Verse. 4269 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

وَاِذَاۗ اَنْعَمْنَا عَلَي الْاِنْسَانِ اَعْرَضَ وَنَاٰ بِجَانِبِہٖ۝۰ۚ وَاِذَا مَسَّہُ الشَّرُّ فَذُوْ دُعَاۗءٍ عَرِيْضٍ۝۵۱
Waitha anAAamna AAala alinsani aAArada wanaa bijanibihi waitha massahu alshsharru fathoo duAAain AAareedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا أنعمنا على الإنسان» الجنس «أعرض» عن الشكر «وناء بجانبه» ثنى عطفه متبختراً، وفي قراءة بتقديم الهمزة «وإذا مسه الشر فذو دعاءٍ عريض» كثير.

51

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَٰنِ } الجنس {أَعْرَضَ } عن الشكر {وَنَئَا بِجَانِبِهِ } ثنى عطفه متبختراً، وفي قراءة بتقديم الهمزة {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } كثير.

ابن عطية

تفسير : ذكر الله تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة، وهي في الكفار بينه متمكنة، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة، وكثيراً ما يصبر عند الشدة. وقرأ جمهور والناس: "ونأى بجانبه" الهمزة عين الفعل. وقرأ ابن عامر: "وناء" الهمزة لام الفعل، وهي قراءة أبي جعفر، والمعنى فيهما واحد. قال أبو علي: ناء قلب ابن آدم فعل فلع، ومنه قول الشاعر [كثير]: [الطويل] شعر : وكل خليل راءني فهو قائل من اجلك هذا هامة اليوم أو غد تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا تفسير : {ونأى} معناه: بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. وقوله: {فذو دعاء عريض} أي طويل أيضاً، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها، إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه، ولم يقل طويل، لأن الطويل قد لا يكون عريضاً، فـ {عريض} أدل على الكثرة. ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشاً على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال: {أرأيتم إن كان} هذا الشرع {من عند الله} وبأمره وخالفتموه أنتم، ألستم على هلكة من قبل الله تعالى، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع الله، وهذا هو الشقاق، ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته. واختلف المتأولون في معنى قوله: {في الآفاق وفي أنفسهم} فقال المنهال والسدي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها. {وفي أنفسهم} أراد به فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد كذلك ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل. وقال الضحاك وقتادة: {سنريهم آياتنا في الآفاق} هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديماً {وفي أنفسهم} يوم بدر، وقال ابن زيد وعطاء: {الآفاق}: آفاق السماء. وأراد: الآيات: في الشمس والقمر والرياح وغير لك. {وفي أنفسهم} عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك، وهذه آيات قد كانت مرئية، فليس هذا المعنى يجري مع قوله: "سنري" والتأويل الأول أرجحها، والله أعلم. والضمير في قوله تعالى: {أنه الحق} عائد على الشرع والقرآن، فبإظهار الله إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق. ثم قال تعالى وعداً لنبيه عليه السلام: {أولم يكف بربك} والتقدير: أولم يكف ربك، والباء زائدة للتأكيد، وأنه يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من الموضع، إذ التقدير: أولم يكف ربك، ويحتمل أن يكون في موضع خفض على البدل من اللفظ، وهذا كله بدل الاشتمال، ويصح أن يكون في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد. وقرأ الجمهور: "أنه" بفتح الألف، وقرأ بعض الناس "إنه" بكسرها على الاعتراض أثناء القول. وقوله: {ألا} استفتاح يقتضي إقبال السامع على ما يقال له، فاستفتح الإخبار على أنهم في شك وريب وضلال أداهم إلى الشك في البعث. وقرأ جمهور الناس: "في مِرية" بكسر الميم. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن: "في مُرية" بضم الميم، والمعنى واحد، ثم استفتح الإخبار بإحاطته بكل شيء على معنى الوعيد لهم، وإحاطته تعالى هي بالقدرة والسلطان، لا إله إلا هو، العزيز الحكيم. نجز تفسير سورة {حم} السجدة، والحمد لله رب العالمين.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَرِيضٍ} تام بإخلاص الرغبة، أو كثير لدوام المواصلة واستعمل العرض لأن العريض يجمع عرضاً وطولاً فكان أعم قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: الكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنْسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ...} الآية، ذَكَرَ سبحانه الخُلُقَ الذميمة من الإنسان جملةً، وهي في الكافر بَيِّنَةٌ متمكِّنة، وأَمَّا المُؤْمِنُ، ففي الأغلب يَشْكُرُ على النعمة، وكثيراً ما يصبر عند الشدة، و{نَأَىٰ} معناه: بَعُدَ ولم يَمِلْ إلَىٰ شُكْر ولا طَاعَةٍ. وقوله: {فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} أي: وطويلٍ أيضاً، وعبارةُ الثعلبيِّ: {عَرِيضٍ} أي: كثير، والعربُ تستعملُ الطُّولَ والعَرْضَ كليهما في الكَثرة من الكلام، انتهى. ثم أمر تعالى نبيَّهُ أنْ يوقِّف قريشاً على هذا الاحتجاج، وموضع تغريرهم بأنفسهِم، فقال: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}، وخالفتموه ألستم على هلكة؟ فمن أَضَلَّ مِمَّنْ يبقى عَلَىٰ مِثْلِ هذا الغَرَرِ مَعَ اللَّهِ؛ وهذا هو الشِّقَاقُ؛ ثم وعد تعالى نَبِيَّهُ ـــ عليه السلام ـــ بأَنَّهُ سَيُرِي الكُفَّارَ آياته، وٱخْتُلِفَ في معنى قوله سبحانه: {فِى ٱلأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ} فقال المِنْهَالُ والسُّدِّيُّ وجماعةٌ: هو وَعْدٌ بما يفتحه اللَّه علَىٰ رسوله من الأقطارِ حَوْلَ مَكَّةَ، وفي غيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَرْضِ؛ كخَيْبَرَ ونحوها {وَفِى أَنفُسِهِمْ}: أراد به فَتْحَ مَكَّةَ؛ قال * ع *: وهذا تأويلٌ حَسَنٌ، يتضمَّن الإعلام بِغَيْبٍ ظَهَرَ بَعْدَ ذلك، وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ}: هو ما أصاب الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ في أقطار الأرض قديماً، {وَفِى أَنفُسِهِمْ}: يوم بدر، والتأويلُ الأَوَّلُ أرْجَحُ، واللَّه أعلم، والضمير في قوله تعالى: {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} عائد على الشرع والقرآن فبإظهار اللَّهِ نَبِيَّهُ وفتحِ البلاد عليه يتبيَّن لهم أَنَّه الحَقُّ. وقوله: {بِرَبِّكَ} قال أبو حَيَّان: الباء زائدة، وهو فاعل {يَكْفِّ} أي: أو لَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ، انتهى، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ} أي عنِ الشكرِ {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي ذهبَ بنفسِه وتباعدَ بكليتِه تكبـيراً وتعظيماً والجانبُ مجازٌ عن النفسِ كما في قولِه تعالَى: {أية : فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [سورة الزمر، الآية 56] ويجوزُ أن يرادَ به عِطْفُه ويكونَ عبارةً عن الانحرافِ والازورارِ كما قالُوا: «ثَنَى عِطْفَةُ وتولَّى بركنِه»: {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي كثيرٍ مستعارٌ مما لَه عَرْضٌ متسعٌ للإشعارِ بكثرتِه واستمرارِه وهو أبلغُ من الطويلُ إذ الطول أطولُ الامتدادينِ فإذا كان عرضُه كذلكَ فما ظنُّك بطولِه. ولعلَّ هذا شأنُ بعضٍ غيرِ البعضِ الذي حُكِيَ عنه اليأسُ والقنوطُ أو شأنُ الكلِّ في بعضِ الأوقاتِ. {قُلْ أَرَءَيْتُمْ} أي أخبرونِي {إِن كَانَ} أي القرآنُ {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} مع تعاضدِ موجباتِ الإيمانِ به {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي من أضلُّ منكُم، فوضعَ الموصولَ موضعَ الضميرِ شرحاً لحالهِم وتعليلاً لمزيدِ ضلالِهم {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا} الدالَة على حقّيته وكونِه من عندِ الله {فِى ٱلأَفَاقِ} هو ما أخبرهم به النبـي صلى الله عليه وسلم من الحوادثِ الآتيةِ وآثارِ النوازلِ الماضيةِ وما يسرّ الله تعالَى له ولخلفائِه من الفتوحِ والظهورِ على آفاقِ الدنيا والاستيلاءِ على بلادِ المشارقِ والمغاربِ على وجهٍ خارقٍ للعادةِ {وَفِى أَنفُسِهِمْ} هو ما ظهرَ فيما بـينَ أهلِ مكةَ وما حلَّ بهم وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في الآفاق أي منازلِ الأممِ الخاليةِ وآثارِهم وفي أنفسِهم يومُ بدرٍ وقال مجاهدٌ والحسنُ والسُدِّيُّ في الآفاقِ ما يفتحُ الله من القُرَى عليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ والمسلمينَ وفي أنفسِهم فتحُ مكةَ وقيلَ: في الآفاقِ أي في أقطار السمواتِ والأرضِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ وما يترتبُ عليها من الليلِ والنهارِ والأضواءِ والظلالِ والظلماتِ ومن النباتِ والأشجارِ والأنهارِ وفي أنفسهم من لطيفِ الصنعة وبديعِ الحكمةِ في تكوينِ الأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ وحدوثِ الأعضاءِ العجيبةِ والتركيباتِ الغريبةِ كقولِه تعالى: { أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [سورة الذاريات، الآية 21] واعتذرَ بأنَّ معنَى السينِ مع أنَّ إراءةَ تلك الآياتِ قد حصلتْ قبلَ ذلكَ أنه تعالَى سيطلعُهم على تلك الآياتِ زماناً فزمانا ويزيدُهم وقوفاً على حقائِقِها يوماً فيوماً {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} بذلكَ {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} أي القرآنُ أو الإسلامُ والتوحيدُ. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} استئنافٌ واردٌ لتوبـيخهِم عَلى ترددهم في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى، والهمزةُ للإنكارِ، والواوُ للعطفِ عَلى مقدرَ يقتضيِه المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ لتأكيدِ ولاَ تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى. وقولُه تعالى: {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} بدلٌ منهُ أيْ أَلَم يُغنِهم عن إراءةِ الآياتِ الموعودةِ المبـينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميعِ الأشياءِ، وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ: معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ ويشاهدونَهُ فيتبـينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كلِّ شيءٍ شهيدَّ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكُن كذلكَ لما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ. وأما ما قيلَ: من أنَّ المَعنى أَوَلَم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحققَ أمرَكَ بإظهارِ الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه عليه السلامُ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ}أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفايةِ معتبرٌ بالنسبةِ إليهم وقُرِىءَ مُريةٍ بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطُ} عالمٌ بجميع الأشياءِ جُمَلِها وتفاصيلِها وظواهرِها وبواطنِها فلا تَخْفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم لا محالةَ. عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قرأَ سورةَ فصلت أعطاهُ الله تعالَى بكُلِّ حرفٍ عشرَ حسناتٍ » تفسير : والله أعلمُ.

التستري

تفسير : قوله: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}[51] قال: يعني عن الدعاء والشكر على ما أنعم به عليه، واشتغل بالنعمة، وافتخر بغير مفتخر به.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الآية: 51]. قال سهل: أعرض عن الدعاء والشكر لله على ما أنعم ونظر فى عطفيه وافتخر بغير مفتخر به. قال بعضهم: إذا أصابه بلاء فى الظاهر وهو فى نعمة فى الحقيقة أعرض عنه لم يصبر على البلاء ولا يطالع موضع الثواب فيه وإذا مَسَّهُ الشر الاستدراج فى النعم ألفه ونظر فيه ونسى حقوق الله عليه. قال الواسطى رحمة الله عليه: أعرض عن المنعم بالنعمة. قال بعضهم: الهداية والإيمان والولاية والعبادة والعبد لا ينفك عن أربعة أشياء من كسبه وكده وكدحه ومن فضل الله عليه وهو الذى يوجب له الأمر.

