Verse. 4270 (AR)

٤١ - فُصِّلَت

41 - Fussilat (AR)

قُلْ اَرَءَيْتُمْ اِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللہِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِہٖ مَنْ اَضَلُّ مِمَّنْ ہُوَفِيْ شِقَاقٍؚبَعِيْدٍ۝۵۲
Qul araaytum in kana min AAindi Allahi thumma kafartum bihi man adallu mimman huwa fee shiqaqin baAAeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أرأيتم إن كان» أي القرآن «من عند الله» كما قال النبي «ثم كفرتم به من» أي لا أحد «أضل ممن هو في شقاق» خلاف «بعيد» عن الحق أوقع هذا موقع منكم بياناً لحالهم.

52

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي قل لهم يا محمد «أَرَأَيْتُمْ» يا مَعْشَرَ المشركين {إِن كَانَ} هذا القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ} أي فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل: قوله: {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: «آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ» والأوّل أظهر وهو قول ابن عباس. قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا «فِي الآفَاقِ» يعني خراب منازل الأمم الخالية {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: «فِي الآفَاقِ» آيات السماء «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» حوادث الأرض. وقال مجاهد: «فِي الآفَاقِ» فتح القرى؛ فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموماً، وفي ناحية المغرب خصوصاً من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة عن المعهود خارقة للعادات «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» فتح مكة. وهذا اختيار الطبري. وقاله المنهال بن عمرو والسدي. وقال قتادة والضحاك: «فِي الآفَاقِ» وقائع الله في الأمم «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضاً «فِي الآفَاقِ» يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي، واحدها أُفْقٌ وَأفُقٌ مثل عُسْر وعُسُر، ورجل أَفَقى بفتح الهمزة والفاء: إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول: أفُقيّ بضمهما وهو القياس. وأنشد غير الجوهري:شعر : أخَذْنَا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ لنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ تفسير : «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول؛ فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} من كونهم نطفاً إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدّم في «المؤمنون» بيانه. وقيل: المعنى سيرَوْن ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وأخبار الغيوب {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} فيه أربعة أوجه: أحدها أنه القرآن. والثاني الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه. والثالث أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. والرابع أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} في موضع رفع بأنه فاعل بـ«ـيَكْفِ» و{أَنَّهُ} بدل من «رَبِّكَ» فهو رفع إن قدّرته بدلاً على الموضع، وجَرّ إن قدرته بدلاً على اللفظ. ويجوز أن يكون نصباً بتقدير حذف اللام، والمعنى أولم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده؛ لأنه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وإذا شهده جازى عليه. وقيل: المعنى «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» في معاقبته الكفار. وقيل: المعنى «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ» شاهداً على أن القرآن من عند الله. وقيل: «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» مما يفعله العبد «شَهِيدٌ» والشهيد بمعنى العالم؛ أو هو من الشهادة التي هي الحضور {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ} في شك {مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} في الآخرة. وقال السدي: أي من البعث. {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ} أي أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي. وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، وأصله مُحْيِطْ نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط يحيط إحاطة وحيطة؛ ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاطت الخيل بفلان: إذا أخِذ مأخذاً حاصراً من كل جهة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} تفسير : [الكهف: 42] والله أعلم بصواب ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: {أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ} هذا القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} أي: كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال عز وجل: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: في كفر وعناد، ومشاقة للحق، ومسلك بعيد من الهدى. ثم قال جل جلاله: {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِىۤ أَنفُسِهِمْ} أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقاً منزلاً من عند الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية {فِى ٱلأَفَاقِ} من الفتوحات، وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم، قالوا: وقعة بدر، وفتح مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم نصر الله فيها محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة؛ كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح وغير ذلك، وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها، ولا يتعداها؛ كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه التفكر والاعتبار عن شيخه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال:شعر : وإذا نظرْتَ تريدُ معتبراً فانظرْ إليكَ ففيكَ معتبرُ أنتَ الذي تُمْسي وتُصْبحُ في الدنيا وكلُّ أموره عِبَرُ أنتَ المصرَّفُ كانَ في صغرٍ ثم استقلَّ بشخصِك الكبرُ أنتَ الذي تنعاهُ خلقتهُ ينعاهُ منهُ الشعرُ والبشرُ أنتَ الذي تُعْطى وتُسْلب لا يُنْجيه من أن يسلبَ الحذرُ أنتَ الذي لا شيءَ منهُ لهُ وأحقُّ منه بما لِه القدرُ تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} أي: كفى بالله شهيداً على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق فيما أخبر به عنه كما قال: {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} تفسير : [النساء: 66] الآية. وقوله تعالى: {أَلآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} أي: في شك من قيام الساعة، ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، ولا يحذرون منه، بل هو عندهم هدر، لا يعبؤون به، وهو كائن لا محالة، وواقع لا ريب فيه، قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سعيد الأنصاري قال: إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق، والمكذب به هالك، ثم نزل. ومعنى قوله رضي الله عنه: إن المصدق به أحمق، أي: لأنه لا يعمل له عمل مثله، ولا يحذر منه، ولا يخاف من هوله، وهو مع ذلك مصدق به، موقن بوقوعه، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته، وشهواته وذنوبه، فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في اللغة ضعيف العقل، وقوله: والمكذب به هالك، هذا واضح، والله أعلم. ثم قال تعالى مقرراً أنه على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه تبارك وتعالى: {أَلآ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌ} أي: المخلوقات كلها تحت قهره، وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا إله إلا هو. آخر تفسير سورة فُصِّلت ولله الحمد والمنّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ } أي القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } كما قال النبي {ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ } أي لا أحد {أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ } خلاف {بَعِيدٍ } عن الحق؟ أوقع هذا موقع منكم بياناً لحالهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن في الآفاق فتح أقطار الأرض، وفي أنفسهم فتح مكة، قاله السدي. الثاني: في الآفاق ما أخبر به من حوادث الأمم، وفي أنفسهم ما أنذرتهم به من الوعيد. الثالث: أنها في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض. الرابع: أنها في الآفاق إمساك القطر عن الأرض كلها وفي أنفسهم البلاء الذي يكون في أجسادهم، قاله ابن جريج. الخامس: أنها في الآفاق انشقاق القمر، وفي أنفسهم كيف خلقناهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وكيف إدخال الطعام والشراب من موضع واحدٍ وإخراجه من موضعين آخرين، قاله الضحاك. {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فيه وجهان: أحدهما: يتبين لهم أن القرآن حق. الثاني: أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إليه حق. {أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} يعني أولم يكفك من ربك. {أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: عليم. الثاني: حفيظ. قوله عز وجل: {أَلآ إِنَّهُمْ في مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ} قال السُّدي في شكٍ من البعث. {أَلآ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} فيه وجهان: أحدهما: أحاط علمه بكل شيء، قاله السدي. الثاني: أحاطت قدرته بكل شيء، قاله الكلبي.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه من أحوالهم المندرجة في أحوال هذا النوع كله ما هو مكشوف بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند الشدائد إعلاماً بالعراقة في الجهل والعجز، دل على الأمرين معا بما لا يمكن عاقلاً دفعه من أنهم لا يجوزون الممكن فيعدون له ما يمتعه على تقدير وقوعه، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يذكر ذلك إيذاناً بالإعراض عنهم دليلاً على تناهي الغضب: {قل أرأيتم} أي أخبروني {إن كان} أي هذا القرآن الذي نصبتم لمغالبته حتى بالإعراض عن السماع باللغو حال قراءته من الصفير والتصفيق وغير ذلك، وليس ذلك منكم صادراً عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه {من عند الله} الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال فهو لا يغالب. ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد، وكان مقصود السورة دائراً على العلم، نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان منهم إلا بعد تأمل طويل، فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق من أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال: {ثم كفرتم به} أي بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق، فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية البعد من الملائمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله، ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله {من أضل} منكم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {ممن هو في شقاق} أي لأولياء الله {بعيد *} تنبيهاً على أنهم صاروا كذلك، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي من واقعته هلك لا محالة، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء، فنجا من كل خطر - فالآية من الاحتباك: ذكر الكفر أولاً دليلاً على الإيمان ثانياً، والضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً، وسره أن ذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ. ولما كان هذا محزناً للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع، قال منبهاً على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتاً القول إلى مظهر العظمة إيذاناً بسهولة ذلك عليه: {سنريهم} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه {آياتنا} أي على ما لها من العظمة {في الآفاق} أي النواحي، جمع أفق كعنق وأعناق، أبدلت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد مثلها، أي وما ظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح، وذلك بما يفتح الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة، وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة، تصديقاً لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف الأحكام مع اتفاق جواهرها في التجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي يشرحها بآيات السمع. ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر، وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى الكمال، وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك، بدأ بها، ثم قال: {وفي أنفسهم} أي من فتح مكة وما أصابهم من سني الجوع وقصة أبي بصير ونحو ذلك, وتفصل لهم مع ذلك ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد المطابقة لما تضربه من الأمثال والدلائل المعقولة عند اعتبار الأقوال والأفعال، وبما في بلاد العرب من الآيات المرئية من نفي بعد إسراعهم إليه وإطباقهم عليه وإثبات التوحيد عند جميعهم بعد إبعادهم عنه وقتالهم الداعي إليه، وقد بين سبحانه في هذه من آيات الآفاق في آية {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} وما شاكلها، وفي الأنفس في آيات {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود والذي من بعدهم} ونحوها، وآيات {لا يسئم الإنسان من دعاء الخير} إلى آخرها الدالة على أن الإنسان مبني أمره على الجهل والعجز، فأكثر ما يتصوره ليس كما تصوره، فعليه أن يتأمل كتاب ربه ويتدبره - والله أعلم، قال الرازي في اللوامع: الاستدلال بالأفعال على فاعلها واضح وطريق لائح، والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق وهو جملة العالم، والثاني النفوس، فإن من عرف نفسه عرف ربه, أي من عرف روحه وكونها جوهراً متصرفاً في البدن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها باقية بغير البدن لا يحتاج في قوامها إلى البدن, بل البدن محتاج إليها وأنها محل المعرفة فمن عرف أمثال هذه المعارف عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه وقدرته وإرادته وتصرفه في جملة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود غيره. ولما كان التقدير: ولا نزال نواتر ذلك شيئاً في أثر شيء، عطف عليه قوله: {حتى يتبين لهم} غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر {أنه} أي القرآن {الحق} الكامل في الحقية الذي تطابقه الوقائع وتصادقه الأحوال العارضة والصنائع، فيجتعوا عليه ويُقبلوا بكل قلوبهم إليه، فلا يأباه في جزيرة العرب إنسان، ولا يختلف فيه منهم اثنان، ثم ينبثون في أرجاء الأرض بطولها والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان، ويبيد على أيديهم أهل الكفران، في سائر البلدان، ويزول كل طغيان، فيكون ظهورهم في هذا الوقت وضعف المؤمنين بعد أن كان سبباً لازديادهم من الكفر عظة لهم ولكل من يأتي بعدهم يوجب الثبات في محال الزلزال علماً بأن الله أجرى عادته أن يكون للباطل ريح تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل، وصولة تجول ثم تحول. ولما كان هذا القول منبهاً على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية التي يقرأها أولو الأبصار بالبصائر، ويتأملها بأعين السرائر، أمراً لا يحيط به الوصف، فكان حادياً على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار، والوقوف على بعض ما في ذلك من لطائف الأسرار، كان كأنه قيل: ألم يروا بعقولهم ما في ذلك من الأدلة على أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج عن أنفسهم، عطف عليه قوله: {أو لم يكف} وأكد بإدخال الجار، وحقق الفاعل فقال مؤكداً بالباء ومحققاً أنه الفاعل صارفاً القول إلى وصف الإحسان إيذاناً بالرفق بهم بردِّهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب نكالهم وإهلاكهم واستئصالهم: {بربك} أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان شهادة بأنه من عنده {أنّه} أي أو لم يكف شهادة ربك لأنه {على كل شيء شهيد *} لا يغيب عنه شيء من الأشياء، لا هذا القرآن ولا غيره، وقد شهد لك فيه بإعجازه لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته، ونطقت به كلماته، ففيه أعظم بشارة بتمام أمر الدين وظهوره على المعتدين، وذلك لأن كل أحد يجد في نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ينكره من هو عليه لصاحب الحق من الشهود ما يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه أنه يكون مطمئناً لا ينزعج بالجحد علماً منه بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي معانده ويقهر، وفي هذا تأديب لكل من كان على حق ولا يجد من يساعده على ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره فتوكل على الله إنك على الحق المبين. ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال، ولا شبهة أصلاً لضال، كان موضع المناداة على من استمر على عناده بقوله مؤكداً لادعائهم إنهم على جلية من أمرهم، {ألا إنهم} أي الكفرة {في مرية} أي جحد وجدال وشك وضلال عن العبث {من لقاء} وصرف القول إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلى أنه لا بد من كمال تربيتهم بالبعث لأنه أحكم الحاكمين فقال: {ربهم} أي المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب والجزاء بالثواب والعقاب كما هو شأن كل حكيم فيمن تحت أمره. ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث، قرره إيمانهم معترفون به من قدرته على كل شيء من البعث وغيره فقال: {ألا إنه} أي هذا المحسن إليهم {بكل شيء} أي من الأشياء جملها وتفاصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها {محيط *} قدرة وعلماً من كثير الأشياء وقليلها كليها وجزئيها، فعما قليل يجمعهم على الحق ويبدلهم بالمرية إذعاناً وبالشك يقيناً وبرهاناً، فرحمته عامة لجميع أهل الوجود وخاصة لمن منَّ عليه الإيمان الموصل إلى راحة الأمان، فكيف يتصور في عقل أن يترك البعث ليوم الفصل الذي هو مدار الحكمة، ومحط إظهار النعمة والنقمة، وقد علم بذلك انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب على أولها المفصل للقرآن المفيض لقسمي الرحمة: العامة والخاصة لأهل الأكوان، على ما اقتضاه العدل والإحسان، بالبشارة لأهل الإيمان، والنذارة لأهل الطغيان - والله الهادي وعليه التكلان.

