٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه، وقد ذكرنا مراراً أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] وقال أيضاً: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } وسمعت أن القارىء قرأ في مجلس العبادي هذه الآية، فقال العبادي: والقيامة في القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقروناً باليقين التام والمعرفة الحقيقية، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه، فكان هو الذي قال: {رَبُّنَا ٱللَّهُ } وبقي مستقيماً عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } متناولاً للقول والاعتقاد ويكون قوله {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } متناولاً للأعمال الصالحة. ثم قال: {تَتَنَزَلَ عَلَيْهِمْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة {أَلاَّ تَخَافُواْ } أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي، وههنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلاً، فإذا وجد يصير حاضراً، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضياً، وأيضاً المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولاً والماضي في كل حالة أبعد حصولاً، ولهذا قال الشاعر: شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : وإذا ثبت هذا فالمضار التي يتوقع حصولها في المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية، وأيضاً الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع حصول مضرة في المستقبل، والغم عبارة عن تألم القلب بسبب قوة نفع كان موجوداً في الماضي، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل بسبب الغم، إذا عرفت هذا، فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم في أول الأمر يخبرون بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا، وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، ثم بعد الفراغ منه يبشرون بحصول المنافع وهو قوله تعالى: {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } فإن قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر الرجل بحصول منفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة، فما السبب في تسمية هذا الخبر بالبشارة، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقياً كان له الجنة، أما من لم يسمع ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان هذا إخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر الأول بذلك فكان ذلك بشارة. واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث لا يكون فازعاً من الأهوال ومن الفزع الشديد، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لأن قوله {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق. ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ } وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال: { أية : وَقيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء } تفسير : [فصلت: 25] ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية، والمقامات الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأوراح بإلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إليها. وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدينا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر، والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات » تفسير : فإذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر، والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُنيا وَفِي ٱلأَخِرَةِ } ثم قال: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } قال ابن عباس: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } أي ما تتمنون، كقوله تعالى: { أية : لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } تفسير : [يس: 57] فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى فرق بين قوله {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } وبين قوله {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } قلنا: الأقرب عندي أن قوله {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } إشارة إلى الجنة الجسمانية، وقوله {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله { أية : دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [يونس: 10]. ثم قال: {نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } والنزل: رزق النزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال، قال العارفون: دلّت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذ أعطى النزل فلا بد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها، وتلك الخلع النفيسة ليست إلا السعادات الحاصلة عند الرؤية والتجلي والكشف التام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لها أهلاً بفضله وكرمه، إنه قريب مجيب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ وذلك أن المشركين قالوا ربُّنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربُّنا الله وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله؛ فاستقام. وفي الترمذي عن أنس بن مالك: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: «قد قال الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام»تفسير : قال: حديث غريب. ويروى في هذه الآية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ معنى {ٱسْتَقَامُواْ}؛ ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفيّ قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ـ وفي رواية ـ غيرك. قال: «حديث : قل آمنت بالله ثم استقم»تفسير : زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: «هذا». وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه قال: {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} لم يشركوا بالله شيئاً. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} و{أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 82] فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة؛ فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل {قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} فلم يلتفتوا إلى إلٰه غيره {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ} بشرك {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر وهو يخطب: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يَرغُوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال عليّ رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض. وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إلٰه إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان الثوري: عملوا على وِفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. وقيل: استقاموا إسراراً كما استقاموا إقراراً. وقيل: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً. وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هم أمتي وربِّ الكعبة»تفسير : . وقال الإمام ابن فُورك: السين سين الطلب مثل استسقى أي سألوا من الله أن يثبتهم على الدين. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. قلت: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقداً وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك. {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} قال ابن زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: هي بشرى تكون لهم من الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث. {أَلاَّ تَخَافُواْ} أي بـ«ـأَلاَّ تَخَافُوا» فحذف الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على أولادكم فإن الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم. وقال عكرمة: ولا تخافوا أمامكم، ولا تحزنوا على ذنوبكم. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. قوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة «نَحْنُ أَوْلِيَاءُكُمْ» قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة. ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى؛ والله ولِي المؤمِنِينَ ومولاهم. {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} أي من الملاذّ. {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} تسألون وتتمنون. {نُزُلاً} أي رزقاً وضيافة. وقد تقدّم في «آل عمران» وهو منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلاً. وقيل: على الحال. وقيل: هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون نازلين، فيكون حالاً من الضمير المرفوع في «تَدَّعُونَ» أو من المجرور في «لَكُمْ».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} أي: أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الجراح، حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة الشعيري، حدثنا سهيل بن أبي حازم، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} قد قالها ناس، ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت، فقد استقام عليها، وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير عن عمرو بن علي الفلاس عن سلم بن قتيبة به. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن الفلاس به. ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن سعيد بن نمران قال: قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} قال هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً. ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما تقولون في هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ}؟ قال: فقالوا: {رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} من ذنب، فقال: لقد حملتموه على غير المحمل، قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يلتفتوا إلى إله غيره. وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العقديّ عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي آية في كتاب الله تبارك وتعالى أرخص؟ قال: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} على شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الزهري: تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} على أداء فرائضه، وكذا قال قتادة، قال: وكان الحسن يقول اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة، وقال أبو العالية: {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ}: أخلصوا له الدين والعمل. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه: أن رجلاً قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قل آمنت بالله ثم استقم»تفسير : قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. ورواه النسائي من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء به. ثم قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز الغامدي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قل ربي الله، ثم استقم» تفسير : قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه، ثم قال: «حديث : هذا» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث الزهري به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد أخرجه مسلم في صحيحه، والنسائي، من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قل: آمنت بالله، ثم استقم» تفسير : وذكر تمام الحديث. وقوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} قال مجاهد والسدي وزيد بن أسلم وابنه: يعني: عند الموت قائلين {أَلاَّ تَخَافُواْ} قال مجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم: أي: مما تقدمون عليه من أمر الآخرة، {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ما خلفتموه من أمر الدنيا؛ من ولد وأهل ومال أو دين، فإنا نخلفكم فيه، {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فيبشرونهم بذهاب الشر، وحصول الخير. وهذا كما جاء في حديث البراء رضي الله عنه قال: «حديث : إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان»تفسير : وقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. حكاه ابن جرير عن ابن عباس والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد السلام بن مطهر حدثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتاً قرأ سورة حم السجدة حتى بلغ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان: لا تخف ولا تحزن {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} قال: فيؤمن من الله تعالى خوفه، ويقر عينه، فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين؛ لما هداه الله تبارك وتعالى، ولما كان يعمل في الدنيا. وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم. وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جداً، وهو الواقع. وقوله تبارك وتعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ} أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم أي قرناءكم في الحياة الدنيا؛ نسددكم ونوفقكم، ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ} أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقر به العيون، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} أي: مهما طلبتم، وجدتم وحضر بين أيديكم كما اخترتم { نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} أي: ضيافة وعطاء وإنعاماً من غفور لذنوبكم، رحيم بكم رؤوف، حيث غفر وستر، ورحم ولطف. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد، حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب: أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أو فيها سوق؟ فقال: نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها ونزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله عز وجل، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، ويوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم، وما فيهم دنيء، على كثبان المسك والكافور، ما يرون أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً. قال أبو هريرة رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟» تفسير : قلنا: لا، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى إنه ليقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ يذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول أي رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه ــــ قال ــــ فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط ــــ قال ــــ ثم يقول ربنا عز وجل: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، وخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقاً قد حفت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب ــــ قال ــــ فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيه شيء، ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً ــــ قال ــــ فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة، فيلقى من هو دونه، وما فيهم دنيء، فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا، فيتلقانا أزواجنا، فيقلن: مرحباً وأهلاً بحبيبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى، وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به» تفسير : وقد رواه الترمذي في صفة الجنة من جامعه عن محمد بن إسماعيل عن هشام بن عمار.! ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار به نحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه» تفسير : قلنا: يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حضر، جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى، فأحب الله لقاءه ــــ قال ــــ وإن الفاجر ــــ أو الكافر ــــ إذا حضر، جاءه بما هو صائر إليه من الشر، أو ما يلقى من الشر، فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه» تفسير : وهذا حديث صحيح، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُواْ } على التوحيد وغيره مما وجب عليهم {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَئِكَةُ } عند الموت {أَن} بأن {لا تَخَافُواْ } من الموت وما بعده {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفكم فيه {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا اللّهُ} قال ابن عباس: وحّدوا الله تعالى. {ثم استقاموا} فيه خمسة أوجه: أحدها: ثم استقاموا على أن الله ربهم وحده، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ومجاهد. الثاني: استقاموا على طاعته وأداء فرائضه، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. الثالث: على إخلاص الدين والعلم إلى الموت، قاله أبو العالية والسدي. الرابع: ثم استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم. الخامس: ثم استقاموا سراً كما استقاموا جهراً. ويحتمل سادساً: أن الاستقامة أن يجمع بين فعل الطاعات واجتناب المعاصي لأن التكليف يشتمل على أمر بطاعة تبعث على الرغبة ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة. {تتنزل عليهم الملائكة} فيه قولان: أحدهما: تتنزل عليهم عند الموت، قاله مجاهد وزيد بن أسلم. الثاني: عند خروجهم من قبورهم للبعث، قاله ثابت ومقاتل. {ألا تخافوا ولا تحزنوا} فيه تأويلان: أحدهما: لا تخافوا أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفكم، قاله عكرمة. الثاني: لا تخافوا ولا تحزنوا على أولادكم. وهذا قول مجاهد. {وأبشروا بالجنة} الآية. قيل إن بشرى المؤمن في ثلاثة مواطن: أحدها عند الموت، ثم في القبر، ثم بعد البعث. قوله عز وجل: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فيه وجهان: أحدهما: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، قاله السدي. الثاني: نحفظكم في الحياة الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة. ويحتمل ثالثاً: نحن أولياؤكم في الدنيا بالهداية وفي الآخرة بالكرامة. {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} فيه وجهان: أحدهما: أنه الخلود لأنهم كانوا يشتهون البقاء في الدنيا، قاله ابن زيد. الثاني: ما يشتهونه من النعيم، قاله أبو أمامة. {ولكم فيها ما تدَّعون} فيه وجهان: أحدهما: ما تمنون، قاله مقاتل. الثاني: ما تدعي أنه لك فهو لك بحكم ربك، قاله ابن عيسى. {نزلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني ثواباً. الثاني: يعني منزلة. الثالث: يعني منّاً، قاله الحسن. الرابع: عطاء، مأخوذ من نزل الضيف ووظائف الجند {من غفور رحيم}
ابن عبد السلام
