٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم: ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثَقَفيّ أو ثَقَفِيّان وقرشيّ؛ قليلٌ فِقْهُ قلوبهم، كثيرٌ شحمُ بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا؛ وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا؛ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} الآية؛ خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثة نفرٍ. ثم ذكره بلفظه حرفاً حرفاً وقال: حديث حسن صحيح؛ حدّثنا هَنّاد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عِمارة بن عُمَير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفرٍ كثيرٌ شحمُ بطونهم قليلٌ فِقهُ قلوبِهم، قرشيّ وخَتَناه ثَقَفِيّان، أو ثَقفيّ وخَتَناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه؛ فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذ لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله! فقال عبد الله: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} إلى قوله: {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الثعلبي: والثقفيّ عبدُ يَا لِيل، وخَتَناه ربيعة وصفوان بن أمية. ومعنى «تَسْتَتِرُونَ» تستخفون في قول أكثر العلماء؛ أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذراً من شهادة الجوارح عليكم؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عملَه، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء؛ أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: «وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ» أي تظنون «أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ» بأن يقول سمعت الحقّ وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي «وَلاَ أَبْصَارُكُمْ» فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز «وَلاَ جُلُودُكُمْ» تقدّم. {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} قال: «حديث : إنكم تُدْعون يوم القيامة مُفَدَّمة أفواهُكم بفِدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه»تفسير : قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي فأحسن:شعر : الْعُمْرُ يَنْقُصُ والذُّنُوبُ تَزيدُ وتُقالُ عَثْراتُ الفتى فيعودُ هل يستطِيعُ جُحُودَ ذنبٍ واحِدٍ رجلٌ جوارِحُه عليهِ شُهودُ والمرءُ يسأل عن سِنيهِ فيشتهِي تقلِيلَها وعنِ المماتِ يحِيدُ تفسير : وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غداً عليك شهيد فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به غداً فإني لو قد مضيت لم ترني أبداً ويقول الليل مثل ذلك» تفسير : ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» في باب شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن:شعر : مَضَى أمسُك الأدْنى شَهيداً معدَّلا ويومُك هذا بِالفِعال شهيدُ فإنْ تكُ بِالأمسِ اقترفت إِساءةً فثَنِّ بِإحسانٍ وأنتَ حميدُ ولا تُرْجِ فِعلَ الخير مِنك إِلى غدٍ لعلّ غداً يأتِي وأنت فَقِيدُ تفسير : قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوماً أساؤوا الظن بربهم فأهلكهم»تفسير : فذلك قوله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ}. وقال الحسن البصري: إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم:إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ }. وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن اثنان ظنّ ينجي وظنّ يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ }. قوله تعالى: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره: {أية : فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 175] على ما تقدّم. {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم {فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}. وقيل: المعنى «فَإِنْ يَصْبِرُوا» في النار أو يجزعوا «فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ» أي لا محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ}؛ لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه؛ قال النابغة:شعر : فإنْ أَكُ مَظْلُوماً فَعَبْدٌ ظَلَمْتَه وإِنْ تَكُ ذَا عُتْبَى فَمِثْلكَ يُعْتِبُ تفسير : أي مثلك من قَبِل الصلح والمراجعة إذا سُئِل. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجِدة. تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أُعْتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مَسرَّتي راجعاً عن الإِساءة، والاسم منه الْعُتْبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضاً طلب أن يُعْتَب؛ تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى «وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا» أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية «وَإِنْ يُسْتَعْتَبُوا» بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول «فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتِبِينَ» بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردّهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لِما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28] ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي. قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} قال النقاش: أي هيأنا لهم شياطين. وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزيِّنون عندهم المعاصي، وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضاً؛ أي سبَّبْنا لهم قرناء؛ يقال: قيَّض الله فلاناً لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ}. القشيري: ويقال قيّض الله لي رزقاً أي أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيِّضان كما تقول بيّعان. {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا فحسّنوه لهم حتى آثروه على الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} حسنّوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة؛ عن مجاهد. وقيل: المعنى «قَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ» في النار «فَزيَّنُوا لَهُمْ» أعمالهم في الدنيا؛ والمعنى قدّرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى أحوجناهم إلى الأقران؛ أي أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزيَّن بعضهم لبعض المعاصي. وليس قوله: {وَمَا خَلْفَهُمْ} عطفاً على {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه هذا الإضمار. قال ابن عباس: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» تكذيبهم بأمور الآخرة «وَمَا خَلْفَهُمْ» التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» ما عملوه «وَمَا خَلْفَهُمْ» ما عزموا على أن يعملوه. وقد تقدم قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدّم من المعاصي «وما خلفهم» ما يعمل بعدهم. {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ} أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل: «في» بمعنى مع؛ فالمعنى هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: «فِي أُمَمٍ» في جملة أمم، ومثله قول الشاعر:شعر : إِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ فُوكاً فَفِي آخَرِين قد أَفكوا تفسير : يريد فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل «فِي أُمَمٍ» النصب على الحال من الضمير في ««عَلَيْهِمْ» أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ } عن ارتكابكم الفواحش من {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ } لأنكم لم توقنوا بالبعث {وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ } عند استتاركم {أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَسْتَتِرُونَ} تتقون، أو تظنون، أو تسخفون منها. {وَلكِن ظَنَنتُمْ} نزلت في ثلاثة نفر تماروا فقالوا ترى الله يسمع سرنا.
