٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير، وقرأ نافع {نَحْشُرُ } بالنون {أَعْدَاء } بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه، والتقدير يحشر الله عزّ وجلّ أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله { أية : وَنَجَّيْنَا } تفسير : [فصلت: 18] فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ، ويقويه قوله {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [مريم: 85] { أية : وَحَشَرْنَـٰهُمْ } تفسير : [الكهف: 47] وأما الباقون فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله {وَيَوْمَ يُحْشَرُ } ابتداء كلام آخر، وأيضاً الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله { أية : ٱحْشُرُواْ } تفسير : [الصافات: 22] وهم الملائكة، وأيضاً أن هذه القراءة موافقة لقوله { أية : فَهُمْ يُوزَعُونَ } تفسير : [فصلت: 19] وأيضاً فتقدير القراءة الأولى أن الله تعالى قال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار. واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أولهم على آخرهم، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم. ثم قال: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم } وفيه مسائل: المسألة الأولى: التقدير حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، وعلى هذا التقدير فكلمة {مَا } صلة، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله { أية : أثم إذا ما وقع آمنتم به } تفسير : [يونس: 51] أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. المسألة الثانية: روي أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب العزة ألست قد وعدتني أن لا تظلمني، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهداً إلا من نفسي، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التي صدرت منه، فذلك قوله {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم } واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث: أن يظهر تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان، وتلك الأمارات تسمى شهادات، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول: فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لساناً يمتنع أن يكون محلاً للعلم والعقل، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لساناً وجلداً، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود، فإن قلنا إن الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة، وأما القول الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف في هذه الأعضاء، وهذا أيضاً باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذي فعل الكلام، لا ما كان موصوفاً بالكلام، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا الشجرة، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لا تلك الأعضاء، وظاهر القرآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم } وأيضاً أنهم قالوا لتلك الأعضاء {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } فقالت الأعضاء {أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء } وكل هذه الآيات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى، فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين، وأما القول الثالث: وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال منهم، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه، فهذا منتهى الكلام في هذا البحث، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم، لأن عندنا البنية ليست شرطاً للحياة ولا للعلم ولا للقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ليست شرطاً للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة، والله أعلم. المسألة الثالثة: ما رأيت للمفسرين في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر سبباً وفائدة، وأقول لا شك أن الحواس خمسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ولا شك أن آلة اللمس هي الجلد، فالله تعالى ذكر ههنا من الحواس وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم، لأن الذوق دالخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام، فكان هذا داخلاً فيه فبقي حس الشم وهو حس ضعيف في الإنسان، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي، إذا عرفت هذا فنقول نقل عن ابن عباس أنه قال المراد من شهادة الجلود شهادة االفروج قال وهذا من باب الكنايات كما قال: { أية : وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } تفسير : [البقرة: 235] وأراد النكاح وقال: { أية : أَوْ جَاء مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } تفسير : [النساء: 43] والمراد قضاء الحاجة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه » تفسير : وعلى هذا التقدير فتكون هذه الآية وعيداً شديداً في الإتيان بالزنا، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف، ونهاية الأمر فيها إنما تحصل بالفخذ. ثم حكى الله تعالى أنهم يقولون لتلك الأعضاء {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَىْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حالما كنتم في الدنيا ثم على خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟ ثم قال تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ } والمعنى إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة، إلا أن استتارهم ما كان لأجل خوفهم من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة، ولكن ذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التي يقدمون عليها على سبيل الخفية والاستتار. عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر على ثقفيان وقرشي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما تقولون؟ فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ }. ثم قال تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ } وهذا نص صريح في أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شيء من المعلومات عن علمه فإنه يكون من الهالكين الخاسرين، قال أهل التحقيق الظن قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد، أما الظن الحسن فهو أن يظن به الرحمة والفضل، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عزّ وجلّ: « حديث : أنا عند ظن عبدي بي » تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله »، تفسير : والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال، وقال قتادة: الظن نوعان ظن منج وظن مرد، فالمنج قوله { أية : إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 20] وقوله { أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46]، وأما الظن المردي فهو قوله {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ } قال صاحب «الكشاف» {وَذَٰلِكُمْ } رفع بالابتداء {وظنكم} و{أَرْدَاكُمْ } خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلاً من ذلٰكم وأرداكم الخبر. ثم قال: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } يعني إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم أي مقاماً لهم {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ } أي لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها، ونظيره قوله تعالى: { أية : أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } تفسير : [إبراهيم: 21] وقرىء وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون أي لا سبيل لهم إلى ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } قرأ نافع «نَحْشُرُ» بالنون «أَعْدَاءَ» بالنصب. الباقون «يُحْشَرُ» بياء مضمومة «أَعْدَاءُ» بالرفع ومعناهما بيّن. وأعداء الله: الذين كذّبوا رسله وخالفوا أمره. «فَهُمْ يُوزَعُونَ» يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا؛ قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدىء بالأكابر فالأكابر جرماً. وقد مضى في «النمل» الكلام في «يُوزَعُونَ» مستوفى. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا} «مَا» زائدة {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الجلود يعني بها الجلود بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج؛ وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جُوَيّة:شعر : المرءُ يسعى لِلسلا مةِ والسلامةُ حسبه أو سالم من قد تثـ ـنَّى جلدُه وابيضَّ رأسه تفسير : وقال: جلده كناية عن فرجه. {وَقَالُواْ} يعني الكفار {لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} وإنما كنا نجادل عنكم {قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} لما خاطبتْ وخوطِبَتْ أُجريتْ مُجرى من يعقل. {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفاً، فمن قدر عليه قدر على أن يُنطق الجلود وغيرها من الأعضاء. وقيل: «وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ابتداء كلام من الله. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: حديث : «هل تدرون مِمَّ أضحك» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تُجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني قال يقول كفى بِنفسِك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكتابيين شهوداً قال فيُخْتَم على فيه فيقال لأركانه انطقي فتَنْطِق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بُعْداً لكنّ وسُحْقاً فعنكنّ كنت أناضِل»تفسير : وفي حديث أبي هريرة ثم قال: «حديث : الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ فيُختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليُعْذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سَخِط الله عليه»تفسير : خرجه أيضاً مسلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يوزعون، أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86] أي: عطاشاً. وقوله عز وجل: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا} أي: وقفوا عليها، {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: بأعمالهم؛ مما قدموه وأخروه، لا يكتم منه حرف، {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: {قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: فهو لا يخالف ولا يمانع، وإليه ترجعون. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك عن عبيد المكتب عن الشعبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وابتسم، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟» تفسير : قالوا: يا رسول الله عن أي شيء ضحكت؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ ــــ قال ــــ فيردد هذا الكلام مراراً ــــ قال ــــ فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، عنكن كنت أجادل» تفسير : ثم رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي عن الثوري عن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو عن الشعبي، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنس رضي الله عنه غير الشعبي. وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعاً عن أبي بكر بن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي عن الثوري به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً رواه عن الثوري غير الأشجعي. وليس كما قال؛ كما رأيت، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عز وجل عمله، فيجحد، ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته، قال: فإذا فعل ذلك، ختم على فيه، قال الأشعري رضي الله عنه: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا زهير، حدثنا حسن عن ابن لهيعة، قال دراج: عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النار»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا علي بن زيد عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم، فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم: جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه، فتخاصم الجوارح، فتقول: {أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فتقر الألسنة بعد الجحود. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن قال: وصف رجلاً جحد، قال: فيشير الله تعالى إلى لسانه، فيربو في فمه حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه، فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا، عملنا، فعلنا. وقد تقدم أحاديث كثيرة وآثار عند قوله تعالى في سورة يس {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [يس: 65] بما أغنى عن إعادته ههنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر، قال: «حديث : ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟» تفسير : فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس، إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً؟ قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : صدقت، صدقت، كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سليم به. وقوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال تعالى: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي: هذا الظن الفاسد، وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون، هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم، {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ} أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشي، وختناه ثقفيان ــــ أو: ثقفي، وختناه قرشيان ــــ كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا، سمعه، وإذا لم نرفعها لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً، سمعه كله ــــ قال ــــ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} إلى قوله {مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} وهكذا رواه الترمذي عن هناد عن أبي معاوية بإسناده نحوه، وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضاً من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود بنحوه، ورواه البخاري ومسلم أيضاً من حديث السفيانين، كلاهما عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود رضي الله عنه به. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} قال: «حديث : إنكم تدعون يوم القيامة مفدماً على أفواهكم بالفدام، فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه» تفسير : قال معمر: وتلا الحسن {وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله تعالى:أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني» تفسير : ثم افترّ الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن، فأحسن الظن بربه، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن بالله، فأساءا العمل، ثم قال: قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَـٰرُكُمْ} ــــ إلى قوله ــــ {وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل القاص، وهو أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن؛ فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى: { وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ}» تفسير : وقوله تعالى: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا، هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارهم، فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات. قال ابن جرير: ومعنى قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم، قال: وهذا كقوله تعالى إخباراً عنهم: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 106 ــــ 108].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ يُحْشَرُ } بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح همزة {أَعْدَاءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } يساقون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فهم يوزعُون} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يدفعون، قاله ابن عباس. الثاني: يساقون، قاله ابن زيد. الثالث: يمنعون من التصرف، حكاه ابن عيسى. الرابع: يحبس أولهم على آخرهم، قاله مجاهد، وهو مأخوذ من وزعته أي كففته. قوله عز وجل: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لفروجهم، قاله ابن زيد. الثاني: لجلودهم أنفسها وهو الظاهر. الثالث: أنه يراد بالجلود الأيدي والأرجل، قاله ابن عباس وقيل إن أول ما يتكلم منه فخذه الأيسر وكفه الأيمن. قوله عز وجل: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني وما كنتم تتقون، قاله مجاهد. الثاني: وما كنتم تظنون، قاله قتادة. الثالث: وما كنتم تستخفون منها، قاله السدي. قال الكلبي: لأنه لا يقدر على الاستتار من نفسه. {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} حكى ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تسارّوا فقالوا أترى الله يسمع إسرارنا؟ قوله عز وجل: {وإن يستعتبوا فيما هم مِن المعتبين} فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه وإن يطلبوا الرضا فما هم بمرضى عنهم، والمعتب: الذي قُبل عتابه وأُجيب إلى سؤاله، قاله ابن عيسى. الثاني: إن يستغيثوا فما هم من المغاثين. الثالث: وإن يستقيلوا فما هم من المقالين. الرابع: وإن يعتذروا فما هم من المعذورين. الخامس: وإن يجزعوا فما هم من الآمنين. قال ثعلب: يقال عتب إذا غضب، وأعتب إذا رضي.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {ويوم} نصب بإضمار فعل تقديره: واذكر يوم. وقرأ نافع وحده والأعرج وأهل المدينة: "نحشر" بالنون "أعداءَ" بالنصب، إلا أن الأعرج كسر الشين. وقرأ الباقون: "يُحشر" بالياء المرفوعة، "أعداءُ" رفعاً، وهي قراءة الأعمش والحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وقتادة وعيسى وطلحة ونافع فيما روي عنه، وحجتها {يوزعون}، و: {أعداء الله} هم الكفار المخالفون لأمره. و: {يوزعون} قال قتادة والسدي وأهل اللغة، معناه: يكف أولهم حبساً على آخرتهم، وفي حديث أبي قحافة يوم الفتح: ذلك الوازع. وقال الحسن البصري: لا بد للقاضي من وزعة. وقال أبو بكر: إني لا أقيد من وزعة الله تعالى. و: {حتى} غاية لهذا الحشر المذكور، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جهنم فإن الله تعالى يستقرهم عند ذلك على أنفسهم ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم فينكرون ذلك ويحسبون أن لا شاهد عليهم، ويظنون السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله تعالى جوارحهم بالشهادة عليهم، فروي عن النبي عليه السلام حديث : أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه الأيسر ثم تنطق الجوارح، تفسير : فيقول الكافر: تباً لك أيها الأعضاء، فعنك كنت أدافع. وفي حديث آخر: حديث : يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف. تفسير : ثم ذكر الله تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم: {لم شهدتم علينا} أي وعذابنا عذاب لكم. واختلف الناس ما المراد بالجلود؟ فقال جمهور الناس: هي الجلود المعروفة. وقال عبد الله بن أبي جعفر: كنى بالجلود عن الفروج، وإياها أراد. وأخبر تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن الله الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم. وقوله: {أنطق كل شيء} يريد كل ناطق مما هي فيه عادة أو خرق عادة. قوله عز وجل: {وما كنتم تستترون} يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها، ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل لهم، أو من كلام ملك يأمره تعالى. وأما المعنى فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم فانهملتم وجاهرتم، وهذا هو منحى مجاهد. والستر قد يتصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر تفسير : والمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد، وهذا هو منحى السدي، كأن المعنى: وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن يشهد، لأن الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظن بأن الله تعالى لا يعلم، هو إلزامهم الكفر والجهل بالله، وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الإله، لا رب غيره. وفي مصحف ابن مسعود: "ولكن زعمتم أن الله". وحكى الطبري عن قتادة أنه عبر عن {تستترون} بـ "تبطنون"، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ارتباط فيه معه. وذكر الطبري وغيره حديثاً عن عبد الله بن مسعود قال: إني لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ قال الآخر إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع منه شيئاً فإنه يسمعه كله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فنزلت هذه الآية: {وما كنتم تستترون} الآية، فقرأ حتى بلغ: {أية : وإن تستعتبوا فما هم من المعتبين} تفسير : [فصلت: 28]. وذكر النقاش أن الثلاثة: صفوان بن أمية وفرقد بن ثمامة وأبو فاطمة. وذكر الثعلبي أن الثقفي: عبد ياليل، والقرشيان: ختناه ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف، ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد الله إياه، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُوزَعُونَ} يدفعون "ع"، أو يساقون، أو يمنعون من التفرق، أو يحبس أولهم على آخرهم وزعته كففته.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} قال: يحبس أولهم على آخرهم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وأبي رزين رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يوزعون} قال: يدفعون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} قال الوزعة الساقة من الملائكة عليهم السلام يسوقونهم إلى النار ويردون الآخر على الأول. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {فهم يوزعون} قال: يحبسون بعضاً على بعض قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهوداً من أنفسهم جلودهم، وأبصارهم، وأيديهم، وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم تفتح الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} فتقر الألسنة بعد. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر، قرشي، وثقفيان أو ثقفي، وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: انا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمع. فقال الآخران: سمع منه شيئاً سمعه كله قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} إلى قوله {من الخاسرين} . وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تحشرون ههنا - وأوما بيده إلى الشام - مشاة وركباناً على وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ما كنتم تظنون. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {وما كنتم تستترون} قال: تستخفون. وأخرج أحمد والطبراني وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله عز وجل {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} ".