القشيري

تفسير : {سَنُرِيهِمْ}: السين للاستقبال؛ اي سيُظهر لهم من الآيات، ومن الأحداث التي تجري في أحوال العالمَ، وما سيحِلُّ بهم من اختلاف الأمور ما يتبيَّن لهم من خلاله أنَّ هذا الدِّين حقٌّ، وأنَّ هذا الكتابَ حقٌّ، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ، وأن المُجْرِيَ لهذه الآياتِ والأحداثِ والأمورِ والمنشىءَ له هو الحقُّ - سبحانه. ومن تلك الآيات ما كان من قَهْرِ الكفار، وعُلُوِّ الإسلام، وتلاشي أعداء الدين. ويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلافُ أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في التجانس.. وهذه آيات حدوثِ العالَم، واقتضاء المُحدَثِ لصفاته. {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}: من أمارات الحدوثِ واختلافِ الأوصاف ما يمكنهم إدراكه. ويقال: {فِي ٱلآفَاقِ} للعلماء، {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} لأهل المعرفة مما يجدونه من العقاب إذا أَلَمُّوا بذَنْبِ، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة. وكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبضٍ وبسط، وجمع وفَرْقٍ، وحجبٍ وجذبٍ... وما يجدونه بالضرورة في معاملاتهم ومنازلاتهم. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}: هو الكافي، ولكنهم - أي الكفار - في مِرْيةٍ من لقاء ربهم في القيامة. والإشارة فيه: أن العوامَّ لَفي شكٍ من تجويز ما يُكَاشَفُ به أهلُ الحضورِ من تعريفات السرِّ. {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}: عالِمٌ لا يَخْفَى عليه شيءٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ارأيتم} اى اخبرونى لأن الرؤية سبب للاخبار {ان كان} اى القرءآن {من عند الله ثم كفرتم به} من غير نظر واتباع دليل مع تعاضد موجبات الايمان به {من} استفهام {اضل ممن هو فى شقاق بعيد} اى من اضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم وخلافهم بانه لكونهم فى شقاق بعيد فان من كفر بما نزل من عند الله بان قال اساطير الاولين ونحوه فقد كان مشاقا لله اى معاديا ومخالفا له خلافا بعيدا عن الوفاق ومعاداة بعيدة عن الموالاة ولا شك أن من كان كذا فهو فى غاية الضلال وفى الاية اشارة الى أن كل بلاء وعناء ونعمة ورحمة ومضرة ومسرة ينزل بالعبد فهو من عند الله فان استقبله بالتسليم والرضى صابرا شاكرا للمولى فى الشدة والرخاء والسرآء والضرآء فهو من المهتدين المقربين وان استقبله بالكفر والجزع بالخذلان فهو من الاشقياء المبعدين المضلين وفى الحديث القدسى "حديث : اذا وجهت الى عبد من عبيدى مصيبة فى بدنه او ماله او ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة ان انصب له ميزانا وانشر له ديوانا" تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا احب الله عبدا ابتلاه اذا احبه حبا شديدا افتناه فان صبر ورضى اجتباه" قيل يا رسول الله وما افتناؤه قال "ان لا يبقى له مالا ولا ولدا" تفسير : قال بعض الكبار النعمة توجب الاعراض كما قال الله تعالى {أية : واذا انعمنا على الانسان} تفسير : الخ ومس الضر يوجب الاقبال على الله كما قال الله تعالى {أية : واذا مسه الشر} تفسير : الخ فالله تعالى رحيم على العبد بدفع النعمة والصحة عنه لأنها مظنة الاعراض والبلاء للولاء كاللهب للذهب فالبلاء كالنار فكما أن النار لا تبقى من الحطب شيئا الا واحرقته فكذا البلاء لا يبقى من ضر الوجود شيئا فالطريق الى الله على جادة المحنة اقرب من جادة المنحة اذ الانبياء والاولياء جاؤا وذهبوا من طريق البلاء وقد ثبت أن النار لا ترتفع من الدنيا ابدا فكيف يؤمل العاقل الراحة فى الدنيا فهى دار محنة وقد ورد "حديث : الدنيا سجن المؤمن" تفسير : فالمؤمن لا يستريح فى الدنيا ولا يخلو من قلة او علة او ذلة وله راحة عظمى فى الآخرة والكافر خاسر فى الدنيا والآخرة فعلى العبد ان يمشى على الصراط السوى ويخاف من الزلق ومن مكر الله تعالى (قال الحافظ) شعر : جه جاى من كه بلغزد سبهر شعبده باز ازين حيل كه در انبانه بهانه بست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل أرأيتم}؛ أخبروني {إِن كان} القرآن {من عندِ اللهِ ثم كفرتُمْ به}؛ جحدتم أنه من عند الله، مع تعاضد موجبات الإيمان به، {مَنْ أَضلُّ} منكم؟ فوضع قوله: {ممن هو في شقاق بعيد} موضعه، شرحاً لحالهم، وتعليلاً لمزيد ضلالهم. {سَنُريهِمْ آياتنا} الادلة على حقيَّتِه وكونه من عند الله، {في الآفاق} من فتح البلاد، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسَّر الله تعالى له ولخلفائه من الفتوحات، والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب، على وجه خرق العادة، {و} نريهم {في أنفسهم}؛ ما ظهر من فتح مكة وما حلّ بهم. وقال ابن عباس: في الآفاق: منازل الأمم الخالية وآثارهم، وفي أنفسهم: يوم بدر. وقال مجاهد وغيره: في الآفاق: ما يفتح الله من القرى على نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وفي أنفسهم: فتح مكة. وقيل: الآفاق: في أقطار السموات والأرض، من الشمس، والقمر، والنجوم، وما يترتب عليها من الليل، والنهار، والأضواء، والظلال، والظلمات، ومن النبات، والأشجار، والأنهار، {وفي أنفسهم}: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، من تكوين النطفة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله تعالى: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ...} تفسير : [الذاريات: 21]. وعبّر بالسين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك، بمعنى أن الله تعالى سيُطلعهم على تلك الآيات زماناً فزماناً، ويَزيدهم وقوفاً على حقائقها يوماً فيوماً، {حتى يتبين لهم} بذلك {أنه الحقُّ} أي: القرآن، أو: الإسلام، أو: التوحيد، {أوَلَمْ يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيدٌ}، توبيخ على تردُّدهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات، وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى. والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، أي: أَلَمْ يُغن ولم يكف ربك. والباء: مزيدة للتأكيد، ولا تكاد تزاد إلا مع "كفى". و (أنه...) الخ: بدل منه، أي: ألم يُغنهم عن إراءة الآيات المبنية لحقيّة القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على كل شيء، وقد أخبر أنه من عنده. وقيل: معناه: إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتيقنون عند ذلك أن القرآن تنزيل من عالم الغيب؛ الذي هو على كل شيء شهيدٌ. {أَلا إِنهم في مِريةٍ}؛ شك عظيم {من لقاءِ ربهم} فلذلك أنكروا القرآن، {ألا إِنه بكل شيءٍ محيط}؛ عالم بجميع الأشياء وتفاصيلها، وظواهرها، وبواطنها، فلا يخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم وشكهم، لا محالة. الإشارة: قد اشتملت الآية على مقام الاستدلال في مقام الإيمان، وعلى مقام العيان في مقام الإحسان، أي: سنُريهم آياتنا الدالة على وجودنا في الآفاق، وفي أنفسهم، أي: في العوالم المنفصلة والمتصلة، حتى يتبين لهم أنه الحق، أي: وجوده حق، لأن الصنعة قطعاً تحتاج إلى صانع، ثم رقَّاهم إلى مقام المراقبة بقوله: {أوَلم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}، ثم زاد إلى المشاهدة بقوله: {ألا إِنهم} أي: أهل الجهل بالله، {في مرية من لقاء ربهم} في الدنيا، بحصول الفناء، فيفنى وجود العبد في وجود الحق، ألا إنه بكل شيء محيط، فبحر العظمة أحاط بكل شيء، وأفنى كل شيء، ولم يبقَ مع وجوده شيء. وفي الحِكَم: "ما حجبك عن الله وجود موجود معه؛ إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهُّم موجود معه" وقال أيضاً: "الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فأحدية الذات محت وجودَ الأشياء كلها، ولم يبقَ إلا القديم الأزلي. وقال القطب ابن مشيش لأبي الحسن رضي الله عنه: يا أبا الحسن، حدّد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريباً من كل شيء، ومحيطاً بكل شيء، بقُرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعَد عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة والقرب في المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. هـ. وقوله: وعد عن الحجهات، جاوز عن اعتقادها؛ إذ لا ظرف، ولا حد، ولا مكان، ولا جهة، إذ الكل عظمة ذاته، وأنوار صفاته، والحد إنما يتصور في المحدود، ولا حد لعظمة ذاته ولا نهاية، ولا يحصرها مكان، ولا جهة؛ إذ الكل منه وإليه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد، عين بحر التحقيق، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} قد مضى بيان هذه الكلمة فى سورة الانعام عند قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 40] {إِن كَانَ} هذا الانعام او الرّسول او القرآن او قرآن ولاية علىّ (ع) او نصب علىّ (ع) {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ} فى طرف من الله او من الرّسول (ص) {بَعِيدٍ} الجملة جزاء الشّرط بتقدير القول او بتقدير الفاء فقط او الجزاء محذوف ومن اضلّ مستأنف.

الهواري

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} يعني القرآن {ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ} أي: بالقرآن {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: في فراق للنبي عليه السلام وما جاء به، (بَعِيدٍ) إلى يوم القيامة. أي: من يموت على كفره. أي: لا أحد أضل منه. وقال بعضهم: بعيد عن الحق. قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. قال بعضهم: يعني أن النبي عليه السلام يظهر على الآفاق وعليهم. وقال الحسن: يعني ما أهلك الله به الأمم السالفة في الآفاق، أي: في البلدان؛ أي: قد رأوا آثار ذلك. {وَفِي أَنفُسِهِمْ} أي: أخبرهم بأنهم يموتون وتصيبهم البلايا. فكان ذلك كما قال الله عز وجل، وأظهرهم الله عزّ وجل عليهم، وابتلاهم بما ابتلاهم به، يعني من الجوع بمكة والسيف يوم بدر. قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كفرهم وأعمالهم, أي: بلَى, كفى به شهيداً عليهم. قال: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ} أي: في شك {مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ} أي: يقولون: لا نبعث ولا نلقى الله. {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} أي: أحاط علمه بكل شيء.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لكفار مكة {أَرَأَيْتُمْ} الهمزة ليست للاستفهام بل هي أول الكلمة يقال أرى (أخبر) فكأنه أخبروني قال {إِن كَانَ} أي القرآن وهو الذكر {مِنْ عِندِ اللهِ} كما قلت {ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ} وجواب (ان) محذوف أي أهلكتم كذا قيل بل دل عليه ما قبله أي فاخبروني ما تصنعون أو أخبروني* {مَنْ أَضَلُّ} فانكم كذبتم به لا بحجة واثقة وأنتم على غير يقين ولعله حق فأهلكتم أنفسكم والكلام على {أَرَأَيْتُم} بمعنى (أخبروني) بسطته في النحو (ومن) استفهامية انكارية أي لا أحد أضل وجملة (من أضل) مفعول {أَرَأَيْتُم}* {مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ} أي خلاف ومعاندة* {بَعِيدٍ} عن الحق والمراد بـ (ممن) هؤلاء الكفار والأصل من أضل منكم فوضع الظاهر موضع الضمير بيانا لحالهم وذماً لهم بالشقاق البعيد وتعليلاً لمزيد ضلالتهم.