النسفي
تفسير : {وَأَمَّا ثَمُودُ } بالرفع على الابتداء وهو الفصيح لوقوعه بعد حرف الابتداء والخبر {فَهَدَيْنَـٰهُمْ } وبالنصب المفضّل بإضمار فعل يفسره {فَهَدَيْنَـٰهُمْ } أي بينا لهم الرشد {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } فاختاروا الكفر على الإيمان {فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ } داهية العذاب {ٱلْهُونِ } الهوان وصف به العذاب مبالغة أو أبدله منه {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بكسبهم وهو شركهم ومعاصيهم، وقال الشيخ أبو منصور: يحتمل ما ذكر من الهداية التبيين كما بينا، ويحتمل خلق الاهتداء فيهم فصاروا مهتدين ثم كفروا بعد ذلك وعقروا الناقة، لأن الهدى المضاف إلى الخالق يكون بمعنى البيان والتوفيق وخلق فعل الاهتداء، فأما الهدى المضاف إلى الخلق يكون بمعنى البيان لا غير. وقال صاحب الكشاف فيه: فإن قلت: أليس معنى قولك هديته جعلت فيه الهدى والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت: للدلالة على أنه مكنهم فأزاح عللهم ولم يبق لهم عذر فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها وإنما تمحل بهذا لأنه لا يتمكن من أن يفسره بخلق الاهتداء لأنه يخالف مذهبه الفاسد {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي اختاروا الهدى على العمى من تلك الصاعقة {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } اختيار العمى على الهدى. {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } أي الكفار من الأولين والآخرين. {نَحْشُرُ أَعْدَاءَ} نافع ويعقوب {فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار وأصله من وزعته أي كففته {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا } صاروا بحضرتها و«ما» مزيدة للتأكيد ومعنى التأكيد أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن يخلو منها {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } شهادة الجلود بملامسة الحرام وقيل: وهي كناية عن الفروج {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } لما تعاظمهم من شهادتها عليهم {قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ} من الحيوان والمعنى أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ } أي أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ } ولكنكم إنما استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم. {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } وذلك الظن هو الذي أهلككم، و{ذٰلِكُمْ } مبتدأ و{ظَنُّكُمُ } خبر و{ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ } صفته و{أَرْدَاكُمْ } خبر ثانٍ أو{ظَنُّكُمُ } بدل من {ذٰلِكُمْ } و{أَرْدَاكُمْ } الخبر {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء في النار {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيّين، أو إن يسألوا العتبى ـ وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه ـ لم يعتبوا لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ } أي قدرنا لمشركي مكة، يقال: هذان ثوبان قيضان أي مثلان والمقايضة المعاوضة، وقيل: سلطنا عليهم {قُرَنَآءَ} أخداناً من الشياطين جمع قرين كقوله {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }تفسير : [الزخرف: 36] {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا بعث ولا حساب {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } كلمة العذاب {فِى أُمَمٍ } في جملة أمم ومحله النصب على الحال من الضمير في {عَلَيْهِمْ } أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ } قبل أهل مكة {مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } هو تعليل لاستحقاقهم العذاب والضمير لهم وللأمم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ } إذًّا قريء {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } وعارضوه بكلام غير مفهوم حتى تشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً } يجوز أن يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، ولكن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر. {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ } ذلك إشارة إلى الأسوأ ويجب أن يكون التقدير أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون حتى تستقيم هذه الإشارة {ٱلنَّارُ} عطف بيان للجزاء أو خبر مبتدأ محذوف {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } أي النار في نفسها دار الخلد كما تقول: لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها {جَزَآءً} أي جوزوا بذلك جزاء {بِمَا كَانُوا بِـئَايـٰتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا } وبسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخْذِ فَخْذ: مكي وشامي وأبو بكر. وبالاختلاس: أبوعمرو {ٱللَّذَيْنِ أَضَلَّـٰنَا } أي الشيطانين اللذين أضلانا {مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ } لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ }تفسير : {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} في النار جزاء إضلالهم إيانا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } أي نطقوا بالتوحيد {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضيانه، وعن الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً: وعنه أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: حملتم الأمر على أشده. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغان الثعالب أي لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا العمل. وعن علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض. وعن الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. وقيل: حقيقة الاستقامة القرار بعد الإقرار لا الفرار بعد الإقرار {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } عند الموت {أن} بمعنى «أي» أو مخففة من الثقيلة وأصله بأنه {لاَ تَخَافُواْ } والهاء ضمير الشأن أي لا تخافوا ما تقدمون عليه {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتهم فالخوف غم يلحق الإنسان لتوقع المكروه، والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار والمعنى أن الله كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا، وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمن عند مفارقة الأرواح الأبدان أن لا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان التي كنتم توعدون في سالف الزمان {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ} كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من النعيم {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } تتمنون {نُزُلاً } هو رزق نزيل وهو الضيف وانتصابه على الحال من الهاء المحذوفة أو من «ما» {مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } نعت له.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} يحتمل أنْ يكون من كلام الجلود، ويحتمل أنْ يكون من كلام اللَّه عز وجل، وجمهور الناس على أَنَّ المراد بالجلود الجلودُ المعروفةُ، وأمَّا معنى الآية فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد وما كنتم تَتَصَاونُونَ وتَحْجِزُونَ أَنْفُسَكُمْ عن المعاصي والكُفْر؛ خوفَ أَنْ يشهد، أو لأَجْلِ {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ...} الآية، وهذا هو مَنْحَىٰ مجاهد، والمعنى الثاني أنْ يريد: وما يمكنكم ولاَ يسَعُكُمْ الاخْتفاءُ عن أَعْضَائِكُمْ، والاستتارُ عنها بكُفْرِكُمْ ومعاصيكم، وهذا هو مَنْحَى السُّدِّيِّ، وعن ابن مسعود قال: «حديث : إِنِّي لمستترٌ بأستارِ الكعبةِ، إذْ دَخَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَترَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَا؟ فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذَا رفَعْنَا، وَلا يَسْمَعُ إذَا أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئاً فَإنَّهُ يَسْمَعُهُ كُلَّهُ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ}، وقرأ حتى بلغ: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}».تفسير : قال الشيخ أبو محمَّدِ بْنُ أبي زَيْدٍ في آخر: «مُخْتَصَرِ المُدَوَّنَةِ» له: واعلم أنَّ [الأجساد التي أطاعت أو عصت، هي التي تُبْعَثُ يومَ القيامة لِتُجَازَىٰ، والجلودُ التي كانَتْ في الدنيا، والألسنةُ]، والأيْدِي، والأرجُلُ هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على مَنْ تشهَدُ، انتهى. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: واعلم أَنَّ عند أهل السنة أَنَّ تلك الأجسادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بأعيانها وأعراضِهَا بلا خلافٍ بينهم في ذلك، انتهى، ومعنى {أَرْدَاكُمْ}: أهلككم، والرَّدَى: الهَلاَكُ؛ وفي صحيحُ «البخاريِّ» و«مسلم» عن جابر قال: سمعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ قبل وفاته بثلاثٍ: «حديث : لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِّلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»تفسير : وذكره ابن أبي الدنيا في كتابٍ حَسَنِ الظنِّ باللَّه عز وجلَّ، وزاد فيه: «فَإنَّ قَوْماً قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ ٱلُخَـٰسِرِينَ} انتهى، ونقله أيضاً صاحب «التذكرة». وقوله تعالى: {فَإِن يَصْبِرُواْ} مخاطبةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمعنى: فإنْ يصبروا أوْ لا يَصْبِرُوا، واقتصر لدلالة الظاهِرِ علَىٰ ما ترك. وقوله تعالى: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} معناه: وإنْ طَلَبُوا العُتَبَىٰ، وهي الرضَا فما هم مِمَّنْ يُعْطَاها ويَسْتَوْجِبُهَا؛ قال أبو حَيَّان: قراءة الجمهور: «وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا مبنيًّا للفاعل، و: {مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} مبنيًّا للمفعول، أي: وإِنْ يعتذروا فما هم من المَعْذُورِينَ، انتهى. ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حِينَ أعرضوا، فَحْتَّمَ عليهم، فقال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ}، أي: يَسَّرْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ سَوْءٍ من الشياطين وغُوَاةِ الإنْسِ. وقوله: {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: عَلَّمُوهم، وقَرَّروا لهم في نفوسهم معتقداتِ سوءٍ في الأمور التي تقدَّمتهم من أمر الرسُلِ والنُبُوَّاتِ، ومَدْحِ عبادةِ الأصنامِ، وٱتِّباعِ فعل الآباء، إلى غير ذلك مِمَّا يُقَالُ: إنَّه بين أيدِيهِمْ، وذلك كلُّ ما تقدَّمهم في الزَّمَنِ، وٱتَّصَلَ إليهم أثره أو خَبَرُهُ، وكذلك أعطُوهُمْ معتقداتِ سوءٍ فيما خَلْفهم، وهو كلُّ ما يأتي بَعْدَهُمْ من القيامة والبعث ونَحْوِ ذلك {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي: سبق عليهم القضاءُ الحَتْمُ، وأَمَرَ اللَّهُ بتَعْذِيبِهِمْ في جملةِ أُمَمٍ مُعَذِّبِينَ، كُفَّارٍ من الجنِّ والإنس. وقالت فرقة: «في» بمعنى «مع»، أي: مع أمم، قال * ع *: والمعنى يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أنْ نجعل حرفاً بمعنى حَرْفٍ، إذ قد أبى ذلك رؤساءُ البَصْرِيِّينَ.
