [الحاقة:7] أي: تباعاً، ليس فيهنّ تفتّر؛ كان أولها يوم الأربعاء إلى الأربعاء الأخرى. قال: {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى} من عذاب الدنيا. {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ}. قال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي: فبصّرناهم، وهو في تفسير العامة بيّنّا لهم سبيل الهدى وسبيل الضلالة {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى} أي: الضلالة {عَلَى الْهُدَى} أي: اختاروا الضلالة على الهدى {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ} أي من الهوان {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: بما كانوا يعملون. قال: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} وكذلك قضى الله أنه إذا أهلك قوماً أنجى رسولهم والمؤمنين معه؛ كقوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي: عذابنا (أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) تفسير : [هود:58]، وقوله: (أية : نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) تفسير : [هود:66]، وقوله: (أية : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا) تفسير : [هود:94].

اطفيش

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} تعظموا على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الاجرام واستولوا عليهم من غير أن يكونوا أهلا للاستيلاء {وَقَالُواْ} لما خوفوا بالعذاب* {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} استفهام انكارى أى لا أحد أشد قوة منا اغتراراً بقواهم كان الواحد منهم ينزع الصخرة ويقلعها من الجبل وهي عظيمة ويضعها حيث شاء وذلك كله بيده واحدة لما هددهم هود قالوا نحن نقدر على دفع العذاب بفضل قوتنا {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أو لم يعلموا {أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ} وخلق طولهم وعرضهم وقوتهم* {هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} القوة شدة الجسم وصلابته وهى نقيضة الضعف والقدرة ما لأجله يصح الفعل من الفاعل بذات أو بصحة جسم وهى نقيضة العجز والله لا يوصف بالجسم والصلابة فلا يوصف بالقوة الا على معنى القدرة ولكنه قال أشد منهم قوة مع اختلاف القوتين لاعتبار حقيقة القوة وهى زيادة القدرة فصح {أية : أشد منهم قوة}تفسير : كما صح هو أقدر منهم على معنى انه يقدر بذاته قدرة لا تتناهى على ما يقدرون عليه باكتسابهم وازدياد قدرهم. {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} عطف على (استكبروا) رسخ الكبر فيهم واستمروا على الجحود جحود بعد جحود اذا كانوا أحياء والباء زائدة أي جحدوا كتبنا أو معجزاتنا وهم يعرفون انها حق.

اطفيش

تفسير : {فأمَّا عادٌ} للتفريع بتفصيل ما لكل طائفة منها من الجناية والعذاب، وبدأ بعاد لتقدم زمانهم على ثمود، {فاسْتَكبرُوا} تعظموا على غيرهم لعظم أجسامهم، فكانوا يظلمونهم {في الأرض} ذكر الأرض للعموم، كأنه قيل: على أهل الأرض وتلويحا بأنها للعبادة لا للتكبر، أو تكبروا عن التوحيد والطاعة {بغيْر الحق} بغير استحقاق للاستكبار {وقالُوا} أشرا وفخرا {مَن أشدّ منَّا قوةً} استفهام إنكار، ورد لتخويف الرسول لهم بالعذاب، وكان الرجل منهم ينزع الصخرة من الجبل، فيرفعها بيده. {أو لَم يروا} اغفلوا، ولم يروا أى لم يعلموا علما طبعيا شبيها بالمعيانة، أو علما كسبيا {أنَّ الله الَّذى خلقَهُم هُو أشدّ منهُم قُوةً} أى قدرة لأنه قوى بالذات خالق للقوى والقدر، وما أتاهم به الرسل منه تعالى، وفى ذكره تعالى قوته تهكم بقدرتهم، ولم يعبر بالقدرة، بل عبر بالشدة للمشاكلة، وقال: خلقهم دون خلق السماوات والأرض لادعائهم الشدة {وكانُوا بآياتنا يجْحدُون} ينكرونها مع علمهم بها، وقدم بآياتنا على طريق الاهتمام، وللفاصلة.

