٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } باردة شديدة الصوت بلا مطر {فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ } الذلّ {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَخْزَىٰ } أشدّ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } بمنعه عنهم.
ابن عطية
تفسير : روي في الحديث أن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد منها مقدار حلقة الخاتم، ولو فتحوا مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا: وروي أن الريح كانت ترفع العير بأوقارها فتطيرها حتى تطرحها في البحر. وقال جابر بن عبد الله والتيمي: حبس عنهم المطر ثلاثة أعوام، وإذا أراد الله بقوم شراً حبس عنهم المطر وأرسل عليهم الرياح. واختلف الناس في الصرصر، فقال قتادة والسدي والضحاك: هو مأخوذ من الصر، وهو البرد، والمعنى: ريحاً باردة لها صوت. وقال مجاهد: صرصر: شديدة السموم. وقال الطبري وجماعة من المفسرين: هو من صر يصر إذا صوت صوتاً يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح في كثير من الأوقات بحسب ما تلقى. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى والنخعي: بسكون الحاء وهو جمع نحس، يقال يوم نحس، فهو مصدر يوصف به أحياناً وعلى الصفة به جمع في هذه الآية، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله: {أية : يوم نحس مستمر} تفسير : [القمر: 19]. وقال النخعي: {نحسات} وليست بـ "نحِسات" بكسر. وقرأ الباقون وأبو جعفر وشيبة وأبو رجاء وقتادة والجحدري والأعمش: "نحِسات" بكسر الحاء، وهي جمع لنحس على وزن حذر، فهو صفة لليوم مأخوذ من النحس. وقال الطبري: نحس ونحس لغتان، وليس كذلك، بل اللغة الواحدة تجمعهما، أحدهما مصدر، والآخر من أمثلة اسم الفاعل، وأنشد الفراء: [البسيط] شعر : أبلغ جذاماً ولخماً أن إخوتهم طيا وبهراء قوم نصرهم نحس تفسير : وقالت فرقة: إن "نحْسات" بالسكون مخفف من "نحِسات" بالكسر، والمعنى في هذه اللفظة مشاييم من النحس المعروف، قاله مجاهد وقتادة والسدي: وقال الضحاك معناه: شديدة، أي شديدة البرد حتى كان البرد عذاباً لهم. قال أبو علي: وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد: شعر : كأن سلافة عرضت بنحس يحيل شفيفها الماء الزلالا تفسير : وقال ابن عباس: {نحسات} معناه: متتابعات، وكانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وعذاب الخزي في الدنيا هو العذاب بسبب الكفر ومخالفة أمر الله، ولا خزي أعظم من هذا إلا ما في الآخرة من الخلود في النار. وقرأ جمهور الناس: "ثمودُ" بغير حرف، وهذا على إرادة القبيلة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب: "ثمودٌ" بالتنوين والإجراء، وهذا على إرادة الحي، وبالصرف كان الأعمش يقرأ في جميع القرآن إلافي قوله: {أية : وآتينا ثمود الناقة مبصرة} تفسير : [الإسراء: 59] لأنه في المصحف بغير ألف. وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج بخلاف، والأعمش وعاصم "ثمودَ" بالنصب، وهذا على إضمار فعل يدل عليه قوله: {فهديناهم}، وتقديره عند سيبويه: مهما يكن من شيء فهدينا ثمود هديناهم، والرفع عنده أوجه، وروي عن ابن أبي إسحاق والأعمش: "ثموداً" منونة منصوبة، وروى الفضل عن عاصم الوجهين. وقوله تعالى: {فهديناهم} معناه: بينّا لهم، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد، وهذا كما هي الآن شريعة الإسلام مبينة لليهود والنصارى المختلطين لنا ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالصد، فذلك استحباب العمى على الهدى. وقوله تعالى: {فاستحبوا} عبارة عن تكسبهم في العمى، وإلا فهو بالاختراع لله تعالى، ويدلك على أنها إشارة إلى تكسبهم قوله تعالى: {بما كانوا يكسبون}. وقوله تعالى: {العذاب الهون} وصف بالمصدر، والمعنى الذي معه هوان وإذلال، ثم قرن تعالى بذكرهم ذكر من آمن واتقى ونجاته ليبين الفرق.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَرْصَراً} شديدة البرد، أو شديدة السموم، أو شديدة الصوت من الصرير قيل إنها الدبور. {نَّحِسَاتٍ} مشؤومات وكن في آخر شهر من الشتاء من الأربعاء إلى الأربعاء قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: ما عذب قوم لوط إلا في يوم الأربعاء، أو باردات، أو متتابعات، أو ذات غبار.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً...} الآية، تقدَّم قَصَصُ هؤلاء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير: {نَّحِسَاتٍ} ـــ بسكون الحاء ـــ، وهي جمعُ «نَحْس» وقرأ الباقون: {نَّحِسَاتٍ} ـــ بكسر الحاء ـــ جمع «نَحِسٍ» علَىٰ وزن حَذِرٍ، والمعنَىٰ في هذه اللفظة: مشائيمُ من النَّحْسِ المعروفِ، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عبَّاس: {نَّحِسَاتٍ} معناه مُتَتَابِعَاتٍ، وقيل: معناه: شديدة، أي: شديدة البَرْدِ. وقوله تعالى: {فَهَدَيْنَـٰهُمْ} معناه: بَيَّنَّا لهم؛ قاله ابن عَبَّاس وغيره، وهذا كما هي الآن شريعةُ الإسلامُ مُبَيَّنَةٌ لليهودِ والنصارَى المُخْتَلِطِينَ بنا، ولكِّنهم يعرضون ويشتغلون بالضِّدِّ، فذلك ٱستحبابُ العَمَىٰ على الهُدَىٰ، و{ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} هو الذي معه هَوَانٌ وإذلالٌ؛ قال أبو حَيَّان: «الهون» مصْدَرٌ بمعنى «الهَوَانِ»، وُصِفَ به العذاب، انتهى، و{أَعْدَاءُ ٱللَّهِ} هم