Verse. 4267 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

لَا يَسْـَٔمُ الْاِنْسَانُ مِنْ دُعَاۗءِ الْخَيْرِ۝۰ۡوَاِنْ مَّسَّہُ الشَّرُّ فَيَــــُٔـــوْسٌ قَنُوْطٌ۝۴۹
La yasamu alinsanu min duAAai alkhayri wain massahu alshsharru fayaoosun qanootun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يسأم الإنسان من دعاء الخير» أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما «وإن مسه الشر» الفقر والشدة «فيؤس قنوط» من رحمة الله، وهذا وما بعده في الكافرين.

49

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} أي لا يَمَلّ من دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز. قال السدي: والإنسان هاهنا يراد به الكافر. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي قراءة عبد الله «لاَ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْمَال». {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ} الفقر والمرض {فَيَئُوسٌ} من روح الله {قَنُوطٌ} من رحمته. وقيل: «يَئُوسٌ» من إجابة الدعاء «قَنُوطٌ» بسوء الظن بربه. وقيل: «يَئُوسٌ» أي يئس من زوال ما به من المكروه «قَنُوطٌ» أي يظن أنه يدوم؛ والمعنى متقارب. قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا} عافية ورخاء وغِنًى {مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} ضر وسقم وشدة وفقر. {لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي} أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي؛ فيرى النعمة حتماً واجباً على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة؛ ليتبين شكره وصبره. وقال ابن عباس: «هَذَالِي» أي هذا من عندي. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} أي الجنة، واللام للتأكيد. يتمنى الأماني بلا عمل. قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: للكافر أمنيتان أما في الدنيا فيقول: «لَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى»، وأما في الآخرة فيقول: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 27] و{أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً } تفسير : [النبأ: 40]. {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي لنجزينهم. قسم أقسم الله عليه. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} شديد. قوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ} يريد الكافر {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}. وقال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه. ومعنى «نَآى بِجَانِبِهِ» أي ترفَّع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله. وقيل: «نَآى» تباعد. يقال: نأيته ونأيت عنه نأياً بمعنى تباعدت عنه، وأنايته فانتأى: أبعدته فبعُد، وتناؤوا تباعدوا، والمنتأى الموضع البعيد؛ قال النابغة:شعر : فإنَّك كاللَّيلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي وإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عنْكَ واسِعُ تفسير : وقرأ يزيد بن القعقاع و«نَاءَ بِجَانِبِهِ» بالألف قبل الهمزة. فيجوز أن يكون من «ناء» إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأوّل. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} أي أصابه المكروه {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر. وقال ابن عباس: «فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ» فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير، وهو المال وصحة الجسم وغير ذلك، فإن مسه الشر، وهو البلاء أو الفقر، {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} أي: يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير، {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى} أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة، ليقولن هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي، {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: يكفر بقيام الساعة، أي: لأجل أنه خول نعمة يبطر ويفخر ويكفر؛ كما قال تعالى: {أية : كَلآ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6 ــــ 7]. {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىۤ إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} أي: ولئن كان ثم معاد، فليحسنن إلي ربي كما أحسن إلي في هذه الدّار، يتمنى على الله عز وجل، مع إساءته العمل، وعدم اليقين. قال الله تبارك وتعالى: {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال. ثم قال تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي: أعرض عن الطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله عز وجل؛ كقوله جل جلاله: {أية : فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ} تفسير : [الذاريات: 39]. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} أي: الشدة، {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد، فالكلام العريض: ما طال لفظه، وقل معناه. والوجيز عكسه، وهو ما قل ودل. وقد قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ يَسْئَمُ ٱلإِنْسَٰنُ مِن دُعَاءِ ٱلْخَيْرِ } أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ } الفقر والشدّة {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } من رحمة الله وهذا وما بعده في الكافر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لاَّ يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ} أي لا يمل من دعائه بالخير، والخير هنا المال والصحة، قاله السُدي، والإنسان هنا يراد به الكافر. {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} يعني الفقر والمرض، ويحتمل وجهين: أحدهما: يؤوس من الخير قنوط من الرحمة. الثاني: يؤوس من إجابة الدعاء، قنوط بسوء الظن بربه. قوله عز وجل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: رخاء بعد شدة. الثاني: غنى بعد فقر. {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} فيه وجهان: أحدهما: هذا باجتهادي. الثاني: هذا باستحقاقي. {وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً} إنكاراً منه للبعث والجزاء مع ما حظ به من النعمة والرخاء ودفع عنه من الضر والبلاء. {وَلَئِنِ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} الآية. إن كان كما زعمتم رجعة وجزاء فإن لي عنده آجلاً مثل ما أولانيه عاجلاً. وقيل إنها نزلت في النضر بن الحارث. قوله عز وجل: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَئَا بِجَانِبِه} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أعرض عن الإيمان وتباعد من الواجب. الثاني: أعرض عن الشكر وبعد من الرشد. الثالث: أعرض عن الطاعة وبعد من القبول. {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} فيه وجهان: أحدهما: تام لخلوص الرغبة فيه. الثاني: كثير لدوام المواصلة له، وهو معنى قول السدي، وإنما وصف التام والكثير بالعريض دون الطويل لأن العرض يجمع طولاً وعرضاً فكان أعم، قال ابن عباس: الكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {دُعَآءِ الْخَيْرِ} الصحة والمال والإنسان هنا الكافر و {الشَّرُّ} الفقر والمرض.