اطفيش

تفسير : {قُل أرأيتُم} أخبرونى عن الحال والاخبار بالشىء مسبب ولازم لرؤيته، بمعنى علمه أو ابصاره، ثم انه عبر بالاستفهام عن الأمر {إنْ كانَ} القرآن {مِن عِند الله ثمَّ كفرتُم بهِ} ثم للتراخى الرتبى فان الكفر به مع تعاضد الدلائل الموجبة للايمان بعيد جدا، أو للتراخى الزمانى على أصلها باعتبار نزوله بغير حضرتهم، وقبل كفرهم به، فان الكفر به يكون بعد نزوله، ومتعلق أرأيتم محذوف كما رأيت، فيكون قوله تعالى: {مَن أضلُّ ممَّن هو في شقاق بعيدٍ} تفسيرا فانه بيان بأن الحال أنه لا أضل من شقاقهم أو معموله هذه الجملة من أضل الخ علق عنها، وقيل: المفعول الأول محذوف أى أرأيتم أنفسكم، واذا كان من باب ظن على هذا جاز أرأيتموكم، والثانى جملة من أضل، الأصل من أضل منكم، وعبر بالظاهر وهو من أضل فى وجه، جعل الجملة مفعولا لرأيت بلا تقدير مفعول آخر ليصفهم بالشقاق البعيد تعليلا به لأضلنهم وبيانا لحالهم أنه الشقاق البعيد، أى الخلاف البعيد جدا، وجواب ان أغنى عنه أرأيته كأنه قيل ان كان من عند الله وكفرتم به، فأخبرونى من أضل، وهذا أولى من أن يقال أغنى عنه من أضل، لأن من أضل لم يذكر فى الآية مستقلا بل محكيا بالقول، حتى لو قيل: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فمن أضل احتيج للتأويل.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} الخ رجوع لإلزام الطاعنين والملحدين وختم للسورة بما يلتفت لفت بدئها وهو من الكلام المنصف وفيه حث على التأمل واستدراج للإقرار مع ما فيه من سحر البيان وحديثُ الساعة وقع في البين تتميماً للوعيد وتنبيهاً على ما هم فيه من الضلال البعيد كذا قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام في ذلك. ومعنى {أَرَأَيْتُمْ } أخبروني {إِن كَانَ} أي القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} مع تعاضد موجبات الإيمان به. و {ثُمَّ} كما قال النيسابوري للتراخي الرتبـي {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ} أي خلاف {بَعِيدٍ} غاية البعد عن الحق، والمراد ممن هو في شقاق المخاطبون. ووضع الظاهر موضع ضميرهم شرحاً لحالهم بالصلة وتعليلاً لمزيد ضلالهم. وجملة {مَنْ أَضَلَّ} على ما قال ابن الشيخ سادة مسد مفعولي {رَأَيْتُمْ } وفي «البحر» المفعول الأول محذوف تقديره أرأيتم أنفسكم والثاني هو جملة الاستفهام. وأياً ما كان فجواب الشرط محذوف. قال النيسابوري: تقديره مثلاً فمن أضل منكم، وقيل: إن كان من عند الله ثم كفرتم به فأخبروني من أضل منكم، ولعله الأظهر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي متصل بقوله: { أية : إن الذين كفروا بالذكر لمَّا جاءهم } تفسير : [فصلت: 41،] إلى قوله: { أية : لفي شك منه مريب } تفسير : [فصلت: 45]. فهذا انتقال إلى المجادلة في شأن القرآن رجع به إلى الغرض الأصلي من هذه السورة وهو بيان حقّيّة القرآن وصدقه وصدق من جاء به. وهذا استدعاء ليُعمِلُوا النظر في دلائل صدق القرآن مثل إعجازه وانتساقه وتأييد بعضه بعضاً وكونه مؤيّداً للكتب قبلَه، وكونِ تلك الكتب مؤيدة له. والمعنى: ما أنتم عليه من إنكار صدق القرآن ليس صادراً عن نظر وتمحيص يحصّل اليقين وإنما جازفتم به قبل النظر فلو تأملتم لاحتمل أن يُنتج لكم التأمل أنه من عند الله وأن لا يكون من عنده، فإذا فُرض الاحتمال الأول فقد أقحمتم أنفسكم في شقاق قويّ. وهذا من الكلام المنصِف واقتُصر فيه على ذكر الحالة المنطبقة على صفاتهم تعريضاً بأن ذلك هو الطرَف الرّاجح في هذا الإجمال كأنه يقول: كما أنكم قضيتم بأنه ليس من عند الله وليس ذلك معلوماً بالضرورة فكذلك كونه من عند الله فتعالوا فتأملوا في الدّلائل، فهم لمّا أنكروا أن يكون من عند الله وصدوا أنفسهم وعامتهم عن الاستماع إليه والتدبر فيه فقد أعملوا شهوات أنفسهم وأهملوا الأخذ بالحيطة لهم أن يتدبروه حتى يكونوا على بينة من أمرهم في شأنه، وهم إذا تدبروه لا يلبثون أن يعلموا صدقه، فاستدعاهم الله إلى النظر بطريق تجويز أن يكون من عند الله فإنه إذا جاز ذلك وكانوا قد كفروا به دون تأمل كانوا قد قضوا على أنفسهم بالضلال الشديد، وإذا كانوا كذلك فقد حقّت عليهم كلمات الوعيد. و{إن} الشرطية شأنها أن تدخل على الشرط المشكوك فيه، فالإتيان بها إرخاء للعنان معهم لاستنزال طائر إنكارهم حتى يقبلوا على التأمل في دلائل صدق القرآن. ويشبه أن يكون المقصود بهذا الخطاب والتشكيك أولاً دَهماءَ المشركين الذين لم ينظروا في دلالة القرآن أو لم يطيلوا النظر ولم يبلغوا به حد الاستدلال. وأما قادتهم وكبراؤهم وأهل العقول منهم فهم يعلمون أنه من عند الله ولكنّهم غلب عليهم حبّ الرئاسة على أنهم متفاوتون في هذا العلم إلى أن يبلغ بعضهم إلى حدّ قريب من حالة الدّهماء ولكن القرآن ألقى بينهم هذا التشكيك تغليباً ومراعاةً لاختلاف درجات