٤١ - فُصِّلَت
41 - Fussilat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ } أقطار السموات والأرض من النيرات والنبات والأشجار {وَفِى أَنفُسِهِمْ } من لطيف الصنعة وبديع الحكمة {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ } أي القرآن {ٱلْحَقُّ } المنزل من الله بالبعث والحساب والعقاب، فيعاقبون على كفرهم به وبالجائي به {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ } فاعل يكف {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } بدل منه، أي أوَ لم يكفهم في صدقك أنّ ربك لا يغيب عنه شيء مّا؟
ابن عبد السلام
تفسير : {فِى الأَفَاقِ} فتح أقطار الأرض {وَفِى أَنفُسِهِمْ} فتح مكة، أو في الآفاق ما أخبروا به من حوادث الأمم وفي أنفسهم ما أنذروا به من الوعيد، أو في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض في الآفاق إمساك القطر عن الأرض كلها وفي أنفسهم البلاء الذي يكون في أجسادهم، أو في الآفاق انشقاق القمر وفي أنفسهم خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم كيف إدخال الطعام والشراب من موضع واحد وإخراجه من موضعين. {أَنَّهُ الْحَقُّ} القرآن، أو الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
التستري
تفسير : قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} [53] يعني الموت، قال: والموت خاص وعام، فالعام موت الخلقة والجبلة، والخاص موت شهوات النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} [الآية: 53]. قال سهل: هى الموت والموت خاص وعام فالعام موت الخلقة والجبلة والخاص موت شهوات نفوس الأولياء. قال القحطانى: لا يزال العبد يرتقى من حال إلى حال حتى يبلغ إلى الأحوال السنية العالية ويرى الله قائماً بالأشياء ثم ترقى به عن ذلك الحال حتى يرى الأشياء فانية فى رؤية الحق ويتيقن أن القديم إذا قرن بالحديث لا يثبت له أثر وإن جلّ قدره وعظم خطره وهو معنى قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} وهو النظر فى الدنيا بشاهد الحق ثم النظر إلى الحق بالفناء عن الكون وهو أن تصير النعوت نعتاً واحداً ولا يشهد إلا حقاً صرفاً. وسئل أبو عثمان عمن يقول بالشاهد؟ فقال: لا أنكر القول بالشاهد لمن يشهد الأشياء كلها شيئاً واحداً. وقال الواسطى رحمة الله عليه: ظهر فى كل شىء بما أظهر منه وإظهاره الأشياء ظهوره بها فإذا فتشها لا يجد غير الله قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} دون غيره وذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصدق كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد ألا كل شىء ما خلال الله باطل ". تفسير : وكذلك حكى عن بعضهم أنه أنشد: شعر : اسمع فهذا كلام والله ما فيه علة أقل من كل شىء من لا يرى الكل قلة تفسير : وقال بعضهم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} قال: يرى الأشياء وجودها عدمها وعدمها وجودها كما أن كل قرب بعد وكل بعد قرب لأن إحاطة القدرة بالشىء وجود الشىء. قوله عز وعلا: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الآية: 53]. قال الواسطى رحمة الله عليه: لو شهدوا شواهد الحق فيما جرى عليهم من المخالفة والموافقة لما اضطربوا فرحاً ولا حزناً نفياً للشرك والمقارنة. سمعت عبد الله الرازى يقول: كان أكبر عمل أبى عثمان فى المراقبة وكان كثيراً ما يتلو هذه الآية. وقال الواسطى: فى هذه الآية أوائلها فيه وكان يتلوا هذه الآية كثيراً: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} أوائلها للطائفين والعابدين طالعوه وراقبوه وأواخرها للواجدين شاهدوه على آباده وسرمده الذى فيه فناء معانيهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} اظهر الأيات وجعلها مرأة لصفاته وذاته سبحانه ويتجلى منها انوار الذات والصفات للمشاهدين مشاهدة القدم سر بسر فى حقائق التوحيد وظاهرا يرونه من الأيات فى زمان العشق فى لباس الفعل استقامة للمحبة والتباس لامر الحقيقة ولن ظهر بنعت الالوهية ظاهرا وباطنا لتعطلت الاشباح ولفتيت الارواح واضمحلت النفوس والعقول لان بروز سطوات الاحدية لا يحتمله الايات والاشباح والا الابصار ولا الافكار ذكر فى الاول أيات مقصورة صفاته التى تشرف انوارها فى أفاق الاسرار والأيات العالم الفعلى والمقصود من الصفات ظهور الذات لنظار حقيقة الحقيقة والا فاين الأيات فى ظهور الصفات والذات الأيات للعيون والصفات للقلوب والذات للارواح سر القدم للاسرار لا ينكشف السر الا للسر والعارف الصادق اذا كان فى عين الجمع لا يرى شيئاً الا ويرى الحق بعينه لان فى حقيقة الحقيقة ما بدا منه هو فعله غرق فى صفاته قائمة بذاته فاذا شاهده فى نفسه كما شاهده فى اياته يختلط الامر ويغيب الحدث فى القدم ويحى عليه سكر الانائية فيدعى الربوبية لان مشاهدة الأيات يقتضى العشق والمحبة ومشاهدة الحق فى مرأة النفس يقتضى الاتحاد من تاثير مباشرة سر التجلى وهذا حال الحلاج قدس الله روحه حيث قال انا الحق وحال الاول حال الواسطى حيث قال ضحكت الاشياء وللعارفين بافواه القدرة بل بافواه الرب لو ترى يا شاهد مشاهدة الحق فى الأيات ترى انوار العظمة والكبرياء من عيون الأساد وانياب التغابن وترى انوار اجماله من اوراق ----والنرجس والياسمين ووجوه الحسان وتسمع اصوات الوصلة من الحان الطيور والبلابل والعناد لى واصوات الرياح والسحاب والانسان والاوتار الا ترى الى قوله عليه الصلاة والسّلام الورد الاحمر من بهاء الله من اراد ان ينظر الى بهاء الله فلينظر الى الورد الاحمر قال تعالى {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} اى سنريهم هذه الحقائق فى الأيات وفى انفسهم حتى يتبين لهم انها هى الحق بعينه لا الايات ولا الافاق ولا الانفس نت لاح الحق من الحق لاهل الحق وتاكيد ذلك برهان ظهوره من كل شيء وشهوده على كل ذرة من العرش الى الثرى بنعت التجلى وتبسم صبح الازل فى عيون المشاهدين جلاله قوله {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} اى ظاهر من كل شئ بسطوع نور ازليته منه لكل مستانس شاهد به فيه ثم بيّن ان المجرمين فى الازل بسبق الشقاوة لا يرونه حقيقة وبيانا وكشفا وعيانا وعزا او سلطانا وبرهانا بقوله {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} عن مشاهدته بلطمات قهره فهم فى شك وريب من حيث عما هم وجهالتهم ثم اكد امر ظهوره على الكل بقوله {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} احاط علمه وقدرته وجلاله وجماله بكل شئ من العرش الى الثرى لكن لا يراه بنعوتها الا العاشقون الوالهون العارفون قال القحطى لا يزال العبد يرتقى من حل فى حال حتى يبلغ الى الاحوال السنية العلية فيرى الله قائما بالاشياء ثم يرى فى به من ذلك الحال حتى يرى الاشياء فانيّة فى رؤية الحق ويتيقن ان القديم اذا قورت بالحدث لا يثبت له اثر وان جلّ قدرة وعظم خطره وهو يعنى قوله سنريهم اياتنا فى الافاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق وهو النظر الى الكون بمشاهد الحق ثم النظر الى الحق بالفناء من الكون وهو ان يصبر النعوت نعتا ولا يشهد الا حقا صرفا وسئل ابو عثمان عمر بقول بالشاهد فقال لا انكر بالقول بالشاهد لمن يشهد الاشياء كلها شيئا واحدا وقال الواسطى ظهر من كل شئ ما اظهر منه واظهاره الاشياء ظهوره بها فاذا فتشها لا يحد غير الله قال الله سنريهم أياتنا فى الاناق وفى انفسهم حتى يبتين لهم انه الحق دون غيره ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم اصدق كلمة كلمت بها العرب كلمة -----الا كل شئ ما خلا الله باطل قال بعضهم يرى الاشياء عدهما وجودها وجودها عدهما كما ان كل قرب عد وكل بعد قرب لان احاطة القدرة بالشئ وجود الشئ وقال الواسطى فى قوله او لم يكف بربك انه على كل شئ شهيد لو شهدوا شواهد الحق فيما جرى عليهم من المخالفة الموافقة لما اضطربوا فرحا ولا حزنا نفيا للشرك والمقارنة وقال ايضا اوائلها للطايعين والعابدين طالعوه وراقيوه واواخرها للواحدين شاهدوه على أباده وسرمده الذى فيه فناء معاينهم وقال ابن عطا أيات الحق بادية لمن كحل بنور التوفيق ونظر اليها بعين التحقيق وكل ما اظهر الله تعالى من خلقه ناطق بتوحيده اما صريحا واما دليلا منه للحق ان شاهدوا نظروا عن بصر وبصيرة ولا دليل عليه واليه سواه فان الكل حدث وهم القديم ومتى يستدل بالحدث على القديم.