البقاعي
تفسير : ولما اعتذروا بما إخبارهم به في هذه الدنيا وعظ وتنبيه، وفي الآخرة توبيخ وتنديم، قالوا مكررين للوعظ محذرين من جميع الكون: {وما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {تستترون} أي تتكفلون الستر عند المعاصي وأنتم تتوهمون، وهو مراد قتادة بقوله؛ تظنون. {أن يشهد عليكم} بتلك المعاصي. ولما كان المقصود الإبلاغ في الزجر، أعاد التفصيل فقال: {سمعكم} وأكد بتكرير النافي فقال: {ولا أبصاركم} جمع وأفرد لما مضى {ولا جلودكم ولكن} إنما كان استتاركم لأنكم {ظننتم} بسبب إنكاركم البعث جهلاً منكم {أن الله} الذي له جميع الكمال {لا يعلم} أي في وقت من الأوقات {كثيراً مما تعملون *} أي تجددون عمله مستمرين عليه، وهو ما كنتم تعدونه خفياً فهذا هو الذي جرأكم على ما فعلتم، فإن كان هذا ظنكم فهو كفر، وإلا كان عملكم عمل من يظنه فهو قريب من الكفر والمؤمن حقاً من علم أن الله مطلع على سره وجهره، فلم يزل مراقباً خائفاً هائباً، روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري في كتاب التوحيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فأنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله {وما كنتم} - الآية، قال البغوي؛ قيل: الثقفي عبد ياليل وختناه، والقرشيان: ربيعة وصفوان بن أمية. ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصاً يقدح في الإلهية، بين أنه الموجب للغضب فقال: {وذلكم} أي الأمر العظيم في القباحة، ثم بينه بقوله: {ظنكم} أي الفاسد، ووصفه بقوله: {الذي ظننتم بربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم، ثم أخبر عنه بقوله: {أرداكم} أي تسبب عنه خاصة أنه أهلككم. وأما معاصي الجوارح مع التوحيد والتنزيه فأمرها أسهل، والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون فيه من الشارع فهو يردي صاحبه. ولما كان الصباح محل رجاء الأفراح، فكان شر الأتراح ما كان فيه، قال: {فأصبحتم} أي بسبب أن ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا به أنفسكم من الهلاك كان سبب هلاككم {من الخاسرين *} أي العريقين في الخسارة، المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم، وصوره بأقبح صورة وهو الصباح، فالمعنى أنه إذا صار حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن للربح وقت يتدارك فيه بخلاف ما لو وجد ذلك عن المساء فإنه كان ينتظر الصباح للسعي في الربح، ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح، فينبغي للمؤمن أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة لله. ولما كان ذلك، تسبب عنه قوله لافتاً القول عن خطابهم إيذاناً بشدة الغضب وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال، فلم يقدروا على نطق بلسان، ولا إشارة برأس ولا بنان: {فإن يصبروا} أي على ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم، وهو معنى قوله: {فالنار مثوى} أي منزلاً {لهم وإن يستعتبوا} أي يطلبوا الرضى بزوال العتب, وهو المؤاخذة بالذنب {فما هم من المعتبين *} أي المرضيين الذين العتب عليهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم. ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد، وعطفه على ما تقديره: فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما يوجب العتب، فأعرضوا ولم تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود، فقال صارفاً القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جداً: {وقيضنا} أي جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا، من القيض الذي هو المثل، وقشر البيضة الأعلى اليابس {لهم قرناء} أي أشخاصاً أمثالهم في الأخلاق والأوصاف أقوياء وهم مع كونهم شديدي الالتصاق بهم والإحاطة في غاية النحس والشدة في اللؤم والخبث واللجاجة فيما يكون به ضيق الخير واتساع الشر من غواة الجن والإنس {فزينوا لهم} أي من القبائح {ما} وعم الأشياء كلها فلم يأت بالجار فقال: {بين أيديهم} أي يعلمون قباحته حتى حسنوه لهم فارتكبوه ورغبوا فيه {وما خلفهم} أي ما يجهلون أمره ولا يزالون في كل شيء يزينونه ويلحون فيه ويكررونه حتى يقبل، فإن التكرير مقرون بالتأثير، قال القشيري: إذا أراد الله بعبد سوءاً قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، وإذا أراد الله بعبد خيراً قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعات ويحملونه عليها ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غداً عليه. ولما كان التقدير: فلم يدعوا قبيحة حتى ارتكبوها، عطف عليه قوله: {وحق} أي وجب وثبت {عليهم القول} أي بدوام الغضب. ولما كان هذا مما يوجب شدة أسفه صلى الله عليه وسلم، خفف منه بقوله: {في} أي كائنين في جملة {أمم} أي كثيرة. ولما عبر عنهم بما يقتضي تعظيمهم بأنهم مقصودون، حقرهم بمضير التأنيث فقال: {قد خلت} أي لم تتعظ أمه منهم بالأخرى. ولما كان الخلو قد يكون بالموت في زمانهم، بين أنه مما مضى وفات. ولما كان بعض من مضى غير مستغرق لجميع الزمان، عبر بـ "من" فقال: {من قبلهم} أي في الزمان، وقدم الأقوى لتفهم القدرة عليه القدرة على ما دونه من باب الأولى، فإن الإنس كانوا يعدون أنفسهم دون الجن فيعوذون بهم فقال: {من الجن والإنس} ثم علل حقوق الشقاء عليهم بقوله منبهاً بالتأكيد على أنهم ينكرون أن تكون القبائح موجبة للخسر {إنهم} أي جميع المذكورين منهم وممن قبلهم: {كانوا} أي طبعاً وفعلاً {خاسرين *} فعلى العاقل أن يجتهد في اختيار أصحابه وأخدانه وأحبابه، فإن العاقبة فيهم حسنة جسيمة أو قبيحة وخيمة، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته شيطاناً فلا يرى حسناً إلا قبحه ولا قبيحاً إلا حسنه عنده". تفسير : ولأحمد وأبي داود والنسائي وأبي يعلى وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أراد الله بوالي خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه". تفسير : وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما والنسائي عن أبي هريرة وحده رضي الله عنه والبخاري أيضاً عن أبي أيوب رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى". تفسير : وفي رواية النسائي: "حديث : ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو إلى من يغلب عليه منهما"تفسير : ، ورواية البخاري عن أبي أيوب نحوها. ولما أخبر بخسرانهم، دل عليه بما عطف على ما أرشد إليه السياق من تقديره من وقولي: فأعرضوا - أي هؤلاء العرب - وقالوا - هكذا كان ألأصل ولكنه قال تنبيها على الوصف الذي أوجب إعراضهم: {وقال الذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من الحق {لا تسمعوا} أي شيئاً من مطلق السماع {لهذا القرآن} تعييناً بالإشارة احترازاً من غيره من الكتب القديمة كالتوارة، قال القشيري: لأنه يغلب القلوب ويسلب العقول، وكل من استمع له صبا إليه {والغوا} أي أهذوا من لغي - بالكسر يلغى - بالفتح - إذا تكلم بما لا فائدة فيه {فيه} أي اجعلوه ظرفاً للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغو بالمكاء والتصدية أي الصفير والتصفيق وغيرهما في حال تلاوته ليقع تاليه في السهو والغلط، قال القشيري: قالوا ذلك ولم يعلموا أن من نور قلبه بالإيمان وأيد بالفهم وأمد بالبصيرة وكوشف بسماع السر من الغيب، فهو الذي يسمع ويؤمن، والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه، ولا يباشر السماع سره. {لعلكم تغلبون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن يميل إليه أحد، أو يسكت أو ينسى ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من سمعه ولا هوى عنده مال إليه وأقبل بكليته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها، وذلك لأنهم تحدوا به في أن يأتوا بشيء من مثله ليعدوا غالبين فلم يجدوا شيئاً يترجون به الغلب إلا الصفير والتصفيق ونحوه من اللغو في معارضة ما علا من أعلى ذرى الكلام إلى حيث لا مطمع ولا مرام، فلا يفيد ما أتوا به معنى غير أنهم عاجزون عن المعارضة قاطعون بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا، وقطع كل من سمعه بأنهم مغلوبون.