القشيري

تفسير : هو لا يميز بين البلاء والعطاء؛ فكثيرٌ مما يتوهمه عطاءً هو مكرٌ واستدراجٌ.. وهو يستديمه. وكثيرٌ مما فضلٌ وصَرْفٌ وعطاءٌ يظنه من البلاء فيعافـُه ويكرهه. ويقال إذا أنعمنا عليه صاحَبَه بالبَطَر، وإذا أبليناه قابَلَه بالضجر. ويقال إذا أنعمنا عليه أُعُجِبَ بنفسه، وتكبَّر مختالاً في زَهْوِه، لا يشكر ربَّه، ولا يذكر فضلَه، ويتباعد عن بِساط طاعته. والمستغني عنَّا يهيم على وجهه، وإذا مسَّه الشرُّ فذو دعاءٍ كثيرٍ، وتضرُّعٍ عريض، وابتهالٍ شديد، واستكشافٍ دائم. ثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عُتُوِّه ونُبُوِّه عَوْدٌ، ولسوء طريقته في الجحود إعادة.

البقلي

تفسير : رسم ظاهر الأية ان المضطرب فى المعرفة اذا انهم عليه من نعم الكرامات اشتغل بها عن الحق وفرح بما وجد منه واحتجب عن مشاهدته واذا لم ينل ما موله من الكرامات وجزاء الطاعات فيدعو ويتضرع وسال ماموله على الرغبة فى جميع الانفاس واشارة الحقيقة فى الأية اذا البس الحق انائيته العارف ويكون مستقلا بقدرته متصفا بصفاته ينظر من القدم الى ما بدا من القدم عليه واذا زاد الحق عرفان بافراد قدمه عن الحدوث وبمعرفة فنائه فى بقائه وما ترى فهو هو تعالى لا غير يرجع الى معادن العبودية ويكون متضرعا عاجزاً فانيا فى سبحات جلال يكدى على باب الربوبية بنعت الفقر والافتقار الى ذرة من معرفته.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا انعمنا على الانسان اعرض} اى عن الشكر على انعامه وهذا نوع آخر من طغيان الكافر اذا اصابه الله بنعمة ابطرته النعمة وكأنه لم يلق شدة قط فنسى المنعم وكفر بنعمته بترك الشكر {ونأ بجانبه} الناى دور شدن. ويعدى بنفسه وبعن كما فى تاج المصادر اى تباعد بكليته عن الشكر لا بجانبه فقط ولم يمل الى الشكر والطاعة تكبرا وتعظما فالجانب مجاز عن النفس كما فى قوله تعالى {أية : فى جنب الله} تفسير : ويجوز ان يراد به عطفه فيكون على حقيقية وعبارة عن الانحراف والازورار لأن نأى الجانب عن الشكر يستلزم الانحراف عنه كما قالوا ثنى عطفه وتولى بركنه فالباء للتعدية وفى التأويلات النجمية اذا خلناه الى الطبيعة الانسانية وهى الظلومية والجهولية لا يميز بين العطاء والبلاء فكثير مما يتوهمه عطاء وهو مكر واستدراج هو يسديمه وكثير مما هو فضل فى نقمة وعطاء فى الشر وهو يظنه بلاء فيكرهه بل اذا انعمنا عليه صاحبه بالبطر واذا ابليناه قابله بالضجر بل واذا انعمنا عليه اعجب بنفسه فتكبر مختالا فى زهوه لا يشكر ربه ولا يذكر فضله ويشتغل بالنعمة عن المنعم ويتباعد عن بساط طاعته فكالمستغنى عنا يهيم على وجهه (قال الحافظ) شعر : ببال وبرمرو ازره كه تيربرتابى هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست تفسير : {واذا مسه الشر} اى اذا مس هذا الانسان المعرض المتكبر جنس الشر كالبلاء والمحنة وانما جيئ بلفظ الماضى واذا لأن المراد الشر المطلق الذى حصوله مقطوع به {فذو دعاء عريض} اى فهو ذو دعاء كثير كما يقال اطال فلان الكلام والدعاء واعرض اى اكثر فهو مستعار مما له عرض متسع للاشعار بكثرته فان العريض يكون ذا اجزآء كثيرة وامتداد فمعنى الاتساع يؤخذ من تنكير عريض فانه يدل على التعظيم ومعنى الامتداد يؤخذ من معنى الطول اللازم للعرض وهو اى عريض ابلغ من طويل اذ الطول اطول الامتدادين فاذا كان عرضه كذلك اى متسعا فما ظنك بطوله ولعل شأن بعض غير البعض الذى حكى عنه اليأس والقنوط اذا اليأس والقنوط ينافيان الدعاء لأنه فرع الطمع والرجاء او شأن الكل فى بعض الاوقات وقيل قنوط من الصنم دعاء لله او قنوط بالقلب دعاء باللسان

