٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ } في جزاءاتهما، لأن بعضهما فوق بعض {ٱدْفَعْ } السيئة {بِٱلَّتِى } أي بالخصلة التي {هِىَ أَحْسَنُ } كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإِساءة بالعفو {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } أي فيصير عدوّك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك، فالذي مبتدأ، و كأنه الخبر، و إذا ظرف لمعنى التشبيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحَسَنَةُ} المداراة {السَّيِّئَةُ} الغلظة، أو الحسنة الصبر والسيئة النفور، أو الإيمان والكفر"ع"، أو العفو والانتصار، أو الحلم والفحش، أو حب آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وبغضهم قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ {بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} ادفع بحلمك جهل الجاهل عليك "ع" أو ادفع بالسلام إساءة المسيء {وَلِىٌّ} صديق {حَمِيمٌ} قريب نزلت في أبي جهل كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم فأُمر بالصبر عليه والصفح عنه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} يعني الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو والإساءة {ادفع بالتي هي أحسن} قال ابن عباس أمره بالصبر عند الغضب وبالحلم عند الجهل وبالعفو عند الإساءة {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} أي صديق قريب، قيل نزلت في أبي سفيان بن حرب وذلك حيث لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فصار ولياً بالإسلام حميماً بالقرابة {وما يلقاها} أي وما يلقى هذه الخصلة والفعلة وهي دفع السيئة بالحسنة {إلا الذين صبروا} أي على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام وما يلقاها {إلا ذو حظ عظيم} أي من الخير والثواب وقيل الحظ العظيم الجنة يعني ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه أي يبعثه إلى ما لا ينبغي ومعنى الآية وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فاستعذ بالله} أي من شره {إنه هو السميع} أي لاستعاذتك {العليم} بأحوالك. قوله تعالى: {ومن آياته} أي ومن دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته {الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} أي إنهما مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم {واسجدوا لله الذي خلقهن} أي المستحق للسجود والتعظيم هو الله خالق الليل والنهار والشمس والقمر {إن كنتم إياه تعبدون} يعني أن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويزعمون أن سجودهم لهذه الكواكب هو سجود لله عز وجل فنهوا عن السجود لهذه الوسايط وأمروا بالسجود لله الذي خلق هذه الأشياء كلها {فإن استكبروا} أي عن السجود لله {فالذين عند ربك} يعني الملائكة {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} أي لا يفترون ولا يملون. (فصل) وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء وهما وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما أنه عند قوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} وهو قول ابن مسعود والحسن وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد لأن ذكر السجدة قبله والثاني وهو الأصح عند أصحاب الشافعي وكذلك نقله الرافعي أنه عند قوله تعالى: {وهم لا يسأمون} وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة لأن عنده يتم الكلام.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: لا أحد أحسن قولا منه، بل هو المحسن وحده، فلا يستوي هذا المحسن وغيره أصلاً، رداً عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى الله، وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل المشاق والصبر على الأذى، وغير ذلك من جميع الأخلاق، عطف عليه التفرقة بين عمليهما ترغيباً في الحسنات فقال: {ولا تستوي} أي وإن اجتهدت في التحرير والاعتبار {الحسنة} أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة إلى عامليها عند وحدتها، لتفاوت الحسنات في أنفسها، والحسنة الواحدة باعتبار نيات العاملين لها واجتهادهم فيها ولا بالنسبة إلى غيرها، وإلى ذلك إشارة بالتأكيد في قوله: {ولا السيئة} أي في نفسها ولا بالنسبة إلى جنس آخر. ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء، وأفهم أن كلاً من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات، وكان الإنسان لا ينفك عن عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها، أنتج عند قصد الأعلى فقال: {ادفع} أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس {بالتي} أي الخصال والأحوال التي {هي أحسن} على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات فالعفو عن المسيء حسن، والإحسان أحسن منه {فإذا الذي بينك وبينه عداوة} عظيمة قد ملأت ما بين البينين فاجأته حال كونه {كأنه ولي} أي قريب ما يفعل القريب {حميم *} أي في غاية القرب لا يدع مهماً إلا قضاه وسهله ويسره، وشفا علله، وقرب بعيده، وأزال درنه، كما يزيل الماء الحار الوسخ. ولما كانت هذه الخصلة أمّا جامعاً لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبهاً على عظيم فضلها وبديع نبلها حاثاً على الاستظلال بجميع ظلها مشيراً بالبناء للمفعول إلى أنها هي العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على أنها مخالفة لجبلة الإنسان حثاً على الرغبة في طلبها من واهبها {وما يلقّاها} أي يجعل لاقياً لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بأحسن الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن من العفو والحلم والصبر والاحتمال بأن يعلق الله تعالى إرادته على وجه الشدة والمبالغة بإلقائها إليه {إلا الذين صبروا} أي وجدت منهم هذه الحقيقة وركزت في طباعهم، فصاروا يكظمون الغيظ ويحتملون المكاره، وكرر إظهار البناء للمفعول للتنبيه على أنه لا قدرة عليها أصلاً إلا بتوفيق الخالق بأمر وطني يقذفه الله في القلب قذفاً وحياً تظهر ثمرته على سائر البدن، فقال دالاً باعادة النافي على زيادة العظم وعلى أن أصحاب هذه الخصلة على رتبتين كل رتبة منهما مقصودة في نفسها {وما يلقّاها} على ما هي عليه من العظمة {إلا} وأفرد هنا بعد جمع الصابر دلالة على ندرة المستقيم على هذه لخصلة {ذو حظ} أي نصيب وقسم وبخت {عظيم *} أي جليل في الدنيا والآخرة عند الله وعند الناس. ولما كان التقدير: فإن لقيت ذلك وأعاذك الله من الشيطان فأنت أنت، عطف عليه قوله معبراً بأداة الشك المفهمة لجواز وقوع ذلك في الجملة، مع العلم بأنه صلى الله عليه وسلم معصوم إشارة إلى رتبة الإنسان من حيث هو إنسان وإلى أن الشيطان يتوهم مع علمه بالعصمة أنه يقدر على ذلك فيعلق أمله به، وكأنه لذلك أكد لأن نزغه له في محل الإنكار {وإمّا} ولما كانت وسوسة الشيطان تبعث على ما لا ينبغي، وكان العاقل لا يفعل ما لا ينبغي إلا بالالجاء، شبه المتعاطي له بالمنخوس الذي حمله النخس على ارتكاب ما يضر فقال: {ينزغنك} أي ينخسنك ويطعننك طعناً مفسداً فيحصل لك تألم {من الشيطان} البعيد من الرحمة المحترق باللعنة. ولما كان المقام خطراً لأن الطبع مساعد للوسواس، جعل النزغ نفسه نازغاً إشارة إلى ذلك فقال: {نزغ} أي وسوسة تحرك نحو الموسوس