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} حكايةٌ لما سيقالُ لهُمْ يومئذٍ من جهتهِ تعالى بطريقِ التوبـيخ والتقريعِ تقريراً لجوابِ الجلودِ أي ما كنتُم تستترونَ في الدُّنيا عند مباشرتِكم الفواحشَ مخافةَ أن تشهدَ عليكُم جوارِحُكُم بذلكَ كما كنتُم تستترونَ من الناسِ مخافةَ الافتضاحِ عندهم بلْ كنتُم جاحدينَ بالبعثِ والجزاءِ رأساً {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ} من القبائحِ المخفيةِ فلا يُظهرها في الآخرةِ ولذلكَ اجترأتُم على ما فعلتُم، وفيهِ إيذانٌ بأنَّ شهادةَ الجوارحِ بإعلامِه تعالَى حينئذٍ لا بأنَّها كانتْ عالمةً بما شهدتْ به عند صدورِه عنهم. عن ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه: كنتُ مستتراً بأستارِ الكعبةِ فدخلَ ثلاثةُ نفرٍ، ثقفيانِ وقرشيٌّ، أو قرشيانِ وثقفيٌّ فقال أحدُهم أترونَ أنَّ الله يسمعُ ما نقولُ قال الآخرُ يسمعُ إنْ جهَرنا، ولا يسمعُ أنْ أخفينَا فذكرتُ ذلكَ للنبـيِّ صلى الله عليه وسلم فأنزلَ الله تعالَى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} الآيةَ. فالحكمُ المحكيُّ حينئذٍ يكونُ خاصَّاً بمن كانَ على ذلكَ الاعتقادِ من الكَفَرةِ، ولعلَّ الأنسبَ أنْ يرادَ بالظنِّ مَعْنى مجازيٌّ يعمُّ معناهُ الحقيقيَّ ومَا يَجري مَجراهُ من الأعمالِ المنبئةِ عنْهُ كما في قولِه تعالَى: {أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } تفسير : [سورة الهمزة: الآية 3] ليعمَّ ما حُكي من الحالِ جميَع أصنافِ الكَفَرةِ فتدبرْ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} [الآية: 22]. قال أبو عثمان رحمة الله عليه: من لم يذكر فى وقت مباشرته الذنوب شهادة جوارحه عليه تحرى على الذنوب ومن ذكر ذلك جبن عن مباشرتها وربما يلحقه التوفيق والعصمة فيمنعاه عنها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} من باشر المعصية يظهر أثارها على جوارحه لا يقدران يسترها ولو كان عالما بنفسه يستغفر فى السر عند الله حتى يضمحل أثارها ولا يرى من وجوده تلك الاثار صاحب كل نظر قال ابو عثمان الحيرى من لم يذكر فى وقت مباشرته الذنوب شهادة جوارحه عليه يجترى على الذنوب ومن ذكر ذلك جبن عن مباشرتها وربما يلحقه العصمة والتوفيق فيمنعانه عنها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم} قوله ان يشهد فى موضع النصب باسقاط الخافض اى من ان يشهد لأن استتر لا يتعدى بنفسه او فى موضع الجر على تقدير المصاف اى مخافة ان يشهد ولا فى الموضعين زآئدة لتاكيد النفى وهذه حكاية لما سيقال للاعدآء يومئذ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقرير الجواب الجلود والمعنى وما كنتم تستترون فى الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة ان تشهد عليكم جوارحكم بذلك لأنها كانت اجساما صامتة غير ناطقة ولم يكن فى حسابكم ما استقبلكم كما كنتم تستترون من الناس بالحيطان والحجب وظلمة الليل مخافة الافتضاح عندهم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزآء راسا فضلا عن شهادة الاعضاء وفيه تنبيه على ان المؤمن ينبغى ان يتحقق ان لا يمر عليه حال الا وعليه رقيب وان الله معه اينما كان وفى الحديث "حديث : افضل ايمان المرء ان يعلم ان الله معه حيث كان " تفسير : يارباتست هركجاهستى. جاى ديكر جه خواهى اى او باش. باتو در زيريك كليم جو اوست بس برو اى حريف خود را باش. فعلى العبد ان يحفظ نفسه ويحاسبها قبل ان تحاسب قال البقلى فى عرآئسه من باشر المعصية تظهر آثارها على جوارحه لا يقدر ان يسترها ولو كان عالما بنفسه يستغفر فى السر عند الله حتى تضمحل آثارها ولا يرى وجود تلك الآثار صاحب كل نظرة قال ابو عثمان رحمه الله من لم يذكر فى وقت مباشرته الذنوب شهادة جوارحه عليه يجترئ على الذنوب ومن ذكر ذلك حين مباشرتها ربما تلحقه العصمة والتوفيق فيمنعانه عنها وفضوح الدنيا فالنار ولا العار {ولكن ظننتم} عند استتاركم {ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} من القبائح المخفية فلا يظهرها فى الآخرة على تقدير وقوعها ولذلك اجترأتم على ما فعلتم يشير الى معتقد الفلاسفة الزنادقة فانهم يعتقدون ان الله لا يكون عالم الجزئيات وفيه ايذان بان شهادة الجوارح باعلامه تعالى حينئذ لا بانها كانت عالمة بما شهدت به عند صدروه عنهم وادخل الكثير لكونهم يزعمون ان الله يعلم ما يجهر به دون ما يسر عن ابن مسعود رضى الله عنه كنت مستترا باستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشى او قرشيان وثقفى كثير شحم بطونهم قليل فقه بطونهم قيل الثقفى عبدياليل والقرشيان ختناه ربيعة وصفوان بن امية فقال احدهم اترون أن الله يسمع ما نقول قال الآخر يسمع ان جهرنا ولا يسمع ان اخفينا فذكرت ذلك للنبى عليه السلام فانزل الله تعالى وما كنتم تستترون الخ فالحكم المحكى حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة ولعل الانسب ان يراد بالظن معنى مجازى يعم المعنى الحقيقى وما جرى مجراه من الاعمال المنبئة عنه كما فى قوله تعالى {أية : يحسب أن ماله اخلده} تفسير : فان معناه يعمل عمل من يظن أن ماله يبقيه حيا ليعم ما حكى من الحال جميع اصناف الكفرة فتدبر كذا فى الارشاد
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ} من ان يشهد {عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} والمراد بالجلود كما فى اخبارٍ كثيرةٍ الفروج {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ} يعنى انّكم كنتم لا تخفون عن حضور جوارحكم ولكن تجرّأتم على المعاصى لظنّكم {أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ} من غير حقيقةٍ {أَرْدَاكُمْ} ظنّكم خبر ذلكم او بدله وأرديكم خبره او خبرٌ بعد خبرٍ او مستأنفٌ او حالٌ بتقدير قد {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} لضياع بضاعتكم الّتى هى امد اعماركم وشهادة ما كان لكم عليكم، عن الصّادق (ع) انّه قال، قال رسول الله (ص): حديث : انّ آخر عبدٍ يؤمر به الى النّار فاذا امر به التفت فيقول الجبّار جلّ جلاله: ردّوه، فيردّونه فيقول له: لم التفتّ الىّ؟ فيقول: يا ربّ لم يكن ظنّى بك هذا! فيقول: ما كان ظنّك بى؟ فيقول: يا ربّ كان ظنّى بك ان تغفر لى خطيئتى وتسكننى جنّتك، قال: فيقول الجبّار: يا ملائكتى لا وعزّتى وجلالى وآلائى وعلوّى وارتفاع مكانى ما ظنّ بى عبدى هذا ساعةً من خير قطّ ولو ظنّ بى ساعةً من خير ما روّعته بالنّار، اجيزوا له كذبه وادخلوه الجنّةتفسير : ، ثمّ قال رسول الله (ص): حديث : ليس من عبد يظنّ بالله عزّ وجلّ خيراً الاّ كان عند ظنّه به تفسير : وذلك قوله عزّ وجلّ {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ}.