تفسير : {رَبُّنَا اللَّهُ} وَحَّدُوا "ع" {اسْتَقَامُواْ} على التوحيد أو على لزوم الطاعة وأداء الفرائض "ع"، أو على إخلاص الدين والعمل إلى الموت، أو استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم، أو استقاموا سراً كما استقاموا جهراً {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةُ} عند الموت، أو عند الخروج من قبورهم {أَلا تَخَافُواْ} أمامكم {وَلا تَحْزَنُواْ} على ما خلفكم، أو لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم {وَأَبْشِرُواْ} يبشرون عند الموت ثم في القبر ثم في البعث.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال أهل التحقيق كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية معرفة الله تعالى وإليه الإشارة بقوله {إن الذين قالوا ربنا الله} ورأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد فتكون في الأعمال الصالحة. سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئاً وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: استقاموا أخلصوا في العمل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أدوا الفرائض، وهو قول ابن عباس. وقيل استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه، وقيل: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله وكان الحسن إذا تلا هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة {تتنزل عليهم الملائكة} قال ابن عباس عند الموت وقيل إذا قاموا من قبورهم وقيل البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث {أن لا تخافوا} أي من الموت وقيل لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة {ولا تحزنوا} أي على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله وقيل لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فأنا أغفرها لكم {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم} أي تقول الملائكة عند نزولهم بالبشرى نحن أولياؤكم أي أنصاركم وأحباؤكم وقيل تقول لهم الحفظة نحن كنا معكم {في الحياة الدنيا و} نحن أولياؤكم {في الآخرة} لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة {ولكم فيها} أي في الجنة {ما تشتهي أنفسكم} أي من الكرامات واللذات {ولكم فيها ما تدعون} أي تتمنون {نزلاً} أي رزقاً والنزل رزق النزيل والنزيل هو الضيف {من غفور رحيم} قال أهل المعاني كل هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية جارية مجرى النزل والكريم إذا أعطى هذا النزل فما ظنك بما بعده من الألطاف و الكرامة. قوله تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} أي إلى طاعة الله تعالى وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل: هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه ودعا الناس إلى ما أجاب إليه {وعمل صالحاً} في إجابته وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرى أن هذه الآية نزلت في المؤذنين وقيل إن كل من دعا إلى الله تعالى بطريق من الطرق فهو داخل في هذه الآية. وللدعوة إلى الله تعالى مراتب: الأولى: دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الله تعالى بالمعجزات وبالحجج والبراهين وبالسيف وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. المرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى الله تعالى بالحجج والبراهين فقط والعلماء أقسام علماء بالله وعلماء بصفات الله وعلماء بأحكام الله. المرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى الله تعالى بالسيف فهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوا في دين الله وطاعته. المرتبة الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضاً دعاة إلى الله تعالى وإلى طاعته، وعمل صالحاً، قيل: العمل الصالح على قسمين قسم يكون من أعمال القلوب وهو معرفة الله تعالى وقسم يكون بالجوارح وهو سائر الطاعات وقيل: وعمل صالحاً صلى ركعتين بين الأذان والإقامة (ق). عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال في الثالثة لمن شاء" تفسير : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي، وقال هذا حديث حسن. {وقال إنني من المسلمين} قيل ليس الغرض منه القول فقط بل يضم إليه اعتقاد القلب فيعتقد بقلبه دين الإسلام مع التلفظ به.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} قال سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيُّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقِمْ». * ت *: هذا الحديث خَرَّجه مسلم في «صحيحه»، قال صاحب «المُفْهِمِ»: جوابه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من جوامع الكَلِم، وكأَنَّهُ مُنْتَزَعٌ من قول اللَّه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ...} الآية، وتلخيصه: اعْتَدَلُوا على طاعته قولاً وفعلاً وعقداً، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» لاِبْنِ الفَاكِهَانِيِّ، قال * ع *: واخْتَلَفَ النَّاسُ في مقتضَىٰ قوله: {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} فذهب الحَسَنُ وجماعةٌ إلَىٰ أَنَّ معناه: ٱسْتَقَامُوا بالطاعاتِ وٱجتنابِ المعاصِي، وتلا عُمَرُ ـــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـــ هذه الآيةُ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا ـــ واللَّهِ ـــ بطاعتهِ، ولم يروغوا روِغانَ الثَّعَالِبِ، قال * ع *: فذهب ـــ رحمه اللَّه ـــ إلى حَمْلِ الناس على الأَتَمِّ الأفْضَلِ، وإلاَّ فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أَلاَّ تتنزل الملائكةُ عِنْدَ الموت على غير مستقيمٍ على الطاعَةِ، وذهب أبو بكْرٍ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ وجماعةٌ معه إلى أَنَّ المعنَىٰ: ثم: استقاموا علَىٰ قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختلَّ توحيدُهُمْ، ولا ٱضطَرَبَ إيمانهم، قال * ع *: وفي الحديث الصحيح: «حديث : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، دَخَلَ الجَنَّةَ» تفسير : وهذا هو الْمُعْتَقَدُ إن شاء اللَّه، وذلك أَنَّ العصاة من أُمَّةِ محمَّد وغيرها فرقتان: فأَمَّا مَنْ غفر اللَّه له، وترك تعذيبه، فلا محالة أَنَّه مِمَّن تتنزَّل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنَّما استقام على توحيده فَقَطْ، وأَمَّا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثم [يأمر] بإدخاله الجَنَّةَ، فلا محالة أَنَّه يلقَىٰ جميعَ ذلك عند مَوْتِهِ وَيَعْلَمُهُ، وليس يَصِحُّ أنْ تكون حاله كحالة الكافر واليائِسِ مِنْ رحمة اللَّه، وإذا كان هذا فقَدْ حَصَلَتْ له بشارة بأَلاَّ يخافَ الخُلُودَ، ولا يحزنَ منه، ويدخلَ فيمن يقال لهم: {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} ومع هذا كله فلا يختلف في أَنَّ المُوَحِّدَ المستقيمَ عَلَى الطَّاعَةِ أَتَمُّ حالاً وأَكمل بشارةً، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر ـــ رضي اللَّه عنه ـــ، وبالجملة، فكُلَّما كان المرءُ أشَدَّ ٱستعداداً، كان أسْرَعَ فوزاً بفَضْلِ اللَّه تعالَىٰ؛ قال الثعلبيُّ: قوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} أي: عند الموت {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ} قال وَكِيعٌ: والبُشْرَىٰ في ثلاثة مَوَاطِنَ: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاريِّ: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} أي عند الموت، انتهى، قال ابن العربيِّ في "أحكامه": {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} قال المُفَسِّرُونَ: عند الموت، وأنا أقول: كُلَّ يَوْم، وأَوْكَدُ الأيام: يومُ الموت، وحينَ القَبْرِ، ويَوْمُ الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بَيَّنَّاها في موضعها، انتهى، قال * ع *: قوله تعالى {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}: أَمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمِّ مستأنفٍ، وتسليةٌ تَامَّةٌ عن كُلِّ فَائِتٍ مَاضٍ، وقال مجاهدٌ: المعنَىٰ: لا تخافُونَ ما تَقْدُمُونَ عليه، ولا تحزنوا عَلَىٰ ما خلًّفتم من دنياكم. * ت *: وذكر أبو نُعَيْمٍ عن ثابتٍ البُنَانيِّ أَنَّه قرأ: حم السجدةِ حَتَّى بلغ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}، فوقف، وقال: بلغنا أنَّ العَبْدَ المؤمن حين يُبْعَثُ من قبره يتلقَّاه المَلَكَانِ اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولانِ له: لاَ تَخَفْ، ولا تَحْزَنْ، وأبشر بالجنة التي كنت تُوْعَدُ، قال: فَأَمَّنَ اللَّه خوفَه، وأَقَرَّ عينه، الحديث. انتهى. قال ابن المبارك في "رقائقه": سمعتُ سفيانَ يَقُولُ في قوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ}: أي عند الموت {أَلاَّ تَخَافُواْ}: ما أمامكم {وَلاَ تَحْزَنُواْ}: على ما خلفتم من ضَيْعَاتِكُمْ {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} قال: يُبَشَّرُ بثلاث بشاراتٍ: عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فَزِعَ، {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رَجُلٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالَىٰ: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قال: قُرَنَاؤُهُمْ يلقونهم يوم القيامة، فيقولون: لا نفارقُكُمْ حتَّىٰ تدخلوا الجنة، اهـــ. وقوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلاْخِرَةِ} المتكلم بـ{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ} هم الملائكة القائلون: {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} أي: يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كُنَّا أولياءَكُمْ في الدنيا، ونحن هُمْ أولياؤكم في الآخرة؛ قال السُّدِّيُّ: المعنى: نحن حَفَظَتُكُم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله: {فِيهَا} عائدٌ على الآخرة، و{تَدَّعُونَ} معناه: تَطْلُبُونَ؛ قال الفَخْرُ: ومعنى كونِهِمْ أولياءَ للمؤمنين، إشارةٌ إلى أَنَّ للملائكة تأثيراتٍ في الأرواحِ [البشريَّةِ، بالإلهاماتِ والمُكَاشَفَاتِ اليقينيَّةِ والمناجاتِ الخفيَّةِ؛ كما أَنَّ للشياطينِ تَأْثيراتٍ في الأرواحِ] بإلقاء الوسَاوِسِ، وبالجملة، فَكَوْنُ الملائكةِ أولياءَ للأرواح الطَّيِّبَةِ الطاهرةِ، حاصِلٌ من جهاتٍ كثيرةٍ معلومةٍ لأربابِ المكاشفاتِ والمشاهَدَاتِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: كما أَنَّ تلك الولاياتِ حاصلةٌ في الدنيا، فهي تكونُ باقيةً في الآخرة؛ فإنَّ تلك العلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازمة، غير مائلة إلى الزوال؛ بل تصير بعد الموت أَقْوَىٰ وأَبقَىٰ؛ وذلك لأَنَّ جوهر النفْسِ من جنس الملائكة، وهي كالشُّعْلَةِ بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنَّما التَّعَلُّقَاتُ الجَسَدَانِيَّةُ والتدبيراتُ البدنيَّةُ هي الحائلة بَيْنَهَا وبين الملائكة، فإذا زالَتْ تلك العلائِقُ، فقد زَالَ الْغِطَاءُ، واتَّصَلَ الأثر بالمؤثر، والقطرةُ بالبَحْرِ، والشعلةُ بالشمْسِ، انتهى. * ت *: وقد نقل الثعلبيُّ من كلام أرباب المعاني هنا كلاماً كثيراً حَسَناً جِدًّا، موقظاً لأربابِ الهِمَمِ، فٱنْظُرْهُ إنْ شِئْتَ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بأَنَّهُ قال: «حديث : إذَا فَنِيَتْ أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنْ هَذَا الْعَبْدِ المُؤْمِنِ، بَعَثَ اللَّهُ إلَىٰ نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ: إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ لَنَا أَخاً وَصَاحِباً، وَقَدْ حَانَ الْيَوْمَ مِنْهُ فِرَاقٌ، فَأْذَنُوا لَنَا، أَوْ قَالَ: دَعُونَا نُثْنِ عَلَىٰ أَخِينَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ، فَيَقُولاَنِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَغَفَرَ لَكَ، وأَدْخَلَكَ الجَنَّةَ؛ فَنِعْمَ الأَخُ كُنْتَ والصَّاحِبُ؛ مَا كَانَ أَيْسَرَ مُؤْنَتَكَ، وَأَحْسَنَ مَعُونَتَكَ عَلَىٰ نَفْسِكَ، مَا كَانَتْ خَطَايَاكَ تَمنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلَىٰ رَبِّنَا، فَنُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يَتَوَفَّىٰ نَفْسَهُ: ٱخْرُجْ أَيُّهَا الرُّوْحُ الطَّيِّبُ إلَىٰ خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَنِعْمَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، ٱخْرُجْ إلَى الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَرَبٍّ عَلًَيْكَ غَيْرِ غَضْبَانَ،، وَإذَا فَنِيَتْ أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، بَعَثَ اللَّهُ إلَىٰ نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، فَيَقُولُ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ كَانَا يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ: إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ لَنَا صَاحِباً، وَقَدْ حَانَ مِنْهُ فِرَاقٌ، فَأْذَنُوا لَنَا، وَدَعُونَا نُثْنِ عَلَىٰ صَاحِبِنَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ فَيَقُولاَن: لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ غَفَرَ لَهُ، وَأَدْخَلَهُ النَّارَ فَبِئْسَ الصَّاحِبُ؛ مَا كَانَ أَشَدَّ مُؤْنَتَهُ، وَمَا كَانَ يُعِينُ عَلَىٰ نَفْسِهِ؛ إنْ كَانَتْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ لَتَمْنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلَىٰ رَبِّنَا فَنُسَبِّحَ لَهُ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يَتَوَفَّىٰ نَفْسَهُ: ٱخْرُجْ أَيُّهَا الرُّوحُ الخَبِيثُ إلَىٰ شَرِّ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَبِئْسَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، ٱخْرُجْ إلَى الحَمِيمِ وَتَصْلِيَةِ الجَحِيمِ وَرَبٍّ عَلَيْكَ غَضْبَانَ» تفسير : ، انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال: "حديث : قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال الاستقامة أن لا تشركوا بالله شيئاً. وأخرج ابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} تفسير : [الأنعام: 82] قالوا: لم يذنبوا قال: لقد حملتموها على أمر شديد {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} يقول: بشرك {والذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وأخرج ابن مردويه من طريق الثوري رضي الله عنه عن بعض أصحابه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال: على فرائض الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال: على شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال: استقاموا بطاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل أي آية في كتاب الله أرحب؟ قال: قوله {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} على شهادة أن لا إله إلا الله قيل له: فأين قوله تعالى {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...}تفسير : [الزمر: 53] زاد قرأ {أية : وأنيبوا إلى ربكم} تفسير : [الزمر: 54] فيهما علقه اعملوا. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما في قوله {ثم استقاموا} قال: قالوا لا إله إلا الله لم يشركوا بعدها بالله شيئاً حتى يلقوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {قالوا ربنا الله} وحده {ثم استقاموا} يقول: على أداء فرائض الله {تتنزل عليهم الملائكة} قال: في الآخرة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن سفيان الثقفي أن رجلاً قال"حديث : يا رسول الله مرني بأمر في الإِسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ قال: قل آمنت بالله ثم استقم قلت: فما اتقى؟ فأوما إلى لسانه ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله {تتنزل عليهم الملائكة} قال: عند الموت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال {أن لا تخافوا} مما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة {ولا تحزنوا} على ما خلفتم من أمر دنياكم من ولد وأهل ودين مما استخلفكم في ذلك كله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: يؤتى المؤمن عند الموت فيقال: لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب خوفه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، وأبشر بالجنة فيموت وقد قر الله عينه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: يبشر بها عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنه لقي الجنة وما رميت فرحة البشارة من قلبه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: {لا تخافوا} من ضيعتكم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن علي بن أبي طالب قال: حرام على كل نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم مصيرها؟ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: إن المؤمن يبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. وأخرج أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قلنا: يا رسول الله كلنا يكره الموت قال: ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا احتضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون لقي الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر والفاجر إذا احتضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر فكره الله لقاءه ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت أنه قرأ السجدة حتى بلغ {تتنزل عليهم الملائكة} فوقف قال: بلغنا أن العبد المؤمن يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه، وبما عصمه ألا وهي للمؤمن قرة عين لما هداه الله تعالى ولما كان يعمل في الدنيا. وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {نحن أولياؤكم...} قال: رفقاؤكم في الدنيا لا نفارقكم حتى ندخل معكم الجنة، ولفظ عبد بن حميد قال: قرناؤهم الذين معهم في الدنيا. فإذا كان يوم القيامة قالوا: لن نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وأخرج أبو نعيم في صفة الجنة والبيهقي في البعث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف فقال يا أهل الجنة سلوني فقالوا: نسألك الرضا عنا قال: رضاي أَحَلَّكُمْ داري، وأنَالَكُم كرامتي هذه وأيها تسألوني؟ قالوا: نسألك الزيادة قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر، أزمتها زبرجد أخضر، وياقوت أحمر فجاؤوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فأمر الله بأشجار عليها الثمار، فتجيء حور من العين وهن يقلن: نحن الناعمات فلا نباس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام، ويأمر الله بكثبان من مسك أبيض أذفر فتنثر عليهم ريحاً يقال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن وهي قصبة الجنة فتقول الملائكة: يا ربنا قد جاء القوم فيقول: مرحباً بالصادقين فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضاً. ثم يقول ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله تعالى {نزلاً من غفور رحيم} . تفسير : وأخرج ابن النجار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مثله سواء
التستري
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}[30] قال: أي لم يشركوا بعده، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هم أمتي ورب الكعبة استقاموا ولم يشركوا كما فعلت اليهود والنصارى"تفسير : ، قال عمر رضي الله عنه: لم يروغوا روغان الثعالب. قوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}[30] يعني عند الموت. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تعالى: ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح المؤمن"تفسير : ، أي ما رددت الملائكة إلى شيء كردهم إلي عبدي المؤمن في قبض روحه بالبشارة وبالكرامة، أن لا تخافوا على أنفسكم ولا تحزنوا يوم الجمع، كما قال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء:103] قال: المتولي لجملتكم بالرضا، الحافظ قلوبكم، المقر أعينكم بالتجلي، جزاء لتوحيدكم، وتفضلاً من ربكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [الآية: 30]. قال: استقاموا على انفراد القلب بالله سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال استقاموا على المشاهدة لأن من عرف شيئًا لا يهاب غيره ولا يطالع سواه فتركوا المنازعة والاعتراض مع الحق. وقال بعضهم فى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: قالوها صرفًا غير ممزوجة ولم يعرجو على معنى سواها لما اعتقدوا لأنفسهم من العبودية وله من تمام الربوبية. قال محمد بن الفضل: حاجة جميع الموحدين فى خصلة بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت القبائح وهى الاستقامة. سئل الشبلى عن هذه الآية فقال: {قَالُواْ رَبُّنَا} هو خالقنا فـ {ٱسْتَقَامُواْ} معه على بساط المعرفة وداموا بأسرارها على سرير المحبة {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} بانقطاع المدة أن لا تخافوا من دار الهوان ولا تحزنوا على ما فاتكم من دار الامتحان وأبشروا بدوام النعيم وهو لقاء الله عز وجل الذى ليس بعده نصب ولا شدة. وقيل فى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً واستقاموا سرًا كما استقاموا جهرًا واستقاموا باطنًا كما استقاموا ظاهرًا فإن حقيقة الاستقامة القرار بعد الإقرار لا الإقرار بعد القرار تتنزل عليهم الملائكة للحماية أن لا تخافوا على الولاية {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما فاتكم أى ما جرى عليكم من الجناية وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون فى البداية.
القشيري
