Verse. 4279 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَكَذٰلِكَ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ قُرْاٰنًا عَرَبِيًّا لِّتُنْذِرَ اُمَّ الْقُرٰى وَمَنْ حَوْلَہَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيْہِ۝۰ۭ فَرِيْقٌ فِي الْجَنَّۃِ وَفَرِيْقٌ فِي السَّعِيْرِ۝۷
Wakathalika awhayna ilayka quranan AAarabiyyan litunthira omma alqura waman hawlaha watunthira yawma aljamAAi la rayba feehi fareequn fee aljannati wafareequn fee alssaAAeeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» مثل ذلك الإيحاء «أوحينا إليك قرآناً عربيا لتنذر» تخوّف «أم القرى ومن حولها» أي أهل مكة وسائر الناس «وتنذر» الناس «يوم الجمع» يوم القيامة فيه الخلائق «لا ريب» شك «فيه فريق» منهم «في الجنة وفريقٌ في السعير» النار.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن كلمة (ذلك) للإشارة إلى شيء سبق ذكره فقوله {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء هٰهنا قد سبق ذكره، وليس هٰهنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله { أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تفسير : [الشورى: 6] يعني كما أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم، فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتكون نذيراً لهم وقوله تعالى: {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } أي لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله { أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] وأم القرى أصل القرى وهي مكة وسميت بهذا الاسم إجلالاً لها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمي أصل كل شيء أمة حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل المدر، والإنذار التخويف، فإن قيل فظاهر اللفظ يقتضي أن الله تعالى إنما أوحى إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكة وهذا يقتضي أن يكون رسولاً إليهم فقط وأن لا يكون رسولاً إلى كل العالمين الجواب: أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه، فهذه الآية تدل على كونه رسولاً إلى هؤلاء خاصة وقوله { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28] يدل على كونه رسولاً إلى كل العالمين، أيضاً لما ثبت كونه رسولاً إلى أهل مكة وجب كونه صادقاً، ثم إنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل العالمين، والصادق إذا أخبر عن شيء وجب تصديقه فيه، فثبت أنه رسول إلى كل العالمين. ثم قال تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } الأصل أن يقال أنذرت فلاناً بكذا فكان الواجب أن يقال لتنذر أم القرى بيوم الجمع وأيضاً فيه إضمار والتقدير لتنذر أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفي تسميته بيوم الجمع وجوه الأول: أن الخلائق يجمعون فيه قال تعالى: { أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } تفسير : [التغابن: 9] فيجتمع فيه أهل السمٰوات من أهل الأرض الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد الثالث: يجمع بين كل عامل وعمله الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم وقوله {لاَ رَيْبَ فِيهِ } صفة ليوم الجمع الذي لا ريب فيه، وقوله {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } تقديره ليوم الجمع الذي من صفته يكون القوم فيه فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فإن قيل قوله {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } يقتضي كون القوم مجتمعين وقوله {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } يقتضي كونهم متفرقين، والجمع بين الصفتين محال، قلنا إنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. ثم قال: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } والمراد تقرير قوله { أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تفسير : [الشورى: 6] أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً، فقوله {يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ } يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة، وقوله {وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته. ثم قال تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء، ثم قال بعده لمحمد صلى الله عليه وسلم لست عليهم رقيباً ولا حافظاً، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا، فإن هذا المعنى لو كان واجباً لفعله الله، لأنه أقدر منك، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار، فإن قوله {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } استفهام على سبيل الإنكار. ثم قال تعالى: {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ } والفاء في قوله {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ } جواب شرط مقدر، كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيءً قدير، فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء. ثم قال: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح، فقولوا الله أعلم به، قال تعالى: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي } تفسير : [الإسراء: 85]. المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه قال: قل يا محمد {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } والدليل عليه قوله تعالى: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }. المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ } إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل بالقياس، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف، والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى. ثم قال تعالى: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبّي } أي ذٰلكم الحاكم بينكم هو ربي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي وإليه أرجع في كل المهمات، وقوله {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } يفيد الحصر، أي لا أتوكل إلا عليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله ولياً. ثم قال: {فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } قرىء بالرفع والجر، فالرفع على أنه خبر ذلٰكم، أو خبر مبتدأ محذوف، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السمٰوات والأرض وقوله {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبّي } اعتراض وقع بين الصفة والموصوف، {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم من الناس {أَزْوٰجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً } أي خلق من الأنعام أزواجاً، ومعناه وخلق أيضاً للأنعام من أنفسها أزواجاً {يَذْرَؤُكُمْ } أي يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق، أي كثرهم، وقوله {فِيهِ } أي في هذا التدبير، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير في {يَذْرَؤُكُمْ } يرجع إلى المخاطبين، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين الأول: أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء الثاني: أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير، ولم لم يقل يذرؤكم به؟ قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: { أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } تفسير : [البقرة: 179]. ثم قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } وهذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر، فيقال إما أن يكون المراد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء، والثاني باطل، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين، كما أن الله تعالى يوصف بذلك، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئاً من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، فلو كان الله تعالى جسماً، لكان كونه جسماً ذاتاً لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتاً، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسماً. واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه «بالتوحيد»، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: « نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء، ونقول إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب. ثم قال: ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه ». وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب « أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا ههنا » ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول: أنه تعالى قال في هذه الآية {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } وقال في حق الإنسان { أية : فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } تفسير : [الإنسان: 2]، الثاني: قال: { أية : وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 105] وقال في حق المخلوقين { أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرٰتٍ فِى جَوّ ٱلسَّمَآء } تفسير : [النحل: 79] الثالث: قال: { أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } تفسير : [هود: 37] { أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } تفسير : [الطور: 48] وقال في حق المخلوقين { أية : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } تفسير : [المائدة: 83] الرابع: قال لإبليس { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } تفسير : [صۤ: 75] وقال: { أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } تفسير : [المائدة: 64] وقال: في حق المخلوقين { أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [آل عمران: 182]، { أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }، تفسير : [الحج: 10] { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، تفسير : [الفتح: 10] الخامس: قال تعالى: { أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] وقال في الذين يركبون الدواب { أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } تفسير : [الزخرف: 13] وقال في سفينة نوح { أية : وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ } تفسير : [هود: 44]، السادس: سمى نفسه عزيزاً فقال: { أية : ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ } تفسير : [الحشر: 23]، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين بقوله { أية : يأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } تفسير : [يوسف: 78]، { أية : يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } تفسير : [يوسف: 88]، السابع: سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضاً بالملك فقال: { أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ } تفسير : [يوسف: 50] وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: { أية : رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [التوبة: 129] وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: { أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } تفسير : [غافر: 35] ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها أمكنه الإكثار منها، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب. وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول: المعتبر في كل شيء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة، وأيضاً نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات. إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكناً ثم يصير متحركاً، ثم يسكن بعد ذلك، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد، والصفات متعاقبة متزايلة، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات، إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها، بقي ههنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة؟ فنقول لنا ها هنا مقامان: المقام الأول: أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود، وإن كانت ممنوعة، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي، ويكون ذلك الجسم مخالفاً لماهية سائر الأجسام فكان هو قديماً أزلياً واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه؟ فإن قالوا هذا باطل لأن القرآن دلّ على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوّة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به. والمقام الثاني: أن علماء الأصول أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والحقيقة، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لو كان إله العالم جسماً لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام، فيلزم كونه محدثاً مخلوقاً قابلاً للعدم والفناء قابلاً للتفرق والتمزق. وأما النقل فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كانت ذاته جسماً لكن ذلك الجسم مساوياً لسائر الأجسام في تمام الماهية، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلاً له، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث هي هي، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة أهل التوحيد في غاية القوة، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيداً عن معرفة الحقائق، فجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة. المسألة الثانية: في ظاهر هذه الآية إشكال، فإنه يقال المقصود منها نفي المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله، فإنه يقتضي نفي المثل عن مثله لا عنه، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى، وأجاب العلماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عنه، ويقول الرجل: هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال لي قال الشاعر: شعر : «ومثلي كمثل جذوع النخيل» تفسير : والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفياً عمن كان مشابهاً بسبب كونه مشابهاً له، فلأن يكون منتفياً عنه كان ذلك أولى، ونظيره قولهم: سلام على المجلس العالي، والمقصود أن سلام الله إذا كان واقعاً على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعاً عليه كان ذلك أولى، فكذا ههنا قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا اللفظ ساقطاً عديم الأثر، بل كان مفيداً للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلاً لمثل نفسه فقول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو مسمى باسم الشيء، وعندي فيه طريقة أخرى، وهي أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزّهاً عن المثل، وتقريره أن يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه، وهذا محال فإثبات المثل له محال، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساوياً لمثله في تلك الماهية ومبايناً له في نفسه، وما به المشاركة غير ما به المباينة. فتكون ذات كل واحد منهما مركباً وكل مركب ممكن، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو في نفسه واجب الوجود، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئاً بناءً على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود، فهذا ما يحتمله اللفظ. المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى: { أية : وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الروم: 27] يقتضي إثبات المثل فلا بد من الفرق بينهما، فنقول المثل هو الذي يكون مساوياً للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي يكون مساوياً له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفاً في تمام الماهية. المسألة الرابعة: قوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } يدل على كونه تعالى سامعاً للمسموعات مبصراً للمرئيات، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على ظاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلاباً يعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة، وذلك على الله محال، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز والجواب: الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في نفسه، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تموج ذلك الهواء. وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة، وهذا يدل على أن الرؤية حالة مغايرة لنفس ذلك الانطباع، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك التأثر، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعاً كان حصول السمع والبصر في حق الله ممتنعاً، فنقول ظاهر قوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } يدل على كونه سميعاً بصيراً فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر، والتأثر في حق الله تعالى ممتنع، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعاً، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه، فإن قال قائل قوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر، مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟ فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. أما قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فاعلم أن المراد من الآية أنه تعالى: فاطر السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا، والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فله مقاليد السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات مساوية له في المعبودية؟ فقوله {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } يريد مفاتيح الرزق من السمـٰوات والأرض، فمقاليد السمـٰوات الأمطار، ومقاليد الأرض النبات، وذكرنا تفسير المقاليد في سورة الزمر عند قوله { أية : يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ } تفسير : [الزمر: 52] لأن مفاتيح الأرزاق بيده {إِنَّهُ بِكُلّ شيْء } من البسط والتقدير {عَلِيمٌ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربيًّا بيّناه بلغة العرب. قيل: أي أنزلنا عليك قرآناً عربياً بلسان قومك؛ كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. والمعنى واحد. {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} يعني مكة. وقيل لمكة أم القُرَى لأن الأرض دُحيت من تحتها. {وَمَنْ حَوْلَهَا} من سائر الخلق. {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي بيوم الجمع، وهو يوم القيامة. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لا شك فيه. {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} ابتداء وخبر. وأجاز الكسائيّ النصب على تقدير: لتنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك، {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} أي: واضحاً جلياً بيناً {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} وهي مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: من سائر البلاد شرقاً وغرباً، وسميت مكة أم القرى؛ لأنها أشرف من سائر البلاد؛ لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: إن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: «حديث : والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» تفسير : هكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الزهري به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله عز وجل: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} وهو يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد. وقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك في وقوعه، وأنه كائن لا محالة، وقوله جل وعلا: {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ} كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} تفسير : [التغابن: 9] أي: يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله عز وجل: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } تفسير : [هود:103 ــــ 105] قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: «حديث : أتدرون ما هذان الكتابان؟»تفسير : قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم للذي في يمينه: «حديث : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، - ثم أجمل على آخرهم -، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم للذي في يساره: «حديث : هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً» تفسير : فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأي شيء نعمل إن كان هذا الأمر قد فرغ منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : سددوا وقاربوا؛ فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده فقبضها، ثم قال: «حديث : فرغ ربكم عز وجل من العباد ــــ ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال ــــ فريق في الجنة ــــ ونبذ باليسرى وقال ــــ فريق في السعير» تفسير : وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة عن الليث بن سعد وبكر بن مضر، كلاهما عن أبي قبيل عن شفي بن ماتع الأصبحي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر عن سعيد بن عثمان عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه، وعنده زيادات منها: ثم قال: حديث : فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله عز وجلتفسير : . ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث به، ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي قبيل عن شفي عن رجل من الصحابة رضي الله عنهم، فذكره. ثم روي عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح عن يحيى بن أبي أسيد: أن أبا فراس حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى لما خلق آدم نفضه نفض المزود، وأخرج منه كل ذريته، فخرج أمثال النغف، فقبضهم قبضتين، ثم قال: شقي وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما، فقال: فريق في الجنة، وفريق في السعير. وهذا الموقوف أشبه بالصواب، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، يعني: ابن سلمة، أخبرنا الجريري عن أبي نضرة قال: إن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه، يعني: يزورونه، فوجدوه يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني، قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن الله تعالى قبض بيمينه قبضة، وأخرى باليد الأخرى، قال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي» تفسير : فلا أدري في أي القبضتين أنا؟ وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جداً، منها حديث علي وابن مسعود وعائشة وجماعة جمة رضي الله عنهم أجمعين. وقوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً} أي: إما على الهداية، أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضل من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة، ولهذا قال عز وجل: {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وقال ابن جرير حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي سويد: أنه حدثه عن ابن حجيرة أنه بلغه: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب خلقك الذين خلقتهم جعلت منهم فريقاً في الجنة، وفريقاً في النار، لو ما أدخلتهم كلهم الجنة، فقال: يا موسى ارفع درعك، فرفع، قال: قد رفعت، قال: ارفع، فرفع، فلم يترك شيئاً، قال: يا رب قد رفعت، قال: ارفع، قال: قد رفعت، إلا ما لا خير فيه، قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة، إلا ما لا خير فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } مثل ذلك الإِيحاء { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنْذِرَ} تخوّف {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي أهل مكة وسائر الناس {وَتُنْذِرَ } الناس {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ } أي يوم القيامة تجمع فيه الخلائق {لاَ رَيْبَ } شك {فِيهِ فَرِيقٌ } منهم {فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال الضحاك أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. {وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فَِي رَحْمَتِهِ} قال أنس بن مالك: في الإسلام. {وَالْظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} يمنع {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفع.