الأعقم
تفسير : {وما كنتم تستترون}، قيل: تستحقون، وقيل: ما كنتم تستترون معاصيكم عن الخلق فيما كنتم تسترون عن أنفسكم لأن الإِنسان لا يمكنه أن يستر عن نفسه كما يستر عن غيره، وقيل: تتقون، وقيل: تظنون {أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون} أي بجهلكم بالتوحيد ظننتم أن أعمالكم تخفى على الله تعالى {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} بذلك يوم القيامة {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} فيه حذف، يعني أن يصبروا أو لا يصبروا {وإن يستعتبوا} يطلبوا أن يرضى الله عنهم فما الله براضي عنهم، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل {وقيضنا لهم قرناء} بالتخلية والتمكين، يعني لما كفروا واستبدلوا بالأنبياء والمؤمنين شياطين الإِنس والجن وصاروا قرناء لهم، وأضافه إلى نفسه لأنه كان عند تخليته، وهذا لمن ترك العلم واشتغل بالسرقة مع اللصوص فتصير اللصوص بدلاً من العلماء له قرناء، وتقديره خلينا بينه وبين قرناء السوء امتحاناً فتبعوهم، وقوله: {قرناء فزيّنوا} قرناؤهم {ما بين أيديهم} من أمور الدنيا زيّنوا لهم حتى آثروها وعملوا لها {وما خلفهم} من أمور الآخرة دعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث، وقيل: رغبوهم في الدنيا وزهدوهم في الآخرة، وقيل: زينوا لهم الفساد الذي في زمانهم، وقيل: زينوا لهم إنكار البعث في الآخرة، وقيل: إنكار النبوة {وحق عليهم القول}، قيل: وجب عليهم وعيده بالعذاب الذي أخبر أنه يعذب به من عصاه كما حق على أمم مضوا قبل هؤلاء {من الجن والإِنس إنهم كانوا خاسرين} خسروا الجنة ونعيمها {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}، قيل: كان بعض المشركين يوصي بعضهم فيقول إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالزجر والاشعار فنزلت الآية، وذلك أن القوم لما عجزوا عن معارضته عدلوا إلى التواصي بترك استماعه، واللغو فيه قيل: التخليط في القرآن والتصفير، وقيل: الزجر والشعر، وقيل: الصياح {لعلكم تغلبون} يعني لتغلبوا محمداً على قراءته {فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} نجازيهم على أعمالهم السيئة {ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون} {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلاّنا من الجن والإِنس} يعني إذا أخذهم العذاب وعلم الاتباع أن البلاء حلَّ بهم بسبب المتبوعين الذين أضلوهم فقالوا هذا القول وتمنوا أن يريهم، وقيل: اللذين أضلانا قيل: أراد ابليس من الجن وقابيل الذي قتل أخاه، وقيل: أراد الدعاة إلى الضلال وأئمة الكفر والبدع {نجعلهما تحت أقدامنا} في النار {ليكونا من الأسفلين} أي في الدرك الأسفل فيكون عذابهما أشد.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ} أي من يشهد أو مخافة أن يشهد أو لئلا يشهد وفيه حذف لا النافية واللام معاً والاستتار الاختفاء وقيل المراد ما كنتم تظنون أن يشهد. {عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلآَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} قال مجاهد: أي كنتم تستخفون عنها عند فعل القبائح والمعاصي لانكم لا تعلمون انها تشهد عليكم بل تنكرون شهادتنا من حيث تكذيبكم بالبعث والجزاء وان ما تستخفون عن الناس بالحيطان ونحوها وتظنون ان الله لا يعلم ما أخفيتم. كما قال* {وَلَكِن ظَنَنتُمْ} وقرئ (أعمتهم)* {أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً} هو ما أخفيتم من أفعالكم وما في قلوبكم* {مِّمَّا تَعْمَلُونَ} فاجترأتم على المعاصي وقال ابن عباس: كان الكفار يقولون ان الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما يظهر. قال ابن مسعود: اني لمستتر بأستار الكعبة اذ دخل ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: انا اذا رفعنا أصواتنا سمعه، واذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر: ان سمع منه شيئاً سمعه كله، فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} الى قوله {أية : مِنَ الْخَاسِرِين } تفسير : وقوله: (ثقفيان وقرشي) شك منه وعن بعض أن الثقفي عبد ياليل والقرشيين ختناه ربيعة وصفوان بن أمية وقولهم يسمع ما أجهرنا لا ما أخفينا الحاد الى أنه يسمع بأذن وهيهات ما سمعه الا علمه وقال السدي معنى {كُنْتُمْ تَسْتَتِرُون} الخ أنه كان يمكن لكم الاستتار عنها وموقعه انكم لو استترتم عن الناس فالاعضاء شاهدة حاضرة
اطفيش
تفسير : {وما كُنتُم تَستترون} فى الدنيا حال المعصية {أن يَشهَد عليْكُم} تمتنعون عن أن يشهد، لأن الاستتار امتناع عن الظهور، أو تستترون عن الناس كراهة أن يشهد، أو لئلا يشهد،وان كان من كلام الله يقوله لهم يوم القيامة توبيخا، فهو حكاية لما سيقوله له، والصحيح أنه من كلام الجلود، فيكون ذكر الجلود فى قوله: {سَمْعكم ولا أبْصاركم ولا جُلودكم} من وضع الظاهر موضع المضمر للبيان والتفريع، باضافتهما اليهم، والأصل سمعكم ولا أبصاركم ولا نحن {ولَن ظَننتُم} اعتقدتم {أن الله لا يعْلم كثيرا ممَّا تعْملونَ} أى ولكن لأجل ظنكم أن الله تعالى لا يعلم كثيرا ما تعملون خفية، ومن للبيان، قال ابن مسعود: كنت مستندا للكعبة، فجاء رجلان ثقفيان وقريشى، أو قريشيان وثقفى، وفى الصحيحين: كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال واحد: نعم ان رفعنا أصواتنا، وقال آخر: ان سمع بعضه سمع كله، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وما كنتم تستترون} الى قوله سبحانه: " أية : من الخاسرين " تفسير : [فصلت: 23] رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، فهذا أنص فى أن قوله: {وما كنتم} إلخ ليس من كلام الجلود.