البقاعي

تفسير : ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور، وتظهر عظائم المقدور، وإلقاؤهم بأيديهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل والرسوخ في العجز، أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال متبدل الأحوال متغير المناهج، إن أحسن بخير انتفخ عظمه وتطاول كبراً، وإن مس ببلاء تضاءل ذلاً وأمتلأ ضعفاً وعجزاً، وذلك ضد مقصود السورة الذي هو العلم، بياناً لأن حال هذا النوع بعيد من العلم، عريق الصفات في الجهل والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى: {لا يسئم} أي يمل ويضجر {الإنسان} أي من الأنس بنفسه الناظر في أعطافه، الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية {من دعاء الخير} أي من طلبه طلباً عظيماً، وذلك دال مع شرهه على جهله، فإنه لو كان عالماً بأن الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء {أية : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}تفسير : [الأعراف: 188] {وإن مسه الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها {فيؤوس} أي عريق في اليأس، وهو انقطاع الرجاء والأمل والحزن العظيم والقطع بلزوم تلك الحالة بحيث صار قدوة في ذلك {قنوط *} أي مقيم في دار انقطاع الأمل والخواطر الرديئة، فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه وأتمه، وهذا هو ما طبع عليه الجنس، فمن أراد الله به منهم خيراً عصمه، ومن أراد به شراً أجراه مع الطبع فكان كافراً، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون, قال أبو حيان: واليأس من صفة القلب, وهو أن ينقطع رجاؤء من الخير، والقنوط أن يظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر، وبدأ بصفة القلب لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من الانكسار. ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره الرديئة على عقله، أتبعه تأكيداً لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس الذي قطع فيه بلزوم الشر وامتناع حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من وجه لا يرجوه، وليس له دليل على ما دوامها وانصرامها لعاد إلى البطر والكبر والأشر، ونسي ما كان فيه من الشدة، فقال مسنداً إلى نفسه الخير بعد أن ذكر الشر، ولم يسنده إليه تعليماً للأدب معبراً بمظهر العظمة تنبيهاً على أن ذلك من جليل التدبير {ولئن أذقناه} أي الإنسان الذي غلبت عليه حالة الأنس بنفسه حتى أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم بل دونها. ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر، قدم هنا ضده على صلته اهتماماً به بخلاف ما في سورة هود عليه السلام فقال: {رحمة منا} أي نعمة عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها، وهو من فائدة التعبير بأداة الشك، ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد جمع مباشرة الأحوال الثلاث: الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي بين حالتي الرضا والسخط، ثم شرع بيان ذلك فقال: {من بعد ضراء} أي محنة وشدة عظيمة {مسته} فطال بروكها عليه؛ وأجاب القسم لتقدمه على الشرط بقوله: {ليقولن} بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيماً لكونها استدراجاً إلى الهلاك: {هذا} أي الأمر العظيم {لي} أي مختص بي لما لي من الفضل، لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالاً من حالة اليأس إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق المحن وينسى أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها، ويطردها بكفرها {وما أظن الساعة} أي القيامة التي هي لعظمها المستحقة أن تختص باسم الساعة {قائمة} أي ثابتاً قيامها، فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله، لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع الرجاء من الخير عند مباشرته للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير: والفرض، لدفع من يعظه محققاً لدوام نعمته: {ولئن رجعت} أي على سبيل الفرض بقسر قاسر ما {إلى ربي} أي الذي أحسن إليّ بهذا الخير الذي أنا فيه {إن لي عنده} وأكده على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قلبه وقالبه {للحسنى} أي الحالة والرتبة البالغة في الحسن حداً لا يوصف لأني أهل لذلك، والدليل على تأهلي له ما أنا فيه الآن من الخير، ونسي ما يشاهده غالباً من أن كثيراً من النعم يكون للاستدارج، ومن أن كثيراً من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به كل نقمه، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا، وفي الآخرة يقول: يا ليتي كنت تراباً، فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء الحال. ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته، سبب عنه سبحانه قوله، مؤكداً في نظير تأكيد هذا الناسي: {فلننبئن} أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل، وجعل الضمير الوصف تصريحاً بالعموم وبياناً للعلة الموجبة فقال: {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه العقول، وأوجبته صرائح النقول، من إقامة الساعة لأظهار جلاله وجماله، ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعو {بما عملوا} لا ندع منه قليلاً ولا كثيراً صغيراً ولا كبيراً، فليرون عياناً ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}تفسير : [الفرقان: 23] {ولنذيقنهم} بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية لمثاقيل الذر {من عذاب غليظ *} لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعه قواهم. ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر، والأمن عند ذوق النعمة بعد الضر، بين حاله عند النعمة مطلقاً ودعاءه عند الشر وإن كان قانطاً تكريراً لتقلب أحواله وتناقص أقواله وأفعاله تصريفاً لذلك على وجوه شتى ليكون داعياً له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان، ومسقطاً عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات، فقال معبراًَ بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه، ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيداً لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفاً للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر: {وإذا أنعمنا} مما لنا من العظمة والإحسان {على الإنسان} أي الواقف مع نفسه نعمة تليق بعظمتنا, فمسه الخير, ولم يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده إيذاناً بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال: {أعرض} أي انحرف عن سواء القصد إلينا عنا في جميع مدة النعمة - بما أفهمه الظرف، فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا، قاطعاً بأن تلك النعمة خير محض ظاهراً وباطناً فهو يستديمها، وربما كانت بلاء استدراجاً وامتحاناً {وناء} أي أبعد إبعاداً شديداً بحيث جعل بيننا وبينه حجاباً عظيماً حال كونه مال {بجانبه} أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه بنفسه وزهوة وتصويراً له بمن كلمته فازور عنك والتوى، وأبعد في ضلاله وغوى. ولما تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة، بين حاله عند مسه وهو يتوقعه، فقال معبراً في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب، ليدل على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع الشر ولا يزال حاله حال الآمن إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قوله: {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه، فالآية من الاحتباك: ذكر الإنعام أولاً دليلاً الانتقام ثانياً وذكر الشر ثانياً دليل الخير أولاً، وسره تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان الكل منه. ولما كان تعظيم العرض دالاً على عظمة الطول، قال معبراً بما يدل على الملازمة والدوام: {فذو دعاء} أي في كشفه، وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفاً إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يعرفه إلا أفراد خصهم الله بلطفه، فدل تركه على عدم شره لما مضى وخفة عقله لما يأتي ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس على عدم صبره وتلاشي جلده وقله حيائه {عريض *} أي مديد العرض جداً، وأما طوله فلا تسأل عنه، وهذا كناية عن النهاية في الكثرة.

