Verse. 4251 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّنْ دَعَاۗ اِلَى اللہِ وَعَمِلَ صَالِحًـا وَّقَالَ اِنَّنِيْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ۝۳۳
Waman ahsanu qawlan mimman daAAa ila Allahi waAAamila salihan waqala innanee mina almuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن أحسن قولاً» أي لا أحد أحسن قولاً «ممن دعا إلى الله» بالتوحيد «وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين».

33

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا أن الكلام من أول هذه السورة إنما ابتدىء حيث قالوا للرسول {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 5] ومرادهم ألا نقبل قولك ولا نلتفت إلى دليلك، ثم ذكروا طريقة أخرى في السفاهة، فقالوا { أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [فصلت: 26] وإنه سبحانه ذكر الأجوبة الشافية، والبيانات الكافية في دفع هذه الشبهات وإزالة هذه الضلالات، ثم إنه سبحانه وتعالى بيّـن أن القوم وإن أتوا بهذه الكلمات الفاسدة، إلا أنه يجب عليك تتابع المواظبة على التبليغ والدعوة، فإن الدعوة إلى الدين الحق أكمل الطاعات ورأس العبادات، وعبّـر عن هذا المعنى فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } فهذا وجه شريف حسن في نظم آيات هذه السورة. وفيه وجه آخر وهو أن مراتب السعادات اثنان: التام، وفوق التام، أما التام: فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملاً في ذاته، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بعدها بتكميل الناقصين وهو فوق التام، إذا عرفت هذا فنقول إن قوله { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30] إشارة إلى المرتبة الأولى، وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها، فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية وهي الاشتغال بتكميل الناقصين، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق، وهو المراد من قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } فهذا أيضاً وجه حسن في نظم هذه الآيات. واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ونصاباً وافياً من العلوم الإلهية الكشفية، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن. المسألة الثانية: من الناس من قال المراد من قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال هم المؤذنون، ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب: فالمرتبة الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من وجوه أحدها: أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولاً، ثم الدعوة بالسيف ثانياً، وقلما اتفق لغيرهم الجمع بين هذين الطريقين وثانيها: أنهم هم المبتدئون بهذه الدعوة، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء، والشارع في إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل وثالثها: أن نفوسهم أقوى قوة، وأرواحهم أصفى جوهراً، فكانت تأثيراتها في إحياء القلوب الميتة وإشراق الأرواح الكدرة أكمل، فكانت دعوتهم أفضل ورابعها: أن النفوس على ثلاثة أقسام: ناقصة وكاملة لا تقوى على تكميل الناقصين وكاملة تقوى على تكميل الناقصين فالقسم الأول: العوام والقسم الثاني: هم الأولياء والقسم الثالث: هم الأنبياء، ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : علماء أمتي كأنبياء إسرائيل » تفسير : وإذا عرفت هذا فنقول: إن نفس الأنبياء حصلت لها مزيتان: الكمال في الذات، والتكميل للغير، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى، وكانت درجاتهم أفضل وأكمل، إذا عرفت هذا فنقول: الأنبياء عليهم السلام لهم صفتان: العلم والقدرة، أما العلماء، فهم نواب الأنبياء في العلم، وأما الملوك، فهم نواب الأنبياء في القدرة، والعلم يوجب الإستيلاء على الأرواح، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد، فالعلماء خلفاء الأنبياء في عالم الأرواح، والملوك خلفاء الأنبياء في عالم الأجساد. وإذا عرفت هذا ظهر أن أكمل الدرجات في الدعوة إلى الله بعد الأنبياء درجة العلماء، ثم العلماء على ثلاثة أقسام: العلماء بالله، والعلماء بصفات الله، والعلماء بأحكام الله. أما العلماء بالله، فهم الحكماء الذين قال الله تعالى في حقهم { أية : يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 229] وأما العلماء بصفات الله تعالى فهم أصحاب الأصول، وأما العلماء بأحكام الله فهم الفقهاء، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لا نهاية لها، فلهذا السبب كان للدعوة إلى الله درجات لا نهاية لها، وأما الملوك فهم أيضاً يدعون إلى دين الله بالسيف، وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل المحاربة مع الكفار، وإما بإبقائه عند وجوده وذلك مثل قولنا المرتد يقتل، وأما المؤذنون فهم يدخلون في هذا الباب دخولاً ضعيفاً، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة، فكان ذلك داخلاً تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطاً بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني الشريفة، فهذا هو الكلام، في مراتب الدعوة إلى الله. المسألة الثالثة: قوله {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } يدل على أن الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سوها، إذا عرفت هذا فنقول: كل ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون واجباً، لأن كل ما لا يكون واجباً فالواجب أحسن منه، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمتقضى هذه الآية، وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، ثم ينتج أن الدعوة إلى الله واجبة، ثم نقول الأذان دعوة إلى الله والدعوة إليه واجبة فينتج الأذان واجب، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير واجب، وزعموا أن الأذان غير داخل في هذه الآية، والدليل القاطع عليه أن لدعوة المرادة بهذه الآية يجب أن تكون أحسن الأقوال، وثبت أن الأذان ليس أحسن الأقوال، لأن الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى بالدلائل اليقينية أحسن من الأذان، ينتج من الشكل الثاني أن الداخل تحت هذه الآية ليس هو لأذان. المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولاً ممن قال إني من المسلمين، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبراً في كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية. المسألة الخامسة: الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة أولها: الدعوة إلى الله وثانيها: العمل الصالح وثالثها: أن يكون من المسلمين، أما الدعوة إلى الله فقد شرحناها وهي عبارة عن الدعوة إلى الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية. وأما قوله {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات. وأما قوله {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل الجوارح الإقرار باللسان، فيكون هذا الرجل موصوفاً بخصال أربعة أحدها: الإقرار باللسان، والثاني: الأعمال الصالحة بالجوارح والثالث: الاعتقاد الحق بالقلب والرابع: الاشتغال بإقامة الحجة على دين الله، ولا شك أن الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم، وكمال الدرجة في هذه المراتب الأربعة ليس إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } وعلم أنا بينا أن الكلام من أول السورة ابتدىء من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا { أية : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 5] فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنه تعالى أطنب في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم { أية : لا تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [فصلت: 26] وأجاب عنها أيضاً بالوجوه الكثيرة، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب عن تلك الشبهات رغب محمداً صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ أولاً بأن قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ استقاموا } فلهم الثواب العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات، فصار الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع واقعاً على أحسن وجوه الترتيب، ثم كأن سائلاً سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن كانت طاعة عظيمة، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعاً لهذا الإشكال فقال: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام، وترك الالتفات إليهم، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } وما ذكروه في قولهم {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجباً للتعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة، وهم بالضد من ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعاً لك من الاشتغال بهذه الحسنة. ثم قال: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذي هو أحسن الطرق، فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة. ثم قال: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة إلى المودة، ولما أرشد الله تعالى إلى هذا الطريق النافع في الدين والدنيا والآخرة عظمة فقال: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } قال الزجاج: أي وما يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام. ثم قال: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } من الفضائل النفسانية والدرجة العالية في القوة الروحانية، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا بعد تأثر النفس، وتأثر النفس من الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من الواردات الخارجية، وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام، فثبت أن هذه السيرة التي شرحناها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر وطهارة الذات، ويحتمل أن يكون المراد: وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من ثواب الآخرة، فعلى هذا الوجه قوله {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } مدح بفعل الصبر، وقوله {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } وعد بأعظم الحظ من الثواب. ولما ذكر هذا الطريق الكامل في دفع الغضب والانتقام، وفي ترك الخصومة ذكر عقيبه طريقاً آخر عظيم النفع أيضاً في هذا الباب، فقال: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } وهذه الآية مع ما فيها من الفوائد الجليلة مفسرة في آخر سورة الأعراف على الاستقصاء، قال صاحب «الكشاف» النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي وجعل النزغ نازغاً، كما قيل: جد جده أو أُريد {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ } نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر، وبالجملة فالمقصود من الآية وإن صرفك الشيطان عما شرعت من الدفع بالتي هي أحسن، فاستعذ بالله من شره، وامض على شأنك ولا تطعه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} هذا توبيخ للذين تواصَوْا باللغو في القرآن. والمعنى: أيّ كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولاً من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذّنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذناً لأصحاب عبد الله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذّنت فقلت: الله أكبر الله أكبر لا إلٰه إلا الله، فقل وأنا من المسلمين؛ ثم قرأ هذ الآية؛ قال ابن العربي؛ الأول أصح؛ لأن الآية مكية والأذان مدني؛ وإنما يدخل فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصدّيق حين قال في النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون {أية : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ}تفسير : [غافر: 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان. قلت: وقول ثالث وهو أحسنها؛ قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى «وَعَمِلَ صَالِحاً» الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال: صلى ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: «وَعَمِلَ صَالِحَاً» صلّى وصام. وقال الكلبي: أدى الفرائض. قلت: وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم. {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال ابن العربي: وما تقدّم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بدّ من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. مسألة: لما قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} ولم يقل له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله. قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} قال الفراء: «لاَ» صلة أي «وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ» وأنشد:شعر : ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ والطَّيِّبانِ أبو بكر ولا عمرُ تفسير : أراد أبو بكر وعمر؛ أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال ابن عباس: الحسنة لا إلٰه إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حبّ آل الرسول، والسيئة بغضهم. قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضاً: هو الرجل يسبّ الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: «بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» يعني السلام إذا لقي من يعاديه؛ وقاله عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر: «تصافحوا يَذهبِ الغِلُّ». ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان: قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفراً حين قدم من أرض الحبشة؛ فقال له مالك: ذلك خاص. فقال له سفيان: ما خَصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصّنا، وما عَمّه يعمّنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر: «من تمام المحبة الأخذ باليد». ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدّم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرياناً يجر ثوبه ـ والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده ـ فاعتنقه وقبّله. قلت: قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في «يوسف» وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا أُلقيت ذنوبهما بينهما».تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أي قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليًّا بعد أن كان عدوّاً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليًّا في الإسلام حميماً بالقرابة. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه، ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم. وروي أن رجلاً شتم قَنْبَراً مولى عليّ بن أبي طالب فناداه عليّ يا قَنَبْر! دع شاتمك، والْه عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا:شعر : ولَلْكَفُّ عن شَتْم اللّئيم تَكَرُّماً أَضَرُّ له مِنْ شَتْمِهِ حين يُشْتَمُ تفسير : وقال آخر:شعر : وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى سفِيهٍ إذا سبّ الكَريمَ مِن الْجَوَابِ مُتَارَكَةُ السّفيهِ بلا جوابٍ أَشَدُّ على السَّفِيهِ من السِّبابِ تفسير : وقال محمود الورّاق:شعر : سَأُلزِم نفسي الصَّفْحَ عن كلّ مذنِبٍ وإن كَثُرتْ منه لَديّ الْجَرائمُ فما الناس إلاَ واحِدٌ مِن ثلاثةٍ شريفٌ ومَشْرُوفٌ ومِثْلٌ مقاومُ فأما الذي فَوْقي فَأَعْرِفُ قَدْرَه وَأَتْبَعُ فيه الْحَقَّ والْحَقُّ لازِمُ وأما الذِي دونِي فإنْ قال صُنْتُ عن إِجابتِهِ عِرضِي وإن لاَمَ لائِمُ وأما الذي مِثلِي فإنْ زَلَّ أو هَفا تَفَضَّلْتُ إنّ الفَضْلَ بالحِلم حاكِمُ تفسير : {وَمَا يُلَقَّاهَا} يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} بكظم الغيظ واحتمال الأذى. {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي نصيب وافر من الخير؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. وقيل: الكناية في «يُلَقَّاهَا» عن الجنة؛ أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب. قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} تقدّم في آخر «الأعراف» مستوفًى. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} من كيده وشره {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاستعاذتك {ٱلْعَلِيمُ} بأفعالك وأقوالك.