التستري

تفسير : قوله: {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا}[7] قال: ظاهرها مكة، وباطنها القلب، ومِنْ حوله الجوارح. فأنذرهم لكي يحفظوا قلوبهم وجوارحهم عن لذة المعاصي واتباع الشهوات. قوله: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ}[7]، قال: أي يوم جمع أهل الأرض على ذكره، كجمع أهل السماوات. قوله: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}[7] قال: من غرس الشوك لا يجتني عنباً، فاصنعوا ما شئتم، فإن الطريق اثنان، فأي طريق منهما سلكتموه وردتم على أهله.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} يوم يجمع بين كل عامل وعمله. وقال بعضهم: يوم يجمع بين الأجساد والأرواح. قوله عز وعلا: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الآية: 7]. قال القاسم: فريق جرى عليهم حكم السعادة فى الأزل فمكنوا من محل السعداء وفريق جرى عليهم حكم الشقاوة فى الأزل فرُدوا إلى مكان الأشقياء والأزل يؤثر فى الآباد وإن كان لا أزال ولا أبد فى الحقيقة.

القشيري

تفسير : أنزلنا عليكَ قرآناً يُتْلَى بلغة بالعرب لتخوِّفَ به أهلَ مكة والذين حولَها. وجميعُ العالَم مُحْدِقٌ بالكعبة ومكة لأنها سُرَّةُ الأرضِ. {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} تنذرهم بيوم القيامة. والإنذارُ الإعلامُ بموضع المخافة. ويوم الجمع - وهو اليوم الذي يُجْمَعُ فيه الخَلْقُ كلُّهم، ويُجْمَعُ بين المرءِ وعمله، وبين الجسد وروحه وبين المرء وشكله في الخير والشرِّ - لا شكَّ في كَوْنه. وفي ذلك اليوم فريقٌ يُبْعَثُ إلى الجنة وفريقٌ يحصل في السعير. وكما أنهم اليومَ فريقان؛ فريق في راحة الطاعات وحلاوة العبادات، وفريق في ظلمة الشِّرْكِ وعقوبة الجحد.. فكذلك غداً؛ فريقٌ هم أهل اللقاء، وفريقٌ هم أهل الشقاء والبلاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك اوحينا اليك قرءآنا عربيا} ذلك اشارة الى مصدر اوحينا ومحل الكاف النصب على المصدرية وقرءآنا عربيا مفعول لأوحينا اى ومثل ذلك الايحاء البديع البين المفهم اوحينا اليك ايحاء لا لبس فيه عليك وعلى قومك (وقال الكاشفى) وهمجانكه وحى كرديم بهر بيغمبر بزبان قوم او ووحى كرديم بتو قرآنى بلغت عرب كه قوم تواند تاكه فهم حاصل شود {لتنذر أم القرى} اى لتخوف اهل مكة بعذاب الله على تقدير اصرارهم على الكفر والعرب تسمى اصل كل شىء بالام وسميت مكة ام القرى تشريفا لها واجلالا لاشتمالها على البيت المعظم ومقام ابرهيم ولما روى من أن الارض دحيت من تحتها فمحل القرى منها محل البنات من الامهات {ومن حولها} من العرب وهذا اى التبيين بالعرب لا ينافى عموم رسالته لأن تخصيص الشىء بالذكر لا ينافى حكم ما عداه وقيل من اهل الارض كلها وبذلك فسره البغوى فقال قرى الارض كلها وكذا القشيرى حيث قال العالم محدق بالكعبة ومكة لأنهما سرة الارض شعر : بس همه اهالئ بلاد برحوالى ويند تفسير : قال فى التأويلات النجمية يشير الى انذار نفسه الشريفة لانها ام قرى نفوس آدم واولاده لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى تعلقت القدرة بايجاده قبل كل شىء كما قال "حديث : اول ما خلق الله روحى ومنه تنشأ الارواح والنفوس" تفسير : ولهذا المعنى قال "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة" تفسير : فالمعنى كما يوحى اليك والى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم لينذروا الامم كذلك اوحينا قرءآنا عربيا لتنذر نفسك الشريفة بالقرءآن العربى لأن نفسك عربية ومن حولها من نفوس اهل العالم لأنها محدقة بنفسك الشريفة ولذلك قال تعالى {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين} تفسير : وقال عليه السلام "حديث : بعثت الى الخلق كافة" شعر : مه طلعتى كه برقدقددرش بريده اند ديباى قم فانذر واستبرق دنا تفسير : {وتنذر} اهل مكة ومن حولها {يوم الجمع} اى بيوم القيامة وما فيه من العذاب لأنه يجمع فيه الخلائق من الاولين والاخرين واهل السموات واهل الارض والارواح والاشباح والاعمال والعمال فالباء محذوف من اليوم كما قال لتنذر بأسا شديدا اى ببأس شديد كما قاله ابو الليث فيكون مفعولا به لا ظرفا كما فى كشف الاسرار وقد سبق غير ذلك فى حم المؤمن عند قوله تعالى {أية : لتنذر يوم التلاق} تفسير : {لا ريب فيه} اعتراض لا محل له اى لا بد من مجيىء ذلك اليوم وليس بمرتاب فيه فى نفسه وذاته لانه لا بد من جزآء العاملين من المنذرين