الكفار المخالفون لأمر اللَّه سبحانه، و{يُوزَعُونَ} معناه: يُكَفُّ أَوَّلُهُمْ حَبْساً على آخرهم؛ قاله قتادة، والسُّدِّيُّ، وأهل اللغة، وهذا وصف حال من أحوال الكفرة في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جَهَنَّمَ، فإنَّه سبحانه يستقرهم عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤالَ توبيخ عن كُفْرهم فيجحدُونَ، ويحسبون أَنْ لا شاهِدَ عليهِم، ويطلبون شهيداً عليهم من أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: «حديث : إنَّ الْعَبْدَ ـــ يَعْنِي الكَافِرَ ـــ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلاَّ تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإنَّ ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَإنِّي لاَ أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِداً إلاَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَىٰ فِيهِ، وَتَتَكلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْداً لَكُنَّ، وَسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أَدَافِعُ»تفسير : الحديثَ، قال أبو حَيَّان: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا}: «ما» بعد «إِذا» زائدة للتوكيد، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} الصَّرصرُ: الريح الشديدة، فقيل: هي الباردة من الصَّرِّ وهو البرد، وقيل: هي الشديدة السُّمُوم، وقيل: المُصوِّتةُ من صرَّ البابُ أي سُمِعَ صريرُهُ. والصَّرَّةُ: الصَّيحة ومنه: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ}تفسير : [الذاريات:29] قال ابن قتيبة "صَرْصَرٌ" يجوز أن يكون الصَّرِّ وهو البرد، وأن يكون من صرَّ البابُ، وأن يكون من الصََّرَّة ومنه: {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ}تفسير : [الذاريات:29]. قوال الراغب: صَرْصرٌ لفظه من الصّر وذلك يرجع إلى الشد لما في البرودة من التعقيد. قوله: في أيَّام نحساتٍ قرأ الكوفيون وابنُ عامر بكسر الحاء والباقون بسكونها. فأما الكسر فهو صفة على "فَعِلٍ" وفعلُهُ: "فَعِلَ" بكسر العين أيضاً كفِعْلِهِ؛ يقال: نَحِسَ فهو نَحِسٌ، كَفَرِحَ، فهُو فَرِحٌ، وأَشِرَ فهو أَشِرٌ، ومعناه نكدات مَشْئُوماتٌ ذاتُ نُحُوسٍ. وأمال اللَّيثُ عن الكسائيِّ ألفه لأجل الكسرة، ولكنه غير مشهور عنه حتى نسبه الدَّانيُّ للوهم وأما قراءة الإسكان فتحتمل ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يكون مخفف من "فَعِل" في القراءة المتقدمة وفيه توافق القراءتين. الثاني: أنه مصدر وصف به كرجُلٍ عَدْلٍ، إلا أنَّ هذا يضعفه الجمعُ، فإن الفصيحَ في المصدر الموصوف (به) أن يوحَّد وكأنَّ المُسوِّغَ للجمع اختلافُ أنواعه في الأصل. الثالث: أنه صفة مستقلة على "فَعْل" بسكون العين ولكن أهل التصريف لم يذكروا في الصفة الجائية من "فَعِل" بكسر العين إلا أوزاناً محصورة ليس فيه "فَعْل" بالسكون فذكروا: فَرِحَ فهو فَرِحٌ وحور فهو أحْوَرُ، وشَبع فهو شَبْعَانُ، وسَلِمَ فهو سَالِمٌ، وبلي فَهُو بالٍ. وفي معنى "نحسات" قولان: أحدهما: أنها من الشّؤم، قال السدي أي مشائيم من النحس المعروف. والثاني: أنها من شدة البرد وأنشدوا على الأول قولَ الشاعر: شعر : 4360ـ يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْماً نَحْسَا نَجْمَيْنِ سَعْدَيْنِ وَنَجْماً نَحْسَا تفسير : وعلى المعنى الثاني: شعر : 4361ـ كَأَنَّ سُلاَفَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ يُحِيلُ شَفِيفُهَا المَاءَ الزًُّلاَلاَ تفسير : ومنه: شعر : 4362ـ قَدْ أَغْتَدِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ للصَّيْدِ فِي يَوْمِ قَلِيلِ النَّحْسِ تفسير : وقيل: يريدُ به في هذا البيت الغبار، أي قليل الغبار. وقد قيل بذلك في الآية إنها ذات غبار. و "نَحِسَات" نعت لأيَّام، والجمع بالألف والتاء مُطَّرِدٌ في صفة ما لا يعقل كأيَّام معدوداتٍ كما تقدم تحقيقه في البقرة (اللَّهُمَّ يَسِّرْ). فصل الصَّرْصَر: العاصفة التي تُصَرْصِرُ في هُبُوبِهَا. روي عن عبد الله بن عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: الرِّياح ثمانٍ، اربعٌ منها عذاب وهي العاصف، والصرصر، والعقيم، والعاصفة، وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمُبَشِّرات، والمُرْسَلاَت، والذَّاريات. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خَاتَمِي. وقال الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، وتوالت الرياح عليهم من غير مَطَرٍ. فصل استدلَّ الأَحكَامِيُّون من المُنَجِّمِينَ بهذه الآية على أن بعض الأيام يكون نحساً وبعضها سعداً وأجاب المتكلمون بأن المراد بهذه النحسات أي ذات غبار وتراب ثائر، لا يكاد يُبْصَرُ فيه ولا يُتَصَرَّف فيه، وقالوا أيضاً: معنى كون هذه الأيام نَحِسَاتٍ أن الله أهلكهم فيها. وأجاب الأحكاميون بأن الأحكام في وضع اللغة هي المشئومات لأن النحس مقابلة السعد، والهواء الكدر يقابله الصافي. وأيضاً فإنه تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات، فوجب أن كون تلك الأيام نَحِسَةً مغايراً لذلك العذاب الذي وقع فيها. قوله: {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي عذاب الهوان والذل مقابل لذلك الاستكبار {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ} أشد