ابن كثير

تفسير : يقول عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} أي: دعا عباد الله إليه، {وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي: هو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره، لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير، ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق تبارك وتعالى، وهذه عامة في كل من دعا إلى الخير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك؛ كما قال محمد بن سيرين والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقيل: المراد بها المؤذنون الصلحاء؛ كما ثبت في صحيح مسلم: «حديث : المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»تفسير : ، وفي السنن مرفوعاً: «حديث : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عروة الهروي، حدثنا غسان قاضي هراة: وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مطر عن الحسن عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه قال: «حديث : سهام المؤذنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المجاهدين، وهو بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه» تفسير : قال: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو كنت مؤذناً، ما باليت أن لا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد. قال: وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كنت مؤذناً، لكمل أمري، وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل، ولا لصيام النهار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللهم اغفر للمؤذنين» تفسير : ثلاثاً، قال: فقلت: يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : كلا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم، وتلك لحوم حرمها الله عز وجل على النار؛ لحوم المؤذنين» تفسير : قال: وقالت عائشة رضي الله عنها: ولهم هذه الآية: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قالت: فهو المؤذن، إذا قال: حي على الصلاة، فقد دعا إلى الله. وهكذا قال ابن عمر رضي الله عنهما، وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين. وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أنه قال في قوله عز وجل: وَعَمِلَ صَالِحاً، يعني: صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة. ثم أورد البغوي حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بين كل أذانين صلاة ــــ ثم قال في الثالثة: ــــ لمن شاء» تفسير : وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبد الله بن بريدة عنه. وحديث الثوري عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ــــ قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة، كلهم من حديث الثوري به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه النسائي أيضاً من حديث سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به. والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية، فإنه لم يكن الأذان مشروعاً بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة حين أريه عبد الله بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه في منامه، فقصه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يلقيه على بلال رضي الله عنه؛ فإنه أندى صوتاً؛ كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذن أنها عامة؛ كما قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين، هذا خليفة الله. وقوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} أي: فرق عظيم بين هذه وهذه {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي: من أساء إليك، فادفعه عنك بالإحسان إليه؛ كما قال عمر رضي الله عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وقوله عز وجل: {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} وهو الصديق. إذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم، أي: قريب إليك؛ من الشفقة عليك، والإحسان إليك، ثم قال عز وجل: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها، إلا من صبر على ذلك؛ فإنه يشق على النفوس، {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك، عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم. وقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن، فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه، كفه عنك، ورد كيده، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول: «حديث : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»تفسير : ، وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تفسير : [الأعراف: 199 ــــ 200] وفي سورة المؤمنين عند قوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } تفسير : [المؤمنون: 96 ــــ 98].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً } أي لا أحد أحسن قولاً {مِّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } بالتوحيد {وَعَمِلَ صَٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ومَن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} الآية. فيه قولان: أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن والسدي. الثاني: أنهم المؤمنون دعوا إلى الله، قاله قيس بن أبي حازم ومجاهد. {وعمل صالحاً} فيه قولان: أحدهما: أنه أداء الفرائض، قاله الكلبي. الثاني: أنهم المصلون ركعتين بين الأذان والإقامة، قالته عائشة رضي الله عنها. وروى هشام بن عروة عن عائشة قالت: كان بلال إذا قام يؤذن قالت اليهود قام غراب - لا قام- فنادى بالصلاة، وإذا ركعوا في الصلاة قالوا قد جثوا - لا جثوا- فنزلت هذه الآية في بلال والمصلين. قوله عز وجل: {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة، حكاه ابن عيسى. الثاني: الحسنة الصبر والسيئة النفور. الثالث: الحسنة الإيمان، والسيئة الشرك، قاله ابن عباس. الرابع: الحسنة العفو والسيئة الانتصار، حكاه ابن عمير. الخامس: الحسنة الحلم والسيئة الفحش، قاله الضحاك. السادس: الحسنة حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيئة بغضهم، قاله علي كرم الله وجهه. {ادفع بالتي هي أحسنُ} فيه وجهان: أحدهما: ادفع بحلمك جهل من يجهل، قاله ابن عباس. الثاني: ادفع بالسلامة إساءة المسيء، قاله عطاء. ويحتمل ثالثاً: ادفع بالتغافل إساءة المذنب، والذنب من الأدنى، والإساءة من الأعلى. {فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه ولي حميمٌ} قاله عكرمة: الولي الصديق، والحميم القريب. وقيل هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره بالصبر عليه والصفح عنه. قوله عز وجل: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} فيه وجهان: أحدهما: ما يلقى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على الحلم. الثاني: ما يلقى الجنة إلا الذين صبروا على الطاعة. {وما يلقاها إلا ذو حَظٍ عظيمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ذو جد عظيم، قاله السدي. الثاني: ذو نصيب [وافر] من الخير، قاله ابن عباس. الثالث: أن الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. ويحتمل رابعاً: أنه ذو الخلق الحسن. قوله عز وجل: {وإما ينزغنك مِن الشيطان نزغ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أنه النزغ الغضب، قاله ابن زيد. الثاني: أنه الوسوسة وحديث النفس، قاله السدي. الثالث: أنه النجس، قاله ابن عيسى. الرابع: أنه الفتنة، قاله ابن زياد. الخامس: أنه الهمزات، قاله ابن عباس. {فاستعذ بالله} أي اعتصم بالله. {إنه هو السميع} لاستعاذتك{العليم} بأذيتك.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ} الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإسلام "ح" أو المؤذنون دعوا إلى الصلاة {وَعَمِلَ صَالِحاً} أداء الفرائض، أو صلاة ركعتين بين الآذان والإقامة كان بلال إذا قام للآذان قالت اليهود: قام غراب لا قام فإذا ركعوا في الصلاة: قالو جثوا لا جثوا فنزلت هذه الآية في بلال والمصلين.

النسفي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ } إلى عبادته هو رسول الله دعا إلى التوحيد {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } خالصاً {وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفاخراً بالإسلام ومعتقداً له، أو أصحابه عليه السلام، أو المؤذنون، أو جميع الهداة والدعاة إلى الله. {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل أن يذمك فتمدحه أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. ثم قال {وَمَا يُلَقَّاهَآ} أي وما يلقي هذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } إلا أهل الصبر {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } إلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. وإنما لم يقل «فادفع بالتي هي أحسن» لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقيل: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } وقيل: «لا» مزيدة للتأكيد والمعنى: لا تستوي الحسنة والسيئة، وكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة، ولكن وضع {ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } موضع «الحسنة» ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بالتي هي أحسن: الصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة وفسر الحظ بالثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة، وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً للنبي صلى الله عليه وسلم فصار ولياً مصافياً {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ } النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغاً كما قيل جد جده، أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر أو لتسويله، والمعنى وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } من شره وامض على حلمك ولا تطعه {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لاستعاذتك {ٱلْعَلِيمُ } بنزغ الشيطان. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ } الدالة على وحدانيته {ٱلَّليْلُ وَٱلنَّهَارُ} في تعاقبهما على حد معلوم وتناوبهما على قدر مقسوم {وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} في اختصاصهما بسير مقدور ونور مقرر {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } فإنهما مخلوقان وإن كثرت منافعهما {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } الضمير في {خَلَقَهُنَّ } للآيات أو الليل والنهار والشمس والقمر، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، تقول: الأقلام بريتها وبريتهن، ولعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود لله تعالى، فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين، فإن من عبد مع الله غيره لا يكون عابداً لله. {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } أي الملائكة {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ } لا يملون. والمعنى فإن استكبروا ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً، فدعهم وشأنهم فإن الله تعالى لا يعدم عابد أو ساجد بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد. و{عِندَ رَبّكَ }عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة. وموضع السجدة عندنا {لاَ يَسْـئَمُونَ } وعند الشافعي رحمه الله عند {تَعْبُدُونَ } والأول أحوط. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } يابسة مغبرة والخشوع التذلل فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ } المطر {ٱهْتَزَّتْ } تحركت بالنبات {وَرَبَتْ } انتفخت {إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فيكون قادراً على البعث ضرورة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَـٰتِنَا } يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن، يقال: ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. {يُلْتحِدُونَ} حمزة {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } وعيد لهم على التحريف {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أم مَّن يَأْتِى ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ} هذا تمثيل للكافر والمؤمن {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } هذا نهاية في التهديد ومبالغة في الوعيد {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم عليه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ } بالقرآن لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا تأويله {لَمَّا جَآءَهُمْ } حين جاءهم. وخبر «إن» محذوف أي يعذبون أو هالكون أو {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } وما بينهما اعتراض {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } أي منيع محمي بحماية الله {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ } التبديل أو التناقض {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } أي بوجه من الوجوه {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } مستحق للحمد. {مَّا يُقَالُ لَكَ } ما يقول لك كفار قومك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ } ورحمة لأنبيائه {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لأعدائهم، ويجوز أن يكون ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول هو قوله {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }. {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ } أي الذكر {قُرْءَاناً أَعْجَمِيَّاً} أي بلغة العجم كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم فقيل في جوابهم: لو كان كما يقترحون {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ } أي بينت بلسان العرب حتى نفهمها تعنتاً {ءَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ } بهمزتين كوفي غير حفص، والهمزة للإنكار يعني لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي. الباقون بهمزة واحدة ممدودة مستفهمة. والأعجمي الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه سواء كان من العجم أو العرب، والعجمي منسوب إلى أمة العجم فصيحاً كان أو غير فصيح، والمعنى أن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتاً لأنهم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم، وفيه إشارة إلى أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآناً فيكون دليلاً لأبي حنيفة رضي الله عنه في جواز الصلاة إذا قرأ بالفارسية. {قُلْ هُوَ } أي القرآن {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى } إرشاد إلى الحق {وَشِفَاءٌ} لما في الصدور من الشك إذ الشك مرض {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ } في موضع الجر لكونه معطوفاً على {ٱلَّذِينَ آمَنْوا} أي هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر أي صمم إلا أن فيه عطفاً على عاملين وهو جائز عند الأخفش، أو الرفع وتقديره والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر على حذف المبتدأ أو في آذانهم منه وقر {وَهُوَ } أي القرآن {عَلَيْهِمْ عَمًى } ظلمة وشبهة {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } يعني أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة. وقيل: ينادون في القيامة من مكان بعيد بأقبح الأسماء. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } فقال بعضهم: هو حق. وقال بعضهم: هو باطل كما اختلف قومك في كتابك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بتأخير العذاب {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا {وإِنَّهُمْ} وإن الكفار {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} موقع في الريبة {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} فنفسه نفع {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} فنفسه ضر {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} فيعذب غير المسيء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ...} الآية ابتداءُ توصيةٍ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ، وهو لفظ يَعُمُّ كلَّ مَنْ دعا قديماً وحديثاً إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى: لا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ هذه حالُهُ، وإلى العمومِ ذهب الحسن ومقاتلٌ وجماعةٌ، وقيل: إنَّ الآية نزلَتْ في المُؤَذِّنينَ، وهذا ضعيفٌ؛ لأَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، والأذانُ شُرِعَ بالمدينةِ، قال أبو حَيّان: {وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} «لا» زائدة للتوكيدِ، انتهى. وقوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} آية جَمَعَتْ مكارمَ الأخلاقِ وأنواعَ الحِلْمِ، والمعنى: ٱدْفَعْ ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أَحْسَنُ، قال ابن عبَّاس: أمره اللَّه تعالَىٰ في هذه الآية بالصَّبْر عند الغَضَبِ، وَالحِلْمِ عند الجَهْل، والعَفْوِ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فإذا فعل المؤمنُونَ ذلك، عَصَمَهُمُ اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عَدُوُّهم، {كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} البخاريُّ: «وليُّ حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسَّر مجاهدٌ وعطاءٌ هذه الآية بالسَّلاَمِ عند اللِّقاء، قال * ع *: ولا شَكَّ أنَّ السلام هو مبدأُ الدَّفْعِ بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: {يُلَقَّاهَا} عائد على هذه الخُلُقِ التي يقتضيها قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}، وقالت فرقة: المراد: وما يُلَقَّى «لاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ»، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ. وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}: مدح بليغ للصابرين، وذلك بَيِّنٌ للمتأَمِّلِ؛ لأنَّ الصَّبْرَ على الطاعات وعنِ الشهوات جامع لخصَالِ الْخَيْر كلِّها، والحظُّ العظيمُ: يَحْتَمِلُ أن يريد من العقل والفضلِ؛ فتكونَ الآية مدحاً لِلْمُتَّصِفِ بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكونَ الآية وعداً، وبالجنة فسر قتادةُ الحَظَّ هنا.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ‏{‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏} ‏ قالت‏:‏ المؤذن ‏{‏وعمل صالحا‏ً}‏ قالت‏:‏ ركعتان فيما بين الآذان والإِقامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏ قال‏:‏ هو النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين رضي الله عنه في قوله ‏{‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏ قال‏:‏ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ هو المؤمن عمل صالحاً ودعا إلى الله تعالى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين‏}‏ قال‏:‏ هذا عبد صدق قوله، وعمله، ومولجه، ومخرجه، وسره، وعلانيته، ومشهده، ومغيبه‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏ قال‏:‏ قول لا إله إلا الله يعني المؤذن ‏{‏وعمل صالحاً‏}‏ صام وصلى‏. وأخرج الخطيب في تاريخه عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏} ‏ قال: الأذان ‏{‏وعمل صالحا‏ً}‏ قال‏:‏ الصلاة بين الآذان والاقامة قال الخطيب‏:‏ قال أبو بكر النقاش رضي الله عنه، قال لي أبو بكر بن أبي داود في تفسيره عشرون ومائة ألف حديث ليس فيه هذا الحديث‏. وأخرج سعيد بن منصور عن عاصم بن هبيرة قال‏:‏ إذا فرغت من اذانك فقل‏:‏ لا إله إلا الله، والله أكبر، وأنا من المسلمين، ثم قرأ ‏ {‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن معاوية رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن المؤذنين أطول الناس أعناقاً يوم القيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والديلمي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ولا يتبعه إلا مؤمن، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه كل رطب ويابس ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه أنه قال لرجل‏:‏ ما عملك‏؟‏ قال‏:‏ الآذان قال‏:‏ نعم العمل عملك، يشهد لك كل شيء سمعك‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لو أطقت الآذان مع الخليفي لأذنت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد رضي الله عنه قال‏:‏ لأن أقوى على الآذان أحب إليّ من أن أحج، أو أعتمر، أو أجاهد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ لو كنت مؤذناً ما باليت أن لا أحج، ولا أغزو‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ من أذن كتب له سبعون حسنة، وإن أقام فهو أفضل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة من طريق هشام عن يحيى رضي الله عنه قال‏:‏ حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لو علم الناس ما في الآذان لتجاذبوه قال: وكان يقال‏:‏ ابتدروا الآذان ولا تبتدروا الإِمامة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ المؤذن المحتسب أول ما يكسى يوم القيامة‏.