اسماعيل حقي
تفسير : {سنريهم} زود باشدكه بنمايم ايشانرا يعنى كفار قريش را {آياتنا} الدالة على حقيقة القرءآن وكونه من عند الله {فى الآفاق} جمع افق وهى الناحية من نواحى الارض وكذا آفاق السماء نواحيها واطرافها والآفاق ما خرج عنك وهو العالم الكبير من الفرش الى العرش والانفس ما دخل فيك وهو العالم الصغير وهو كل انسان بانفراده والمراد بالآيات الآفاقية ما اخبرهم النبى عليه السلام من الحوادث الآتية كغلبة الروم على فارس فى بضع سنين وآثار النوازل الماضية الموافقة لما هو المضبوط المقرر عند اصحاب التواريخ والحال انه عليه السلام امى لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط احد او ما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على آفاق الدنيا والاستيلاء على بلاد المشارق والمغارب على وجه خارق للعادة اذ لم يتيسر امثالها لاحد من خلفاء الارض قبلهم {وفى انفسهم} هو ما ظهر فيما بين اهل مكة من القحط والخوف وما حل بهم يوم بدر ويوم الفتح من القتل والمقهورية ولم ينقل الينا أن مكة فتحت على يد احد قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا قتل اهلها واسرهم وقيل فى الآفاق اى فى اقطار السموات والارض من الشمس والقمر والنجوم وما يترتب عليها من الليل والنهار والاضواء والظلال والظلمات ومن النبات والاشجار والانهار وفى انفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة فى تكوين الاجنة فى ظلمات الارحام وحدوث الاعضاء العجيبة والتراكيب الغريبة كقوله تعالى {أية : وفى انفسكم افلا تبصرون} تفسير : واعتذر بان معنى السين مع أن ارآءة تلك الايات قد حصلت قبل ذلك انه تعالى سيطلعهوم على تلك لايات زمانا فزمانا ويزيدهم وقوفا على حقائقها يوما فيوما قالوا الآفاق هو العالم الكبير والانفس هو العالم الصغير. وهرجه از دلائل قدرت درعالم كبيراست نمودار آن عالم صغيراست وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر جميع آنجه درعالم است مفصلا در نشأت أنسان است مجملا بل انسان عالم صغير مجملست ازروى صورت وعالم انسان كبير اما ازروى قدرت مرتبه انسان كبيرست وعالم انسان صغير شعر : اى آنكه تر است ملك اسكندر وجم از حرص مباش دربى نيم درم عالم همه درتست وليكن از جهل بنداشته تو خويش را در عالم تفسير : فجسم الانسان كالعرش ونفسه كالكرسى وقلبه كالبيت المعمور واللطائف القلبية كالجنان والقوى الروحانية كالملائكة والعينان والاذنان والمنخران والسبيلان والثديان والسرة والفم كالبروج الاثنى عشر والقوة الباصرة والسامعة والذآئقة والشامة واللامسة والناطقة والعاقلة كالكواكب السبعة السيارة وكما أن رياسة الكواكب بالشمس والقمر واحدهما يستمد من الآخر فكذلك رياسة القوى بالعقل والنطق وهو اى النطق مستمد من العقل وكما أن فى العالم الكبير ستين وثلاثمائة يوم فكذا فى الانسان ستون وثلاثمائة مفصل وكما أن للقمر ثمانية وعشرين منزلا يدور فيها فى كل شهر فكذا فى الفم ثمانية وعشرون مخرجا للحروف وكما أن القمر يظهر فى خمس عشرة ليلة ويخفى فى الباقى كذلك التنوين والنون الساكنة يخفيان عند ملاقاتهما خمسة عشر حرفا وكما أن فى العالم الكبير ارضا وجبالا ومعادن وبحارا وانهارا وجداول وسواقى فجسد الانسان كالارض وعظامه كالجبال التى هى اوتاد الارض ومخه كالمعادن وجوفه كالبحار وامعاؤه كالانهار وعروقه كالجداول والسواقى وشحمه كالطين وشعره كالنبات ومنبت الشعر كالتربة الطيبة وانسه كالعمران وظهره كالمفاوز ووحشته كالخراب وتنفسه كالرياح وكلامه كالرعد واصواته كالصواعق وبكاؤه كالمطر وسروره كضوء النهار وحزنه كظلمة الليل ونومه كالموت ويقظته كالحياة وولادته كبدء سفره وايام صباه كالربيع وشبابه كالصيف وكهولته كالخريف وشيخوخته كالشتاء وموته كانقضاء مدة سفره والسنون من عمره كالبلدان والشهور كالمنازل والاسابيع كالفراسخ وايامه كالاميال وانفاسه كالخطى فكلما تنفس نفسا كأنه يخطو خطوة الى اجله شعر : هر دم از عمر ميرود نفسى جون نكه ميكنم نماندبسى تفسير : وله فى كل يوم اثنا عشر ألف نفس وفى كل ليلة كذلك فيوم القيمة ينظر فى كل نفس اخرجه فى غفلة عن ذكر الله فيا طول حسرة من مضى نفس من انفاسه بالغفلة ثم الارض سبع طباق ارض سودآء وغبرآء وحمرآء وصفرآء وبيضاء وزرقاء وخضرآء فنظائرها من الانسان فى جسمه الجلد والشحم واللحم والعروق والعصب والقصب والعظام وهذه المرة السودآء بمنزلة الارض ليبسها وبردها وهذه المرة الصفرآء بمنزلة النار ليبسها وحرارتها وهذا الدم بمنزلة الهواء لحرارته ورطوبته وهذا البلغم بمنزلة الماء لبرودته ولزوجته وكما أن المياه مختلفة فمنها الحلو والمالح والمنتن كذلك مياه بدن الانسان هذا ماء العين ملح لأن العين شحمة ولولا ملوحة مائها لفسدت وهذا الريق عذب ولولا ذلك ما استعذب طعام ولا شراب وهذا الماء الذى فى صماخ الاذنين مر لأنهما عضوان مفتوحان لا انطباق لهما حتى أن نتن الماء يصد كل شىء عن اذنه ولو أن دودة دخلتهما لماتت لمرارة ذلك الماء ونتنه ولولا ذلك لوصل الديدان الى دماغه فافسده ثم فيه اخلاق جميع الحيوانات فهو كالملك من جهة المعرفة والصفاء وكالشيطان من جهة المكر والكدورة وكالاسد فى الجرآءة والشجاعة وكالبهيمة فى الجهل وكالنمر فى الكبر وكالفهد والاسد فى الغضب وكالذئب فى الافساد والاغارة وكالحمار فى الصبر وكذا كالحمار والعصفور فى الشهوة وكالثعلب فى الحيلة وكالفارة والنملة فى الحرص والجمع وكالكلب فى البخل وكذا فى الوفاه وكالخنزير فى الشره وكالحية فى الحقد وكالجمل فى الحلم وكذا فى الحقد وكالديك فى السخاوة وكالبوم فى الصناعة وكالهرة فى التواضع والتملق وكالغراب فى