الالوسي

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } شروع في تفصيل ما لكل واحدة من الطائفتين من الجناية والعذاب، ولتفرع التفصيل على الإجمال قرن بفاء السببية، وبدىء بقصة عاد لأنها أقدم زماناً أي فأما عاد فتعظموا في الأرض التي لا ينبغي التعظيم فيها على أهلها {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي بغير استحقاق للتعظم. / وقيل: تعظموا عن امتثال أمر الله عز وجل وقبول ما جاءتهم به الرسل {وَقَالُواْ } اغتراراً بقوتهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي لا أشد منا قوة فالاستفهام إنكاري، وهذا بيان لاستحقاقهم العظمة وجواب الرسل عما خوفوهم به من العذاب، وكانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل ويرفعها بيده. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أي أغفلوا وألم ينظروا ولم يعلموا علماً جلياً شبيهاً بالمشاهدة والعيان {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرة فإنه تعالى قادر بالذات مقتدر على ما لا يتناهى قوي على ما لا يقدر عليه غيره عز وجل مفيض للقوة والقدر على كل قوي وقادر، وفي هذا إيماء إلى أن ما خوفهم به الرسل ليس من عند أنفسهم بناء على قوة منهم وإنما هو من الله تعالى خالق القوى والقدر وهم يعلمون أنه عز وجل أشد قوة منهم، وتفسير القوة بالقدرة لأنه أحد معانيها كما يشير إليه كلام الراغب. وزعم بعضهم أن القوة عَرَضٌ ينزه الله تعالى عنه لكنها مستلزمة للقدرة فلذا عبر عنها بها مشاكلة. وأورد في حيز الصلة {خَلْقَهُمْ } دون خلق السمٰوات والأرض لادعائهم الشدة في القوة، وفيه ضرب من التهكم بهم. {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} أي ينكرونها وهم يعرفون حقيتها وهو عطف على {فَٱسْتَكْبَرُواْ } أو {قَالُواْ } فجملة {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الخ مع ما عطف هو عليه اعتراض، وجوز أن يكون هو وحده اعتراضاً والواو اعتراضية لا عاطفة.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن حُكي عن عاد وثمود ما اشترك فيه الأمتان من المكابرة والإصرار على الكفر فصّل هنا بعض ما اختصت به كل أمة منهما من صورة الكفر، وذكر من ذلك ما له مناسبة لما حلّ بكل أمة منهما من العذاب. والفاء تفريع على جملة { أية : قَالُوا لَو شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائكَةً } تفسير : [فصلت: 14] المقتضية أنهم رفضوا دعوَة رسوليهم ولم يقبلوا إرشادهما واستدلالهما. و{أَمَّا} حرف شرط وتفصيل، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } تفسير : في سورة البقرة (26). والمعنى: فأما عاد فمنعهم من قبول الهدى استكبارهم. والاستكبار: المبالغة في الكبر، أي التعاظم واحتقار الناس، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، والتعريف في {الأرْض} للعهد، أي أرضهم المعهودة. وإنما ذُكر من مساويهم الاستكبار لأن تكبرهم هو الذي صرفهم عن اتباع رسولهم وعن توقع عقاب الله. وقوله: {بِغَيْرِ الحَقِّ} زيادة تشنيع لاستكبارهم، فإن الاستكبار لا يكون بحق إذ لا مبرر للكبر بوجه من الوجوه لأن جميع الأمور المغريات بالكبر من العلم والمال والسلطان والقوة وغير ذلك لا تُبلغ الإِنسان مبلغ الخلوّ عن النقص وليس للضعيف الناقص حق في الكبر ولذلك كان الكبر من خصائص الله تعالى. وهم قد اغترُّوا بقوة أجسامهم وعزة أمتهم وادعوا أنهم لا يغلبهم أحد، وهو معنى قولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً} فقولهم ذلك هو سبب استكبارهم لأنه أورثهم الاستخفاف بمن عداهم، فلما جاءهم هود بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم. فلما كان اغترارهم بقوتهم هو باعثَهم على الكفر وكان قولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً} دليلاً عليه خصّ بالذكر. وإنما عطف بالواو مع أنه كالبيان لقوله: {فَاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} إشارة إلى استقلاله بكونه مُوجب الإِنكار عليهم، لأن قولهم ذلك هو بمفرده منكر من القول