التستري

تفسير : وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ}[33] أي ممن دل على الله وعلى عبادته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، والاستقامة به خوفاً من الخاتمة، وفي الطريقة الوسطى، والجادة المستقيمة التي من سلكها سلم، ومن تعداها ندم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 33]. قال سهل: أى ممن دل على الله وعلى عبادة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجتناب المناهى وإدامة الاستقامة مع الله. قال بعضهم: هى الطريقة الوسطى والجادة التى من سلكها سَلِم ومن تعداها ندم. وقال ابن عطاء: دعا إلى الله حتى يدعو بالله فيكون هو داعى الحق ودعاؤه دعاء الحق. قال الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} بالله لا بنفسه وعمل صالحًا ولم ير لنفسه فيه أثرًا. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} قال: الداعى على الحقيقة هو الذى لا يشير إلى غيره فى جميع دعوته وقال: أول الدعاء إلى الله الحضور مع الله وترك الصور عند مشاهدة المحمود. قال ابن عطاء: الداعى إلى الله على الحقيقة الذى يرضى الله فى دعوته فيمكنه فى وقت اشتغال الخلق بأنفسهم من الشفاعة لما رضى من دعوته والداعى إلى الله على الحقيقة الذى لا يشير إلى غيره فى جميع دعوته.

القشيري

تفسير : أي لا أحدَ أحسنُ قولاً منه، ويكون المراد منه النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام. ويقال هم المؤمنون. ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله. وقيل هم المؤذنون. ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاءِ بالله وتَرْكِ طالب العِوَضِ من الله، ويَكِلُ أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. {وَعَمِلَ صَالِحاً}: أي كما يدعو الخَلْقَ إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه. ويقال هم الذين عرفوا طريقَ الله، ثم سلكوا طريقَ الله، ثم دعوا الناسَ إلى الله. ويقال بل سلكوا طريق الله؛ فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله. ثم دعوا الخَلْقَ إليه بعد ما عرفوا الطريق إليه.