والمنذرين واهل الجنة واهل النار وارتياب الكفار فيه لا يعتد به او لا شك فى الجمع انه كائن ولا بد من تحققه {فريق} وهم المؤمنون {فى الجنة وفريق} وهم الكافرون {فى السعير} اى النار سميت بهالالتها بها وذلك بعد جمعهم فى الموقف لأنهم يجمعون فيه اولا ثم يفرقون بعد الحساب والتقدير منهم فريق على أن فريق مبتدأ حذف خبره وجاز الابتدآء بالنكرة لأمرين تقديم خبرها وهو الجار والمجرور المحذوف ووصفها بقوله فى الجنة والضمير المجرور فى منهم للمجموعين لدلالة لفظ الجمع عليه فان المعنى يوم يجمع الخلائق فى موقف الحساب وفى التأويلات النجمية وتنذر يوم الجمع بين الارواح والاجساد لا شك فى كونه وكما أنهم اليوم فريقان فريق فى جنة القلوب وراحات الطاعات وحلاوات العبادات وتنعمات القربات وفريق فى سعير النفوس وظلمات المعاصى وعقوبات الشرك والجحود فكذلك غدا فريق هم اهل اللقاء فريق هم اهل الشقاء والبلاء وفى الحديث "حديث : ان الله خلق للجنة خلقا وهم فى اصلاب آبائهم" تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : ان الله خلق الخلق وقضى القضية واخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فاهل الجنة اهلها واهل النار اهلها" تفسير : وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفى يده كتابان وفى رواية حديث : خرج ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان فقال "اتدرون ما هذان الكتابان" قلنا لا يا رسول الله فقال للذى فى يده اليمنى "هذا كتاب من رب العالمين باسماء اهل الجنة واسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ان يستقروا نطفا فى الاصلاب وقبل ان يستقروا نطفا فى الارحام اذ هم فى الطينة منجدلون فليس بزآئد فيهم ولا بناقص منهم اجمال من الله عليهم الى يوم القيامة" فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل اذا فقال "اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل اهل الجنة وان عمل اى عمل وان صاحب النار يختم له بعمل اهل النار وان عمل اى عمل" ثم قال "فريق فى الجنة وفريق فى السعير" تفسير : عدل من الله تعالى قوله سددوا وقاربوا اى اقصدوا السداد اى الصواب ولا تفرطوا فتجهدوا انفسكم فى العبادة لئلا يفضى ذلك بكم الى الملال فتتركوا العمل كما فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى ونظيره قوله عليه السلام "حديث : ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين احد الا غلبه" تفسير : يعنى ان الدين يشتمل على اعمال سهلة فمن تكلف والتزم فى عبادات شاقة وتكلفات لربما لم يتيسر اقامتها عليها فتغلب عليه فالكسب طريق الجنة ولا بد منه وان علم أنه من اهل الجنة شعر : كسب راهمجون زراعت دان عمو تانكارى دخل نبود آن تو

الجنابذي

تفسير : {وَكَذَلِكَ} الوحى الّذى نوحى اليك فى علىٍّ (ع) او مطلقاً {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} قبل {قُرْآناً عَرَبِيّاً} بلسان العرب لا بلسان العجم او ذا حكمة وعلم ومواعظ واحكامٍ، لا اعرابيّاً لم يكن فيه حكمة ومواعظ واحكام {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} اهل امّ القرى {وَمَنْ حَوْلَهَا} من اهل الارض جميعاً، فانّ تمام الارض بالنّسبة الى عالم المثال تكون حول مكّة {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} لتنذر جميع الخلق من كلّ ما ينذر منه من امور الدّنيا وامور الآخرة وتنذر من يوم الجمع مخصوصاً وهو يوم القيامة لاجتماع الخلائق فيه {لاَ رَيْبَ فِيهِ} قد مضى بيان عدم الرّيب فى امثاله فى اوّل البقرة عند قوله تعالى لا ريب فيه {فَرِيقٌ} من المجتمعين {فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ} منهم {فِي ٱلسَّعِيرِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على دينٍ واحدٍ ومذهبٍ واحدٍ وارادةٍ واحدةٍ هى ارادة الطّاعة ولمّا كان مشيّته بحسب استعداداتهم ما شاء ذلك {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ} بحسب استعداده {فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} يتولّى اموره ويجذب خيراته {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفع الضّرّ عنه وينصره فى شدائده وقد مضى مكرّراً انّ النّبىّ (ص) بولايته ولىّ وبرسالته نصير، وغيّر الاسلوب اشعاراً بانّ الادخال فى الرّحمة من اوصافه تعالى الذّاتيّة وعقوبة الظّالم من عرضيّات رحمته الرّحمانيّة دون اوصافه الذّاتيّة.