إهانة {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} أي لا يكون لهم ناصر يدفع عنهم ذلك الخزي. قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ} الجمهور على رفعه، ممنوع الصرف. والأعمش وابن وثَّاب مصروفاً، وكذلك كل ما في القرآن إلا قوله: {أية : وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ}تفسير : [الإسراء:59]، قالوا لأن الرسم ثمود بغير ألف. وقرأ ابن عباس وابنُ أبي إسحاق والأعمش ـ في روايةٍ ـ ثموداً منصوباً مصروفاً. والحسنُ وابن هرمزٍ وعاصم أيضاً منصوباً غير منصرف. فأما الصرف وعدمه فقد تقدم توجيههما في "هُودٍ". وأما الرفع فعلى الابتداء والجملة بعده الخبر، وهو متعيّن عند الجمهور لأن "أَمَّا" لا يليها إلا المبتدأ، فلا يجوز فيما بعدها الاشتغال إلا في قليل كهذه القراءة، وإذا قدرت الفعل الناصب فقدِّره بعد الاسم المنصوب أي وأما هديناهم فهديناهم. قالو: لأنها لا يليها الأفعال. فصل قال الزمخشري: وقرىء: بضم الثَّاء. قال مجاهد: هديناهم: دعوناهم. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بيَّنَّا لهم سبيل الهدى، وقيل: دللناهم على طريق الخير والشر، كقوله {أية : هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ}تفسير : [الإنسان:3] {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي فاختاروا الكفر على الإيمان. وذكر الزمخشري في تفسير الهدى قوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2]: أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وهذه الآية تبطل قوله لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل. (انتهى). فصل قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن الله تعالى ينصب الدلائل ويزيح الأعذار إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد، لأن قوله تعالى: "فَهَديْنَاهُمْ" يدل على أنه تعالى نصب لهم الدلائل، وقوله {فاستحبوا العمى على الهدى} يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى، وهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد. والجواب من وجهين: الأول: أنه إنما صدر عنهم ذلك العمى لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في قلوبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فِإن حصل هذا الترجيح لا لمرجِّح فهو باطل وإن كان لمرجِّح فإن كان المرجِّح هو العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب. الثاني: أنه تعالى قال: {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمًى وجهلاً بل ما يظنُّ في ذلك العمى والجهل بكونه تبصرةً وعلماً مما يرغب فيه فإقدامه على اختياره على ذلك الجهل الثاني إن كان باختياره لزم التسلسل وهو محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب. قوله: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} وصاعقة العذاب أي المهلكة والعذاب الهون أي ذي الهون، أي الهوان وهو الذي يهينهم {بما كانوا يكسبون} من شركهم وتكذيبهم صالحاً. ثم قال: {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ} يعني يتقون الأعمال التي كانوا يأتون بها عادٌ وثمودٌ. فإن قيل: كيف يجوز للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينذر قومه مثل صاعقة عادٍ وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33] وجاء في الحديث الصحيح أن الله رفع عن هذه الأمة أنواع العذاب؟!. فالجواب: أنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعادٍ وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة وأن السبب الموجب للعذاب واحد ربما يكون العذاب النازل بهم من جنس ذلك وإن كان أقل درجة، وهذا القدر يكفي في التخويف. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} الآية لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير، فقال: "ويوم يحشر". في العامل في هذا الظرف وجهان: أحدهما: محذوف دل عليه ما بعده من قوله "فَهُمْ يوزَعُونَ" تقديره: يساقُ الناسُ يَوْمَ يُحْشَر وقدره أبو البقاء يمنعون يوم يحشر. الثاني: أنه منصوب باذكر، أي اذكر يوم. وقرأ نافع "نَحْشُرُ" بنون العظمة وضم الشين "أَعْدَاءَ" نصباً أي نحشر نحن، والباقون بياء الغيبة مضمومة والشين مفتوحة على ما لم يسم فاعله و "أَعْدَاءُ" رفعاً لقيامه مقام الفاعل. ووجه الأول أنه معطوف على "وَنَجَّيْنَا" فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ (يقويه) وقوله {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [مريم:85]، {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ}تفسير : [الكهف:47]. وحجة الثانية: أن قصة ثمود قد تمت وقوله: "وَيَوْمَ يُحْشَر" ابتداء كلام آخر وأيضاً الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [الصافات:22] وهم الملائكة، وأيضاً موافقة لقوله: "فَهُمْ يُوزَعُونَ" وأيضاً فتقدير القراءة الأولى، أن الله تعالى قال: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ} فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: ويوم نَحْشُرُ أعداءنا إلى النار. وكسر الأعرج شين "يحشِر". ثم قال: "فهم يُوزَعون" أي يساقون، ويدفعون إلى النار. وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم.
القشيري
تفسير : فلم يغادر منهم أحداً.