البقلي

تفسير : اى من عرف الله بعد ان راه واحبه اشتاقه وعشق به ودعا الخلق اليه من حيث هو فيه وصدقه فى حاله يدعوا الخلق الى الله بلسان الافعال وصدق المقال وحلاوة الاحوال ويذكر لهم شمائل اقدم وخلق الربوبية ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته ويحبب الله فى قلوبهم وهذا عمله الصلاح ثم يقول بعد كماله وتمكنه اننى واحد من المسلمين من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة وان كان اسلامه من قصارى احوال المستقيمين قال سهل اى ممن دل على الله وعبادة الله وسنة رسول الله واجتناب للناهى وادامة الاستقامة مع الله قال حسن بن ابى الحسن البصرى هذا حبيب الله هذا ولى الله هذا خيره الله هذا احب الخلق الى الله اجاب الله دعوته ودعى الناس الى ما اجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا فى اجابته وقال اننى من المسلمين هذا خليفة الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن} استفهام والمعنى بالفارسية وكيست {احسن} نيكوتر {قولا} از جهت سخن {ممن دعا الى الله} اى الى توحيده وطاعته {وعمل صالحا} فيما بينه وبين ربه {وقال اننى من المسلمين} ابتهاجا بانه منهم او اتخاذا للاسلام دينا ونحلة اذ لا يقبل طاعة بغير دين الاسلام من قولهم هذا قول فلان اى مذهبه لا انه تكلم بذلك وفيه رد على من يقول انا مسلم ان شاء الله فانه تعالى قال مطلقا غير مقيد بشرط ان شاء الله وقال علماء الكلام ان قاله للشك فهو كفر لا محالة وان كان للتأدب مع الله واحالة الامور الى مشيئة الله او للشك فى العاقبة والمآل لا فى الآن والحال وللتبرك بذكر الله او التبرى من تزكية نفسه والاعجاب بحاله فجائز لكن الاولى تركه لما انه يوهم الشك وحكم الآية عام لكل من جمع ما فيها من الخصال الحميدة التى هى الدعوة والعمل والقول وان نزلت فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم او فى اصحابه رضى الله عنهم او فى المؤذنين فانهم يدعون الناس الى الصلاة فان قلت السورة بكمالها مكية بلا خلاف والاذان انما شرع بالمدينة قلت يجعل من باب ما تأخر حكمه عن نزوله وكم فى القرءآن منه واليه ذهب بعض الحفاظ كابن حجر وغيره اعلم ان للدعوة مراتب. الاولى دعوة الانبياء عليهم السلام فانهم يدعون الى الله بالمعجزات والبراهين وبالسيف وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى ان احسن قول قاله الانبياء والاولياء قولهم بدعوة الخلق الى الله وكان عليه السلام مخصوصا بهذه الدعوة كما قال تعالى {أية : يا ايها النبى انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه} تفسير : وهو ان يكتفى بالله من الله لم يطلب منه غيره شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند از خدا جز خدا تفسير : وقال وعمل صالحا اى كما يدعو الخلق الى الله يأتى بما يدعوهم اليه يعنى سلكوا طريق الله الى ان وصلوا الى الله وصولا بلا اتصال ولا انفصال فبسلوكهم ومناراتهم عرفوا الطريق الى الله ثم دعوا بعد ما عرفوا الطريق اليه الخلق الى الله وقال اننى من المسلمين لحكمه الراضين بقضائه وتقديره. والمرتبة الثانية دعوة العلماء فانهم يدعون الى الله تعالى بالحجج والبراهين فقط (قال الكاشفى) امام ابو الليث فرموده كه مراد يعنى از آيت مذكوره علما اندكه معالم دين بمردم آموزند وعمل صالح ايشان آنست كه هرجه دانند بدان كار كنند بامحتسبانندكه قواعدامر معروف ونهى منكررا تمهيد دهند وعمل صالح ايشان صبر وتحمل است برآنجه بديشان رسد ازمكاره. ثم ان العلماء ثلاثة اقسام عالم بالله غير عالم بامر الله وعالم بامر الله غير عالم بالله وعالم بالله وبامر الله اما الاول فهو عبد استولت المعرفة الالهية على قلبه فصار مستغرقا فى مشاهدة الجلال وصفات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الاحكام الا قدر ما لا بد له واما الثانى فهم الذين عرفوا الحلال والحرام ودقائق الاحكام ولكنهم لا يعرفون اسرار جلال الله وجماله اما مع الاقرار باصحاب هذا الشان او بانكارهم والثانى ليس من عداد العلماء واما العالم بالله وباحكامه فهم الجامعون لفضائل القسمين الاولين وهم تارة مع الله بالحب والارادة وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة فاذا رجعوا الى الخلق صاروا معهم كواحد منهم كأنهم لا يعرفون الله واذا خلوا مع ربهم صاروا مشتغلين بذكره كأنهم لا يعرفون الخلق وهذا سبيل المرسلين والصديقين فالعارف يدعو الخلق الى الله ويذكر لهم شمائل القدم ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته ويحبب الله فى قلوبهم ثم يقول بعد كماله وتمكينه اننى واحد من المسلمين من تواضعه ولطف حاله شعر : از زنك كبر آينه خويش ساده كن درزير با نظر كن وحج بياده كن تفسير : والمرتبة الثالثة الدعوة بالسيف وهى للملوك فانهم يجاهدون الكفار حتى يدخلون فى دين الله وطاعته فالعلماء خلف الانبياء فى عالم الارواح والملوك خلف الانبياء فى عالم الاجسام. والمرتبة الرابعة دعوة المؤذنين الى الصلاة وهى اضعف مراتب الدعوة الى الله وذلك أن ذكر كلمات الاذان وان كان دعوة الى الصلاة لكنهم يذكرون تلك الالفاظ الشريفة بحيث لا يحيطون بمعناها ولا يقصدون الدعوة الى الله فاذا لم يلتفتوا الى مال الوقف وراعوا شرآئط الاذان ظاهرا وباطنا وقصدوا بذلك مقصدا صحيحا كانوا كغيرهم من اهل الدعوة فضيل رفيده كفت مؤذن بودم در روزكار اصحاب رضى الله عنهم عبد الله بن مسعود وعاصم بن عبرة مراكفت جون زبانك نماز فارغ شوى بكو وانامن المسلمين نبينى كه رب العالمين كفت وقال اننى من المسلمين وفى الحديث "حديث : الملك فى قريش والقضاء للانصار والاذان للحبشة" تفسير : وفيه مدح لبلال الحبشى رضى الله عنه وكذا فى الآية تعظيم لشأنه خصوصا لأنه مؤذن الداعى الى الله على بصيرة وهو المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم (صاحب عين المعانى) آورده كه جون بلال بانك نماز آغاز كردى يهود كفتندى كلاغ ندا مى كند وبنماز ميخواند وسخنان بيهوده برزبان ايشان كذتشى اين آيت نازل شد وبرتقديرى كه مؤذنان باشند عمل صالح ايشان آنست درميان اذان واقامت دو ر كعت نماز كذارند قال عمر رضى الله عنه لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا احج ولا اجاهد ولا اعتمر بعد حجة الاسلام (صاحب كشف الاسرار) فرموده كه حق جل وعلا مؤذنان امت احمدبنج كرامت كرده حسن الثناء وكمال العطاء ومقارنة الشهداء ومرافقة الانبياء والخلاص من دار الشقاء كرامت اول ثناء جميل است وسند خداوند كريم كه در حق مؤذن ميكويد ومن احسن قولا الخ احسن برلفظ مبالغت كفت همجنانكه تعظيم قرآنرا كفت الله نزل احسن الحديث قرآن احسن الآيات است وبانك نماز احسن الكلمات زيرا دروتكبير وتعظيم واثبات وحدانيت خداوند اعلى واثبات نبوت مصطفى وفى الخبر "حديث : من كثرت ذنوبه فليؤذن بالاسحار" تفسير : عمر بن الخطاب رضى الله عنه كفت يارصول الله اين وقت سحررا باين معنىجه خاصيت است كفت والذى بعث بالحق محمدا ان النصارى اذا ضربت نواقيسها فى ادبارها فيثقل العرش على مناكب حملة العرش فيتوقعون المؤذنين من امتى فاذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر خف العرش على مناكب حملة العرش قال الامام السيوطى رحمه الله اول ما حدث التسبيح بالاسحار على المنابر فى زمن موسى عليه السلام حين كان بالتيه واستمر بعده الى أن كان زمن داود عليه السلام وبنى بيت المقدس فرتب فيه عدة قومون بذلك البيت على الآلات وبغيره بلا آلات من الثلث الاخير من الليل الى الفجر الى ان خرب بيت المقدس بعد قتل يحيى عليه السلام وقام اليهود على عيسى عليه السلام فبطل ذلك فى جملة ما بطل من شرآئع بنى اسرآئيل واما فى هذه الملة المحمدية فكان ابتداء عمله بمصر وسببه ان مسلمة بن مخلد الصحابى رضى الله عنه بنى وهو امير مصر منارا بجامع عمرو واعتكف فيه فسمع اصوات النواقيس عالية فشكا ذلك الى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال انى امد الاذان من نصف الليل الى قرب الفجر فانهم لا ينقسون اذا اذنت ففعل ثم لما كان احمد بن طولون رتب جماعة نوبا يكبرون ويسبحون ويحمدون ويقولون قصائد زهدية وجعل لهم ارزاقا واسعة ومن ثمة اتخذ الناس قيام المؤذنين فى الليل على المنابر فلما ولى السلطان صلاح الدين بن ايوب امر المؤذنين فى وقت التسبيح أن يعلنوا بذكر العقيدة الاشعرية فواظب المؤذنون على ذكرها كل ليلة الى وقتنا هذا انتهى. يقول الفقير آل الامر فى زمننا هذا فى بلاد الروم الى أن السلاطين من ضعف حالهم فى الدين صاروا مغلوبين فانتقل كثير من البلاد الاسلامية الى اهل الحرب فجعلوا المساجد كنائس فى ايدى المسلمين الى الوهن والهدم بحيث تخربت بعض المحلات بالكلية مع المساجد الواقعه فيها وتعطل بعضها عن العمار من المسلمين بسبب توطن اهل الذمة فيها وبقيت المساجد بينهم غريبة فتعالوا نبك على غربة هذا الدين واما كمال العطاء فما روى أن النبى عليه السلام قال "حديث : المؤذنون امناء المؤمنين على صلاتهم وصيامهم ولحومهم ودمائهم لا يسألون الله شيئا الا اعطاهم ولا يشفعون بشىء الا شفعوا فيه قال ويغفر للمؤذن مدى صوته" تفسير : يعنى آمرزيده ميشويد مؤذن بمقدار آنكه آوازوى رسده. ويشهد له كل شىء سمع صوته من شجر او حجر او مدر او رطب او يابس ويكتب للمؤذن بكل انسان صلى معه فى ذلك المسجد مثل حسناته واما مقارنة الشهدآء فما روى أن النبى عليه السلام قال "حديث : من اذن فى سبيل الله ايمانا واحتسابا جمع بينه وبين الشهدآء فى الجنة" تفسير : واما مرافقة الانبياء فما حديث : روى أن رجلا جاء الى النبى فقال يا رسول الله من اول الناس دخولا الجنة قال "الانبياء" قال ثم من قال الشهدآء قال ثم من قال "مؤذنوا مسجدى هذا" قال ثم من قال "سائر المؤذنين على قدر اعمالهم" تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من أذن عشرين سنة متوالية اسكنه الله مع ابراهيم عليه السلام فى الجنة" تفسير : واما الخلاص من دار الاشقياء فما روى أن النبى عليه السلام قال "حديث : اذا قال المؤذن الله اكبر الله اكبر اغلقت ابواب النيران السبعة واذا قال اشهد ان لا اله الا الله فتحت ابواب الجنة الثمانية واذا قال اشهد أن محمدا رسول الله اشرفت عليه الحور العين واذا قال حى على الصلاة تدلت ثمار الجنة واذا قال حى على الفلاح قالت الملائكة افلحت وافلح من اجابك واذا قال الله اكبر الله اكبر قالت الملائكة كبرت كبيرا وعظمت عظيما واذا قال لا اله الا الله قال الله تعالى حرمت بدنك وبدن من اجابك على النار" تفسير : وفى الحديث "حديث : المؤذنون اطول الناس اعناقا يوم القيامة" تفسير : اى يكونون سادات واكثر الناس ثوابا او جماعات او رجاء لأن من رجا شيئا اطال اليه عنقه والناس حين يكونون فى الكرب يكون المؤذنون اكثر رجاء بأن يؤذن لهم فى دخول الجنة كان ذلك جزآء مد أعناقهم عند رفع اصواتهم او طول العنق كناية عن الفرح كما أن خضوعها كناية عن الحزن او معناه اذا وصل العرق الى افواه الناس يوم القيامة طالت اعناق المؤذنين فى الحقيقة لئلا ينالهم ذلك ومن اجاب دعوة المؤذنين يكون معه قال الفقهاء يقطع سامع الاذان كل عمل باليد والرجل واللسان حتى تلاوة القرآن ان كان فى غير المسجد وان كان فيه فلا يقطع ولا يسلم على احد واما رده فقد اختلفوا فيه فقيل يجوز وقيل لا يجوز ويشتغل بالاجابة واختلفوا فى الوجوب والاستحباب فقال بعضهم الاجابة واجبة عند الاذان والاقامة منهم صاحب التحفة والبدآئع وقال الآخرون هى مستحبة وعليه صاحب الهداية ويستحب ان يقول عند سماع الاولى من الشهادة الثانية صلى الله تعالى عليك يا رسول الله وعند سماع الثانية قرة عينى بك يا رسول الله ثم يقول اللهم متعنى بالسمع والبصر بعد وضع ظفر الابهامين على العينين كما فى شرح القهستانى وفى تحفة الصلوات للكاشفى صاحب التفسير نقلا عن الفقهاء الكبار ويقول بعد الاذان اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته ويقول عند اذان المغرب خصوصا اللهم هذا اقبال ليلك وادبار نهارك واصوات دعاتك فاغفر لى واول من اذن فى السماء جبرائيل وأم ميكائيل عليهما السلام عند البيت المعمور واول من أذن فى الاسلام بلال الحبشى رضى الله عنه وكان اول مشروعيته فى اذان الصبح قالت النوار ام زيد بن ثابت كان بيتى اطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من اول ما أذن الى ان بنى رسول الله عليه السلام مسجده فكان يؤذن بعده على ظهر المسجد وقد رفع له شىء فوق ظهره واول من اقام عبد الله بن زيد وزاد بلال فى اذان الصبح بعد الحيعلات الصلات خير من النوم مرتين فاقرها عليه السلام اى اليقظة الحاصلة للصلاة خير من الراحة الحاصلة بالنوم ويقول المجيب عنده صدقت وبالخير نطقت وعند قوله فى الاقامة قد قامت الصلاة اقامها الله وادامها ويقيم من اذن لا غيره الا بأذنه وفى بعض الروايات أنه عليه السلام اذن مرة واحدة فى السفر على راحلته حديث : ويروى ان بلالا كان يبدل الشين فى اشهد سينا فقال عليه السلام "سين بلال عند الله شين" تفسير : كما فى انسان العيون (وفى المثنوى) شعر : آن بلال صدق در بانك نماز حى راهى هى همى خواند ازنياز تابكفتنداى بيمبر نيست راست اين خطا اكنون كه آغاز بناست اى نبى و اى رسول كردكار يك موذن كو بود افصح بيار عيب باشد اول دين وصلاح لحن خواندن لفظ حى على الفلاح خشم بيغمبر بجوشيد و بكفت يك دو رمزى از عنايات نهفت كاى خسان نزدخداى هى بلال بهتر از صد حى حى وقيل وقال وامشوا رانيد تا من را زتان و انكويم آخر و آغاز تان تفسير : وأول من زاد الاذان الاول فى الجمعة عثمان رضى الله عنه زاده ليؤذن اهل السوق فيأتون الى المسجد وكان فى زمانه عليه السلام و زمان ابى بكر رضى الله عنه وعمر رضى الله عنه اذان واحد حين يجلس الامام على المنبر والتذكير قبل الاذان الاول الذى هو التسبيح احدث بعد السبعمائة فى زمن الناصر محمد بن قلوون لاجل التبكير المطلوب فى الجمعة واول ما احدثت الصلاة والسلام على النبى عليه السلام بعد تمام الاذان فى زمن السلطان المنصور الحاجى ابن الاشرف شعبان بن حسن بن محمد بن قلوون فى اواخر القرن الثامن واول من احدث اذان اثنين معا بنوا امية واول من وضع احدى يديه عند اذنيه فى الاذان ابن الاصم مؤذن الحجاج بن يوسف وكان المؤذنون يجعلون اصابعهم فى اذانهم واول من رقى منارة مصر للاذان شرحبيل المذكور وفى عرافته بنى مسلمة المنابر للأذان بامر معاوية ولم تكن قبل ذلك واول من عرف على المؤذنين سالم بن عامر اقامه عمرو بن العاص فلما مات عرف عليهم اخاه شرحبيل واول من رزق المؤذنين عثمان رضى الله عنه والجهر واجب فى الاذان لأعلام الناس ولذا سن ان يكون فى موضع عال ولو اذن لنفسه خافت واما التكبيرات فى الصلاة فالمؤذن يرفع صوته لتبليغ التكبير لمن بعد عن الامام من المقتدين فان كان فى صوت الامام كفاية فالتبليغ مكروه كما فى انسان العيون. يقول الفقير اما سر عدد المنارات فى الحرم النبوى وهى اليوم خمس فاشارة الى الاوقات الخمسة فهو صورة الدعوات الخمس فى الساعات الاربع والعشرين المشتمل عليها الليل والنهار واول من قدر الساعات الاثنتى عشرة نوح عليه السلام فى السفينة ليعرف بها مواقيت الصلوات واما سر عددها فى الحرم المكى وهى سبع الآن فاشارة الى مراتب الدعوة الى الفناء وهى سبع عدد الاسماء السبعة التى آخرها القهار فان الكعبة اشارة الى الذات الاحدية ومراتبها عروجا هى مراتب الفناء اذ البقاء انما هو بعد النزول ولذا امر عليه السلام بالهجرة الى المدينة لتتحقق مرتبة البقاء فللكعبة منارة اخرى هى الثامنة من المنارات وهى منارة البقاء لكنها فى بطن الكعبة مدفونة تحتها ولم يكن لها ظهور فوق الارض الا بحسب المكاشفة كوشفت عنها حين مجاورتى فى الحرم وكان للحرم المكى فى الاوآئل خمسون منارة على ما طالعته فى تاريخ القطبى بعضها فى الحرم وبعضها على رؤوس الجبال التى هى بينها كل ذلك لاعلام الاوقات فهى اشارة الى اصل الصلوات المفروضة ليلة المعراج وهى خمسون حتى خففها الله تعالى فبقيت منها خمس ولله فى كل شىء حكمة عجيبة ومصلحة بديعة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ومَن أحسنُ قولاً ممن دعا إِلى اللهِ} أي: إلى الإقرار بربوبيته، والاستقامة على عبوديته، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من أمته، الدعاة إلى الله في كل عصر، أي: لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى معرفة الله، {وعَمِل صالحاً} فيما بينه وبين ربه، بأن عمل أولاً بما دعا إليه، {وقال إِنني من المسلمين} تفاخراً بالإسلام، وابتهاجاً بأنه منهم، واتخاذ الإسلام ديناً، من قولهم: هذا قول فلان، أي: مذهبه؛ لأنه يتكلم بذلك، أو: يقوله تواضعاً، أي: من جملة عامة المسلمين. {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ}، هذا بيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب ـ عزّ وجل ـ ترغيباً للدعاة إلى الله في الصبر على إذاية الخلق، لأن كل مَن يأمر بالحق يُؤذَى، فأُمروا بمقابلة الإساءة بالإحسان، أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والخصلة السيئة، و (لا): مزيدة، لتأكيد النفي، {ادفع بالتي هي أحسنُ} أي: ادفع السيئة التي اعترضتك من بعض أعدائك بالتي هي أحسن منها، وهي: أن تُحسن إليه في مقابلة إساءته، فالحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، وادفع بها السيئة، كما لو أساء إليك رجل، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تُحسن إليه مكان إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، ويحرمك فتعطيه، ويقطعك فتصله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: التي هي أحسن: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. هـ. {فإِذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم} أي: فإنك إن فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقق مثل وليك الحميم الشفيق، مصافاة لك، وهذا صعب على النفوس، ولذلك قال: {وما يُلقاها إلا الذين صبروا} أي: ما يلقى هذه الخصلة التي في مقابلة الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، {وما يُلقاها إِلا ذو حظ عظيم} من الله تعالى وسبق عنايته بكمال النفس وتهذيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحظ العظيم: الثواب، وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوّاً مؤذياً للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليّاً مصافياً له، وبقيت عامة. {وإِما يَنزغنَّك من الشياطن نزغٌ}، النزغ: شِبه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه، يبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغاً مجاز، كجدّ جدّه، والمعنى: وإن طرقك الشيطان على ترك ما وُصِّيْتَ به من الدفع بالتي هي أحسن، {فاستعِذْ بالله} من شرِّه، وامضِ على حلمك ولا تُطعه، {إِنه هو السميعُ} لاستعاذتك، {العليمُ} بنيتك وتعلقك به، أو: بنزغ الشيطان ووسوسته. وهو تعليم لأمته صلى الله عليه وسلم إذ كان شيطانه أسلم على يده. الإشارة: قال القشيري: قيل: الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله، وتَرْكِ طلب العِوَض من الله، بل يَكِلُ أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله. ثم قال: {وعَمِلَ صالحاً} كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما يدعوهم إليه، ويقال: هم الذين عرفوا طريقَ الله، ثم دعوا ـ بعدما عرفوا الطريقَ إلى الله ـ الخلقَ إلى الله، {وقال إِنني من المسلمين} لحكمه، الراضين بقضائه وتدبيره. هـ. وقال الشاذلي رضي الله عنه: عليك برفض الناس جملة، إلا مَن يدلك على الله، بإشارةٍ صادقة، وأعمال ثابتة، لا ينقضها كتاب ولا سُنَّة. هـ. وشروط الداعي إلى الله على طريق المشيخة أربعة: علم صحيح، وذوق صريح، وهمّة عالية، وحالة مرضية، كما قال زروق رضي الله عنه. وقال الشريشي في رائيته: شعر : وللشيخ آياتٌ إذا لَن تَكنّ له فما هُو إلا في ليالي الْهَوَى يَسْرِي إذا لَمْ يكن عِلْم لَديْهِ بِظَاهرٍ ولاَ باطنٍ فاضْرِبْ بِهِ لُجَجَ الْبَحْرِ تفسير : أما العلم الظاهر فإنما يشترط منه ما يحتاج إليه في خاصة نفسه، ويحتاج إليه المريد في حال سفره إلى ربه، وهو القَدْر الذي لا بُد منه، من أحكام الطهارة والصلاة ونحو ذلك، ولا يشترط التبحُّر في علم الشريعة. قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: صحبت أبا علي المسندي، فكنت أُلقنه ما يُقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صِرفاً. هـ. ومن المعلوم أن الشيخ ابن عباد لم يُفتح عليه إلا على يد رجل عامي، وقد تحققت تربية كثير من الأولياء، كانوا أميين في علم الظاهر. وأما علم الباطن فالمطلوب فيه التبحُّر التام؛ إذ المقصود بالذات في الشيخ المصطلح عليه عند القوم هو هذا العلم؛ لأن المريد إنما يطلب الشيخَ ليسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة؛ فيكون عنده علم تام بالله وصفاته وأسمائه، ذوقاً وكشفاً، وعلم بآفات الطريق، ومكائد النفس، والشيطان، وطرق المواجيد، وتحقيق المقامات، كما هو مقرر في فنه، وهذا الداعي لا تخلو الأرض منه على الكمال، خلافاً لمَن حكم بانقطاعه. والله تعالى أعلم. وفي الإحياء: المقتدى به هو الذي استقام في نفسه، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره، لا مَن يُظهر خلاف ما هو عليه ليُقتدى به، فإنه مُلَبِّس، لم ينصح لنفسه، فكيف بغيره؟. هـ. قال الورتجبي: ومَن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، أي: ممن عرف الله بعد أن رآه وأحبّه واشتاق إليه، ودعا الخلق إليه، من حيث هو فيه وصَدقه في حاله، يدعو الخلق إلى الله بلسان الأفعال، وصدق المقال، وحلاوة الأحوال، ويذكر لهم شمائل القِدَم وحق الربوبية، ويُعرفهم صفات الحق وجلال ذاته، ويُحبب اللهَ في قلوبهم، وهذا عمله الصالح، ثم يقول بعد كماله وتمكنه: إنني واحد من المسلمين، مِن تواضعه ولطفِ حاله خلقاً وظرافةً، وإن كان إسلامه من قُصارى ـ أي: غاية ـ أحوال المستقيمين. قال سهل: أي ممن دلّ على الله، وعلى عبادة الله وسُنَّة رسوله، واجتناب المناهي، وإدامة الاستقامة مع الله، ثم قال: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} بيَّن اللهُ هنا أن الخُلق الحسن ليس كالخُلق السيء، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، وأحسن الأخلاق: الحلم؛ إذ يكون به العدو صديقاً، والبعيد قريباً، حين دفع غضبه بحلمه، وظلمَه بعفوه، وسوءَ جانبه بكرمه، وفي مظنة الخطاب: أن مَن كان متخلقاً بخلقه، متصفاً بصفاته، مستقيماً في خدمته، صادقاً في محبته، عارفاً بذاته وصفاته، ليس كالمدعي الذي ليس في دعواه معنى. ثم قال: {وما يُلقاها إِلا الذين صبروا}، بيَّن الله سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن، وحسنات الأعمال وسُنِيَّات الأفعال، إلا مَن تصبّر في بلاء الله، وامتحانه، بالوسائط وغير الوسائط، ولا يتحمّل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته، وذو نصيب من قربه ووصاله، صاحب معرفة كاملة، ومحبة شاملة: وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر الله، ثم الصبر في مشاهدة الأزل، فبالصبر الاتصافي ومشاهدة الأبدي، والحظ الجمالي، يوازي طوارق صدمات الألوهية، وغلبات القهّارية. ثم قال: عن الجنيد: ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه. هـ. ثم بيَّن دلائل توحيده، فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ}.