التستري

تفسير : قوله: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ}[49] قال: لا يمل من ذكر ربه وشكره وحمده والثناء عليه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} [الآية: 49]. قال: لا يمل العبد من ذكر ربه وشكره وحمده والثناء عليه.

القشيري

تفسير : لا يَمَلُّ الإنسانُ من إرادة النفع والسلامة، وإنْ مَسَّه الشرُّ فيئوسٌ لا يرجو زوالَه لِعَدَمِ علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه.

البقلي

تفسير : وصف الله من لم يعرفه ولم يعرف لطائف بره باوليائه ويكون مقلدا فى الدعاء ومعرضا بسره عنه وبظاهره عن طاعته ليس هو يدعوه بالحقيقة انما يدعو مراده فاذا حصل مراده قام على تكلفه وتقليده وان لم يحصل يراده ويسمه بلاؤه يفر منه ولا يدعوه ولو كان على محل التحقيق فى دعاءه ومعرفته بربه فانه لا يفر من بلائه ولا يقنط من رحمته فان العارف الصادق يستلذ بلاءه كما يستلذ نعمة فى لسان الخلائق لنا فيه اشارة وذلك ان العارف المشتاق الذى من كمال شوقه يريد ان يشرب جميع بحار الازل والا به والربوبية والالوهية والذات والصفات المنزهة عن مباشرة الحدثان بشرية واحدة وهو لا يقدر لانه تعالى منزه عن ان يحيط به احد من خلقه وان كان نبيا مرسلا فاذا وجد نفسه ان يسهل عليها شربها على قدر مذاقها وزيادة يستقيم فى طلبها واذا نظر الى امتناع الالوهية عن ادراكه ييأس ويقنط عن ان يذكره بالحقيقة وهذا اذا كان هو مطالعة فى بصون الازل واكناف القدم وغيوب الابد لورايته يا عاقل كيف يفر من الحق وهو غضبان عليه ومعربد شطاح بتكلمه عرس الانبساط ويخاصمه هذا كله من حيرته فى الله واشتياقه الى درك الحقائق قال سهل فى قوله لا يسأم العارف من مناجاة معروفه بل لا يصبر عنه لحظة ولا نفسا.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يسئم الانسان} اى لا يمل ولا يضجر وبالفارسية ملول نميشود كافر. فهذا وصف للجنس بوصف غالب افراده لما أن اليأس من رحمة الله لا يتأتى الا من الكافر وسيصرح به {من دعاء الخير} اى من دعائه الخير وطلبه السعة فى النعمة واسباب المعيشة فحذف الفاعل واضيف الى المفعول والمعنى أن الانسان فى حال اقبال الخير اليه لا ينتهى الى درجة الا ويطلب الزيادة عليها ولا يمل من طلبها ابدا وفيه اشارة الى أن الانسان مجبول على طلب الخير بحيث لا تتطرق اليه السآمة فبهذه الخصلة بلغ من بلغ رتبة خير البرية وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية وذلك لأنه لما خلق لحمل الامانة التى اشفق منها البرية وابين ان يحملنها وهى عبارة عن الفيض الالهى بلا واسطة وذلك فيض لا نهاية له فحملها احتاج الانسان الى طلب غير متناه فطلب بعضهم هذا الطلب فى تحصيل الدنيا وزينتها وشهواتها واستيفاء لذاتها فما سئم من الطلب وصار شر البرية (قال الحافظ) شعر : تاكى غم دنياى دنى اى دل دانا حيفست زخوبى كه شود عاشق زشتى تفسير : {وان مسه الشر} اى العسر والضيق {فيؤس قنوط} اى يبالغ فى قطع الرجاء من فضل الله ورحمته وبالفارسية واكر برسد ويرابدى جون تنكى وتنكدستى وبيمارى بس نوميدست ازراحت اميد برنده ازرحمت. والقنوط عبارة عن يأس مفرط يظهر اثره فى الشخص فيتضاءل وينكسر فبهذا ظهر الفرق بين اليأس والقنوط وفى التأويلات النجمية وان مشه الشر وهو فطامه عن مألوفات نفسه وهواه فيؤوس قنوط لا يرجو زوال البلايا والمحن لعدم علمه بربه وانسداد الطريق على قلبه فى الرجوع الى الله ليدفع عنه ذلك (قال الحافظ) شعر : سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد كه كس هميشه بكيتى دزم نخواهدماند تفسير : وفيه اشارة الى أن الانسان لا يدعو عارفا بربه طاعة لربه بل لتحصيل مراده واربه ولهذا وقع فى ورطة الفرار واليأس عند ظهور اليأس