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: / {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ } حكاية لما سيقال لهم يومئذٍ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقريراً لجواب الجلود، واستظهر أبو حيان أنه من كلام الجوارح و {أَن يَشْهَدَ } مفعول له بتقدير مضاف أي ما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أو كراهة أن تشهد عليكم جوارحكم بذلك أي ليس استتاركم للخوف مما ذكر أو لكراهته. {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ } أي ولكن لأجل ظنكم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون وهو ما عملتم خفية فلا يظهره سبحانه يوم القيامة وينطق الجوارح به فلذا سعيتم في الاستتار عن الخلق دون الخالق عز وجل أو هو بتقدير حرف جر متعلق بتستترون فقيل: هو الباء والمستتر عنه الجوارح، والمعنى ما استترتم عنها بملابسة أن تشهد عليكم أي تتحمل الشهادة إذ ما ظننتم أنها تشهد عليكم بل ظننتم أن الله سبحانه لا يعلم فلذا لم يكن استتاركم بهذا السبب، وقيل: هو عن والمعنى لم يمكنكم الاستتار عن الجوارح لئلا تتحمل الشهادة عليكم حين ترتكبون ما ترتكبون لكن ظننتم ما ظننتم. وقيل: {أَن تَشْهَدَ } مفعول له والمستتر عنه الجوارح أي ما تستترون عن جوارحكم مخافة أن تشهد عليكم لكن ظننتم الخ، وقيل: إن {تَسْتَتِرُونَ } ضمن معنى الظن فعدي تعديته أي ما كنتم تستترون ظانين شهادة الجوارح عليكم، ويؤيده قول قتادة: أي ما كنتم تظنون أن تشهد عليكم الخ، والحق أن هذا بيان لحاصل المعنى. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان أو ثقفي وقرشيان كثير لحم بطونهم قليل فقة قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم: أَتُرون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا يسمعه وإذا لم نرفع لم يسمع فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله قال: فذكرت ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {أية : وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُكُمْ}تفسير : [فصلت: 22] إلى قوله سبحانه {أية : مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}تفسير : [فصلت: 23] فالحكم المحكي حينئذٍ يكون خاصاً بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفر لكنه قيل في الفكرة. وفي «الإرشاد» ((لعل الأنسب أن يراد بالظن معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما يجري مجراه من الأعمال المنبئة عنه كما في قوله تعالى: {أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }تفسير : [الهمزة: 3] ليعم ما حكى من الحال جميع أصناف الكفرة فتدبر)). وفي الآية تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن لا يمر عليه حال إلا بملاحظة أن عليه رقيباً كما قال أبو نواس: شعر : إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل عليّ رقيبُ ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
ابن عاشور
تفسير : قلّ من تصدى من المفسرين لبيان اتصال هذه الآيات الثلاث بما قبلها، ومن تصدّى منهم لذلك لم يأت بما فيه مقْنع، وأوْلى كلام في ذلك كلام ابن عطية ولكنه وَجيز وغير محرر وهو وبعض المفسرين ذكروا سبباً لنزولها فزادوا بذلك إشكالاً وما أبانوا انفصالاً. ولنبدأ بما يقتضيه نظم الكلام، ثم نأتي على ما روي في سبب نزولها بما لا يفضي إلى الانفصام. فيجوز أن تكون جملة {وَمَا كُنتُم تَسْتتِرُونَ} بتمامها معطوفة على جملة { أية : وَهُوَ خَلَقَكُم أوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [فصلت: 21] الخ فتكون مشمولة للاعتراض متصلة بالتي قبلها على كلا التأويلين السابقين في التي قبلها. ويجوز أن تكون مستقلة عنها: إمّا معطوفة على جملة { أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْدَاءُ الله إلىٰ النَّارِ } تفسير : [فصلت: 19] الآيات، وإما معترضة بين تلك الجملة وجملةِ { أية : فَإِنْ يَصبِرُوا فالنَّارُ مَثْوَىً لَهُم } تفسير : [فصلت: 24]، وتكون الواو اعتراضية، ومناسبة الاعتراض ما جرى من ذكر شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم عليهم. فيكون الخطاب لجميع المشركين الأحياء في الدنيا، أو للمشركين في يوم القيامة. وعلى هذه الوجوه فالمعنى: ما كنتم في الدنيا تخفون شرككم وتستترون منه بل كنتم تجهرون به وتفخرون باتباعه فماذا لومكم على جوارحكم وأجسادكم أن شهدت عليكم بذلك فإنه كان أمراً مشهوراً فالاستتار مستعمل في الإخبار مجازاً لأن حقيقة الاستتار إخفاء الذوات والذي شهدت به جوارحهم هو اعتقاد الشرك والأقوال الداعية إليه. وحرف {ما} نفي بقرينة قوله بعده: {وَلٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ} الخ، ولا بد من تقدير حرف جر يتعدى به فعل {تَستتِرُونَ} إلى {أَن يَشْهَدَ} وهو محذوف على الطريقة المشهورة في حذف حرف الجر مع (أَنْ). وتقديره: بحسب ما يدل عليه الكلام وهو هنا يقدر حرفَ مِن، أي ما كنتم تستترون من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم، أي ما كنتم تستترون من تلك الشهود، وما كنتم تتقون شهادتها، إذ لا تحسبون أن ما أنتم عليه ضائر إذ أنتم لا تؤمنون بوقوع يوم الحساب. فأما ما ورد في سبب نزول الآية فهو حديث «الصحيحين» و«جامع الترمذي» بأسانيد يزيد بعضها على بعض إلى عبد الله بن مسعود قال: «كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليلٌ فِقْهُ قلوبهم كثيرٌ شحْم بطونهم فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول، فقال الآخر: يَسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، قال عبد الله: فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كُنْتم