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: من لم يصحبه من الله ما يردعه عن جميع خلقه فهو مصحوب نفسه وأن الله وصف حال الأعداء فى عرصة القيامة تحذيرًا لخلقه فقال: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}.
القشيري
تفسير : شهدت عليهم أجزاؤهم، ولم يكن في حسابهم أن الله سيُنْطِقها وهو الذي أنطق كلَّ شيء، ولم يَدُرْ بخَلدهم ما استقبهم من المصير الأليم. {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ}: وكذا مَنْ قعد في وصف الأقوال، ووَسَمَ موضِعَه، وحَكَمَ لنفسه انه مُقَدَّمُ بلده. فلا يُسْمَعُ منه إلا ببرهانٍ ودليلٍ من حاله، فإن خالف الحالُ قولَه فلا يُعتمد عليه بعد ذلك. والظنُّ بالله إذا كان جميلاً فلعمري يُقَابَلُ بالتحقيق، أمَّا إذا كان نتيجةَ الغرورِ وغيرَ مأذونِ به في الشرع فإنه يُرْدِي صاحبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يحشر اعدآء الله} الحشر اخراج الجماعة من مقرهم وازعاجهم عنه الى الحرب وغيرها ولا يقال الا فى الجماعة ويوم منصوب باذكر المقدر والمعنى واذكر يا محمد لقومك يوم يحشر اعدآء الله المذكورون من عاد وثمود لا الاعدآء من الاولين والآخرين بمعنى انهم يجمعون الى النار كقوله {أية : قل ان الاولين والآخرين لمجموعون الى ميقات يوم معلوم} تفسير : لما سياتى من قوله تعالى {أية : فى امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس} تفسير : والتعبير بالاعدآء للذم والايذان بعلة ما يحيق بهم من فنون العذاب {الى النار} الى موقف الحساب اذ هناك تتحقق الشهادة الآتية لا بعد تمام السؤال والجواب وسوقهم الى النار والتعبير عنه بالنار اما للايذان بانها عاقبة حشرهم وانهم على شرف دخولها واما لأن حسابهم يكون على شفيرها وفى الآية اشارة الى ان من لم يمتثل الى اوامر الله ولم يجتنب عن نواهيه ولم يتابع رسوله فهو عدو الله وان كان مؤمنا بالله مقرا بوحدانيته وان ولى الله من كان يؤمن بالله ورسله ويمتثل اوامر الله فى متابعة الرسول ويحشر الاولياء الى الله وجنته كما يحشر الاعدآء الى نار البعد وجحيمه {فهم يوزعون} يقال وزعته عن كذا كوضع كففته اى يحبس اولهم على آخرهم ليتلاحقوا وهو كناية عن كثرة اهل النار وفيه اشارة الى ان فى الوزع عقوبة لهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلَ جلاله: {و} اذكر {يوم نَحْشُرُ أعداء الله} من كفار المتقدمين والمتأخرين {إِلى النارِ فهم يُوزَعون}؛ يُضمون ويُساقون إلى النار، ويُحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارةٌ عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزَعته، أي: كففته. {حتى إِذا ما جاؤوها} أي: حضروها، و "حتى": غاية للحشر، أو: ليوزعون، و "ما": مزيدة؛ لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم {شَهِدَ عليهم سمعُهُم وأبصارُهم وجلودُهم} أي: بَشَراتهم {بما كانوا يعملون} في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهرعليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر: شعر : أوَ سالم مَنْ قد تثــ ــــنَّى جِلْدُه وابْيَضَّ رَأسُه تفسير : فكنَّى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب؛ لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لمَ شهدتم علينا} ، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقُبحاً، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى: فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل عليّ شاهداً إلا من نفسي، قال تعالى: أوَ ليس كفى بي شهيداً، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيُختم على فِيهِ، وتتكلم أركانُه بما كان يعمل، فيقول لهن: بُعْداً لكُنَّ وسُحْقاً، عنكُنَّ كنتُ أُجادل". {قالوا} في جوابهم: {وأنطقَنا اللهُ الذي أنطق كلَّ شيءٍ} من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. وقيل: سألوها سؤال تعجُّب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله تعالى الذي أنطق كل شيء، {وهو خلقكم أولَ مرةٍ وإليه تُرجعون}؛ فإنَّ مَن قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم. ولعل صيغة المضارع، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالعبث، بل ما يعمه، وما يترتب عليه من العذاب الخالد الترقب عند التخاطب، على تغليب المتوقع على الواقع، مع ما فيه من مراعاة الفواصل، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الحق ـ تعالى ـ لهم، فيُوقف على "شيء" وهو ضعيف. وكذا قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعُكم ولا أبصارُكم ولا جلودُكم}، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو: من كلام الله ـ عزّ وجل ـ وهو الظاهر، أي: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، {ولكن ظننتم أنَّ الله لا يعلمُ كثيراً مما تعملون} من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستتراً بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر؛ وثقفيان وقرشي، أو: قرشيان وثَقَفي، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وما كنتم تستترون...} الآية، فالحُكم المحكي حينئذ يكون خاصّاً بمَن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود. {وذلكم ظنُّكم الذي ظننتم بربكم أرداكم}؛ أهلككم، فـ "ذلك": مبتدأ، و "ظنكم": خبر، و"الذي ظننتم بربكم": صفة، و "أرداكم": خبر ثان، أو: ظنكم: بدل من "ذلك" و "أرداكم": خبر، {فأصبحتم} بسبب الظن السوء {من الخاسرين} إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سبباً لشقاء النشأتين. {فإِن يصبروا فالنارُ مثوىً}؛ مقام {لهم} أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثوى في النار، {وإِن يستعينوا} أي: يسألُوا العتبى؛ وهو الاسترضاء {فما هم من المُعتَبين}؛ المجابين إليها، أي: وإن يطلبوا الاسترضاء من الله تعالى ليرضى عنهم، فما هم من المرضين؛ لما تحتّم عليهم واستوجبوه من السخط، قال الجوهري: أعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي، راجعاً عن الإساءة، والاسم منه: العتبى، يقال؛ استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني. وقال الهروي: إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي: لم يردهم إلى الدنيا، أو: إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته، كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. الإشارة: أعداء الله هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم، وأما المؤمن فلا، نعم إن مات عاصياً شهدت عليه البقع أو الحفظة، فإن تاب أنسى الله حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه. قال في التذكرة: إن العبد إذا صدق في توبته أنسى اللهُ ذنوبه لحافظيه، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه: أن اكتموا مساوىء عبدي، ولا تظهروها، فإنه تاب إليَّ توبة صادقة، بنية مخلصة، فقبلته وتبتُ عليه، وأنا التوّاب الرحيم. وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث: "حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عزّ وجل" تفسير : وقال أيضاً: "حديث : يقول الله عزّ وجل: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي..." تفسير : الحديث فمَن ظنَّ خيراً لقي خيراً، ومَن ظنّ شرّاً لقي شرّاً. وبالله التوفيق. ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة، كما قال تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}. قال بعضهم: وزعه إياهم أن يرد أولهم على آخرهم. قال: {حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ} أي: جوارحهم {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كقوله: (أية : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) تفسير : [يس:65]. لمّا قالوا: (أية : وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)تفسير : [الأنعام:23] ختم الله على أفواههم وقال للجوارح: انطقن. فأوّل ما يتكلم من أحدهم فخذه. كقوله: (أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ)تفسير : [النساء:56]، تأكل النار منهم كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد، ثم يجدد خلقهم، فثمّ هكذا أبداً. قال: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [انقطع] ذكر كلامهم ها هنا في هذا الموضع. قال الله عز وجل: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يقوله للأحياء] {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. قال: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: لم تكونوا تستترون من الله {أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} أي: حتى لا يشهد عليكم سمعكم {وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ}. وقال مجاهد: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: تخفون. {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. ذكروا عن الأعمش عمن حدثه عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا عبد الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فدخلوا في أستار الكعبة. فتحدثوا حديثاً لم أفقهه؛ فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: لا يسمع شيئاً. فقال الآخر: أراكم إذا رفعتم أصواتكم يسمع، وإذا لم ترفعوا أصواتكم لم يسمع، وقال الثالث: لئن كان يسمع منه شيئاً إنه يسمعه كله. قال فأقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. وقوله: (ظَنَنْتُمْ) أي: حسبتم.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} مفعول لمحذوف أي وأذكر أو معطوف على مفعول {يَتَّقُون} {يُحْشَرُ} بفتح النون وضم الشين أي نجمع* {أَعْدَآءُ اللهِ} بنصب أعداء وهم المخالفون لأمر الله وذلك قراءة نافع وقرأ الباقون بالياء مضمومة والشين مفتوحة ورفع أعداء على النيابة وقرئ (يحشر) بفتح الياء وضم الشين أو كسرها أي (يحشر الله) (وأعداء) بالنصب وقرئ (نحشر) بالنون وكسر الشين ونصب (أعداء)* {إِلَى النَّارِ} لا نترك واحدا ولا نغفل عنه وفي ذكر الجلالة بعد النون التفات من التكلم الى الغيبة أي خلق الكلام على هذه الطريقة وحاشاه عن الالتفات والمراد ترك التكلم واثبات الغيبة والغيبة اصطلاحية وهي ما ليس تكلماً ولا خطاباً ولو كان الشيء حاضراً ولفظ الجلالة لكونه اسماً ظاهراً لفظ غيبة والله في كل مكان وفعل ذلك لتربية المهابة والتعظيم ومقتضى الظاهر ويوم نحشر أعداءنا* {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يساقون ويدفعون وقال السدى وقتادة وأهل اللغة يحبس أولهم حتى يلحق آخرهم وقول القاضي لئلا يفترقوا والمراد الاخبار بكثرتهم وانتشارهم.
