٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ} قراءة العامة بالتاء. وقرأ نافع وابن وَثّاب والكسائيّ بالياء. {يَتَفَطَّرْنَ} قرأ نافع وغيره بالياء والتاء والتشديد في الطاء، وهي قراءة العامة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر والمفضّل وأبو عبيد «يَنْفَطِرْنَ» من الانفطار؛ كقوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ }تفسير : [الانفطار: 1] وقد مضى في سورة «مريم» بيان هذا. وقال ابن عباس: «تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ» أي تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها؛ من قول المشركين: {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [الكهف: 4]. وقال الضحاك والسدي: «يَتَفَطَّرْنَ» أي يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن. وقيل: «فوقهن»: فوق الأرضين من خشية الله لو كنّ مما يعقل. قوله تعالى: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي ينزهونه عما لا يجوز في وصفه، وما لا يليق بجلاله. وقيل يتعجبون من جرأة المشركين؛ فيُذكر التسبيح في موضع التعجّب. وعن عليّ رضي الله عنه: أن تسبيحهم تعجّب مما يرون من تعرّضهم لسخط الله. وقال ابن عباس: تسبيحهم خضوع لما يرون من عظمة الله. ومعنى «بِحَمْدِ رَبِّهِمْ»: بأمر ربهم؛ قاله السُّدِّي. {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} قال الضحاك: لمن في الأرض من المؤمنين؛ وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن: «وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا». وعلى هذا تكون الملائكة هنا حملة العرش. وقيل: جميع ملائكة السماء؛ وهو الظاهر من قول الكلبيّ. وقال وهب بن منبّه: هو منسوخ بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}. قال المهدوِيّ: والصحيح أنه ليس بمنسوخ؛ لأنه خبر، وهو خاص للمؤمنين. وقال أبو الحسن الماوَرْدِيّ عن الكلبيّ: إن الملائكة لما رأت الملكين اللَّذَين اخْتُبِرا وبُعِثا إلى الأرض ليحكما بينهم، فافتتنا بالزُّهَرَة وهربا إلى إدريس ـ وهو جَدّ أبي نوح عليهما السلام ـ وسألاه أن يدعُوَ لهما، سبَّحت الملائكة بحمد ربهم وٱستغفرت لبني آدم. قال أبو الحسن بن الحصار: وقد ظن بعض مَن جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت وماروت، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن، وما علموا أن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة، وللّه ملائكة أُخر يستغفرون لمن في الأرض. الماورديّ: وفي استغفارهم لهم قولان: أحدهما ـ من الذنوب والخطايا؛ وهو ظاهر قول مقاتل. الثاني ـ أنه طلب الرزق لهم والسَّعة عليهم؛ قاله الكلبيّ. قلت: وهو أظهر، لأن الأرض تعمّ الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل فيه الكافر. وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سَلْمان قال: إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة: صوت معروف من آدميّ ضعيف، كان يذكر الله تعالى في السراء فنزلت به الضراء؛ فيستغفرون له. فإذا كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء قالت الملائكة: صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في السراء فنزلت به الضراء فلا يستغفرون الله له. وهذا يدل على أن الآية في الذاكرِ للّهِ تعالى في السراء والضراء، فهي خاصّة ببعض مَن في الأرض من المؤمنين. والله أعلم. ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ـ إلى أن قال ـ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}تفسير : [فاطر: 41]، وقولِه تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} تفسير : [الرعد: 6]. والمراد الحلم عنهم وألا يعاجلهم بالانتقام؛ فيكون عاماً؛ قاله الزمخشِريّ. وقال مُطَرِّف: وجدنا أنصح عبادِ الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. وقد تقدّم. {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} قال بعض العلماء: هَيّب وعَظَّم جلّ وعزّ في الابتداء، وألطف وبشّر في الانتهاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تَكَادُ } بالتاء والياء {ٱلسَّمَٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد { مِن فَوْقِهِنَّ } أي تنشق كل واحدة فوق التي تليها من عظمة الله تعالى {وَٱلْمَلَٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } أي ملابسين للحمد {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ } من المؤمنين {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ } لأوليائه {ٱلرَّحِيمُ } بهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَفَطَّرْنَ} يتشققن من عظمة الله ـ تعالىـ، أو من علم الله أو ممن فوقهن "ع"، أو لنزول العذاب منهن {يُسَبِّحُونَ} تعجباً من تعرض الخلق لسخط الله ـ تعالى ـ، أو خضوعاً لما يرون من عظمته "ع" {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} بأمره، أو بشكره {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأَرْضِ} من المؤمنين لما رأت ما أصاب هاروت وماروت سبحت بحمد ربها واستغفرت لبني آدم من الذنوب والخطايا، أو بطلب الرزق لهم والسعة عليهم وهم جميع الملائكة أو حملة العرش.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنا نقرأ هذه الآية {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} . وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما،"تكاد السماوات ينفطرن من فوقهن" قال: ممن فوقهن، وقرأها خصيف بالتاء المشددة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه، {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} قال: من عظمة الله تعالى وجلاله! وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} قال: من الثقل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ويستغفرون لمن في الأرض} قال: الملائكة عليهم السلام، يستغفرون للذين آمنوا. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبدالله، يقولون: الملائكة خير من ابن الكواء، يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر. وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه {وتنذر يوم الجمع} قال: يوم القيامة. قوله تعالى: {فريق في الجنة وفريق في السعير}. وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان، "فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا لا، ألا أن تخبرنا يا رسول الله، قال: للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله، هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً" فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان قد فرغ منه؟ فقال: "سددوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد {فريق في الجنة وفريق في السعير}" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يده كتاب ينظر فيه قال: حديث : انظروا إليه كيف، وهو أمي لا يقرأ، قال: فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، وقال: {فريق في الجنة، وفريق في السعير} فرغ ربكم من أعمال العباد ".