الأعقم

تفسير : {وكذلك أوحينا إليك} أي كما أوحينا إلى الرسل أوحينا إليك {قرآناً عربياً} بلغة العرب {لتنذر أم القرى} يعني مكة، وسميت بذلك لأنها أفضل القرى، وقيل: لأنها أول بيت وضع، وأم كل شيء أصله {ومن حولها} أي لتنذر من حول مكة، قيل: المراد به العرب، وقيل: أراد به سائر الناس {وتنذر يوم الجمع} وهو يوم القيامة، وقيل: الإِنذار يوم الجمع إنذار بالفضيحة الذي تظهر {لا ريب فيه} أي لا شك {فريق في الجنة وفريق في السعير} وهو النار، وفي الجنة الأنبياء والمؤمنون وفي النار الكفار والفاسقون {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة}، قيل: لو شاء لجعلهم على دين واحد وهو الاسلام بأن يلجئهم اليه وإنما لم يفعل لأنه مزيل للتكليف وإنما التكليف والثواب والعقاب مع الاختيار ولو فعل ذلك لبطل الفرض، وقيل: لو شاء لجعل الفريقين فرقة واحدة بأن يجعلهم في الجنة لفعل ولكن اختار لهم أعلى الدرجتين وهو استحقاق الثواب {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} وهم المؤمنون {والظالمون ما لهم من ولي} يحفظهم {ولا نصير} يتولى نصرهم {أم اتخذوا من دونه أولياء} هذا استفهام، والمراد الإِنكار أي لا تتخذوا من دونه أولياء والله هو الولي عن أبي علي {فالله هو الولي} الذي يملك النفع والضر {وهو على كل شيء قدير} {وما اختلفتم فيه من شيء} من أمر الدين والكتاب والرسول فصدق بعضهم وكذب بعضهم والخطاب للأمة، وقيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا وقع بينك وبين الكفار خلاف {فحكمه إلى الله}، قيل: يضاف الصواب إليه بنص الدلالة، وقيل: يحكم للمحق بالثواب والمدح وللمبطل بالعقاب والذم، وقيل: يحكم يوم القيامة ويجازي كل أحد بما يستحقه {ذلكم الله ربي عليه توكّلت}، قيل: هذا وعيد {وإليه أنيب} أي إلى حكمه المرجع والإِنابة {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ومبتدئهما {جعل لكم} أي خلق لكم {من أنفسكم أزواجاً}، قيل: من جنسكم، وقيل: المراد حواء خلقت من ضلع آدم {ومن الأنعام أزواجاً} ذكراً وأنثى {يذرؤكم فيه} أي يخلقكم فيه، قيل: في الرحم، وقيل: في البطن {ليس كمثله شيء} أي ليس مثله شيء فادخل الكاف، والمثل تأكيداً لنفي السنة على التحقيق والتقدير {وهو السميع} العليم بجميع المسموعات {البصير} {له مقاليد السماوات والأرض}، قيل: جوانبهما وأحدهما اقليد، وقيل: مفاتحهما وإنما هو مفتاح الرزق {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يوضع على من يشاء {إنه بكل شيء عليم شرع لكم من الدين}، قيل: فرض، وقيل: بيَّن {ما وصّى به نوحاً} أي أمر الأنبياء به، وقيل: شرع لعباده من الدين ما تعبَّد به أنبياؤه، واختلفوا في المراد بالدين قيل: التوحيد والعدل فإن ذلك لا يختلف، وقيل: أراد الإِقرار بالله والطاعة له، والقيام بعبادته وشكره على نعمه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ما وصى به نوحاً (عليه السلام) {والذي أوحينا إليك} ثم فسره فقال: {أن أقيموا الدين} وإقامته اعتقاده والعمل به {ولا تتفرقوا فيه}، قيل: لا تتفرقوا في الدين فتعتقد كل طائفة شيئاً فإن الحق واحد {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} أي عظم عليهم ما دعوتموهم اليه من توحيد الله وخلع الأنداد {الله يجتبي} من رسله إليه أي ليس اليهم الاختيار لأن الله {يجتبي} لرسالته {من يشاء} واختارك كما اختار موسى ومن قبله ومن بعده من الأنبياء {ويهدي إليه من ينيب} أي من يرجع إلى ربه في إخلاص دينه.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي ايحاء ثابتاً كذلك الايحاء أو ايحاء مثل ذلك الايحاء* {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً} مفعول أوحينا وان أرجعنا الاشارة الى معنى الآية المتقدمة لتكرره في القرآن فالكاف اسم مفعول لأوحينا وقرآنا حال منه وقيل المعنى كما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه أوحينا اليك قرآنا* {عَرَبِيّاً} بلسان العرب تفهمه ويفهمونه* {لِّتُنذِرَ} تخوف ولا تجاوز الانذار وقرئ بالياء فالضمير للقرآن وهو تارة يتعدى الواحد كما هنا وهذا الواحد قوله* {أُمَّ الْقُرَى} يعني مكة صانها الله ويقدر مضاف أي أهل أم القرى {وَمَنْ حَوْلَهَا} من العرب وقيل المراد ناس قرى الارض كلها ويقدر الثاني مجروراً بالحرف أي لتنذرن بالقرآن أو بالآخرة أو بالعذاب وتارة يتعدى الاثنين كقوله تعالى {وَتُنذِرَ} وقرئ بالياء فالضمير للقرآن* {يَوْمَ الْجَمْعِ} يوم القيامة يجمع فيه الخلق والأرواح والاجساد والاعمال والعمال وهو المفعول الثاني والاول مقدر حذف للتهويل أي وتنذرهم ويجوز كون (تنذر) الاول متعديا لاثنين ويقدر الثانى أي لتنذر أم القرى ومن حولها عذاب الآخرة أو نحو هذا* {لاَ رَيْبَ} أي شك* {فِيهِ} أي في يوم الجمع وقيل في الجمع. قال القاضي تبعاً للزمخشرى على عادته: ان الجملة المعترضة لا محل لها ولم يظهر له وجه الا ان قلنا الجملة بعد هذه حال من الضمير المقدر أي يوم جمعهم أو الجمع لهم أو المستتر على القول باستتار الضمير في المصدر أو من الناس المحذوف والحال مقدرة {فَرِيقٌ} مبتدأ سوغ الابتداء به التقسيم أو التنويع وخبره* {فِي الْجَنَّةِ} وكذا* {وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} أي النار ورابط الحال محذوف أي فريق منهم وهذا نعت مسوغ أيضاً وقيل الخبر محذوف أي منهم فريق والمعنى يجمعهم مقدراً كون بعضهم في الجنة وكون بعضهم في السعير والضمير للمجموعين والجمع يدل عليه وقرئ بنصب (فريق) على الحال المقدرة أو لمعنى يجمعهم في ذلك اليوم مفترقين في مسجدين ويجمعهم في الموقف مشارفين ومقاربين للتفرقة والموافق للصناعة ما مر. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص: "حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضاً على كفيه ومعه كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؛ قلنا لا يا رسول الله فقال الذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الاصلاب وقبل أن يستقروا نطفاً في الارحام اذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم اجمالاً من الله عليهم الى يوم القيامة، ثم قال الذي في يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الاصلاب وقبل أن يستقروا نطفاً في الارحام اذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم اجمالاً من الله عليهم الى يوم القيامة"تفسير : ، فقال عبدالله بن عمرو ففيم العمل اذا قال اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وان عمل أي عمل وان صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وان عمل أي عمل ثم قال فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله وفي قوله (يده اليمنى ويساره) التفات (سكاكي) ومقتضى الظاهر في يدي اليمنى وفي يساري