البكور وكالبازى والسلحفاة فى الهمة الى غير ذلك ويزيد على الجميع بالنظر ووجود التمييز والاستدلال بالشاهد على الغائب وانواع الحروف والصناعات فهذه كلها آيات الله تعالى فى انفسنا فتبارك الله احسن الخالقين (قال الصائب) شعر : عجبترازتو نداردجهان تماشاكاه جرابجشم تعجب بخودنظر نكنى تفسير : وقال شعر : اى رازنه فلك زوجودت عيان همه دردادن توحاصل دريا وكان همه بيش توسر بخاك مذلت نهاده اند باآن علوم ومرتبه روحانيان همه دركوش كرده خلقه فرمان بذيرتست خاك وهواو آتش وآب روان همه تفسير : {حتى يتبين لهم} بذلك {انه الحق} اى القرءآن او الرسول فالقصر المستفاد من تعريف المسند حقيقى ادعائى او الله او التوحيد فالقصر اضافى تحقيقى اى لا الشركاء ولا التشريك والضمائر فى سنريهم وفى انفسهم ولهم للمشارفين على الاهتدآء منهم او للجميع على أنه من وصف الكل بوصف البعض كما فى حواشى سعدى المفتى. وجمعى ضمير راعائد بآدميان دارند يعنى بنمايم مردمانرا دلائل آفاقى وآيات انفسى. فعبارة الآية مقام التوحيد واشارتها مقام التجريد والتفريد وظهور الحق فى مظاهر الآفاق والانفس وتبينه بآيات توحيده المرئية فيهما توحيد واستقطاع التوحيد الموحد عن الالتفات الى الآفاق تجريد وعن النظر الى الانفس تفريد لكن هذا التوحيد والتجريد والتفريد كونى لا الهى لأنه باعتبار ظهور الحق فى المظاهر الكونية دون الالهية ففوقها توحيد وتجريد وتفريد الهى باعتبار ظهور الحق فى مظاهر الالهية من مراتب التعينات الذاتية والاسمائية والصفاتيه والافعالية والكونى من الالهى بمنزلة الظاهر من الباطن فمرتبة التعين ذاتيا اولا وصفاتيا ثانيا وافعاليا ثالثا مرتبة التوحيد ومرتبة اللاتعين الذى فوق التعين مطلقا مرتبة التجريد ومرتبة الجامعية بين المرتبتين مرتبة التفريد اذا الفرد الحقيقى الاولى جمعية المراتب الثلاث مطلقا وجميع العلوم والاعمال والآثار جمالية او جلالية شؤونات ذاتية مستجنة فى غيب الذات اولا وصور واعيان علمية ثابتة فى عرصة العلم ثانيا وحقائق موجودات عينية متحققة فى عرصة العين ولهذا التحقق العينى والوجود الخارجى خلق الله الانفس والآفاق والسموات والارضين والملأ الاعلى والاسفل حتى يكون المعلوم مرئيا ومشاهدا ويتم الامر الالهى الجمالى والجلالى والكمالى ويكمل مطلقا بالوجود العينى الخارجى حكمه الازلى الابدى جلاء واستجلاء سر بحربى كرانرا موج برصحرا نهاد. كنج مخفى آشكارا شد نهان آمدبديد {او لم يكف بربك} استئناف وارد لتوبيخهم على ترددهم فى شأن القرءآن وعنادهم المحوج الى ارآءة الآيات وعدم اكتفائهم باخباره تعالى والهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والباء مزيدة للتأكيد اى ألم يغن ولم يكف ربك {انه على كل شىء شهيد} بدل منه اى الم يغنهم عن ارآءة الآيات الموعودة المبينة لحقية القرءآن ولم يكفهم فى ذلك انه تعالى شهيد على جميع الاشياء وقد اخبر بانه من عنده فعدم الكفاية معتبر بالنسبة اليهم كما يصرحه قوله تعالى
الجنابذي
تفسير : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ولمّا كان القرآن خُوان اطعام الله وكان فيه وفى آياته طعام الادانى والاعالى والكافر والمؤمن والضّال والمهتدى كما يرى من تمسّك كلّ فرقة فى مذهبهم به، ونعم ما قيل: شعر : منعم كامل جو خوانباشى بود برسر خوانش زهر آشى بود تفسير : كان الآية بالنّسبة الى كلّ فرقة جواباً لسؤالٍ غير ما للفرقة الاخرى فكأنّه قيل: بالنّسبة الى الجاحدين والمنكرين: متى يعترف هذه الفرقة؟ - فقال تعالى: سنريهم آياتنا {فِي ٱلآفَاقِ} بالنّقص فى اموالهم وانفسهم بانواع البلايا الّتى كانت خارجة من عاداتهم {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} بانواع الامراض والاوجاع {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} اى لمن لم يكن له استعداد التّوبة والسّعادة عند معاينة الموت، ولمن كان له استعداد التّوبة قبل ذلك {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} فيتوب من يتوب ويشقى من يشقى، وكأنّه قيل بالنّسبة الى الضّالين المتحيّرين فى الله او فى الرّسالة او فى الولاية: متى يهتدون ويخرجون من التّحيّر والضّلال؟ - فقال تعالى: سنريهم آياتنا الدّالّة على مبدءٍ عليمٍ قديرٍ حكيمٍ رؤفٍ رحيمٍ، او على صدق رسولنا (ص) ورسالته، او على الولىّ (ع) وولايته فى الآفاق من الآيات السّابقة وجبران ما فات منهم، وترتّب الفوائد الكثيرة على البلايا الواردة فى الآفاق وفى انفسهم ممّا ذكر سابقاً وممّا يشاهدونها فى المنام او فى اليقظة من تبدّلات احوالهم ومن بسطاتهم وقبضاتهم وممّا القى فى قلوبهم من العلوم والخوف والاستبشار حتّى يتبيّن لهم انّ الله حقّ او الرّسول (ص) حقّ او عليّاً (ع) حقّ، وكأنّه قيل بالنّسبة الى المسلم الّذى كان واقفاً عن الولاية: متى يظهر عليهم حقيّة الولاية؟ - فقال تعالى: سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم حتّى يتبيّن لهم انّ الله هو الحقّ المضاف الّذى هو علىّ (ع)، وبالنّسبة الى المؤمن الّذى بايع البيعة الخاصّة الواقف عن مقام الحضور سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم حتّى يتبيّن بظهور ولىّ الامر فى صدورهم انّه الحقّ، وبالنّسبة الى من كان له مقام الحضور عند ربّه قوله تعالى { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} ولكون هذا لمن كان له مقام الحضور أتى بالخطاب عامّاً او خاصّاً بمحمّد (ص) {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} حاضر أتى بعلى للاشارة الى احاطته بكلّ شيءٍ ولذلك قال {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}.