من أجله وتبعث إليه بعث المنخوس إلى الجهة التي يوجه إليها، فإن ينبعث إلى تلك الجهة بعزم عظيم {فاستعذ بالله} أي استجر بالملك الأعلى واطلب منه الدخول في عصمته مبادراً إلى ذلك حين نخس بالنزغة فإنه لا يقدر على الإعاذة منه غيره, ولا تذر النزغة تتكرر, بل ارجع إلى المحيط علماً وقدرة في أول الخطرة، فإنك إن لم تخالف أول الخطرة صارت فكرة فيحصل العزم فتقع الزلة فتصير قسوة فيحصل التمادي - نبه عليه القشيري. ولما كانت الاستعاذة هنا من الشيطان، وكان نزغه مما يعلم لا مما يرى وكانت صفة السمع نعم ما يرى وما لا يرى، قال مؤكداً لوقوف الجامدين مع الظواهر: {إنه هو} أي وحده {السميع} وختم بقوله: {العليم *} الذي يسمع كل مسموع من استعاذتك وغيرها، ويعلم كل معلوم من نزغه وغيره، فهو القادر على رد كيده، وتوهين أمره وأيده، وليس هو كما جعلتموه له من الأنداد الصم البكم التي لا قدرة لها على شيء أصلاً. ولما ذكر أنهم جعلوا له أنداداً مع أنه خلق الأرض في يومين، وختم ذلك بأن أحسن الحسن الدعاء إلى الله، وختم الأمر بالدعاء بصفة العلم، أتبعه دلائل التوحيد إعلاماً بأن التوحيد أحسن الحسن يطرد كل شيء، وتنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات والصفات، وذلك ببيان الأفعال وآثارها وهو العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض جوهراً وعرضاً، وبدأ بذكر الفلكيات لأنها أدل، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن آياته الناشئة عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة لإعادته لمن يريد ونفوذ تصرفه في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية أنه خلق الخافقين كما مضى في ستة أيام: {ومن آياته} الدالة على وحدانيته: شعر : وفــي كـل شــيء لــه آيــــة تـدل عــلـــى أنــه الــواحــــد تفسير : ولما كانت الظلمة عدماً والنور وجوداً والعدم مقدم قال: {الليل والنهار} أي الدالاّن باختلافهما وهيئتهما على قدرته على البعث وعلى كل مقدور {والشمس والقمر} اللذان هما الليل والنهار كالروح لذوي الأجساد، وهذه الموجوات - مع ما مضى من خلق الخافقين - كتاب الملك الديان، إلى الإنس والجان، المشهود لهم بالعيان كما قيل يا إنسان: شعر : تأمل سطور الكائنـات فإنهـا من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطة ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : ولما ثبت له سبحانه التفرد بالخلق والأمر، وكان باطناً إلا عند من نور الله أو كانت الشمس والقمر من آياته المعرفة المشيرة في وجود الدنيا والآخرة إليه، وكانا مشاهدين، وكان الإنسان قاصر العقل مقيد الوهم بالمشاهدات لما عنده من الشواغل إلا من عصم الله، أنتج قوله محذراً من عبادتهما لما يرى لهما من البهاء وفيهما من المنافع: {لا تسجدوا للشمس} التي هي أعظم أوثانكم فإنها من جملة مبدعاته، وأعاد النافي تأكيداً للنفي وإفادة لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال: {ولا للقمر} كذلك. ولما نهى عن السجود لهما، أمر بالسجود بما يبين استحقاقه لذلك وعدم استحقاقهما أو استحقاق شيء غيرهما له فقال: {واسجدوا} ونبه على مزيد عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال: {لله} أي الذي له كل كمال من غير شائبة نقص من أقول أو تجدد حلول {الذي خلقهن} أي الأربعة لأجلكم فهو الذي يستحق الإلهية، وأنث لأن ما لا يعقل حكمه حكم المؤنث في الضمير وهي أيضاً آيات، وفيه إشارة إلى تناهي سفولها عما أهلوها له وذم عابديها بالإفراط في الغباوة، ويمكن أن يكون عد القمر أقماراً لأنه يكون تارة هلالاً وأخرى بدراً وأخرى محواً، فلذلك جمع إشارة إلى قهرهما بالتغيير له في الجرم ولمهما بالتسيير، ولذلك عبر بضمير المؤنث الذي يكون لجمع الكثرة مما لا يعقل. ولما ظهر أن الكل عبيده، وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبداً آخر في عبادة سيده قال: {إن كنتم إياه} أي خاصة بغاية الرسوخ {تعبدون *} كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، ومحصل قولكم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فإن أشركتم به شيئاً بسجود أو غيره فما خصصتموه بالعبادة لأن السجود من العبادة وفعله ولو في وقت واحد لغيره إشراك في الجملة، ومن أشرك به لم يعبده وحده، ومن لم يعبده وحده لم يعبده أصلاً، لأنه أغنى الأغنياء، لا يقبل إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم، وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره رفعاً لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجوداً لهم، فإنه سبحانه أمر الملائكة الذين هم أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره فتكبر اللعين إبليس، فابد لعنه، فشتان ما بين المقامين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن} قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم {كأنه ولي حميم} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن} قال: ألقه بالسلام {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ادفع بالتي هي أحسن} قال: السلام، إن تسلم عليه إذا لقيته. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه {ادفع بالتي هي أحسن} قال: السلام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {كأنه ولي حميم} قال: ولي رقيب. وفي قوله {إلا ذو حظ عظيم} قال: الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {وما يلقاها إلا الذين صبروا} قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظاً، ويصفح عن بعض ما يكره. وأخرج ابن المنذر عن أنس رضي الله عنه في قوله {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} قال: الرجل يشتمه أخوه فيقول إن كنت صادقاً يغفر الله لي، وإن كنت كاذباً يغفر الله لك. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبـيان محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بـين العبادِ إثرَ بـيانِ محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بـين العبدِ وبـين الربِّ عزَّ وجل ترغيباً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصبرِ على أذية المشركين، ومقابلةِ إساءتِهم بالإحسان، أي لا تستوي الخَصلةُ الحسنة والسيئةُ في الآثار والأحكام. ولا الثانيةُ مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفي، وقولُه تعالَى {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} الخ استئنافٌ مبيِّن لحسن عاقبةِ الحسنةِ، أي ادفعْ السيئةَ حيثُ اعترضتْكَ من بعضِ أعاديكَ بالتي هيَ أحسنُ ما يمكنُ دفعُها به من الحسناتِ كَالإحسان إلى مَنْ أساءَ فإنه أحسنُ منَ العفوِ، وإخراجُه مُخرجَ الجوابِ عنْ سؤالِ منْ قالَ كيفَ أصنعُ للمبالغةِ ولذلكَ وضعَ أحسنُ موضعَ الحسنةِ. وقولُه تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} بـيانٌ لنتيجة الدفعِ المأمورِ بهِ، أيْ فإذَا فعلتَ ذلكَ صارَ عدوُّك المُشاقُّ مثلَ الوليِّ الشفيقِ {وَمَا يُلَقَّاهَا} أيُ ما يُلقَّ هذهِ الخَصلةَ والسجيةَ التي هي مقابلُة الإساءةِ بالإحسانِ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي شأنُهم الصبرُ {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ} من الخيرِ وكمالِ النفسِ، وقيلَ: الحظُّ العظيم: الجنةُ، وقيلَ: هو الثوابُ. قيلَ: نزلتْ في أبـي سفيانَ بنِ حربٍ وكانَ مؤذياً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فصارَ ولياً مصافياً {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} النزغُ والنسغُ بَمعْنى وهو شبه النخْسِ، شُبِّه بهِ وسوسةُ الشيطانِ لأنَّها بعثٌ على الشرِّ، وجُعلَ نازعاً على طريقةِ جدِّ جِدُّه، أو أريدَ: وإمَّا ينزغنَّكَ نازغٌ وصفاً للشيطانِ بالمصدرِ أيْ وإن صرفكَ الشيطانُ عمَّا وُصَّيتَ به من الدفعِ بالتي هي أحسنُ {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} من شرِّه ولا تُطِعْهُ {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} باستعاذتِك {ٱلْعَلِيمُ} بنيتكَ أو بصلاحِكَ. وفي جَعْلِ تركِ الدفعِ بالأحسنِ منْ آثار نزغاتِ الشيطانِ مزيدُ تحذيرٍ وتنفيرٍ عنه. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ} الدالةِ على شؤونِه العظيمةِ { أية : ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : كلٌّ منَها مخلوقٌ منْ مخلوقاتِه مسخرٌ لأمرِه { أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} تفسير : لأنهما من جملةِ مخلوقاتِه المسخرةِ لأوامرِه مثلَكُم {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ} الضميرُ للأربعةِ لأنَّ حُكَم جماعة ما لا يعقلُ حكمُ الأنثى أو الإناثِ، أو لأنها عبارةٌ عن الآياتِ. وتعليقُ الفعلِ بالكل مع كفايةِ بـيانِ مخلوقيةِ الشمسِ والقمرِ للإيذان بكمال سقوطِهما عن رتبة المسجوديةِ بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراضِ التي لا قيامَ لها بذاتها، وهو السرُّ في نظم الكلِّ في سلك آياتِه تعالى {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فإن السجودَ أقصى مراتبِ العبادةِ فلا بُدَّ من تخصيصه به سبحانَهُ. وهو موضعُ السجودِ عند الشافعيِّ رحمَهُ الله وعندَنا آخرُ الآيةِ الأُخْرى لأنَّه تمامُ المعْنى
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} [الآية: 34]. قال ابن عطاء: لا يستوى بين من أحسن الدخول فى خدمتنا والخروج منها وبين من أساء الأدب فى الخدمة فإن سوء الأدب فى القرب أصعب من سوء الأدب فى البعد فقد تصفح عن الجهال الكبائر ويؤخذ الصديقون باللحظات والالتفات.
القشيري
تفسير : ادفعْ بالخصلة التي هي أحسن السيئةَ يعني بالعفو عن المكافأة، وبالتجاوز والصفح عن الزلة، وترك الانتصاف. {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} يُشْبِه الوليَّ الحميمَ - ولم يَصِرْ ولياً مخلصاً.. وهذا من جملة حُسْنِ الأدب في الخدمة في حقِّ صحبتك مع الله؛ تحلم مع عباده لأَجْلِه. ومن جملة حُسْن الخُلُق في الصحبة مع الخَلْقِ ألا تنتقم لنفسك، وأَنْ تعفوَ عن خصمك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بين الله سبحانه ها هنا ان الخلق احسن ليس كالخلق السيى وامرنا بتبديل الاخلاق المذمومة بالاخلاق المحمودة واحسن الاخلاق الحلم اذ يكون به العدو صديقا والبعيد قريبا حين دفع غضبه بحلمه وظلمه بعفوه وسؤ خدمته صادقا فى محصته عارفا بذاته وصفاته ليس كالمدعى الذى ليس فى دعواه معنى قال ابن عطا الا يستوى بين من احسن الدخول فى خدمتنا والخروج منها وبين من اساء الادب فى الخدمة فان سوء الادب فى القرب اصعب من سوء الاذى فى البعد فقد يصفح عن الجهال الكبائر وياخذ الصديقين باللحظ والالتفات وقال الاستاذ ان ادفع الخصلة القى هى احسن السيئة يعنى بالعفو عن المكافات بالتجاوز والصفح عن الزلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تستوى الحسنة ولا السيئة} بيان لمحاسن الاعمال الجارية بين العبد وبين الرب ترغيبا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الصبر على اذية المشركين ومقابلة اسائتهم بالاحسان ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفى اى لا تستوى الخصلة الحسنة والسيئة فى الجزآء وحسن العاقبة فانك اذا صبرت على اذتهم وجهالتهم وتركت الانتقام منهم ولم تلتفت الى سفاهتهم فقد استوجبت التعظيم فى الدنيا والثواب فى الآخرة وهم بالضد من ذلك فلا يكن اقدامهم على تلك السيئة مانعا لك من الاشتغال بهذه الحسنة واذا فسرت الحسنة والسيئة بالجنس على ان يكون المعنى لا تستوى الحسنات اذ هى متفاوته فى انفسها كشعب الايمان التى ادناها اماطة الاذى ولا السيئات لتفاوتها ايضا من حيث انها كبائر وصغائر لم تكن زيادة لا الثانية لتأكيد النفى على ما اشير اليه فى الكشاف {ادفع بالتى هى احسن} بيان لحسن عاقبة الحسنة اى ادفع السيئة حين اعترضتك من بعض اعاديك بالتى هى احسن ما يمكن دفعها به من الحسنات كالاحسان الى من اساء فانه احسن من العفو. شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اسا تفسير : وكان عليه السلام يقول "حديث : صل من قطعك واعف عمن ظلمك واحسن الى من اساء اليك" تفسير : وما امر عليه السلام غيره بشىء الا بعد التخلق به واخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال كيف اصنع مع ان الظاهر ان يقول فادفع بالفاء السببية للمبالغة ولذلك وضع احسن موضع الحسنة لأنه ابلغ فى الدفع بالحسنة فان من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها {فاذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم} بيان لنتيجة الدفع المأمور به اى فاذا فعلت صار عدوك المشاق اى المخالف مثل الولى الشفيق روى انها نزلت فى ابى سفيان ابن حرب وذلك انه لان للمسلمين بعد الشدة اى شدة عداوته بالمصاهرة التى جعلت بينه وبين النبى عليه السلام ثم اسلم فصار وليا بالاسلام حميما بالقرابة. ازامام اعظم نقلست كسى بمن رسانندكه مرابدمى كويد من درشان او سخن نيكو ترمى كويم تاوقتى من يابم كه او نيكويىء من ميكويد شعر : بدى درقفا عيب من كردوخفت بترز و قريبى كه آو رد وكفت عدو را بالطاف كردن ببند كه نتوان بريدن بتيغ اين كمند جودشمن كرم بيندولطف وجود نيايد دكر خبث ازو در وجود جو بادوست دشوار كيرى وتنك نخواهد كه بيند ترا نقش رنك وكرخواجه بادشمنان نيك خوست كسى برنيايدكه كردند دوست تفسير : قال البقلى بين الله ههنا ان الخلق الحسن ليس كالخلق السيىء وامرنا بتبديل الاخلاق المذمومة بالاخلاق المحمودة واحسن الاخلاق الحلم اذ يكون به العدو صديقا والبعيد قريبا حين دفع غضبه بحلمه وظلمه بعفوه وسوء جانبه بكرمه قال ابن عطاء لا يستوى من احسن الدخول فى خدمتنا والخروج منها ومن اساء الادب فى الخدمة فان سوء الادب فى القرب اصعب من سوء الادب فى البعد فقد يصفح عن الجهال فى الكبائر ويؤاخذ الصديقون باللحظة والالتفات
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} تمهيدٌ لما يأتى وتعليلٌ لما مضى والاعتقاد بعدم استواء الحسنة والسّيّئة من الفطريّات فمن اختار عليه غيره ممّن اطّلع عليهما كان خارجاً من الفطرة {اٱدْفَعْ} سيّئة من اساء اليك {بـِ} الفعلة {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقد مضى بيان هذه الآية فى سورة المؤمنون {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} اى محبٌّ قريبٌ فى النّسب وقد فسّر فى الخبر الحسنة بالتّقيّة والسّيّئة بالاذاعة وهو وجهٌ من وجوه الآية، ويجوز ان يفسّر الّتى هى احسن بالولاية اى ادفع سيّئات نفسك وسيّئات غيرك بتذكّر جهة الولاية او بقبول الولاية او بتذكيرهم بالولاية ولعلّ التّعبير عن الاساءة بالسّيّئة كان لهذا الوجه.