اسماعيل حقي
تفسير : {فارسلنا عليهم ريحا صرصرا} لتقلعهم من اصولهم اى باردة تهلك وتحرق بشدة بردها كاحراق النار بحرها من الصر وهو البرد الذى يصر اى يجمع ويقبض اى ريحا عاصفة تصر صر أى تصوت فى هبوبها من الصرير وبالفارسية بادصرصربآ وازمهيب. قيل انها الدبور مقابل القبول اى الصبا التى تهب من مطلع الشمس فيكون الدبور ما تهب من مغربها والصرصر تكرير لبناء الصر قال الراغب الصر الشد والصرة ما يعقد فيه الدراهم والصرصر لفظه من الصر وذلك يرجع الى الشد لما فى البرودة من التعقيد اذ هى من الفعليات لأنها كشيفة من شأنها تفريق المتشاكلات وجمع المختلفات {فى ايام نحسات} جمع نحسة من نحس نحسا نقيص سعد سعدا كلاهما على وزن علم والنحسان زحل والمريخ وكذا آخر شباط وآخر شوال ايضا من الاربعاء الى الاربعاء وذلك سبع ليال وثمانية ايام يعنى كانت الريح من صبيحة الاربعاء لثمان بقين من شوال الى غروب الاربعاء الآخر وهو آخر الشهر ويقال لها ايام الحسوم وسيأتى تفصيلها فى سورة الحاقة وما عذب قوم الا فى يوم الاربعاء وقال الضحاك امسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من غير مطر وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه اذا اراد الله بقوم خيرا ارسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح واذا اراد بقوم شرا حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح والمعنى فى ايام منحوسات مشئومات ليس فيها شىء من الخير فنحوستها أن الله تعالى ادام تلك الرياح فيها على وتيرة وحالة واحدة بلا فتور واهلك القوم بها لا كما يزعم المنجمون من أن بعض الايام قد يكون فى حد ذاته نحسا وبعضها سعدا استدلالا بهذه الآية لأن اجزآء الزمان متساوية فى حد ذاتها ولا تمايز بينها الا بحسب تمايز ما وقع فيها من الطاعات والمعاصى فيوم الجمعة سعد بالنسبة الى المطيع نحس بالنسبة الى العاصى وان كان سعدا فى حد نفسه قال رجل عند الاصمعى فسد الزمان فقال الاصمعى شعر : ان الجديدين فى طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناس تفسير : وقيل شعر : نذم زماننا والعيب فينا ولو نطق الزمان اذا هجانا تفسير : وقال الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره الملابس اذا فصلت وخيطت فى وقت رديىء اتصل بها خواص رديئة انتهى. يقول الفقير لعله اراد عروض الردآءة لها بسبب من الاسباب كيوم الاربعاء بما وقع فيه من العذاب لا أن الله خلقه رديئا فلا تنافى بين كلامه وبين ما سبق والظاهر أن الله تعالى خلق اجزآء الزمان والمكان على تفاوت وكذا سائر الموجودات كما لا يخفى {لنذيقهم} بالريح العقيم {عذاب الخزى فى الحيوة الدنيا} اضافة العذاب الى الخزى من قبيل اضافة الموصوف الى الصفة على طريق التوصيف بالمصدر للمبالغة اى العذاب الخزى اى الذليل المهان على ان الذليل المهان فى الحقيقة اهل العذاب لا العذاب نفسه {ولعذاب الآخرة} وهر آينه عذاب آن سرىا {اخزى} اى اذل وازيد خزيا من عذاب الدنيا وبالفارسية سختراست ازروى رسوايى. وهو فى الحقيقة ايضا وصف للمعذب وقد وصف به العذاب على الاستاد المجازى لحصول الخزى بسببه {وهم لا ينصرون} بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه لا فى الدنيا ولا فى الآخرة لأنهم لم ينصروا الله ودينه واما المؤمنون فانهم وان كانوا ضعفاء فقد نصرهم الله لأنهم نصروا الله ودينه فعجبا من القوة فى جانب الضعف وعجبا من الضعف فى جانب القوة وفى الحديث "حديث : انكم تنصرون بضعفائكم" تفسير : اى الضعفاء الداعين لكم بالنصرة وقال خالد بن برمك اتقوا مجانيق الضعفاء اى دعواتهم. يقول الفقير انما عذبت عاد بريح صرصر لأنهم اغتروا بطول قاماتهم وعظم اجسادهم وزيادة قوتهم فظنوا أن الجسم اذا كان فى القوة والثقل بهذه المرتبة فهو يثبت فى مكانه ويستمسك ولا يزيله عن مقره شىء من البلاء فسلط الله عليهم الريح فكانت اجسامهم كريشة فى الهوآء وكان عليه السلام يجثو على ركبتيه عند هبوب الرياح ويقول "حديث : اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها لنا رياحا" تفسير : اى رحمة "حديث : ولا تجعلها ريحا" تفسير : اى عذابا واراد به أن اكثر ما ورد فى القرءآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب نحو فارسلنا عليهم ريحا صرصرا وارسلنا عليهم الريح العقيم وان جاء فى الرحمة ايضا نحو وجرين بهم بريح طيبة وكل ما جاء بلفظ الجمع على الرياح فهو رحمة لا غير ويقول عليه السلام اى عند هبوب الرياح وعند سماع الصوت والرعد والصواعق ايضا "حديث : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تسبوا الريح فاذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم انا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما امرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما امرت به" تفسير : (كما فى المصابيح) ريح صرصر باد نفس ازدهاست. قلب ازودر اضطراب ومكرهاست. هركه بابرجا شود درعهد دين. بايدارش ميكند حق جون زمين