القشيري
تفسير : أي تكاد السماوات تتشقق مِنْ عظمة مَنْ فوقهن وهو الله تعالى، والفوقية هنا فوقية رتبة؛ وذلك من شدة هيبتهن من الله. ويقال مِنْ ثِقَلِ الملائكةِ الذين هم فوق السماوات لكثرتهم. وفي الخبر: "حديث : أطت السماء أطاً وحق لها أن تئط؛ ما مِنْ موضع قَدَمٍ في السماوات إلا وعليه قائم أو راكع أو ساجد ". تفسير : ويقال إنه على عادة العرب إذا أخبروا عن شيء قالوا كادت السماوات تنشقُّ له.. وهنا لُقْبح قول المشركين ولجرأتهم على الله تعالى، ولعِظَم قولهم كادت السماوات تنشقُّ... قال تعالى: {أية : لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : [مريم: 89-91] وعلى هذا التأويل: {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} أي إلى أسفلهن، أي تتفطر جملتُها. ومع أنَّ أولادَ آدم بهذه الصفة إلا أن الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يفترون، ويستغفرون لمن في الأرض.. ثم قال: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}: أي يغفر لهم مع كثرة عصيانهم. وفي الوقت الذي يرتكب فيه الكفارُ هذا الجُرْمَ العظيمَ بسبب شِرْكهم فإنه - سبحانه - لا يقطع رِزْقَه ونَفْعَه عنهم - وإنْ كان يريد أَنْ يعذِّبَهم في الآخرة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} نبهنا الله سبحانه عن عظيم قدره وجلال عزه وبان سبحانه خلق قوما من التجهلة واطلقهم فى مهمة الضلالة حتى وقعوا فى مقاله السوء ويقولن على الله ما لا يعلمون من اعظم اقبلتهم تكاد السَّماوات تنشئ من فوقهن من الغضب عليهم وذلك بعد ان البساه الله اقرار قدرته وادخلها روح فعله حتى عقلت عبوديته صانعها وعرفت قدسه وطهارته عن قول الزائعين واشارة الملحدين والملائكة يقدسون الله عما يقولون فيه من الزور والبهتان والدعاوى الباطلة ويستغفرون للمؤمنين الذين لم يبلغوا حقيقية عبوديته {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} غفر ذنوب المقبلين ورحمهم بان يرزقهم قربه ووصاله.
اسماعيل حقي
تفسير : {تكاد السموات} نزديك شدكه آسمانها {يتفطرن} التفطر شكافته شدن. واصل الفطر الشق طولا اى يتشققن من عظمة الله وخشيته واجلاله كقوله تعالى {أية : لو انزلنا هذا القرءآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} تفسير : {من فوقهن} اى يبتدئ التفطر من جهتهن الفوقانية الى جهتهن التحتانية وتخصيصها لما أن اعظم الآيات وادلها على العظمة والجلال من تلك الجهة من العرش والكرسى وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل حول العرش وما لا يعلم كنهه الا الله من آثار الملكوت العظمى فكان المناسب ان يكون تفطر السموات مبتدأ من تلك الجهة بان يتفطر اولا أعلى السموات ثم وثم الى ان ينتهى الى اسفلها بان لا تبقى سماء الا سقطت على الاخرى ويقال تتشققن من دعاء الولد له كما قال تعالى فى سورة مريم {أية : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} تفسير : فتخصيصها للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الاولى لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة فى الارض اذا اثرت فى جهة الفوق فلأن تؤثر فى جهة التحت اولى وقيل لنزول العذاب منهن {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} ينزهونه تعالى عما لا يليق به من الشريك والولد وسائر صفات الاجسام ملتبسين بحمده تعالى. يعنى تسبيح وحمد باهم ميكويند جه يكى نفى ناسزاست ويكى اثبات سزا فقدم التسبيح على الحمد لان التخلية مقدمة على التحلية وهذا جانب الاستفاضة من الله والقبول ثم اشارا جانب الافاضة والتأثير بقوله {ويستغفرون لمن فى الارض} اى للمؤمنين بالشفاعة لقوله تعالى {أية : ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : المطلق محمول على المقيد او للمومن والكافر بالسعى فيما يستدعى مغفرتهم من الشفاعة والالهام وترتيب الاسباب المقربة الى الطاعة واستدعاء تأخير العقوبة جمعا فى ايمان الكافر وتوبة الفاسق وهذا لا ينافى كون الملائكة لاعنين للكفار من وجه آخر كما قال تعالى {أية : اولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين} تفسير : وفى الحديث "حديث : ما فيها موضع اربع اصابع الا وملك واضع جبهته ساجدا لله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الارض" تفسير : وهذا يدل على ان المراد بالملائكة فى الآية ملائكة السموات كلها وقال مقاتل حملة العرش واليه ذهب الكاشفى فى تفسيره ويدل عليه قوله تعالى فى اوآئل حم المؤمن {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } تفسير : يقول الفقير تخصيص ملائكة العرش لا ينافى من عداهم فلعله من باب الترقى لان آية حم المؤمن مقيدة بحملة العرش واستغفار المؤمنين وهذه الآية مطلقة فى حق كل من الملائكة والاستغفار {الا} اعلموا {ان الله هو الغفور} يغفر ذنوب المقبلين {الرحيم} يرحم بان يرزقهم جنته وقربه ووصاله وبرحمته يأمر الملائكة بالاستغفار لبنى آدم مع كثرة عصيانهم والكفار الذين يرتكبون الشرك والذنوب العظام لا يقطع رزقهم ولا صحتهم ولا تمتعاتهم من الدنيا وان كان يريد ان يعذبهم فى الآخرة. يقول الفقير ان الملائكة وان كانوا يستغفرون للمؤمنين فالمؤمنون يسلمون عليهم كما يقولون فى التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اذ لا يعصون ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون فالمنة لله تعالى على كل حال وفى الآية اشارة الى ان قوما من الجهلة يقولون على الله مالا يعلمون ومن عظم افترآئهم تكاد السموات تنشق من فوقهم لان الله تعالى البسها انوار قدرته وادخلها روح فعله حتى عقلت عبوديته صانعها وعرفت قدسه وطهارته عن قوال الزآئغين واشارة الملحدين والملائكة يقدسون الله عما يقولون فيه من الزور والبهتان والدعاوى الباطلة ويستغفرون للمؤمنين الذين لم يبغلوا حقيقة عبوديته فانهم هم القابلون للاصلاح لاعترافهم بعجزهم وقصورهم دون المصرين المبتدعين شعر : فاسد شده راز روزكار وارون لا يمكن ان يصلحه العطارون
اطفيش
تفسير : {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ} بالياء عند نافع والكسائى وقرأ غيرهما بالتاء المثناة فوق* {يَتَفَطَّرْنَ} يتشققن من عظمة الله عز وجل قيل يدل عليه مجيئه بعد {أية : الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} تفسير : وقيل من ادعائهم له ولداً وهو مطاوع (يتفطر) بالتشديد فهو أبلغ ولابلاغه في قراءة أبي بكر وأبي عمرو (ينفطرن) بالنون مطاوع (فطر) بالخفة وحكى يونس عن ابن عمر تتفطرن بتائين التاء الأولى تاء المضارعة والتأنيث قيل وهذا التأنيث توكيد للنون فذلك تأكيد للتأنيث وهو غريب للجمع بين أداتي التأنيث وهما التاء والنون ومثله ما في نوادر ابن الاعرابي: الابل تشممن {مِن فَوْقِهِنَّ} (من) للابتداء أي يبتدئ الانفطار من جهتين الفوقانية وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس جعل كلمة الكفر مؤثرة في ذلك الفوق وبالأولى أن تؤثر في التحت ففي ذلك مبالغة ومعنى السموات في {يَتَفَطَّرْنَ} من عظمة الله وقيل المراد بفوقهم ما علا منهن وهو السماء السابعة وقيل من فوقهن تنشق كل واحدة فوق التي تليها والضمير على ذلك كله للسموات وقيل الضمير للارض في قوله وما في الأرض لارادة الجنس بها وقال الاخفش علي بن سليمان: الضمير لجماعات الكفار والفرق الملحدة أي من فوق الجماعات على حذف مضاف أي من فوق قوله: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي مع حمد ربهم وقيل يصلون بأمر ربهم فالباء على الاولى للمصاحبة أي ينزهونه عما لا يليق به ملتمسين بحمدهم اياه والمصدر مضاف لمفعوله أي حامدينه وعلى الثاني للتعددية وان جعلت الحمد مضافاً للفاعل كما في الثاني وأبقي الحمد على أصله أي بما حمد به نفسه فهى للاستعانة. {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} أي من المؤمنين بدليل {أية : ويستغفرون للذين آمنوا} {أية : فاغفر للذين تابوا} تفسير : الخ فوصف الذين استغفر الملائكة لهم وهو بموجب الاستغفار وهو الايمان والتوبة واتباع السبيل وبدليل أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ولا يستغفرون لمن يلعنون فانما يستغفرون لأولياء الله ولاحظ في استغفارهم للمشرك والمنافق الموحد غير التائب وهو مذهب السدي في المشرك في تفسير الآية وقال فرقة المراد من في الارض عموماً لكن نسخ بقوله {أية : ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : قلت ضعيف لان الاخبار لا يدخله النسخ الا نسخ اللفظ ولان الحمل على عدم النسخ والتقييد بقيد مذكور في آية أخرى مثلاً أولى وقالت فرقة بعموم الآية والاستغفار للكافر طلب الهداية له وهي سبب الغفران وقيل بالعموم والمراد بالاستغفار طلب الرزق وقيل أن لا يعاجلهم بالعقوبة على حد {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : الى {أية : حَلِيماً غَفُوراً} {أية : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} تفسير : وقيل الاسباب المقربة للطاعة كالالهام ولا شفاعة للكافر ووجه اتصال ذلك بقوله {يَتَفَطَّرْنَ} انه (يتفطرن) هيبة من جلاله وملائكته يداومون على العبادة والتسبيح والتحميد