فذُكر بالعطف على فعل «استكبروا» لأن شأن العطف أن يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ويعلم أنه باعثهم على الاستكبار بالسياق. وجملة {أوَلَم يَرَوا أنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُم قُوَّةً} جملة معترضة، والواو اعتراضية. والرؤية علمية، والاستفهام إنكاري، والمعنى: إنكار عدم علمهم بأن الله أشد منهم قوة حيث أعرضوا عن رسالة رسول ربهم وعن إنذاره إياهم إعراضَ من لا يكترث بعظمة الله تعالى لأنهم لو حسبوا لذلك حسابه لتوقعوا عذابَه فَلأَقْبلوا على النظر في دلائل صدق رسولهم. وإجراءُ وصف {الَّذِي خَلَقَهُمْ} على اسم الجلالة لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه الإِنكار عليهم لجهلهم بأن الله أقوى منهم فإن كونهم مخلوقين معلوم لهم بالضرورة، فكان العلم به كافياً في الدلالة على أنه أشدّ منهم قوة، وأنه حقيق بأن يحسبوا لغضبه حسابه فينظروا في أدلة صدق رسوله إليهم. وضمير {هُوَ أشَدُّ مِنْهُم} ضمير فصل، وهو مفيد تقوية الحكم بمعنى وضوحه، وإذا كان ذلك الحكم محققاً كان عدم علمهم بمقتضاه أشنع وعذرهم في جهله منتفياً. والقوة حقيقتها: حالة في الجسم يتأتّى بها أن يعمل الأعمال الشاقة، وتطلق على لازم ذلك من القدرة ووسائل الأعمال، وقد تقدم بيان إطلاقها في قوله تعالى: { أية : فخذها بقوة } تفسير : في سورة الأعراف (145)، والمراد بها هنا معناها الحقيقي والكنائي والمجازي، فهو مستعمل في حقيقته تصريحاً وكنايةً، ومجازِه لما عندهم من وسائل تذليل صعَاب الأمور لقوة أجسامهم وقوة عقولهم. والعرب تضرب المثل بِعَادٍ في أصالة آرائهم فيقولون: أحلام عاد، قال النابغة: شعر : أَحلامُ عادٍ وأجسامٌ مطهرة من المَعَقَّةِ والآفاتِ والإِثَمِ تفسير : ويقولون في وصف الأشياء التي يقل صنع أمثالها: عاديَّة يقولون: بئر عاديَّة، وبناءٌ عَاديّ. ولما كانت القوّة تستلزم سعة القدرة أسند القوة إلى الله تعالى بمعنى أن قدرته تعالى لا يستعصي عليها شيء تتعلق به إرادته تعالى، وهذا المراد هنا في قوله: {أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً} أي هو أوسع قدرة من قدرتهم فإطلاق القوة على قدرة الله تعالى بمعنى كمالِ القدرة، أي عموم تأثيرها وتعلقها بالممكنات على وفق الإِرادة لا يستعصي على تعلق قدرته شيء ممكنٌ، وكمالِ غِناه عن التأثّر للغير، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إن اللَّه قوي شديد العقاب } تفسير : في سورة الأنفال (52). وجملة {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً} معترضة بين الجمل المتعاطفة، والواو فيها اعتراضية. وقوله: {وَكَانُوا بِئآيٰتِنَا يَجْحَدُون} يحتمل أن المراد بالآيات معجزات رسولهم هود فلم يؤمنوا بها وأصروا على العناد ولم يذكر القرآن لهود آيات سوى أنه أنذرهم عذاباً يأتيهم من السماء، قال تعالى: { أية : فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم } تفسير : [الأحقاف: 24] فذلك من تكذيبهم بأوائل الآيات. ويحتمل أن المراد بالآيات دلائل الوحدانية التي في دعوة رسولهم وتذكيرُهم بنعم الله عليهم كقوله: { أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة } تفسير : [الأعراف: 69]، وقوله: { أية : واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون } تفسير : [الشعراء: 132، 134]. ودل فعل {كانوا} على أن التكذيب بالآيات متأصل فيهم. ودلت صيغة المضارع في قوله: {يَجْحَدُونَ} أن الجحد متكرر فيهم متجدد. ورتب على ذلك وصف عقابهم بأن الله أرسل عليهم ريحاً فأشارت الفاء إلى أن عقابهم كان مسبباً على حالة كفرهم بصفتها فإن باعث كفرهم كان اغترارهم بقوتهم، فأهلكهم الله بما لا يترقب الناس الهلاك به فإن الناس يقولون للشيء الذي لا يُؤبه به: هو ريح، ليريهم أن الله شديد القوة وأنه يضع القوة في الشيء الهيّن مثل الريح ليكون عذاباً وخزياً، أي تحقيراً كما قال: {لنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ في الحَيَـٰوةِ الدُّنْيَا}، وأي خزي أشد من أن تتراماهم الريح في