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع {نحسات} ساكنة الحاء، الباقون بكسرها، لان {نحسات} صفة، تقول العرب، يوم نحس مثل رجل هرم. وقيل: هما لغتان، وقرأ نافع ويعقوب {ويوم نحشر} بالنون كقوله {أية : ونحشره يوم القيامة أعمى} تفسير : وقوله {ونجينا الذين آمنوا} بالنون. الباقون بضم الياء على ما لم يسم فاعله، لأنه عطف عليه. قوله {فهم يوزعون} فطابق بينهما. لما حكى الله عن عاد وثمود انه ارسل اليهم رسلا وأمرهم بعبادة الله وحده وأن لا يشركوا به شيئاً وانهم كفروا بذلك وجحدوه. واخبر انه أهلكهم بأن أرسل عليهم ريحاً صرصراً أي شديداً صوته واشتقاقه من الصرير ولذلك ضوعف اللفظ اشعاراً بمضاعفة المعنى، يقال صريصر صريراً، وصرصر يصرصر صرصرة وريح صرصر شديد هبوبها. وقال قتادة: يعني باردة وقال السدي: باردة ذات صوت. وقال مجاهد: شديدة السموم. وقيل: اصله صرر قلبت الراء صاداً، كما قيل: رده، وردّده، ونههه ونهنهه. وقال رؤبة: شعر : فاليوم قد نهنهني تنهنهي وأولى حلم ليس بالمتقه تفسير : وكما قيل: كففه وكفكفه، قال النابغة: شعر : اكفكف عبرة غلبت عبراتي إذا نهنتها عادت ذباحا تفسير : ومنه سمي نهر صرصر لصوت الماء الجاري فيه، وقوله {في أيام نحسات} قال مجاهد وقتادة والسدي: يعني مشومات، والنحس سبب الشر، والسعد سبب الخير، وبذلك سميت سعود الايام ونحوسها وسعود النجوم ونحوستها، ومن سكن الحاء خففه، ومن جرها فعلى الأصل. وقال ابو عبيدة: معناه ايام ذات نحوس أي مشائيم العذاب. وقوله {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} إخبار منه تعالى انه انما يفعل بهم ذلك ليذيقهم حال الهوان في الدنيا، والخزي الهوان الذي يستحيا منه خوفاً من الفضيحة، يقال: خزي يخزي خزياً واخزاه الله إخزاء فهو مخزي. ثم بين تعالى ان عذاب الآخرة اخزى وافضح من ذلك فقال {ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون} أي لا يدفع عنهم العذاب الذي ينزل بهم. ثم قال تعالى {وأما ثمود فهديناهم} فالذي عليه القراء رفع الدال، وقرأ الحسن بالنصب على تقدير هدينا ثمود هديناهم، والرفع اجود، لأن (اما) لا يقع بعدها إلا الاسماء، فالنصب ضعيف. والمعنى واما ثمود دللناهم على طريق الرشاد فعدلوا عنها إلى طريق الغي والفساد، والهدي يتصرف على وجوه بيناها في ما مضى. وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: معناه بينا لهم، وإنما لم يصرف ثمود لأنه اسم القبيلة او الأمة، وهو معرفة. وإنما رفع لأن (أما) رفع الاسم بعدها اولى. وقوله {فاستحبوا العمى على الهدى} معناه اختاروا العمى على طريق الحق والاهتداء اليها وبئس الاختيار ذلك - وهو قول الحسن. وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة فى ان الله يضل الكفار عن الدين ولا يهديهم اليه لانه صرح بأنه هدى ثمود إلى الدين وانهم اختاروا العمى على الهدى، وذلك واضح لا اشكال فيه. وقوله {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون} أي ارسل عليهم الصاعقة التي بعثها للعذاب دون غيره، والهون والهوان واحد - في قول ابي عبيدة - وقال السدي: معناه الهوان {بما كانوا يكسبون} أي جزاء على ما كسبوه من الشرك والكفر. وقوله {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} اخبار من الله تعالى انه خلص من جملتهم من آمن بالله واتقى معاصيه خوفاً من عقابه نجاهم الله من ذلك العذاب. ثم قال تعالى {ويوم يحشر أعداء الله} يبعثون وهو يوم القيامة. فمن قرأ بالنون فعلى الاخبار من الله عن نفسه بذلك. ومن قرأ بالياء المضمومة فعلى انهم يبعثون ويجمعون إلى النار {فهم يوزعون} أي يمنعون من التفرق ويحبسون ويكفون، يقال: وزعت الرجل إذا منعته، ومنه قول الحسن لا بد للناس من وزعة وقوله {أوزعني} أي الهمني. وقول الشاعر: شعر : وإني بها باذا المعارج موزع تفسير : ويروى موَّزع {حتى إذا ما جاؤها} معناه حتى إذا أتي هؤلاء الكفار النار، واراد الله إلقاءهم فيها {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} وقيل: في شهادة هذه الجوارح قولان: احدهما - انها تبنى بنية حي وتلجأ إلى الشهادة والاعتراف بما فعله اصحابها. والآخر - ان يفعل فيها الشهادة ويضاف اليها مجازاً. ووجه ثالث - قال قوم: إنه يظهر فيها امارات تدل على كون اصحابها مستحقين للنار، فسمى ذلك شهادة مجازاً. كما يقال: عيناك تشهد بسهرك أي فيها ما يدل على سهرك. وقيل: المراد بالجلود الفروج، على طريق الكناية. وقيل: لا: بل الجلود المعروفة وهو الظاهر.
الجنابذي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} بارداً {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} ميشوماتٍ {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} حين ابتلائهم بالعذاب وخروج ارواحهم بتلك الرّيح {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ} لانّ عذاب الدّنيا وان كان اشدّ ما يكون لا يكون الا عشراً من اعشار عذاب الآخرة {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} اى أريناهم طريق النّجاة والهلاك بارسال الرّسل وانزال الكتب وخلقهم على فطرة الاهتداء وصورة الانسان الّتى هى طريق الى الرّحمن {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} بان تنزّلوا عن مقام الانسانيّة وتركوا الفطرة واخذوا البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة وتركوا ما فى الكتب ونبذوها وراء ظهورهم واستهزؤا بالرّسل واخذوهم اعداء {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ} عطف على صاعقة فى انذرتكم صاعقة او على اذ جاءتهم الرّسل على ان يكون اذ بدلاً من صاعقة عاد او عطف على قل انذرتكم بتقدير اذكر، او عطف على محذوف والتّقدير نجّينا الّذين آمنوا فى الدّنيا ويوم يحشر اعداء الله {إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} وزعه كفّه والمعنى يحبسون ليتلاحقوا.