اطفيش
تفسير : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ} أقطار الدنيا شرقاً وغرباً مما فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده من القرى والاظهار على الملوك وتغليب القليل على الكثير والضعفاء على الأقوياء واجراء خوارق على أيديهم ونشر دعوة الاسلام في أقطار المعمورة وبسط دولته أقاصيها ولم تر وقعة الا آية تقوي اليقين والايمان وتدل أن دين الاسلام هو الحق {وَفِي أَنفُسِهِمْ} ما ظهر فيما بين أهل مكة وما حل بهم من الفتح قاله السدي وجماعة قيل وهذا تأويل حسن يتضمن الاعلام بغيب ظهر بعد ذلك عكس ما بين الموحدين والنصارى في هذا الواقع عام ألف ومائتين وسبعين وما قبله من القرن العاشر وقال قتادة والضحاك: {فِي الآفَاقِ} ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديماً وفي أنفسهم يوم بدر وقال ابن عباس: {فِي الآفَاق} منازل الأمم الخالية {وَفِي أَنفُسِهِمْ} البلاء والأمراض وقيل: {فِي الآفَاق} أخبار الغيب عنها وأثر النوازل فيها وفي أنفسهم ما في أبدانهم من عجائب الصنع وقيل {فِي الآفَاق} ما في السماء من القمرين والنجوم وغيرها وما في الارض من شجر ونبات وغير ذلك {وَفِي أَنفُسِهِمْ} من لطيف الصنع وبديع الحكمة {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ} أي الذكر وهو القرآن {الْحَقُّ} المنزل من الله بالبعث والحساب والعقاب يعاقبون على كفرهم وقيل الضمير للشرع وقيل للتوحيد وقيل للرسول وقيل لله* {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} الباء زائدة للتأكيد (ورب) فاعل وفيه اشارة الى معنى {أَوَ لَمْ} تحصل الكفاية بربك وزيادتها في فاعل كفي كثيرة وتزداد أيضاً في فاعل افعل في التعجب على المشهور في نحو (أحسن يزيد) وغير المشهور انها غير زائدة ومجرورها ليس فاعلاً وتزاد أيضاً في غير ذلك. {أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يدل من ربك بدل اشتمال أي أو لم يكفهم في صدقك انه لا يغيب عنه شيء فهو يحقق أمرك باظهار الآيات الموعود بها كما حقق سائر ما وعد به وهو مطلع بعلم حالك وحالهم فلا ارتدعوا عن الماضي
اطفيش
تفسير : {سَنُريهم آياتنا} أى الفتوحات الدالة على قوة الاسلام وأهله، ووهن الكفر وأهله، بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه {في الآفاق} جمع أفق بضم فاسكان أو بضمتين أو فتحتين، وهو الناحية أى فى المغرب والمشرق، والجنوب والشمال، والمراد نرى من حيى منهم أو من حيى ومن مات، بأن يخبر فى قبره بفتح البلاد، وظهور الاسلام {وفي أنْفُسِهِم} فى بلاد العرب، كأنه قيل: وفى بلادهم ولم يصرح باحدى العبارتين، بل قال: {في أنفسهم} لأنه أدل على تمكين النصر، وتلويحا الى انهاء آيات بالنسبة الى الأنفس، ولو كانت فى الأرض والقرى والمدن، وقيل الآفاق ما حول مكة وغير ذلك كخيبر، وفى أنفسهم فتح مكة. وقال الضحاك: فى الآفاق ما أصاب الأمم، وأنفسهم ما أصابهم يوم بدر، ولا يعترض ذلك بأنهم قد رأوا مدن الأمم المهلكة قبل نزول الآية هذه، لأنهم رأوا خرابها، ولم يعلموا أنه لتكذيبهم الرسل فقال الله عز وجل: {سنريهم} إنه للتكذيب لعلهم يخافون الهلاك، فيتركوا التكذيب، وأن الآية مقدمة فى النزول قبل ما فيه بيان أنه للتكذيب من هذه السورة مؤخرة الوضع، لكن هذا خلاف الأصل. وقال عطاء: الآفاق أقطار السماء والأرض أراهم الشمس والقمر، والكواكب والرياح والجبال وغيرها، فى أنفسهم لطيف الصنع فى خلقتهم على صورهم، ويبحث بأنهم علموا صورهم وعلموا السماء والأرض، والشمس والقمر، والجبال وما ذكر، وعلموا أن الله تعالى خلقها قبل نزول الآية، فيجاب: بأن الله تعالى ينبههم على حكم تفاصيل كونهم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا الخ فإن السماء وما معها دلائل، وكذا النطف ونحوها. {حتَّى يتبيَّن لَهُم} بوقوع ما فيه من الأخبار على طبقها {أنه} أى القرآن، وقيل: الدين، وقيل: التوحيد، وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أولى وقيل: الله عز وجل {الحقُّ} المثبت المصرح بالغيوب الصادق فيها على الدين كله، ولو كره المشركون، وإنما الحق هو لا ما خالفه، وقوله: {سنريهم} الخ متعلق بقوله: " أية : قل أرأيتم" تفسير : الخ لتضمن كل منهما الحث على النظر المؤدى الى المطلوب {أو لم يَكُف بَربِّك} إنكار وتوبيخ لهم على انكارهم أنه سيريهم الآيات فى الآفاق وفى الأنفس، وعلى الحذف يقدر أيحبون زيادة الاكثار ولم يكف بربك، والباء صلة، ورب فاعل أو يقدر أأنكروا إرادة الآيات فى الآفاق وأنفسهم، ولم يكف ربك {أنَّه عَلَى كلِّ شيءٍ شَهيدٌ} فى تأويل مصدر بدل اشتمال من رب أى ألم تكفهم فى تحقق الإراءة شهادته سبحانه وتعالى، واطلاعه على كل شىء من الأشياء، ومنها حالك وحالهم، واطلاعه على كل شىء ولو أنكروه، أو شكوا فيه أو لم يخطر لهم شىء ظاهر فنزل لهم منزلة ما علموه وأقروا به. وقيل: المصدر على تقدير الباء، أى أو لم يكف ربك بأنه على كل شىء شهيد: أى بشهادته، ومفعول يكف محذوف، أى لم يكفهم ربك، وقيل المعنى أو لم يغنهم ربك عن اراءة الآيات أنه شهيد على جميع الأشياء، وقد أخبرك أنه من عنده، فهو من عنده حقا، لأنه عالم بجميع الأشياء وهو من جملتها، ويبحث فيه بأنهم لم يسلموا أنه تعالى أخبره، وقيل: المفعول ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شىء شهيد، وقد أخبرك أن القرآن منه، ويبحث بأن هذا خطاب من تردد، والرسول لم يتردد، قيل: وبأنه يلائم قوله تعالى: {ألا إنَّهم في مِريةٍ} أى شك عظيم {من لقاءِ ربِّهم} ولا يلزم عدم الملائمة، لأنه كلام مستأنف على هذا، ويصح أن يقال: أو لم يكفك بربك أنه على كل شىء شهيد، وقد أخبرك أن القرآن منه، على أن الخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن يصلح للخطاب، ولقاء ربهم احياءهم بعد الموت للحساب والجزاء والله أعلم. {ألا إنَّه بكُل شيءٍ مُحيطٌ} فكيف يخفى عنه عمل، فلا يجازى عليه كمريتهم فى لقاء ربهم، فكيف يخفى عليه الأجزاء المتفرقة فلا يبعثها، والله أعلم.