الجنابذي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} يعنى ممّن دعا الى الله فى مملكة وجوده اعوانه وجنوده اذا لم يكن من اهل دعوة غيره الى الله او ممّن دعا اهل العالم الكبير اذا كان نبيّاً او خليفته (ع) والجملة معطوفة على جملة انّ الّذين قالوا باعتبار المعنى فانّه فى معنى لا احسن قولاً او حاليّة بهذا الاعتبار او بتقدير القول وعلى اىّ تقديرٍ فهى فى معنى التّعليل {وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} يعنى لا احسن قولاً ممّن دعا بأفعاله واقواله واحواله واخلاقه الى الله وعمل صالحاً باركانه اى صالحاً عظيماً هو الولاية الحاصلة بالبيعة الخاصّة او نفس البيعة الخاصّة فانّه لا يراد به فردٌ من الصّالح لدلالته حينئذٍ على انّ من دعا الى الله وعمل صالحاً ما، وان كان ترك جملة الصّالحات يكون احسن قولاً من جميع الخلق، فانّ هذه العبارة قد مرّ مراراً انّها تستعمل فى هذا المعنى وان كان مفهومها اعمّ، او المراد فردٌ ما من الصّالح والمقصود انّ من بايع البيعة الخاصّة ودخل الايمان فى قلبه واظهر اثر تلك البيعة على اعضائه من دعائه الى الله بحاله وقاله ومن عمله باركانه صالحاً ما من الصّالحات واظهر اثر تسليمه على لسانه بان يقول: انّنى من المسلمين فانّه قد يؤتى بهذه العبارة عند المبالغة فى امر الولاية كما ورد انّ الله فرض على خلقه خمساً، فرخّص فى اربع ولم يرخّص فى واحدةٍ اشار الى الولاية، وهذا من باب المبالغة فى امر الولاية، وامثال هذا الخبر للمبالغة فى الولاية عنهم كثيرة، وللاشارة الى انّه يلزم ظهور اثر التّسليم على اللّسان قال تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} ولم يقل وكان من المسلمين وكما انّ الآية السّابقة كانت فى علىٍّ (ع) وشيعته من غير اختصاصٍ لها بعلىّ (ع) او بالائمّة (ع) كذلك هذه الآية لا اختصاص لها بعلىٍّ (ع) والائمّة (ع) بل تجرى فى شيعتهم كما ذكرنا.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا الحسن [ن: الحسين] بن [أبي. أ] العباس وجعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي قال! حدثنا نصر بن مزاحم عن الحسن بكار عن أبيه: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر، ب] أنه قال في بعض رسائله: عباد الله اتقوا الله، وأجيبوا إلى الحق، وكونوا أعواناً لمن دعاكم إليه ولا تأخذوا سنة بني إسرائيل: كذبوا أنبيائهم وقتلوا أهل بيت نبيهم. ثم أنا [أذكركم أيها السامعون لدعوتنا [ر: لدعوته] المتفهمون لمقالتنا بالله العظيم الذي لم يذكر المذكرون بمثله، إذا ذكر [تمـ]ـوه وجلت قلوبكم واقشعرت] لذلك جلودكم ألستم تعلمون إنا أهل بيت نبيكم المظلومون المقهورون [من ولايتهم. أ، ر. أ: فلاسهم وفينا] ولا ميراث أعطينا ما زال قائلنا يقهر - يعني: يكذب - ويولد مولـ [ـو] دنا في الخوف، وينشأ ناشئنا بالقهر ويموت ميتنا بالذل. ويحكم أن الله قد فرض عليكم جهاد أهل البغي والعدوان وفرض نصرة أوليائه الداعين إليه وإلى [ر: وفي] كتابه قال الله: {أية : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}تفسير : [40/ الحج] وإنا قوم عصمنا [أ: غضبنا لله] ربنا، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا، فوضعنا كل من توارث الخلافة وحكم بالهوى [ب، ر، أ: بالهواء!] ونقض العهد وصلى الصلاة لغير وقتها، وأخذ الزكاة من غير وجهها ودفعها إلى غير أهلها، ونسك المناسك بغير هديها، وجعل الفيء والأخماس والغنائم دولة بين الأغنياء ومنعها المساكين وابن السبيل والفقراء وعطل الحدود وحكم بالرشا والشفاعات وقرب الفاسقين فمثل بـ [ظ: وميل] الصالحين، واستعمل الخونة وخون أهل الأمانات، وسلط المجوس، وجهز الجيوش، وقتل الولدان، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، يحكم بخلاف حكم الله، ويصد عن سبيله، وينتهك محارم الله، فمن أشر عند الله منزلة ممن افترى على الله كذباً [ر: الكذب] أوصد عن سبيل الله وبغى في الأرض، ومن أعظم عند الله منزلة ممن أطاعه ودان بأمره وجاهد في سبيله، ومن أشر عند الله منزلة ممن يزعم أن بغير ذلك يحق عليه ثم ترك ذلك إستخفافاً لحقه [ب: بحقه] وتهاوناً في أمر الله وإيثاراً للدنيا {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال: إنني من المسلمين} أولئك يدخلون الجنة. فمن سألنا عن دعوتنا فإنا ندعو إلى الله وإلى كتابه وإيثاره على ما سواه وأن نصلي [أ: يصلى] الصلاة لوقتها ونأخذ [ر، ب: أخذ] الزكاة من وجهها وندفعها إلى أهلها، وننسك المناسك بهديها، ونضع الفيء والأخماس في مواضعها، ونجاهد المشركين بعد [أ، ر: لبعد] أن ندعوهم إلى [دين. ر] الحنيفية [ب: الحنفية] وأن نجبر الكسير ونفك الأسير ونرد [ر: نزد] على الفقير ونضع النخوة والتجبر والعدوان والكبر، وأن نرفق بالمعاهدين ولا نكلفهم مالا يطيقون. اللهم هذا ما ندعو إليه ونجيب من دعا إليه ونعين ونستعين عليه غير [أ: خير] الجارية! ثم أنى بعد [أن. ر، أ] سمعها إلى النكوس! وإعزاز دينك اللهم فإنا نشهدك عليه يا أكبر الشاهدين شهادة ونشهد عليه [ب: على] جميع من أسكنته [في. ر] أرضك وسماواتك، اللهم ومن أجاب إلى ذلك من مسلم فأعظم أجره وأحسن ذخره [أ: ذكره] ومن عاجل السوء وآجله! فاحفظه وكن له ولياً وهادياً وناصراً. ونسألك اللهم من أعوانك وأنصارك على إحياء حقك عصابة تحبهم ويحبونك، يجاهدون في سبيلك، لا تأخذهم فيك لومة لائم. اللهم وأنا أول من أناب وأول من أجاب، فلبيك يا رب وسعديك فأ [نت أ] حق من دعي وأحق من أجيب، فواجبوا! إلى الحق وأجيبوا إليه أهله وكونوا لله أعواناً، فإنما ندعوكم إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم الذي إذا عمل فيكم به استقام لكم دينكم، ومن استجاب لنا منكم على هذا فهو في حلّ مما أخذنا عليه وما أعطانا من نفسه [إن لم نستقم. أ، ر] على ما وصفنا من العمل بكتاب الله وسنة نبيه، ولسنا نريد اليوم غير هذا حتى نرى من أمرنا فإن أتم الله لنا ولكم ما نرجو كان أحق لهذا [ب: بهذا] الأمر أن يتولى أمركم الموثوق عند المسلمين فيه بدينه وفهمه وبابه وعلمه بكتاب الله وسنن الحق من أهل بيت نبيكم فإن اختار إلى محمد! وعترته اتبعه! وكنت معهم [ر: تبعهم] على ما اجتمعوا عليه [أ: إليه] وإن عرفوا إلى أقومهم بذلك استعنت بالله ورجوت توفيقه، [ولم أكن ابتز الأمة أمرها قبل اختيارها ولا استأثرت على أهل بيت النبي عليهم الصلاة والسلام. ر]. فلما أجابه [من أجابه. ر] وخذله [من خذله. أ] بعد البيان والحجة عليهم على من أتى! [ر: أنا]! هذا ممن [أ: فمن] يزعم أن الإمام جعفر بن محمد [عليه السلام. أ] بعث إليه ليجيء إلى جعفر بعد أن احتج إليهم في كل أمر كثير فصار يجيء إلى جعفر فأخبره بما قالوا وما دار بينهم فأجابه جعفر بخلاف ما قالوا وحلف له على ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللهِ} الى توحيده وعبادته والاستفهام انكاري أي لا أحد أحسن* {وَعَمِلَ صَالِحاً} فيما بينه وبين ربه وعباد ربه {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي أعتقد كما تقول هذا قول جابر وتريد مذهبه أو اعتقد وتلفظ بأنه من المسلمين تفاخر على المشركين بالاسلام واتخاذاً له ديناً واظهاراً لدين الله والآية عامة لكل من جمع تلك الخصال الثلاث قديماً وحديثاً من الأنبياء وغيرهم من العالمين قاله الحسن ومقاتل وجماعة وقيل المراد من جمعهما من هذه الأمة وقال ابن عباس المراد النبي صلى الله عليه وسلم وعنه انهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقيل المراد المؤذنون ويضعفه ان الآية مكية والأَذان شرع بالمدينة. وعن عائشة: ما كنا نشك ان هذه الآية نزلت في المؤذنين وهي عامة في كل من جمع بين الثلاث وهذا منها اثبات لنزولها في المؤذنين لا رجوع عنه كما يتوهم وأخبره ان المعنى عام لكل من قال وعمل ودعا الى الله بالمعجزات والحجج والسيف وهم الانبياء أو بالحجج وهم العلماء مطلقاً العلماء بالله والعلماء بصفاته والعلماء بأحكامه أو بالسيف وهم المجاهدون أو بالنداء للصلاة وهم المؤذنون فانهم يدعون الى التوحيد والعبادة والصلاة ويعملون ذلك وقد قيل العمل الصالح هنا صلاة ركعتين بين الأَذان والاقامة وغلب الآذان وان الدعاء بينهما لا يرد والعمل اما من القلب وهو المعرفة أو من الجوارح ومنها اللسان

اطفيش

تفسير : {ومَنْ أحْسنُ قولاً} استفهام انكار أى لا أحسن قولا {ممَّن دَعا} بلسانه أو كتابه أو نحو ذلك {إلى الله} الى دينه من التوحيد والعبادة، كرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، وهكذا والمؤذنين والمقيمين عند ارادة الصلاة، ولا يعترض بأن الأذان فى المدينة، والسورة مكية، لأن معنى الآية ممن دعا فى أى زمان وفى أى مكان، ولا نحتاج الى التأويل بتأخير الحكم عن النزول ألا ترى أن الآية شملت ما نحن الآن عليه، لأنه تعالى لم يخص الدعاء الى الله بشىء مخصوص، فيعترض بأنه لم يوجد حين النزول، وقيل: الدعاء الى الله شامل للقتال فى سبيل الله عز وجل، ولاخراج الحقوق بالضرب أو بالحبس ونحو ذلك، ولو باظهار طاعة ليقتدى بها، وكل دعاء الى الله داخل فى العبادة بالقول أو بالفعل، كالجهاد والحدود، أو بالقلب كالدعاء فيه بالهداية، أو بالايمان، ودعوة الأنبياء بالدلائل والمعجزات والسيف، ودعوة العلماء بالحجة، وهم علماء بالله وعلماء بصفاته، وعلماء بأحكامه، ودعوة المجاهدين بالسيف، ودعوة المؤذنين دعاء الى الصلاة والعبادة. {وعَمِل صالحا} عملا صالحا من أداء الفرائض، أو مع النفل كالصلاة بين الأذان والاقامة، وترك المعاصى اذا دعت النفس أو غيرها اليها، وهو داخل فى أداء الفرائض، وذلك على العموم عمل القلب والجراحة واللسان، وقيل: ركعتان بني الأذان والاقامة، ولا يتبادر هذا المخصوص، ولعله تمثيل، وفى الصحيحين، عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : بين كل أذانين صلاة" تفسير : قاله ثلاثا، وقال ذلك لمن شاء، يعنى ليس فرضا، وروى أبو داود والترمذى، عن أنس: " حديث : الدعاء بين الأذان والاقامة لا يرد" تفسير : والمراد بالأذانين فى الحديث: الأذان والاقامة {وقال إنِّي مِن المسْلِمين} يقوله بلسانه فرحا به، وافتخارا على المشركين، وشهرة له، أو ذلك قول اعتقاد، يقال هذا قول فلان، أى معتقده ومذهبه، والآية تشير الى أن الداعى الى أمر من أمور الدين يكون عاملا به، ليكون أقرب الى القبول عنه، وكون الانسان فاعلا لمعصية لا يسقط عنه فرض النهى عنها، وكونه تاركا للفرض لا يسقط عنه فرض الأمر به. ودلت الآية على أنه يجوز أن يقول الانسان: أنا مسلم أو مؤمن، أو من المسلمين أو من المؤمنين بحسب ما رأى من نفسه فى الحال، ولو لم يقل ان شاء الله، وان أراد عند الله أو أنه سعيد فليقل أن شاء الله.