والاستغفار لمن في الارض خوفاً من سطواته عليهم أو انهم (يتفطرن) اقدام المشرك الكافر على تلك الكلمة الشنعاء والملائكة يوحدونه وينزهونه عما يصفه المشرك به ويحمدونه على لطفه بهم ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض المتبرئين من تلك الكلمة ومن أهلها أو يطلبون من ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم حرصاً على النجاة وطمعاً في التوبة. {أِلآَ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ} لأوليائه* {الرَّحِيمُ} بهم وذلك اخبار باجابته لدعائهم واستغفارهم كأنه قال استغفروا واسترحموا ففعلت بأن رزقت الناس حلمت عنهم وهديت من هديت ومحوت ذنوب المؤمن وقبلت شفاعتهم له ورحمت الكل رحمة دنويتى والمؤمن أيضاً برحمة الآخرة لاني عظيم الغفران والرحمة قطعاً وتحقيقاً ولا مثل لي فيها وذلك تقرير للعظمة. وقال القاضي: ان فسرنا الاستغفار بالشفاعة للمؤمن وبالمعنى العام له ولغيره فالآية تقرير لعظمته وان فسرناه بالحلم عنهم فهى دلالة على تقدمه عما نسب اليه وان عدم المعالجة بالعذاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران الله ورحمته ولك أن تقول المراد بالاخبار باجابة الدعاء فيما طلبوا من الغفران وبزيادة الرحمة.
اطفيش
تفسير : {تكَادُ السَّماوات يتفطَّرن} يتشقفن من عظمة شأن الله تعالى، أو من ادعاء الشريك والولد، ويدل له ما فى سورة مريم "أية : تكاد السماوات يتفطرن منه" تفسير : [مريم: 90] ويناسبه قوله تعالى: " أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء" تفسير : [الشورى: 6] وأما قوله تعالى: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} فلا يدل على أن المراد التفطر بدعاء الولد والشريك، من حيث إنه كلام يستوجب العذاب عاجلا، فأخر عنهم لأنه غفور رحيم، لأنا نقول ذلك صورة تستدعى الاجتراء على ادعاء الولد والشريك بلا توبة، لأنه لم يذكر التوبة، ولو قيل لك: فلان يشرك بالله، فقلت: الله غفور رحيم، لم يحسن جوابك، لأنك لم تذكر التوبة، لا ذكرها القائل. وعلى التفسير بادعاء الولد والشريك تكون الآية تنزيها بعد إثبات المالكية والعظمة، ويبحث بأن المقام لبيان عظمة الله عز وجل، والتنزيه، ولو دل على العظمة ليس مصرحا به،وانما هو فى ضمن متعلق يتفطرن، وانما لم يقل تتفطرن بتاء التأنيث والغيبة، لأن العرب لا تجمع بين علامتى تأنيث فى كلمة، أو ما هو كالكلمة الواحدة، ويتفطرن كالكلمة الواحدة مثل: يتربصن، ويرضعن إلا قليلا، كما قرىء تتفطرن بتاءين، وتنفطرن بالتاء والنون، وأما قامت الهندات فليست فيه داخلتين على كلمة، ولا على ما كالكلمة الواحدة. {مِنْ فوقِهنَّ} من سطحهن الأعلى، لأنه المقابل لعظمة العرش والكرسى والملائكة، وهم أعبد من المؤمنين، وأبعد عن المعاصى، ولاعتبار ذلك لم يقل: من تحتهن، مع أنه سبب التفطر من تحت، وهو العصيان، أو للمبالغة بحيث بدأ التشقق من فوق، أو المراد يتشققن من فوقهن، فكيف من تحتهن، ومن للابتداء يبتدئن التفطر من أعلاهن أو من جهة الفوق، فمن سببية لأن العرش والكرسى سبب، وإذا تفطرن من فوقهن بذلك، فأولى أن يتفطرن من تحتهن، لما تحتهن من ادعاء الولد والشريك، ويبعد أن الهاء للأرضين المعبر عنهن بالأرض، على أن يراد بها الجنس، لأنه خلاف الظاهر، ولأن الفوقية على هذه الأرض فوقيه على ما تحتها، ولا داعى الى اعتبارهن هنا، ويبعد كونها لجماعة الكفار، أى يتفطرن لكلامهم الباطل، لأن ذلك خلاف الظاهر، ولأنه لم يجر لهم ذكر. {والملائكة} مبتدأ خبره ما بعده، أو معطوف على نون يتفطرن وما بعده حال، والأول أولى، لأن الثانى يئول الى قولك: يكاد السماوات تتفطر الملائكة {يسبِّحونَ} ينزهون الله عما لا يليق به، وقيل: يصلون {بحمْد ربِّهم} كلهم، وقيل: المراد هنا حملة العرش {ويسْتغفِرونَ} يطلبون مغفرة الذنوب، وقيل: يشفعون {لمَن في الأرض} من المؤمنين، كما قال الله عز وجل: " أية : ويسْتغفرون للذين آمنوا" تفسير : [غافر: 7] الى " أية : فاغفر للذين تابوا" تفسير : [غافر: 7] الخ، وقيل: لمن فى الأرض كلهم بمعنى يدعون لهم بالهداية، ويسعون فى اسباب المغفرة كالإلهام والاعانة فى بعض أمور المعاش، وسؤال الرزق لهم، ودفع العوائق، وطلب تأخير العقاب، ليؤمن المشرك، ويتوب الفاسق، أو يسعون فيما يدفع الحال فيشمل الحيوان {ألا إنَّ الله هُو الغَفُور الرَّحيمُ} لا مكلف إلا وله حظ عظيم من المغفرة والرحمة، فضيعه من ضيعه بالاصرار " أية : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم"تفسير : [الرعد: 6] لا يتعاظمه ذنب التائب، فقد استجيب دعاء الملائكة.
الالوسي
تفسير : {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ} وقرىء {يكاد} بالياء {يَتَفَطَّرْنَ} يتشققن من عظمة الله تعالى وجلاله جل شأنه وروي ذلك عن قتادة. وأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: تكاد السماوات يتفطرن من الثقل، وقيل: من دعاء الشريك والولد له سبحانه كما في سورة مريم، وأيد هذا بقوله تعالى بعد: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} تفسير : [الشورى: 6] فإيراد الغفور الرحيم بعد لأنهم استوجبوا بهذه المقالة / صب العذاب عليهم لكنه صرف عنهم لسبق رحمته عز وجل، والآية عليه واردة للتنزيه بعد إثبات المالكية والعظمة، والأول أولى في هذا المقام لأن الكلام مسوق لبيان عظمته تعالى وعلوه جل جلاله ويؤيده ترك العاطف، ويليه ما روي عن الحبر فإن الآية وإن تضمنت عليه الغرض المسوق له الكلام لكن دلالتها عليه بناءً على القول الأول أظهر. وقرأ البصريان وأبو بكر {ينفطرن} بالنون، والأول أبلغ لأن المطاوع والمطاوع من التفعيل والتفعل الموضوع للمبالغة بخلاف الثاني فإنه انفعال مطاوع للثلاثي. وروى يونس عن أبـي عمرو أنه قرأ {تتفطرن} بتاءين ونون في آخره على ما في «الكشاف»، و {تنفطرن} بتاء واحدة ونون على ما في «البحر» عن ابن خالويه وهو على الروايتين شاذ عن القياس والاستعمال لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث فلا تقول النساء تقمن ولا الوالدات ترضعن، والوجه فيه تأكيد التأنيث كتأكيد الخطاب في أرأيتك؛ ومثله ما رواه أبو عمر الزاهد في «نوادر ابن الأعرابـي» الإبل تتشممن. {مِن فَوْقِهِنَّ} أي يبتدأ التفطر من جهتهن الفوقانية، وتخصيصها على الأول في سبب التفطر لما أن أعظم الآيات وأدلها على العظمة والجلال - كالعرش والكرسي والملائكة - من تلك الجهة ولذا كانت قبلة الدعاء، وعلى الثالث للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض حين أثرت من جهة الفوق فلأن تؤثر من جهة التحت أولى، وكذا على الثاني لأن العادة تفطر سطح البيت مثلاً من جهة التحتانية بحصول ثقل عليه. وقيل: الضمير للأرض أي لجنسها فيشمل السبع ولذا جمع الضمير وهو خلاف الظاهر، وقال علي بن سليمان الأخفش: الضمير للكفار والمراد من فوق الفرق والجماعات الملحدة، وبهذا الاعتبار أنث الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن التفطر من أجل أقوال هاتيك الجماعات، وفيه ما فيه. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} ينزهونه سبحانه عما لا يليق به جل جلاله ملتبسين بحمده عز وجل، وقيل: يصلون والظاهر العموم في الملائكة، وقال مقاتل: المراد بهم حملة العرش {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإلهام وترتيب الأمور المقربة إلى الطاعة كالمعاونة في بعض أمور المعاش ودفع العوائق واستدعاء تأخير العقوبة طمعاً في إيمان الكافر وتوبة الفاسق وهذا يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد، وهو فيما ذكر مجاز مرسل أو استعارة. وقال السدي وقتادة: المراد بمن في الأرض المؤمنون لقوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} تفسير : [غافر: 7] والمراد بالاستغفار عليه حقيقته، وقيل: الشفاعة. {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} إذ ما من مخلوق إلا وله حظ عظيم من رحمته تعالى وأنه سبحانه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وفيه إشارة إلى قبول استغفار الملائكة عليهم السلام وأنه سبحانه يزيدهم على ما طلبوه من المغفرة رحمة. والآية على كون قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} لبيان عظمته جل شأنه مقررة لما دل عليه ذلك ومؤكدة له لأن تسبيح الملائكة وتنزيههم له تعالى لمزيد عظمته تبارك وتعالى وعظيم جلاله جل وعلا والاستغفار لغيرهم للخوف عليهم من سطوة جبروته عز وجل والتذييل بقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ} الخ / على هذا ظاهر، وعلى كون تفطر السمٰوات لنسبة الولد والشريك بيان لكمال قدسه تعالى عما نسب إليه عز وجل فيكون تسبيحهم عما يقوله الكفرة واستغفارهم للمؤمنين الذين تبرأوا عما صدر من هؤلاء والتذييل للإشارة إلى سبب ترك معاجلة العذاب مع استحقاقهم له وعمم بعض المستغفر لهم وأدخل استغفار الملائكة في سبب ترك المعاجلة.