اطفيش
تفسير : {ويَوم نحْشُر أعْداء الله النَّار} أى واذكر يوم نحشر، فهو منصوب على أنه مفعول به لمحذوف، ومعطوف على " أية : قل أنذرتكم" تفسير : أو على الظرفية لمحذوف التهويل مؤخر، أى يوم نحشر أعداء الله الى النار: يكون ما يكون مما تقىء به العبارة من ألوان العذاب، والكفا من عهده لا العموم كما قيل، لأن الله عز وجل قال بعد ذلك: " أية : في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس " تفسير : [الأعراف: 38] والمراد بالنار الموقف، عبر عنه بالنار إيذاناً بأن النار عاقبة حشرهم من القبور، أو المراد بالنار نفسها، والحشر السوق إليها بعد الحساب، ولا ينافيه قوله تعالى: " أية : حتى إذا ما جاءوها شهد " تفسير : [فصلت: 20] الخ لجواز تكرر الشهادة على شفيرها بعد وقوعها فى الموقف {فَهُم يُوزَعُون} يساقون الى النار، أو يحبس أولهم لآخرهم ليتلاحقوا، كما أن هذا شأن الكثير المنتشر، وهم كثير منتشر.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } شروع في بيان عقوباتهم الآجلة بعد ذكر عقوباتهم العاجلة، والتعبير عنهم بأعداء الله تعالى لذمهم والإيذان بعلة ما يحيق بهم من ألوان العذاب وقيل: المراد بهم الكفار من الأولين والآخرين. وتعقب بأن قوله تعالى الآتي: {أية : فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }تفسير : [فصلت: 25] كالصريح في إرادة الكفرة المعهودين، والمراد من قوله تعالى: {إِلَى ٱلنَّارِ } قيل: إلى موقف الحساب، والتعبير عنه بالنار للإيذان بأن النار عاقبة حشرهم وأنهم على شرف دخولها، ولا مانع من إبقائه على ظاهره والقول بتعدد الشهادة فتشهد عليهم جوارحهم في الموقف مرة وعلى شفير جهنم أخرى. و {يَوْمٍ } إما منصوب باذكر مقدر معطوف على قوله تعالى: {أية : فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً }تفسير : [فصلت: 13] أو ظرف لمضمر مؤخر قد حذف إيهاماً لقصور العبارة عن تفصيله، وقيل: ظرف لما يدل عليه قوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا وهو كناية عن كثرتهم، وقيل: يُساقون ويدفعون إلى النار. والفاء تفصيلية. وقرأ زيد بن علي ونافع والأعرج وأهل المدينة {نحشر} بالنون {أعداء} بالنصب وكسر الأعرج الشين. وقرىء {يحشر} على البناء للفاعل وهو الله تعالى ونصب {أعداء الله }.
ابن عاشور
تفسير : {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} لما فُرغ من موعظة المشركين بحال الأمم المكذبة من قبلهم وإنذارهم بعذاب يحلّ بهم في الدنيا كما حل بأولئك ليكون لهم ذلك عبرة فإن لاستحضار المثل والنظائر أثراً في النفس تعتبر به ما لا تعتبر بتوصف المعاني العقلية، انتقل إلى إنذارهم بما سيحلّ بهم في الآخرة فجملة {ويَوْمَ يحشر أعداء الله} الآيات، معطوفة على جملة { أية : فَقُلْ أنذَرتُكُم صٰعِقَةً } تفسير : [فصلت: 13] الآيات. والتقدير: وأنذرهم يوم نحشر أعداء الله إلى النار. ودل على هذا المقدر قوله: {أنذَرتُكُم صٰعِقَةً} الخ، أي وأنذرهم يوم عقاب الآخرة. وأعداء الله: هم مشركو قريش لأنهم أعداء رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } تفسير : [الممتحنة: 1] يعني المشركين لقوله بعده: { أية : يخرجون الرسول وإياكم } تفسير : [الممتحنة: 1]، ولأنها نزلت في قضية كِتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يعلمهم بتهيّؤ النبي صلى الله عليه وسلم لغزو مكة ولقوله في آخر هذه الآيات { أية : ذٰلِكَ جَزَاءُ أعْدَاءِ الله } تفسير : [فصلت: 28] بعد قوله { أية : وقال الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لهٰذَا القُرءَانِ والغَوا فِيهِ لَعَلَّكُم تَغْلِبُونَ } تفسير : [فصلت: 26]. ولا يجوز أن يكون المراد بــــ {أعْدَاءَ الله} جميع الكفار من الأمم بحيث يدخل المشركون من قريش دخول البعض في العموم لأن ذلك المحمل لا يكون له موقع رشيق في المقام لأن الغرض من ذكر ما أصاب عاداً وثمود هو تهديد مشركي مكة بحلول عذاب مثله في الدنيا لأنهم قد علموه ورأوا آثاره فللتهديد بمثله موقع لا يسعهم التغافل عنه، وأما عذاب عاد وثمود في الآخرة فهو موعود به في المستقبل وهم لا يؤمنون به فلا يناسب أن يجعل موعظة لقريش بل الأجدر أن يقع إنذار قريش رأساً بعذاب يعذَّبونه في الآخرة، ولذلك أطيل وصفه لتهويله ما لم يُطل بمثله حينَ التعرض لِعذاب عاد في الآخرة بقوله: { أية : وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَىٰ } تفسير : [فصلت: 16] المكتفى به عن ذكر عذاب ثمود. ولهذا فليس في قوله: {أَعْدَاءَ الله} إظهار في مقام الإِضمار من ضمير عاد وثمود. ويجوز أن يكون {ويَوْمَ نحشر أعْدَاءَ الله} مفعولاً لفعل (واذكر) محذوفاً مثل نظائره الكثيرة. والحشر: جمع الناس في مكَان لمقصد. ويتعلق قوله: {إلَىٰ النَّارِ} بــــ {نَحْشر} لتضمين {نحشر} معنى: نرسل، أي نرسلهم إلى النار. والفاء في قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} عطف وتفريع على {نحشر} لأن الحشر يقتضي الوزْع إذ هو من لوازمه عُرفاً، إذ الحشر يستلزم كثرة عدد المحشورين وكثرةُ العدد تستلزم الاختلاط وتداخل بعضهم في بعض فلا غنى لهم عن الوزع لتصفيفهم ورَدِّ بعضهم عن بعض. والوزْع: كفّ بعضهم عن بعض ومنعهم من الفوضى، وتقدم في سورة النمل (17)، وهو كناية عن كثرة المحشورين. وقرأ نافع ويعقوب {نَحشر} بنون العظمة مبنياً للفاعل ونصب {أَعْدَاءَ}. وقرأه الباقون بياء الغائب مبنياً للنائب. و{حتى} ابتدائية وهي مفيدة لمعنى الغاية فهي حرف انتهاء في المعنى وحرف ابتداء في اللفظ، أي أن ما بعدها جملة مستأنفة. و{إذا} ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط وهو متعلق بجوابه، و{ما} زائدة للتوكيد بعد {إذَا} تفيد توكيد معنى {إذَا} من الارتباط بالفعل الذي بعد {إذا} سواء كانت شرطية كما في هذه الآية أم كانت لمجرد الظرفية كقوله تعالى: { أية : وإذا ما غضبوا هم يغفرون } تفسير : [الشورى: 37]. ويظهر أن