تَستَتِرُونَ أَن يَشْهَد عَلَيكُم سَمْعُكُم وَلا أَبْصٰرُكُم} إلى قوله: {فَأَصْبَحْتُم مِنَ الخٰسِرِينَ}. وهذا بظاهره يقتضي أن المخاطب به نفر معين في قضية خاصة مع الصلاحية لشمول من عسى أن يكون صدر منهم مثل هذا العمل للتساوي في التفكير. ويجعل موقعها بين الآيات التي قبلها وبعدها غريباً، فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالي لنزول التي قبلها، ويجوز أن تكون نزلت في وقت آخر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضعها في موضعها هذا لمناسبة ما في الآية التي قبلها من شهادة سمعهم وأبصارهم. ومع هذا فهي آية مكية إذ لم يختلف المفسرون في أن السورة كلها مكية. وقال ابن عطية: يشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد الله إياه ا هــــ. وفي كلامه الأول مخالفة لما جزم به هو وغيرهُ من المفسرين أن السورة كلها مكية، وكيف يصح كلامه ذلك وقد ذكر غيرهُ أن النفر الثلاثة هم: عبد ياليل الثقفي وصفوان وربيعة ابنا أمية بنِ خلف، فأما عبد ياليل فأسلم وله صحبة عند ابن إسحاق وجماعة، وكذلك صفوان بن أمية، وأما ربيعة بن أمية فلا يعرف له إسلام فلا يلاقي ذلك أن تكون الآية نزلت بعد فتح مكة. وأحسن ما في كلام ابن عطية طرفه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلاً بها فإن ذلك يُؤَوِّل قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى الآية، ويبين وجه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقاً لمثال من صور معنى الآية، وهو أن مثل هذا النفر ممن يَشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، وذلك قاض بأن هؤلاء النفر كانوا مشركين يومئذٍ، والآية تحق على من مات منهم كافراً مثل ربيعة بن أمية بن خلف. وعلى بعض احتمالات هذا التفسير يكون فعل {تَستَتِرُونَ} مستعملاً في حقيقته أي تستترون بأعمالكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم، وذلك توبيخ كناية عن أنهم ما كانوا يرون ما هم عليه قبيحاً حتى يستتروا منه. وعلى بعض الاحتمالات فيما ذكر يكون فعل {تستترون} مستعملاً في حقيقته ومجازه، ولا يُعوزك توزيع أصناف هذه الاحتمالات بعضها مع بعض في كل تقدير تَفرِضُه. وحاصل معنى الآية على جميع الاحتمالات: أن الله عليم بأعمالكم ونياتكم لا يخفى عليه شيء منها إن جهرتم أو سترتم وليس الله بحاجة إلى شهادة جوارحكم عليكم وما أوقعكم في هذا الضر إلا سوء ظنكم بجلال الله. {وَذٰلِكُم ظَنُّكُمُ} الإِشارة إلى الظن المأخوذ من فعل {ظَنَنتُم أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ}، ويستفاد من الإِشارة إليه تمييزه أكمل تمييز وتشهير شناعته للنداء على ضلالهم. وأتبع اسم الإِشارة بالبدل بقوله: {ظَنُّكُم} لزيادة بيانه ليتمكن ما يعقبه من الخبر، والخبر هو فعل {أَردَاكُم} وما تفرع عليه. و {الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم} صفة لــــ {ظَنُّكُمُ}. والإِتيان بالموصول لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو {أَرْدَاكُم} وما تفرع عليه، أي الذي ظننتم بربكم ظناً باطلاً. والعدول عن اسم الله العَلَم إلى {بِرَبِّكُم} للتنبيه على ضلالِ ظنهم، إذ ظنوا خفاء بعض أعمالهم عن علمه مع أنه ربهم وخالقهم فكيف يخلقهم وتخفى عنه أعمالهم، وهو يشير إلى قوله: { أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } تفسير : [الملك: 14]، ففي وصف {بِرَبِّكُم} إيماء إلى هذا المعنى. والإِرداء: الإِهلاك، يقال: رَدِيَ كرضِي، إذا هلَك، أي مات، والإِرداء مستعار للإِيقاع في سوء الحالة بحيث أصارهم مثل الأموات فإن ذلك أقصى ما هو متعارف بين الناس في سوء الحالة وفي الإِتيان بالمسند فعلاً إفادة قصرٍ، أي ما أرداكم إلا ظنكم ذلك، وهو قصر إضافي، أي لم تُردِكم شهادة جوارحكم حتى تلوموها بل أرداكم ظنكم أن الله لا يعلم أعمالكم فلم تحذروا عقابه. وقوله: {فَأَصبحتم مِنَ الخٰسِرِينَ} تمثيل لحالهم إذ يحسبون أنهم وصلوا إلى معرفة ما يحق أن يعرفوه من شؤون الله ووثقوا من تحصيل سعادتهم، وهم ما عرفوا الله حق معرفته فعاملوا الله بما لا يرضاه فاستحقوا العذاب من حيث ظنوا النجاة، فشبه حالهم بحال التاجر الذي استعدّ للربح فوقع في الخسارة. والمعنى: أنه نُعي عليهم سوء استدلالهم وفساد قياسهم في الأمور الإِلهية، وقياسُهم الغائبَ على الشاهد، تلك الأصولُ التي استدرجتهم في الضلالة فأحالوا رسالة البشر عن الله ونفوا البعث، ثم أثبتوا شركاء لله في الإِلهية، وتفرع لهم من ذلك كله قطع نظرهم عما وراء الحياة الدنيا وأمنهم من التبعات في الحياة الدنيا، فذلك جماع قوله تعالى: {وَذٰلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بربِّكم أرْدٰاكُم فأصْبَحْتُم مِنَ الخٰسِرِينَ}. واعلم أن أسباب الضلال في العقائد كلها إنما تأتي على الناس من فساد التأمل وسرعة الإِيقان وعدم التمييز بين الدلائل الصائبة والدلائل المشابهة وكل ذلك يفضي إلى الوهَم المعبر عنه بالظن السيِّىء، أو الباطل. وقد ذكر الله مثله في المنافقين وأن ظنهم هو ظن أهل الجاهلية فقال: { أية : يظنون باللَّه غير الحق ظن الجاهلية } تفسير : [آل عمران: 154]، فليحذر المؤمنون من الوقوع في مثل هذه الأوهام فيبُوءُوا ببعض ما نُعي على عبدة الأصنام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » تفسير : يريد الظن الذين لا دليل عليه. و(أصبحتم) بمعنى: صرتم، لأن أصبح يكثر أن تأتي بمعنى: صار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 27]. قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}. قد بينا معناه مع شواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} تفسير : [النحل: 84].