تفسير : "ثم" استقاموا: ثم حرف يقتضي التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكنه معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانَهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخرُ أحوالِ كونِهم مُكَلَّفين. ويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولاً، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة. "استقاموا": الاستقامة هي الثباتُ على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلالٍ بشيءٍ من أقسامها. ويقال: هم على قسمين. مستقيم (في أصول) التوحيد والمعرفة.. وهذه صفة جميع المؤمنين. ومستقيم في الفروع من غير عصيان.. وهؤلاء مختلفون؛ فمنهم.. ومنهم، ومنهم. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}: الذي لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم يشرك. فله الأمان من الخلود. ويقال: مَنْ كان له أصل الاستقامة أَمِنَ من الخلود في النار، ومن كمال الاستقامة أَمِنَ من الوعيد من غير أن يلحقه سوءٌ بحالٍ.. ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم؛ فمستقيمٌ في عهده، ومستقيم في عقده، ومستقيم في جهده ومراعاة حدِّه، ومستقيم في عقده وجهده حدِّه وحبِّه. وودِّه.. وهذا أتمُّهم. ويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله. ويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم صحة القصد بدوام الوجد. ويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم. ويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محتبه، وقاموا بشرائط خدمته. ويقال: استقامةٌ الزاهدِ ألا يرجعَ إلى الدنيا، وألا يمنعَه الجاهُ بين الناس عن الله. واستقامةُ العارفِ ألا يشوبَ معرفتَه حظٌّ في الداريْن فيحجبه عن مولاه. واستقامةُ العابدِ ألا يعودَ إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياءٌ وتصنُّع واستقامة المُحِبِّ ألا يكون له أرَبٌ من محبوبه، بل يكتفي من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عِزِّه ووجوده. {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}: إنما يكون الخوف في المستقل من الوقت، من حلولِ مكروهِ أو فوات محبوبٍ فالملائكةُ يبشرونهم بأن كل مطلوبٍ لهم سيكون، وكل محذورٍ لهم لا يكون. والحزن من حُزُونه الوقت، ومن كان راضياً بما يجري فلا حزنَ له في عيشه. والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزونه في أحوالهم، وإنما هم الرَّوْح والراحة. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}: أي بحسن المآب،وبما وَعَدَ اللَّهُ من جميل الثواب. والذي هو موعودٌ للأولياء بسفارة الملَكِ موجودٌ اليومَ لخواصِّ عباده بعطاء المَلِكِ؛ فلا يكون لأحدهم مطالعةٌ في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت؛ فلا يكون له خوفٌ؛ لأن الخوف - كما قلنا من قبل - ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمَّا من زوالِ محبوبٍ أو حصولِ مكروه، وإن الذي بصفة الرضا لا حزونة في حاله ووقته. ويمكن القول: {أَلاَّ تَخَافُواْ} من العذاب، {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما خلفتم من الأسباب، {وَأَبْشِرُواْ} بحسن الثواب في المآب. ويقال: {أَلاَّ تَخَافُواْ} من عزل الولاية، {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما أسلفتم من الجناية، {وَأَبْشِرُواْ} بحسن العناية في البداية. ويقال: {أَلاَّ تَخَافُواْ} مما أسلفتم، {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما خلفتم، {وَأَبْشِرُواْ} بالجنة التي لها تكلفتم. ويقال: {أَلاَّ تَخَافُواْ} المذلَّة، {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما أسلفتم من الزلَّة، {وَأَبْشِرُواْ} بدوام الوصلة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} وصف الله اهل التمكين من العارفين الذين شاهدوا الله بالله وما ينوب به واستقاموا فى محبته فتعرضت لهم الاكوان والحدثان فرفعوا ابصارهم عنها ولم يستحسنوها فى ديوان المعرفة من النظر الى الخلق والخليقة وقالوا ربنا الله اى يكفينا الله من كل ما سواه واستقاموا بالله لله لا فى الله فان عين الالوهية تحرق مطالعيها من العرش الى الثرى فاذا اراد الله استقامة المستقيمين عن اهل شهوده البسهم انوار بقائه وصمديته فيسبحون بنور البقاء فى بحار الازليات الابديات قال ابن عطا استقاموا على افراد القلب بالله وقال ايضا استقاموا على الشاهدة لان من عرف الله شيئا لا يهاب غيره ولا يطالع سواه فتركوا المنازعة والاعتراض مع الحق سئل الشبلى عن هذه الاية فقال قالوا ربنا الله هو خالقنا فاستقاموا معه على بساط المعرفة وداموا باسرارهم على سرير الجنة تنزل عليهم الملائكة بانقطاع المدة الا تخافوا من دار الهوان ولا تحزنوا على ما فاتكم من دار الامتحان وابشروا بدوام النعيم وهي لقاء الله تعالى الذى ليس بعبده بؤس ولا شدة صدق الشيخ فى هذا التفسير وعجبت ممن استقام مع الله فى مشاهدته وادراك جماله كيف يطيق الملائكة ان يبشروه اين الملك والفلك بين الحبيب والمحب ليس وراء بشهادة الحق بشارة فان بشارة الحق سموها قيل بشارة الملائكة فى نداء الاول بقوله {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ} ليس لهم خوف القطيعة ولا لهم حزن الحجاب وهم فى بشر مشاهدة الجبار قول الملائكة معهم تشريف للملائكة ههنا لانهم يحتاجون ان مخاطبة القوم وهم احباؤنا فى نسب المعرفة وخذ منا من حيث الحقيقة الا ترى كيف سجدوا ابانا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين قالوا ربنا الله} اعترافا بربوبيته واقرارا بوحدانيته فربنا الله من باب صديقى زيد يفيد الحصر {ثم استقاموا} اى ثبتوا على الاقرار بقولهم ربنا الله ومقتضايته بان لا تزل قدمهم عن طريق العبودية قلبا وقالبا ولا تتخطاه وفيه يندرج كل العبادات والاعتقادات بصفة الدوام الى وقت الوفاة فثم للتراخى فى الزمان او فى الرتبة فان الاستقامة لها الشان كله يعنى ان المنتهى وهى الاستقامة لكونه مقصودا اعلى حالا من المبدأ وهو الاقرار واستقامة الانسان لزومه للمنهج المستقيم وما روى عن الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم فى معناها من الثبات على الايمان كما روى عن عمر رضى الله عنه ومن اخلاص العمل كما روى عن عثمان رضى الله عنه ومن ادآء الفرائض كما روى عن على رضى الله عنه فبيان لجزئياتها. انس ابن مالك رضى الله عنه كفت آن روزكه اين آيت فرود آمد رسول خدا شاد شد وازشادى كفت امتى ورب الكعبة. وذلك لان اليهود والنصارى لم تستقم على دينهم حتى قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله ونحو ذلك وكفروا بنبوة رسول الله عليه السلام ومن الاستقامة ان لا يرى المرء النفع والضر الا من الله ولا يرجو من احد دون الله ولا يخاف احدا غيره حديث : وعن سفيان بن عبد الله الثقفى رضى الله عنه قلت يا رسول اخبرنى بأمر أعتصم به قال "قل ربى الله ثم استقم" قال قلت ما اخوف ما يخاف على فأخذ رسول الله بلسان نفسه وقال "هذا" تفسير : وكان الحسن اذا تلا هذه الآية قال اللهم انت ربنا فارزقنا الاستقامة (صاحب كشف الاسرار) فرموده كه ربنا الله عبارت ازتوحيد اقرارست كه عائد مؤمنان راست ثم استقاموا اشارت بتوحيد معرفت كه عارفان وصديقان راست توحيد اقرار آنست كه الله رايكتا كويى وتوحيد معرفت آنست كه اورايكتاشناسى يعنى ازهمه جهت بوحدت او بينا كردى با آنكه در عالم وحدت جهت نيست. نى جهت مى كنجدا ينجا نى صفت. نى تفكرنى بيان نى معرفت. آتشى ازسروحدت برفروخت غيرواحد هرجه بيش آمد بسوخت. ابو يزيد بسطامى قدس سره وقتى برمقام علم ايستاده بود از توحيد اقرار نشان ميداد مريدى كت اى شيخ خدايرا شناسى كفت در كل عالم خود كسى باشدكه خدايراننشانسد يانداند وقتى ديكر غريق بحر توحيد معرفت بود وحريق نار محبت اورا كفتند خدايرا شناسى كفت من كه باشم كه اوراشناسم ودر كل عالم خود كسى باشدكه اوراشناسد. در عشق تومن كيم كه در منزل من. ازوصل رخت كلى دمد بر كل من. بيرطريقت كفت صحبت باحق دوحرفست اجابت واستقامت اجابت عهدست استقامت وفا اجابت شريعت است واستقامت حقيقت درك شريعت هزارسال بساعتى درتوان يافت ودرك حقيقت ساعتى بهزار سال درنتوان يافت. وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى يوم الميثاق لما خوطبوا بقوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى} تفسير : اى ربنا الله وهم الذريات المستخرجة من ظهر آدم عليه السلام اقروا بربوبيته ثم استقامو على اقرارهم بالربوبية ثابتين على اقدام العبودية لما اخرجوا الى عالم الصورة ولهذا ذكر بلفظ ثم لأنه للتراخى فأقروا فى عالم الارواح ثم استقاموا فى عالم الاشباح وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين فانهم اقروا ولم يستقيموا على ذلك فاستقامة العوام فى الظاهر بالاوامر والنواهى وفى الباطن بالايمان والتصديق واستقامة الخواص فى الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك ذينتها وشهواتها وفى الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقا الى لقاء الرحمن وطلب العرفان واستقامة الاخص فى الظاهر برعاية حقوق المتابعة على وفق المبايعة بتسليم النفس والمال وفى الباطن بالتوحيد فى استهلاك الناسوتية فى اللاهوتية ليستقيم بالله مع الله فانيا عن الانانية باقيا بالهوية بلا ارب من المحبوب مكتفيا عن عطائه ببقائه ومن مقتضى جوده بدوام فنائه فى وجوده {تتنزل عليهم الملائكة} من جهته تعالى يمدونهم فيما يعرض لهم من الامور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الالهام كما أن الكفرة يمدهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح وكذا تتنزل عند الموت بالبشرى وفى القبر وعند البعث اذا قاموا من قبورهم {ان} مفسرة بمعنى اى او مخففة من الثقيلة والاصل بانه والهاء ضمير الشان اى يتنزلون ملتبسين بهذه البشارة وهى {ألا تخافوا} ما تقدمون عليه من امر الآخرة فلا ترون مكروها فان الخوف غم يلحق لتوقع المكروه {ولا تحزنوا} على ما خلفتم من اهل وولد فانه تعالى يخلفكم عليهم بخير ويعطيكم فى الجنة اكثر من ذلك واحسن ويجمع بينكم وبين اهاليكم واولادكم المسلمين فى الجنة فان الحزن غم يلحق من فوات نافع او حصول ضار وفى التأويلات النجمية الخوف انما يكون فى المستقبل من الوقت وهو بحلول مكروه او فوات محبوب والملائكة يبشرونهم بان كل مطلوب لهم سيكون وكل محذور لهم لا يكون والحزن من حزونة الوقت والذى هو راض بجميع ما يجرى مستسلم للاحكام الازلية فلا حزونة فى عيشه بل من يكون قائما بالله وهائما فى الله دآئما مع الله لا يدركه الخوف والحزن والملائكة يبشرونهم ان لا تخافوا ولا تحزنوا على فوات العناية فى السابقة {وابشروا} اى سروا وبالفارسية شاد شويد فان الابشار شاد شدن {بالجنة التى كنتم توعدون} فى الدنيا على ألسنة الرسل هذا من بشارتهم فى احد المواطن الثلاثة وعن ثابت بلغنا اذا انشقت الارض يوم القيامة ينظر المؤمن الى حافظيه قائمين على رأسه يقولان له لا تخف ولا تحزن وابشر بالجنة الموعودة وانك سترى اليوم امورا لن ترى مثلها فلا تهولنك فانما يراد بها غيرك وفى التأويلات النجية وابشروا بجنة الوصلة فان الوعد صار نقدا فما بقى الوعد والوعيد وما هو الا عيد فى القيد فاوعد الله للعوام من جميع الثواب للخواص من حسن المآب نقد لأخص الخواص من اولى الالباب (ع) جنت نقدست اينجا حالت ذوق وحضور. ويقال لا تخافوا من عزل الولاية ولا تحزنوا على ما اسلفتم من الجناية وابشروا بحسن العناية فى البداية لا تخافوا فطالما كنتم من الخائفين ولا تحزنوا فقد كنتم من العارفين وابشروا بالجنة فلنعم اجر العاملين. فرداسر جه شرايعست همه راقلم نسخ در كشند نماز وروزه حج وجهاد روا باشدكه بيابان رسد ومنسوخ شود اما عقد محبت وعهد معرفت هر كز نشايدكه منسوخ شود جون در بهشت روى هر روزى كه برتوبكزرد از شناخت حق سبحانه وتعالى برتو عالمى كشاده شودكه بيش از ان نبوده اين كاريست كه هركز بسرنيايد ومبادا كه بسر آيد تامن بريم بيشه وكارم اينست آرام وقرار وغمكسارم اينست. روزم اينست وروز كارم اينست. جوينده صيدم وشكارم اينست. قال البقلى قدس سره عجبت ممن استقام مع الله فى مشاهدته وادراك جماله كيف يطيق الملائكة ان يبشروه اين الملك والفلك بين الحبيب والمحب وليس ورآء بشارة الحق بشارة فان بشارة الحق سمعوها قبل بشارة الملائكة بقوله {أية : الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : ليس لهم خوف القطيعة ولا حزن الحجاب وهم فى مشاهدة الجبار وقول الملائكة ههنا معهم تشريف لهم لأنهم يحتاجون الى مخاطبة القوم وهم احباؤنا فى نسب المعرفة وخدامنا من حيث الحقيقة الا ترى كيف سجدوا لأبينا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين قالوا ربُّنا الله} أي: نطقوا بالتوحيد واعتقدوا، {ثم استقاموا} أي: ثبتوا على الإقرار ومقتضياته من حسن الأعمال، وعن الصدّيق رضي الله عنه: استقاموا فعلاً، كما استقاموا قولاً. وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه: لم يَرُوغوا رَوَغان الثعالب، أي: لم ينافقوا. وعن عثمان رضي الله عنه: أحكموا العمل، وعن عليّ رضي الله عنه: أدُّوا الفرائض. وعن الفُضيل: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. قلت: ويجمعها الإقرار بالربوبية، والقيام بوصائف العبودية. {تَتَنزَّلُ عليهم الملائكةُ} عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، أو: في الدنيا بإلهام الخير وشرح الصدر، وإعانتهم على الأمور الدينية، كما أن الكفرة تقويهم ما قُيض لهم في قرناء السوء. والأظهر: العموم. {ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا} فـ "أن" مخففة، أو: تفسيرية، أي: لا تخافوا ما تٌقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم، فالخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لفوات نافع، أو حضور ضارٍّ. والمعنى: أن الله تعالى كتب لكم الأمنَ من كل غم، فلن تذوقوه أبداً. {وأبْشِروا بالجنة التي كنتم تُوعدون} في الدنيا على ألسنة الرسل. وقال محمد بن علي الترمذي: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة، عند مفارقة الأرواح الأبدان، ألا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان، التي تُوعدون في سالف الأزمان. {نحن أولياؤُكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، كما أن الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. {ولكم فيها ما تشتهي أنفسُكم} من فنون الطيبات، {ولكم فيها ما تَدَّعون}؛ ما تتمنون، افتعال من الدعاء، بمعنى الطلب، {نُزُلا}: حال من مفعلو "تَدّعون" المحذوف، أو: من "ما"، والنُزُل: ما يقدم للنزيل، وفيه تنبيه على أن ما يتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم النعيم كالنُزُل للضيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين أقرُّوا بقهرية الربوبية، وقاموا بوظائف العبودية، تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري: فأما الاستقامة فهي الثباتُ على شرائط الإيمان بجملتها، من غير إخلالٍ بشيء من أقسامها. ثم قال: مَن كان له أصل الاستقامة، وهي التوحيد، أَمِنَ من الخلود في النار، ومَن كان له كمال الاستقامة أَمِنَ من الوعيد، من غير أن يلحقه سوء بحالٍ. ويقال: استقاموا على دوام الشهود، وانفراد القلب بالمعبود، أو: استقاموا في تصفية العقد، ثم في توفية العهد، ثم في صحة القصد، بدوام الوجد، أو: استقاموا بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم، في وقتهم وفي مآلهم، أو: داموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد: ألا يعود إلى الفترة واتباع الشهوة، ولا يدخله رياء ولا تصنُّع، واستقامةُ العارف: ألا يشوب معرفته حظ في الدارين، فيحجب به عن مولاه، واستقامةُ المحبين: ألا يكون لهم أرب من غير محبوبهم؛ يكتفون من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عِزِّه ووجوده. هـ. وقوله تعالى: {تتنزل عليهم الملائكة} أي: تمدهم بالاهتداء والأنوار، وتلهمهم العلوم والأسرار، في مقابلة تقييض الغافل بالقرناء الأشرار، فكما أن الغافل يخذل بتسليط الغواة في الدارين، كذلك العارف يُمد ويُنصر من قِبل الملائكة في الدارين. وقوله تعالى: {ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا} أي: حيث وجدتم الله لا تخافوا من شيء، ولا تحزنوا على فوات شيء، إذ لم يفتكم شيء، وماذا فقط من وجده؟ قال القشيري: لا تخافوا من عزلة الولاية، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الجناية، وأبشروا بحسن العناية، أو: لا تخافوا مما أسلفتم، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم، وأبشروا بالجنة التي وعدتم. أو: لا تخافوا المذلَّة، ولا تحزنوا على ما أسلفتم من الزلَّة، وأبشروا بدوام الوصلة. هـ. ثم قال في قوله تعالى: {نحن أولياؤكم}: الولاية من الله تعالى بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة، وهذا الخطاب بقوله: {نحن أولياؤكم}، يحتمل أن يكون من قِبَلِ الملائكة، الذين يتنزلون عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطابٍ من الله تعالى، والنصرة تصدر من المحبة، ولو لم تكن المحبة الأزلية لم تكن تحصل النصرة في الحال. هـ. وكونه من الملائكة أظهر، كما تقدّم. والله تعالى أعلم. ولمَّت ذكر حال أهل الاستقامة، ذكر حال مَن دعا إليها، أو: نقول: لمَّا ذكر حال أهل الكمال فقط، ذكر أهل الكمال والتكميل، فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ}.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هذا حال الكافرين والمنافقين، فما حال المؤمنين بالولاية والمقرّين بالخلافة؟ فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} انّما قال: قالوا ربّنا، دوو علموا وايقنوا وشاهدوا لانّه اشارة الى الاسلام والبيعة العامّة النّبويّة وبالاسلام، وبتلك البيعة لا يحصل الاّ الاقرار بانّ الله ربٌّ ولو حصل اعتقاد بذلك كان ذلك الاعتقاد من علوم النّفس المنفكّة عن معلوماتها المعبّر عنها بالظّنون كما اشرنا اليه فى مطاوى ما سلف، وقد ورد فى الاخبار انّ الاسلام اقرارٌ باللّسان دون الايمان {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} اى اعتدلوا، والاعتدال الاضافىّ لا يحصل الاّ بالبيعة الايمانيّة الولويّة الخاصّة كما انّ الاعتدال الحقيقىّ الّذى هو عبارة عن الخروج من الاعوجاج فى جميع المراتب لا يحصل الاّ بتلك البيعة والعمل بشروطها فان اريد بالاعتدال الاعتدال الاضافىّ كان المراد بالمعتدلين مطلق من بايع البيعتين ودخل فى امر الائمّة، ودخل الايمان فى قلبه كما ورد فى الاخبار تفسيرهم بشيعتهم ان اريد الاعتدال الحقيقىّ كان المراد الانبياء والاولياء (ع) كما فسّروا بالائمّة واذا اريد الشّيعة من المستقيمين كان نزول الملائكة على بعضهم فى مطلق الحياة الدّنيا وعلى بعضهم خاصّاً بوقت الاحتضار وكان معنى قوله: {أية : نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [فصلت: 31] بالنّسبة الى من كان نزول الملائكة عليه خاصّاً بوقت الاحتضار انّا كنّا فى الحياة الدّنيا اولياؤكم كنّا نحرسكم ونحفظكم ونثبّتكم على الخير، وبالنّسبة الى من تنزّل الملائكة عليه مطلقاً فالمعنى ظاهر، وعن الصّادق (ع) انّه قال: استقاموا على الائمّة (ع) واحداً بعد واحدٍ، وعن الرّضا (ع) انّه سئل: ما الاستقامة؟ - قال: هى والله ما انتم عليه {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} فى الدّنيا بالنّسبة الى الانبياء والاولياء (ع) وبعض الاتباع، وفى آخر الحياة الدّنيا بالنّسبة الى بعض الاتباع {أَلاَّ تَخَافُواْ} ان تفسيريّة ولا ناهية او مصدريّة ولا ناهية او نافية اى مخاطبين بان لا تخافوا {وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} بواسطة الانبياء (ع).
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} 30=13 الأحقاف. قال: حدثني جعفر بن محمد الأحمسي قال: حدثنا مخول عن أبي مريم قال: سمعت أبان بن تغلب يسأل جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قال: استقاموا على ولاية [ر: بولاية] علي بن أبي طالب عليه السلام.
الأعقم
تفسير : {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} قولا، وقيل: استمروا على الدين وثبتوا على الاعتقاد للتوحيد والعدل وعلى طاعته واجتناب معصيته، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أدوا الفرائض"تفسير : ، وقيل: استقاموا على شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لعن الله اليهود، قالوا ربنا الله ثم لم يستقيموا"، وكذلك النصارى، ورحم الله أمتي {قالوا ربنا الله ثم استقاموا}" تفسير : {تتنزل عليهم الملائكة} عند الموت، وقيل: إذا خرجوا من قبورهم تستقبلهم الملائكة بهذا القول: {لا تخافوا ولا تحزنوا} الآية، وقيل: البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وفي البعث {ألا تخافوا}، قيل: الخوف يتناول المستقبل والحزن يتناول الماضي وهذا نهاية المطلوب، وقيل: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمور الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم في دنياكم من مال وولد {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} على ألسنة الرسل وفي الكتب {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا} أي تقول الملائكة لهم قيل: هم الحفظة، وقيل: ملائكة البشارة نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا {وفي الآخرة} بأنواع الكرامة {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم} من أنواع النعم {ولكم فيها ما توعدون} ما تشاؤون {نزلاً} أي رزقاً، والنزل ما تضمنه لضيفه إكراماً له {من غفور رحيم} من الله الذي يغفر الذنوب ويرحم {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} أي لا قول أحسن من قول من دعا إلى الله إلى توحيد الله وعدله، وعن ابن عباس: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا إلى الإِسلام {وعمل صالحاً} فيما بينه وبين ربه وجعل الإِسلام نحلة له، وقيل: هم جميع الأئمة والدعاة إلى الحق، وقيل: هم المؤذنون، وقيل: الآية الإِقامة، وعمل صالحاً صلى ركعتين بين الأذان والإِقامة {وقال إنني من المسلمين}، قيل: من المناقد مَنْ يقول أنا على دين محمد وعلى ملَّة إبراهيم أدعوكم إليه {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} يعني أنهما متفاوتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك رجل أساء إليك إساءة فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثال ذلك أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافياً لك، قال في الغرائب والعجائب عن علي (عليه السلام): "الحسنة حب آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيئة بغضهم"، ثم قال: {وما يلقّاها} أي ما يلقى هذه الخليقة والسجيَّة التي هي مقابلة السيئة بالإِحسان {إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلاَّ ذو حظ عظيم} إلا أهل الصبر، وإلاَّ رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير، وعن ابن عباس: بالتي هي أحسن الصبر عند الغضب والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، وفسر الحظ بالثواب، وعنه: والله ما عظم دون الجنة، وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً للرسول فصار ولياً.