ورود {مَا} بعد {إذا} يقوّي معنى الشرط في {إذا}، ولعلهُ يكون معنى الشرط حينئذٍ نصاً احتمالاً. وضمير المؤنث الغائب في {جَاءُوهَا} عائد إلى {النَّارِ}، أي إذا وصلوا إلى جهنم. وجملة {شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبْصٰرُهُم} الخ يقتضي كلام المفسرين أنها جواب {إذا}، فاقتضى الارتباط بين شرطها وجوابها وتعليقها بفعل الجواب. واستشعروا أن الشهادة عليهم تكون قبل أن يوجهوا إلى النار، فقدَّروا فِعلاً محذوفاً تقديره: وسُئلوا عما كانوا يفعلون فأنكروا فشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، يعني: سألهم خزنة النار. وأحسنُ من ذلك أن نقول: إن جواب {إذا} محذوف للتهويل وحذف مثله كثير في القرآن، ويكون جملة {شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم} إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً نشأ عن مفاد {حتى} من الغاية لأن السائل يتطلب ماذا حصل بين حشرهم إلى النار وبين حضورهم عند النار فأجيب بأنه {شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبْصٰرُهُم وَجُلُودُهُم} إلى قوله: {الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} ويتضمن ذلك أنهم حوسبوا على أعمالهم وأنكروها فشهدت عليهم جوارحهم وأجسادهم. أو أن يكون جواب {إذا} قوله: { أية : فَإِن يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوَىً لَهُم } تفسير : [فصلت: 24] الخ. وجملة {شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبْصٰرُهُم} وما عطف عليها معترضة بين الشرط وجوابه. وشهادة جوارحهم وجلودهم عليهم: شهادة تكذيب وافتضاح لأن كون ذلك شهادة يقتضي أنهم لما رأوا النار اعتذروا بإنكار بعض ذنوبهم طمعاً في تخفيف العذاب وإلا فقد علم الله ما كانوا يصنعون وشهدت به الحفظة وقرىء عليهم كتابُهم، وما أُحضروا للنار إلا وقد تحققت إدانتهم، فما كانت شهادة جوارحهم إلا زيادة خزي لهم وتحسيراً وتنديماً على سوء اعتقادهم في سعة علم الله. وتخصيص السمع والأبصار والجلود بالشهادة على هؤلاء دون بقية الجوارح لأن للسمع اختصاصاً بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتلقي آيات القرآن، فسمعهم يشهد عليهم بأنهم كانوا يصرفونه عن سماع ذلك كما حكى الله عنهم بقوله: { أية : وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ } تفسير : [فصلت: 5]، ولأن للأبصار اختصاصاً بمشاهدة دلائل المصنوعات الدالة على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير فذلك دليل وحدانيته في إلهيته، وشهادة الجلود لأن الجلد يحوي جميع الجسد لتكون شهادة الجلود عليهم شهادة على أنفسها فيظهر استحقاقها للحرق بالنار لبقية الأجساد دون اقتصار على حرق موضع السمع والبصر. ولذلك اقتصروا في توجيه الملامة على جلودهم لأنها حاوية لجميع الحواس والجوارح، وبهذا يظهر وجه الاقتصار على شهادة السمع والأبصار والجلود هنا بخلاف آية سورة النور (24) { أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } تفسير : ، لأن آية النور تصف الذين يرمون المحصنات وهم الذين اختلقوا تهمة الإِفك ومشَوا في المجامع يُشيعونها بين الناس ويشيرون بأيديهم إلى من اتهموه إفكاً. وإنما قالوا لجلودهم {لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا} دون أن يقولوه لسمعهم وأبصارهم لأن الجلود مواجهة لهم يتوجهون إليها بالملامة. وإجراء ضمائر السمع والبصر والجلود بصيغتي ضمير جمع العقلاء لأن التحاور معها صيرها بحالة العقلاء يومئذٍ. ومن غريب التفسير قول من زعموا أن الجلود أريد بها الفروج ونسب هذا للسدي والفراء، وهو تعنت في محمل الآية لا داعي إليه بحال، وعلى هذا التفسير بنى أحمد الجرجاني في كتاب «كنايات الأدباء» فعدَّ الجلود من الكنايات عن الفُروج وعزاه لأهل التفسير فجازف في التعبير. والاستفهام في قولهم: {لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا} مستعمل في الملامة وهم يحسبون أن جلودهم لكونها جزءاً منهم لا يحق لها شهادتها عليهم لأنها تجر العذاب إليها. واستعمال الاستفهام عن العلة في معرض التوبيخ كثير كقوله تعالى: { أية : فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } تفسير : [آل عمران: 66]. وقول الجلود {أنطَقَنَا الله} اعتذار بأن الشهادة جرت منها بغير اختيار. وهذا النطق من خوارق العادات كما هو شأن العالم الأخروي. وقولهم: {الَّذِي أنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} تمجيد لله تعالى ولا علاقة له بالاعتذار، والمعنى: الذي أنطق كل شيء له نطق من الحيوان واختلاف دلالة أصواتها على وجدانها، فعموم {كُلَّ شَيْءٍ} مخصوص بالعرف. {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يجوز أن تكون هذه الجملة والتي عطفت عليها من تمام ما أنطق الله به جلودهم قُتفِّيَ على مقالتها تشهيراً بخطئهم في إنكارهم البعث والمصير إلى الله لزيادة التنديم والتحسير، وهذا ظاهر كون الواو في أول الجملة واو العطف فيكون التعبير بالفعل المضارع في قوله: {وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ} لاستحضار حالتهم فإنهم ساعتئذٍ في قبضة تصرف الله مباشرة. وأما رجوعهم بمعنى البعث فإنه قد مضى بالنسبة لوقت إحضارهم عند جهنم، أو يكون المراد بالرجوع الرجوع إلى ما ينتظرهم من العذاب. ويجوز أن تكون هذه الجملة وما بعدها اعتراضاً بين جملة {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْدَاءُ الله إلى النَّارِ} وجملة { أية : فَإنْ يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوىً لَهُم } تفسير : [فصلت: 24] موجهاً من جانب الله تعالى إلى المشركين الأحياء لتذكيرهم بالبعث عقب ذكر حالهم في القيامة انتهازاً لفرصة الموعظة السابقة عند تأثرهم بسماعها. ويكون فعل {تُرْجَعُونَ} مستعملاً في الاستقبال على أصله، والكلام استدلال على إمكان البعث. قال تعالى: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } تفسير : [ق:15]. وتقديم متعلق {تُرْجَعُونَ} عليه للاهتمام ورعاية الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع (يحشر) بضم الياء وفتح الشين مبنياً للمفعول (أعداء الله) بالرفع على أنه نائب الفاعل. وقرأه نافع وحمزة، من السبعة (نحشر أعداء الله) بالنون المفتوحة الدالة على العظمة، وضم الشين مبنياً للفاعل، (أعداء الله) بالنصب على أنه مفعول به، أي واذكر {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ} أي يجمعون إلى النار. وما دلت عليه هذه الآية، من أن لله أعداء، وأنهم يحشرون يوم القيامة إلى النار. جاء مذكوراً في آيات أخر. فبين في بعضها أن له أعداء وأن أعداءه هم أعداء المؤمنين وأن جزاءهم النار كقوله تعالى {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 98] وقوله تعالى: {أية : وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأنفال: 60] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 1] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} تفسير : [طه: 39] وقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} تفسير : [فصلت: 28] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يرد أولهم إلى آخرهم، ويلحق آخرهم بأولهم، حتى يجتمعوا جميعاً، ثم يدفعون في النار، وهو من قول العرب: وزعت الجيش، إذا حبست أوله على آخره حتى يجتمع. وأصل الوزع الكف، تقول العرب وزعه، يزعه وزعاً، فهو وازع له، إذا كفه عن الأمر، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألماً أصح والشيب وازع تفسير : وقول الآخر: شعر : ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا وافر العقل كامله تفسير : وبما ذكرنا تعلم أن أصل معنى يوزعون. أي يكف أولهم عن التقدم وآخرهم عن التأخر حتى يجتمعوا جميعاً. وذلك يدل على أنهم يساقون سوقاً عنيفاً، يجمع به أولهم مع آخرهم. وقد بين تعالى أنهم يساقون إلى النار في حال كونهم عطاشاً في قوله تعالى: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86]، ولعل الوزع المذكور في الآية يكون في الزمرة الواحدة من زمر أهل النار، لأنهم يساقون إلى النار زمراً زمراً كما قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} تفسير : [الزمر: 71] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فهم يوزعون: أي يحبس أولهم ليلحق آخرهم ليساقوا إلى النار مجتمعين. حتى إذا ما جاءوها: أي حتى إذا جاءوها أي النار. بما كانوا يعملون: أي من الذنوب والمعاصي. وهو خلقكم أول مرة: أي بدأ خلقكم في الدنيا فخلقكم ثم أماتكم ثم أحياكم. وما كنتم تستترون: أي عند ارتكابكم الفواحش والذنوب أي تستخفون من أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم فتتركوا الفواحش والذنوب. ولكن ظننتم أن الله لا يعلم: أي ولكن عند ارتكابكم الفواحش ظننتم أن الله لا يعلم ذلك منكم. أرداكم: أي أهلككم. فإن يصبروا فالنار مثوى لهم: أي فإن صبروا على العذاب فالنار مثوى أي مأوى لهم. وإن يستعتبوا: أي يطلبوا العتبى وهي الرضا فلا يعتبون أي لا يرضى عنهم هذه حالهم أبداً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة قريش إلى أصول الدين التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وفي هذا السياق عرض لمشهد من مشاهد القيامة وهو مشهد حَيْ رائع يعرض أمامهم. إذ يقول تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} أي اذكر لهم يوم يحشر أعداء الله أي الذين كفروا به فلم يؤمنوا ولم يتقوا؛ إلى النار فهم يوزعون يحبس أولهم ليلحق آخرهم فيساقون مع بعضهم بعضا. حتى إذا ما جاءوها أي انتهوا إليها، وادعوا أنهم مظلومون وأخذوا يتنصَّلون من ذنوبهم، وقالوا إنهم لا يقبلون شاهداً من غير أنفسهم فيأمر الله تعالى أسماعهم وأبصارهم وجلودهم فتشهد عليهم بما كانوا يعملون، وهو قوله تعالى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وهنا رجعوا إلى جلودهم يلومون عليهم ويعتبون وهو ما أخبر تعالى به في قوله: وقالوا لجلودهم {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} فأجابتهم جلودهم بما أخبر تعالى عنهم في هذا السياق {قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي النشأة الأولى في الدنيا ثم أماتكم ثم أحياكم {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وها أنتم قد رجعتم فالقادر على هذا كله قادر على أن ينطقنا وعلى كل شيء أراد إنطاقه، وقوله {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} أي وما كنتم تستخفون فتتركوا محارم الله بل كنتم تجاهرون بذلك لعدم إيمانكم بالبعث والجزاء {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ} وهو ظن سيء {أَرْدَاكُمْ} أي أهلككم {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وهذا هو الخسران المبين وقوله تعالى في الآية الأخيرة من هذا السياق [24] فإن يصبروا أي أعداء الله الذين شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم فالنار مثوى أي مأوى لهم لا يخرجون منها أبداً، وإن يستعتبوا أي يطلبوا العتبى أي الرضا فيرضى عنهم فيدخلوا الجنة {فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} أي فما هو بحاصل لهم أبداً فهم إذاً بشرِّ التقديرين والعياذ بالله تعالى من حال أهل النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض مفصل بحال أهل النار فيها. 2- التحذير من فعل الفواحش وكبائر الذنوب فإن جوارح المرء تشهد عليه. 3- التحذير من سوء الظن بالله تعالى ومن ذلك أن يظن المرء أن الله لا يطلع عليه. أولا يعلم ما يرتكبه، أو أنه لا يحاسبه أو لا يجزيه. 4- وجوب حسن الظن بالله تعالى وهو أن يرجو أن يغفر الله له إذا تاب من زلة زلها، وأن يرجو رحمته وعفوه إذا كان في حال العجز عن الطاعات ولا سيما عند العجز عن العمل للمرض والضعف كالكبر ونحوه فيغلب جانب الرجاء على جانب الخوف.