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لا يسأمُ الإِنسانُ} أي: جنسه، أو: الكافر، بدليل قوله: {أية : وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً} تفسير : [الكهف: 36]، أي: لا يملّ {من دعاءِ الخيرِ}؛ من طلب السعة في المال والنعمة، ولا يملّ عن إرادة النفع والسلامة، والتقدير: من دعائه الخير، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول، {وإِن مسَّه الشرُّ}؛ الفقر والضيق، {فَيَؤُوسٌ} من الخير {قنوطٌ} من الرحمة، أي: لا يرجو زواله؛ لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى ربه، بُولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فَعول، ومن طريق التكرير؛ لأن اليأس هو القنط، والقنوط: أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ويظهرَ الجزع، وهذا صفة الكافر لقوله: {أية : إِنَّه لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 87]. وقال الإمام الفخر: اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب، والقنوط: إظهار آثاره على الظاهر. هـ. {ولئن أذقناه رحمةً من بعد ضراء مَسَّتْهُ ليقولَنَّ هذا لِي} أي: وإذا فرجنا عنه بصحّة بعد مرض، أو: سعة بعد ضيق، قال: {هذا لي} أي: هذا قد وصل إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير، وفضل، وأعمال برّ، أو: هذا لي لا يزول عني أبداً، {وما أظنُّ الساعةَ قائمةً} أي: ما أظنها تقوم فيما سيأتي، {ولئن رُّجِعْتُ إِلى ربي} كما يقول المسلمون، {إِنَّ لي عنده لَلْحُسْنَى} أي: الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، أو: الجنة. قاس أمر الآخرة على أمر الدينا؛ لأن ما أصابه من نِعَمِ الدنيا، زعم أنه لاستحقاقه إياها، وأن نِعَم الآخرة كذلك. وهذا غرور وحمق، الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أُمنية، "حديث : الجاهل مَن أَتْبَعَ نَفْسه هواها، وتمنّى على الله، والكيِّسُ مَن دَانَ نفسه، وعَمِلَ لما بعد الموتِ ". تفسير : {فلننبئَنَّ الذين كفروا بما عَمِلُوا} أي: فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، {ولَنُذِيقَنَّهم من عذابٍ غليظٍ}؛ شديد، لا يفتر عنهم. {وإِذا أنعمنا على الإِنسان أعْرَضَ}، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان؛ إذا أصابه الله بنعمته، أبطرته النعمة، وأعجب بنفسه، فنسي المنعِّم، وأعرض عن شكره، {ونأى بجانبهِ}؛ وتباعد عن ذكر الله ودعائه وطاعته، أو: ذهب بنفسه وتكبّر وتعاظم، والتحقيق: أن المراد بالجانب النفس، فكأنه قال: وتباعد بنفسه عن شكر ربه، {وإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ}؛ الفقر والضر، {فذو دعاءٍ عريضٍ} أي: تضرُّع كثير، أي: أقبل على دوام الدعاء والابتهال. ولا منافاة بين قوله: {فَيؤوس قنوط} وبين قوله: {فذو دعاء عريض}؛ لأن الأول في قوم، والثاني في قوم، أو: قَنوط في البَر، وذو دعاء عريض في البحر، أو: قَنُوط بالقلب، وذو دعاء باللسان، أو: قَنُوط من الصنم، وذو دعاء لله تعالى. الإشارة: اللائق بالأدب أن يكون العبد عند الشدة داعياً بلسانه، راضياً بقلبه، إن أجابه شكر، وإن منعه انتظر وصبر، ولا ييأس ولا يقنط، فإنه ضَمِنَ الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد، وإن فرّج عنك نسبتَ النعمةَ إليه، دون شيء من الوسائط العادية، هذا ما يُفهم من الآية، وتقدّم الكلام عليها في سورة هود. وبالله التوفيق. ثم وبَّخ مَن أعرض عن النظر، فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ} الجملة منقطعة عن سابقها لفظاً ومعنىً، او جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم ظنّوا ذلك؟ فقال: لانّ الانسان لا يسأم {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} فلذلك ظنّوا انّهم لا محيص لهم.

الهواري

تفسير : قوله: {لاَ يَسْأَمُ} أي: لا يمل {الإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ}. والخير عند المشرك الدنيا والصحة فيها والرخاء. {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ} أي في ذهاب مال أو مرض لم تكن له حسبة ولم يرج ثواباً ويئس من كل خير، أي: لا يرجو ثواباً في الآخرة، ولا أن يرجع إلى ما كان فيه من الرخاء. قال الله عز وجل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا} أي: رخاء وعافية {مِن بَعْدِ ضَرَّاء} أي شدة {مَسَّتْهُ} أي: في ذهاب مال أو مرض {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [أي بعلمي] وأنا محقوق بهذا. إنما همته الدنيا، فإن أصابته رحمة، أي: رخاء وعافية قال: لا تذهب عني هذه أبداً. قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: ليست بقائمة {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي} كما تقولون {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} أي: الجنة، إن كانت جنة؛ كقوله تعالى: {وَلَئِنْ رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي} كما يقول الرجل لصاحبه، وهما اللذان في سورة الكهف (أية : لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً) تفسير : [الكهف:36] ولكن ليس ثمة رجعة. قال الله عزَّ وجل: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا} أي يوم القيامة {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي: شديد، يعني جهنم. وقوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ) أي: ولنعذبنهم. قوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ} أي: عنا {وَنَأى بِجَانِبِهِ} أي: تباعد. وهو مثل قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} أي أعرض (أية : كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ) تفسير : [يونس:12]. قال: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي: كثير.

اطفيش

تفسير : {لاَّ يَسْأََمُ} لا يمل* {الإِنسَانُ} الكافر (وال) لجنس الانسان الكافر وقيل نزلت في كفار قريش وقيل نزلت في الوليد ابن المغيرة وقيل في عتبة ابن ربيعة* {مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ} المال والصحة والولد وغيرهما والدعاء السؤال والطلب. وقرأ ابن مسعود: من الدعاء بالخير وكذا في مصحفه قال ابن هشام اضافة دعاء للخير اضافة مصدر لمفعوله والفاعل محذوف أى دعاء الخير {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ} من نحو ضيق في مال {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} أي هو يئوس قنوط مثل به ابن هشام بقوله: {أية : من عمل صالحاً} تفسير : الى آخر لحذف المبتدأ في كثير جواب الشرط واليأس كثير انقطاع الرجاء وعظيم انقطاعه والقنوط بمعناه توكيد له والذي كثر وعظم ظهور أثر اليأس منه فيتصاغر وينكسر وذلك وصف عظيم للكافر باليأس ما فضل الله بالغ فيه بالاتيان بالوصفين صفتي مبالغة وتكرير الوصف ومن (القنوط) من ظهور أثر اليأس جاء زيادة على اليأس وذلك دليل على ان المراد بالانسان الكافر انه {أية : لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} تفسير : وزعم بعضهم ان الانسان مطلق وضمير مسه للكافر وفيه شبه الاستخدام والتحقيق ان المراد الكافر بدليل اليأس والقنوط وقوله هذا الخ* ولذلك فسرنا (الخير) بنحو المال والصحة والولد والمسلم لا يطلب هذا وحده ولا يطلبه بالذات بل يطلبه ليوصله للجنة ويطلب معه الهداية في العون.

اطفيش

تفسير : {لا يَسأم} لا يمل {الإنسان مِنْ دُعاءٍ} طلب {الخيْر} المال وأسبابه، والصحة والشفاء والجاه، وزوال الحزن، وغير ذلك، ولا يفتر {وإنْ مَسَّه} أصابه مجاز لاستعارة لجامع الحضور {الشَّرُّ} ضد الخير المذكور {فيئوسٌ} فهو عظيم الاياس من الخير {قَنُوطٌ} منقطع الرجاء انقطاعا عظيما، ولا يظهر ما قيل إن القنوط ظهور أثر الحزن على البدن من الذبول، ورقة الجسم، والصوت، وقد قال الله تعالى: "أية : لا تقْنطوا منْ رحمَة الله "تفسير : [الزمر: 53] فقنوط تأكيد ليؤس أو هو أشد اليأس، والآية نزلت فى الوليد بن المغيرة، أو عتبة بن ربيعة.