اطفيش
تفسير : {ان الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ} اعترافاً بربوبيته وحده* {ثُمَّ اسْتَقَامُواْ} ثم لتراخى الاستقامة عن الاقرار في المرتبة وفضلها عليه لان فيها التصديق والعمل والتراخى في الوجود لان الاقرار مبدأ الاستقامة أي رتبة تكون بعدها الاستقامة أي العمل أو لانها عسرة يقل تبعها للاقرار وعن بعضهم استقاموا على التوحيد وغيره مما وجب عليهم وعن أبى بكر استقاموا فعلاً كما استقاموا قولا وروي انه تلاها وقال ما تقولون فيها فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا ايمانهم بخطيئة لما روي انه رضي الله عنه سئل عن الاستقامة فقال أن لا تشرك بالله شيئاً والمشهور عنه وعن جماعة هو هذا لم يختل ايمانهم ولم يضطرب ومن اختلاله واضطرابه عمل الكبائر. وقال عمر رضى الله عنه: الاستقامة اخلاص العمل ونسب لعثمان وقرأها عمر على المنبر فقال استقاموا والله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعلب فعلوا الأمر وتركوا النهى وقال علي أدوا الفرائض وعليه ابن عباس وعن الحسن استقاموا بالطاعة واجتناب المعصية وعليه جماعة وكان اذا تلاها قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة وقيل استقاموا على الشهادة حتى ماتوا. قال سفيان بن عبدالله الثقفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بأمر أعتصم به فقال:"حديث : قل ربى الله ثم استقم" تفسير : فقال ما أخوف ما تخاف عليَّ "حديث : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال هذا" تفسير : وتلك الاقوال كلها وان اختلفت مفهوماً متحدة صدقاً وكما لا بدّ من الاقرار لا بدّ من العمل والاخلاص وكل من الثبات على الايمان واخلاص العمل وأداء الفرائض أجزء للاستقامة يتركب منها لا تحصل الا باجتماعها لا جزئيات لها كما قال القاضي لأدائه الى أن كل واحد استقامة وهو لا يصح الا باعتبار الاستقامة اللغوية هذا (ولا تخافوا) مفعولاً (لتتنزل) لتضمنه معنى (تقول) أو بمحذوف أي (قائلين) لا تخافوا والخوف غم يلحق لتوقع المكروه* {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} الحزن غم يلحق لوقوع المكروه من فوات نافع أو حصول ضار فالمعنى ان الله كتب لكم الأمن من كل غم وقيل: المراد لا تخافوا ما تقدمون عليه من الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل وولد فانا نخلفكم في ذلك وقيل {لاَ تَخَافُوا} من الموت وما بعده {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما خلفتم وقيل لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فأنا أغفر لكم وكثيراً ما يقع الحزن لما لم يقعه. وعن مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} أي على ألسنة الرسل في الدنيا.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذينَ قالُوا ربُّنا الله ثمَّ اسْتقامُوا} بأداء الفرائض، واجتناب المعاصى، وان زلوا تابوا وأخلصوا العمل، وعن عمر: الاستقامة ان تستقيم على الأمر والنهى، ولا تروغ روغان الثعلب، وعن عثمان: اخلاص العمل، وعن على، وابن عباس: أداء الفرائض، وقيل: استقاموا على شهادة أن لا اله الا الله، أى بأن يجروا على مقتضاها، وان أعرضوا عن الفانية وأقبلوا على الباقية، وزادوا النوافل، فزيادة خبر، واعراض عما سوى الله تعالى، وقد فسر الفضيل الاستاقمة بالزهد فى الفانية، والرغبة فى الباقية، وسأل الصديق الصحابة عن الاستقامة فقالوا: لا يذنبون، فقال شددتم أى لأنهم اذا أذنبوا تابوا، وانما المحذور أن يروغوا روغان الثعلب كما قال عمر، قالوا لأبى بكر: فما تقول؟ فقال: لم يرتدوا أى بقوا على التوحيد ومقتضاه من أداء الواجب، وترك المعصية، أترى الصديق يطلق على المصر، والذى يروغ أنه استقام، لا والله. وكان الحسن إذ قرأ الآية قال: اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة، وثم للتراخى فى الزمان، لأن أداء الفرائض لليس لا بد متصلا، فقد يسلم بكرة ولا يرد عليه فرض الا بعد مدة من اليوم، أو للتراخى فى الرتبة فان الاستقامة أصعب من الاصرار، وأيضا الاستقامة تتضمن التوحيد وزيادة، فانه كلما عمل فرضا وتقرب به الى الله فقد وحد، ويجوز اعتبار التراخى الرتبى ببعد العمل عن التوحيد، فان أفضل من العمل ومنشأة. {تَتَنزَّل عَليْهُم الملائكةُ} من الله سبحانه وتعالى عند الموت، وفى القبر، وعند البعث، يبشرونهم برضا الله عز وجل والجنة، وعند المصائب يلهمونهم الصبر، وما يشرح الصدر {ألاَّ تَخافُوا} فان الله غفر ذنوبكم، وتقبل حسناتكم، وفى الدنيا لا تخافوا فان المصائب تذهب، ويبقى بعدها الأجر {ولا تَحْزنُوا} على ما خلفتم، وهذا عند الموت، ولا تحزنوا لشقوة، فلستم من أهلها، ولا تحزنوا على المصائب أن تدوم فانها لا تدوم، وهذا فى الدنيا، وأن مفسرة، فان نزول الملائكة يتضمن القول، ولا ناهية، أو ان ناصبه مصدرية، ولا نافية فتقدر الباء، أى بانتفاء الخوف والحزن {وأبْشِرُوا بالجنَّة التَّي كُنتُم تُوعدُون} توعدونها على ألسنة الرسل والأنبياء، هذا عند الموت وفى القبر والبعث.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدنيا والآخرة بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما أي قالوه اعترافاً بربوبيته تعالى وإقراراً بوحدانيته كما يشعر به الحصر الذي يفيده تعريف الطرفين كما في صديقي زيد {ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } ثم ثبتوا على الإقرار ولم يرجعوا إلى الشرك، فقد روي عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه تلا الآية وهي قد نزلت على ما روي عن ابن عباس ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا قال: قد حملتم الأمر على أشده قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله تعالى عنه استقاموا لله تعالى بطاعته لم يروغوا روغان الثعالب، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أخلصوا العمل، وعن الأمير علي كرم الله تعالى وجهه أدوا الفرائض، وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله تعالى، وفي «الكشاف» أي ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته وأراد أن من قال: ربـي الله تعالى فقد اعترف أنه عز وجل مالكه ومدبر أمره ومربيه وأنه عبد مربوب بين يدي مولاه فالثبات على مقتضاه أن لا تزل قدمه عن طريق العبودية قلباً وقالباً ولا يتخطاه وفيه يندرج كل العبادات والاعتقادات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمن طلب أمراً يعتصم به: «حديث : قل ربـي الله تعالى ثم استقم»تفسير : وذكر أن ما ورد عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم جزئيات لهذا المعنى ذكر كل منها على سبيل التمثيل ولا يخفى أن كلام الصديق رضي الله تعالى عنه يبعد كون ما ذكره على سبيل التمثيل، ولعل {ثُمَّ } على هذا للتراخي الرتبـي فإن الاستقامة عليه أعظم وأصعب من الإقرار وكذا يقال على أغلب التفاسير السابقة، وجوز أن تكون للتراخي الزماني لأنها تحصل بعد مدة من وقت الإقرار، وجعلت / على تفسير الاستقامة بأداء الفرائض أو بالعمل للتراخي الرتبـي أيضاً بناء على أن الإقرار مبدأ الاستقامة على ذلك ومنشؤها، وهذا على عكس التراخي الرتبـي الذي سمعته أولاً لأن المعطوف عليه فيه أعلا مرتبة من المعطوف إذ هو العمدة والأساس، وعلى ما تقدم المعطوف أعلى مرتبة من المعطوف عليه كما لا يخفى. {تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } من الله ربهم عز وجل {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } قال مجاهد والسدي: عند الموت، وقال مقاتل: عند البعث، وعن زيد بن أسلم عند الموت وفي القبر وعند البعث، وقيل: تتنزل عليهم يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغويهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح، قيل: وهذا هو الأظهر لما فيه من الإطلاق والعموم الشامل لتنزلهم في المواطن الثلاثة السابقة وغيرها، وقد قدمنا لك أن جميعاً من الناس يقولون: بتنزل الملائكة على المتقين في كثير من الأحايين وأنهم يأخذون منهم ما يأخذون فتذكر. {أَلاَّ تَخَافُواْ } ما تقدمون عليه فإن الخوف غم يلحق لتوقع المكروه {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتم فإنه غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار وروي هذا عن مجاهد، وقال عطاء بن أبـي رباح: لا تخافوا رد حسناتكم فإنها مقبولة ولا تحزنوا على ذنوبكم فإنها مغفورة، وقيل: المراد نهيهم عن الغموم على الإطلاق والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أبداً. و {أَن} إما مصدرية و {لا } ناهية أو نافية وسقوط النون للنصب والخبر في موضع الإنشاء مبالغة، وإما مخففة من الثقيلة و {تَتَنَزَّلُ } مضمن معنى العلم و(لا) ناهية و(أن) في الوجهين مقدرة بالباء أي بأن لا تخافوا أو بأنه لا تخافوا والهاء ضمير الشأن، وإما مفسرة و {تَتَنَزَّلُ } مضمن معنى القول و(لا) ناهية أيضاً. وفي قراءة عبد الله {لا تخافواْ } بدون {أَن} أي يقولون لا تخافوا على أنه حال من (الملائكة) أو استئناف. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي التي كنتم توعدونها في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام، هذا من بشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة.
ابن عاشور
تفسير : بعد استيفاء الكلام على ما أصاب الأممَ الماضية المشركين المكذبين من عذاب الدنيا وما أُعدّ لهم من عذاب الآخرة مما فيه عبرة للمشركين الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بطريق التعريض، ثم أنذروا بالتصريح بما سيحلّ بهم في الآخرة، ووصف بعض أهواله، تشَوَّفَ السامعُ إلى معرفة حظ المؤمنين ووصفِ حالهم فجاء قوله: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله} الخ، بياناً للمترقب وبشرى للمتطلب، فالجملة استئناف بياني ناشىء عما تقدم من قوله: { أية : ويَوْمَ يُحْشَرُ أعدَاءُ اللهِ إلَى النَّارِ } تفسير : [فصلت: 19] إلى قوله: { أية : مِنَ الأَسْفَلِينَ } تفسير : [فصلت: 29]. وافتتاح الجملة بحرف التوكيد منظور فيه إلى إنكار المشركين ذلك، ففي توكيد الخبر زيادة قمع لهم. ومعنى {قالوا ربُّنا الله} أنهم صدعوا بذلك ولم يخشَوا أحداً بإعلانهم التوحيد، فقولُهم تصريح بما في اعتقادهم لأن المراد بهم قالوا ذلك عن اعتقاد، فإن الأصل في الكلام الصدق وهو مطابقة الخبر الواقع وما في الوجود الخارجي. وقوله: {رَبُّنَا الله} يفيد الحصر بتعريف المسند إليه والمسند، أي لا ربّ لنا إلا الله، وذلك جامع لأصل الاعتقادِ الحق لأن الإِقرار بالتوحيد يزيل المانع من تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به إذ لم يصُدَّ المشركين عن الإِيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أمرهم بنبذ عبادة غير الله، ولأن التكذيب بالبعث تلقوه من دعاة الشرك. والاستقامة حقيقتها: عدم الاعوجاج والميلِ، والسين والتاء فيها للمبالغة في التقوّم، فحقيقة استقام: استقَل غير مائل ولا منحن. وتطلق الاستقامة بوجه الاستعارة على ما يجمع معنى حسن العمل والسيرة على الحق والصدق قال تعالى: { أية : فاسْتَقِيموا إليه واستَغْفروه } تفسير : [فصلت: 6] وقال: { أية : فاستقم كما أمرت } تفسير : [هود: 112]، ويقال: استقامت البلاد للملك، أي أطاعت، ومنه قوله تعالى: { أية : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } تفسير : [التوبة: 7]. فــــ{استَقٰمُوا} هنا يشمل معنى الوفاء بما كلفوا به وأول ما يشمل من ذلك أن يثبتوا على أصل التوحيد، أي لا يغيروا ولا يرجعوا عنه. ومن معنى هذه الآية ما روي في «صحيح مسلم» عن سفيان الثقفي قال: قلتُ: يا رسول الله قُل لي في الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً غيرَك. قال: « حديث : قُل آمنت بالله ثم استقِمْ »تفسير : . وعن أبي بكر {ثُمَّ استَقٰمُوا}: لم يشركوا بالله شيئاً. وعن عمر: استقاموا على الطريقة لطاعته ثم لم يروغوا روغان الثعَالب. وقال عثمان: ثم أخلَصوا العمل لله. وعن علي: ثم أدّوا الفرائض. فقد تولى تفسير هذه الآية الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى معنى الاستقامة في الإِيمان وآثاره، وعناية هؤلاء الأربعة أقطاب الإسلام ببيان الاستقامة مُشير إلى أهميتها في الدين. وتعريب المسند إليه بالموصولية دون أن يقال: إن المؤمنين ونحوه لما في الصلة من الإِيماء إلى أنها سبب ثبوت المسند للمسند إليه فيفيد أن تنزل الملائكة عليهم بتلك الكَرامة مسبَّب على قولهم: {رَبُّنَا الله} واستقامتهم فإن الاعتقاد الحق والإِقبال على العمل الصالح هما سبب الفوز. و{ثُم} للتراخي الرتبي لأن الاستقامة زائدة في المرتبة على الإِقرار بالتوحيد لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه والعملَ بما يستدعيه، ولأن الاستقامة دليل على أن قولهم: {رَبُّنَا الله} كان قولاً منبعثاً عن اعتقاد الضمير والمعرفة الحقيقية. وجَمَع قولُه: {قَالُوا رَبُّنا الله ثُمَّ استَقٰمُوا} أَصْلَي الكمال الإسلامي، فقوله: {قالُوا رَبُّنَا الله} مشير إلى الكمال النفساني وهو معرفة الحق للاهتداء به، ومعرفة الخير لأجل العمل به، فالكمال علم يقيني وعمل صالح، فمعرفة الله بالإِلهية هي أساس العلم اليقيني. وأشار قوله: {استَقٰمُوا} إلى أساس الأعمال الصالحة وهو الاستقامة على الحق، أي أن يكون وسطاً غير مائل إلى طرفَي الإِفراط والتفريط قال تعالى: { أية : اهدنا الصراط المستقيم } تفسير : [الفاتحة: 6] وقال: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : [البقرة: 143] على أن كمال الاعتقاد راجع إلى الاستقامة، فالاعتقاد الحق أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الإِثبات إلى حيث ينتهي إلى التّشبيه والتمثيل بل يمشي على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، ويستمر كذلك فاصلاً بين الجبريّ والقدَريّ، وبين الرجاء والقنوط، وفي الأعمال بين الغلوّ والتفريط. وتنزُّلُ الملائكة على المؤمنين يحتمل أن يكون في وقت الحشر كما دل عليه قولهم: {الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ}، وكما يقتضيه كلامهم لهم لأن ظاهر الخطاب أنه حقيقة، فذلك مقابل قوله: { أية : ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْدَاءُ اللهِ إلَى النَّارِ فَهُم يُوزَعُونَ } تفسير : [فصلت: 19]، فأولئك تلاقيهم الملائكة بالوزع، والمؤمنون تتنزل عليهم الملائكة بالأمن. وذِكر التنزل هنا للتنويه بشأن المؤمنين أن الملائكة ينزلون من علوياتهم لأجلهم فأما أعداء الله فهم يجدون الملائكة حُضَّراً في المحشر يَزَعُونهم وليسوا يتنزلون لأجلهم فثبت للمؤمنين بهذا كرامة ككرامة الأنبياء والمرسلين إذ يُنزّل الله عليهم الملائكة. والمعنى: أنه يتنزل على كل مؤمن مَلَكان هما الحافظان اللذان كانا يكتبان أعماله في الدنيا. ولتضمن {تَتَنَزَّلُ} معنى القول وردت بعده (أنْ) التفسيرية والتقدير: يقولون لا تخافوا ولا تحزنوا. ويجوز أن يكون تنزل الملائكة عليهم في الدنيا، وهو تنزل خفيّ يعرف بحصول آثاره في نفوس المؤمنين ويكون الخطاب بــــ{لا تخافوا ولا تحزنوا} بمعنى إلقائهم في رُوعهم عكس وسوسة الشياطين القرناء بالتزيين، أي يُلقون في أنفس المؤمنين ما يصرفهم عن الخوف والحزن ويذكرهم بالجنة فتحِل فيهم السكينة فتنشرح صدورهم بالثقة بحلولها، ويلقُون في نفوسهم نَبذ ولاية من ليسوا من حزب الله، فذلك مقابل قوله: { أية : وَقَيَّضْنا لَهُم قُرَنَآءَ } تفسير : [فصلت: 25] الآية فإنه تقييض في الدنيا. وهذا يقتضي أن المؤمنين الكاملين لا يخافون غير الله، ولا يحزنون على ما