د. أسعد حومد
تفسير : {أَبْصَارُكُمْ} (22) - وَتَقُولُ لَهُمْ جَوَارِحُهُمْ وَجُلُودُهُمْ: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ مِنَّا حِينَمَا كُنْتُمْ تَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ حَذَراً مِنْ أَنْ نَشْهَدَ عَلَيْكُمْ، بَلْ كُنْتُمْ تُجَاهِرُونَ اللهَ تَعَالَى بِالكُفْرِ والمَعَاصِي، لأَِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أَفْعَالِكُمْ. تَسْتَتِرُونَ - تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ ارْتِكَابِ الفَوَاحِشِ. أَنْ يَشْهَدَ - مَخَافَةَ أَنْ يَشْهَدَ. ظَنَنْتُمْ - اعْتَقَدْتُمْ عِنْدَ اسْتِتَارِكُمْ مِنَ النَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: لقد فاتكم شيء هام ما تنبهتم إليه، وهو أنكم كنتم تستترون عن الخَلْق أنْ يراك أحد حال المعصية، ونسيتم أن الله مُطَّلع عليكم يراكم ويرقب أفعالكم وما كنتم تستترون عن أنفسكم وجوارحكم، وغاب عنكم أن الجوارح شاهدة عليكم يوم القيامة. فاليد التي ضربتَ بها، والرِّجْل التي سعيتَ بها، واللسان والأذن والعين، كل الجوارح ستأتي شاهدة عليك يوم القيامة، هذه الجوارح التي أمرها الله أنْ تنفعل لمراداتك في الدنيا وتطيعك في كل ما تريد ستتحرر من هذا القيد يوم القيامة، فلا يكون لك سلطان عليها، ساعتها ستشهد عليك. فإنْ أطاعتك في المعاصي في الدنيا، لأن الله سخرها لك فقد أطاعتك وهي كارهة لفعلك بريئة منه، أما وقد عاد الجميع إلى الله، وصار الملْك كله لله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] فلا عجبَ إذن أنْ تشهد عليكم جوارحكم، وأنْ تكون خصماً لكم أمام خالقها عز وجل. وسبق أنْ مثَّلْنا لهذه المسألة بقائد الكتيبة في الجيش يأمر جنوده فيأتمرون بأمره ينفذون الأوامر حتى لو كانت خاطئة، حتى إذا ما جاءوا إلى القائد الأعلى شكوْا إليه تعسُّف القائد المباشر، وقالوا: فعل بنا كذا وكذا. كذلك جوارح الإنسان أمرها الله أنْ تطيعه حتى في المعصية، وأنْ تنفعل لمراداته، فجوارحك تطيعك في كل شيء تريده، في الخير وفي الشر. وقوله: {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 22] الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "حديث : يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم" تفسير : إذا كنتَ لا تستطيع أنْ تفعل في إنسان مثلك عملاً يسوؤه على مرأى ومسمع منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه تذكيراً لما هم عليه عن ارتكاب المعاصي توبيخاً لهم وتقريعاً: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: لم تكونوا مسرين مستترين عند ارتكاب الفواحش والمحظورات مخافة {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} عند الله في يوم الجزاء؛ لإنكاركم به، بل إنما تشترون وتكتمون معاصيكم وقبائحكم مخافة فضاحتكم واشتهاركم بين الناس بالمذام {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ} بالله ظن السوء، وهو {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائر الأمور وخفاياتها {لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 22] في خلواتكم، لذلك اجترأتم على اقتراف المعاصي والآثام المحرمات. {وَذَلِكُمْ} أي: هذا الذي نسبتم إلى الله بقولهم هذا {ظَنُّكُمُ} السوء، وزعمكم الفاسد {ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ} العليم الخبير بجميع ما صدر عنكم، وهذا {أَرْدَاكُمْ} وأهلككم في تيه الجهل والضلال، وبعدما فوَّتم على أنفسكم أسباب السعادة والهداية، واخترتم بدلها ما يوجب الشقاوة والضلال {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ} زمرة {ٱلُخَاسِرِينَ} [فصلت: 23] وانقلبتم صاغرين مهانين، وصرتم في النار خالدين. وبعدما دخلوا في النار المسعرة بأنواع المذلة والهوان {فَإِن يَصْبِرُواْ} على فوحاتها والتهاباتها الشديدة {فَٱلنَّارُ مَثْوًى} منزلاً {لَّهُمْ} أبداً، لا نجاة لهم منها أصلاً {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} ويبثوا الشكوى والعتبى، ويظهروا الكآبة وعدم الطاقة {فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ} [فصلت: 24] المجابين بإزالة العتبى والشكوى، بل كلما أظهروا العتاب ضوعف لهم العذاب. {وَ} كيف يزال عتابهم، ولا يضاعف عليهم عذابهم؛ إذ قد {قَيَّضْنَا} وقدرنا {لَهُمْ} فيما هم عليه من الكفر والشقاق، وأنواع الفسوق والنفاق {قُرَنَآءَ} أخداناً وإخواناً من الشياطين يوحون إليهم ما يبعدهم عن الحق وأهله {فَزَيَّنُواْ لَهُم} وحسَّنوا لطباعهم {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من اتباع الشهوات، واركتاب المناهي والمحظورات {وَ} إنكار {مَا خَلْفَهُمْ} من الأمور الأخروية مواعيدها وموعوداتها. {وَ} سبب ارتكاب المعاصي وإصفاؤهم، قول قرنائهم {حَقَّ} وثبت {عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} وكلمة العذاب المؤبد منَّا، وليس هذا مخصوص بقوم دون قوم بل جرت سنتا كذلك {فِيۤ} كل {أُمَمٍ} مفسدة مشركة {قَدْ خَلَتْ} ومضت {مِن قَبْلِهِمْ} أي: قبل هؤلاء المشركين المسرفين سواء أكانوا {مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أي: المكلفين منها، وإنما استحقوا العذاب المؤبد والنكال المخلد بسبب {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} [فصلت: 25] خسراناً مبيناً؛ لاستبدالهم أسباب السعادة والهداية بالشقاوة والضلال.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 857 : 4 : 1 - سفين عن الأعمش عن عُمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة قال، قال بن مسعود، اني لمستقر باستار الكعبة، إذ جاء ثلثة نفر: ثقفي وختناه من قريش، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم. فتحدثوا بينهم بحديث. فقال أحدهم: "أترون الله يسمع ما نقول"؟ فقال بعضهم: "يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع اذا خفضنا". فقال الآخر: "إن كان يسمع بعضه، فإِنه يسمع اجمع". فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته. فنزلت {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} الى آخر الآية. [الآية 22].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} [22] 488 - أخبرنا محمد بن بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثني منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله [ح] - وأخبرنا محمد بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله قال: اجتمع ثقفيان وقُرشيٌ عند البيتِ، فقال بعضهم: أترى الله يعلم ما نقول؟. قال بعضهم: إذا أخفينا لم يعلم، وإذا أجهرنا علم. فأنزل الله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ} [وَ] اللفظُ لابن منصورٍ. 489 - أخبرنا محمد بن رافعٍ، قال: حدَّثنا عبد الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (تعالى): {يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} قال: "إنكم تُدعون، مُفدماً على أفواهِكُم بالفدامِ. فأولُ شيءٍ يبين على أحدكم: فخذهُ وكفُّهُ "/.
همام الصنعاني
تفسير : 2699- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ}: [الآية: 22]، قال: إنكم تَدعونَ، فَيفْدمُ على أفْواهِكم بالفِدَامِ فأول شيء يبين عن أحدكم، فَخِذُهُ وكَفُّهُ. 2700- عبد الرزاق، عن معمر قال: تلا الحسن هذه الآية: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ}: [الآية: 23]، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله: عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ثم أفتن ينطق الحسن في هذا. فقال: ألا وإن أعمال الناس على قدر ظنهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساء بالله الظن وأساء العمل".تفسير : قال الله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ...} حتى: {ٱلُخَاسِرِينَ}: [الآية: 22-23]. 2701- حدثنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن الأعمش، عن (عمارة)، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إني لمستتر بأستار الكعبة إذْ جاء ثلاثة نفر، ثقفي، وختناه قريشيان، كثير شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتحدَّثوا بينهم بحديث. فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال كله، قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأنزل الله: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} إلى {ٱلُخَاسِرِينَ}: [الآية: 22-23]. 2702- حدثنا عبد الرزاق، قال: أبنأنا معمر، قال لي رجل: إنه يؤمر برجلٍ إلى النَّار، فيَلْتَفِتُ فَيَقُولُ: يا رب، مَا كَانَ هَذَا ظني بك! قال: وما كان ظنك بي؟ قال: كَانَ ظني بِكَ أن تغفر لي ولا تُعذّبني، قال: فإني عند ظَنِّكَ بي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):