فرات الكوفي
تفسير : {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن 34 } قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد قال: حدثنا محمد بن ذازان [ب: ذادان. ر: ذران] قال: حدثنا عبد الله - [يعنى. أ] [ابن] محمد القيسي قال: حدثنا محمد بن فضيل عن عثيم! بن أسلم عن معاوية بن عمار: عن أبي عبد الله [عليه السلام. أ] قال: قلت: جعلت فداك {لا تستوي الحسنة ولا السيئة} قال: الحسنة التقية والسيئة الإذاعة. قال: قلت: جعلت فداك {ادفع بالتي هي أحسن} قال: الصمت. ثم قال: فأنشدتك بالله هل تعرف ذلك في نفسك أنك تكون مع قوم لا يعرفون ما أنت عليه من دينك ولا تكون! لهم وداً وصديقاً فإذا عرفوك وشعروك أبغضوك؟ قلت: صدقت. قال: فقال لي: فذا من ذاك.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ} كالصبر والحلم والعفو* {وَلاَ السَّيِّئَةُ} كالغضب والجهل على الغير والاساءة قاله ابن عباس: لا تستويان في الجزاء وحسن العاقبة (ولا) زائدة لتوكيد نفي الاستواء وقيل: المراد أن الحسنات متفاوتات والسيئات متفاوتات فبعض الحسنات أعظم من بعض وبعض السيئات كذلك فلا نافية والفعل مقدر أي ولا تستوي السيئات ويجوز الاعراب الأول مع البقاء على هذا المعنى وهو ان الاستواء المنفي هو بين حسنتين وكذلك هو بين سيئتين* {ادْفَعْ بِالَّتِي} أي الخصلة التي* {هِيَ أَحْسَنُ} أي السيئة وهي مفعول (ادفع) (وأحسن) خارج عن معنى التفضيل والمراد حسنة أى ادفع السيئة بالتى هى حسنة أو باق على معناه أي أحسن من غيرها من الحسنات أي أحسن ما يمكن الدفع به فيجوز أن يقدر بالحسنة التي وجهه ان من دفع بالحسنة هان عليه الدفع بما دونها ومن أساء اليك فالحسنة أن تعفو عنه والحسنة أن تحسن اليه مكان اساءته لك مثل أن يذمك فتمدحه ويقتل ولدك فتفدي ولده من يد عدوه وانما لم يقرن ادفع بالفاء لانه جواب سؤال كيف أصنع ولو قرن بالفاء لتوهم العطف كذا قيل فتفوت المبالغة التى يفيدها كونه استئنافاً بيانياً وهو كونه جواب سؤال مقدر وعن مجاهد وعطاء (التي هي أحسن) السلام عند اللقاء قلنا: هو لا شك دفع لشر سابق اعتقاده ولشر يجلبه عدمه والآية جامعة لمكارم الأخلاق وأنواع الحلم. {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} والفاء قبل (اذا) الفجائية في نحو (خرجت فاذا الاسد) زائدة لازمة عند الفارسي وجماعة والمازني وعاطفة عند أبي الفتح وغيره والمسببة المحضة بلا عطف عند أبي اسحاق والزجاج قاله ابن هشام (واذ) للمفاجأة حرف وخبر الذي جملة كأنه ولي وان قلنا ظرف فهي خبر والذي مبتدأه وظرف متعلق بخبر {الَّذِي} مقدراً أي فاذا الذي الخ زالت عداوته وثبتت بدلها المحبة وزعم بعضهم انه متعلق بمعنى التشبيه بعده مع أنه جعل (الذي) مبتدأه (وكأنه ولي) خبره وتحتمل الفاء الربط (واذا) لمجرد المفاجأة لان المعنى انك اذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي أي القريب أو الناصر الحميم المشفق وقيل (الولي) الصديق والحميم القريب. قيل نزل ذلك في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصار ولياً مصافياً لان المسلمين بعد شدته بالمصاهرة التى بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
اطفيش
تفسير : {ولا تَسْتوي الحَسنَة} الخصلة من الطاعات، كلا اله الا الله، والصلاة والصوم، والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وحب النبى صلى الله عليه وسلم، وحب آله {ولا السِّيئة} كالشرك وترك الصلاة أو الصوم، ونحو ذلك من الفرائض، وبغض النبى صلى الله عليه وسلم ولله وهم كل برتقى كذا روى عن ابن عباس وعلى، فيكون قوله تعالى: {ادْفَع بالَّتى هى أحْسن فإذا الَّذى بينَك وبينَه عَداوةٌ كأنَّه وليٌّ حَميمٌ} خارجا عن ذلك بالعنوان، ومذكور للمشاكلة، ولو دخل بالماصدق، كما يقال الشىء بالشىء يذكر، والأولى أن المراد بالسيئة ما تكره النفس وبالحسنة ما تسكن اليه، أو ما يشمل ذلك، والمعاصى والطاعات، فالآية آمرة له صلى الله عليه وسلم ولغيره بالصبر على أذى المشركين، مع التمسك بالدين، وآمره بالحلم والمدارة، ومقابلة الاساءة، بالاحسان، وذلك أدْعى للمشرك الى الاسلام، وللعاصى الى التوبة، بخلاف الانتقام والغلظة. وذلك التفسير أنسب بقوله: {ادفع بالتي هي أحسن} الخ، ولا صلى لتأكيد النفى، كقوله تعالى: " أية : ولا الظل ولا الحرور" تفسير : [فاطر: 21] والشىء لا يستوى وحده، بل مع غيره، الا ان أريد استواء بعضه ببعض، ولو فسرنا الآية بأن الحسنات بعضها أفضل من بعض، والسيئات كذلك بعضها أقبح من بعض، على أن أل للجنس لكانت لا نافية لا صلة، ومفعول ادفع محذوف أى ادفع السيئة بالتى هى أحسن، كما صرح به فى آية أخرى، وأحسن خارج عن التفضيل أى بالفعلة التى هى حسنة، ويمكن بقاؤه على التفضيل بأن تكون حسنتان أو حسنات بعضها أفضل من بعض، فأمر بالدفع بالفضلى كالاحسان الى من أساء، وترك الانتقام فيدفع بالاحسان، والفاء فى جواب شرط محذوف، أى اذا دفعت السيئة بالتى هى أحسن، فاذا الذى الخ، واذا للفجاءة، اى فاجأك كون عدوك المشاق لك مثل وليك الشقيق فى مجرد أنه يترك ضرك، لا فى أنه يحبك، هذا هو الغالب، وقد يكون مثله فى الحب زيادة على ترك الضر قال: شعر : إن العداوة تستحيل محبة بتدارك الهفوات بالحسنات تفسير : لا يصح أن الآية فى أبى سفيان بن حرب، لأن السورة مكية، وأبوسفيان أسلم قريبا من مكة عند سفره صلى الله عليه وسلم الى فتحها، نعم حكمها يقبل الصدق عليه، الا أنه قيل: مازال تصدر منه هفوة.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } جملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد والرب عز وجل ترغيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على أذية المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان. والحكم عام أي لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار والأحكام. و {لا } الثانية مزيدة لتأكيد النفي مثلها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ }تفسير : [فاطر: 21] لأن استوى لا يكتفي بمفرد. وقوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة أي ادفع السيئة حيث اعترضتك من بعض أعاديك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقاً أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء فإنه أحسن من مجرد العفو فأحسن على ظاهره والمفضل عليه عام ولذا حذف كما في الله تعالى أكبر، وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال: كيف أصنع؟ للمبالغة والإشارة إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه، وللمبالغة أيضاً وضع {أَحْسَنُ } موضع الحسنة لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه، ومما ذكرنا يعلم أن ليس المراد بالحسنة والسيئة أمرين معينين. وعن علي كرم الله تعالى وجهه الحسنة حب الرسول وآله عليهم الصلاة والسلام والسيئة بغضهم، وعن ابن عباس الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك، وقال الكلبـي: الدعوتان إليهما، وقال الضحاك: الحلم والفحش، وقيل: الصبر، وقيل: المدارة والغلظة، وقيل غير ذلك، ولا يخفى أن بعض المروي يكاد لا تصح إرادته هنا فلعله لم يثبت عمن روي عنه، وجوز أن يكون المراد بيان تفاوت الحسنات والسيئات في أنفسهما بمعنى أن الحسنات تتفاوت إلى حسن وأحسن والسيئات كذلك فتعريف الحسنة والسيئة للجنس و {لا } الثانية ليست مزيدة وأفعل على ظاهره، والكلام في {ٱدْفَعْ } الخ على معنى الفاء أي إذا كان كل من الجنسين متفاوت الأفراد في نفسه فادفع بأحسن الحسنتين السيء والأسوأ، وترك الفاء للاستئناف الذي ذكرنا وهو أقوى الوصلين ولعل الأول أقرب. {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } بيان لنتيجة الدفع المأمور به أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق. قال ابن عطية: دخلت {كَأنَ } المفيدة للتشبية لأن العدو لا يعود ولياً حميماً بالدفع بالتي هي أحسن وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم؛ ولعل ذلك من باب الاكتفاء بأقل اللازم وهذا بالنظر إلى الغالب وإلا فقد تزول العداوة بالكلية بذلك كما قيل: شعر : إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهفوات بالحسنات تفسير : و {ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ } أبلغ من عدوك ولذا اختير عليه مع اختصاره. والآية قيل: نزلت في أبـي سفيان ابن حرب كان عدواً مبيناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصار عند أهل السنة ولياً مصافياً وكأن ما عنده انتقل إلى ولد ولده يزيد عليه من الله عز وجل ما يستحق.
ابن عاشور
تفسير : عَطْفُ هذه الجملة له موقع عجيب، فإنه يجوز أن يكون عطفاً على جملة { أية : وَمَن أحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إلى الله } تفسير : [فصلت: 33] الخ تكملة لها فإن المعطوف عليها تضمنت الثناء على المؤمنين إثر وعيد المشركين وذمِّهم، وهذه الجملة فيها بيان التفاوت بين مرتبة المؤمنين وحال المشركين، فإن الحسنة اسم منقول من الصفة فتلمُّحُ الصفة مقارن له، فالحسنة حالة المؤمنين والسيئة حالة المشركين، فيكون المعنى كمعنى آيات كثيرة من هذا القبيل مثل قوله تعالى: { أية : وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } تفسير : [غافر: 58]، فعطف هذه الجملة على التي قبلها على هذا الاعتبار يكون من عطف الجمل التي يجمعها غرض واحد وليس من عطف غرض على غرض. ويجوز أن تكون عطفاً على جملة { أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تَغلبون } تفسير : [فصلت: 26] الواقعة بعد جملة { أية : وقالوا قلوبنا في أكِنَّة مِمَّا تدعُونَا إليه } تفسير : [فصلت: 5] إلى قوله: { أية : فاعمل إننا عٰمِلُون } تفسير : [فصلت: 5] فإن ذلك مثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم الضجر من إصرار الكافرين على كفرهم وعدم التأثر بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحق فهو بحال من تضيق طاقة صبره على سفاهة أولئك الكافرين، فأردف الله ما تقدم بما يدفع هذا الضيق عن نفسه بقوله: {ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السيئة} الآية. فالحسنة تعم جميع أفراد جنسها وأُولاها تبادراً إلى الأذهان حسنةُ الدعوة إلى الإسلام لما فيها من جمّ المنافع في الآخرة والدنيا، وتشمل صفة الصفح عن الجفاء الذي يلقَى به المشركون دعوةَ الإسلام لأن الصفح من الإحسان، وفيه ترك ما يثير حميتهم لدينهم ويقرب لين نفوس ذوي النفوس اللينة. فالعطف على هذا من عطف غرض على غرض، وهو الذي يعبر عنه بعطف القصة على القصة، وهي تمهيد وتوطئة لقوله عقبها {ادْفَع بالتي هِيَ أحْسَنُ} الآية. وقد علمتَ غير مرة أن نفي الاستواء ونحوه بين شيئين يراد به غالباً تفضيل أحدهما على مُقابله بحسب دلالة السياق كقوله تعالى: { أية : أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون } تفسير : [السجدة: 18]. وقولِ الأعشى: شعر : ما يُجْعَلُ الجُدُّ الضَّنُونُ الذي جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطر مِثلَ الفُراتيِّ إذَا مَا طَمَا يَقْذِفُ بالبُوصِيِّ والماهرِ تفسير : فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، دون إعادة {لا} النافية بعد الواو الثانية كما قال تعالى: { أية : وما يستوي الأعمى والبصير } تفسير : [غافر: 58]، فإعادة {لا} النافية تأكيد لأختها السابقة. وأحسن من اعتبار التأكيد أن يكون في الكلام إيجاز حذف مؤذن باحتباك في الكلام، تقديره: وما تسْتوي الحسنة والسيئةُ ولا السيئة والحسنة. فالمراد بالأول نفي أن تلتحق فضائل الحسنة مساوىء السيئة، والمراد بالثاني نفي أن تلتحق السيئة بشرف الحسنة. وذلك هو الاستواء في الخصائص، وفي ذلك تأكيد وتقوية لنفي المساواة ليدل على أنه نفي تام بين الجنسين: جنسِ الحسنة وجنس السيئة لا مبالغة فيه ولا مجازَ، وقد تقدم الكلام على نظيره في سورة فاطر. وفي التعبير بالحسنة والسيئة دون المُحسن والمسيء إشارة إلى أن كل فريق من هذين قد بلغ الغاية في جنس وصفه من إحسان وإساءة على طريقة الوصف بالمصدر، وليتأتى الانتقال إلى موعظة تهذيب الأخلاق في قوله: {ادْفَع بالتي هي أحسن}، فيشبه أن يكون إيثارُ نفي المساواة بين الحسنة والسيئة توطئةً للانتقال إلى قوله: {ادْفَعَ بالتي هي أحسن}. وقوله: {ادْفَعَ بالتي هي أحسن} يجري موقعُه على الوجهين المتقدمين في عطف جملة {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة}. فالجملة على الوجه الأول من وجهي موقع جملة {ولاَ تَسْتَوي الحسنة ولا السيئة} تخلص من غرض تفضيل الحسنة على السيئة إلى الأمر بخُلق الدفع بالتي هي أحسن لمناسبةِ أَن ذلك الدفع من آثار تفضيل الحسنة على السيئة إرشاداً من الله لرسوله وأمته بالتخلق بخلق الدفع بالحسنى. وهي على الوجه الثاني من وجهيْ موقع جملة {ولاَ تَسْتَوي الحسنة ولا السيئة} واقعة موقع النتيجة من الدليل والمقصدِ من المقدمة، فمضمونها ناشىء عن مضمون التي قبلها. وكلا الاعتبارين في الجملة الأولى مقتض أن تكون جملة {ادفَع بالتي هي أحْسَن} مفصولة غير معطوفة. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لأن منتهى الكمال البشري خُلُقُه كما قال: « حديث : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق »تفسير : . وقالت عائشة لما سئلت عن خلُقه (كان خلقه القرآن) لأنه أفضل الحكماء. والإحسان كمال ذاتي ولكنه قد يكون تركه محموداً في الحدود ونحوها فذلك معنىً خاص. والكمال مطلوب لذاته فلا يعدل عنه ما استطاع ما لم يخش فوات كمال أعظم، ولذلك قالت عائشة: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلاّ أن تُنتهك حرمات الله فيغضب لله». وتخلُّقُ الأمة بهذا الخلق مرغوب فيه قال تعالى: { أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللَّه } تفسير : [الشورى: 40]. وروى عياض في «الشفاء» (وهو مما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله وابنُ جرير في «تفسيره») لما نزل قوله تعالى: { أية : خذ العفو } تفسير : [الأعراف: 199] سألَ النبي صلى الله عليه وسلم جبريلَ عن تأويلها فقال له: حتى أسأل العالِم، فأتاه فقال: « يا محمد إن الله يأمرك أن تَصِل من قطعك وتُعطيَ من حَرمَك وتعفوَ عمن ظلمك». ومفعول {ادْفَع} محذوف دل عليه انحصار المعنى بين السيئة والحسنة، فلما أمر بأن تكون الحسنة مدفوعاً بها تعيّن أن المدفوع هو السيئة، فالتقدير: ادفع السيئة بالتي هي أحسن كقوله تعالى: { أية : ويدرءون بالحسنة السيئة } تفسير : في سورة الرعد (22) وقوله: { أية : ادفع بالتي هي أحسن السيئة } تفسير : في سورة المؤمنين (96). و {التي هي أحسن} هي الحسنة، وإنما صيغت بصيغة التفضيل ترغيباً في دفع السيئة بها لأن ذلك يشق على النفس فإن الغضب من سوء المعاملة من طباع النفس وهو يبعث على حب الانتقام من المسيء فلما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجازي السيئة بالحسنة أشير إلى فضل ذلك. وقد ورد في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح »تفسير : . وقد قيل: إن ذلك وصفه في التوراة. وفرع على هذا الأمر قوله: {فَإِذَا الذي بَيْنَك وبينه عدٰوةٌ كأنَّه وليٌّ حَمِيمٌ} لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضاً على التخلق بذلك الخُلق الكريم، وهو أن تكون النفس مصدراً للإحسان. ولما كانت الآثار الصالحة تدل على صلاح مَثَارِها. وأَمَرَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدفع بالتي هي أحسن أردفه بذكر بعض محاسنه وهو أن يصير العدو كالصديق، وحُسن ذلك ظاهر مقبول فلا جرم أن يدل حُسنه على حسن سببه. ولذكر المُثُل والنتائج عقب الإرشاد شأن ظاهر في تقرير الحقائق وخاصة التي قد لا تقبلها النفوس لأنها شاقة عليها، والعداوة مكروهة والصداقة والولاية مرغوبة، فلما كان الإحسان لمن أساء يدنيه من الصداقة أو يُكسبه إياها كان ذلك من شواهد مصلحة الأمر بالدفع بالتي هي أحسن. و(إذا) للمفاجأة، وهي كناية عن سرعة ظهور أثر الدفع بالتي هي أحسن في انقلاب العدوّ صديقاً. وعدل عن ذكر العَدوّ معرفاً بلام الجنس إلى ذكره باسم الموصول ليتأتى تنكير عداوة للنوعية وهو أصل التنكير فيصدق بالعداوة القوية ودونِها، كما أن ظرف {بَيْنَك وبَيْنَه} يصدق بالبين القريب والبين البعيد، أعني ملازمة العداوة أو طُرُوَّها. وهذا تركيب من أعلى طَرَف البلاغة لأنه يجمع أحوال العداوات فيعلم أن الإِحسان ناجع في اقتلاع عداوة المحسَن إليه للمحِسِن على تفاوت مراتب العداوة قوة وضعفاً، وتمكناً وبعداً، ويعلم أنه ينبغي أن يكون الإحسان للعدوّ قوياً بقدر تمكن عداوته ليكون أنجع في اقتلاعها. ومن الأقوال المشهورة: النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. والتشبيه في قوله: {كأنَّه وليُّ حَميمٌ}، تشبيه في زوال العداوة ومخالطة شوائب المحبة، فوجه الشبه هو المصافاة والمقاربة وهو معنى متفاوتُ الأحوال، أي مقول على جنسه بالتشكيك على اختلاف تأثر النفس بالإِحسان وتفاوت قوة العداوة قبلَ الإحسان، ولا يبلغ مبلغ المشبَّه به إذ من النادر أن يصير العدوّ وليّاً حميماً، فإنْ صاره فهو لعوارض غير داخلة تحت معنى الإِسراع الذي آذنتْ به (إذا) الفجائية. والعداوةُ التي بين المشركين وبين النبي صلى الله عليه وسلم عداوة في الدين، فالمعنى: فإذا الذي بينك وبينه عداوة لكفره، فلذلك لا تشمل الآية من آمنوا بعدَ الكفر فزالت عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لأجل إيمانهم كما زالت عداوة عمر رضي الله عنه بعد إسلامه حتى قال يوماً للنبي صلى الله عليه وسلم لأنتَ أحب إليّ من نفسي التي بين جنَبيَّ، وكما زالت عداوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ما كان أهل خِباءٍ أحبُّ إليّ من أن يذلُّوا مِن أهل خبائك واليومَ ما أهلُ خِباء أحبُّ إليَّ من أن يعِزُّوا من أهل خبائك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وأيضاً، أي وستزيدِين حباً. وعن مقاتل: أنه قال: هذه الآية نزلت في أبي سفيان كان عدواً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية فصار بعد إسلامه ولياً مصافياً. وهو وإن كان كما قالوا فلا أحسب أن الآية نزلت في ذلك لأنها نزلت في اكتساب المودة بالإِحسان. والولي: اسم مشتق من الوَلاية بفتح الواو، والولاء، وهو: الحليف والناصر، وهو ضد العدو، وتقدم في غير آية من القرآن. والحميم: القريب والصديق. ووجه الجمع بين {وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أنه جمَع خصلتين كلتاهما لا تجتمع مع العداوة وهما خصلتا الولاية والقرابة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} قد أوضحناه مع الآيات التي بمعناه في آخر سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} تفسير : [الأعراف: 199] إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 200].