الجوّ كالريش، وأن تلقِيَهم هلكَى على التراب عن بكرة أبيهم فيشاهدهم المارّون بديارهم جثثاً صرعى قد تقلصت جلودهم وبليت أجسامهم كأنهم أعجاز نخل خاوية. والريح: تموُّج في الهواء يحدث من تعاكس الحرارة والبرودة، وتنتقل موجاته كما تنتقل أمواج البحر والريح الذي أصاب عاداً هو الريح الدَّبور، وهو الذي يهبّ من جهة مغرب الشمس، سميت دبوراً بفتح الدال وتخفيف الباء لأنها تهبّ من جهة دُبر الكعبة قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نُصِرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدبور"تفسير : . وإنما كانت الريح التي أصابت عاداً بهذه القوة بسبب قوة انضغاط في الهواء غير معتاد فإن الانضغاط يصير الشيء الضعيف قوياً، كما شوهد في عصرنا أن الأجسام الدقيقة من أجزاء كيمياوية تسمى الذَّرة تصير بالانضغاط قادرة على نسف مدينة كاملة، وتسمى الطاقة الذَّرية، وقد نُسف بها جزء عظيم من بلاد اليابان في الحرب العامة. والصرصر: الريح العاصفة التي يكون لها صرصرة، أي دويّ في هبوبها من شدة سرعة تنقلها. وتضعيف عينه للمبالغة في شدتها بين أفراد نوعها كتضعيف كبكب للمبالغة في كَبّ. وأصله صَرَّ، أي صاح، وهو وصف لا يؤنث لفظه لأنه لا يجري إلا على الريح وهي مقدرة التأنيث. والنحسات بفتح النون وسكون الحاء: جمع نَحس بدون تأنيث لأنه مصدر أو اسم مصدر لفعل نَحِس كَعَلِم، كقوله تعالى: { أية : في يوم نحس مستمر } تفسير : [القمر: 19]. وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بسكون الحاء. ويجوز كسر الحاء وبه قرأ البقية على أنه صفة مشبهة من (نَحِس) إذا أصابه النحْس إصابة سوء أو ضر شديد. وضده البخت في أوهام العامة، ولا حقيقة للنحس ولا للبخت ولكنهما عارضان للإنسان، فالنحس يَعرض له من سوء خِلقه مزاجه أو من تفريطه أو من فساد بيئته أو قومِه، والبخت يعرض من جراء عكس ذلك. وبعض النوعين أمور اتفاقية وربما كان بعضها جزاءً من الله على عمل خيرٍ أو شر من عباده أو في دينه كما حل بعاد وأهل الجاهلية. وعامة الأمم يتوهمون النحس والبخت من نوع الطِّيرَة ومن التشاؤم والتيمّن، ومنه الزجر والعيافة عند العرب في الجاهلية ومنه تَطَلُّع الحدثَان من طوالع الكواكب والأياممِ عند معظم الأمم الجاهلة أو المختلَّة العقيدة. وكل ذلك أبطله الإسلام، أي كشف بطلانه، بما لم يسبقه تعليم من الأديان التي ظهرت قبل الإِسلام. فمعنى وصف الأيام بالنحسات: أنها أيام سوء شديد أصابهم وهو عذاب الريح، وهي ثمانية أيام كما جاء في قوله تعالى: { أية : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً } تفسير : [الحاقة: 7]، فالمراد: أن تلك الأيام بخصوصها كانت نحساً وأن نَحْسها عليهم دون غيرهم من أهل الأرض لأن عاداً هم المقصودون بالعذاب. وليس المراد أن تلك الأيام من كل عام هي أيام نحس على البشر لأن ذلك لا يستقيم لاقتضائه أن تكون جميع الأمم حلّ بها سوء في تلك الأيام. ووُصفت تلك الأيام بأنها {نَّحِسَاتٍ} لأنها لم يحدث فيها إلا السوء لهم من إصابة آلام الهَشْم المحققِ إفضاؤه إلى الموت، ومشاهدة الأموات من ذويهم، وموت أنعامهم، واقتلاع نخيلهم. وقد اخترع أهل القصص تسمية أيام ثمانية نصفُها آخر شهر (شُباط) ونصفها شهر (آذار) تكثر فيها الرياح غالباً دَعَوها أيام الحسوم ثم ركبوا على ذلك أنها الموصوفة بحسوم في قوله تعالى في سورة الحاقة (7) { أية : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً }، تفسير : فزعموا أنها الأيام الموافقة لأيام الريح التي أصابت عاداً، ثم ركَّبوا على ذلك أنها أيام نحس من كل عام وكَذَبوا على بعض السلف مثل ابن عباس أكاذيب في ذلك وذلك ضغْث على إبالة، وتفنن في أوهام الضلالة. وجُمع {نّحِسَاتٍ} بالألف والتاء لأنه صفة لجمعِ غير العاقل وهو {أَيَّامٍ}. واللام في {لنُذِيقَهُم} للتعليل وهي متعلقة بــــ (أرسلنا). والإِذاقة تخييل لمكنية، شُبه العذاب بطعام هُيِّىء لهم على وجه التهكم كما سمَّى عمرو بن كلثوم الغارة قِرَى في قوله: شعر : قرينَاكُمْ فعجَّلْنَا قِراكم قُبيل الصُّبح مِردَاةً