اطفيش
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} بسبب قولهم {مَنْ أَشَدُّ} وجحودهم كما تدل عليه الفاء {صَرْصَراً} من الصر أو الصرير وكرر فاء الكلمة وهي (الصاد) للمبالغة والصر البرد الذي يصر أي يجمع بمعنى انه لا ينصرف مع وجوده والريح تجمع وتطوى بشدتها أو تحرق بشدة بردها والصرير الصوت ريح شديدة الصوت في هبوبها بلا مطر أرسل عليهم منها قدر خرق الخاتم وقيل خرق الابرة وهي ريح عذاب ومثلها الريح العاصف والقاصف والعقيم وارياح الرحمة الذاريات والمرسلات والمثيرات والناشرات* {فِي أَيَّامٍ} آخر شوال من الأربعاء الى الأربعاء وما عذب قوم الا في يوم الاربعاء* {نَّحِسَاتٍ} بسكون الحاء عند كثير وأبي عمر ونافع وقال بعض وابن عامر وبكسرها عند الباقين وهو الرواية عن ابن عامر والمسكن وصف كسهل أو أصله الكسر كالفرح بالكسر سكن تخفيفاً أو مصدر نعت به مبالغة أو مقدر بالوصف أو بالاضافة والنحس الشؤم والشقاء نقيض السعد قاله مجاهد وغيره وقال ابن عباس (متتابعات) وقيل (شديدة) أي شديدة البرد وقيل ذات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر منها ويتصرف فيه قيل أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ودامت عليهم الريح من غير مطر والنحس في تلك الايام لهم للناس مطلقاً وروي عن أبي الحارث امالة فتح السين وليست رواية صحيحة* {لِّنُذِيقَهُمْ} بالنون وقرئ بالتاء الفوقية اسناداً للاذاقة الى الريح لانها السبب أو الى الأيام لانها المحل* {عَذَابَ الْخِزْيِ} الذل واضافة اليه اضافة فاعل لفعله على قصد الوصف به أي العذاب الخزى بدليل. {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى} واللام للابتداء كما تقول فعل سوء وأنت تريد فعلاً شيئاً والخزي الذل حقيقة للمعذب واسناده للعذاب مجاز في الاسناد للمبالغة كقولك (انه شعر شاعر) ينعت (شعر) بأنه في نفسه (شاعر) (وليل لايل) أي شديد الظلمة مثلاً (وليلة ليلاء) ومعنى (أخزى) أشد خزياً أي ان عذاب الآخرة المعد لهم أشد من الذي أصابهم في الدنيا. {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} بمنعهم من عذاب الآخرة كما لم يمنعوا عن عذاب الدنيا
اطفيش
تفسير : {فأرسَلنا عليْهم ريحا صَرصراً} باردة بردا شديدا تهلكهم ببردها، أو شديدة الصوت لقوتها، وهو المشهور، والشدة معلومة من تكرير الحرف، تكسرهم، تحمل الرجل أو المرأة فى الهواء وتدقه فى الأرض، وتحمله وتضربه للصخرة، وتضرب الانسان على الحائط، وتدخل عليه فى بيته وستره وتقتله فيه، أو تخرجه وتقتله وهى مأمورة. ويقال: الريح ثمانية: أربعة عذاب: الصرصر، والعاصف والقاصف، والعقيم، وأربعة رحمة: الناشرة، والمبشرة، والمرسلة، والدراية، وفى معنى شدة الصوت الصيحة، قال الله عز وجل: " أية : فأقبلت امرأته في صرَّةٍ" تفسير : [الذاريات: 29] وفى الحديث: " حديث : إن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا قدر حلقة الخاتم ولو فتح قدر منخر الثور لهلكت الدنيا" تفسير : قيل وكانت تحمل العير بأوقارها فتلقيها فى البحر. {فى أيَّامٍ نَحِساتٍ} مصدر مجموع بمعنى الوصف أو يقدر مضاف أى مصاحبات نحس، أو مبالغة أو صفة مشبهة أصله نحس بكسر الحاء، وسكن تخفيفا، ويدل أنه قد قرىء فى السبع بالكسر، وجمع الألف، والتاء على أيه مذكر لأنه غير عاقل، والنحس الشؤم، وقيل النحس البرد، والصرصر الصوت قال: شعر : كأن سلافه مزجت بنحس تفسير : وقيل: ذوات غبار وتراب، لا يكاد الانسان يبصر فيها، قال الراجز: شعر : قد أغتدى قبل طلوع الشمس للصيد فى يوم قليل النحس تفسير : أى الغبار، ويحتمل البرد وهو أولى، والصحيح أن النحس الشؤم، يقال يوم نحس، ويوم سعيد، وهذا اليوم سعيد لنا، نحس على الكافرين، وإنما النحس بالنسبة الى من يصيبه السوء لا الى الزمان لا من خصوصيات الأوقات إلا أن أخبارا كثيرة بنحس أيام: كأربعاء آخر الشهر، وكالثلاثاء يجاب فيه دعاء الداعى فتصببه الآفات، قال ابن عباس: الأيام كلها الله تعالى لكنه سبحانه وتعالى خلق بعضها سعودا وبعضها نحوسا،وكانت أيام النحوس المذكورة أواخر فبراير، وأوائل مارس من شهور الشمس، وآخر شوال من شهور القمر، وروى ما عذب قوم إلا فى يوم الأربعاء، وقال السدى: أولها غداة يوم الأحد، وقال الربيع بن أنس أولها يوم الجمعة. {لنُذيقهُم عَذاب الخِزي في الحياة الدُّنْيا} أى الذل، وكأنه قيل: العذاب الخازى بالتعريف لعذاب، ونعته بالخازى بلا تفضيل بدليل اسم التفضيل فى قوله: {ولَعَذابُ الآخِرة أخْرى} وإسناد الخزى الى العذاب مجاز عقلى، بأنه اشتد عذابهم لاشتداد تكبرهم {وهُمْ لا يُنْصرون} بدفع العذاب عنهم فى الآخرة قبل وقوعه، ولا باخراجهم بعده.