د. أسعد حومد
تفسير : {عَدَاوَةٌ} (34) - وَلاَ تَتَسَاوَى الحَسَنَةُ التِي يَرْضَى اللهُ بِهَا، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، مَعَ السَّيِئةِ التِي يَكْرَهُهَا اللهُ وَيُعَاقِبُ عَلَيْهَا، فَادْفَعْ سَفَاهَةَ السُّفَهَاءِ، وَجَهَالَةَ الجُهَلاَءِ بِالطَّرِيقَةِ الحُسْنَى، فَقَابِلْ إِسَاءَتَهُمْ بِالإِحْسَانِ إِلَيهِمْ، وَقَابِلِ الذَّنْبَ بِالعَفْوِ، فَإِذَا صَبَرْتَ عَلَى سُوءِ أَخْلاَقِهِمْ، وَقَابَلْتَ سَفَاهَتَهُمْ بِرَحَابَةِ صَدْرٍ اسْتَحْيَوْا مِنْ ذَمِيمِ أَخْلاَقِهِمْ، وَتَرَكُوا قَبِيحَ أَفْعَالِهِمْ. وَانْقَلَبُوا مِنَ العَدَاوَةِ إِلَى المَحَبَّةِ. وَلِيٌّ حَمِيمٌ - صَدِيقٌ قَرِيبٌ. ادْفَعْ - رُدَّ وَاصْرِفْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن مهمة الدعوة إلى الله، وأنها ميراث الأنبياء وتركة رسول الله لنا من بعده، يُعلِّمنا هنا فناً من فنون الدعوة ودرساً من دروسها، ألاَ وهو مقابلة السيئة بالحسنة {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ..} [فصلت: 34]. نعم لا أحدَ يُسوِّي بين الحسنة والسيئة والعقل يؤيد ذلك، تعالَ إلى اللص الذي يسرق أموال الناس، ويسرق ثمرة عرقهم وقُلْ له: أتحب أنْ يسرق الناسُ منك؟ يقول: لا، نقول: إذن لا تحب لهم ما لا تحبه لنفسك، يقول لك: أنت تقيد حريتي وأنا حُرٌّ. نقول له: لا تنسَ أن الله قيَّد حريتك في سرقة الآخرين وأنت فرد واحد، وقيَّد حركة الدنيا كلها في أنْ تسرق منك، فمَنِ المستفيد؟ كذلك في أمور الشرع التي حرَّم الله فيها أنْ تعتدي على الآخرين حرَّم عليهم جميعاً الاعتداء عليك، قال لك: لا تنظر إلى ما حرَّم الله عليك بشهوة. وأمر الناس جميعاً أن لا ينظروا إلى محارمك. والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا نموذجاً في حكمة الدعوة، حديث : حين جاءه شاب صادقُ الإيمان، لكن عنده أمر ومسألة لا يستطيع الإقلاع عنها، وهي شهوة النظر وشهوة الميل إلى النساء، فجاء وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إئذن لي بالزنا. وتأمل هنا حكمته صلى الله عليه وسلم، قال للشاب دون أنْ ينهره أو يقسو عليه، إنما تبسَّم في وجهه وطمأنه أنه أمام داء له دواء، طالما أنه صادق الإيمان يواجه النبيَّ بدائه، لم يغُشّ رسول الله ولم يغُشّ نفسه. لذلك وصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدواء الذي اجتثَّ هذا الداء من جذوره، وقام الشاب من عند رسول الله وأشدَّ ما يكرهه الزنا. قال له رسول الله: "يا هذا أتحب ذلك لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لأختك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لزوجتك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لابنتك؟ قال: لا يا رسول الله ... وما زال الرسول يذكر له النساء من أهله حتى ذكر العمة والخالة، وحتى قال الشاب: لا يا رسول الله جُعلْتُ فداكَ، فقال رسول الله: كذلك الناسُ يا أخا العرب لا يحبونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم ...." . تفسير : عندها قال الشاب: والله ما هممتُ بشيء أنظر إليه إلا تذكرتُ أمي وأختي وزوجتي وابنتي. إذن: الدين يحتاج في الدعوة إليه إلى لِينٍ وحكمة وموعظة حسنة حتى يُقبل منك ما تقول، لأن الذي تنصحه بأمر من أمور الدين وهو على غير دينك، أو على دينك لكنه ألِفَ المعصية وثقُلَتْ عليه الطاعة، ينبغي عليك أنْ تُخرجه مما ألفَ بأسلوب لا يكرهه، حتى لا تجمع عليه المعاناة حين تخلعه مما يحب، وقسوة الأسلوب وفظاظته، يكفي أن تُخرجه مما أحب بما لا يكره، وبذلك تمنع عنه شراسة الجدل وثورة العناد والمكابرة. وكذلك في المعاملة، عليك أنْ تواجه السيئة بالحسنة {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [فصلت: 34] يعني: رُدّ باللين وبالحسنى {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] العداوة المدمرة هي التي تكون بين اثنين عدوين، كل منهما عدو للآخر، وفي هذه الحالة يستشري العداء ويستحكم، ولا نصل فيه إلى حَلٍّ، فمتى تنكسر حِدَّة العداوة؟ تنكسر حِدَّتها حينما تكون من جانب واحد، جانب عدو وجانب متسامح لا يرد السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وفي هذه الحالة تهدأ نفسُ العدو، ولا يجد مجالاً لعداوته، وهذه أولى خطوات الإصلاح أنْ تأخذ عدوك في جانبك، لذلك يقولون: لا تكافئ مَنْ عصى الله فيك بأكثر من أنْ تطيع الله فيه. وبهذه الطريقة ينقلب العدو إلى {وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] يعني: صديق قريب مُحب مخلص كيف؟ لا تقل كيف، بقدرة الله خالق هذه النفوس وهذه القلوب ومُقلِّبها. جاء رجل يشكو قسوةَ أحد الأقارب، فقلنا له: يا شيخ اصبر عليه وقابله بالتي هي أحسن، وتودَّدْ إليه عَلَّ الله يصلح ما بينكما، بعدها جاء وقال: دفعتُ بالتي هي أحسن فلم يزدد إلا قسوةً وصار أشدَّ مما كان، قلت له: إذن راجع نفسك لأن كلام الله قضية مُسلّمة، وابحث عن السبب عندك، فلعلك ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، والحقيقة أنك لم تدفع بالتي هي أحسن، أو أنك أردتَ أنْ تُجرِّب مع الله، والله تعالى لا يُجرَّب، التجربة مع الله شَكٌّ، فلو صدقتَ مع الله لصدَقَ الله معك. وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى: شعر : يا مَنْ تُضايقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي ادفَعْ فَدَيتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على سبيل التعليم والإرشاد لعموم العباد: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ} أي: لا تستوي جنس الحسنات بل هي متفاوتة في الحسن والبهاء {وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ} أي: وكذا لا تستوي جنس السيئات أيضاً بعضها أسوأ من بعض {ٱدْفَعْ} أيها السالك القاصد سلوط طريق التوحيد من جادة العدالة المنكشفة لأكمل افرسل وأفضل الأنبياء الهادين، المرشدين إلى بحر الوحدة الذاتية من جدوال