الالوسي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } أي إلى توحيده تعالى وطاعته والظاهر العموم في كل داع إلى تعالى، وإلى ذلك ذهب الحسن ومقاتل وجماعة، وقيل: بالخصوص فقال ابن عباس: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه أيضاً هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقالت عائشة وقيس بن أبـي حازم وعكرمة ومجاهد: نزلت في المؤذنين، وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم داخلون في الآية وإلا فالسورة بكمالها مكية بلا خلاف ولم يكن الأذان بمكة إنما شرع بالمدينة، والتزام القول بتأخر حكمها عن نزولها كما ترى. والظاهر أن المراد الدعاء باللسان، قيل: به وباليد كأن يدعو إلى الإسلام ويجاهد، ((وقال زيد بن علي: دعا إلى الله بالسيف، ولعل هذا والله تعالى أعلم هو الذي حمله على الخروج بالسيف على بعض الظلمة من ملوك بني أمية، وكان زيد هذا رضي الله تعالى عنه عالماً بكتاب الله تعالى وله «تفسير» ألقاه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب حظ وافر. ويقال: إنه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد الباقر اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم رحمهما الله تعالى ورضي عنهما))، والاستفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله. {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } أي عملاً صالحاً أي عمل صالح كان. وقال أبو أمامة: صلى بين الأذان والإقامة، ولا يخفى ما فيه، وقال عكرمة: صلى وصام، وقال الكلبـي: أدى الفرائض والحق العموم {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي تلفظ بذلك ابتهاجاً بأنه منهم وتفاخراً به مع قصد الثواب إذ هو لا ينافيه أو جعل واتخذ الإسلام ديناً له من قولهم: هذا قول فلان أي مذهبه ومعتقده، وبعضهم يرجع الوجهين إلى وجه واحد، والمعنى على القول بكون الآية خاصة بالنبـي صلى الله عليه وسلم / اختار النسبة إلى الإسلام دون عز الدنيا وشرفها وهو قولهم رد {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [فصلت: 26] وتعجيب منه. وقرأ ابن أبـي عبلة وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال {وَقَالَ إِني } بنون مشددة دون نون الوقاية. واستدل أبو بكر بن العربـي بالآية على عدم اشتراط الاستثناء في قول القائل: أنا مسلم أو أنا مؤمن. وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يكون عاملاً عملاً صالحاً ليكون الناس إلى قبول دعائه أقرب وإليه أسكن.