الالوسي
تفسير : / وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِي ٱلأَفَاقِ} الخ مرتبط على ما اختاره صاحب «الكشاف» بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ} تفسير : [فصلت: 52] الخ على وجه التتميم والإرشاد إلى ما ضمن من الحث على النظر ليؤدي إلى المقصود فيهدوا إلى إعجازه ويؤمنوا بماجاء به ويعملوا بمقتضاه ويفوزوا كل الفوز، وفَسَّر الآيات بما أجرى الله تعالى على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أيدي خلفائه وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم من الفتوحات الدالة على قوة الإسلام وأهله ووهن الباطل وحزبه. والآفاق النواحي الواحد أفق بضمتين وأفق بفتحتين أي سنريهم آياتنا في النواحي عموماً من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، وفيه أن هذه الإراءة كائنة لا محالة حق لا يحوم حولها ريبة {وَفِي أَنفُسِهِمْ} في بلاد العرب خصوصاً وهو من عطف {جِبْرِيلَ} على {مَلاۤئِكَتِهِ} [البقرة: 98]. وفي العدول عنها إلى المنزل ما لا يخفى من تمكين ذلك النصر وتحقيق دلالته على حقية المطلوب إثباته وإظهار أن كونه آية بالنسبة إلى الأنفس وإن كان كونه فتحاً بالنسبة إلى الأرض والبلدة. {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} يظهر {لَهُمْ أَنَّهُ} أي القرآن هو {ٱلْحَقُّ} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الحق كله من عند الله تعالى المطلع على كل غيب وشهادة فلهذا نصر حاملوه وكانوا محقين. وفي التعريف من الفخامة ما لا يخفى جلالة وقدراً. وفيما ذكر إشارة إلى أنه تعالى لا يزال ينشيء فتحاً بعد فتح وآية غب آية إلى أن يظهر على الدين كله ولو كره المشركون فانظر إلى هذه الآية الجامعة كيف دلت على حقية القرآن على وجه تضمن حقية أهله ونصرتهم على المخالفين وأعظم بذاك تسلياً عما أشعرت به الآية السابقة من انهماكهم في الباطل إلى حد يقرب من اليأس. وقيل: الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام أو الدين أو التوحيد ولعل الأول أولى. {أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} استئناف وارد لتوبيخهم على إنكارهم تحقق الإراءة. والهمزة للإنكار والواو على أحد الرأيين للعطف على مقدر دخلت عليه الهمزة يقتضيه المقام والباءة مزيدة للتأكيد و {رَبَّكَ} فاعل كفى وزيادة الباء في فاعلها هو القول المشهور المرضي للنحاة وتزاد في فاعل فعل التعجب أيضاً نحو أحسن بزيد فإن أحسن فعل ماض جيء به على صيغة الأمر والباء زائدة وزيد فاعل عند جماعة من النحويين ولا تكاد تزاد في غيرهما، وقوله:شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : شاذ قبيح على ما قال الشهاب. وقوله تعالى: {أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء شَهِيدٌ} بدل من الفاعل بدل اشتمال، وقيل: هو بتقدير حرف الجر أي أو لم يكفهم ربك بأنه الخ، وما للنحويين في مثل هذا التركيب من الكلام شهير، أي أنكروا إراءة ذلك الدالة على حقية القرآن ولم يكفهم دليلاً أنه عز وجل مطلع على كل شيء عالم به ومن ذلك حالهم وحالك الموجبان حكمة نصرك عليهم وخذلانهم، وكأن ذلك لظهوره نزل منزلة المعلوم لهم. وفي «الكشف» أي أو لم يكفهم أن ربك سبحانه مطلع على كل شيء يستوي عنده غيب الأشياء وشهادتها على معنى أو لم يكفهم هذه الإراءة دليلاً قاطعاً ولما كان ما وعده غيباً عنهم كيف وقد نزل وهم في حال ضعف وقلة يقاسون ما يقاسون من مشركي مكة قيل: أو لم يكفهم إطلاع من هذا الكتاب الحق من عنده على كل غيب وشهادة دليلاً على كينونة الإراءة وإحضار ذلك الغيب عندهم إذ لا غيب بالنسبة إليه تعالى، وفي العدول إلى هذه العبارة فائدتان إحداهما: تحقيق إنجاز ذلك الموعود كأنه مشاهد بذكر الدليل القاطع على الوقوع. والثانية الدلالة / على أن هذه الإراءة الآن وهم في ضعف وقلة قد تمت بالنسبة إلى إثبات حقية القرآن لأن من علم أنه تعالى على كل شيء شهيد وعلم أن القرآن معجز من عنده علم أن جميع ما فيه حق وصدق فعلم أن تلك النصرة كائنة. والحاصل أنه كما يستدل من تلك الآيات على حقية القرآن وحقية أهله تارة يستدل من إعجاز القرآن على حقية تلك الآيات وقوعاً وحقية أهل الإسلام أخرى فأدى المعنيان في عبارة جامعة تؤدي الغرضين على وجه لا يمكن أتم منه انتهى. ولا يخفى أن في الآية عليه نوعاً من الإلغاز. وقيل: أي ألم يغنهم عن إراءة الآيات الموعودة المبينة لحقية القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على جميع الأشياء وقد أخبر بأنه من عنده عز وجل، وهو كما ترى. وقيل: المعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة. وتعقب بأنه مع إيهامه ما لا يليق بجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم من التردد فيما ذكر من تحقق الموعود لا يلائم قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ}.
ابن عاشور
تفسير : {سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِىۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}. أعقب الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما فيه تخويفهم من عواقب الشقاق على تقدير أن يكون القرآن من عند الله وهم قد كفروا به إلى آخر ما قرر آنفاً، بأن وَعَدَ رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والبشارة بأن الله سيغمر المشركين بطائفة من آياته ما يتبيّنون به أن القرآن من عند الله حقاً فلا يسعهم إلا الإيمان به، أي أن القرآن حقّ بَيِّنٌ غير محتاج إلى اعترافهم بحقيته، وستظهر دلائل حقّيّته في الآفاق البعيدة عنهم وفي قبيلتهم وأنفسهم فتتظاهر الدلائل على أنّه الحق فلا يجدوا إلى إنكارها سبيلاً، والمراد: أنهم يؤمنون به يومئذٍ مع جميع من يؤمن به. وفي هذا الوعد للرّسول صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذْ يسمعونه على طريقة: فاسمعي يا جارة. فموقع هذه الجملة بصريحها وتعريضها من الجملة التي قبلها موقع التعليل لأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما أمر به، والتعليل راجع إلى إحالتهم على تشكيكهم في موقفهم للطعن في القرآن. وقد سكت عما يترتب على ظهور الآيات في الآفاق وفي أنفسهم المبينة أن القرآن حقّ لأن ما قبله من قوله: { أية : أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد } تفسير : [فصلت: 52] ينبىء عن تقديره، أي لا يسعهم إلا الإيمان بأنه حق فمن كان منهم شاكّاً من قبلُ عن قلة تبصر حصل له العلم بعد ذلك، ومن كان إنّما يكفر عناداً واحتفاظاً بالسيادة افتضح بهتانه وسفَّهه جيرانه. وكلاهما قد أفات بتأخير الإيمان خيراً عظيماً من خير الآخرة بما أضاعه من تزود ثواب في مدة كفره ومن خير الدّنيا بما فاته من شرف السبق بالإيمان والهجرة كما قال تعالى: { أية : لا يستوي منكم من أنفقَ مِن قبلِ الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاَّ وعد الله الحسنى } تفسير : [الحديد: 10]. وفي هذه الآية طرف من الإعجاز بالإخبار عن الغيب إذ أخبرتْ بالوعد بحصول النصر له ولدينه وذلك بما يسَّر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه مِن بعده في آفاق الدّنيا والمشرق والمغرب عامة وفي بَاحة العرب خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمْثالها لأحد من ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، والتّاريخ شاهد بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق للعادة، فيتبيّن أن دين الإسلام هو الحق وأن المسلمين كلما تمسّكوا بعُرى الإسلام لَقُوا من نصر الله أمراً عجيباً يشهد بذلك السابق واللاحق، وقد تحدّاهم الله بذلك في قوله: { أية : أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب } تفسير : [الرعد: 41] ثم قال { أية : ويقول الذّين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم } تفسير : [الرعد: 43]. ولم يقف ظهور الإسلام عند فتح الممالك والغلب على الملوك والجبابرة، بل تجاوز ذلك إلى التغلغل في نفوس الأمم المختلفة فتقلّدوه ديناً وانبثت آدابه وأخلاقه فيهم فأصلحت عوائدهم ونُظُمهم المدنِيّة المختلفة التي كانوا عليها فأصبحوا على حضارة متماثلة متناسقة وأوجدوا حضارة جديدة سالمة