ابن عاشور
تفسير : {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ}. جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة { أية : وهو العلي العظيم } تفسير : [الشورى: 4] ولذلك لم تعطف عليها، أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدّة تسخرهن فيما يسخرهُن الله له من عمل لا يخالف ما قدّره الله لهنّ، وأيضاً قد قيل: إن المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب وتصاريف الأقدار، فيكون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أَطَّتِ السماء وبِحَقها أن تَئطّ. والذي نفسُ محمّد بيده ما فيها موضع شِبر إلا فيه جبهة مَلَك ساجد يسبح الله بحمده » تفسير : ويرجّحه تعقيبه بقوله تعالى: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} كما سيأتي. وقرأ نافع وحده والكسَائِي {يكاد} بتحتية في أوّله. وقرأه الباقون بفوقية وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غيرِ المذكر السالم وخاصة مع عدم التأنيث الحقيقي. وتقدم في سورة مريم (90) قوله: { أية : يكاد السماوات يتفَطَّرْنَ منه}.تفسير : وقرأ الجمهور {يتفطرن} بتحتية ثم فوقية وأصله مضارع التفطر، وهو مطاوع التفطير الذي هو تكرير الشقّ. وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بِتَحتيّة ثم نون وهو مضارع: انفطَر، مطاوع الفطر مصدر فطَر الثلاثي، إذا شَقَّ، وليس المقصود منه على القراءتين قبول أثر الفاعل إذ لا فاعل هنا للشقّ وإنّما المقصود الخبر بحصول الفعل، وهذا كثير، كقولهم: انشقّ ضوء الفجر، فلا التفات هنا لما يقصد غالباً في مادة التفعل من تكرير الفعل إذ لا فاعل للشقّ هنا ولا لتكرره، فاستوت القراءتان في باب البلاغة، على أنّ استعمال صيغ المطاوعة في اللّغة ذو أنحاء كثيرة واعتبارات كما نبه عليه كلام الرضيّ في «شرح الشافية». وقوله: {من فوقهن} يجوز أن يكون ضمير {فوقهن} عائداً على {السماوات}، فيكون المجرور متعلقاً بفعل {يتفطرن} بمعنى: أن انشقاقهن يحصل من أعلاهنّ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشقّ أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى، كما قيل في قوله تعالى: { أية : وهي خاوية على عروشها } تفسير : كما تقدم في سورة البقرة (259) وفي سورة الحج (45). وتكون {من} ابتدائيّة. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى {الأرض} من قوله تعالى: { أية : وما في الأرض } تفسير : [الشورى: 4] على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب { أية : واسْأل القرية } تفسير : [يوسف: 82]. وتكون {من} زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية، فيفيد الظرف استحضار حالة التفطر وحالة موقعه، وقد شبه انشقاق السماء بانشقاق الوَردة في قوله تعالى: { أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدِّهان } تفسير : [الرحمٰن: 37]. والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح بُرْعُومُها فيوشك إنْ هُن تفطَّرْنَ أن يخْررْنَ على الأرض، أي يكاد يقع ذلك لِما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى قوله تعالى: { أية : وقالوا اتخذ الرّحمٰن ولداً لقد جئتم شيئاً إِدًّا تكاد السماوات يتفطَّرْنَ منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً } تفسير : [مريم: 88 ـــ 90] ويرجحه قوله الآتي: { أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم } تفسير : [الشورى: 6]. وعن ابن عباس {يكاد السماوات يتفطَّرن} من قول المشركين { أية : اتخذ الله ولداً } تفسير : [البقرة: 116]. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. جملة عطفت على جملة {يكاد السماوات يتفطرن} لإفادتها تقرير معنى عظمة الله تعالى وجلاله المدلول عليهما بقوله: { أية : وهو العلي العظيم } تفسير : [الشورى: 4]. مرتبة واجب الوجود سبحانه وهو أهل التنزيه والحمد ومرتبة الروحانيات وهي الملائكة وهي واسطة المتصرف القدير ومفيض الخير في تنفيذ أمره من تكوين وهدى وإفاضة خير على النّاس، فهي حين تتلقى من الله أوامره تسبِّحُه وتحمده، وحين تفيض خيرات ربّها على عباده تستغفر للذين يتقبلونها تقبل العبيد المؤمنين بربّهم، وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها، وذلك بتأثيرها في نظم أحوال العالم الإنساني. ومرتبة البشرية المفضلة بالعقل إذ أكمله الإيمانُ وهي المراد بــ(من في الأرض).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ}. قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع والكسائي (تكاد) بالتاء الفوقية، لأن السماوات مؤنثة وقرأه نافع والكسائي (يكاد) بالياء التحتية لأن تأنيث السماوات غير حقيقي. وقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وشعبة عن عاصم (يَتَفَطَّرْنَ) بتاء مثناة فوقية مفتوحة بعد الياء وفتح الطاء المشددة مضارع. تفطر أي تشقق. وقرأه أبو عمرو وشعبة عن عاصم (ينفطرن) بنون ساكنة بعد الياء وكسر الطاء، المخففة مضارع انفطرت كقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الإنفطار: 1] أي انشقت. وقوله: تكاد مضارع كاد، التي هي فعل مقاربة، ومعلوم أنها تعمل في المبتدأ والخبر معنى كونها فعل مقاربة، أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ والخبر. وإذاً، فمعنى الآية أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر على القراءة الأولى، والانفطار على القراءة الثانية. واعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر، في هذه الآية الكريمة، فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن. الوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفاً من الله، وهيبة وإجلالاً، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ} تفسير : [الشورى: 4] لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال، حتى كادت تتفطر. وعلى هذا الوجه فقوله بعده: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 5] مناسبته لما قبله واضحة. لأن المعنى: أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، مع إثباتهم له كل كمال وجلال، خوفاً منه وهيبة وإجلالاً، كما قال تعالى {أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} تفسير : [الرعد: 13] وقال تعالى {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل: 49ـ50]. فهم لشدة خوفهم من الله، وإجلالهم له يسبحون بحمد ربهم، ويخافون على أهل الأرض، ولذا يستغفرون لهم خوفاً عليهم من سخط الله، وعقابه، ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأحزاب: 72] إلى قوله: {أية : وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} تفسير : [الأحزاب: 72] لأن الإشفاق الخوف. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله، كما أوضحه تعالى بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غافر: 7]. فقوله: {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} يوضح المراد من قوله: {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 5]. ويزيد ذلك إيضاحاً قوله تعالى عنهم إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر: 7] لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار. الوجه الثاني: أن المعنى {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} من شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض جل وعلا، من كونه اتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وهذا الوجه جاء موضحاً في سورة مريم، في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 88ـ93] كما قدمنا إيضاحه. وغاية ما في هذا الوجه أن آية الشورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر السماوات، وقد جاء ذلك موضحاً في آية مريم المذكورة. وكلا الوجهين حق. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} فيه للعلماء أوجه. قيل: يتفطرن، أي السماوات من فوقهن أي الأرضين، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. وقال بعضهم: من فوقهن أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت لم قال: {مِن فَوْقِهِنَّ} [الشورى: 5] قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهي العرش والكرسي، وصفوف الملائكة، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} [الشورى: 5] أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السموات، فكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة. ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق. كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة قوله عز وجل {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ} تفسير : [الحج: 19ـ20] فجعل الحميم مؤثراً في أجزائهم الباطنة اهـ. محل الغرض منه. وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله في قولهم {أية : ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} تفسير : [مريم: 88]. وقد قدمنا آنفاً أنه دلت عليه آية مريم المذكورة وعليه فمناسبة قوله: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} لما قبله أن الكفار وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه، فإن الملائكة بخلافهم فإنهم يداومون ذكر الله وطاعته. ويوضح ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} تفسير : [فصلت: 38] وقوله تعالى: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 89]، كما قدمنا إيضاحه في آخر سورة فصلت. قوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. أكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه هو الغفور الرحيم، وبَين فيها أنه هو وحده المختص بذلك. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد جاءا موضحين في غير هذا الموضع. أما اختصاصه هو جل وعلا بغفران الذنوب، فقد ذكره في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 135]، والمعنى لا يغفر الذنوب إلا الله، وفي الحديث "حديث : رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت" تفسير : الحديث. وفي حديث سيد الاستغفار: "حديث : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني" تفسير : الحديث. وفيه "حديث : وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". تفسير : ووجه دلالة هذه الآية على أن الله وحده هو الذي يغفر الذنوب، هو أن ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه في قوله: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الشورى: 5] يدل على ذلك كما هو معلوم في محله، وأما الأمر الثاني، هو توكيده تعالى أنه هو الغفور الرحيم فإنه أكد ذلك هنا بحرف الاستفتاح الذي هو ألا، وحرف التوكيد الذي هو إن. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الرمز: 53]. وقوله تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} تفسير : [طه: 82] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} تفسير : [النجم: 32] وقوله في الكفار: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38]. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة {أية : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [المائدة: 74] والآيات بمثل ذلك كثيرة. فنرجو الله جل وعلا الكريم الرؤوف الغفور الرحيم، أن يغفر لنا جميع ذنوبنا ويتجاوز عن جميع سيئاتنا ويدخلنا جنته على ما كان منا، ويغفر لإخواننا المسلمين. إنه غفور رحيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتُ} {ٱلْمَلاَئِكَةُ} (5) - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَشَقَّقْنَ (يَتَفْطَّرْنَ) مِنْ هَيْبَةِ اللهِ الذِي هُوَ فَوْقَهُنَّ بِالأُلُوهِيَّةِ والخَلْقِ والعَظَمَةِ، وَالمَلاَئِكَةُ يُنَزِّهُونَ رَبَّهُمْ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ (يُسْبِّحُونَ)، وَيَصِفُونَهُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ والجَلاَلِ، وَيَحْمَدُونَهُ عَلَى نِعَمِهِ. وَأَفْضَالِهِ، وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمُ المَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الأَرْضِ. وَهُوَ تَعَالَى كَثِيرُ الغُفْرَانِ لِعِبَادِهِ المُذْنِبِينَ، عَظيمُ الرَّحْمَةِ بِهِمْ. يَتَفَطَّرْنَ - يَتَشَقَّقْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ..} [الشورى: 5] أي: تقترب وتوشك {يَتَفَطَّرْنَ} [الشورى: 5] يتشققن إما هيبة لله ومن عظمته سبحانه، كما ورد في الحديث الشريف: "حديث : أطتْ السماء وحُقَّ لها أن تئط" تفسير : وإما تشققت غضباً من الذين قالوا اتخذ الله ولداً. {مِن فَوْقِهِنَّ ..} [الشورى: 5] يجوز من فوق ملائكة الملأ الأعلى، حيث هيبة الملائكة من الله، وتعظيمهم له سبحانه، أو من فوق الأرض حيث البشر أصحاب الذنوب والذين قالوا اتخذ الله ولداً، لأن الحق سبحانه ردَّ عليهم: {أية : لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} تفسير : [مريم: 89] أي: عجيباً وغريباً لا يقبله العقل {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} تفسير : [مريم: 90]. فالولد إنما يُطلب إنا للمعونة في وقت الضعف والشيخوخة، وإما لبقاء الذكْر، وهذه أمور لا تجوز، ولا تنبغي للحق سبحانه لأنه غَنِي عنها، لذلك قال تعالى: {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92] أي: أن الحق سبحانه لو أراد أن يتخذ ولداً لفعل، حيث لا يمنعه من ذلك مانع، إنما جلال الله وعظمته وقيوميته تعالى لا ينبغي لها ذلك، لا يجوز ولا يصح أنْ يكون له ولد، ونَفْي الانبغاء يدل على الكمال. ومثال ذلك قوله تعالى في شأن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} تفسير : [يس: 69] عندما اتهمه الكفار بأنه شاعر، والمعنى: أنه لا يقول الشعر ليس لأنه عاجز عن قوله، بل عنده أدوات الشعر ويستطيعه، لكنه لا ينبغي أنْ يقوله ولا يصح، لأن الله يُعده لأمر أعظم من شعركم. فقوله سبحانه {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92] تأكيد أنه تعالى لو أراد له ولداً لفعل، لكن هذا أمر لا ينبغي في حقه تعالى لأنه مُنزَّه عنه، لذلك قال في موضع آخر: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] يعني: على فرض أنِ اتخذ ولداً فسأكون أول المؤمنين به. وقوله: {وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى: 5] الملائكة من الغيبيات، والسماء والأرض من الحسيات، فالحسيات غاضبة تكاد تتشقق من هذا القول، أما الملائكة فيسبحون بحمد ربهم ويُنزِّهونه عن اتخاذ الولد، وجاء التسبيح قبل التحميد، التسبيح يعني نفي المماثلة لأيِّ كائن مَنْ كان، أما التحميد فيجب لله تعالى على نعمه ومنحه، فالتسبيح أوْلَى من التحميد ومُقدَّم عليه. وقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 5] فهم لا يستغفرون لأنفسهم، بل يستغفرون لمن في الأرض، وهذا يعني أنهم بلا ذنوب، ولو كان لهم ذنوب لاستغفروا لأنفسهم من باب أوْلَى. والاستغفار هنا عام لكل مَنْ في الأرض بما فيهم الكفار. وفي موضع آخر قال: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غافر: 7] أما هنا فقال: {لِمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 5] فشمل الجميع، والاستغفار لغير المؤمنين طلب المغفرة لهم وطلب الهداية، وأنْ يلهمهم الله الإيمان به. أما الحديث الشريف الذي ورد فيه: "حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي مَنَاد من قِبَل الله تعالى يقول: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً ". تفسير : قالوا: الدعاء بالتلف للممسك هنا لا يتعارض مع استغفار الملائكة لمن في الأرض، لأن المنفق يستغني عن ماله وينفقه في سبيل الله، فحبه لله تعالى أعظم من حبه للمال، أما الممسك فيحب ماله ويبخل به، وحين يدعو عليك الملَك بالتلف فإنما ليُخلصه من مال صرفه عن الله، فتلَفُ هذا المال نعمة أو مصيبة يُثَاب عليها. إذن: هو دعاء بالخير في كلتا الحالتين. {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيم} [الشورى: 5] قلنا: إن ألا أداة استفتاح وتنبيه، لأن المتكلم حُرٌّ يتكلم متى شاء، أما السامع فليس حراً في السماع، وقد يغفل عن سماع بعض الكلام، لذلك ينبغي للمتكلم أنْ ينبه السامع وأن يُخرجه من غفلته، لا سيما إنْ كان الكلام مهماً يحرص على أنْ يسمعه السامع دون أنْ يفوته منه شيء، لذلك يقول (ألا) في البداية يعني: انتبه واسمع مني. ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي: شعر : أَلاَ هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبحينَا وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدرِينَا تفسير : وتذييل الآية: {أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيم} [الشورى: 5] يناسب مسألة استغفار الملائكة لمن في الأرض ويقول لك: انتبه فالذي تستغفره غفور ورحيم، غفور يغفر الذنب ويمحو آثاره ورحيم: يعني يرحمك بعده من الوقوع في ذنب آخر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَتَفَطَّرْنَ} معناه يَتشقّقنَ.
همام الصنعاني
تفسير : 2727- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ}: [الآية: 5]، مِنْ جَلالِ اللهِ وعَظَمَتِهِ. 2728- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عَنْ قَتَادة، في قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 5]، قال: لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):