يصيبهم، ويوقنون أن كل شيء بقدر، وهم فرحون بما يترقبون من فضل الله. وعلى هذا المعنى فقوله: {الَّتِي كُنتُم} تُعتبرُ (كان) فيه مزيدة للتأكيد، ويكون المضارع في {تُوعَدُونَ} على أصل استعماله للحال والاستقبال، ويكون قولهم: {نَحنُ أولِياؤكُم فِي الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَة} تأييداً لهم في الدنيا ووعداً بنفعهم في الآخرة. و{لا} ناهية، والمقصود من النهي عن الخوف: النهي عن سببه، وهو توقع الضر، أي لا تحسبوا أن الله معاقبكم، فالنهي كناية عن التأمين من جانب الله تعالى لأنهم إذا تحققوا الأمن زال خوفهم، وهذا تطمين من الملائكة لأَنْفُس المؤمنين. والخوف: غمّ في النفس ينشأ عن ظن حصول مكروه شديد. والحزَن: غمّ في النفس ينشأ عن وقوع مكروه بفوَاتِ نفعٍ أو حصول ضرّ. وألحقوا بتأمينهم بشارتهم، لأن وقع النعيم في النفس موقعَ المسرة إذَا لم يخالطه توقع المكروه. ووصفُ الجنة بــــ{الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ} تذكير لهم بأعمالهم التي وعدوا عليها بالجنة، وتعجيل لهم بمسرة الفوز برضى الله، وتحقيق وعده، أي التي كنتم توعدونها في الدنيا. وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أنهم متأصلون في الوعد بالجنة وذلك من سابق إيمانهم وأعمالهم. وفي التعبير بالمضارع في {تُوعَدُونَ} إفادة أنهم قد تكرر وعدهم بها، وذلك بتكرر الأعمال الموعود لأجلها وبتكرر الوعد في مواقع التذكير والتبشير. وقول الملائكة: {نَحْنُ أولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ} تعريف بأنفسهم للمؤمنين تأنيساً لهم. فإن العلم بأن المتلقِّيَ صاحب قديم يزيد نفس القادم انشراحاً وأنساً ويزيل عنه دهشة القدوم، يُخفف عنه من حشمة الضيافة، ويزيل عنه وحشة الاغتراب، أي نحن الذين كنا في صحبتكم في الدنيا، إذ كانوا يكتبون حسناتهم ويشهدون عند الله بصلاتهم كما في حديث: « حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلون »تفسير : . وقد حفظوا العهد فكانوا أولياء المؤمنين في الآخرة، وقد جيء بهذا القول معترضاً بين صفات الجنة ليتحقق المؤمنون أن بشارتهم بالجنة بشارة محب يفرح لحبيبه بالخير ويسعى ليزيده. واعلم أن قوله: {في الحَياةِ الدُّنيا} إشارة إلى مقابلة قوله في المشركين { أية : وَقَيَّضْنَا لَهُم قُرَنَاءَ } تفسير : [فصلت: 25] فكما قيّض للكافر قرناء في الدنيا قيّض للمؤمنين ملائكة يكونون قرناءَهم في الدنيا، وكما أنطق أتباعهم باللائمة عليهم أنطق الملائكة بالثناء على المؤمنين. وهذه الآية تقتضي أن هذا الصنف من الملائكة خاص برفقة المؤمنين وولائهم ولا حظ للكافرين فيهم، فإن كان الحفظة من خصائص المؤمنين كما نقله ابن ناجي في «شرح الرسالة» فمعنى ولايتهم للمؤمنين ظاهر، وإن كان الحفظة موكَّلين على المؤمنين والكافرين كما مشى عليه الجمهور وهو ظاهر قوله تعالى: { أية : كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون } تفسير : [الانفطار: 9 ــــ 12] فهذا صنف من الملائكة موكّل بحفظ المؤمنين في الدنيا، وهم غير الحفظة، وقد يكون هذا الصنف من الملائكة هو المسمى بالمعقبات في قوله تعالى: { أية : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللَّه } تفسير : حسب ما تقدم في سورة الرعد (11). وقد دلت عدة آثار متفاوتة في القبول على أن الملائكة الذين لهم علاقة بالناس عموماً أو بالمؤمنين خاصة أصناف كثيرة. وعن عثمان « حديث : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم من ملَك على الإِنسان، فذكر له عشرين مَلكاً ». تفسير : ولعل وصف الملائكة المتنزلين بأنهم أولياء يقتضي أن عملهم مع المؤمن عمل صلاح وتأييد مثل إلهام الطاعات ومحاربة الشياطين ونحو ذلك، وبذلك تتم مقابلة تنزلهم على المؤمنين بذكر تقييض القرناء للكافرين، وهذا أحسن. وجملة {ولَكُم فِيهَا ما تَشْتَهِي أنفُسُكُم} عطف على {التي كُنتُم تُوعَدُون} وما بينهما جملة معترضة كما بينته آنفاً. ومعنى {مَا تَدَّعُونَ}: ما تتمنون. يقال: ادَّعَى، أي تمنى، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولهم ما يدَّعون } تفسير : في سورة يس (57). والمعنى: لكم فيها ما تشتهونه مما يقع تحت الحسّ وما تتمنونه في نفوسكم من كل ما يخطر بالبال مما يجول في الخيال، فما يدّعون غير ما تشتهيه أنفسهم. ولهذه المغايرة أعيد {لكم} ليؤذن باستقلال هذا الوعد عن سابقه، فلا يتوهم أن العطف عطف تفسير أو عطف عام على خاص. والنزُل بضم النون وضم الزاي: ما يُهَيَّأ للضيف من القِرى، وهو مشتق من النزول لأنه كرامة النزيل، وهو هنا مستعار لما يُعطَوْنَه من الرغائب سواء كانت رزقاً أم غيره. ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مُهَيَّأٌ من قبلِ أن يشتهوه أو يتمنوه. و {من غَفُورٍ رحيمٍ} صفة {نُزُلاً}، و {مِنْ} ابتدائية. وانتصب {نُزُلاً} على الحال من {مَا تَشتهي أنفُسُكم}. و {مَا تَدَّعُونَ} حال كونه كالنزل المهيّأ للضيف، أي تعطونه كما يعطى النزل للضيف. وأوثرت صفتا (الغفور الرحيم) هنا للإِشارة إلى أن الله غفر لهم أو لأكثرهم اللممَ وما تابوا منه، وأنه رحيم بهم لأنهم كانوا يحبونه ويخافونه ويناصرون دينه.
الشنقيطي
تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة مما أعده الله في الآخرة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ذكره الله تعالى في الجملة، في قوله في الأحقاف {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأحقاف: 13ـ14] لأن انتفاء الخوف والحزن والوعد الصادق، بالخلود في الجنة المذكور في آية الأحقاف هذه، يستلزم جميع ما ذكر في هذه الآية الكريمة، من سورة فصلت.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 30- إن الذين قالوا: ربنا الله إقراراً بوحدانيته، ثم استقاموا على شريعته، تنزل عليهم الملائكة مرة بعد مرة، قائلين: لا تخافوا من شر ينزل بكم، ولا تحزنوا على خير يفوتكم، وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون بها على لسان الأنبياء والمرسلين. 31، 32- وتقول لهم الملائكة: نحن نصراؤكم فى الحياة الدنيا بالتأييد وفى الآخرة بالشفاعة والتكريم، ولكم فى الآخرة ما تشتهيه أنفسكم من الملاذ والطيبات، ولكم فيها ما تتمنون إكراماً وتحية من رب واسع المغفرة والرحمة. 33- لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى توحيد الله وطاعته، وعمل - مع ذلك - عملا صالحاً، وقال - اعترافاً بعقيدته -: إنى من المنقادين لأوامر الله. 34- ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة القبيحة، ادفع الإساءة - إن جاءتك من عدو - بالخصلة التى هى أحسن منها، فتكون العاقبة العاجلة. إن الذى بينك وبينه عداوة كأنه ناصر مخلص. 35- وما يُرزَق هذه الخصلة - وهى دفع السيئة بالحسنة - إلا الذين عندهم خُلق الصبر، وما يُرزقها إلا ذو نصيب عظيم من خصال الخير وكمال النفس. 36- وإن يوسوس لك الشيطان ليصرفك عمَّا أمرت به - أيها المخاطب - فتحصن بالله منه، إن الله هو المحيط سمعه وعلمه بكل شئ فيُعيذك منه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قالوا ربنا الله: قالوا ذلك معلنين عن إِيمانهم بأن الله هو ربهم الذي لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه. ثم استقاموا: أي ثبتوا على ذلك فلم يبدلوا ولم يغيروا ولم يتركوا عبادة الله بفعل الأوامر وترك النواهي. تتنزل عليهم الملائكة: أي عند الموت وعند الخروج من القبر بحيث تتلقاهم هناك. أن لا تخافوا ولا تحزنوا: أي بأن لا تخافوا مما أنتم مقبلون عليه فإنه رضوان الله ورحمته ولا تحزنوا عما خلفتم وراءكم. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة: أي فبحكم ولايتنا لكم في الدنيا والآخرة فلا تخافوا ولا تحزنوا. ولكم فيها ما تدعون: أي ويلكم فيها ما تطلبون من سائر المشتهيات لكم. نزلا من غفور رحيم: أي رزقا مهيأ لكم من فضل رب غفور رحيم. معنى الآيات: لما بين تعالى حال الكافرين في الدار الآخرة وهو أسوأ حال بين حال المؤمنين في الآخرة وهي أحسن حال وأطيب مآل فقال إن الذين قالوا ربنا الله أي لا ربَّ لنا غيره ولا إله لنا سواه، ثم استقاموا فلم يشركوا به في عبادته أحداً فأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي وماتوا على ذلك هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة أي تهبط عليهم وذلك عند الموت بأن تقول لهم لا تخافوا على ما أنتم مقدمون عليه من البرزخ والدار الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم وأبشروا بالجنة دار السلام التي كنتم توعدونها في الكتاب وعلى لسان الرسول. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا إذا كنا نسددكم ونحفظكم من الوقوع في المعاصي، وفي الآخرة نستقبلكم عند الخروج من قبوركم حتى تدخلوا جنة ربكم. ولكم فيها أي في الجنة ما تشتهي أنفسكم من الملاذ ولكم فيها ما تدعون أي تطلبون مما ترغبون فيه وتشتهون. نزلا أي قرىً وضيافة من لدن رب غفور لكم رحيم بكم لا إله إلا هو ولا رب سواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الإِيمان والاستقامة عليه بأداء الفرائض واجتناب النواهي. 2- بشرى أهل الإِيمان والاستقامة عند الموت بالجنة وهؤلاء هم أولياء الله المؤمنون المتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وهي هذه وفي الآخرة عند خروجهم من قبورهم. 3- في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين، ولأحدهم كل ما يطلبه ويدعيه وفوق ذلك النظر إلى وجه الله الكريم وتلقي التحية منه والتسليم.
القطان
تفسير : استقاموا: ثبتوا على الايمان والعمل الصالح. أولياؤكم: نصراؤكم. ما تدعون: ما تطلبون. نزلاً: ضيافة حسنة. ادفع بالتي هي أحسن: رُدَّ الاساءة باللين والحسنى. وليّ حميم: صديق عزيز. وما يلقّاها: وما يعمل هذا العمل ويتحمله. الا ذو حظ عظيم: الا ذو نصيب وافر من الخير. ينزغنَّك: يوسوسنَّ لك ويغرينك بالشر. فاستعذ بالله: التجئ اليه. هذه الآيات الكريمة دستورٌ عظيم في الأخلاق، وحسن المعاشرة، وكيفية الدعوة الى الله والتحلّي بالصبر والأناة، ولو أننا اتبعناها حقا، ولو أن وعّاظنا وأئمة مساجدنا تحلَّوا بها وساروا على هديها - لنفع الله بهم الناس، وهدى الكثيرَ الكثير منهم على أيديهم، ولاستقامت الأمور، وارتقت أحوالنا، هدانا الله الى التحلّي بكل مكرمة. ان الذين قالوا ربنا الله اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته، ثم استقاموا في أعمالهم - أولئك تحفّهم الملائكة، وتبشّرهم بالفلاح والفوز بالجنة التي وعدَهم بها الله، وهو يقول لهم: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالتأييد، وفي الآخرة بالشفاعة والتكريم، ولكم في الجنة ما تشتهي أنفسكم وكلّ {مَا تَدَّعُونَ} أي ما تطلبون من الطيِّبات ضيافةً لكم من الله الغفور الرحيم. ثم بين الله تعالى صفة الداعي الى الله بالأقوال الحسنة والعمل الصالح ليكون قدوةً ويقرّ بأنه من المسلمين المخلصين. وبعد ذلك أعقب بالدعوة الى حسن المعاملة بين الناس فقال: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} ولا تستوي الخَصلة الحسنة مع الخَصلة القبيحة، ادفعْ ايها المؤمن الاساءة ان جاءتك بالقول الحسن والِّين، فاذا فعلتَ ذلك انقلب العدوُّ صديقاً حميما، وناصرا مخلصا. {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} وما يتحلى بهذه الأخلاق العالية الا الصابرون {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} وما يُرزقها إلا ذو نصيب عظيم من خِصال الخير والكمال. وان يصبْك من الشيطان وسوسةٌ فاستعذْ بالله، إن علمه محيطٌ بكل شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱسْتَقَامُواْ} {ٱلْمَلاَئِكَةُ} (30) - إِنَّ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وََأَخْلَصُوا لَهُ العِبَادَةَ، وَثَبَتُوا عَلَى الإِيمَانِ (اسْتَقَامُوا) تَتَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالبُشْرَى التِي يُرِيدُونَهَا، وَبِأَنَّهُمْ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِمّا يَقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ وَزَوْجٍ وَوَلَدٍ، وَيَبَشِّرُونَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ التِي وَعَدَهُمْ اللهُ بِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ البُشْرَى تَكُونُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ المَوْتِ، وَفِي القَبْرِ، وَحِينَ البَعْثِ والنُّشُورِ). اسْتَقَامُوا - عَلَى الحَقِّ اعْتِقَاداً وَعَمَلاً وَإِخْلاَصاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قالوا: ربنا الله، هناك لَفْظاً رب وإله. ولكل لفظ منهما مجالٌ ومعنىً: فالربُّ هو الذي يربِّي ويخلق ويتعهَّدنا بالنعم والأفضال، ومنه قولنا: نربيه. يعني: نعطيه ما يُؤهله لمهمته، فالله ربٌّ خلق من عدم وأمدَّ من عُدم، وظل يأخذنا بحنان يُوضع لبعضنا في بعض، إلى أنْ نقوى ويشتد ساعدنا، ثم يكلفنا بعد ذلك تكليف الألوهية. إذن: فعطاء الربوبية عطاء عام يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، والطائعَ والعاصي. فالله رَبُّ الجميع وَسِع فضله كلَّ خَلْقه، خلقك وخلق لك مقومات حياتك قبل أنْ يخلقك، وجعل لك عقلاً تُميِّز به وتختار بين البدائل، فإنْ أحسنتَ التصرف بعقلك فيما أعطاك من مقومات تأخذ ثمرتها، وإنْ لم تحسن فأنت الخاسر، إذن: عطاء الربوبية للجميع، والأسباب مُتاحة للجميع تعطي مَنْ يستحق العطاء حتى لو كان كافراً. ولذلك تجد في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} تفسير : [البقرة: 126] إذن: طلب الرزق فقط لمَنْ آمن، فصحَّح اللهُ له هذه المعلومة، وقال: {أية : وَمَن كَفَرَ ..} تفسير : [البقرة: 126] لأن رزقي لكل خَلْقي، سواء آمن أو لم يؤمن لأنه خَلْقي وصنعتي، وأنا الذي استدعيتُه للوجود، فعليَّ رزقه وعليَّ مقومات حياته، هذا عطاء الربوبية. وسيدنا إبراهيم طرق بابه ليلاً طارقٌ يريد أنْ يبيتَ عنده، فسأله أولاً عن دينه، فعلم أنه غير مؤمن، فأغلق الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وعاتب الله نبيه إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم وسعتُه في مُلْكي ولم أقطع عنه رزقي مع كفره بي، وأنت تريد أنْ تغير دينه في ليلة تستضيفه فيها؟ فأسرع سيدنا إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به وأخذه في ضيافته فتعجب الرجل وقال: لقد جئتك فرددتني. فقال له: لكن ربي عاتبني فيك، فقال الرجل: أعاتبكَ ربك في شأني؟ قال: نعم، قال: فنعْم الربُّ رَبٌّ يعاتب أنبياءه في أعدائه، ثم قال: أشهد ألاَّ إله إلا الله، وأنك رسول الله. لذلك كثيراً ما نتعجَّب من عطاء الله الواسع لغير المؤمنين، وأن في أيديهم كلَّ نعيم الدنيا وزخرفها في حين يُحرم منها المؤمن، ولا عجبَ في ذلك لأن هذا عطاءُ الربوبية، وهؤلاء أحسنوا استغلالَ الأسباب فأعطتْهم، ولو أحسنتم أنتم كذلك لأعطتكُمُ الأسباب. واقرأ قول الله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً ..} تفسير : [الزخرف: 33-35]. وتأمل، ما المعارج؟ هي المصاعد التي لم نعرفها نحن إلاَّ في القرن العشرين، أخبرنا القرآن بها قبل أربعة عشر قرناً، هذه من معجزات القرآن التي ينثرها علينا من حين لآخر. فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ..} [فصلت: 30] يعني: اعترفوا له سبحانه بالربوبية، وأقرُّوا أنه سبحانه هو الذي خلقنا وربَّانا وأعطانا وأنعم علينا، ومن العجيب أنه لم يُكلِّفنا إلا بعد أنْ بلغنا أشدّنا، يعني: تركني أربع في الدنيا وأنعم بنعمه خمسة عشر عاماً دون أنْ يُكلِّفني بشيء، لماذا؟ لأنه لا يكلفك إلا بعد تمام تكوينك واكتمال قوتك، لأنه لو كلفك قبل ذلك ثم طرأ عليك تغيير في الخِلْقة وزيادة في نمو بعض أعضائك لقلت له: يا رب لقد كلَّفتني ثم حدث لي تغيير في كذا وكذا، ولم أعُدْ صالحاً لهذا التكليف. ومتى تبلغ أشدّك؟ قالوا: حين تكون صالحاً لإنجاب مثلك، عندها يكون اكتمال الخَلْق وتمام الرجولة، ونحن نلاحظ هذا في الثمار، فالثمرة الناضجة تعطي بذرة ناضجة لو وُضِعَتْ في الأرض لأنبتتْ شجرة، خُذْ مثلاً بطيخة قبل نضوجها تَجد لُبَّها أبيض وطعمها مائعاً، لماذا؟ لأنها لم تنضج بَعْد ولو زُرعت بذرتها لم تنبت. فكأن الله يحرس الثمرة حتى تنضج البذرة، وتصير صالحة لإنبات شجرة جديدة، هذا نُسَميه استبقاء النوع، وإلا لانقرضَ النوعُ ولو نضجتْ البطيخة وحَلاَ طعمها قبل بذرها لأكلناها وما سألنا في مسألة البذرة والإنبات من جديد، ولَمَا كان هناك بقاءٌ للنوع. ولذلك إذا غفلتَ عن الثمرة حتى استوتْ على عُودها ولم تقطفها وقعتْ لك هي على الأرض، وكأنها تقول لك: خُذْني لأنها ستؤدي مهمة اللذة في الطعم لك، ومهمة إنبات شجرة جديدة من نفس النوع. والخَلْق على نوعين: خَلق أول، وخَلْق ثَانٍ. الأول: خلق أصول الأشياء. والثاني: خلق فروعاً من أصول الأشياء؛ لذلك السيدة مريم لمَّا قال لها يوسف النجار بعد أن ظهرت عليها علامات الحمل: يا مريم، أتوجد شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتتْ أول بذرة. هذا هو الخَلْق الأول كخلق آدم عليه السلام خُلِق أولاً، ومنه تناسل الناس. إذن: التكليف لا يكون إلا بعد سِنِّ البلوغ واكتمال الرجولة، والذي يُكلِّفنا هو الله، فالربُّ خلق ورزق وربَّى، والله كلَّف وأمر بالعبادة، فالله هو المعبود يعني: مُطاع في أمره ونَهْيه، وقبل أنْ يكون مُطاعاً في أمره ونهيه أعطاك عطاءَ ربوبية، فكأنه قدَّم الخير لك أولاً قبل أنْ يأمرك بعبادته، فلا أقلَّ من أنْ تقدم الخير بأنْ تطيع مَنْ رباك. ولذلك جعل منزلة خاصة للأبوين، وأوصى ببرِّهما، وحذَّر من عقوقهما، وجعل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، لماذا؟ قالوا: لأن الله أراد أنْ يروِّضك ويعلمك أنْ تحترم مَنْ كان سبباً مباشراً في وجودك، ثم بعد ذلك ينقلك إلى احترام سبب وجودك غير المباشر، وهو الله سبحانه؛ لذلك قال: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [النساء: 36]. فالحق سبحانه حينما يأمرنا ببرِّ الوالدين إنما يدربنا على عرفان الحق لله تعالى، فالله أوجد الخَلْق الأول، والوالدان أوجدا الخلق الثاني، وجعل احترام سبب الإيجاد الثاني وسيلة لاحترام سبب الإيجاد الأول. إذن: نقول الربوبية عطاء، والألوهية تكليف، لكنه تكليف يعطيك أولاً لأنك في الدنيا، وعمر الدنيا هو مقدار وجودك أنت فيها، ولا دخْلَ لك في عمر الدنيا من لدُنْ آدم حتى قيام الساعة، لأن هذا الزمن كله لا يعنيك وهذه محكومة من الله طولاً، هذا يعيش عشرة أعوام، وهذا خمسين، وهذا مائة، فَطُول الأجل لا دخلَ لأحد فيه. فبعد أن ذكر الحق سبحانه لنا طرفاً من الأمم المكذبة المعاندة للرسل وما آل إليه أمرهم من العذاب، يذكر سبحانه المقابل وهم أهل الإيمان والاستقامة على الجادة، فيقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ..} [فصلت: 30] قلنا: العمل قول وفعل. فالقول عمل اللسان ويقابله الفعل، وهو عمل باقي الجوارح: فالرؤية للعين، والسمع للأذن، واللمس لليدين، والسعي للقدمين .. إلخ وكلٌّ من القول والفعل يُسمى عملاً. فما عمل القلب؟ القلب من الناحية المادية هو الوعاء المسئول عن ضخ الدم، وهو سائل الحياة إلى باقي أجزاء الجسم، وهو وعاء الإيمان والاعتقاد، فإذا ما عمر باليقين والإيمان أشاع ذلك في كل ذرة من ذرات الجسم، لذلك نقول: عمل القلب الاعتقاد، والعقيدة هي الشيء المعقود الذي لا يُحَلُّ، الشيء الذي استقر في القلب فلا يخرج ليناقشه العقل من جديد. قنا: إن الفكرة تُعرض أولاً على العقل ليبحثها ويناقشها، فإن اطمأن إليها ألقاها إلى القلب لتستقرّ فيه عقيدة راسخة، فالقلب إذن لا يستقبل إلا عقائدَ ثابتة، وهذه العقائد هي التي ستكون مبدأ لك في حركات حياتك. ومن هنا نعلم أهمية دور اللسان وخطورته، فله نصف العمل، ولباقي الجوارح النصف الآخر، ثم هو المعبِّر عنك المصفح عَمَّا بداخلك، والجوارح كلها ينبغي أنْ تتفاعل مع الكون تفاعلاً إيجابياً، فالأذن تسمع، والعين ترى، والأنف يشم، واليد تلمس، فالجوارح تعطيني مادة الفكر وبها يصل المؤمن إلى آيات الله في الكون، بها يُعرف النافع ويُعرف الضار فيأخذ منها النافع ويبتعد عن الضار، فالأذن تسمع كل شيء، وعليك أن توجهها لسماع الخير وتبتعد بها عن سماع الشر {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72]. والعين تنظر بها إلى بديع صُنْع الله في كونه، وتغضُّها عن محارمه، وها هو الكون أمامك كتاب مفتوح، وما عليك إلا أن تقرأ ما فيه من آيات ومعجزات، والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأجرام ومجرَّات كلها تسير بنظام دقيق محكم، والأرض وما فيها من عناصر وما تنبته لنا من خيرات. والحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن هذه الخيرات ويمتنُّ علينا بهذه النِّعم يُذكِّرنا بقدرته تعالى على زوالها ونقضها، وكيف أنه لو شاء سبحانه لحرمنا، بل ولحوَّل لنا هذه النعم إلى نقم والعياذ بالله، لذلك لنا وقفة مع قوله سبحانه عن الزرع: {أية : ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 64] نعم نحن نحرث ونروي ونباشر، لكن الإنبات بيد مَنْ؟ ثم يُذكِّرنا سبحانه بقدرته على نقض هذه النعمة {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير : [الواقعة: 65]. ثم يُحدِّثنا عن نعمة الماء، وكيف ينقضها: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 68-70]. لكن حين يُحدِّثنا الحق سبحانه عن نعمة النار يتركها دون أنْ يذكر ما ينقضها: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة: 71-72]. هكذا دون أنْ يذكر ما ينقضها كسابقها، لماذا؟ قالوا: لأن هذه هي النار النافعة الصحية التي لا ضررَ فيها نوقدها لننتفع بها، وكل نار بعدها لها ضرر، لذلك لم يقل الحق سبحانه مثلاً: لو نشاء لجعلناها رماداً، ذلك لتظل النار باقية تُذكِّرنا بنار الآخرة. ثم لك أنْ تلحظ عظة الأداء القرآني ودقته في التعبير، فلما تكلم عن الزرع قال: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} تفسير : [الواقعة: 65] هكذا بلام التوكيد، لماذا؟ ليؤكد قدرته تعالى على الذهاب بالزرع مهما كان، والزرع للإنسان دور فيه وتدخّل، فهو يحرث ويروي ويباشر، إنما حين تكلم عن خَلْق الإنسان وعن الماء لم يذكر في ذلك توكيداً؛ ذلك لأن مسألة الخلق ومسألة نزول الماء من السماء لا دخْلَ للإنسان فيها. والآيات في كَوْنِ الله كثيرة صنَّفها العلماء إلى ثلاثة أقسام: آيات كونية: تثبت قدرة الخالق كالليل والنهار والشمس والقمر، ثم آيات معجزات: صاحبتْ رسل الله لتثبت صدقه في البلاغ عن الله، وآخرها آيات الأحكام: وهي آيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله للناس. وهذه كلها تخدم قضية اليقين والإيمان بالله. فإذا أُشْرِبَ الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها بلسانه فرحاً بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبِّر عما في القلب والقائد لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من يوم إلا وتنادي الجوارحُ اللسانَ تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإذا استقمتَ استقمنا، وإذا اعوججتَ اعوججنا ". تفسير : فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] دلَّ على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمانُ في قلوبهم، فعبَّرت عنه الألسنة {رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] مُوجدنا ومربِّينا الذي خلقنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255]. فالإنسان إنْ أراد حارساً استأجر له حارساً، فكيف به إذا نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنَمْ مطمئن القلب، لأن حارسك لا تأخذه سِنَة ولا نوم. فالمؤمن حين يباشر كل هذا النعيم، وحين يرى مقومات حياته في متناول يده من طعام وشراب، وأمن وسلام، هواء يتنفسه وأرض تعطيه كل ما يشتهي، يفرح بعطاء الله له ولا يملك إلا أنْ يقول (رَبُّنَا اللهُ) لأنها أًصبحت عقيدة ثابتة في القلب. وما دام ربك الله، فلا تحزن ولا تهتم لأمر الدنيا فاللهُ مُتولِّي أمرك، إنك ترى الولد في حياة أبيه لا يحمل هَمَّ شيء، ولا يفكر في غلاء الأسعار، ولا في توفير القوت والسلع والملابس .. إلخ لأن والده موجود، فما بالك إنْ كان الله هو الذي يتولاك؟ والله إن المؤمن الحق ليستحي أنْ يحمل همَّ الرزق أو العيش، وهو يعلم أن ربه الله. وما دام {رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] فلا كَرْبَ وأنت رَبٌّ. ربك سيتولاك، ويبعد عنك كل سوء، ويكفيك كل ما أهمك. تذكرون قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، فلما اتبعه فرعون بجنوده {أية : قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] هكذا يقول واقع الأحداث، فأمامهم البحر وخلفهم جنود فرعون ولا مفرّ، لكن ماذا قال موسى؟ قال: (كلا) يعني: لن يدركونا ولن ينالوا منا. قالها من رصيده الإيماني وثقته في ربه وحمايته له، فما كان الله ليرسل رسولاً ثم يُسلمه لعدوه. {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] لذلك جاءه الفرج من ربه في التو: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]. تأمل هنا حراسة الله لأوليائه، وتأمل هذه المعجزة، وهذه الربوبية، فما أنْ قال موسى قولته بصدق الإيمان إلا وجاءه الردُّ، فسلب الله من الماء خاصية السيولة وتجمد الماء فسار على الجانبين، كل فِرق كالطود العظيم، وفي الوسط طريق جاف يابس عبر منه موسى وجنوده. حتى إذا ما وصل الشاطئ الآخر أراد أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته ويغلق الطريق في وجه فرعون. فأرشده ربه وصحَّح له وجهة نظره فلله تدبير آخر، والموقف لم ينته بعد، فقال الله لموسى: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [الدخان: 24]. بعد أن نجَّى الله موسى وقومه وذهب بهم إلى الصحراء جعل لنفس العصا دوراً آخر: {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ..} تفسير : [البقرة: 60] فالعصا واحدة يضرب بها الماء فيصير جبلاً، ويضرب بها الجبل فيتفجر بالماء، فالأثر مختلف لأن الفاعل هو الله القادر. فقوله تعالى: {رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] تعطينا فكرة إجمالية عن عطاء الربوبية للمادة وللقيم، فربُّك الذي أمدك بمقومات المادة ما كان ليتركك بدون مقومات الروح والقيم، فكما أخذتَ نِعَمه في المطعم والمشرب والمسكن فخُذْ نعمه في التكليف، لأنه بالتكليف يربي فيك الروح والقيم. وهذا ينبغي أن نتأمل مثلاً قوله تعالى: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 26]. فالله تعالى أعطاك الضروري من اللباس وهو ما يستر عورتك، ثم زادك الرياش وهو ترف اللباس والزينة التي يتباهى بها الإنسان، لذلك نقول (فلان ده متريش). لكن لا تنسَ أن لباس التقوى ذلك خير، يعني: أفضل من اللباس الأول، فلباس المادة يستر عورتك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وينجيك في الآخرة. إذن: فهو عطاء ممتدّ باق خالد في الآخرة. فهو إذن خير لباس لمن وعى وفهم. فربُّك بربوبيته لنا أعطانا ما يقيم مادتنا وما يسعد دنيانا، وما كان سبحانه ليترك قلوبنا خالية من الأخلاق والقيم الروحية التي تُسعدنا في الآخرة. واقرأ إنْ شئت قوله تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} تفسير : [آل عمران: 14]. فما عند الله في الآخرة هو الباقي، والمادة تفنى وتزول، والدنيا كلها ما هي إلا مرحلة إعداد للآخرة الباقية، حيث يعطيك ربك العطاء الحق، العطاء الممتد. انظر إلى الولد الصغير نعلمه (ابتدائي وإعدادي وثانوي وجامعة)، لماذا كل هذا التعب؟ للثمرة المرجوة بعد ذلك ليكون عضواً بنَّاءً في حركة الحياة، كذلك نحن في الدنيا نعمل لهدف أًسْمى هو الآخرة، حيث النعيم الباقي الذي لا يُنغصه شيء. وتأمل هذا الإقرار من المؤمنين حين قالوا {رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] إقرار يجمع بين عطاء الربوبية والاعتراف به وعطاء الألوهية، فالرب هو نفسه الإله المعطي هو نفسه سبحانه المكلف، ومَنْ قَبلَ من ربه عطاء الربوبية وأخذ نعمه إيجاداً من عدم وإمداداً من عُدْم لا يليق به أنْ يترك تكاليفه، خاصة وهي تكاليف تسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ما جاءت لتضيق عليه أو تشق عليه. فعطاء الربوبية موجود أيضاً في عطاء الألوهية، ومعلوم أن التكاليف جاءتْ فافعل ولا تفعل، وعليك أن تفعل في الأمر، وأنْ تنتهي عند النهي، وما لم يردْ فيه نصّ فأنت فيه حُرٌّ وتفعل أو لا تفعل. ثم يقول تعالى حكايةً عن المؤمنين بعد أنْ قالوا ربنا الله وأقروا لله تعالى بالربوبية والألوهية، واستقرتْ عندهم هذه العقيدة راسخة ثابتة يقول: {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [فصلت: 30] يعني: بعد القول جاء العمل. وتأمل هنا حرف العطف ثم، فهو يفيد في اللغة الترتيب والتراخي، ولم يقلْ سبحانه فاستقاموا لحكمة، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يعطيك فرصة لتتأمل فيها هذه العقيدة وتبحثها وتقتنع بها، أعطاك فرصة لتراجع هذه العقيدة في نفسك لتؤمن بها عن رضاً، وتعمل بها عن اقتناع، لتقبل عليها في حب قد يصل بك إلى درجة العشق لهذه الاستقامة. ومعنى الاستقامة: أخْذ الشيء على قوامه، وهي تتطلب سَيْراً على خط مستقيم، الذي سمَّاه الله الصراط المستقيم، فالله يريد منك أيها المؤمن أنْ تجعل الوسيلة إلى الغاية من عمل التكليف مثل الصراط لا تميل عنه قيد شعرة، ولا تنحرف عن جادته. فأنت حين تسير في شارع متسع يمكن في السير أن تذهب هنا مرة وهنا مرة، نعم يجوز لك ذلك، لكن لا تنْسَ أنه يطيل عليك المسافة ويزيد المشقة. لذلك سمَّى الله طريقه الموصِّل إلى جنته {أية : ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] وفي موضع آخر قال {أية : سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 108] يعني: في وسطه دون انحراف. فإذا كانت الغاية بعيدة احتاجت منك للوصول إليها إلى الإسراع في الحركة لتدرك ما تريد، فما بالك بمن كانت غايته الجنة؟ لا شكّ أنه يسرع إليها ولا يدخر في سبيل الوصول إليها وُسْعاً. لذلك نقول: لا ينبغي للمؤمن أنْ يكره الموت لأنه سيُوصِّله إلى غايته، إنما يكرهه إنْ كان عمله غير صالح، نعم يكره أنْ يلقى الله وهو على غير الصلاح. فعند ظهور النتيجة مثلاً ترى الطالب المجتهد يُسرع إليها، لماذا؟ لأنه مطمئن إليها، أما الكسول فتراه بطيئاً غير مهتم. لذلك ربنا تبارك وتعالى يُعلِّمنا: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133]. وقال في وصف المؤمنين: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [الأنبياء: 90] والمعنى: إياك أنْ تشغلك دنياك، أو تقيد حركتك إلى الآخرة، بل سارع اجِرْ في اتجاهها، لأنك لا تعرف كم تقطع من الطريق قبل أنْ يدركك الموت. ومن عدالته سبحانه مع عبده أنْ أخذ لنفسه عمر العبد طولاً، لكن ترك له بُعدين آخرين هما العرض والعمق، كيف؟ قالوا: عمرك من حيث الزمن طولاً لا يعلمه إلا الله، ولا يملك نهايته إلا الله وحده، لكن ترك لك أنْ تمد في العرض كما شئتَ، فيمكنك أنْ تستثمر اللحظة التي تعيشها وتُوسِّع دائرة الخير فيها، وبذلك يكون العرضُ أكبر من الطول فليستْ العبرةُ بطول العمر، ولكن بقدر العمل الصالح فيه. فمن الناس مَنْ يعمل في العمر القصير أعمالاً جليلة لا يعملها صاحب العمر الطويل، لذلك لما وصف الله لنا الجنة قال: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133]. فذكر العرض، وإذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟ ثم أعطاك بُعداً آخر هو العمق، والعمق في العمر يكون للإنسان بعد موته وانقطاع عمله في الدنيا، وذلك بأن يبقى أثره خيره من بعده ممتداً في عمق الزمان. والحق سبحانه حين يأمرنا بالسير على الصراط المستقيم، وحين يأمرنا بالمسارعة في الخيرات إنما يريد لنا أيسرَ السُّبل التي تُوصِّلنا إلى أشرف الغايات بأقلِّ مجهود، ومعلوم عند علماء الهندسة أن الخطَّ المستقيم هو أقربُ طريق وأقصر مسافة بين نقطتين. فالله لا يريد منا حركات طويلة بلا جدوى، وفي نفس الوقت يأمرنا أن نسارع ليظل لدينا النشاط اللازم للوصول. لذلك قال تعالى في أول سورة الكهف: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ..} تفسير : [الكهف: 1-2]. والاستقامة التي يريدها الله لنا لها أركان بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : بُنِي الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً، رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ". تفسير : وإياك أن تظن أن الدين في هذه الأركان الخمسة فحسب، لا، هذه هي القواعد والأُسُس التي يقوم عليها بناء الدين، أما الدين تفصيلاً فيتغلغل في كل حركة من حركات الحياة. وهذه المسألة واضحة في الحديث الشريف: "حديث : الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْل لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ". تفسير : فالأركان ليست هي كلّ الإسلام بل هي أسسه وقواعده، فالشهادتان إقرار لله تعالى بالألوهية، وإذعانٌ له سبحانه بالطاعة، وتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الصلاة التي هي كل يوم خمس مرات إعلانٌ للولاء الدائم لله تعالى. وفي الزكاة تهذيبٌ للنفس وتعويدٌ لها على العطاء والمشاركة والنظر إلى الفقير، فقير الإعاقة عن الحركة لا فقير الاحتراف، في الزكاة تكافلٌ فأنت اليوم قويٌّ قادر على العطاء، فمَنْ يدريك لعلَّك تصير إلى الضعف وعدم القدرة فتجد في المجتمع مَنْ يمد لك يد العون. ثم إنَّ الزكاةَ تنزع من المجتمع فتيل الحقد والحسد والغيرة، وكيف يحسد الفقيرُ الغني أو يحقد عليه وهو يعطيه ثمرة عرقه ويشركه في ماله؟ إذن: في الزكاة تأمينٌ للفرد المؤمن أعظمَ تأمين. لذلك قلنا في المجتمع الإيماني: إنك لا تعمل بقدر حاجتك، إنما تعمل بقدر طاقتك، فما احتجتَ إليه فخُذْه، وما لم تحتجْ إليه وزاد عنك فتصدَّق به على غير القادر، أنت تتصدَّق وأنت تذهب بنفسك إلى باب الفقير لتعطيه لتحفظ لأخيك ماءَ وجهه، وتُعفيه من مذلّة السؤال ولتنال أنت هذه الدرجة. ثم يأتي الحج ليضيفَ إلى هذه المعاني معنىً إيمانياً آخر، فربُّكَ الذي خلقك وأعطاك وأمدَّك ومنحك القدرة والاستطاعة ألاَ يستحق منك أنْ تذهبَ إليه في بيته الذي اختاره لنفسه، ولو مرة واحدة في العمر؟ إنها زيارة ليست بإرادة الضيف وإنما بدعوة من المضيف، لذلك حين تذهب إلى بيت ربك في هذه الفريضة فسوف تُعرِّض نفسك لعطاء آخر ما له حدود، ثم في الحج منافع أخرى دينية ودنيوية لا تَخْفى على المتأمل. أما الصوم فيعطيك بُعداً آخر للطاعة، فأنت قبل الفجر تأكل وتشرب، وبعد الفجر يحرمُ عليك أنْ تأكل وتشرب، فبين الحلال والحرام هنا لحظة. وأنت حين تصوم تصوم عن شيء أحلّه الله لك قبل الصيام، فأنت حين تصوم تصوم على شيء حلال أصلاً؛ لأن الإسلام حرَّم عليك أشياء تحريماً مطلقاً كالخمر مثلاً. فنحن والحمد لله لا نشربها ولا نفكر أبداً في شربها، حتى صار ذلك طبعاً وعادة، فأراد سبحانه أنْ يُخرجنا من إِلْف هذه العادة، وأنْ يديم على عبده حلاوة التكليف من الله في شيء حلال الآن، وبعد لحظة واحدة يكون حراماً، فأخرجنا الحق سبحانه من إلف العادة إلى شرف العبادة. أما الركن الدائم الذي لا يسقط عن المؤمن إلا في حالة فقدان العقل فهو الصلاة، فهي خمسُ صلوات في اليوم والليلة يُراد بها دوام الحضور في معية الله، فهي تختلف في دوامها عن باقي الفروض، فالزكاة مرتبطة بالمحصول أو بدورة المال السنوية، والصوم مرتبط بشهر واحد في السنة هو رمضان، والحج مرة واحدة في العمر. وكَوْن الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة رحمةٌ من الله بعباده، فأنت صنعةُ الله ويستدعيك إلى حضرته تعالى خمس مرات ليُصلح ما فسد فيك، وما بالك بصنعة تُعرَضُ على صانعها خمس مرات كل يوم وليلة؟ وإذا كان المهندس مثلاً يصلح الآلة بقطعة سلك أو قطعة غيار، فكذلك ربك يصلحك، ولكم المهندس مادة يصلح بالمادة، والله غيب يُصلحك بالغيب، فلا تتعب نفسك في بحث هذه المسألة ودَعْها لله، فقط عليك أنْ تعرض نفسك عليه سبحانه في الخمس صلوات في أوقاتها، وأنْ تُتمَّ لها ركوعها وسجودها وشروطها. ولا شكَّ أنك ستلحظ هذا الإصلاح في نفسك، وفي روحك، وفي مادتك، وفي مالك، وفي أهلك، ستحس أن للصلاة أثراً في حياتك وراحة في بدنك، لذلك كان سيدنا رسول الله يقول لبلال: "حديث : أرحنا بها يا بلال" تفسير : نعم أرحنا بها، ولا أرحنا منها. ولأهمية الصلاة في حياة المسلم جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمَّ الاستقامة وعنواناً لها، واقرأ إن شئت قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]. وفي الحديث الشريف: "حديث : أول ما يُحاسب العبدُ عليه يوم القيامة الصلاة، فإنْ صلُحَت صَلُح سائر عمله، وإنْ فسدتْ فسد سائر عمله ". تفسير : لذلك كان للصلاة هذه المنزلة الخاصة، فأنت ترى الفقير لا زكاةَ عليه ولا حج، وترى المريض لا يصوم، على خلاف الصلاة التي تلازم المسلم في صحته ومرضه، في غناه وفي فقره، في سفره وفي إقامته، فقط الجنون هو الذي يرفع عن صاحبه الصلاة. إذن: فهي الركن الملازم لك، ومن هنا كان للصلاة خصوصية في فرضيتها، فكل العبادات فُرِضَتْ بالوحي إلا الصلاة فقد فُرضتْ على سيدنا رسول الله بالمباشرة في رحلة الإسراء والمعراج، وهذا يدل على أهميتها بين باقي العبادات. وسبق أنْ أوضحنا أن الرئيس في العمل قد يرسل لك ورقة أو يُحدِّثك في التليفون في أمر من الأمور، لكن إنْ كان الأمر ذا أهمية وخصوصية استدعاك إلى مكتبه ليكلمك مباشرة، وهكذا كانت الصلاة فقد أخذتْ قيمتها من هذه المباشرة حين فرضيتها. ثم إن الصلاةَ ركنٌ يجمع باقي الأركان ففيها الشهادتان، والشهادة التي هي قمة الإيمان والعقيدة يكفي أنْ يقولها المسلم ولو مرة واحدة، أما في الصلاة فيقولها عدة مرات، وفيها صيام أبلغ من صيام رمضان فأنت في رمضان تصوم عن الطعام والشراب والمفطرات، أما في الصلاة فأنت تصوم عن أكثر من ذلك، تصوم عن الحركة وتصوم عن الكلام. وفيها حج لأنك لا تصلي إلا إذا اتجهتَ بوجهك ناحية بيت الله الحرام وتمثَّلته أمامك، كأنك تنظر إليه. وفي الصلاة زكاة لأنك تُضحِّي في سبيلها بما هو أغلى من المال وهو الوقت. لذلك بيَّن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرق بين المؤمن والكافر الصلاة، فقال: "حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَنْ تركها فقد كفر" تفسير : فإذا دعاك ربك إلى الصلاة فلم تُجبْ فأنت عَاصٍ، أرأيتَ رئيسك في العمل إذا دعاك إلى مكتبه فلم تُلَبِّ، ماذا يحدث؟ ومن عظمة هذه الفريضة أنها لقاءٌ مع الله، لك أنت أيها العبد الحرية التامة فيه وتملك كل عناصره، فأنت تُحدد اللقاء مكانه وزمانه، وماذا تقول فيه، ومتى تُنهي هذا اللقاء، فقط تسمع النداء فتذهب وتتوضأ، ترفع يديك إلى السماء: الله أكبر. أنت إذن في حضرة ربك، وفي رحاب خالقك، أنت معه على (خط مباشر)، ليس بينك وبينه حاجب ولا دونه حُرّاس ولا واسطة. لذلك يقول بعض الصالحين: شعر : حَسْبُ نَفْسِي عِزّاً بأنِّي عَبْدُ يَحْتَفي بِي بلاَ مَواعيدَ رَبُّ هُوَ فِي قُدْسِهِ الأَعَزِّ ولكِنْ أنا أَلْقَى متَى وأيْنَ أُحِبُّ تفسير : فربُّك لا ينتظرك أنْ تأتيه، إنما يدعوك لزيارته، يُقبل عليك قبل أنْ تقبل عليه، ألم يقُل في الحديث القدسي الشريف: "حديث : مَنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَنْ ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم، ومَنْ أتاني يمشي أتيتُه هرولةً، ومَنْ تقرَّب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ". تفسير : إذن: فالزمام في يدك أنت، ونِعْم الربُّ رَبٌّ يعامل عباده هذه المعاملة، ويُحسن إليهم كلَّ هذا الإحسان. ومن كرمه سبحانه أنْ يُثيبَ العبد على كل حركة خير في دنياه، لأن هذه الحركة مطلوبةٌ للإيمان، لذلك يقول تعالى في سورة (الجمعة): {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [الجمعة: 9]. وبعد الصلاة قال: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10] فأخذك من عمل وأعادك إلى عمل، لأن العمل في ذاته طاعة، والمؤمن لا بدَّ أنْ يسهم في حركة الحياة مساهمةً إيجابية بنَّاءة. الإسلام إذن لا يقتصر على هذه الأركان الخمس، بل يمتد إلى كل حركة من حركات الحياة، فأنت تؤسس بيتاً مثلاً وتقيمه على أعمدة، لكن بعد ذلك تُقسمه إلى: حجرة نوم، وحجرة للسفرة، وحجرة للصالون، وحجرة للمطبخ وهكذا. والإسلام يهدف إلى سلامة حركة الحياة وخُلوها من الصراع، ومن التصادم، يريد أن تتساند حركة الجماعة لا تتعاند، لا يريد واحداً يبني والآخر يهدم، بل كلنا يبني ولا أحدَ يهدم، فالحق سبحانه أعطانا هذا الكون الذي نعيش فيه وهو على حالة الصلاح وعلى هيئة الجمال والتناسق، وأوصانا أنْ نحافظ عليه، وأن نزيد في صلاحه، وعلى الأقل نتركه على صلاحه ولا نفسده. وعلَّمنا حين نصلح أنْ نصلح بحركة محسوبة العواقب، وألاَّ ندخل في شيء لا نعرف الخروج منه، وألاَّ تغرَّنا ظواهر الأشياء، هذه صفات العقلاء الذين يتصرفون في الأمور بحكمة، ويزنون الخير والشر فيقبلون على أسباب الخير وينصرفون عن أسباب الشر. ونضرب مثلاً في عصرنا الحالي بدودة القطن التي كانت تعبث بغالب ثروة مصر من هذا المحصول الهام، إلى أن اخترع العلماءُ مبيداً حشرياً لها سموه الـ (d.d.t) فتسابق الناسُ إلى استخدامه، وظنوا أنه سيقضي على الدودة بلا رجعة، وأن المشكلة قد انتهت، وبعد عدة سنوات أخذت الدودة حصانةً من هذا السُّم، وأصبحت كما نقول (كييفة) (d.d.t) وبقيتْ الدودة كما هي، وبقيتْ معها آثار جانبية أصابت الماء والزرع والتربة ولوَّثتْ كل شيء في حياتنا، وها نحن الآن نعاني أشدَّ المعاناة بسبب المبيدات الحشرية. لذلك الحق سبحانه وتعالى يحذرنا من رعونة الابتكار، ومن الاغترار بالخير الظاهري دون حساب للعواقب، فإياك أنْ تدخل في أمر يُعييك الخروج منه، تأمل قول الله تعالى وهو يمتنُّ على عباده ببعض نعمه عليهم: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. نعم، كنا لا نعرف من وسائل النقل والركوب إلا الخيل والبغال والحمير، ثم اخترع الإنسانُ بعد ذلك ما لم يكُنْ يعلمه من السيارات والطائرات والصواريخ، وهذه الوسائل المستخدمة لا شكَّ أنها خدمتْ الإنسان ويسَّرَتْ عليه، لكن مع ذلك كان لها أضرار ومعاطب لم تكُنْ في حُسْبان مَن اخترعها. عندما ظهرت السيارات كنا نذهب بها إلى دمياط، ولم تكُنْ الطرق مرصوفة كما هي الآن، فكان السائق ينطلق بها بسرعة على الطريق الترابي فتثير الغبار خلفها بشدة، غبار يؤذي الناس ويؤذي المزروعات، فضلاً عن عادم الوقود وما يُسبِّبه من أضرار للجهاز التنفسي. ثم كانت تُحدِث كثيراً من التصادمات، وينتج عنها قتلى ومصابون تترك في المجتمع مآسيَ، وإذا انتهى (البنزين) منها تقف مكانها لا تتحرك؟ فإذا ما قارنتَ هذه الوسيلة بالوسائل الطبيعية التي خلقها الله وجدنا خَلْق الله أفضل وأسْلم، فالجمل أو الحمار يوصلك وينقل لك متاعك دون أنْ يُسبب لك هذه المعاطب، ففضلاته سماد للتربة، وإذا جاع لا يتوقف إنما يكمل بك المشوار، ثم هل رأيتم مثلاً جملين اصطدم أحدهما بالآخر. إذن: علينا قبل أنْ نخترع شيئاً أن نحسب عواقبه، وغلبة الخير فيه على الشر، والنفع على الضرر. ثم يُبيِّن الحق سبحانه جزاء هؤلاء المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ما جزاؤهم؟ {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] نعم ملائكة الله في السماء هذه المخلوقات النورانية التي لا عملَ لها إلا تسبيح الله، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤُمرون، فحين تنزل بالمؤمن شدةٌ أو يصيبه مكروه تتنزَّل عليه هذه الملائكة تُثبِّته فيعود إلى ما يجب أنْ يعودَ إليه من الصبر. فيقول: لا كربَ وأنت رب، أنا لي رَبٌّ قويٌّ قادر سيُفرِّج هَمِّي ويُزيل كَرْبي. وهذا حال المؤمن حين يحزبه أمر وتضيق به أسبابه يلجأ إلى المسبِّب سبحانه، فيأتيه الإلهام من الله أنِ اصبر واحتسب، وربما كانت المصيبة امتحاناً من الله، أو كانت تكفيراً لذنب بدر مني فعاقبني الله به في الدنيا وعافاني منه في الآخرة، وهذه علامة حب الله للعبد أنْ يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، ويغفرها له في الآخرة. لذلك كان الكفار يفرحون حين تصيب المؤمنين مصيبة، فعلَّم اللهُ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} تفسير : [التوبة: 51] فأنتم تفرحون إنْ نزلتْ بنا مصيبة، ونحن كذلك نفرح بها لأنها من الله، والمصيبة للمؤمن إما يكفِّر اللهُ بها من خطاياه، وإما يرفعه بقدرها درجاتٍ. وعجيبٌ أن نرى البعض إذا أصابتْه مصيبة أو نزل به ما يكره لا يعالج أسبابها، ولا يفكر في تفاديها بعد ذلك، إنما يلجأ إلى نسيانها ويذهب إلى شُرْب المسكر الذي يساعده على النسيان. وهذا خطأ فادح، فالنسيان لا يحلُّ مشكلة، إنما يحلُّها التفكير في أسبابها ومعالجة هذه الأسباب، فالمخدِّرات والمسكّرات تذهب بعقلك وتُفسده في وقت أنت في أشدِّ الحاجة إليه، حين يمرُّ الإنسانُ منا بمشكلة يحتاج إلى مزيد فكر، فكيف تذهب بعقلك في وقت أنت في أمسِّ الحاجة إليه؟ ألاّ ترى أنك تستعينُ بغيرك وتستشيره في حَلِّ مشاكلك حينما تضيقُ بك الأسبابُ؟ إذن: انظر إلى المصيبة، ما سببها إنْ كان لك دَخْلٌ فيه، وهي نتيجة تصرُّف خاطئ منك فأنت الملُوم، وعليك أنْ تُعدِّل من تصرفاتك وتعمل حساباً للعواقب، وهذه أول خطوة في طريق الإصلاح، كالطالب يذهب لمعرفة النتيجة آخر العام فيقولون له: أنت راسب فتعيده الصدمةُ إلى صوابه، ويصيح بأعلى صوته هذه الصيحة العقلية الواعية: أنا السبب، أنا المهمل، أنا أستحق. أما إنْ كانت المصيبة لا دخْلَ لك فيها كالطالب الذي ذاكر دروسه واجتهد، لكن جاءه وقت الامتحان دَوار أو أصابه نسيان فلم يُوفَّق، فهذا قدر الله لا بدَّ أنَّ له حكمة، فهو شَرٌّ في طياته خير، هو ابتلاء من الله ينبغي أنْ نرضى به، وأنْ نتلمس له حكمة. فنحن دائماً نحوم حولها، وصلنا أو لم نصِلْ، قُلْ ربما كنت مغروراً فأراد الله أنْ يكسرَ فِيَّ عُنْفوانَ الغرور، ربما لو وفقت كنتُ سأحسد، أو ربما لم آتِ بالمجموع المطلوب الذي كنتُ أرجوه، وهذه كلها نماذج يُؤيِّدها واقع الحياة. والفعل لا يُؤخذ لذاته إنما بمصاحبة الفاعل، مَنْ هو؟ قلنا: لو دخل عليك ولدُك يسيل دمه لا يشغلك الدمُ بقدر ما يشغلك من الفاعل؟ لذلك تسأله أولاً: مَنْ فعل بك هذا؟ فإنْ قال لك عَمِّي مثلاً، تهدأ ثورتُك، وتقول له: لا بدَّ أنك فعلتَ شيئاً يستحق العقاب فعاقبك. أما إنْ قال لك: فلان، تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: نقول خُذِ الفعلَ بمصاحبة فاعله، فإنْ كان من الله فارْضَ وابحث عن حكمته، ولا بدَّ أنك ستتوصل إليها وستحمد الله. كُنْ أمام الشدائد كالضرس ثابتاً في مكانه يمضغ لا يعنيه حُلواً ولا مُرًا، فإنْ كان البلاء في نفسه يتأدب، وإنْ كان في غيره يتعلم، فلا بدَّ أن لله حكمة. سمعتم قصة الرجل الصيني الذي كان يتأمل الأحداث ويرى الحكمة فيها، قالوا: كان هذا الرجل مُحباً لتربية الخيول فكانت عنده مزرعة خيول، وفي يوم شرد منها حصان من أجود الأنواع، كانوا يسمونه (الطلوقة) وضلَ في المزارع، فجاءه الناس يُواسونه. فقال لهم: وما أدراكم لعل في هذا الخير، ويكفي أنني لستُ سبباً في فَقْد هذا الحصان؟ وبعد أيام جاء الحصان يصطحب سِرْباً من الخيول حتى دخل المزرعة، فجاءه بعض الجيران يُهنئونه، فقال لهم: وما أدراكم أن في هذا نعمة؟ ولم يَمْضِ وقت طويل حتى ذهب ابنه يركب هذا الحصان، وكان مُغرماً به فأوقعه الحصان فكسر رِجْله، فجاءه الناسُ يُواسونه فقال لهم: لعل في ذلك خيراً، وفعلاً جاء المسئول عن التجنيد فوجد الشاب قد كُسرتْ رجله فتركه. إذن: علينا أنْ نفهم أن لله في أقداره حِكَماً، عرفها مَنْ عرفها، وجهلها مَنْ جهلها. لذلك نقول: إياك أنْ تأخذ شيئاً بالإكراه لأنك لا تدري أن الخير لك، وتذكَّر دائماً: {أية : وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ} تفسير : [البقرة: 216] {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ} تفسير : [البقرة: 216] لذلك يُعلِّمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدرس فيقول: "حديث : اطلبوا الأمور بعزة الأنفس، فإنها تجري بمقادير ". تفسير : ويقول أحد العارفين في مناجاته لله: أحمدك على كُلِّ قضائك وجميل قدرك حمدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك. وهكذا يريح الإنسان نفسه ويريح الدنيا من حوله، وهذه كلها من تنزُّلات الملائكة في قوله سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30]. كذلك من تنزُّلات الملائكة أنها تنزل على المؤمن ساعةَ يحلُّ الموتُ بساحته فيخاف ويحزن، لأنه سيترك نعيم الدنيا، فتتنزل عليه الملائكة تُطمئنه وتُبشِّره بنعيم آخر دائم وباقٍ في الآخرة، لا يزول كما يزول نعيم الدنيا. {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ} [فصلت: 30] يعني: مما أنتم مُقبلون عليه من أمور الآخرة، حتى إذا قصُرَت بكم أعمالكم فأنتم مُقبلون على ربٍّ غفور رحيم، فلا تخافوا ولا تحزنوا {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. قلنا: البشارةُ الإخبارُ بخير وبما يسرُّ قبل أوانه، ومَنِ الذي يُبشرِّك بالجنة؟ والله لو إنسانٌ مثلك لكنتَ تشُكّ في قدرته على الوفاء، لكن إنْ كان الذي يُبشِّرك هو الله فثِقْ بما بُشِّرت به، فالذي بشَّرك بالجنة هو وحده القادر على الوفاء، حيث لا قوةَ تحولُ بينه وبين الوفاء بالبُشْرى.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} [الآية: 30]. قال: ذلك عند الموت. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أية : ٱهْتَزَّتْ}تفسير : . يعني: بالنبات. {أية : وَرَبَتْ}تفسير : [الآية: 39]. يقول: ارتفعت قبل أَن تنبت. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} [الآية: 40]. يعني: بالمكاءِ والتصدية ونحو هذا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} معناه ثَبَتُوا على الإِيمانِ بالله، ولم يُفارقوا رسولَ الله صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلّمَ ولا أهلَ بيتهِ عليهمُ السَّلامُ.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على مقتضى سنته في كتابه: {إِنَّ} الموحدين {ٱلَّذِينَ قَالُواْ} في السراء والضراء والسر والعلن: {رَبُّنَا ٱللَّهُ} الواحد الأحد الفرد الصمد الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} وتثبتوا على ما أقروا، واعترفوا بأعمالهم وأحوالهم وبيناتهم المترتبة عليها عموم أفعالهم {تَتَنَزَّلُ} على إعانتهم وشرح صدورهم وتهذيب أخلاقهم {عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} المترصدون لأم الله، القائمون لحكمه، قائلين لهم مبشرين إياهم: {أَلاَّ تَخَافُواْ} على فرطاتكم التي صدرت عنكم قبل انكشافكم بسرائر التوحيد واليقين {وَلاَ تَحْزَنُواْ} بما جرى عليكم من مقتضيات بشرياتكم {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] بألسنة أنبيائكم ورسلكم الهادين المهدين. وبعدما وفقناكم على انكشاف سرائر توحيدنا، والتخلق بأخلاقنا {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} نولي عموم أموركم؛ بحيث نكون سمعكم وبصركم وجميع قواكم وجوارحكم {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} حسب اسمنا الظاهر {وَفِي ٱلآخِرَةِ} أيضاً كذلك حسب اسمنا الباطن {وَلَكُمْ} منَّا وراء ذلك تفضلاً وإحساناً {فِيهَا} أي: في الآخرة {مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} من اللذات الروحانية حسب استعداداتكم الفطرية وقابلياتكم الجبلية الفائضة عليكم بمقتضى جودنا الواسع {وَلَكُمْ} أيضاً {فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] تطلبون وتتمنون وقت دعائكم في نشأة الدنيا حسب عقولكم وهوياتكم. كل ذلك صار {نُزُلاً} معداً لكم قبل نزولكم فيها تفضلاً عليكم وإحساناً لكم {مِّنْ غَفُورٍ} ستَّار لأنانياتكم، محَّاء لذنوب هوياتكم {رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] موصل لكم بمقتضى سعة رحمته وجوده إلى زلال توحيده. {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} وأصلح عملاً، وأكمل إيماناً واعتقاداً، وأتم معرفة وتوحيداً {مِّمَّن دَعَآ} أي: أشد وهدى {إِلَى ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالألوهية والربوبية، المتفرد بالوجود والديمومية {وَعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} مطابقاً موافقاً لصفاء مشرب التوحيد، مجتنباً عن رعونات العجب والرياء، وتخمينات التقليد والهوى {وَ} بالجملة: {قَالَ} بعدما نال أولاً ما نال، وفني فيما فني: {إِنَّنِي مِنَ} زمرة {ٱلْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] المسلِّمين المنقادين، المفوضين إلى الله جميع ما لاح عليهم من بروق تجلياته الجمالية والجلالية، وما لي أيضاً إلا التسليم والرضا بعموم ما جرى عليه القضاء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن القلوب المستقيمة والأرواح الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} [فصلت: 30] يشير إلى يوم الميثاق لما خوطبوا بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]؛ أي: ربنا الله، وهم الذرات المستخرجة من ظهر آدم عليه السلام أقروا بربوبيته {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [فصلت: 30] على إقرارهم بالربوبية، تائبين على أقدام العبودية لما خرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ذكر بفلظه {ثُمَّ}؛ لأنه للتراخي فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا في عالم الأشباح، وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين، فافهم أقروا ولم يستقميوا على ذلك: فاستقامة العوام: في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان والتصديق. واستقامة الخواص: في الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك زينتها أو شهواته، وفي الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقاً إلى لقاء الرحمن، وطلب العرفان. واستقامة الأخص: في الظاهر برعاية حقوق المتابعة على وفق المبايعة بتسليم النفس والمال، وفي الباطن بالتوحيد في استهلاك الناسوتية؛ ليستقم بالله مع الله، فانياً عن الأنانية باقياً بالهوية بلا أرب من المحبوب، مكتفياً من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام فنائه في وجوده، {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] الخوف إنما يكون في المستقبل من الوقت؛ وهو بحلول مكروه أو فوات محبوب، والملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون وكل محذور لهم لا يكون، هذا تحقيق قوله تعالى: {أَلاَّ تَخَافُواْ}، والحزن من حزونة الوقت، والذي هو راض بجميع ما يجري مستسلم للأحكام الأولية فلا حزونة في عيشه؛ بل من يكون قائماً بالله، هائماً في الله، دائماً مع الله، لا يدركه الخوف والحزن، فالملائكة يبشرونهم ألا تخافوا من سوء الخاتمة، ولا تحزنوا على فوات العناية في السابقة، {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]؛ أي: جنة الوصلة، فإن الوعد صار نقداً فما بقي الوعد والوعيد، وما هو إلا عبد في العبد، فأوعد الله للعوام من جميل الثواب، وللخواص من حسن المآب نقد لأخص الخواص من أولي الألباب، ويقال: لا تخافوا من عزل الولاية، ولا تحزنوا عن منع الهداية، وابشروا بحسن العناية في البداية والنهاية، ولا تخافوا ذلة المذلة، ولا تحزنوا مما أسلفتم من الذلة، وابشروا بدوام الوصلة، وبقوله: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} [فصلت: 31] يشير إلى ولاية الرحمة للعوام، وولاية النصرة للخواص، وولاية المحبة لأخص الخواص، فبولاية الرحمة للعوام {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [فصلت: 31] يوفقهم لإقامة الشريعة، {وَفِي ٱلآخِرَةِ} [فصلت: 31] يجازيهم بالجنة، وبولاية النصرة للخواص في الحياة الدنيا يسلطهم على أعدى عدوهم وهو أنفسهم الأمارة بالسوء؛ ليجعلوها مزكاة من أخلاقها الذميمة وأوصافها الدنية، وفي الآخرة جذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] وبولاية المحبة لأخص الخواص في الحياة الدنيا يفتح عليهم أبواب المشاهدات والمكاشفات، وفي الآخرة يجعلهم من أهل القربات والمعاينات، {وَلَكُمْ فِيهَا} [فصلت: 31] في الآخرة {مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] من نعيم الجنة بحسب علو همتكم فيها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] بدواعي القلوب والأرواح، من الوصول والوصال بحسب صدق الطلب، وحسن السؤال من حضرة الجلال ذي الفضل والأفضال، والكرم والنوال، {نُزُلاً} [فصلت: 32] فضلاً وعطاءً، وتقدمه لما يستديم إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف {مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] يبدل السيئات باالحسنات، ويزيد لأهل الطاعات في الدرجات والقربات. ثم أخبر عن أحسن الأقوال لأرباب الأحوال بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} [فصلت: 33] يشير إلى أن أحسن قول قاله الأنبياء والأولياء قولهم: بدعوة الخلق إلى الله، وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان مخصوصاً بهذه الدعوة قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الأحزاب: 46] وهو أن يكتفي بالله في الله لا يطلب منه غيره، قال: {وَعَمِلَ صَالِحاً} [فصلت: 33] أي: كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه؛ يعني: سلكوا طريق الله إلى أن يصلوا إلى الله وصولاً بلا اتصال ولا انفصال، فبسلوكهم ومنازلتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا بعد ما عرفوا الطريق إليه الخلق إلى الله، {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] لحكمة الراضين بقضائه وتقديره {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ} [فصلت: 34]؛ وهي التوجه إلى الله بصدق الطلب وخلوص المحبة، {وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} [فصلت: 34]؛ وهي طلب ما سواه منه والرضاء عنه بما دونه، ولهذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين. وبقوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] يشير إلى دفع طلب ما سوى الله بطلب الله فإنه أحسن مما سواه، فإذا فعلت ذلك وتقربت إلى الله بطلبه والله يتقرب إليك بتجلي صفاته لك {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ} [فصلت: 34]؛ يعني: النفس الأمارة بالسوء {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]؛ لتزكيتها عن صفاتها الذميمة بإفاضة أنوار التجلي عليها، وهذا هو الإكسير الأعظم بأن صار العدو صديقاً والبعيد قريباً، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} [فصلت: 35] لا يقوم باستفادة هذه الأحوال إلا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقى عن سفاسف الشيم الإنسانية إلى معالي الأخلاق الربانية، {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] من فناء نفسه والبقاء بربه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملا فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. { تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ } الكرام، أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار. { أَلا تَخَافُوا } على ما يستقبل من أمركم، { وَلا تَحْزَنُوا } على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، { وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولا ويقولون لهم أيضا - مثبتين لهم، ومبشرين: { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب {أية : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } تفسير : ويقولون لهم أيضا: { وَلَكُمْ فِيهَا } أي: في الجنة { مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ } قد أعد وهيئ. { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نزلٌ وضيافة { مِنْ غَفُورٍ } غفر لكم السيئات، { رَحِيمٍ } حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم. فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته، أنالكم المطلوب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 859 : 6 : 7 - سفين عن أبي اسحاق عن عامر بن سعد عن سعيد بن نمران البجلي قال، قرأت هذه الآية على أبي بكر {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال، هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً. [الآية 30]. 860 : 7 : 3 - سفين عن زيد بن أسلم في قوله {أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} قال، لا تخافوا أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفتم من ضيعاتكم. [الآية 30].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [30] 490 - أخبرنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قتيبة، قال: حدَّثنا سهيل بن أبي حزمٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: "قد قالها الناسُ، ثم كفروا، فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامةِ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2706- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}: [الآية: 30]، قال: استقاموا على طاعة الله. 2707- قال معمر: وكَانَ الحسن، إذا تلاهَا قال: اللَّهُمَّ أنت رَبّنا فارْزُقْنَا الاستقامة. 2708- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الأعمش ومنصور عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان مَوْلَى النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : استقيموا ولَنْ تحْصُوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يُحافِظ على الوضوء إلاَّ مؤمن ". تفسير : 2709- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري عن أبي إسحاق، وعن عامر بن (سعد) البجلي، عن سعيد بن (نمران)، عن أبي بكر الصديق في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}: [الآية: 30]، قالَ: الاستقامة، أن لا يشركوا بالله شَيْئاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):