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن جهل الانسان الذي تقدم وصفه بمواضع نعم الله وما يجب عليه من الاعتراف بشكره، بتركه النظر المؤدي إلى معرفته، فقال {وإذا أنعمنا على الإنسان} بنعمة من اعطاء مال او ولد او صحة جسم {أعرض} عن القيام بشكر الله على ذلك حسب ما يلزمه {ونآء بجانبه} أي بعد بجانبه كبراً وتجبراً عن الاعتراف بنعم الله. وقيل: معناه وبعد عن الواجب {وإذا مسه الشر} يعني إذا ناله مرض او مصيبة في مال او نفس {فذو دعاء عريض} قال السدي يدعو الله كثيراً عند ذلك. وإنما قال {فذو دعاء عريض} ولم يقل: طويل، لأنه ابلغ، لان العرض يدل على الطول، ولا يدل الطول على العرض إذ قد يصح طويل ولا عرض له. ولا يصح عريض ولا طول له، لان العرض الانبساط فى خلاف جهة الطول، والطول الامتداد فى أي جهة كان. وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: انه ليس لله على الكافر نعمة، لأنه اخبر تعالى بأنه ينعم عليه وانه يعرض عن موجبها من الشكر وفي دعائه عند الشدة حجة عليه، لانه يجب من اجل قلة صبره على الشدة ان يشكر برفعها عنه إلى النعمة، فقال الله تعالى لهم على وجه الانكار عليهم {قل أرأيتم إن كان} هذه النعمة {من عند الله وكفرتم به} أي وجحدتموه {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} أي في مشاقة الله بخلافه له بعيد عن طاعته. والشقاق المبل إلى شق العداوة لا لاجل الحق كأنه قال لا احد اضل ممن هو فى شقاق بكفره، وبه يذم من كان عليه، كما قال علي عليه السلام (يا اهل العراق يا اهل الشقاق والنفاق ومساوىء، الاخلاق) وقيل: الشقاق فراق الحق إلى العداوة وأهله. وقوله {سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم} معناه إن الدلائل في آفاق السماء بسير النجوم وجريان الشمس والقمر فيها بأتم التدبير، وفي أنفسهم جعل كل شيء لما يصلح له من آلات الغذاء ومخارج الأنفاس، ومجاري الدم، وموضع العقل والفكر، وسبب الافهام، وآلات الكلام. وقال السدي: آياتنا في الآفاق بصدق ما يخبر به النبي صلى الله عليه وآله من الحوادث عنها. وفي ما يحدث من انفسهم، وإذا رأوا ذلك تبينوا وعلموا أن خبره حق، وانه من قبل الله تعالى. وقوله {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} أي هو عالم لجميع ذلك والباء زائدة، والتقدير او لم يكف ربك انه عالم بجميع الاشياء. والمعنى اليس في الله كفاية في معاقبة هؤلاء الكفار على كفرهم إذ كان عالماً بكل شيء مشاهداً لجميع ما يفعلونه قادراً على مجازاتهم عليه، وكما انه شهيد على ذلك هو شهيد على جميع الحوادث ومشاهد لجميعها وعالم بها لا يخفى عليه شيء من موضعها. وقوله {إنه} يحتمل ان يكون موضعه رفعاً بـ (يكف) ويحتمل ان يكون جراً بالباء. وتقديره بأنه على كل شيء شهيد. ثم قال {أَلاَ إنهم في مرية من لقاء ربهم} أي هم في شك من لقاء ثواب ربهم وعقابه، لأنهم في شك من البعث والنشور {ألا إنه بكل شيء محيط} أي هو عالم بكل شيء قادر عليه.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ} أي الجنس الكافر ولو قيل أراد هنالك وهنا بالانسان العام لصح وذلك لان هذه الكبائر قد تصدر ممن يريد الله سعادته ويموت على التوبة وعليه فأعاد الجنس بالظاهر في قوله {أية : فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُوا} تفسير : تمييزاً لمن مات على الكفر وللاشعار لموجب العقاب وهو الكفر* {أَعْرَضَ} عن الشكر وذلك انه أبطرته النعمة وكأنه لم يلق بؤساً قط فنسي المنعم وأعرض عن شكره* {وَنَأَى} أي بعد ولم يصل لشكر ولا طاعة* {بِجَانِبِهِ} أي بنفسه مجاز لان جهة الشيء تنزل منزلته نحو كتبت الى مجلس فلان وجهته وذلك كما يقال في المتكبر ذهب به الكبر والخيلاء وذهبا بنفسه ويجوز أن يريد بالجانب جزءه فيكون بمعنى الجنب والمراد انحرف عن سبيل الله بكليته تكبراً كقولك (ثنى عطفه) وتولى بركته وقرئ (انا) بتقديم الهمزة على النون و (ناء) بتأخيرها على الألف لان الكل يستعمل أيضاً بمعنى بعد وقرئ (نا) بكسر النون كسراً خالصاً وامالة فتح الهمزة فكسر النون تبع وعلى جعل الهمزة بعد الألف ابن ذكوان والباقون قبلها ومن أمال خلاد وأبو شعيب والباقون يخلصون الفتح* {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} نحو فقر ومرض {فَذُو} أي فهو ذو {دُعَآءٍ عَرِيضٍ} أي واسعه العرض كناية عن كثرة دعائه وتضرعه وادامتها وعبر بالعريض أي الشىء اذا كثر عرضه ووسعه فمن شأنه كثرة طوله جداً على ما يقتضيه وسع عرضه وذلك مبالغة واخبار بوسع العرض والطول احدهما تصريحاً والآخر تلويحاً فلا حاجة لقول بعض عريض وطويل والعرض والطول حقيقتان في الاجرام