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ أوحينا إليْك قُرآناً عَربيا} أوحينا إليك القرآن مثل الايحاء الى من قبلك، أو أوحينا اليك قرآنا عربياً، كما أوحينا إليك غيره، أو أوحينا إليك هذه السورة العربية، كما أوحينا إليك غيرها، وقيل: الاشارة الى معنى قوله: {أية : الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل}تفسير : [الشورى: 6] على أن الكاف مفعول به لأوحينا، وقرآنا حال منها،أو الى لفظ الله حفيظ الخ، والموحى يطلق على المعنى وعلى اللفظ، وهو الأصل، إلا أن بين اللفظ والمعنى مقاربة قوية، حتى أنه ينسب لأحدهما ما للأخر. {لتُنْذر أم القُرى} مجاز بالحذف، أى أهل أم القرى، أو تجوز فى النسبة الايقاعية لعلاقة الحلول، وهى مكة، سميت لأنها دحيت الأرض منها، أو هى أم لما حولها من القرى، لأنها حدثت قبلها، لا قرى الدنيا كلها {ومَنْ حَولَها} من العرب، لأن السورة مكية، وهم أقرب اليه محلا ونسبا، فهم أول من ينذر، ولدفع ما يتوهم أنه يشفع لهم، ولو بقوا على الاشراك لفضل مكة وقربهم محلا ونسبا، ومن استحق الانذار مكلف، وقيل: من حولها جميع أهل الأرض، وهى وسطها، ويرده تخالف الطول والعرض، وأما من حيث العمران، فعمران الشمال أكثر من معمور الجنوب. {وتُنُذر يوم الجَمع} والانذار يتعدى لاثنين، حذف الثانى من الجملة الأولى، أى لتنذر أم القرى يوم الجمع، وحذف من الجملة الثانية المفعول الأول، أى وتنذر من حولها يوم الجمع، حذف من كل واحد ما ثبت فى الآخر بطريق الاحتباك، وقد يتعدى الى الثانى بالباء، أو يقدر المحذوف عاما، فالحذف للعموم أى لتنذر أم القرى كل مخوف من الدنيا والآخرة، وتنذر كل أحد يوم الجمع، ومعنى الجمع جمع الخلق كما قال الله عز وجل: " أية : يوم يجمعكم ليوم الجمع" تفسير : [التغابن: 9] وقيل: جمع الأرواح والأشباح، أى الأجساد، وقيل: جمع الأعمال والعمال. {لا ريْبَ فيه} حال من يوم أو مستأنف، وكأنه قيل: فما حالهم بعد جمعهم فى الموقف؟ فقال: {فريقٌ} مبتدأ حذف نعته، أى فريق منهم {في الجنَّة} خبر {وفريقٌ} منهم {في السَّعِير} أو خبر لمحذوف، أى هم فريق فى الجنة، وفريق فى السعير، أو ومنهم فريق فى السعير، روى أحمد فى مسنده، " حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفه، ومعه كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟" قلنا: لا يا رسول الله قال للذى فى يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم، وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا فى الأرحام، إذ هم فى الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم إجمالا عليهم الى يوم القيامة" ثم قال للذي في يساره: "هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقروا نطفا فى الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا فى الأرحام إذ هم فى الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله تعالى عليهم الى يوم القيامة" فقال عبد الله بن عمرو: فيم العمل إذن؟ قال: "اعملوا وسددوا وقاربوا فان صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وان عمل أى عمل ثم قال: {فريق في الجنة وفريق في السعير} عدل من الله تعالى" وفى رواية: "وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار وأن عمل أى عمل" ".

الالوسي

تفسير : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} ذلك إشارة إلى مصدر {أَوْحَيْنَآ} ومحل الكاف ـ على ما ذهب إليه الأخفش من ورودها اسماً ـ النصب على المصدرية و {قُرْآناً} مفعول لأوحينا أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البين المفهوم أوحينا إليك قرآناً عربياً لا لبس فيه عليك ولا على قومك، وقيل: إشارة إلى ما تقدم من {أية : ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} تفسير : [الشورى: 6] فالكاف مفعول لأوحينا {قُرْآناً عَرَبِيّاً} حال من المفعول به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربـي، وجوز نصبه على المدح أو البدلية من {كَذَلِكَ}، وقيل: أولى من هذا أن يكون إشارة إلى معنى الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ عليهم وأنه عليه الصلاة والسلام نذير فحسب لأنه أتم فائدة وأشمل عائدة ولا بد عليه من التجوز في {قُرْآناً عَرَبِيّاً} إذ لا يصح أن يقال أوحينا ذلك المعنى وهو قرآن عربـي لأن القرآنية والعربية صفة اللفظ لا المعنى لكن أمره سهل لقربه من الحقيقة لما بين اللفظ والمعنى من الملابسة القوية حتى يوصف أحدهما بما يوصف به الآخر مع ما في المجاز من البلاغة. {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي أهل أم القرى على التجوز في النسبة أو بتقدير المضاف والمراد بأم القرى مكة، وسميت بذلك على ما قال الراغب لما روي أنه دحيت الدنيا من تحتها فهي كالأصل لها والأم تقال لكل ما كان أصلاً لشيء، وقد يقال: هي أم لما حولها من القرى لأنها حدثت قبلها لا كل قرى الدنيا، وقد يقال لبلد: هي أم البلاد باعتبار احتياج أهالي البلاد إليها {وَمَنْ حَوْلَهَا} من العرب على ما ذهب إليه كثير وخص المذكورون بالذكر لأن السورة مكية وهم أقرب إليه عليه الصلاة والسلام وأول من أنذر أو لدفع ما يتوهم من أن أهل مكة ومن حولها لهم طمع في شفاعته صلى الله عليه وسلم وإن لم يؤمنوا لحق القرابة والمساكنة والجوار فخصهم بالإنذار لإزالة ذلك الطمع الفارغ، وقيل: {مَنْ حَوْلَهَا} جميع أهل الأرض واختاره البغوي وكذا القشيري وقال: لأن الكعبة سرة الأرض والدنيا محدقة