المعاندين ومجارَاةً لهم ادعاءهم أنّهم لم يهتدوا نظراً لقولهم { أية : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر } تفسير : [فصلت: 5]. و{ثُمّ} في قوله: {ثم كفرتم} للتراخِي الرتبي لأن الكفر بما هو من عند الله أمره أخطر من كون القرآن من عند الله. و{مَن} الأولى للاستفهام وهو مستعمل في معنى النفي، أي لا أضل ممن هو في شقاق بعيد إذا تحقق الشرط. و{مَن} الثانية موصولة ومَا صْدَقُها المخاطبون بقوله: {كفرتم به} فعُدل عن الإضمار إلى طريق الموصول لما تأذن به الصلة من تعليل أنّهم أضلُّ الضالّين بكونهم شديدي الشقاق، وذلك كناية عن كونهم أشد الخلق عقوبة لما هو معلوم من أن الضلال سبب للخسران. والشقاق: العصيان. والمراد: عصيان أمر الله لظهور أن القرآن من عنده على هذا الفرض بيننا. والبعيد: الواسع المسافة، واستعير هنا للشديد في جنسه، ومناسبة هذه الاستعارة للضلال لأن الضلال أصله عدم الاهتداء إلى الطريق، وأن البعد مناسب للشقاق لأن المنشقّ قد فارق المنشقَّ عنه فكان فراقه بعيداً لا رجاء معه للدنوّ، وتقدم في قوله: { أية : وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } تفسير : في سورة البقرة (176). وفعل {أرأيتم} معلق عن العمل لوجود الاستفهام بعده، والرؤية علمية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 52- قل لهم - يا محمد -: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله ثم جحدتم به، فمن أبعد عن الصواب ممن هو فى خلاف بعيد عن الحق؟! 53- قريباً نُرِى هؤلاء المنكرين دلائلنا على صدقك فى أقطار السموات والأرض وفى أنفسهم حتى يظهر لهم أن ما جئت به هو الحق دون غيره، أأنكروا إظهارنا لهم الآيات، أو لم يكف بربك أنه مطلع على كل شئ؟ 54- ألا إن هؤلاء الكفار فى شك عظيم من لقاء ربهم لاستبعادهم البعث، ألا إن الله بكل شئ محيط بعلمه وقدرته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل أرأيتم إن كان من عند الله: أي أخبروني إن كان القرآن من عند الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ثم كفرتم به: أي ثم كفرتم به بعد العلم أنه من عند الله. من أضل ممن هو في شقاق بعيد: أي من يكون أضل منكم وأنتم في شقاق بعيد؟ لا أحد. في الآفاق وفي أنفسهم: أي في أقطار السماوات والأرض من المخلوقات وأسرار خلقها وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وعجائب وبدائع الحكمة. حتى يتبين لهم أنه الحق: أي أن القرآن كلام الله ووحيه إلى رسوله حقا، وأن الإِسلام حق. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم: أي في شك من البعث الآخر حيث يعرضون على الله تعالى. ألا إنه بكل شيء محيط: أي علماً وقدرة وعزة وسلطاناً. معنى الآيات: يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمكذبين بالوحي الإِلهي الذي يمثله القرآن الكريم حيث قالوا فيه شعر وسحر وأساطير الأولين يأمره أن يقول لهم مستفهما لهم أرأيتم أي أخبروني إن كان أي القرآن الذي كذبتم به من عند الله وكفرتم به أي كذبتم؟ من يكون أضل منكم وأنتم تعيشون في شقاق بعيد اللهم لا أحد يكون أضل منكم عن طريق الهدى إذا فلم لا تثوبون إلى رشدكم وتؤمنون بآيات ربكم فتكملوا عليها وستعدوا. ثم قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} الدالة على صدقنا وصدق رسولنا فيما أخبرناهم به ودعوناهم إليه من الإِيمان والتوحيد والبعث والجزاء وذلك في الآفاق أي من أقطار السماوات والأرض مما ستكشف عنه الأيام من عجائب تدبير الله ولطائف صنعه، وفي أنفسهم أيضا أي في ذواتهم حتى يتبين لهم أنه الحق، من ذلك فتح القرى والأمصار وانتصار الإِسلام كما أُخبر به القرآن، ووقعة بدر وفتح مكة من ذلك وما ظهر لِحَدّ الآن من كشوفات في الآفاق وفي الأنفس مما أشار إليه القرآن ما هو أعجب من ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49] فنظام الزوجية الساري في كل جزئيات الكون شاهد قوي على صِدْقِ القرآن وأنه الحق من عند الله، وأن الله حق وأن الساعة حق وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}؟ هذا توبيخ لهؤلاء المكذبين بإعلامهم أن شهادة الله كافية في صدق محمد وما جاء به إن الله هو المخبر بذلك والآمر بالإيمان به فكيف يطالبون بالآيات على صدق القرآن ومن نزل عليه والله المرسل للرسول والمنزل للكتاب وقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} إعلام منه تعالى بما عليه القوم من الشك في البعث والجزاء وهو الذي سبب لهم كثيراً من أنواع الشر والفساد. وقوله: {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} علماً وقدرة وعزة وسلطاناً فما أخبر به عنهم من علمه وما سيجزيهم به من عذاب إن أصروا على كفرهم من قدرته وعزته. ألا فليتق الله امرؤ مصاب بالشك في البعث وكل الظواهر دالة على حتميته ووقوعه في وقته المحدد له. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالكفر بالقرآن والتكذيب بما جاء فيه من الهدى والنور. 2- لا أضل ممن يكذب بالقرآن لأنه يعيش في خلاف وشقاق لا أبعد منه. 3- صدق وعد الله تعالى حيث أرى المشركين وغيرهم آياته الدالة على وحدانيته وصحة دينه وصدق أخباره ما آمن عليه البشر الذين لا يعدون كثرة. 4- ما من اكتشاف ظهر ويظهر إلا والقرآن أدخله في هذه الآية سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم. 5- الإِشارة إلى أن الإِسلام سيعلم صحته وسيدين به البشر أجمعون في يوم ما من الأيام. 6- تقرير البعث والجزاء. ومظاهر قدرة الله تعالى المقررة له.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} (52) - قُلْ يَا مُحَمَّدَ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ الذِي جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ: أَخْبِرُونِي كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ إِنْ كَانَ هَذَا القُرْآنُ الذِي تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ؟ أَفَلاَ تَكُونُونَ مُفَارِقِينَ لِلْحَقِّ، بَعِيدِينَ عَنِ الصَّوَابِ، وَمُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقَابِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ} أي: قل لهم يا محمد {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني، واحكموا أنتم {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} [فصلت: 52] أي: كفرتم بالمنعم {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52] يعني: لا أحدَ أضلُّ ممن زرع الشقاق والخلاف بين النعمة والمنعم، فأخذ النعمة وكفر بالمنعم، فمن هنا استفهامية أفادت التعجب والإنكار، فالنعمة تقتضي شكر المنعم وحمده. والحق سبحانه في آيات أخرى يعرض علينا نعمه عرضاً كريماً رحيماً، ويمتن علينا بها فيقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] كلمة {إِن} أفادتْ الشك لأن الإنسان لا يقبل على عدِّ شيء إلا إذا كان مظنة العد والإحصاء والحصر، فعلى فرض إنْ حدث وأقبلتم على عَدِّ نعمة الله فلن تحصوها، وسماها نعمة بالإفراد ولم يقُلْ نعم لأنك حين تتأمل النعمة الواحدة تجد في طياتها نِعَماً كثيرة. وهذه الآية وردت في موضعين، لكن تذييل كل منهما مختلف عن الأخرى فواحدة: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] والأخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. لأن عناصر الإنعام ثلاثة: نعمة ومُنعِم ومُنعَم عليه، فمن ناحية النعمة فهي كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصَى، ومن ناحية المنعم فهو سبحانه غفور رحيم، ومن ناحية المنعَم عليه فظلوم كفار. فكأن ربَّك عز وجل يقول لك: يا عبدي لا تيأس من رحمتي، ولا تزهد في دعائي مهما كنتَ ظلوماً كفاراً، لأن ربك غفور رحيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي { قُلْ } لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران { أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ } هذا القرآن { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } من غير شك ولا ارتياب، { ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: معاندة للّه ولرسوله، لأنه تبين لكم الحق والصواب، ثم عدلتم عنه، لا إلى حق، بل إلى باطل وجهل، فإذا تكونون أضل الناس وأظلمهم. فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم اللّه لكم، ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه اللّه تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق. { وَفِي أَنْفُسِهِمْ } مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات اللّه وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين. { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ } من تلك الآيات، بيانًا لا يقبل الشك { أَنَّهُ الْحَقُّ } وما اشتمل عليه حق. وقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من الآيات، ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن اللّه هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء. { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي: أولم يكفهم على أن القرآن حق، ومن جاء به صادق، بشهادة اللّه تعالى، فإنه قد شهد له بالتصديق، وهو أصدق الشاهدين، وأيده، ونصره نصرًا متضمنًا لشهادته القولية، عند من شك فيها. { أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ } أي: في شك من البعث والقيامة، وليس عندهم دار سوى الدار الدنيا، فلذلك لم يعملوا للآخرة، ولم يلتفتوا لها. { أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } علما وقدرة وعزة. تم تفسير سورة فصلت -بمنه تعالى-