اطفيش

تفسير : {وإذا أنْعمنا على الانسان} الكافر أو الجنس، لأن الاعراض من الشكر وطول الدعاء للدنيا قد يصدر من الموحد، وليست أل للاستغراق، والمؤمن الموفى قد يصدر منه ذلك ويتوب {أعْرض} عن الشكر باهمال الطاعة، والوقوع فى المعصية، وباستعمال تلك النعمة فى المعصية {ونَأى بَجانِبِه} نهض أو ذهب بجانبه من بدنه، وهو عبارة عن التكبر والخيلاء، كما يكنى عنه بقولك: شمخ بأنفه، وثنى عطفه، وتولى بركنه، والجانب الجنب على حقيقته من البدن، ويجوز أن يراد به الجهة من المقام منزلة منزلة البدن، كقوله تعالى: " أية : ولمن خاف مقام ربه " تفسير : [الرحمن: 46] تعالى عن الجهة، كما يقول الكاتب إلى حضرة فلان، والى مجلسه، يريد الى فلان، وكأنه قيل: نأى بنفسه كناية عن التكبر والخيلاء، أو جانبه انحرافه كثنى عطفه مراد به انحرافه عن المقام لا ما مر {واذا مسَّه الشَّر فذُو} فهو ذو {دُعاءٍ} طلب لله فى إزالته {عَريضٍ} متسع استعارة من عرض الأجسام تبعية لجامع الأتساع، وذلك إشارة الى أن لدعائه طولا مجازا، وهو أزيد من العرض، وذمه الله بعرض الدعاء وطوله، لأنه مع الجزم بفقد ما فقد لا تضرع الى المنعم، كما ذمه بعدم الشكر والاشتعال بالنعمة عن الطاعة، وبالبطر بالنعمة، فهو ضعيف العقل ييأس ويقنط، وهو مع ذلك يدعو، والدعاء رجاء، أو هو فى هذا الدعاء العريض غير طامع، أو هو فى حال إياسه وقنوطه آيس وقانط أن ترجع اليه النعمة بدون شدة هذا الدعاء العريض، أوله أحوال تارة ييأس ويقنط، وتارة يدعو دعاء عريضاً، أو بعض ييأس ويقنط وبعض يدعو عريضا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنْسَـٰنِ أَعْرَضَ} عن الشكر {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تكبر واختال على أن الجانب بمعنى الناحية والمكان ثم نزل مكان الشيء وجهته كناية منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ} تفسير : [الرحمٰن: 46] وقول الشاعر:شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : وقول الكتاب حضرة فلان ومجلسه العالي وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز يريدون نفسه وذاته فكأنه قيل: نأى بنفسه ثم كني بذهب بنفسه عن التكبر والخيلاء. وجوز أن يراد {بِجَانِبِهِ} عطفه ويكون عبارة عن الانحراف والازورار كما قالوا ثنى عطفه وتولى بركنه والأول مشتمل على كنايتين، وضع الجانب موضع النفس والتعبير عن التكبر البالغ بنحو ذهب بنفسه وهذا على واحدة على ما في «الكشف». وجعل بعضهم الجانب والجنب حقيقة كالعطف في الجارحة وأحد شقي البدن مجازاً في الجهة فلا تغفل. وعن أبـي عبيدة نأى بجانبه أي نهض به وهو عبارة عن التكبر كشمخ بأنفه، والباء للتعدية ثم إن التعبير عن ذات الشخص بنحو المقام والمجلس كثيراً ما يكون لقصد التعظيم والاحتشام عن التصريح بالاسم وهم يتركون التصريح به عند / إرادة تعظيمه قال زهير:شعر : فعرض إذا ما جئت بالبان والحمى وإياك أن تنسى فتذكر زينبا سيكفيك من ذاك المسمى إشارة فدعه مصوناً بالجلال محجبا تفسير : ومن هنا قال الطيبـي: إن ما هنا وارد على التهكم. وقرىء {ونآ} بإمالة الألف وكسر النون للاتباع {وناء} على القلب كما قالوا راء في رأى. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي كثير مستمر مستعار مما له عرض متسع وأصله مما يوصف به الأجسام وهو أقصر الامتدادين وأطولهما هو الطول، ويفهم في العرف من العريض الاتساع وصيغة المبالغة وتنوين التكثير يقويان ذلك، ووصف الدعاء بما ذكر يستلزم عظم الطول أيضاً لأنه لا بد أن يكون أزيد من العرض وإلا لم يكن طولاً، والاستعارة في كل من الدعاء والعريض جائزة ولا يخفى كيفية إجرائها. وذكر بعض الأجلة أن الآيات قد تضمنت ضربين من طغيان جنس الإنسان فالأول: في بيان شدة حرصه على الجمع وشدة جزعه على الفقد والتعريض بتظليم ربه سبحانه في قوله: {هَـٰذَا لِي} [فصلت:50] مدمجاً فيه سوء اعتقاده في المعاد المستجلب لتلك المساوي كلها، والثاني: في بيان طيشه المتولد عنه إعجابه واستكباره عند وجود النعمة واستكانته عند فقدها وقد ضمن في ذلك ذمه بشغله بالنعمة عن المنعم في الحالتين، أما في الأول: فظاهر، وأما في الثاني: فلأن التضرع جزعاً على الفقد ليس رجوعاً إلى المنعم بل تأسف على الفقد المشغل عن المنعم كل الإشغال، وذَكَرَ أن في ذكر الوصفين ما يدل على أنه عديم النهية أي العقل ضعيف المنة أي القوة فإن اليأس والقنوط ينافيان الدعاء العريض وإنه عند ذلك كالغريق المتمسك بكل شيء انتهى. ومنه يعلم جواب ما قيل: كونه يدعو دعاء عريضاً متكرراً ينافي وصفه بأنه يؤس قنوط لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس فظهور ما يدل على الرجاء يأباه. وأجاب آخرون بأنه يجوز أن يقال: الحال الثاني شأن بعض غير البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط أو شأن الكل في بعض الأوقات. واستدل بعضهم بقوله تعالى: {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} على أن الإيجاز غير الاختصار وفسره لهذه الآية بحذف تكرير الكلام مع اتحاد المعنى والإيجاز بحذف طوله وهو الإطناب وهو استدلال بما لا يدل إذ ليس فيها حذف ذلك العرض فضلاً عن تسميته.