الالوسي

تفسير : {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ} لا يمل ولا يفتر {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} من طلب السعة في النعمة وأسباب المعيشة. و{دُعَآءِ} مصدر مضاف للمفعول وفاعله محذوف أي من دعاء الخير هو. وقرأ عبد الله {من دعاء بالخير} بباء داخلة على الخير {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ} الضيقة والعسر {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} أي فهو يؤس قنوط من فضل الله تعالى ورحمته، وهذا صفة الكافر. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في عتبة بن ربيعة وقد بولغ في يأسه من جهة الصيغة لأن فعولاً من صيغ المبالغة ومن جهة التكرار المعنوي فإن القنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ولما كان أثره الدال عليه لا يفارقه كان في ذكره ذكره ثانياً بطريق أبلغ، وقدم اليأس لأنه صفة القلب وهو أن يقطع رجاءه من الخير وهي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من التضاؤل والانكسار.

ابن عاشور

تفسير : {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}. اعتراض بين أجزاء الوعيد. والمعنى: وعلموا ما لهم من محيص. وقد كانوا إذا أصابتهم نعماء كذّبوا بقيام السّاعة فجملة {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير} إلى قوله: {قنوط} تمهيد لجملة {ولئن أذقناه رحمةً منا} الخ... وموقع هذه الآيات عقب قوله { أية : ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك } تفسير : [فصلت: 47] الخ يقتضي مناسبة في النّظم داعية إلى هذا الاعتراض فتلك قاضية بأنّ الإنسان المخبر عنه بأنّه لا يسأمُ من دعاء الخير وما عطف عليه هو من صنف النّاس الذين جرى ذِكر قصصهم قبل هذه الآية وهم المشركون، فإمّا أن يكون المراد فريقاً من نوع الإنسان، فيكون تعريف {الإنسان} تعريف الجنس العام لكن عمومه عرفي بالقرينة وهو الممَثل له في علم المعاني بقولكَ: جمع الأمير الصاغة. وإمّا أن يكون المراد إنساناً معيناً من هذا الصنف فيكون التعريف تعريف العهد. كما أن الإخبار عن الإنسان بأنّه يقول: ما أظنّ الساعة قائمة، صريح أن المخبر عنه من المشركين معيناً كان أو عاماً عموماً عرفياً. فقيل المراد بالإنسان: المشركون كلّهم، وقيل أريد به مشرك معين، قيل هو الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة بن ربيعة. وأيًّا مَّا كان فالإخبار عن إنسان كافر. ومحمل الكلام البليغ يرشد إلى أنَّ إناطة هذه الأخبار بصنف من المشركين أو بمشرك معين بعنوان إنسان يومىء بأنّ للجبلة الإنسانية أثراً قوياً في الخُلُق الذي منه هذه العقيدة إلا من عصمه الله بوازع الإيمان. فأصل هذا الخُلق أمر مرتكز في نفس الإنسان، وهو التوجه إلى طلب الملائم والنافع ونسيان ما عسى أن يحل به من المؤلم والضار، فبذلك يأنس بالخير إذا حصل له فيزداد من السعي لتحصيله ويحسبه كالملازم الذاتي فلا يتدبر في مُعطيه حتى يشكره ويسأله المزيد تخضعاً، وينسى ما عسى أن يطرأ عليه من الضرّ فلا يستعد لدفعه عن نفسه بسؤال الفاعل المختار أن يدفعه عنه ويعيذه منه. فأما أنّ الإنسان لا يسأم من دعاء الخير فمعناه: أنّه لا يكتفي، فأطلق على الاكتفاء والاقتناع السآمة، وهي الملَل على وجه الاستعارة بتشبيه استرسال الإنسان في طلب الخير على الدوام بالعمل الدائم الذي شأنه أن يسأم منه عامله فنفيُ السآمة عنه رمزٌ للاستعارة. وفي الحديث: « حديث : لوْ أن لابن آدم واديين من ذهب لأحبّ لهما ثالثاً، ولو أن له ثلاثة لأحبّ لهما رابعاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلاّ التراب »تفسير : ، وقال تعالى: { أية : وإنّه لِحُبّ الخير لشديد } تفسير : [العاديات: 8]. والدعاء: أصله الطلب بالقول، وهو هنا مجاز في الطلب مطلقاً فتكون إضافته إلى الخير من إضافة المصدر إلى ما في معنى المفعول، أي الدعاء بالخير أو طلب الخير. ويجوز أن يكون الدعاء استعارة مكنية، شبه الخير بعاقل يسأله الإنسان أن يُقبِل عليه، فإضافة الدعاء من إضافة المصدر إلى مفعوله. وأما أن الإنسان يئوس قنوط إن مسه الشر فذلك من خُلق قلة صبر الإنسان على ما يتعبه ويَشق عليه فيضجر إن لحقه شرّ ولا يوازي بين ما كان فيه من خير فيقول: لئن مسني الشرّ زمناً لقد حلّ بي الخير أزماناً، فمن الحق أن أتحمل ما أصابني كما نعمت بما كان لي من خير، ثم لا ينتظر إلى حين انفراج الشرّ عنه وينسى الإقبال على سؤال الله أن يكشف عنه الضر بل ييأس ويقنط غضباً وكبراً ولا ينتظر معاودة الخير ظاهراً عليه أثرُ اليأس بانكسار وحزن. واليأس فعل قلبي هو: اعتقاد عدم حصوله الميؤوس منه. والقُنوط: انفعال يدني من أثَر اليأس وهو انكسار وتضاؤل. ولم يذكر هنا أنّه ذو دعاء لله كما ذكر في قوله الآتي: { أية : وإذا مسه الشرُّ فذو دعاء عريض } تفسير : [فصلت: 51]. لأنّ المقصود أهل الشرك وهم إنّما ينصرفون إلى أصنامهم. وقد جاءت تربية الشريعة للأمّة على ذم القنوط، قال تعالى حكاية عن إبراهيم { أية : قال ومن يَقنَط من رحمة ربّه إلاّ الضَّالون } تفسير : [الحجر: 56]، وفي الحديث « حديث : انتظار الفرج بعد الشدّة عبادة » تفسير : . فالآية وصفت خُلقين ذميمين: أحدهما خلق البطر بالنعمة والغفلة عن شكر الله عليها. وثانيهما اليأس من رجوع النعمة عند فقدها. وفي نظم الآية لطائف من البلاغة: الأولى: التعبير عن دوام طلب النّعمة بعَدم السآمة كما علمْتَه. الثانية: التعبير عن محبّة الخير بدُعاء الخير. الثالثة: التعبير عن إضافة الضر بالمسّ الذي هو أضعف إحساس الإصابة قال تعالى: { أية : لا يَمَسُّهم السوء } تفسير : [الزمر: 61]. الرّابعة: اقتران شرط مسّ الشر بــ{إنْ} التي من شأنها أن تدخل على النادر وقوعُه فإن إصابة الشر الإنسانَ نادرة بالنسبة لما هو مغمور به من النعم. الخامسة: صيغة المبالغة في {يَؤُوس}. السّادسة: إتْباع {يؤوس} بــ{قنوط} الذي هو تجاوز إحساس اليأس إلى ظاهر البدن بالانكسار، وهو من شدّة يَأسه، فحصلت مبالغتان في التّعبير عن يأسه بأنّه اعتقاد في ضميره وانفعال في سحناته. فالمشرك يتأصّل فيه هذا الخُلق ويتزايد باستمرار الزّمان. والمؤمن لا تزال تربية الإيمان تكفه عن هذا الخلق حتى يزول منه أو يكاد. ثم بينت الآية خلقاً آخر في الإنسان وهو أنّه إذا زال عنه كربه وعادت إليه النّعمة نسي ما كان فيه من الشّدة ولم يتفكر في لطف الله به فبطر النّعمةَ، وقال: قد استرجعت خيراتي بحيلتي وتدبيري، وهذا الخير حق لي حصلت عليه، ثمّ إذا كان من أهل الشرك وهم المتحدث عنهم تراه إذا سمع إنذار النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الساعة أو هجس في نفسه هاجس عاقبة هذه الحياة قال لمن يدعوه إلى العمل ليوم الحساب أو قال في نفسه {ما أظنّ السّاعة قائمة} ولئن فَرَضت قِيام السّاعة على احتمال ضعيف فإنّي سأجد عند الله المعاملة بالحسنى لأنّي من أهل الثراء والرفاهية في الدّنيا فكذلك سأكون يوم القيامة. وهذا من سوء اعتقادهم أن يحسبوا أحوال الدّنيا مقارنة لهم في الآخرة، كما حكى الله تعالى عن العاصي بن وائل حين اقتضاه خبَّاب بن الأرتِّ مالاً له عنده من أجر صناعةِ سيف فقال له: حتى تكفر بمحمد؟ فقال خبَّاب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك، فقال: أوَ إنِّي لميّت فمبعوث؟ قال: نعم. فقال: لئن بعثني الله فسيكون لي مالي فأقضيك، فأنزل الله تعالى: { أية : أفرَأيت الذي كفَر بآياتنا وقال لأوتيَنَّ مالاً وولداً } تفسير : الآيات من سورة مريم (77). ولَعَل قوله: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} إنّما هو على سبيل الاستهزاء كما في مقالة العاصي بن وائل. وذِكر إنكار البعث هنا إدماج بذكر أحوال الإنسان المشرك في عموم أحوال الإنسان. وجيء في حكاية قوله {ولئن رجعت} بحرف (إنْ) الشرطية التي يَغلب وقوعها في الشرط المشكوك وقوعه لأنّه جعل رجوعه إلى الله أمراً مفروضاً ضعيف الاحتمال. وأما دخول اللام الموطئة للقسم عليه فمورد التحقيق بالقسم هو حصول الجواب لو حصل الشرط. وكذلك التأكيد بــ {إن} ولام الابتداء مورده هو جواب الشرط، وكذلك تقديم {لي} و{عنده} على اسم {إنَّ} هو لتقوّي ترتب الجواب على الشرط. والحسنى: صفة لموصوف محذوف، أي الحالة الحسنى، أو المعاملة الحسنى. والأظهر أن الحسنى صارت اسماً للإحسان الكثير أخذاً من صيغة التفضيل. واعلم أن الإنسان متفاوتة أفراده في هذا الخُلق المعزوّ إليه هنا على تفاوت أفراده في الغرور، ولما كان أكثر النّاس يومئذٍ المشركين كان هذا الخلق فاشياً فيهم يقتضيه دين الشرك. ولا نظر في الآية لمن كان يومئذٍ من المسلمين لأنهم النادر، على أن المسلم قد يخامره بعض هذا الخلق وترتسم فيه شِيَات منه ولكن إيمانه يصرفه عنه انصرافاً بقدر قوة إيمانه، ومعلوم أنّه لا يبلغ به إلى الحد الذي يقول {وما أظنّ الساعة قائمة}، ولكنه قد تجري أعمال بعض المسلمين على صورة أعمال من لا يظنّ أن الساعة قائمة مثل أولئك الذّين يأتون السيئات ثم يقولون: إن الله غفور رحِيم، والله غني عن عذابنا، وإذا ذكر لهم يوم الجزاء قالوا: ما ثَمّ إلا الخير ونحو ذلك، فجعل الله في هذه الآية مذمّة للمشركين وموعظة للمؤمنين كمَداً للأوّلين وانتشالاً للآخرين. {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}. تفريع على جملة { أية : ويوم يناديهم أين شركائي } تفسير : [فصلت: 47] وما اتصل بها أي فلنعلمنّهم بما عَمِلوا عَلناً يعلَمُون به أنّا لا يخفى علينا شيء مما عملوه وتقريعاً لهم. وقول: {الذين كفروا} إظهار في مقام الإضمار، ومقتضى الظّاهر أن يقال: ولننبئنّهم بما عملوا، فعدل إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من علة استحقاقهم الإذاقة بما عملوا وإذاقة العذاب. وقوله: {ولنذيقنهم من عذاب غليظ} هو المقصود من التفريع. والغليظ حقيقته: الصلب، قال تعالى: { أية : فاستغلظ فاستوى على سوقه } تفسير : [الفتح: 29]، وهو هنا مستعار للقويّ في نوعه، أي عذاب شديد الإيلام والتعذيب، كما استعير للقساوة في المعاملة في قوله { أية : واغلظ عليهم } تفسير : [التوبة: 73] وقوله: { أية : وليجدوا فيكم غلظة } تفسير : [التوبة: 123]. والإذاقة: مجاز في مطلق الإصابة في الحسّ لإطماعهم أنّها إصابة خفيفة كإصابة الذوق باللّسان. وهذا تجريد للمجاز كما أن وصفه بالغليظ تجريد ثان فحصل من ذلك ابتداء مُطمِع وانتهاء مُؤيِس.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يسأم الإِنسان من دعاء الخير: أي لا يمل ولا يكل من سؤال طلب المال والصحة والعافية. وإن مسه الشر فيئوس قنوط: أي المرض والفقر وغيرهما فيئوس من رحمة الله قنوط ظاهر عليه اليأس. من بعد ضراء مسته: أي من بعد شدة أصابته وبلاء نزل به. ليقولن هذا لي: أي استحققته بعملي ومما لي من مكانة. وما أظن الساعة قائمة: أي ينكر البعث ويقول: ما أظن الساعة قائمة. إن لي عنده للحسنى: أي وعلى فرض صحة ما قالت الرسل من البعث إن لي عند الله الجنة. أعرض ونأى بجانبه: أي أَعرض عن الشكر ونأى بجانبه متبختراً مختالاً في مشيته. فذو دعاء عريض: أي فهو ذو دعاء لربه طويل عريض يارباه يارباه. معنى الآيات: يخبر تعالى عن الإِنسان الكافر الذي لم تزك نفسه ولم تطهر روحه بالإِيمان وصالح الأعمال إنه لا يسأم ولا يمل من دعاء الخير أي المال والولد والصحة والعافية فلا يشبع من ذلك بحال. ولئن مسه الشر من ضر وفقر ونحوهما فهو يئوس قنوط يؤوس من الفرج وتبدل الحال من عسر إلى يسر قنوط ظاهر عليه آثار اليأس في منطقة وفي حاله كله هذا ما تضمنته الآية الأولى [49] {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} وأما الآية [50] فإن الله تعالى يخبر أيضا عن الإِنسان الكافر إذا أذاقه الله رحمة منه من مال وصحة واجتماع شمل مثلا، وذلك من بعد ضراء مسته من مرض وفقر ونحوهم ليقولون لجهله وسفهه: هذا لي أي استحققته بمالي من جهد ومكانه وعلم وإذا ذكر بالساعة من أجل أن يرفق أو يتصدق يقول ما أظن الساعة قائمة كما تقولون وإن قامت على فرض صحة قولكم إن لي عنده أي عند الله للحسنى أي للحالة الحسنى من غنى وغيره وجنة إن كانت كما تقولون. وقوله تعالى {فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي يوم القيامة عند عرضهم علينا، ولنذيقهم من عذاب غليظ يخلدون فيه لا يخرجون منه أبداً. وقوله تعالى في الآية الأخيرة [51] وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمة المال والولد والصحة أعرض عن ذكرنا وشكرنا وتخلى عن طاعتنا ونأى بجانبه متباعداً متبختراً مختالا يكاد يضاهى الطاووس في مشيته. وإذا سلبناه ذلك ومسه الشر من مرض وفقر وجهد وبلاء فهو ذو دعاء عريض لنا يارب يارب يارب. هذا ليس الرجل الأول الذي ييأس ويقنط، ذاك كافر، وهذا مؤمن ضعيف الإِيمان جاهل لا أدب عنده ولا خلق. وما أكثر هذا النوع من الرجال في المسلمين اليوم والعياذ بالله تعالى فالأول عائد إلى ظلمة نفسه بالكفر، وهذا عائد إلى سوء تربيته وسوء خلقه وظلمة جهله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حال الإِنسان قبل الإِيمان والاستقامة فإنه يكون أحط المخلوقات قدراً وأضعفها شأنا. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض الأحداث فيها. 3- ذم اليأس والقنوط والكبر والاختيال، والكفر للنعم ونسيان المنعم وعدم شكره.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْأَمُ} {ٱلإِنْسَانُ} {فَيَئُوسٌ} (49) - لاَ يَمَلُّ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَائِهِ رَبَّهُ وَسُؤَالِهِ إِيَّاهُ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالٍ، وَصِيحَّةٍ وَعِزٍّ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَرُّ وَالضُرُّ فَقَدَ الأَمَلَ والرَّجَاءَ، وَظَنَّ أَنْ لاَ مَخْرَجَ لَهُ مِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ البَلاَءِ وَلاَ فَرَجَ، لِضعْفِ ثِقَتِهِ بِرَبِّهِ. القُنُوطُ - ظُهُورُ أَثَرِ اليَأْسَ عَلَى الإِنْسَانِ. اليَأْسُ - انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ. لاَ يَسْأَمُ - لاَ يَمَلُّ وَلاَ يَفْترُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ} لا يملّ {ٱلإِنْسَانُ} المراد الكافر {مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} من طلب الخير لنفسه، الخير في ماله في أولاده، في صحته وعافيته، ترى الرجل يقول: يا رب شقة أسكن فيها، فإنْ أعطاه الله الشقة قال: يا رب (فيلا) صغيرة فإنْ أعطاه الله قال: يا رب عمارة تصرف على (الفيلا). فالإنسان جُبِلَ على حب الخير وعلى الطمع (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، وقليل من الناس مَنْ يأخذ الأمور على قدرها. سيدنا داود عليه وعلى نبينا السلام أعطاه اللهُ من الخيرات الكثير ومع ذلك جلس في يوم من الأيام على سطح بيته فوجد سِرْباً من جراد من ذهب فثنَى ثوبه وأخذ يجمع فيه الجراد، فتجلَّى الله له وقال: يا داود ألَمْ أُغْنِكَ؟ قال: بلى يا رب لكن لا غِنَى لي عن فضلك. فإذا كان هذا حال نبي الله داود، فما بال المؤمن العادي؟ وما بال غير المؤمنين، أمثال مَنْ نزلت فيهم هذه الآية، ومن قال الله فيه {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] أو: {أية : إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]. إذن: فالإنسان هنا يعني الكافر، لأن الحق سبحانه أراد للمؤمن أن يكون قَنُوعاً، هذه القناعة التي علَّمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابي الجليل عمه العباس بن عبد المطلب: "حديث : قليل يكفيك خير من كثير يطغيك ". تفسير : وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع" وقال: "فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسِه" ". تفسير : وفي الحديث القدسي: "حديث : مَنْ رضي بقَدَري أعطيته على قَدْري ". تفسير : الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا هنا طرق الوقاية من أمراض كثيرة، ويُعطينا الحلول الشافية لاقتصاديات الشعوب، قديماً كان الأطباء لا يروْنَ علاقة بين ضيق التنفس والمعدة، يقولون: التنفس في الرئتين، والطعام في المعدة، والآن تأكدوا أن العلاقة بينهما وطيدة، فإذا امتلأتْ المعدة بالطعام ضغطتْ على الحجاب الحاجز وضيَّقتْ على الرئة وأرهقتْ القلب. لذلك وجدوا تصحيح هذه المعلومة في حديث سيدنا رسول الله الذي يُعلِّمنا فيه كيفية الجمع بين مُقوِّمات الحياة المختلفة من طعام وماء وهواء، وألاَّ يكون المؤمن نَهِماً "ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شراً من بطنه". قلنا: إنك إذا عُدْتَ من عملك جائعا لا تنتظر الطعام حتى ينضج وربما تجد أمامك بقايا طعام سابق، كِسْرة خبز وعود جرجير وجبنة، فتأكل وتجد لهذا الطعام البسيط طعماً ولذة، لماذا؟ لأنك أكلتَ وأنت جائع، والجوع يجعلك تقبل أيّ شيء وتستسيغه. لذلك قال الرجل العربي صاحب الفطرة السليمة: نِعْم الإدامُ الجوع، وقال: طعام الجائع هَنِئ، وفراش المتعَب وطيء يعني مريح، نعم تجد المتعَب ينام ملء عينيه، ولو نام على الحصى والحصير، وغير المتعب يتقلَّب في فراشه مُؤرقاً، حتى لو نام على الحرير. إذن: نقول تأملوا الإسلام، ففيه حَلٌّ لمشكلاتنا الاقتصادية وأزماتنا المتتالية. الإسلام يُعلِّمني أنْ أقنع بما في يدي، وألاَّ أتطلع إلى ما هو فوق إمكاناتي، لأن الذي ينظر إلى ما هو فوق إمكاناته، كالذي يشرب من ماء البحر، كلما شرب ازداد عطشاً. ثم يكمل الحق سبحانه الصورة: {وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 49] إنْ أصابه الشر (فَيَئُوسٌ) هذه صيغة مبالغة من اليأس والعياذ بالله، واليائس هو مَنِ انقطع أمله ورجاؤه، واليأس صفة الوجدان، أما (قَنُوطٌ) فهي أيضاً صيغة مبالغة من قانط، وهذه صفة الأبدان، قالوا: لأن القنوط أثر اليأس الذي يظهر على الأبدان وعلى الوجه خاصة، فتراه مُغبراً مُكشراً مقشعراً والعياذ بالله من حال هؤلاء، أما المؤمن فتعلو وجهه سيما الصلاح ونور الإيمان تجده هاشاً باشاً مُنشرحَ الصدر مُبتسماً مُستبشراً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ} معناه لا يَملُّ. وقوله تعالى: {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} معناه يَيأسُ ويَقنِطُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار عن طبيعة الإنسان، من حيث هو، وعدم صبره وجلده، لا على الخير ولا على الشر، إلا من نقله الله من هذه الحال إلى حال الكمال، فقال: { لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ } أي: لا يمل دائمًا، من دعاء الله، في الغنى والمال والولد، وغير ذلك من مطالب الدنيا، ولا يزال يعمل على ذلك، ولا يقتنع بقليل، ولا كثير منها، فلو حصل له من الدنيا، ما حصل، لم يزل طالبًا للزيادة. { وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ } أي: المكروه، كالمرض، والفقر، وأنواع البلايا { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } أي: ييأس من رحمة الله تعالى، ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك، ويتشوش من إتيان الأسباب، على غير ما يحب ويطلب. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب، شكروا الله تعالى، وخافوا أن تكون نعم الله عليهم، استدراجًا وإمهالا وإن أصابتهم مصيبة، في أنفسهم وأموالهم، وأولادهم، صبروا، ورجوا فضل ربهم، فلم ييأسوا. ثم قال تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ } أي: الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيئوس قنوط { رَحْمَةً مِنَّا } أي: بعد ذلك الشر الذي أصابه، بأن عافاه الله من مرضه، أو أغناه من فقره، فإنه لا يشكر الله تعالى، بل يبغى، ويطغى، ويقول: { هَذَا لِي } أي: أتاني لأني له أهل، وأنا مستحق له { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } وهذا إنكار منه للبعث، وكفر للنعمة والرحمة، التي أذاقها الله له. { وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } أي: على تقدير إتيان الساعة، وأني سأرجع إلى ربي، إن لي عنده، للحسنى، فكما حصلت لي النعمة في الدنيا، فإنها ستحصل ]لي[ في الآخرة وهذا من أعظم الجراءة والقول على الله بلا علم، فلهذا توعده بقوله: { فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي: شديد جدًا. { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ } بصحة، أو رزق، أو غيرهما { أَعْرَضَ } عن ربه وعن شكره { وَنَأَى } ترفع { بِجَانِبِهِ } عجبا وتكبرًا. { وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ } أي: المرض، أو الفقر، أو غيرهما { فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } أي: كثير جدًا، لعدم صبره، فلا صبر في الضراء، ولا شكر في الرخاء، إلا من هداه الله ومنَّ عليه.