من الرعونة وتفشت لغة القرآن فتخاطبت بها الأمم المختلفة الألسن وتعارفت بواسطتها ونبغت فيهم فطاحل من علماء الدّين وعلماء العربية وأيّمة الأدب العربي وفحول الشعراء ومشاهير الملوك الذين نشروا الإسلام في الممالك بفتوحهم. فالمراد بالآيات في قوله: {سنريهم آياتنا} ما يشمل الدلائل الخارجة عن القرآن وما يشمل آيات القرآن فإن من جملة معنى رؤيتها رؤية ما يصدِّق أخبارها ويبيّن نصحها إياهم بدعوتها إلى خير الدّنيا والآخرة. والآفاق: جمع أُفُق بضمتين وتسكن فاؤه أيضاً هو: الناحية من الأرض المتميزة عن غيرها، والناحية من قبة السماء. وعطف {وفي أنفسهم} يجوزُ أن يكون من عطف الخاص على العام، أي وفي أفق أنفسهم، أي مكّة وما حولها على حذف مضاف. والأحسن أنْ يكون في الآفاق على عمومه الشامل لأفقهم، ويكون معنى {وفي أنفسهم} أنّهم يرون آيات صدقه في أحوال تصيب أنفسهم، أي ذواتهم مثل الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه قوله تعالى: { أية : فارتَقِبْ يوم تأتي السماء بدخان مبين } تفسير : [الدخان: 10]، ومثل ما شاهدوه من مَصارِع كبرائهم يوم بدر وقد توعدهم به القرآن بقوله { أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16]. وأيَّة عبرة أعظم من مقتل أبي جهل يوم بدر رماه غلامان من الأنصار وتولى عبد الله ابن مسعود ذبحه وثلاثتهم من ضعفاء المسلمين وهو ذلك الجبار العنيد. وقد قال عند مَوته: لو غيرُ أكَّار قتلني، ومن مقتل أُبيّ بن خلف يومئذٍ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قال له بمكة: أنا أقتلُك وقد أيقن بذلك فقال لزوجه ليلة خروجه إلى بدر: والله لو بصق علي لقتلني. {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ}. عَطْفٌ على إعلام الرّسول بما سيظهر من دلائل صدق القرآن وصدق الرّسول صلى الله عليه وسلم زيادة لتَثبيتِ الرّسول وشرح صدره بأن الله تكفل له بظهور دينه ووضوح صدقه في سائر أقطار الأرض وفي أرض قومه، على طريقة الاستفهام التقريري تحقيقاً لتيقن النبي صلى الله عليه وسلم بكفالة ربّه بحيث كانت ممّا يقرر عليها كنايةً عن اليقين بها، فالاستفهام تقريري. والمعنى: تكفيك شهادة ربّك بصدقك فلا تلتفت لتكذيبهم، وهذا على حدّ قوله: { أية : لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً } تفسير : [النساء: 166] وقولِه: { أية : وأرسلناك للنّاس رسولاً وكفى بالله شهيداً } تفسير : [النساء: 79] فهذا وجه في موقع هذه الآية. وهنالك وجه آخر أن يكون مساقها مساق تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشهد بالله على أن القرآن من عند الله، فيكون موقعها موقع القَسم بإشهاد الله، وهو قسم غليظ فيه معنى نسبة المقسَم عليه إلى أنه مما يشهَد الله به فيكون الاستفهام إنكارياً إنكاراً لعدم الاكتفاء بالقَسَم بالله، وهو كناية عن القسم، وعن عدم تصديقهم بالقسَم، فيكون معنى الآية قريباً من معنى قوله تعالى: { أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم } تفسير : [الرعد: 43] وقوله تعالى: { أية : قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً } تفسير : [العنكبوت: 52]. وليس معنى الآية إنكاراً على المشركين أنّهم لم يكتفوا بشهادة الله على صدق القرآن ولا على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم لأنّهم غير معترفين بأن الله شهد بذلك فلا يظهر توجه الإنكار إليهم. ولقد دلّت كلمات المفسرين في تفسير هذه الآية على تردد في استخراج معناها من لفظها. وقوله: {أنه على كل شيء شهيد} بدل اشتمال من {بربّك} والتقدير: أو لم يكفهم ربُّك عِلمُه بكل شيء، أي فهو يحقق ما وعدك من دمغهم بالحجة الدالة على صدقك، أو فمن استشهدَ به فقد صدق لأن الله لا يُقرّ من استشهد به كاذباً فلا يلبثُ أن يأخذه. وفي الآية على الوجه الثاني من وجهي قوله: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} إشارة إلى أن الله لا يصدق من كذب عليه فلا يتم له أمر وهو معنى قول أيّمة أصول الدّين: إن دلالة المعجزة على الصدق أن تغيير الله العادة لأجل تحدّي الرّسول صلى الله عليه وسلم قائم مقام قوله: صَدَق عبدي فيما أخبر به عني.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} الآية. قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } تفسير : [غافر: 13] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِنَا} (53) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُري هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ آيَاتِهِ وَحُجَجَهُ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ هَذَا القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، بِدَلاَئِلَ خَارِجِيّةٍ مِمّا حَوْلَهُمْ مِنَ الكَوْنِ العَظِيمِ، تُعَبِّرُ عَنْ عَظَمَةِ الخَالِقِ وَمُدَبِّرِ الكَوْنِ وَمُسَيِّرِهِ، وَبِدَلاَئِلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَتَرْكِيبِهِمِ الجِسْمَانِي، وَكَيْفَ تَعْمَلُ الأَجْهِزَةُ وَالخَلاَيَا التِي لاَ تُحْصَى وَلاَ تُعَدُّ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ وَتَنَاسُقٍ عَجِيبٍ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى يَشْهَدُ بِأَنَّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ. الآفَاقُ - أَقْطَارُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن السين في {سَنُرِيهِمْ} تفيد الاستقبال، لذلك ستظل هذه الكلمة لها موضع إلى يوم القيامة ستظل صادقة في كل زمان {آيَاتِنَا} أي: الآيات الكونية الدالة على قدرة الله وبديع صُنْعه {فِي ٱلآفَاقِ} جمع أفق وهو متسع امتداد نظرك إلى أن تنطبق السماء على الأرض. والآفاق هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أُفقه واسع إذا كان بعيد النظر في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية. قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ} يعني: في المستقبل هل تعني أن الله تعالى لم يرُهم آياته من الماضي؟ لا بل أراهم آيات كثيرة، لكنهم غفلوا عنها وأغمضوا أعينهم عنها، غفلوا عن قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. إذن: هذه سنة الله في عباده المرسلين، وهذا وعد من الله بنصرتهم وغلبهم، والحق سبحانه لا شريكَ له ولا مناوئ يخالف هذا الوعد. وقد علَّمتنا هذه الآية أصول الجندية، وأن للنصر شروطاً فمَنْ توفرت فيه شروط الجندية استحق النصرة، ومَنْ خالف شروط الجندية فلا بدَّ أن تتحقق فيه سنة الله؛ لذلك قلنا: إذا رأيتَ المسلمين قد خسروا معركة ما فاعلم أنهم خالفوا هذه الشروط، وساعة يُهزَمون لا يقال هُزِم الإسلام لا، إنما هُزم المسلمون الذين خالفوا أمر القائد وخالفوا شروط النصر، لابدَّ أن تكون الهزيمة لتعلمهم وتُربِّيهم على الطاعة لأمر القائد، لأنهم لو انتصروا مع المخالفة للجندية لهَانَ عليهم أمر القائد بعد ذلك. هذا الدرس تعلمناه في أحُد يوم خالف الرماةُ رسول الله بالبقاء في أماكنهم العالية مهما كانت نتيجة المعركة، لكنهم نظروا إلى متاع الدنيا الزائل وأغرتهم الغنائم لما رأوا بشائر النصر، فنزلوا وتركوا أماكنهم، فما كان من خالد بن الوليد إلا أن التفَّ وطوَّق جيش المسلمين من الخلف وحدثت الهزيمة أو على الأقل لم يكتمل الانتصار، فهل يجوز إذن أن نقول هُزِم الإسلام؟ إذن: ينبغي أنْ نُصحِّح فهمنا لهذه المسألة، فقد يُهزَم جيش المسلمين وفيه رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هُزِم الإسلام، بل خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب التخلف، فتِّشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ شاهد بذلك. فيوم حنين قالوا: لن نُهزم اليوم من قلة، ومَنْ قالها؟ قالها أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء من الغرور بالعدد أدَّبهم الله وأعطاهم درساً، فهُزموا أول الأمر، لكن أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية. {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25-26]. فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت نوعاً من التربية ليست كُرْهاً من الله لعباده على حَدِّ قول الشاعر: شعر : فَقَسَا لِيَزْدجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيقْسُ أحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ تفسير : إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أنْ يكونوا أهلاً لتحقيق الوعد، وأنْ يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله به. لكن لماذا يعاند المشركون كلّ هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ليسلبهم هذه السيادة ويُنهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط لا فضلَ لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى. فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سلمان منا أهل البيت ". تفسير : فالنسب للإسلام والقرابة لدين الله، ففي الوقت الذي جعل فيه سلمان واحداً من أهل البيت كان أبو لهب كافراً مطروداً من رحمة الله!! وقد تعلَّمنا هذا الدرس من قصة سيدنا نوح مع ابنه، وكم كان نوح عليه السلام حريصاً على نجاة هذا الابن، وكم دعا الله له، لكن الحق سبحانه يعلمه هذا الدرس {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46]. فالبنوة هنا والأهلية ليست للنسب والدم، إنما للدين وللمنهج وللعقيدة، بنوة عمل صالح واتباع. فالجماعة الذين صادموا الإسلام وحاربوه كانوا يدافعون عن سيادتهم ومكانتهم في الجزيرة العربية؛ لذلك تكتَّلوا واتحدوا ضد رسول الله ومَنِ اتبعه من المؤمنين، ورأينا ذلك في الحصار الذي ضربوه على رسول الله في الشِّعْب، وكيف أنهم أغلقوا عليهم كل المنافذ، وقطعوا دونهم كل سُبُل العيش حتى اضطروا لأكل الميتة وورق الشجر. ثم حاولوا أن يقتلوا رسول الله أكثر من مرة، وآذوه أشد الإيذاء في نفسه وفي أهله وفي صحابته، لكن هيهات لهم أن ينالوا من رسول الله، وهو بعين الله وفي حفظه وكلاءته، وكأن الحق سبحانه أراد أن يقول لهم: إياكم أنْ تفهموا أن محاولاتكم هذه ستعوق أمر الدعوة في الجزيرة العربية، إن أمر الدعوة سينتشر لا في الجزيرة وحدها، إنما في كل آفاق الدنيا {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} [فصلت: 53]. وكانت دعوة الإسلام مؤهلة لهذا الانتشار من عدة جوانب. أهمها: أن العرب أمة حروب وقتال بطبيعتها لا تحتاج إلى تدريب، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يحارب لم ينشئ كلية حربية ولا درَّب أحداً على فنون القتال، بل وجد قوماً جاهزين للقتال، خبراء بفنونه وأساليبه، كان الواحد منهم كلما سمع هيعة طار إليها، ذلك لأن القبائل العربية كما تعلمون كانوا في قتال مستمر، ومن الحروب بينهم ما استمر أربعين سنة. ثانياً: كان العرب أهل ترحال وتنقل، لا يعرفون التوطن ولا الاستقرار، فبيت العربي على ظهر جملة يضربه أينما حَلَّ وحيثما وُجد الماء والكلأ، فعدم تعلّق العربي بموطن جعله مستعداً لأنْ يسيح بالإسلام في كل آفاق الدنيا وكل أرجاء العالم. ولم تكُنْ مصادفة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً في أٌمّة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكُنْ لها ثقافة ولا حضارة. وهذه الصفات كلها وإنْ كانت عيوباً في الأمم الأخرى إلا أنها في أمة الإسلام وفي نبي الإسلام شرفٌ وميْزة، ولو كان العرب أمة علوم وثقافة وأمة حضارة ورُقيٍّ لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية. هذه أمور ثلاثة مهدت لنصرة الإسلام ولانتشاره في كل آفاق الأرض، وكأن الله تعالى يقول للكافرين ولمن صادم دين الله وعاند رسوله وغفل عن قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173] سنريهم آيات أخرى لن تغفلوا عنها في نصرة الإسلام وسياحته في آفاق الأرض شرقاً وغرباً. لذلك يأتي لنا بصورة تُضحكنا عليهم وتغيظهم، حيث يقول سبحانه: {أية : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} تفسير : [الحج: 15]. يعني: يربط نفسه بحبل إلى السماء، ثم يقطع هذا الحبل لينزل مثل المشنوق، ثم ينظر هل يُذهِب غيظه أم لا، والمعنى أنه سينتهي ويموت وغيظه لن ينتهي. وانظر إلى الإسلام في بداية أمره كيف بدأ وقام بالضعفاء والعبيد، تلاهم الكبار والسادة، ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم ليدعو أهل الطائف فلاقى منهم ما لاقى من الإيذاء والاستهزاء، ولم يجد أحداً يحميه أو ينزل بجواره إلا المطعم بن عدي وهو كافر، لكن سخَّره الله تعالى لحماية رسوله {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] كذلك في رحلة الهجرة اتخذ عبد الله بن أريقط دليلاً على الطريق، وكان أيضاً كافراً. ثم يقول لهم: انظروا إلى أرض الإسلام وأرض الكفر، فالإسلام بدأ وانطلق من أم القرى وما حولها، وهو الآن يغزو الأرض كلها من المشرق إلى المغرب، فأرض الإسلام تزداد اتساعاً، وأرض الكفر تزداد تناقصاً: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} تفسير : [الرعد: 41] أو لم يأخذوا من ذلك عبرة {أية : وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} تفسير : [الرعد: 41]. فهل بعد ذلك شك في نُصرة الله لدينه؟ ألم تغزُ هذه الأمة الأمية أعظم حضارتين على وجه الأرض آنذاك، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، وفي وقت واحد وزمن متقارب، حتى أن هؤلاء كان عندهم طرق للحرب وفنون لا يعرفها العرب ولا يجيدونها، ومع ذلك انتصروا عليهم. رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكُنْ العرب يعرفون شيئاً عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك سيوفاً خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط. ثم يدخل الإسلام هذه البلاد شرقاً وغرباً في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصاراً ومحبين، منهم مَنْ دخل الإسلام طواعية اقتناعاً، ومنهم مَنْ وجد في الإسلام ضالته حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جَوْر الحكام هناك وكثرة المظالم والفساد. هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} [فصلت: 53] فالفتح الإسلامي الذي عَمَّ العالم كله آية من الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم يعدهم سراً إنما في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُجهر به، قرآن تكفَّل الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة. ومن المعاني التي نفهمها من الاستقبال في {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} [فصلت: 53] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} [فصلت: 53] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا قبل أنْ يروا فرحته. وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد أنْ تمكَّن الإيمان من نفوسهم، واستقرتْ العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويُعجِّل المسير إلى الشهادة لما استقر في نفسه من عقيدة علَّمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومُقبلٌ على جنة عَرْضُها السماوات والأرض. وسوف تظل هذه السين الاستقبالية {سَنُرِيهِمْ} باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونُصْرة أهله في كل الآفاق. وقوله تعالى: {وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت. الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ عالماً من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علَّمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً. وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكُنْ نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلتْ إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالمٌ عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل: شعر : وَتحسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِير وََفِيكَ انْطَوَى العَالَم الأكْبَرُ تفسير : وسبق أنْ تحدثنا عن بعض عجائب الخَلْق وقلنا مثلاً: أن حرارة الجسم العادية 37 ْ تجدها حرارة مَنْ يعيش عند خط الاستواء، وحرارة مَنْ يعيش عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته 40 ْ والعين لا تزيد عن 9 ْ، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق حراري. تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلَّتْ تحدث جلطة وشلل والعياذ بالله. تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش بكلية واحدة لو فُقدِت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر؛ لأن الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها المائة الثانية وهكذا. فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن المائة ألف أدَّتْ مهمتها ثم توقَّفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفتْ لا بدَّ أن يموت الإنسان. ومن العجائب وآيات الخَلْق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56]. تعلمنا من هذه الآية أن الجلد هو موضع الإحساس، فلو حُرِق لا يحدث الإحساس؛ لذلك الحق سبحانه يُجدد لهم جلودهم ليذوقوا العذاب وليستمر الإيلام، والعالم لا يعرف هذه المسألة إلا بعد الحرب العالمية، فقد توصل الألمان إلى أن الجلد هو آلة الإحساس في الجسم، بدليل أنك حين تأخذ مثلاً حقنة لا تؤلمك إلا بمقدار نفاذ الإبرة من طبقة الجلد بعدها لا تشعر بالألم، فالقرآن سبق العالم كله إلى هذه الآية. ومن آيات الله في الأنفس أنك تجد بداخل الجسم صيدلية طبيعية تعالج ما يحدث في الجسم من خلل، هذه الصيدلية أخذناها من قوله تعالى: {أية : مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} تفسير : [الحج: 5] فالمخلَّقة: هي التي تكوَّن منها الجسم بأعضائه وجوارحه المشاهدة، وغير المخلقة الموجودة داخل الجسم كاحتياط له تكمل ما نقص منه وتعالج ما مرض فيه، لذلك رأينا أحدث علاج للجروح والدمامل مثلاً أنْ تتركها لمقاومة الجسم الطبيعية حيث تلتئم دون تدخل بمواد كيماوية تضر وتترك أثراً في الجلد. تأمل أيّ عضو من أعضائك، وأيَّ جهاز من أجهزة جسمك، تأمل كيفية بناء هذا الإنسان على هذه الهيئة المعتدلة المستقيمة، وكيف يسير معتدلاً مرتفع الهامة، تأمل كفَّ يدك وما فيه من أصابع وما فيه من تناسق وتناسب وانسيابية. انظر إلى جهازك الهضمي أو التنفسي، انظر إلى قلب هذه العضلة لتي لا تزيد عن قبضة اليد الواحدة، كيف أنها تعمل دون توقف منذ الميلاد وحتى الوفاة، كلها آيات وعجائب وأسرار دالة على قدرة الخالق وبديع صنعته سبحانه في الأنفس. ويظل عطاء هذه الكلمة {سَنُرِيهِمْ} ممتداً في الزمان كله وكل يوم نشاهد جديداً وآية وعجيبة من عجائب الخلق في الآفاق وفي الأنفس، ولما تستقرئ القرآن تجده قد استوعب في هذه المسألة الماضي والحاضر والمستقبل، فقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} تفسير : [الرعد: 41] وقال في المستقبل {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} [فصلت: 53]. باقي في الاستقبال سوف وهي للمستقبل البعيد، قالوا: هي لأمور الآخرة كما في قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تفسير : [هود: 39]. وفَرْق بين استقبال الفعل من الله تعالى واستقباله من البشر، نحن نقول: ماضي ومضارع ومستقبل. أما بالنسبة للحق سبحانه فيستوي عنده الزمن كله، اقرأ قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] والمراد هنا القيامة. لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يتهمون القرآن بالتناقض {أَتَىٰ} تدل على الماضي و {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تدل على المستقبل، لكن يجب أنْ نعلم أن المتكلم هنا هو الله عز وجل الذي يملك الزمن كله، فحين يقول (أتى) يقولها برصيد قدرته ووحدانيته، حيث لا يوجد له معارض يمنع حدوث الفعل، فالقيامة لأنها حَقٌّ واقع لا محالة عبَّر عنه بالماضي كأنه أتى بالفعل. قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ} دلَّتْ على أن هذه الآيات مُوزَّعة على الزمن، بحيث يجد كل جيل في القرآن عطاءً جديداً، فنحن الآن نعرف من آيات الله في الكون وفي الأنفس ما لم يكُنْ يعرفها أحد على زمن رسول الله مع أنها موجودة وأخبر الله بها في القرآن. سألتُ مرة بعض إخواننا المختصين بالنواحي الاقتصادية في العالم قُلْتُ لهم: متى عرف الإنسانُ (الأسانسير)؟ قالوا: سنة كذا يعني في القرن العشرين، قلت: فاقرأوا قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33] والمعارج أي: ما نعرفه الآن بـ (الأسانسير). كذلك البواخر والسفن العملاقة المكوَّنة من طوابق، والتي تظهر في البحار وكأنها مدينة متحركة لم تكُنْ بهذه الصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله بها في سورة الرحمن: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24] إذن: الحق سبحانه خلق وعلم ما سيحدث لخلقه في المستقبل. فإنْ قلتَ: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه. فالله تعالى أراد أنْ يظلَّ استقبال الأجيال للقرآن استقبالاً جديداً، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديماً أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يردُّ عليه ما قال. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} [فصلت: 53] أي: يتضح لهم أن القرآن حق وأن الله حق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وضده الباطل، والباطل متغير زاهق، الحق أبلج، والباطل لجلج. الله تعالى يُصوِّر لنا الحق والباطل في مثال مادي مشاهد، فيقول سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الرعد: 17]. فالله تعالى هو الحق، ما يقوله حق، ومن الناس مَنْ يعرف وجه الحق فيه، ومنهم مَنْ يرتاب وتَخْفى عليه الآيات لفترة ثم تصل بهم الأحداث إلى أنْ يعرفوا أنه الحقُّ من الله الحق، فعلاً ووجوداً. وقد ينتصر الباطل ويعلو في فترة من الفترات، لكن لا بُدَّ أن تكون الجولة الأخيرة للحق؛ لذلك قالوا: دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والمؤمن الواعي الواثق بنصر الله لا يبالي لانتصار الباطل فهو موقوت، وينتظر اللحظة التي يعلو فيها الحق ويزهق فيها الباطل. المؤمن يعلم أن الباطل حين يعلو يكون جندياً من جنود الحق، فالباطل يُظهر الحق لمن لا يعرفه، والضد يظهر حُسْنه الضد، ولولا أن الناس شَقُوا بالباطل وعضَّتهم الأحداث ما عرفوا الحق وما اشتاقوا إليه. لذلك لما تتأمل النسق القرآني في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} تفسير : [التوبة: 40] تعلم أن الحق ثابت، وأنه الأصل الذي عليه قامت أمور الخَلْق كلها، فكلمة الذين كفروا قد تعلو لكن ينتهي بها الأمر إلى أنْ تكون هي السفلى، جعلها الله سفلى فهي جَعْل من الله. أما {أية : وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} تفسير : [التوبة: 40] تجد (كلمة) هنا مبتدأ، فهي في أصلها عليا، ليست جَعْلاً كالأولى، يعني لم تكُنْ أبداً سفلى، ثم جعلها الله عُلْيا هي بطبيعتها عليا. إذن: نقول: إن الباطل يعلو لبعض الناس بأحداثه فيتنبهوا للحق. ثم يقول سبحانه {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] بلى كفى به سبحانه شاهداً ومطلعاً لا تَخْفى عليه خافية، كأن الحق سبحانه يقول لهم ما كان يصح منكم أنْ تنتظروا الآيات لتُصدِّقوا الرسول، بل كان عليكم أنْ تصدقوه بمجرد أن يقول لأن الله شهيد عليه، والله سبحانه ليس له معارض يعارضه ويرد حكمه. لذلك قلنا: لماذا أصبح الصِّدِّيق صِدِّيقاً؟ لأنه لما قيل له إن صاحبك يدَّعي أنه نبي لم يزدْ على أن قال لِتوِّهِ: إنْ كان قد قال فقد صدق، هكذا دون أن يناقش المسألة، كذلك لما بلغه خبر الإسراء والمعراج قال نفس قولته الأولى، ولم ينتظر حتى ينزل القرآن، فيخبرهم بذلك وبعدها يُصدِّق. فالقرآن إنما ينزل يقنع الكافر المعاند أو الشّاكَ المرتاب، والصِّديق رضي الله عنه كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وكَفَاه تاريخ محمد سيرته فيما مضى، فأخذ من صِدْقه في الماضي دليلاً على صِدْقه في الحاضر. كلمة {شَهِيدٌ} [فصلت: 53] هنا تحمل معنى الشاهد الذي يثبت الحق، والقاضي الذي يحكم فيه، والمنفذ الذي ينفذ الأحكام.
همام الصنعاني
تفسير : 2723- حدثنا عبد الرزاق، قالَ: أنبأنا معمر قال: أنبأنا (زيد بن أسلم)، عن مجاهِد في قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}: [الآية: 53]، قال: ما يفتح الله عَلَيْهِم مَن القُرَى، وفي أنفسهم، قال: فتح مكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):