ابن عاشور

تفسير : ليس هذا من حكاية خطاب الملائكة للمؤمنين في الآخرة وإنما هو موجه من الله فالأظهر أنه تكملة للثناء على { أية : الذين قالوا: ربنا الله } تفسير : [فصلت: 30]، واستقاموا، وتوجيه لاستحقاقهم تلك المعاملة الشريفة، وقمع للمشركين إذ تقرع أسماعَهم، أي كيف لا يكونون بتلك المثابة وقد قالوا أحسن القول وعملوا أحسن العمل. وذكر هذا الثناء عليهم بحسن قولهم عقب ذكر مذمة المشركين ووعيدُهم على سوء قولهم: { أية : لا تسمعوا لهذا القرآن } تفسير : [فصلت: 26]، مشعر لا محالة بأن بين الفريقين بوناً بعيداً، طَرَفَاه: الأحسنُ المصرحُ به، والأسوأُ المفهوم بالمقابلة، أي فلا يستوي الذين قالوا أحسنَ القول وعملوا أصلح العمل مع الذين قالوا أسوأ القول وعملوا أسوأَ العمل، ولهذا عقب بقوله: { أية : وَلا تَسْتَوي الحَسَنة ولاَ السَّيِئَة } تفسير : [فصلت: 34]. والواو إما عاطفة على جملة { أية : إنَّ الذين قالوا ربُّنا الله } تفسير : [فصلت: 30]، أو حاليَّة من {الذينَ قالُوا}. والمعنى: أنهم نالوا ذلك إذْ لا أحسن منهم قولاً وعملاً. و{مَنْ} استفهام مستعمل في النفي، أي لا أحد أحسن قولاً من هذا الفريق كقوله: { أية : ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للَّه } تفسير : الآية في سورة النساء (125). و{ممن دعا إلى اللَّه}: كل أحد ثبت له مضمون هذه الصلة. والدعاء إلى شيء: أمر غيرك بالإقبال على شيء، ومنه قولهم: الدعوة العباسية والدعوة العَلوية، وتسمية الواعظ عند بني عبيد بالداعي لأنه يدعو إلى التشيُّع لآل علي بن أبي طالب. فالدعاء إلى الله: تمثيل لحال الآمِرِ بإفراد الله بالعبادة ونبذ الشرك بحال من يدعو أحداً بالإِقبال إلى شخص، وهذا حال المؤمنين حين أعلنوا التوحيد وهو ما وُصفوا به آنفاً في قوله: { أية : إنَّ الَّذِين قالوا ربُّنا } تفسير : [فصلت: 30] كما علمتَ وقد كان المؤمنون يدعون المشركين إلى توحيد الله، وسيّدُ الداعين إلى الله هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {مِمَّن دعا إلى الله} (مِنْ) فيه تفضيلية لاسْم {أَحْسَنُ}، والكلام على حذف مضاف تقديره: من قول من دعا إلى الله. وهذا الحذف كالذي في قول النابغة: شعر : وقد خِفت حتى ما تَزيد مخافتي على وَعِلٍ في ذي المَطارة عاقل تفسير : أي لا تزيد مخافتي على مخافة وعل، ومنه قوله تعالى: { أية : ولكن البر من آمن باللَّه } تفسير : الآية في سورة البقرة (177). والعمل الصالح: هو العمل الذي يصلُح عامِلُه في دينه ودنياه صلاحاً لا يشوبه فساد، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين، فالعمل الصالح: هو ما وصف به المؤمنون آنفاً في قوله: { أية : ثمَّ استَقٰمُوا } تفسير : [فصلت: 30]. وأما {وَقَالَ إنَّني مِنَ المُسْلِمِينَ} فهو ثناء على المسلمين بأنهم افتخروا بالإسلام واعتزوا به بين المشركين ولم يتستروا بالإسلام. والاعتزاز بالدين عمل صالح ولكنه خص بالذكر لأنه أريد به غيظ الكافرين. ومثال هذا ما وقع يوم أحد حين صَاح أبو سفيان: اعْلُ هُبَلْ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: « حديث : الله أعلى وأجلّ » تفسير : فقال أبو سفيان: لنا العُزى ولا عُزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم »تفسير : . وإنما لم يذكر نظير هذا القول في الصلة المشيرة إلى سبب تنزّل الملائكة على المؤمنين بالكرامة وهي { أية : الذِينَ قَالُوا رَبُّنا الله ثُمَّ استَقٰمُوا } تفسير : [فصلت: 30] لأن المقصود من ذكرها هنا الثناء عليهم بتفاخرهم على المشركين بعزة الإِسلام، وذلك من آثار تلك الصلة فلا حاجة إلى ذكره هنالك بخلاف موقعه هنا. وفي هذه الآية منزع عظيم لفضيلة علماء الدين الذين بينوا السنن ووضحوا أحكام الشريعة واجتهدوا في التوصل إلى مراد الله تعالى من دينه ومن خَلْقه. وفيها أيضاً منزع لطيف لتأييد قول الماتريدي وطائفة من علماء القيروان وعلى رأسهم مُحمد بن سُحنون: أن المسلم يقول: أَنا مؤمن ولا يقول إن شاء الله خلافاً لقول الأشعري وطائفة من علماء القيروان وعلى رأسهم محمد بن عَبدوس فنُقل أنه كان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وقد تطاير شرر هذا الخلاف بين علماء القيروان مدة قرن. والحق إنه خلاف لفظي كما بينه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ونقله عياض في «المدارك» ووافقه. وذكرنا المسألة مفصلة عند قوله تعالى: {أية : وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللَّه ربنا } تفسير : في سورة الأعراف (89) وبذلك فلا حجة في هذه الآية لأحد الفريقين وإنما الحجة في آية سورة الأعراف على الماتريدي ومحمد بن سحنون. والقول في قوله: {وقَالَ إنَّني مِنَ المُسْلِمين} كالقول في { أية : إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنا الله } تفسير : [فصلت: 30].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله: أي لا أحد أحسن قولا منه أي ممن دعا إلى توحيد الله وطاعته. وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين: وعمل صالحاً وهي شرط أيضاً وقال إنني من المسلمين شرط ثالث. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة : أي لا تكون الحسنة كالسيئة ولا السيئة كالحسنة. ادفع بالتي هي أحسن: أي ادفع أيها المؤمن السيئة بالخصلة التي هي أحسن كالغضب بالرضى، والقطيعة بالصلة. كأنه ولي حميم: أي كأنه صديق قريب في محبته لك إذا فعلت ذلك. وما يلقاها إلا الذين صبروا: أي وما يعطي هذه الخصلة التي هي أحسن. إلا ذو حظ عظيم: أي ثواب عظيم وأجر جزيل هذا في الآخرة وأما في الدنيا فالخلق الحسن والكمال. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ: أي وإن يوسوس لك الشيطان بترك خير أو فعل شر. فاستعذ بالله: أي فاستجر بالله قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه هو السميع العليم: أي هو تعالى السميع لأقوال عباده العليم بما يصيبهم وينزل بهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى بشرى أهل الإِيمان وصالح الأعمال ذكر هنا بشرى ثانية لهم أيضا فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} هذه ثلاثة شروط الأول دعوته إلى الله تعالى بأن يعبد فيطاع ولا يعص ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر والثاني وعمل صالحاً فأدى الفرائض واجتنب المحارم، والثالث وفاخر بالإِسلام معتزاً به وقال إنني من المسلمين، فلا أحد أحسن قولا من هذا الذي ذكرت شروط كما له، ويدخل في هذا أولا الرسل، وثانيا العلماء، وثالثا المجاهدون ورابعاً المؤذنون وخامسا الدعاة الهداة المهديون هذا ما دلت عليه الآية الأولى [33]. وقوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} هذا تقرير إلهي يجب أن يعلم وهو أن الحسنة لا تستوي مع السيئة وأن السيئة لا تستوي مع الحسنة فالإِيمان لا يساوى بالكفر، والتقوى لا تساوى بالفجور، والعدل لا يساوى بالظلم. كما أن جنس الحسنات لا يتساوى، وجنس السيئآت لا يتساوى بل يتفاضل فصيام رمضان لا يساوي صيام رجب أو محرم تطوعاً، وسيئة قتل المؤمن لا تستوي مع شتمه أو ضربه وقوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بعد أن عرفت يا رسولنا عدم تساوي الحسنة مع السيئة إذا فادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن من غيرها فإذا الذي بينك وبينه عداوة قد انقلب في بره بك واحترامه لك واحتفائه بك كأنه ابن عم لك يحبك ويحترمك ولما كانت هذه الخصلة وهي الدفع بالتي هي أحسن لا تتأتى إلا لذوي الأخلاق الفاضلة والنفوس الكاملة الشريفة قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا} أي وما يعطي هذه الخصلة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} فكان الصبر خلقاً من أخلاقهم {وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} في الأخلاق والكمال النفسي، في الدنيا، والأجر العظيم وهو الجنة في الآخرة. وقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يرشد الرب تعالى عبده ورسوله وكل فرد من أفراد أمته إن نزغه من الشيطان نزغ بأن وسوس له بفعل شر أو ترك خير، أو خطر له خاطر سوء أن يفزع إلى الله تعالى يستجير به فإن الله تعالى هو السميع العليم فالاستجارة به من الشيطان تَحْمِي العبد وتقيه من وسواس الشيطان وما يلقيه في النفس من خواطر سيئة، ولله الحمد والمنة على هذه الارشاد الرباني الذي لا يستغنى عنه أحد من عباده. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل الدعوة إلى الله تعالى وشرف الدعاة العاملين. 2- فضل الإِسلام والاعتزاز به والتفاخر الصادق به. 3- تقرير أن الحسنة لا تتساوى مع السيئة. كما أن الحسنات تتفاوت والسيئآت تتفاوت. 4- وجوب دفع السيئة من الأخ المسلم بالحسنة من القول والفعل. 5- فضل العبد الذي يكمل في نفسه وخلقه فيصبح يدفع السيئة بالحسنة. 6- وجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إذا وسوس أو ألقى بخاطر سوء إذ لا يقي منه ولا يحفظ إلا الله السميع العليم.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحاً} (33) - وَلاَ أَحَدَ أَحْسَنُ قَولاً. مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ ثَلاَثِ خِصَالٍ: - دَعَا إِلَى اللهِ، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَالعَمَلِ بِطَاعَتِهِ. - وَعَمِلَ صَالِحاً، وَاجْتَنَبَ المُحَرّمَاتِ. - وَأَنْ يَتَّخِذَ دِينَ الإِسْلاَمِ دِيناً لَهُ وَيُخْلِصَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ. وَقَالَ إِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ - أَيْ جَعَلَ الإِسْلاَمَ دِينَهُ وَمُعْتَقَدَهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} إلى طاعة الله. {وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال ابن سيرين والسدي وابن زيد: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل: هو جميع الأئمّة والدعاة إلى الله تعالى، وقال عكرمة: هو المؤذن. قال أبو أُمامة الباهلي: {وَعَمِلَ صَالِحاً} يعني صلّى ركعتين بين الآذان والإقامة. أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا حاجب بن أحمد بن يرحم بن سفيان، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصاني عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة خ قالت: إنّي لأرى هذه الآية نزلت {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ}.. الآية في المؤذنين. وروى جرير بن عبد الحميد عن فضيل بن رفيدة، قال: كنت مؤذناً في زمن أصحاب عبد الله، فقال ليّ عاصم بن هبيرة: إذا أذّنت وفرغت من آذانك، فقل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله، وأنا من المسلمين، ثمّ أقرأ هذه الآية: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} قال الفراء: {وَلاَ} هاهنا صلة معناه ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، وأنشده: شعر : ما كان يرضي رسول الله فعلهما والطيبان أبو بكر وعمر تفسير : أي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} قريبٌ صديق، قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصار له وليًّا، بعد أن كان عدواً. نظيره قوله تعالى: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}تفسير : [الممتحنة: 7]، قال ابن عباس: أمر الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل،والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنّه وليّ حميم. {وَمَا يُلَقَّاهَا} يعني هذه الخصلة والفعلة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} في الخير والثواب، وقيل: ذو حظ. {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لإستعاذتك وأقوالك. {ٱلْعَلِيمُ} بأفعالك وأحوالك. {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} إنما قال خلقهنّ بالتأنيث لإنّه أجرى على طريق جمع التكسير، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث؛ لأنّه فيما لا يعقل. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} عن السجود. {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة. {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ}. لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً} يابسة دارسة لا نبات فيها. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} أي يميلون عن الحقّ في أدلتنا. قال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه، وقال مجاهد: {يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قتادة: يعني يكذبون في آياتنا. السدي: يعاندون ويشاققون. ابن زيد: يشركون ويكذبون. قال مقاتل: نزلت في أبي جهل لعنه الله. {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} أبو جهل. {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أمر وعيد وتهديد {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} عالم فيجاز بكم به. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ} بالقرآن. {لَمَّا جَآءَهُمْ} حين جاءهم. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} كريم على الله عن ابن عباس، وقال مقاتل: منيع من الشّيطان والباطل. السدي: غير مخلوق. {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} قال قتادة والسدي: يعني الشيطان. {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}. فلا يستطيع أن يُغيّر أو يُزيد أو يُنقص، وقال سعيد بن جبير: يعني لا يأتيه النكير من بين يديه ولا من خلفه، وقيل: لا يأتيه ما يبطله أو يكذّبه من الكتب المتقدّمة، بل هو موافق لها مصدّق ولا يجي بعده كتاب يبطله وينسخه، بل هو موافق لها مصدق. عن الكلبي. {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَّا يُقَالُ لَكَ} من الأذى. {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} لمن تاب. {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لمن أصر. {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} بغير لغة العرب. {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ} بيّنت. {آيَاتُهُ} بلغتنا حتّى نفقهها، فإِنّا قومٌ عربٌ، ما لنا وللأعجمية. {ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} يعني أكتاب أعجميّ ونبي عربي. قال مقاتل: وذلك إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار غلام ابن الحضرمي وكان يهودياً أعجميّاً ويكنى (أبا فكيهة)، فقال المشركون: إنّما يعلّمه يسار، فأخذه سيده عامر بن الحضرمي، وضربه، وقال: إنّك تعلم محمداً. فقال يسار: هو يعلمني. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ الحسن: أعجمي بهمزة واحدة على الخبر، وكذلك رواه هشام عن أهل الشام. ووجهه ما روى جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميًّا وعربيًّا حتّى تكون بعض آياته أعجميًّا وبعضها عربيًّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل في القرآن بكلّ لسان، فمنه السجيل، وهي فارسية عربت سنك وكل، والقراءة الصحيحة قراءة العامة بالإستفهام على التأويل الأول. {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} أخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن سلام، حدثنا حجاج بن أيوب، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سلمان بن قتيبة، عن ابن عباس ومعاوية وعمرو ابن العاص، إنّهم كانوا يقرأون هذه الحروف بكسر الميم {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}، وقرأه الباقين بفتح الميم على المصدر، وإختاره أبو عبيد، قال: لقوله: {هُدًى وَشِفَآءٌ} فكذلك {عَمًى} مصدر مثلها، ولو إنّها هاد وشاف لكان الكسر في عمىً أجود ليكون نعتاً مثلهما. {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} قال بعض أهل المعاني: قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} خبر لقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ}، وحديث عن محمد بن جرير، قال: حدثني شيخ من أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ}، أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} فقال عيسى بن عمر: أجدت ياأبا عثمان. وقوله تعالى: {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} مثل لقلت إستماعهم وإنتفاعهم بما يوعظون به، كأنهم ينادون إلى الإيمان وبالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} فمؤمن به وكافر، ومصدّق ومكذّب. كما أختلف قومك في كتابك. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في تأخير العذاب. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} من عذابهم وعجل إهلاكهم. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} فإنّه لا يعلمه غيره، وذلك إنّ المشركين، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لئن كنت نبياً، فأخبرنا عن الساعة متى قيامها؟، ولئن كنت لا تعلم ذلك فإنّك لست بنبيّ. فانزل الله تعالى هذه الآية. {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ} من صلة ثمرات، بالجمع أهل المدينة والشام، غيرهم ثمرة على واحدة. {مِّنْ أَكْمَامِهَا} أوعيتها، واحدتها كمة، وهي كلّ ظرف لمال أو وغيره، وكذلك سمّي قشرة الكفري، أي الذي ينشق عن الثمرة كمه. قال ابن عباس: يعني الكفري قبل أن ينشق، فإذا أنشقت فليست بأكمام. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} يقول إليه يردّ علم السّاعة كما يردّ إليه علم الثمار والنتاج. {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} يعني ينادي الله تعالى المشركين. {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الّذين تزعمون في الدّنيا إنّها آلهة. {قَالُوۤاْ} يعني المشركين، وقيل: الأصنام، يحتمل أن يكون القول راجعاً إلى العابدين وإلى المعبودين أيضاً {آذَنَّاكَ} أعلمناك وقيل: أسمعناك. {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} شاهد إنّ لك شريك لما عاينوا القيامة تبرؤا من الأصنام، وتبرأ الأصنام منهم {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} في الدنيا. {وَظَنُّواْ} أيقنوا. {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} مهرب، و {مَا} هاهنا حرف وليس باسم، فلذلك لم يعمل فيه الظنّ، وجعل الفعل ملقى. {لاَّ يَسْأَمُ} يمل. {ٱلإِنْسَانُ} يعني الكافر. {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} أي من دعائه بالخير ومسألته ربّه، ودليل هذا التأويل، قراءة عبد الله {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ} من دعائه بالخير، أي بالصحّة والمال. {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ} من روح الله. {قَنُوطٌ} من رحمته. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً} عافية ونعمة. {مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} شدة وبلاء أصابته. {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي} أي بعملي، وأنا محقوق بهذا. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا عبد الله بن ثابت، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا أحمد بن بشر، عن أبي شرمة، عن الحسن بن محمد بن علي أبي طالب، قال: الكافر في أمنيتين، أما في الدّنيا، فيقول: لئن رجعت إلى ربّي إنّ لي عنده للحسنى، وأما في الآخرة، فيقول ياليتني كنت تراباً. {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } شديد. {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض كلاهما في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام والدعاء، وأعرض إذا أكثر. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ} القرآن. {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} قال ابن عباس: يعني منازل الأمم الخالية. {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} بالبلاء والأمراض، وقال المنهال والسدي: في الآفاق يعني ما يفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم من الآفاق، وفي أنفسهم: مكّة، وقال قتادة: في الآفاق يعني وقائع الله تعالى في الأمم، وفي أنفسهم، يوم بدر. عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار الأرض والسّماء من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار والبحار والأمطار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وسبيل الغائط والبول، حتّى إنّ الرجل ليأكل ويشرب من مكان واحد،ويخرج ما يأكل ويشرب من مكانين. {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} يعني إنّ ما نريهم ونفعل من ذلك هو الحقّ، وقيل: إنّه يعني الإسلام، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: القرآن {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ تكلم الحق سبحانه عن الكمال الذاتي للمؤمن الذي استكمل الإيمان وأعلنها: ربي الله، ثم استقام على طريقة، يقول بعد أن استقبل المؤمنُ الإيمانَ وباشرتْ حلاوتُه قلبه يفيض هذا الإيمان منه إلى غيره، وهذه مهمة من مهمات المؤمن أنْ ينقلَ الإيمان، وأنْ ينقلَ الخير إلى الغير. المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على إصلاح المجتمع من حوله، المؤمن لا يقف عند ذاته، ولا يكون أبداً أنانياً. والحق سبحانه يمدح منزلة الدعوة إلى الله، ويجعلها أحسن ما يقول الإنسان: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} [فصلت: 33] فأشرف الأعمال للذي تشبَّع قلبه بالإيمان أنْ يعدى هذا الإيمان إلى غيره، وأن ينقل له الصورة الإيمانية، فالمؤمن يصنع الخير لنفسه وللناس؛ ذلك لأن خير الناس عائد إليه أيضاً، كما أن شرَّهم لا بدَّ أنْ يناله وأنْ يصيبه من نصيب. إذن: من مصلحتك أيها المؤمن أنْ يؤمن الناسُ، ومن مصلحتك أيها المستقيم على الجادة أنْ يستقيم الناسُ لذلك حمَّل اللهُ أمانة الدعوة إليه لكل مؤمن، لأنه سبحانه يريد أنْ يُعدَّى الإيمان ممَّنْ ذاقه إلى مَنْ لم يَذُقْه لتتسعَ رقعة الإيمان، ويعمّ الخير الجميع. وأول عناصر الدعوة إلى الله أنْ ندعوَ إلى العقيدة أولاً وإلى الإيمان بالله، أن نقول: ربنا الله، نُقِرُّ بِها ونعلنها خالصةً بلا تردد، ثم نلفتهم إلى آيات الله في الكون، إلى الآيات الكونية إنْ كانوا لا يتأملونها، وإلى آيات المعجزات المصاحبة للرسل إنْ كانوا لا يعلمونها، ثم إلى آيات الذكر الحكيم التي تحمل منهج الله بافعل ولا تفعل. وتأمل قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} [فصلت: 33] الحق سبحانه أراد أنْ يُبيِّن لنا منزلة الدعوة إلى الله وفضل الداعية، لكن لم يأتِ بذلك في أسلوب خبري يُقرر هذه المنزلة إنما جاء بهذا السؤال {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} [فصلت: 33] استفهام غرضه النفي، يعني: لا أحدَ أحسنُ من هذا الذي يدعو إلى الله، ولا قَوْلَ أحسن من قوله. قالها الحق سبحانه في صورة سؤال لأنه سبحانه يعلم أنه لا جوابَ لها إلا أنْ نقول: لا أحدَ أحسنُ قوْلاً ممَّنْ دعا إلى الله، فجعلنا نحن نعلن هذه الحقيقة ونُقِرُّ بِها، والإقرار كما يقولون سيد الأدلة. وأول داعية إلى الله هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل داعية من بعده يأخذ من معينه صلى الله عليه وسلم ويسير على خُطاه، ولما كان صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء فقد ترك لأمته هذه الرسالة، رسالة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فخيْر رسول الله لم ينقطع، بل ممتد في أمته من بعده، وكلُّ داعية بعده إنما يأخذ مقاماً من مقامه صلى الله عليه وسلم. ومن رحمة الله بهذه الأمة أنْ جعل لها رادعاً من نفسها، جعل فيها فئةٌ باقية على الحق تُقوِّم المعْوج، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسوف تظل هذه الفئة إلى يوم القيامة، لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ". تفسير : لذلك قال سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 110]. وهذه خاصية اختصَّ الله بها أمة محمد لأنه خاتمُ الرسل؛ لذلك لن يعم الشرَّ هذه الأمة، ولن يطمَّ فيها الفساد، ففيها حصانة من ذاتها. لقد كانت الأمم السابقة يستشري فيها الفساد حتى يعمَّها، فلا يكون فيها آمر بمعروف ولا ناهٍ عن منكر، وعندها كان لا بدَّ من إرسال رسولٍ جديد، يعيد الناس إلى الطريق المستقيم. أما أمة محمد فلن يأتي فيها رسول جديد، لذلك جعل الله فيها هذه الحصانة، وجعلها خليفة لرسول الله في الدعوة إلى الله، وجعلها أمينة على هذه الدعوة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخيرُ فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : وقد بيَّن الله تعالى أن الرسول سيشهد أنه بلَّغ أمته هذه الدعوة، وهذه الأمة ستشهد أنها بلَّغت دعوة رسولها إلى كلِّ الأمم، قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. فشهادتنا على الأمم دليلٌ على أن الخير بَاقٍ فينا ولن ينقطع أبداً. وقد حثَّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ورغَّبنا فيها حين قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغ أوْعَى من سامع ". تفسير : والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا يُنفِّر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله. الدعوة إلى الله فَنٌّ، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ..} تفسير : [آل عمران: 159]. أين دعاتنا من قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125]. لا بدَّ أنْ نعلم أنَّ الدعوة إلى الله ليستْ مهمة علماء الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كُلٌّ في مجال عمله يستطيع أنْ يكون داعيةً، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه وإخلاصه. لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحدِّ السيف، وما انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلَّوْا به من تسامح وحُبٍّ للآخرين، ولنا فيهم قدوة. الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحبَّ للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يُكلِّفنا بالخير لا يترك أحداً ولا يحرم أحداً أنْ يكونَ له نصيبٌ من هذا الخير، ومن ذلك الآن نجد مثلاً المشكلة الاقتصادية والحرب على الاقتصاد وعلى الرغيف وعلى المياه، كيف تُحلُّ هذه المشكلات في المنظور الإسلامي؟ الحق سبحانه وتعالى دائماً يُحنِّن الواجد على المعدم، وبعد أنْ فرض الزكاة في مال الأغنياء للفقراء ترك الباب مفتوحاً لأريحية الغني وحبه للعطاء، فجعل الصدقة نفلا وزيادة لمن ذاقَ حلاوة التكليف. لذلك قال تعالى مرة: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [المعارج: 24-25] والمراد بالحق المعلوم الزكاة المفروضة، وقال في الذاريات: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19] هكذا بإطلاق الكلمة، والمراد الزيادة على الزكاة المفروضة، وهذه نوافل مَنْ فعلها أخذ ثوابها، ومَنْ تركها فلا شيء عليه. قال تعالى في سورة الذاريات وهو يُبيِّن لنا سبحانه منزلة الإحسان: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16] ولم يقل مؤمنين، فما هي درجة الإحسان؟ قالوا: المحسن هو الذي يلزم نفسه بأمر لم يُفرض عليه لكن من جنس ما فرض الله عليه، إذن: فدرجة الإحسان أعلى من درجة الإيمان، فالفرض في الصلاة خمس صلوات، المحسن يُؤديها ويزيد عليها، وإن كان مقدار الزكاة الواجبة في المال 2.5% يخرجها 5% وهكذا في كل أبواب الخير. وفي آيات سورة الذاريات تفصيلٌ لهذه الزيادة التي يتطوع بها أهل الإحسان. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} تفسير : [الذاريات: 15-17] وهل فرض الله عليك قيام الليل حتى أنك لا تهجع منه إلا قليلاً؟ لا بل لك أنْ تصلي العشاء وتنام حتى الفجر. أما المحسن فله مع الليل شأنٌ آخر، إنه ذاقَ حلاوة السهر لله والقيام لله، وشعر بالفيوضات تتنزَّل عليه، ورحمة الله تغشاه، فعشق العبادةَ ووجد فيها لذته وراحته، كذلك {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 18-19] ولم يقل هنا حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة، أما الحق المطلق هنا فيراد به الصدقة وهي متروكة لاختلاف حب الناس ودرجاتهم وأريحيتهم في العطاء. وإذا أحبَّ المؤمنُ الطاعة آثرها على أي شيء آخر، لذلك لو أجريتَ إحصاء للحجاج لوجدتَ أن العوَّادين ثلاثة أضعاف البادئين، وما ذلك إلا لعشق الناس لهذه الفريضة. لذلك جعل الله في العباد استطراقاً إحسانياً، كلٌّ حسب مرتبته فيه، والقرآن الكريم يعطينا صورة للمؤمن المحبِّ للبذل مع أنه لا يجد شيئاً، قال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 91-92]. تبين هذه الآيات أن الله تعالى أشاع الخير بين كل الناس، فالواجد عليه أنْ يعطي، وغير الواجد يكفيه أنْ ينصح الواجد وأنْ يحثه على العطاء، فإذا لم يستطع لا هذا ولا ذاك يكفيه أنْ يكون محباً في نفسه للعطاء يشتاق إليه، بل ويبكي أنْ فاتته الفرصة. وهؤلاء صدقتهم هذا الشوق وهذا البكاء. وهكذا لم يحرم الخالق سبحانه أحداً من خيره، ولم يغلق الباب في وجه أحد. هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان منَّا قد يكون عاصياً لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أنْ يكون داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألاَّ تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعلَّ الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جَبْر لما فيك من نقص. يُحكَى أن رجلاً كان يطوف بالبيت، فسمع آخرَ يقول: اللهم إنك تعلم أنّي عاصيك ولكنِّي أحب مَنْ يطيعك، فاجعل اللهم حُبِّي لمن أطاعك شافعاً في معصيتي. قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يُحرَم أجره، فكل مَنْ أشاع خيراً له (عمولة) عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أنْ يصيبه فضل الله الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلةِ خيرٍ لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة للخير في ذاتها دعوة إلى الله. وقوله: {وَعَمِلَ صَالِحاً ..} [فصلت: 33] يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائماً ما يقرن القرآن بين القول والعمل، وعرفنا أن قدوةَ الفعل أعظمُ أثراً في النفوس من قدوة الكلام، وليس من الصواب أنْ تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 44]. ويقول سبحانه في سورة العصر: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. والتواصي تفاعل بين الناس، بحيث يوصي كلٌّ منهم الآخر، فالطائع يوصي العاصي، وكلُّ واحد منا مُوصٍ في موقف، ومُوصَىً في موقف آخر، لأن الانفعال النفسي بطاعة أو بمعصية لا يدوم، فساعة تنفعل نفسُك للطاعة أَوْصِ مَنْ يعصي، وساعة تنفعل نفسك للمعصية ستجد مَنْ يوصيك وهكذا، لأن النفس ليس لها سيال دائم، وكلٌّ منا يَجْبر ما عند صاحبه، هذا معنى (وتواصوا) أي: فيما بينكم {أية : بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. الحق سبحانه يقسم (والعصر) يعني: والزمن المعدود، يقسم على ماذا؟ {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 2] يعني: جنس الإنسان كُلُّه في خُسْر وضياع وضلال لا يستثنى من ذلك {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. كأن الحق سبحانه يقول لنا: استقرئوا الزمن وتأملوا التاريخ، انظروا إلى الحضارات الغابرة من قديم الزمان، أين هي؟ ماذا بقي منها؟ حضارة الفراعنة في مصر وما وصلتْ إليه من تقدم في علوم لم نتوصَّل إلى أسرارها حتى الآن مع أننا في عصر التقدم العلمي، حتى الأمريكان عجزوا أن يصلوا إلى أسرارها. ومع ذلك بادتْ وذهبتْ كلُّ هذه العلوم، لأن أصحابها لم يجعلوا لها صيانة تحميها وتضمن لها البقاء، وكان طغيانُ القوم سببَ هلاكهم {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 10-14]. بل هناك حضارات أعظم من حضارة الفراعنة، لكنها مطمورة تحت التراب لا نعرف عنها شيئاً، حتى القرآن لما أخبر عنها أعطانا صورة مجملة عبرتْ عن هذه العظمة {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 6-8]. نعم هذه حضارات كانت في يوم من الأيام مِلءَ السمع والبصر، لكنها لم تملك أسباب البقاء مع هذا التقدم الذي عاشت فيه، ويكفي أن الله قال عنها {أية : لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 8]، فكيف كانت إذن؟ وصدق شوقي حين قال: شعر : وَالعِلْمُ إنْ لَمْ تكْتنِفْهُ شَمَائِلُ تُعليهِ كَانَ مَطيَّةَ الإخْفَاقِ تفسير : إذن: العمل حين تأخذه من الباقي يبقى، وحين تأخذه من الفاني يفنى. والذي يبقى هو القِيَم، فكما أخذنا عطاء الله في المادة ينبغي أن نأخذ عطاءه في القيم، فهي الصيانة التي ستُبقِي الأعمال وتجعلها خالدة وتجعل لها معنى وقيمة. وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] هذا إعلانٌ يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حَدِّ ذاتها دعوةٌ إلى الله ونشرٌ لدين الله وإعلاءٌ لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك. فإنْ أنجزتَ عملاً تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دينَ الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثِقْ أنه رافعك معه. إذن: فمن صفات المؤمن أنْ ينسبَ خيره وصلاحه لدينه وإسلامه. لذلك نقف كثيراً عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} تفسير : [القصص: 78] فردَّ الله عليه: ما دمتَ أوُتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [القصص: 81] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك. وتذكَّر الحديث الشريف: "حديث : ومَنْ كانت الآخرة همَّه جمع اللهُ عليه شمله، وجعل غِنَاه في قلبه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة ". تفسير : لذلك أتعجَّب حينما أسمع أسماء رنَّانة لِنَوادٍ وجمعيات خيرية يقوم عليها الأعيان ووجهاء القوم وسيدات المجتمع، صحيح نراهم يُقدمون المساعدات ويفعلون الكثير من الخير ووجوه البر، لكن حين تسألهم عن المنطلق الذي يعملون من خلاله تسمع مصطلحات أخرى مثل (الماسونية). ولما عرفوا أن أصلها يهودي قالوا (الروتاري)، أنا أفعل هذا لأني روتاري، سبحان الله قل: لأنني مسلم، لأن إسلامي أمرني بذلك، لماذا لا ترفع نفسك بِرفعة دينك، ولماذا تُفوِّت على نفسك ثواب هذا الخير في الآخرة. قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظَّ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممَّنْ عمل له. لذلك ما سُئلْنَا عن علماء خدموا البشرية باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب في الآخرة؟ نقول: لا ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم صيتاً وسُمْعة وشهرة وتخليداً لذكراهم .. إلخ. أما الله فلم يكن أبداً على بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وفي موضع آخر قال: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئاً، فإذا ما ذهبتَ إليه لم تجده، وليْتَ أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..} تفسير : [النور: 39] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يُوقفه ويحاسبه: أنت فعلتَ: ليقال وقد قيل فلا أجرَ لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك. إذن: نقول: ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، تُعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإنْ قابلتْكَ بعضُ الصعاب فاصبر، لأن رسولك أُوذِي في سبيل دعوته فصبر. فالذي يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في الحياة ويصيبه سوءٌ يعلم أنه أخذ طرفاً من ميراث النبوة، فما من نبي إلا أوذي وكان له أعداء، فلا بدَّ لحَمَلة هذه المسئولية أنْ يكون لهم أعداء، وأنْ يُشتموا وأن تُكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى الله. يقول تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..} تفسير : [الأنعام: 112]. هذا يعني أن الداعية الذي يِسْلم من هذا الإيذاء ينقص حظُّه من ميراث النبوة، وحظه من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن: اصبر، وهل تابعُ محمد خيرٌ من محمد حتى يَسْلم من الأذى؟ فإذا لم يكُنْ لك أعداء في طريق الدعوة فاعلم أنك لستَ على الطريق الذي رسمه لك صاحبُ الدعوة، وعليك أنْ تراجع نفسك. الكلام هنا عن الدعوة إلى الله بحقٍّ وتجرُّد وإخلاص، وعن الكلمة تُقال في سبيل الله لا في سبيل جاه أو سلطان أو منصب من متاع الدنيا الزائل، الدعوة إلى الله لا تكون أبداً قنطرة. لذلك نقول: ما الذي يحمي الدعاة إلى الله الآن، وها نحن نقول بأعلى صوت ونكتب في كل وسائل الإعلام، والله هو الحامي، والحمد لله لم نُؤخذ ولم نُسْجن، ولم يتعرض لنا أحد، كثير من علماء الدين يعلنون كلمة الحق مجردة من الهوى والمصلحة، وساعة يعطي لهم الحاكم أذنه يُسمعونه من الكلام ما يرعشه، ومع ذلك نسمع عن اضطهاد رجال الدين. ونقول: إذا اضطهد رجل الدين فلا بُدَّ أنه استعمل وسائل محرمة في الدعوة إلى الله، كهؤلاء الذين يميلون إلى حَلِّ المشاكل بالقتل والدماء، أنت على خلاف مثلاً مع وزير من الوزراء تضربه بالنار؟ هل هذا هو الحل؟ وما ذنب الحراس الذين تُهدر دماؤهم وتُيتَّم أطفالهم؟ أنت صاحب كلمة، قُلْ ما شئتَ وأصلح بالكلمة الطيبة، أسمعهم ما يكرهون، وسبق أنْ قلنا لهم ما لم يستطع أحدٌ أن يقوله عندهم، لأن الشجاعة الإيمانية في الدعوة إلى الله ليستْ كلمة حَقٍّ تُقال على سلطان، إنما كلمة حق تقال عند سلطان جائر، نعم عنده في حضوره. وهذا تطبيق عملي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". تفسير : نحن لا نتاجر بالكلمة، إنما نواجه بها كل حاكم ظالم، نقول له: نحن لا نكرهك ولا نطمع فيما في يدك من الحكم، بل نحن نحبك ونريد أنْ نعينك على مهمتك، فقط نريد منك أنْ تحكمنا بالإسلام، أريد أنْ أُحْكَم بالإسلام، لا أن أُحكُمَ بالإسلام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة { مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ } بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها،والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومن الدعوة إلى الله، تحبيبه إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت جلاله. ومن الدعوة إلى الله، الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، بكل طريق موصل إليه، ومن ذلك، الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين. ومن ذلك، الوعظ لعموم الناس، في أوقات المواسم، والعوارض، والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك، مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر. ثم قال تعالى: { وَعَمِلَ صَالِحًا } أي: مع دعوته الخلق إلى الله، بادر هو بنفسه، إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح، الذي يُرْضِي ربه. { وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: المنقادين لأمره، السالكين في طريقه، وهذه المرتبة، تمامها للصديقين، الذين عملوا على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل، كما أن من أشر الناس، قولا من كان من دعاة الضالين السالكين لسبله. وبين هاتين المرتبتين المتباينتين، اللتين ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين، ونزلت الأخرى، إلى أسفل سافلين، مراتب، لا يعلمها إلا الله، وكلها معمورة بالخلق {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 2710- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قالَ: تَلا الحسن: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً}: [الآية : 33]، فقال: هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خِيرَةُ الله، هذا أحب أهْلِ الأرضِ إلى الله، أجابَ اللهَ في دعوته، ودَعَا الناسَ إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعَمِلَ صَالحاً في إجابته. وقال إنني مِنَ المسلمينَ، هذا خليفة الله.