الأسماء والصفات المترشحة منها حسب تموجاتها وتطوراتها المتفرعة على شئونها الذاتية {بِٱلَّتِي} أي: بالخصلة الحسنة التي {هِيَ أَحْسَنُ} الحسنات أسوأ السيئات، ودوام عليها، وتخلق بها حتت تستوي وتستقيم أنت على جادة العدالة الإلهية. وبعد استقامتك وتحققك في هذه المرتبة {فَإِذَا ٱلَّذِي} كان {بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ} مستمرة ناشئة من القوى البهيمية من كلا الطرفين، صار صديقك وخليلك إلى حيث {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ} حفيظ لك، رقيب على حضانتك عن جميع ما يؤذيك ويرديك، فكيف يؤذيك؛ إذ هو {حَمِيمٌ} [فصلت: 34] مشفق كريم رءوف، رحيم لك، لا يخاصمك أصلاً. {وَ} لكن {مَا يُلَقَّاهَا} أي: الخصلة الحميدة الحسنة التي هي دفع الإساء بالإحسان، والمكروه بالمعروف، والقهر باللطف {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي: الأبطال المتحملون الذين صبروا على كظم الغيظ وتحمل المتاعب والمشاق المتعاقبة على نفوسهم؛ لتحققهم بمقام الرضا والتسلي بما جرى عليهم من القضاء، وتمكنهم في مقر التوحيد المسقط للإضافات، المستلزمة لأنواع الاختلافات والانحرافات {وَ} بالجملة: {مَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] ونصيب كامل من الكشف والشهود بأسرار الوجود بمقتضى الجود الإلهي. {وَ} بعدما أرشد سبحانه عموم عباده إلى طريق النجاة، وعلمهم الخصلة المحمودة المخلِّصة لهم عن أدوية الضلالات والجهالات، وأوصاهم بأا أوصاهم من الصبر والثبات على تحمل المشاق والمكروهات، خاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم بما خاطب حثاً له ولمن تبعه واسترشد منه على دفع ما يمنعهم عن الاتصاف بتلك الخصال الحميدة، ويعوقهم منها بالإضلال والإغواء، فقال: {إِمَّا يَنزَغَنَّكَ} ويعرضن عليك يا أكمل الرسل {مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ} المضل المغوي {نَزْغٌ} نخس يحرك غضبك وحمية بشريتك، ويوقعن فيك بوسوسته فتنة تبعثك على الإساءة والانتقام بترك تلك الخصلة المحمودة {فَٱسْتَعِذْ} بالله أي: بادر إلى الإعادة والالتجاء {بِٱللَّهِ} المقلب للقلوب، وفوض أمورك كلها إليه سبحانه على وجه التبتل والإخلاص؛ لتأمين من غوائله وتلبيساته {إِنَّهُ} سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لمناجاتك {ٱلْعَلِيمُ} [فصلت: 36] بحاجاتك وخلوص نياتك فيها. ثم قال سبحانه رداً على المشركين، المتخذين شركاء الله من مظاهره ومصنوعاته ظلماً وزوراً، يعبدونهم كعبادته: {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي: من جملة الدلائل الداتلة على قدرة الصانع الحكيم {ٱلَّيلُ} المظلم {وَٱلنَّهَارُ} المبصر المضيء {وَ} كذا {ٱلشَّمْسُ} المشرق في النهار {وَٱلْقَمَرُ} والمنير في الليل، قل لهم يا أكمل الرسل على وجه التنبيه والتذكير: {لاَ تَسْجُدُواْ} أي: لا تعبدوا ولا تتذللوا أيها الأظلال الهالكة في شمس الذات {لِلشَّمْسِ} المستهلكة أمثالكم في شروق ذاته سبحانه {وَلاَ لِلْقَمَرِ} المستنير منها بالطريق الأولى. بل {وَٱسْجُدُواْ} وتذللوا بوضع جباهكم وجوارحكم على تراب المذلة {لِلَّهِ} الواحد الأحد القدير العزيز {ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ} أي: أظهرهن، وأوجده من كتم العدم على سبيل الإبداع بلا سبق مادة وزمان، بل بمجرد امتداد أظلال أسمائه وبسط عكوس صفاته على مرآة العدم، فعليكم الإطاعة والإنقياد إليه، والتوجه نحوه على وجه الإخلاص والاختصاص فاعبدوه {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ} سبحانه {تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] أيها العابدون المخلصون. وبعدما بلغت إليهم يا أكمل الرسل ما بلغت من الحق الحقيق بالقبول والاتباع {فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ} واستنكفا عن سجود الله، وأصروا على ما هم عليه عن سجود الله، اعرض عنهم وعن نصحهم، ولا تبالِ لهم وبشأنهم {فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل من الملائكة المهيمين، المستغرقين بمطالعة جماله وجلاله، والمحدين المفنين هوياتهم في هوية الله {يُسَبِّحُونَ لَهُ} ويقدسون ذاته عن شوب الشركة مطلقاً، قولاً وفعلاً، وخاطراً وناظراً {بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: في عموم الأوقات والحالات {وَهُمْ} من كمال شوقهم وتحننهم {لاَ يَسْئَمُونَ} [فصلت: 38] أي: لا يملون ولا يفترون منها أصلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ } أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها {أية : هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ }. تفسير : ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة. { فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } أي: كأنه قريب شفيق. { وَمَا يُلَقَّاهَا } أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة { إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا } نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟!! فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يفيده شيئًا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس بواضع قدره، بل من تواضع للّه رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحليًا له. { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 861 : 8 : 6 - سفين عن طلحة بن عمرو عن عطاء في قوله: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال، الاسلام. [الآية 34].
همام الصنعاني
تفسير : 2712- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد في قوله تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: [الآية: 34]، قالَ: المسلم، تسلم عليه إذا لقيته. 2713- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}: [الآية: 34]، قال: وَلِيٌّ قريب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):