ابن عاشور

تفسير : هذا وصف وتذكير بضرب آخر من طغيان النفس الإنسانية غير خاص بأهل الشرك بل هو منبث في جميع النّاس على تفاوتٍ إلاَّ من عصم الله. وهو توصيف لنَزَق النفْس الإنساني وقلّة ثباته فإذا أصابته السراء طغا وتكبر ونسِي شكر ربّه نسياناً قليلاً أو كثيراً وَشُغل بلذاته، وإذا أصابته الضراء لم يصبر وجزِع ولجأ إلى ربّه يُلحّ بسؤال كشف الضراء عنه سريعاً. وفي ذكر هذا الضرب تعرُّض لفعل الله وتقديره الخَلتين السراء والضراء. وهو نقد لسُلوك الإنسان في الحالتين وتعجيب من شأنه. ومحل النقد والتعْجيب من إعراضه ونأيه بجانبه واضح، وأمّا محل الانتقاد والتعجيب من أنّه ذو دُعاء عريض عندما يمسه الشرّ فهو من حيث لم يتذكر الإقبالَ على دعاء ربّه إلا عندما يمَسُّه الشر وكان الشأن أن لا يغفل عن ذلك في حال النعمة فيدعو بدوامها ويشكر ربّه عليها وقبولِ شكره لأن تلك الحالة أولى بالعناية من حالة مسّ الضر. وأما ما تقدم من قوله: { أية : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير } تفسير : [فصلت: 49] إلى قوله: { أية : للحسنى } تفسير : [فصلت: 50] فهو وصف لضرب آخر أشدّ، وهو خاص بأهل الشرك لِما وقع فيه من قوله: { أية : وما أظن الساعة قائمة } تفسير : [الكهف: 36]، فليس قوله: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه} الخ تكريراً مع قوله: { أية : لا يسأم الإنسان } تفسير : [فصلت: 49] الآية. فهذا التفنن في وصف أحوال الإنسان مع ربّه هو الذي دعا إلى ما اشتمل عليه قوله: {وإذا أنعمنا} من بعض التكرير لِما ذكر في الضرب المتقدم لزيادة تقريره، وللإشارة إلى اختلاف الحالتين باعتبار الشرك وعدمه مع اتحادهما في مثار الجبلة الإنسانية، وباعتبار ما قدره الله للإنسان. والإعراض: الانصراف عن شيء، وهو مستعار هنا للغفلة عن شكر المنعم أو التعمد لترك الشكر. ومتعلق فعل {أعرض} محذوف لدلالة السياق عليه، والتقدير: أعرض عن دعائنا. والنأي: البعد، وهو هنا مستعار لعدم التفكر في المنعِم عليه، فشبّه عدم اشتغاله بذلك بالبُعد. والجانب للإنسان: منتهى جسمه من إحدى الجهتين اللَّتين ليستا قُبالَة وجهه وظهرِه، ويسمى الشِقّ، والعِطف بكسر العين. والباء للتعدية. والمعنى: أبعد جانبه، كناية عن إبعاد نفسه، أي ولَّى معرضاً غير ملتفت بوجهه إلى الشيء الذي ابتعد هو عنه. ومعنى {مسه الشر} أصابه شر بسبب عاديّ. وعدل عن إسناد إصابة الشر إلى الله تعليماً للأدب مع الله كما قال إبراهيم { أية : الذي خلقني فهو يهدين } تفسير : [الشعراء: 78] الخ. ثم قال: { أية : وإذا مَرِضْت فهو يشفين } تفسير : [الشعراء: 80] فلم يقل: وإذا أمرضني، وفي ذلك سرّ وهو أن النعم والخير مسخّران للإنسان في أصل وضع خلقته فهما الغالبان عليه لأنّهما من مظاهر ناموس بقاء النوع. وأمّا الشرور والأضرار فإن معظمها ينجرّ إلى الإنسان بسوء تصرفه وبتعرضه إلى ما حذرته منه الشرائع والحكماء الملهمون فقلما يقع فيهما الإنسان إلا بعلمه وجُرأته. والدعاء: الدعاء لله بكشف الشرّ عنه. ووصفُه بالعريض استعارة لأن العَرض (بفتح العين) ضد الطول، والشيء العريض هو المتسع مساحة العَرض، فشبه الدعاء المتكرر الملَحُّ فيه بالثوب أو المكان العريض. وعُدل عن أن يقال: فداع، إلى {ذو دعاء} لما تشعر به كلمة {ذو} من ملازمة الدعاء له وتملكه منه. والدّعاء إلى الله من شيم المؤمنين وهم متفاوتون في الإكثار منه والإقلال على تفاوت ملاحظة الحقائق الإلهيّة. وتَوجه المشركين إلى الله بالدعاء هو أقوال تجري على ألسنتهم توارثوها من عادات سالفة من أزمان تدينهم بالحنيفية قبل أن تدخل عليهم عبادة الأصنام وتتأصل فيهم فإذا دعوا الله غفلوا عن منافاة أقوالهم لعقائد شركهم.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له، وبعض الأحاديث الصحيحة، الموافقة لها في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12].