طَحُونا تفسير : والإِذاقة: تخييل من ملائمات الطعام المشبه به. والخزي: الذلّ. وإضافة {عَذَابَ} إلى {الخِزْي} من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل مقابلته بقوله: {ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَىٰ}، أي أشد إخزاء من إخزاء عذاب الدنيا، وذلك باعتبار أن الخزي وصف للعذاب من باب الوصف بالمصدر أو اسم المصدر للمبالغة في كون ذلك العذاب مخزياً للذي يعذب به. ومعنى كون العذاب مخزياً: أنه سببُ خزي فوصْفُ العذاب بأنه خزي بمعنى مُخز من باب المجازِ العقلي، ويُقدر قبل الإضافة: لنذيقهم عذاباً خزياً، أي مُخْزياً، فلما أريدت إضافة الموصوف إلى صفته قيل: {عذابَ الخزي}، للمبالغة أيضاً لأن إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في الاتصاف حتى جعلت الصفة بمنزلة شخص آخر يضاف إليه الموصوف وهو قريب من محسِّن التجريد فحصلت مبالغتان في قوله: {عَذَابَ الخِزْي} مبالغةُ الوصف بالمصدر، ومبالغة إضافة الموصوف إلى الصفة. وجملة {ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَىٰ} احتراس لئلا يحسِب السامعون أن حظ أولئك من العقاب هو عذاب الإِهلاك بالريح فعطف عليه الإِخبار بأن عذاب الآخرة أخزَى، أي لهم ولكل من عذّب عذاباً في الدنيا لغضب الله عليه. وأخْزى: اسم تفضيل جرى على غير قياس، وقياسه أن يقال: أشد إخزاء، لأنه لا يقال: خَزاه، بمعنى أخزاه، أي أهانه، ومثل هذا في صوغ اسم التفضيل كثير في الاستعمال. وجملة {وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ} تذييل، أي لا ينصرهم من يدفع العذاب عنهم، ولا من يشفع لهم، ولا من يخرجهم منه بعد مهلة.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} (15) - أَمَّا عَادٌ فَإِنَّهُمْ بَغَوْا وَعَصَوْا رَبَّهُمْ، وَاغْتَرُّوا بِقُوَّتِهِمْ فَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوّةً حَتَّى يَسْتَطِيعَ قَهْرَنَا وَإِذْلاَلَنَا؟. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُوَبِّخاً: أَلاَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَنْ يُبَارِزُونَ بِالعَدَاوَةِ؟ إِنَّهُ العَظِيمُ الذِي خَلَقَ الأَشْيَاءَ، وَرَكَّبَ فِيهَا القُوَّةَ الحَامِلَةَ لَهَا، وَإِنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ، وَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ فِيهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ. وَكَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ آيَاتِ اللهِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ حَقٌّ لاَ شَكَّ فِيهَا، وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوهَا، وَعَصَوا رُسُلَ رَبِّهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله عن عاد: {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ..} [فصلت: 15] هل يعني أن هناك استكباراً بالحق؟ قالوا: نعم تستكبر في قومك ليكونَ لهم كبير يردعهم إنْ مالوا، لأن عادة الناس إنْ لم يكُنْ لهم كبير يُهَاب ويُرْجَع إليه اختلطتْ عندهم الأمور وماجوا في بعض وتعدّوْا. وهذا استكبار بحق، لأنه يُصوِّب حركة الأفراد، ولا بدّ أنْ يكون من كبير كما يقولون عندنا في الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) لماذا؟ لتعتدلَ الأمور، ولا تكون فوضى، وصدق القائل: شعر : لاَ يَصْلُح النّاسُ فوضى لا سَراة لهُمْ وَلاَ سَراةَ إذَا جُهَّالُهمْ سَادُوا تفسير : هذا استكبار بالحق، لأن له رصيداً يسمح له بالاستكبار، أما الاستكبار بغير الحق فهو الاستكبار بلا رصيد وبلا داعٍ كالذي يستكبر بقوته أو سلطانه أو غير ذلك من العوارض التي تنزع من الإنسان. {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ..} [فصلت: 15] وكذبوا في هذه أيضاً، وظهر جهلهم لأن الله تعالى أشدّ منهم قوة {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ..} [فصلت: 15] قولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ..} [فصلت: 15] استفهام إنكاري يعني: لا أحدَ أشدّ منا يأمرنا فنطيعه لأننا الأقوى. نعم، لكم حق في هذه، لكن ما قولكم في أن الله الذي خلقكم هو أشدّ منكم قوة، أليس ذلك دليلاً على وجوب طاعتكم له؟ إذن: المنطق كان يقتضي أنْ تتصاغروا لمن أرسله الله إليكم، وأنْ تطيعوه طاعة لله الذي أرسله. نعم لا يصح للقويِّ أنْ يرضخ لطاعة الضعيف، لكن نسألكم: أنتم أقوى أم الله؟ لا بدَّ أنْ يقولوا الله لأنهم معترفون له بالخَلْق، فلماذا عاندتموه وصادمتم رسله؟ أنتم صحيح أقوى على بعض الخَلْق، لكنكم ضعافٌ أمام مَنْ خلق الخَلْق. وقوله: {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] الجحود هو إنكار الشيء لجاجةً وعناداً كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} تفسير : [النمل: 14] ففي حين يستيقنون بالآيات ويؤمنون بها في أنفسهم يجحدونها بظاهرهم، فما الجزاء؟

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [فصلت: 15] وركنوا إلى قوة نفوسهم {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15] فهابهم قواهم لما استمكن منهم بلواهم، {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ} [فصلت: 15] وخلق الأشياء كلها {هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] في إهلاكهم، {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] مع إحاطة علمهم بالآيات والقدرة، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} [فصلت: 16]؛ ليقلعهم من أصولهم، ولما يغادر منهم أحداً {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] قيل: إنهم في الابتداء آمنوا وكانوا يتقون وصدقوا، ثم ارتدوا وكذبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال، {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ} [فصلت: 18] فمنهم من نجاهم من غير ان يروا النار عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف: وهم أعلاهم، وقوم كالراكض: وهم أيضاً الأكابر، وقوم على الصراط: يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط فبعد وبعد، وقوم بعد ما دخلوا النار: فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا بلغت القلب قال الحق تعالى للنار: "حديث : لا تحرقي قلبه فإنه محترق في"تفسير : ، وقوم يخرجون من النار: بعد ما امتحشوا وصاروا حمماً. ثم أخبر عن حشر الأعداء مع القرناء بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [فصلت: 19] يشير إلى أن من لم يمتثل أوامر الله تعالى ونواهيه ولم يتابع رسوله، فهو عدواً لله وإن كان منافقاً بالله مقراً بوحدانيته، ويحشر الولياء إلى الله وجنته، كما يحشر الأعداء إلى نار القطيعة والبعد وجحيمه {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [فصلت: 20]؛ لأنهم كانوا يستعملوها في معاصي الله بغير اختيارهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تفصيل لقصة هاتين الأمتين، عاد، وثمود. { فَأَمَّا عَادٌ } فكانوا -مع كفرهم باللّه، وجحدهم بآيات اللّه، وكفرهم برسله- مستكبرين في الأرض، قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم قوتهم. { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } قال تعالى ردًا عليهم، بما يعرفه كل أحد: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } فلولا خلقه إياهم، لم يوجدوا فلو نظروا إلى هذه الحال نظرًا صحيحًا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم اللّه عقوبة، تناسب قوتهم، التي اغتروا بها. { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } أي: ريحًا عظيمة، من قوتها وشدتها، لها صوت مزعج، كالرعد القاصف. فسخرها اللّه عليهم { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } { نحسات } فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وقال هنا: { لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الذي اختزوا به وافتضحوا بين الخليقة. { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ } أي: لا يمنعون من عذاب اللّه، ولا ينفعون أنفسهم.