الالوسي
تفسير : {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } قال مجاهد: شديدة السموم فهو من الصر بفتح الصاد بمعنى الحر، وقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: باردة تهلك بشدة بردها من الصر بكسر الصاد وهو البرد الذي يصر أي يجمع ظاهر جلد الإنسان ويقبضه؛ والأول أنسب لديار العرب، وقال السدي أيضاً وأبو عبيدة وابن قتيبة والطبري وجماعة: مصوتة من صر يصر إذا صوت، وقال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصرة وهي الصيحة ومنه {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ }تفسير : [الذاريات: 29] وفي الحديث أنه تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا عليهم قدر حلقة الخاتم ولو فتحوا قدر منخر الثور لهلكت الدنيا، وروي أنها كانت تحمل العير بأوقارها فترميهم في البحر. {فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } جمع نحسة بكسر الحاء صفة مشبهة من نحس نحساً كعلم علماً نقيض سعد سعداً. وقرأ الحرميان وأبو عمرو والنخعي وعيسى والأعرج {نحسات} بسكون الحاء فاحتمل أن يكون مصدراً وصف به مبالغة، واحتمل أن يكون صفة مخففاً من فعل كصعب. وفي «البحر» ((تتبعت ما ذكره التصريفيون مما جاء صفة من فعل اللازم فلم يذكروا فيه فعلاً بسكون العين وإنما ذكروا فعلاً بالكسر كفرح وأفعل كأحور وفعلان كشبعان وفاعلاً كسالم، وهو صفة {أَيَّامٍ } وجمع بالألف والتاء لأنه صفة لما لا يعقل))، والمراد بها مشائيم عليهم لما أنهم عذبوا فيها، فاليوم الواحد يوصف بالنحس والسعد بالنسبة إلى شخصين فيقال له سعد بالنسبة إلى من ينعم فيه، ويقال له نحس بالنسبة إلى من يعذب، وليس هذا مما يزعمه الناس من خصوصيات الأوقات، لكن ذكر الكرماني في «مناسكه» عن ابن عباس أنه قال: الأيام كلها لله تعالى لكنه سبحانه خلق بعضها نحوساً وبعضها سعوداً. وتفسير {نَّحِسَاتٍ } بمشائيم مروي عن مجاهد وقتادة والسدي وقال الضحاك: أي شديدة البرد حتى كأن البرد عذاب لهم، وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد: شعر : / كأن سلافه مزجت بنحس تفسير : وقيل: نحسات ذوات غبار، وإليه ذهب الجبائي ومنه قول الراجز: شعر : قد اغتدى قبل طلوع الشمس للصيد في يوم قليل النحس تفسير : يريد قليل الغبار. وكانت هذه الأيام من آخر شباط وتسمى أيام العجوز، وكانت فيما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، وروي ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء، وقال السدي: أولها غداة يوم الأحد، وقال الربيع بن أنس: يوم الجمعة. {لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } أضيف العذاب إلى الخزي وهو الذل على قصد وصفه به لقوله تعالى: {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَخْزَىٰ } وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة، فإنه يدل على أن ذل الكافر زاد حتى اتصف به عذابه كما قرر في قولهم: شعر شاعر، وهذا في مقابلة استكبارهم وتعظمهم. وقرىء {لتذيقهم} بالتاء على أن الفاعل ضمير الريح أو الأيام النحسات {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}. الصرصر: وزنه بالميزان الصرفي فعفل، وفي معنى الصرصر لعلماء التفسير وجهان معروفان. أحدهما: أن الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب، التي يسمع لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا فالصرصر من الصرة، التي هي الصيحة المزعجة. ومنه قوله تعالى {أية : فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} تفسير : [الذاريات: 29] أي في صيحة، ومن هذا المعنى صرير الباب والقلم، أي صوتهما. الوجه الثاني: أن الصرصر من الصر الذي هو البرد الشديد المحرق، ومنه على أصح التفسيرين قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} تفسير : [آل عمران: 117] الآية. أي فيها برد شديد محرق، ومنه قول حاتم الطائي: شعر : أوقد فإن الليل ليل قر والريح يا واقد ريح صرُّ علَّ يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حرُّ تفسير : فقوله: ريح صر، أي باردة شديدة البرد. والأظهر أن كلا القولين صحيح، وأن الريح المذكورة. جامعة بين الأمرين، فهي عاصفة شديدة الهبوب، باردة شديدة البرد. وما ذكره جل وعلا من إهلاكه عاداً بهذه الريح الصرصر، في تلك الأيام النحسات، أي المشؤومات النكدات، لأن النحس ضد السعد، وهو الشؤم جاء موضحاً في آيات من كتاب الله. وقد بين تعالى في بعضها عدد الأيام والليالي التي أرسل عليهم الريح فيها، كقوله تعالى: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6ـ8] وقوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 41ـ42]: وقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} تفسير : [القمر: 19ـ20] وقوله تعالى: {أية : هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} تفسير : [الأحقاف: 24ـ25] الآية. وهذه الريح الصرصر هي المراد بصاعقة عاد في قوله تعالى: {أية : فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ} تفسير : [فصلت: 13] الآية. وقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمر، نَحْسات، بسكون الحاء، وعليه فالنحس، وصف أو مصدر، نزل منزلة الوصف. وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، نَحِسات بكسر الحاء ووجهه ظاهر. قد قدمنا أن معنى النحسات: المشؤومات النكدات. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل: {أية : فِي يَوْمِ نَحْسٍ} تفسير : [القمر: 19]. قال: النحس، البلاء، والشدة، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: شعر : سواء عليه أي يوم أتيته أساعة نحس تتقي أم بأسعد تفسير : وتفسير النحس بالبلاء والشدة تفسير بالمعنى، لأن الشؤم بلاء وشدة. ومقابلة زهير النحس بالأسعد في بيته يوضح ذلك، وهو معلوم. ويزعم بعض أهل العلم، أنها من آخر شوال، وأن أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء، ولا دليل على شيء من ذلك. وما يذكره بعض أهل العلم من أن يوم النحس المستمر، هو يوم الأربعاء الأخير من الشهر، أو يوم الأربعاء مطلقاً، حتى إن بعض المنتسبين لطلب العلم وكثيراً من العوام صاروا يتشاءمون بيوم الأربعاء الأخير من كل شهر، حتى إنهم لا يقدمون على السفر، والتزوج ونحو ذلك فيه، ظانين أنه يوم نحس وشؤم، وأن نحسه مستمر على جميع الخلق في جميع الزمن، لا أصل له ولا معول عليه، ولا يلتفت إليه، من عنده علم، لأن نحس ذلك اليوم مستمر على عاد فقط الذين أهلكهم الله فيه، فاتصل لهم عذاب البرزخ والآخرة، بعذاب الدنيا، فصار ذلك الشؤم مستمراً عليهم استمراراً لا انقطاع له. أما غير عاد فليس مؤاخذاً بذنب