القطان

تفسير : نأى بجانبه: تكبّر واختال. عريض: كثير. أرأيتم: أخبروني. في شقاق بعيد: في خلاف كبير. الآفاق: جمع أفق بضم الفاء واسكانها. والأفق: الناحية ومنتهَى ما تراه العين من الأرض. واذا أنعمنا على الإنسان ورزقناه سعة العيش والصحة - أعرضَ عما دعوناه إليه وتكبّر واختال، واذا مسّه الشّر وأصابته شدة من فقر او مرض اطال الدعاء والتضرع الى الله لعلّه يكشف عنه تلك الغُمة. وتقدم مثله في سورة يونس 12، وسورة هود 9 و 10 وسورة الاسراء 83. قل لهم يا محمد: أخبِروني ان كان هذا القرآن الذي تكذّبون به من عند الله ثم كفرتم به، افلا تكونون بعيدين عن الحق والصواب؟. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} سنري هؤلاء المشركين دلائلنا على صِدقك، وأنّه وعدُ الله لعباده جميعا، وذلك بأن نطلعهم على شيء من خفايا هذا الكون ومن خفايا أنفسهم على السواء. فقد كشف العلم عن امور كثيرة عن الأرض وما عليها، وعن النظام الشمسي وما فيه، وان هذه الارض وما حولها ما هي الا ذرة صغيرة تابعة للشمس، التي هي وما حولها ذرة صغيرة تسبح في هذا الكون الفسيح، وعرف الناس عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشيء الكثير، وان كل هذه المعلومات والاكتشافات ما هي الا ذرة من علم الله. {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الاسراء: 85]. وكذلك سنري هؤلاء المشركين وقائعنا بالبلاد والفتوحات التي تمت على يدي الرسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه، وعلى يدي خلفائه وأصحابه الكرام {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} وان كل ما جاء به الرسول الكريم هو الحق. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} كفى بالله شهيدا على افعال عباده واقوالهم، وعلى صدق محمد فيما أخبر به عنه.. ألم تكفِهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحَها سبحانه في هذه السورة وفي كل القرآن، وفيها البيان الكافي لاثبات وحدانيته، وتنزيهه عن كل نقص!! ثم بين الله سببَ عنادهم واستكبارهم بعد كل ما تقدم من حججٍ وبيّنات فقال في الختام: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ}. انهم في شك عظيم من البعث والجزاء ولقاء ربهم، ولذلك كفروا، واللهُ تعالى محيطٌ بكل صغير وكبير، لا يفوته شيء في هذا الكون الكبير، واليه مردّ الجميع.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانِ} {وَنَأَى} (51) - وَإِذَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الإِنْسَانِ الجَحُودِ الكَفُورِ فَرَزَقَهُ وَكَشَفَ الضُّرَّ عَنْهُ، أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الانْقِيَادِ لأَِمْرِهِ، وَإِذَا أَصَابَتُهُ شِدّةٌ وَكَرَبٌ جَأَرَ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ فَأَطَالَهُمَا. نَأَى بِجَانِبِهِ - تَبَاعَدَ عَنِ الشُّكْرِ بِكُلِّيَتِهِ تَكَبُّراً. دُعَاءٍ عَرِيضٍ - دُعَاءٍ مَسْتَمِرٍّ كَثِيرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [فصلت: 51] يعني: انصرف عن المنعِم سبحانه، لأنه أخذ حاجته ونال بُغْيته، وهذه الصفة كثيراً ما نجدها في البشر، فالرجل يلجأ إليك في قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات ويقف ببابك صباحاً ومساءً، فإذا قضيتَ حاجته ربما ينسى حتى أنْ يقول لك شكراً. ولقد أجاد الشاعر الذي صوَّر لنا هذه المسألة، فقال: شعر : يَسيرُ ذَوُو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُشَّعاً فَإِنْ أدْركُوهَا خَلَّفُوكَ وَهَرْولُوا وأَفَضلُهم مَنْ إنْ ذُكِرْتَ بِسَيِّىءٍ توقَّفْ لاَ يَنْفِي وَلاَ يَتقوَّلُ فَلا تَدعِ المعروف مهْما تنكَّروا فَإنَّ ثَوابَ الله أرْضَى وأَجْزَلُ تفسير : وتذكَّر دائماً أن الذين ينكرون يدك عليهم هم أربح الناس لك، لأن الذي سيتولى الردَّ على جميلك هو الله عز وجل، وعطاء الله على قَدْر الله، وعطاء الناس على قَدْر الناس. لذلك رأينا سيدنا نوحاً عليه السلام يقول لقومه: {أية : يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} تفسير : [هود: 51] المعنى: أن العمل الذي أقوم به كان ينبغي أن تعطوني عليه أجراً، إنما أنا لا أريد أجري منكم، بل من ربي، فهو القادر على أن يعطيني الجزاء، ويُقدِّر علمي. ونلحظ في سياق هذه الآية التدرج في عملية الإعراض {أَعْرَضَ} يعني: انصرف بوجهه، ثم {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} يعني استدار بظهره، إذن: أعرض بوجهه ثم بجنبه ثم بظهره، وهذا الترتيب تجده نفسه في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 34-35]. قالوا: نزلت فيمَنْ ردَّ السائل المحتاج فأعرض عنه أولاً بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، فكأن الجزاء من جنس العمل، وبقدر الكنز يكون الكَيّ، والعياذ بالله. وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] مسَّه مجرد مَسٍّ {فَذُو دُعَآءٍ} [فصلت: 51] يعني هو صاحب دعاء {عَرِيضٍ} مستمر ونلحظ أنه لم يقُل دعاء طويل، الشيء له طول وله عرض، والطول أكبر من العرض، لكن القرآن يستخدم العرض للدلالة على كِبَر الشيء كما في قوله تعالى في وصف الجنة: {أية : عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [آل عمران: 133] فإذا كان عَرْضها السماوات والأرض وهي أوسع ما نراه، فما بالك بطولها؟