بما هي فيه أعني مكة. وهذا عندي لا يكاد يصح مع قولهم: إن عرضها كأم وطولها عز وإن المعمور في جانب الشمال أكثر منه في جانب الجنوب. {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي يوم القيامة لأنه يجمع فيه الخلائق قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} تفسير : [التغابن: 9] وقيل: تجمع فيه الأرواح والأشباح، وقيل: الأعمال والعمال. والإنذار يتعدى إلى مفعولين وقد يستعمل ثانيهما بالباء وقد حذف هٰهنا ثاني مفعولي الأول وهو {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} والمراد به عذابه وأول مفعولي الثاني وهو {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} فقد حذف من الأول ما أثبت في الثاني ومن الثاني ما أثبت في الأول وذلك من الاحتباك. وقال جار الله: الأول عام في الإنذار بأمور الدنيا والآخرة ثم خص بقوله تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} يوم القيامة زيادة في الإنذار وبياناً لعظمة أهواله لأن الإفراد بالذكر يدل عليه وكذلك إيقاع الإنذار عليه ثانياً / والظاهر عليه أن حذف المفعول الثاني من الأول لإفادة العموم وإن كان حذف الأول من الثاني لذلك أيضاً وتنذر كل أحد يوم الجمع، وقيل: {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} ظرف فيكون المفعولان محذوفين وقرىء {لينذر} بياء الغيبة على أن الفاعل ضمير القرآن لعدم حسن الالتفات هٰهنا {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض في آخر الكلام مقرر لما قبله ويحتمل الحالية من {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أو الاستئناف. {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} أي بعد جمعهم في الموقف فإنهم يجمعون فيه أولاً ثم يفرقون بعد الحساب، {وَفَرِيقٌ} مبتدأ و{فِي ٱلْجَنَّةِ} صفته والخبر محذوف وكذا {فَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} أي منهم فريق كائن في الجنة ومنهم فريق كائن في النار، وضمير منهم للمجموعين لدلالة الجمع عليه، وجملة المبتدأ والخبر استئناف في جواب سؤال تقديره ثم كيف يكون حالهم؟ أو حال ولا ركاكة فيه؛ واشتراط الواو فيه غير مسلم، وجوز كون {فَرِيقٌ} فاعلاً للظرف المقدر، وفيه ضعف، وكونه مبتدأ والظرف المقدر في موضع الصفة له و {فِي ٱلْجَنَّةِ} خبره أي فريق كائن منهم مستقر في الجنة، وكونه مبتدأ خبره ما بعده من غير أن يكون هناك ظرف مقدر واقع صفة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها في سياق التفصيل والتقسيم كما في قوله:شعر : فثوب لبست وثوب أجر تفسير : وكونه خبر مبتدأ محذوف أي المجموعون فريق الخ. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {فريقاً ...وفريقاً} بنصبهما فقيل: هو على الحال من مقدر أي افترقوا أي المجموعون فريقاً وفريقاً أو من ضمير جمعهم المقدر لأن أل قامت مقامه أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين وهو من مجاز المشارفة أي مشارفين للتفرق أو الحال مقدرة فلا يلزم كون افتراقهم في حال اجتماعهم أو يقال إن اجتماعهم في زمان واحد لا ينافي افتراق أمكنتهم كما تقول: صلوا في وقت واحد في مساجد متفرقة فالمراد متفرقين في داري الثواب والعقاب، وإذا أريد بالجمع جمع الأرواح بالأشباح أو الأعمال بالعمال لا يحتاج إلى توفيق أصلاً، وجوز كون النصب بتنذر المقدر أو المذكور والمعنى تنذر فريقاً من أهل الجنة وفريقاً من أهل السعير لأن الإنذار ليس في الجنة والسعير ولا يخفى تكلفه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : كذلك يُوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله } تفسير : [الشورى: 3] الخ باعتبار المغايرة بين المعطوفة والمعطوف عليها بما في المعطوفة من كون المُوحَى به قرآناً عربيّاً، وما في المعطوف عليها من كونه من نوع ما أوحي به إلى الذين من قبله. والقول في {وكذلك أوحينا} كالقول في { أية : كذلك يوحِي إليك } تفسير : [الشورى: 3]. وإنّما أعيد {وكذلك أوحينا} ليبنى عليه {قرآناً عربياً} لِما حجز بينهما من الفصل وأصل النظم: كذلك يوحي إليك الله العزيز الحكيم قرآناً عربياً مع ما حصل بتلك الإعادة من التأكيد لتقرير ذلك المعنى أفضل تقرير. والعدول عن ضمير الغائب إلى ضمير العظمة التفات. وفي هذا إشارة إلى أنه لا فرق بين ما أوحي إليك وما أوحي إلى مَن قبلك، إلا اختلاف اللّغات كما قال تعالى: { أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } تفسير : [إبراهيم: 4]. والقرآن مصدر: قرأ، مثل: غُفران وسُبحان، وأطلق هنا على المقروء مبالغة في الاتصاف بالمقروئية لكثرة ما يقرأه القارئون وذلك لحسنه وفائدته، فقد تضمن هذا الاسم معنى الكمال بين المقروءات. و{عربياً} نسبة إلى العربية، أي لغة العرب لأنّ كونه قرآناً يدلّ على أنه كلام، فوصفه بكونه {عربياً} يفيد أنه كلام عربي. وقوله: {لتنذر أم القرى ومن حولها} تعليل لــ{أوحينا إليك قرآناً عربياً} لأن كونه عربيّاً يليق بحال المنذَرين به وهم أهل مكّة ومَن حولها، فأولئك هم المخاطبون بالدِّين ابتداء لما اقتضته الحكمة الإلٰهية من اختيار الأمة العربية لتكون أوّل من يتلقّى الإسلام وينشره بين الأمم، ولو روعي فيه جميع الأمم المخاطبين بدعوة الإسلام لاقتضى أن ينزل بلغات لا تُحصى، فلا جرم اختار الله له أفضل اللّغات واختار إنزاله على أفضل البشر. و{أم القرى} مكّة، وكنيت: أم القرى لأنها أقدم المدن العربية فدعاها العرب: أم القرى، لأن الأم تطلق على أصل الشيء مثل: أم الرأس، وعلى مرجعه مثل قولهم للراية: أم الحرب، وقولهم: أم الطريق، للطريق العظيم الذي حوله طرق صغار. ثم إن إنذار أم القرى يقتضي إنذار بقية القُرى بالأحرى، قال تعالى: { أية : وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً } تفسير : [القصص: 59]، وتقدم في قوله تعالى: {ولتنذر أم القرى} في سورة الأنعام (92). والمراد: لتنذر أهلَ أمّ القُرى، فأطلق اسم البلد على سكانه كقوله تعالى: { أية : واسألْ القريةَ } تفسير : [يوسف: 82]. وأهل مكّة هم قريش، وأما من حولها فهم النازلون حولها من القبائل مثل خُزاعة وكنانة، ومن الذين حولها قريشٌ الظواهر