عاد، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وقد أردنا هنا أن نذكر بعض الروايات التي اغتر بها، من ظن استمرار نحس ذلك اليوم، لنبين أنها لا معول عليها. قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش {أية : فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُستمرٍ} تفسير : [القمر: 19] "قال: يوم الأربعاء". وأخرج ابن مردويه عن علي قال: "نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر". وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال لي جبريل أقض باليمين مع الشاهد. وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يوم نحس يوم الأربعاء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام، وسئل عن يوم الأربعاء قال: حديث : يوم نحستفسير : ، قالوا كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: حديث : أغرق فيه الله فرعون وقومه، وأهلك عاداً وثمود ". تفسير : وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ". تفسير : فهذه الرويات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه لأن أغلبها ضعيف وما صح معناه منها، فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم. فالحاصل أن النحس والشؤم إنما منشأه وسببه الكفر والمعاصي. أما من كان متقياً لله مطيعاً له، في يوم الأربعاء المذكور فلا نحس، ولا شؤم فيه عليه. فمن أراد أن يعرف النحس والشؤم والنكد، والبلاء والشقاء على الحقيقة، فليتحقق أن ذلك كله في معصية الله وعدم امتثال أمره، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} (16) - فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رَيحاً شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، أَوْ شَدِيدَةَ البُرُودَةِ (صَرْصَراً) تُهْلِكُ بِشِدَّتِهَا أَوْ بِشِدَّةِ بُرُودَتَهَا، وَإِذَا هَبَّتْ سُمِعَ لَهَا صَوْتٌ قَوِيٌّ لِتَكُونَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى اغْتِرَارِهِمْ بِقُوَّتِهِمْ، وَقَدْ أَرْسَلَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ شُؤْمٍ مُتَتَابِعَةٍ (نَحِسَاتٍ)، لِيُذِيقَهُمْ عَذَابَ الذُّلِّ وَالهَوَانِ فِي الحِيَاةِ الدُّنْيَا بِسَبَبِ ذَلِكَ الاسْتِكْبَارِ. وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ خِزْياً وَإِهَانَةً مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَلاَ يَجِدُونَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ نَصِيراً وَلاَ مُعِيناً. الصَّرْصَرُ - الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ البُرُودَةِ أوِ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ. أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ - أَيَّامٍ شُؤْمٍ مُتَتَابِعَاتٍ. أَخْزَى - أَكْثَرُ إِذْلاَلاً وَإِهَانَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وُصِفَت ريح العذاب هنا بأنها (صرصر) هكذا من مقطعين صرصر، وهناك صِرّ مقطع واحد. وهي الريح الشديد المزعج الذي يهدد ويكون فيه برودة شديدة، والبرودة من شأنها شدة الرطوبة التي تُجفف إلى درجة الإحراق. وهذه الظاهرة يعرفها الفلاحون في فصل الشتاء عندما يشتد البرد لدرجة أنه يحرق الزرع. وهكذا يجمع اللهُ فعلَ النار في الماء لأن الحق سبحانه لم يخلق الكون بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما خلقه بصفة القيومية التي تجمع بين الأضداد، أرأيتم لموسى عليه السلام حينما ضرب بعصاه الماء، فصار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم، وجمع الله بين الشيء ونقيضه في وقت واحد، كذلك ضرب الجبل فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ألقاه القوم في النار، فجعلها عليه برداً وسلاماً، وعطَّل فيها قانون الإحراق. فالصّر هي الريح الشديد المزعج، لكن يهبُّ لمرة واحدة، فإنْ تكرر فهو صرصر {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ..} [فصلت: 16] النحس: هو الشؤم، وحينما يأتي اليوم بشيء من الشر يتشاءمون منه، وكما قال في موضع آخر: {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ..} تفسير : [الحاقة: 7] يعني: حاسمة تستأصلهم، وتنتهي منهم. أي: سبع ليالٍ وثمانية أيام حاسمة، حسمتْ الجدل بين الرسل وبين المكابرين المعاندين. وفي الشعر العربي قال الشاعر: شعر : أَوْقِدْ فَإنَّ الليلَ ليْلُ قَرّ والريح يا غُلامُ رِيحٌ صرُّ عَلَّ يَرَى نَارَكَ مَنْ يمُرُّ إنْ جَلَبْتَ ضَيْفاً فَأنتَ حُرّ تفسير : {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [فصلت: 16] هناك عذاب يؤلم، وعذاب يخزي ويهين المتكبر، ليس الغرض منه الإيلام، إنما الإهانة والخزي والذلة، لأنه تكبَّر بلا رصيد ذاتي عنده، ولو عذَّبناه عذاباً يؤلم ربما تحمّل الألم، لذلك نعذبه عذاباً يخزيه ويُرغم أنفه ويهدم كبرياءه، فالخزي في تأديب النفس أقوى من الإيلام في الحسِّ. ومعلوم أن من الناس مَنْ يؤذيه الاستهزاء به والسخرية منه أكثر مما يؤلمه الضرب الحسي. وهذا الخزي وهذه الإهانة {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [فصلت: 16] أمَّا الآخرة فلها شأنٌ آخر في الآخرة أخزى، لأن الخزي في الدنيا له وقت ينتهي فيه. أمَّا في الآخرة فخزيٌ دائمٌ باقٍ فهو مُعذَّب وخزيان {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ ..} [فصلت: 16] لأنه دائم مستمرٌّ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} [فصلت: 16] يعني: لن يأخذ أحد بأيديهم، ولن ينجيهم من العذاب شيء، فلا أملَ لهم في النصرة، فهم لا ينصرون ولا يردُّون. لذلك قلنا في الحشر: إن الحق سبحانه يحشر الناسَ جميعاً مرة واحدة، لا يكونون على هيئة طابور مثلاً، كلٌّ ينتظر دوره، إنما يُحشرون جميعاً بعضهم مع بعض، الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع، وهو يقطع أملَ الكافرين في النجاة، فربما انتظروا قادتهم لينقذوهم؛ لذلك قال تعالى في شأن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ ..} تفسير : [هود: 98] أي: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} معناه شديدٌ. قال الإِمام زيد بن علي عليهما السلام: إن كانت لَتمرَ على الراعي وهو في غنمهِ فتحملُهُ وإن كانت لَتمرَ على العَروسِ وهي في خِدرِهَا فتحملُهَا. وقوله تعالى: {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} معناه مشائيمُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2967- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {رِيحاً صَرْصَراً}: [الآية: 16]، قال: باردة، وقال: والـ {نَّحِسَاتٍ}: المشئومات النكدات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):