القطان
تفسير : يوزَعون: يساقون ويُدفعون الى جهنم. أرداكم: اهلككم. مثوى: مقام. وإن يَستعتبوا: يطلبوا العتبى والرضا. فما هم من المعتَبين: من المجابين الى ما يطلبون. اذكر لهم أيها الرسول يومَ يُحشَر أعداءُ الله الى النار، وهم يساقون تزجُرهم الملائكة، حتى اذا وصلوا وسئلوا عن أعمالهم السيئة في الدنيا، فانكروا - شهدَ عليهم سمعُهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون في الدنيا. فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ فتقول الجلود: أنطقَنا الله الذي أنطقَ كلَّ شيء وهو الذي خلقكم من العدم، وإليه ترجعون. وما كان باستطاعتكم ان تُخفوا أعمالكم عن جوارحكم مخافةَ ان تشهد عليكم، ولكن كنتم تظنون ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. وهذا الظنّ الفاسد الذي كان منكم في الدنيا أوقعَكم الآن فأهلككم {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ}. فان يصبروا على ما هم عليه فالنارُ مأواهم، وان يطلبوا رضا الله عليهم فما هم بِمُجابين الى طلبهم، وهذا مثلُ قوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم: 21]. قراءات: قرأ نافع ويعقوب: ويوم نحشر بالنون، والباقون: يحشر بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : (19) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ حَالَ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ وَيَرْتَدِعُونَ عَنْ غِوَايَاتِهِمْ، فَفِي ذَلِكَ اليَومِ يُسَاقُ الكَفَرَةُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ، فَتَحْبِسُ الزَّبَانِيَةُ أَوَلَّهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ (أَيْ تَقِفُهُمُ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يَتَلاَحَقُوا، وَيَتَكَامَلَ جَمْعُهُمْ). يُوزَعُونَ - يُحْبسُونَ وَيُوقَفُونَ لِيَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ. ْ
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحشر: يعني جمع المختلفين، والمختلفون كان فيهم التابع والمتبوع، ضالِّين ومضلين، لا بدَّ أنْ يجمعهم الله جميعاً في وقت واحد يتقدمهم الزعماء ورؤوس الكفر. {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 69] يعني: نأتي بالفتوات ونقدمهم إلى النار قبل الضعفاء، وكأن الله يقول لهم: هؤلاء قادتكم يسبقونكم إلى النار، يعني: لا أملَ لكم في النجاة، حتى الوحوش يجمعها الله ويجمع المختلفين منها. {أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} تفسير : [التكوير: 5] والوحوش هي الحيوانات غير المستأنسة كالأسد والنمر وغيره، وكأن الحق سبحانه يريد أن يقول لنا: أنا الذي أذلل لك الخلق، ولولا أنني ذللته لك ما استطعتَ أنت تذليله، نعم ذلَّل لك الجمل رغم حجمه الكبير، لكن لم يذلل لك الثعبان الصغير {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72]. والله لولا أن الله ذلَّل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألاَ ترى الطفل والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله ويُنيخه ويُسيِّره حيث يريد، وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق سبحانه بأن الأمر أمرُ تذليل من الله. {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [فصلت: 19] في الدنيا الوحوش تفر من الإنسان، ونحن نفرُّ من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع معاً في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يَعُدْ لأحد منا قوة تصرُّف {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] فلما صار الملك لله لم يَبْق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة تستضعف. وقوله {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [فصلت: 19] يعني: يُساقون ويُقادون جميعاً إلى النار من أولهم إلى آخرهم {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [فصلت: 20]. الله .. السمع وظيفة الأذن، والإبصار وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف. قالوا: لأن التكليف في أمر الأنف نادر وقليل، كأنْ تشمّ رائحة الخمر مثلاً، والعياذ بالله، أو تشم رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في كونه وعجائبه في خَلْقه. أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل الحواس، فكأن الجلد أعمّ شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ليعرفوا مهمة كل عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألاَ ترى أنك مثلاً حين تأخذ حقنة تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في الجلد كأنَّ الجلد هو محلُّ الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن مستوعب لجميع الحواس. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56] إذن: فالجلد محلّ إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو المستوعب لكلِّ الحواس.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة عاد وثمود، وما أصابهم من العقوبة في الدنيا بطغيانهم وإجرامهم، ذكر هنا ما يصيب الكفار عامةً في الآخرة من العذاب والدمار، ليحصل منه تمام الاعتبار، في الزجر والتحذير عن ارتكاب المعاصي والكفر بنعم الله. اللغَة: {يُوزَعُونَ} يُحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا {تَسْتَتِرُونَ} تستخفون، من الاستتار بمعنى الاختفاء عن الأعين {أَرْدَاكُمْ} أهلككم وأوقعكم في المهالك {يَسْتَعْتِبُواْ} يطلبوا رضاء الله {ٱلْمُعْتَبِينَ} جمع معتب وهو المقبول عتابه قال النابغة: شعر : فإِن أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمته وإنْ تكُ ذا عتبى فمثلك يُعتب تفسير : {قَيَّضْنَا} هيأنا {نُزُلاً} ضيافة وكرامةً {يَسْأَمُونَ} يملُّون. سَبَبُ النّزول: عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفرٍ: قرشيان وثقفي، قليلٌ فقهُ قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون أنَّ الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إِذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ..} الآية. التفسِير: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ} أي واذكر يوم يُجمع أعداء الله المجرمون في أرض المحشر لسوقهم إلى النار {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يُحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا قال ابن كثير: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا} أي حتى إذا وقفوا للحساب {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي نطقت جوارحهم وشهدت عليهم بما اقترفوه من إجرامٍ وآثام، وفي الحديث "حديث : فيُختم على فيه - أي فمه - ثم يُقال لجوارحه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَّلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكُنَّ وسُحقاً، فعنكنَّ كنت أناضل"تفسير : {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} أي وقالوا لأعضائهم وجلودهم توبيخاً وتعجباً من هذا الأمر الغريب: لم أقررتم علينا وشهدتم بما فعلنا وإِنما كنا نجادل وندافع عنكم؟ {قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أي قالوا معتذرين: ليس الأمر بيدنا وإِنما أنطقنا الله بقدرته، الذي ينطق الجماد والإِنسان والحيوان، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي هو أوجدكم من العدم، وأحياكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، فمن قدر على هذا قدر على إِنطاقنا {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وإِليه وحده تُردون بالبعث قال أبو السعود: المعنى ليس نطقنا بعجبٍ من قدرة الله، الذي أنطق كل حي، فإِن من قدر على خلقكم وإِنشائكم أولاً، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه ثانياً، لا يُتعجب من إِنطاقه لجوارحكم {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} أي وما كنتم تستخفون من هؤلاء الشهود في الدنيا حين مباشرتكم الفواحش، لأنكم لم تظنوا أنها تشهد عليكم قال البيضاوي: أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضيحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استخفيتم منها، وفيه تنبيهٌ على أن المؤمن ينبغي ألاَّ يمر عليه حالٌ إلا وعليه رقيب {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} أي ولكنْ ظننتم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً من القبائح المخفية، ولذلك اجترأتم على المعاصي والآثام {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي وذلكم الظنُّ القبيح برب العالمين - أنه لا يعلم كثيراً من الخفايا - هو الذي أوقعكم في الهلاك والدمار فأوردكم النار {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} أي فخسرتم سعادتكم وأنفسكم وأهليكم، وهذا تمام الخسران والشقاء {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي فإِن يصبروا على العذاب فالنارُ مقامهم ومنزلهم، لا محيد ولا محيص لهم عنها {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} أي وإِن يطلبوا إرضاء الله، فما هم من المرضي عليهم، قال القرطبي: والعُتبى: رجوعُ المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب، تقول: استَعتبتُه فأعْتبني أي استرضيتُه فأرضاني {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} أي هيأنا للمشركين ويسَّرنا لهم قرناء سوء من الشياطين، ومن غواة الإِنس {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي حسَّنوا لهم أعمالهم القبيحة، الحاضرة والمستقبلة قال ابن كثير: حسنوا لهم أعمالهم فلم يروا أنفسهم إلا محسنين {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي ثبت وتحقق عليهم كلمة العذاب، وهو القضاء المحتَّم بشقائهم {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أي في جملة أمم من الأشقياء المجرمين قد مضت من قبلهم، ممن فعلوا كفعلهم من الجنِّ والإِنس {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تعليلٌ لاستحقاقهم العذاب أي لأنهم كانوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فلذلك استحقوا العذاب الأبدي {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} لما أخبر تعالى عن كفر عاد وثمود وغيرهم، أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن والمعنى قال الكافرون بعضهم لبعض لا تستمعوا لمحمد إذا قرأ القرآن، وتشاغلوا عنه. {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي ارفعوا أصواتكم عند قراءته حتى لا يسمعه أحد لكي تغلبوه على دينه قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} أي فوالله لنذيقنَّ هؤلاء الكفار المستهزئين بالقرآن عذاباً شديداً لا يخف ولا ينقطع {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ولنجازينهم بشر أعمالهم، وسيء أفعالهم، أسوأُ وأقبح الجزاء {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ} أي ذلك العذاب الشديد - الذي هو أسوأُ الجزاء - هو نار جهنم جزاء المجرمين، أعداء الله ورسوله {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} أي لهم في جهنم دار الإِقامة، لا يخرجون منها أبداً {جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} أي جزاءً لهم على كفرهم بالقرآن، واستهزائهم بآيات الرحمن قال الرازي: وسمَّى لغوهم بالقرآن جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغٌ إلى حد الإِعجاز، خافوا إن سمعه الناس أن يؤمنوا به، فاخترعوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوه حسداً {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} أي ويقول الكفار إذا دخلوا جهنم ربنا أرنا كل من أغوانا وأضلنا من الجن والإِنس، وإِنما جاء بلفظ الماضي "وقال" لتحققه ومعناه المستقبل قال أبو حيان: والظاهر أن المراد بـ {الَّذِينَ} يراد بهما الجنس أي كل مغوٍ من هذين النوعين {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} أي نطأْهما بأقدامنا انتقاماً وتشفياً {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} أي ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وهي أشد عذاب جهنم لأنها درك المنافقين، ولما ذكر تعالى حال الأشقياء المجرمين، أردفه بذكر حال السعداء المؤمنين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} أي آمنوا بالله إِيماناً صادقاً وأخلصوا العمل له، ثم استقاموا على توحيد الله وطاعته، وثبتوا على ذلك حتى الممات، عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد أن تلا الآية الكريمه: "استقاموا واللهِ على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب" والغرضُ: أنهم استقاموا على شريعة الله، في سلوكهم، وأخلاقهم وأقوالهم، وأفعالهم، فكانوا مؤمنين حقاً، مسلمين صدقاً، وقد سئل بعض العارفين عن تعريف الكرامة فقال: الاستقامةُ عينُ الكرامة، وعن الحسن أنه كان يقول: اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} أي تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند الموت بأن لا تخافوا ممَّا تقدمون عليه من أحوال القيامة، ولا تحزنوا على ما خلفتموه في الدنيا من أهلٍ ومالٍ وولد فنحن نخلفكم فيه {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي وأبشروا بجنة الخلد التي وعدكم الله بها على لسان الرسل قال شيخ زاده: إن الملائكة تتنزَّل حين الاحتضار على المؤمنين بهذه البشارة أن لا تخافوا من هول الموت، ولا من هو القبر، وشدائد يوم القيامة، وإِن المؤمن ينظر إلى حافظيه قائمين على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، وإِنك سترى اليوم أموراً لم تر مثلها فلا تهولنك فإِنما يراد بها غيرك {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي تقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم وأعوانكم في الدنيا والآخرة، نرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم في الدارين {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} أي ولكم في الجنة ما تشتهيه نفوسكم، وتقرُّ به عيونُكم من أنواع اللذائذ والشهوات، ولكم فيها ما تطلبون وتتمنون {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} أي ضيافة وكرامة من ربٍ واسع المغفرة، عظيم الرحمة لعباده المتقين {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي دعا إلى توحيد الله وطاعته، بقوله وفعله وحاله، وفعل الصالحات، وجعل الإِسلام دينه ومذهبه قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير وهو نفسه مهتدٍ، وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمنا معتقدا لدين الإِسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} أي لا يتساوى فعل الحسنة مع فعل السيئة، بل بينهما فرقٌ عظيم في الجزاء وحسن العاقبة {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، مثل أن تدفع الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإِساءة بالعفو قال ابن عباس: ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي فإِذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب، الخالص الصداقة في مودته ومحبته لك {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي وما ينال هذه المنزلة الرفيعة، والخصلة الحميدة، إلاّ من جاهد نفسه بكظم الغيظ واحتمال الأذى {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي وما يصل إليها وينالها إلا ذو نصيب وافر من السعادة والخير {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي وإن وسوس إليك الشيطان بترك ما أُمرت به من الدفع بالتي هي أحسن، وأراد أن يحملك على البطش والانتقام، فاستعذ بالله من كيده وشره {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم وأحوالهم، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته الباهرة، وحكمته البالغة فقال {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَر} أي ومن علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار، وتذليل الشمس والقمر، مسخَّرين لمصالح البشر {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي لا تسجدوا للمخلوق واسجدوا للخالق، الذي خلق هذه الأشياء وأبدعها {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي إن كنتم تفردونه بالعبادة فلا تسجدوا لأحدٍ سواه {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} أي فإِن استكبر الكفار عن السجود لله {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي فالملائكة الأبرار يعبدونه بالليل والنهار {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} أي لا يملّون عبادته.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} معناه يَحشرونهُم بحَبسِ أولهم على آخرِهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أعدائه، الذين بارزوه بالكفر به وبآياته، وتكذيب رسله ومعاداتهم ومحاربتهم، وحالهم الشنيعة حين يحشرون، أي: يجمعون. { إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } [أي]: يرد أولهم على آخرهم، ويتبع آخرهم أولهم، ويساقون إليها سوقا عنيفًا، لا يستطيعون امتناعًا، ولا ينصرون أنفسهم، ولا هم ينصرون. { حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا } أي: حتى إذا وردوا على النار، وأرادوا الإنكار، أو أنكروا ما عملوه من المعاصي، { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ } عموم بعد خصوص. [ { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ] أي: شهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا. وخص هذه الأعضاء الثلاثة، لأن أكثر الذنوب، إنما تقع بها، أو بسببها. فإذا شهدت عليهم عاتبوها، { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ } هذا دليل عل أن الشهادة تقع من كل عضو كما ذكرنا: { لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا } ونحن ندافع عنكن؟ { قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } فليس في إمكاننا، الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا يستعصي عن مشيئته أحد. { وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فكما خلقكم بذواتكم، وأجسامكم، خلق أيضا صفاتكم، ومن ذلك، الإنطاق. { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة، فيجزيكم بما عملتم، ويحتمل أن المراد بذلك، الاستدلال على البعث بالخلق الأول، كما هو طريقة القرآن. { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ } أي: وما كنتم تختفون عن شهادة أعضائكم عليكم، ولا تحاذرون من ذلك. { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ } بإقدامكم على المعاصي { أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ } فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم ولهذا قال: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ } الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. { أَرْدَاكُمْ } أي: أهلككم { فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم، في العذاب، الذي لا يفتر عنهم ساعة: { فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } فلا جَلَدَ عليها، ولا صبر، وكل حالة قُدِّر إمكان الصبر عليها، فالنار لا يمكن الصبر عليها، وكيف الصبر على نار، قد اشتد حرها، وزادت على نار الدنيا، بسبعين ضعفًا، وعظم غليان حميمها، وزاد نتن صديدها، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت سلاسلها وأغلالها، وكبرت مقامعها، وغلظ خُزَّانها، وزال ما في قلوبهم من رحمتهم، وختام ذلك سخط الجبار، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون: {أية : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ }. تفسير : { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } أي: يطلبوا أن يزال عنهم العتب، ويرجعوا إلى الدنيا، ليستأنفوا العمل. { فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } لأنه ذهب وقته، وعمروا، ما يعمر فيه من تذكر وجاءهم النذير وانقطعت حجتهم، مع أن استعتابهم، كذب منهم {أية : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):