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} معناه تَباعدَ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من شدة طغيان الإنسان ونهاية كفرانه وعدوانه: إنَّا {إِذَآ أَنْعَمْنَا} وأكرمنا من مقام جودنا {عَلَى ٱلإِنسَانِ} المجبول على النسيان {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي: تباعد عنَّا، ولم يشكر على نعمنا، ولم يلتفت إلى موائد كرمنا {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} ولحقه الضر {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] كثير ممتد عرضاً وطولاً، وهو كناية عن إلحاحهم ولجاجهم في طلب الكشف والتفريج من الله عند نزول البلاء وإلمام المصيبة. {قُلْ} يا أكمل الرسل لمنكري القرآن والقادحين فيه عدواناً وظلماً: {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني {إِن كَانَ} القرآن منزلاً {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} بحسب الواقع مع أنه لا شك فيه {ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} بلا تأمل وتدبر في دلائل صدقه، وبراهين إعجازه لفظاً ومعى {مَنْ أَضَلُّ} سبيلاً وأخطأ رأياً وطريقاً {مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52] وخلاف شديد عن الحق وقبوله، وبالجملة: من أضل منكم أيها القادحون المنكرون له مع وضوح محجته وسطوع برهانه. ثم أشار سبحانه إلى وحدة ذاته وظهوره حسب أسمائه وصفاته في عموم مظاهره ومصنوعاته، وحيطته عليها، وشموله إياها؛ ليكون دليلاً على حقية كتباه، وصدوره منها، فقال: {سَنُرِيهِمْ} أي: المجبولين على فطرة التوحيد، المخلوقين على نشأة الإيمان والعرفان، الموقنين على كمال الكشف والعيان {آيَاتِنَا} أي: دلائل توحيدنا الدالة على وحدة ذاتنا الظاهرة {فِي ٱلآفَاقِ} أي: ذرائر الأكوان الخارجة عن نفوسهم المدركة بآلاتهم وحواسهم، سميت بها؛ لطلوع شمس الحقيقة الحقية منها، وظهورها عليها {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي: ذواتهم التي هي أدل دليل على معرفة الحق ووحدة الحق. لذلك قال أصدق القائلين وأكمل الكاملين: "من عرف نفسه فقد عرف ربه". وإنما نريهم ما نريهم {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} ويظهر دونهم وينكشف عليهم {أَنَّهُ} أي: الأمر الظاهر في الآفاق والأنفس {ٱلْحَقُّ} الحقيق بالتحقق والثبوت لصرافة وحدته الذاتية والقرآن المعجز أيضاً، ومن جملة مظاهره وصفاته. ثم لما أشار سبحانه إلى وحدة ذاته بالنسبة إلى عموم عباده، أراد أن ينبه على المستكشفين من أرباب المحبة والولاء، الوالهين في مطالعة وجهه الكريم، فخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الحري بأمثال هذه الخطابات، فقال مستفهماً على سبيل التعجب: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} أي: أتشكون في وجود مربيك يا أكمل الرسل ومربيهم، وظهوره وتحققه، ولم يكف دليلاً {أَنَّهُ} بذاته وعموم أسمائه وصفاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} مما لاح عليه برق وجوده ورشاشة نوره {شَهِيدٌ} [فصلت: 53] حاضر غير مغيَّب عنه. وبالجملة: أو لم يكف لهم دليلاً على تحقق الحق وحضوره مع كل شيء من مظاهره ومصنوعاته. ثم نوَّر سبحانه ما نبه عليه على سبيل التعجب والتلويح تأكيدً ومبالغة وزيادة إيضاح، فقال: {أَلاَ إِنَّهُمْ} بعدما أضاء لهم شمس الذات من مرايا الكائنات {فِي مِرْيَةٍ} شك وارتياب {مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} فيها ومطالعة وجهه الكريم عنها {أَلاَ إِنَّهُ} بذاته حسب شئونه وتطوراته المتفرعة على أسمائه وصفاته {بِكُلِّ شَيْءٍ} من مظاهره ومصنوعاته {مُّحِيطٌ} [فصلت: 54] بالاستقلال والانفراد، إحاطة ذاتية بلا شوب شركة؛ إذ لا موجود سواه، ولا إله إلا هو. خاتمة السورة عليك أيها السالك المترقب لشهود الحق من ذرائر عموم الجمال والمظاهر الظاهرة في الآفاق والأنفس أن تصفي ضميرك أولاً من وساوس مطلق الأوهام، والخيالات العائقة من التوجه إلى صرافة الوحدة، وتجلي خُلدك عن الإضافات الصارفة عنه. فلك أيضاً أن تكون في نفسك متوجهاً إلى ربك الذي هو حصة لا هوتك، ونشأة جبروتك، خالياً عنك وعن لوازم ناسوتك وعوارض بشريتك بالمرة، بحيث لا شعور لك عما جرى على هويتك أصلاً. وبالجملة: كن فانياً في الله، باقياً ببقائه، ناظراً بنوره إلى وجهه الكريم تفز بنعيم الجنات وعظيم اللذات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [فصلت: 51]؛ لأنه إذا خليناه إلى طبيعة الإنسانية وهي الظلومية الجهولية لا يميز بين البلاء والعطاء، فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج وهو يستديمه، وكثير مما هو فضل ونعمة وصرف عطاء وهو يظنه بلاء فيعافه ويكرهه؛ بل إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر؛ بل وإذا أنعمنا عليه عجب بنفسه فتكبر مختالاً في زهوة لا يشكر ربه ولا يذكر فضله، ويشتغل بالنعمة عن المنعم ويتباعد عن نشاط طاعة، وكالمستغني عنا يهيم على وجهه، {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] وتضرع شديد بالاظطرار بخصوصية الجوهر الإنسانية فإن له إلى ربه الرجعى عند الاضطرار لحاجته الأصلية الكلية اليد. وبقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52] يشير إلى أن كل بلاء وعناء، ونعمة ورحمة، ومهانة ومسرة تنزل بالعبد، فهو من عند الله فإن استقبله بالتسليم والرضاء صابراً شاكراً للمولى في الشدة والرخاء والسراء والضراء، فهو من المهتدين المقربين، وإن استقبله بالكفران والجزاع بالخذلان فهو من الأشقياء والمبعدين المضلين، وبقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] يشير إلى معانٍ كثيرة منها: أن الخلق لا يرون آياتنا بإراءة الله إياهم. ومنها: أن الله خلق الآفاق مظهر آياته، وكذلك نفس الإنسان مظهر آياته. ومنها: أنه ليس للآفاق شعور على الآيات، ولا على مظهريتها للآيات. ومنها: أن الإنسان هو الذي له شعور على الآيات، وهلى مظهريته للآيات. ومنها: أن نفس الإنسان مرآة مستعدة لمظهرية جميع آيات الله، ومظهريتها بإرادة الحق تعالى بحيث تبين له أنه الحق، ويتبين لغيره أنه الحق، وفي قوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} [فصلت: 53] إشارة إلى: العوام والخواص وأخص الخواص: فأما العوام: فتبين لهم باختلاف الليل والنهار والأحداث التي تجري في أحوال العالم، واختلاف الأحوال التي تجري عليهم في الطفولية إلى الشيخوخة، واختلاف أحكام الأعيان مع اتفاق جواهرها في التجانس، وهذه هي آيات حدوث العالم، واقتضاء المحدث بصفاته. وأما الخواص: فيتبين لهم ببصائر قلوبهم من شواهد الحق واختلاف الأحوال في القبض والبسط، والجمع والفرق، والحجب والجذب، والستر والتجلي، والكشوف والبراهين، وأنوار الغيب وما يجدونه من حقائق معاملاتهم ومنازلاتهم بإراءة الحق تعالى. وأما أخص الخواص: فيتبين بالخروج عن ظلمات حجب الإنسانية إلى نور الحضرة الربانية بتجلي صفات الجمال والجلال كشف القناع الحقيقي عن العين والعيان. ولهذا قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} [فصلت: 53] بإراءة آياته وتعريف ذاته وصفاته بكشف القناع ورفع الأستار، {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] لا يغيب عن قدرته شيء، وبقوله: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} [فصلت: 54] يشير إلى أن أهل الحقيقة من أنواع المشاهدات والمعاينات، {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [فصلت: 54] وهو قادر على التجلي لكل شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تجلى الله لشيء خضع له ".