وهم الساكنون خارج مكة في جبالها. والاقتصار على إنذار أمّ القُرى ومن حولها لا يقتضي تخصيص إنذار الرّسول صلى الله عليه وسلم بأهل مكة ومَن حولها، ولا تخصيص الرّسول صلى الله عليه وسلم بالإنذار دون التبشير للمؤمنين لأن تعليل الفعل بعلة باعثه لا يقتضي أن الفعل المعلّل مخصص بتلك العلّة ولا بمتعلِّقاتها إذ قد يكون للفعل الواحد عللُ باعثة فإن الرّسول صلى الله عليه وسلم بُعث للنّاس كافة، كما قال تعالى: { أية : وما أرسلناك إلا كافّة للنّاس بشيراً ونذيراً } تفسير : [سبأ: 28]. والاقتصار هنا على إنذار أهل مكّة ومَن حولها لأنهم المقصود بالردّ عليهم لإنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وانتصب {أم القرى} على المفعول به لِفعل {تنذر} بتنزيل الفعل منزلة المعدَّى إلى مفعول واحد إذ لم يذكر معه المنذَر منه وهو الذي يكون مفعولاً ثانياً لفعل الإنذار. لأنّ (أنذر) يتعدّى إلى مفعولين كقوله تعالى: { أية : فقل أنذرتكم صاعقةً } تفسير : [فصلت: 13]، وفي حديث الدجال: « حديث : مَا من نبيء إلاّ أنذَر قومَه »تفسير : . فالمعنى: لتنذر أهل القرى ومن حولها ما يُنذرونه من العذاب في الدّنيا والآخرة. وقولُه: {وتنذر يوم الجمع} أعيد فعل {تنذر} لزيادة تهويل أمر يوم الجمع لأن تخصيصه بالذكر بعد عموم الإنذار يقتضي تهويله، ولأن تعدية فعل {وتنذر} إلى {يوم الجمع} تعدية مخالفة لإنذار أم القرى لأن {يوم الجمع} مفعول ثان لفعل {وتنذر}، أي وتنذر الناس يوم الجمع، فمفعول {وتنذر} الثاني هو المنذر به ومفعول {لتنذر} الأول هو المنذر. وانتصب {يوم الجمع} على أنّه مفعول ثانٍ لفعل {تنذر} وحذف مفعوله الأول لدلالة ما تقدم عليه، أي وتنذرهم، {أي أهل أم القرى} يومَ الجمع بالخصوص كقوله { أية : وأنذرهم يوم الآزفة } تفسير : [غافر: 18]. ويومُ الجمع: يومُ القيامة، سمي {يوم الجمع} لأن الخلائق تُجمَع فيه للحساب، قال تعالى: { أية : يوم يجمعكم ليوم الجمع } تفسير : [التغابن: 9]. والجمع مصدر، ويجوز أن يكون اسماً للمجتمعين كقوله تعالى: { أية : هذا فَوْجٌ مقتحمٌ معكم } تفسير : [ص: 59]، أي يوم جماعة النّاس كلهم. وجملة {فريق في الجنة} مستأنفة استئنافاً بيانياً، وعطفت عليها جملة {وفريق في السعير} فكان الجملتان جواباً لسؤال سائل عن شأن هذا الجمع إن كان بمعنى المصدر. فقيل: فريق في الجنّة وفريق في السعير، أي فريق من المجموعين بهذا الجمع في الجنّة وفريق في السعير، أو لسؤال سائل عن حال هذا الجمع إن كان الجمعُ بمعنى المجموعين. والتقدير: فريق منهم في الجنّة وفريق منهم في السعير. وتقدم السعير عند قوله تعالى: { أية : كُلَّمَا خبت زدناهم سعيراً } تفسير : في سورة الإسراء (97). وسوغ الابتداء بــ {فريق} وهو نكرة لوقوعها في معرض التفصيل كقول امرىء القيس: شعر : فأقبلتُ زحفاً على الركبتين فثوبٌ لبِستُ وثوبٌ أَجُرّ تفسير : وجملة {لا ريب فيه} معترضة بين البيان والمبيَّن. ومعنى {لا ريب فيه} أن دلائله تنفي الشك في أنه سيقع فنزّل ريب المرتابين في منزلة العدم لأن موجبات اليقين بوقوعه بينة كقوله تعالى: { أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه } تفسير : في سورة البقرة (2). وظرفية الريب المنفي في ضمير اليوم في قوله: {لا ريب فيه} من باب إيقاع الفعل ونحوه على اسم الذات، والمراد: إيقاعه على بعض أحوالها التي يدل عليها المقام مثل { أية : حُرِّمت عليكم الميتة } تفسير : [المائدة: 3]، أي أكلُها، أي لا ريبَ في وقوعه. وجملة {فريق في الجنة} الخ معترضة و{فريق} خبر مبتدأ محذوف على طريقة الحذف المتابع فيه الاستعمال كما سماه السكاكي، أي هم فريق في الجنّة الخ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً}. وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 194ـ195]، وفي الزمر في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} تفسير : [الزمر: 28] وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا}. خص الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إنذاره، صلى الله عليه وسلم بأم القرى ومن حولها، والمراد بأم القرى مكة حرسها الله. ولكنه أوضح في آيات أخر أن إنذاره عام لجميع الثقلين كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158] وقوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] الآية. كما أوضحنا ذلك مراراً في هذا الكتاب المبارك. وقد ذكرنا الجواب عن تخصيص أم القرى ومن حولها هنا وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 92] الآية، في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، فقلنا فيه: والجواب من وجهين: الأول: أن المراد بقوله: {أية : وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 92] شامل لجميع الأرض، كما رواه ابن جرير وغيره، عن ابن عباس. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً، أن قوله {أية : وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 92] لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرسها الله، كجزيرة العرب مثلاً، فإن الآيات الأخر، نصت على العموم كقوله {أية : لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وذكر بعض أفراد العام بحكم العام، لا يخصصه عند عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور. وقد قدمنا ذلك واضحاً بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم، كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى اهـ منه. قوله تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيه}. تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أن من حكم إيحائه تعالى، إلى نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العربي، إنذار يوم الجمع، فقوله تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} معطوف على قوله: {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي لا بد أن تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع فحذف في الأول، أحد المفعولين وحذف في الثاني أحدهما، فكان ما أثبت في كل منهما، دليلاً على ما حذف في الثاني، ففي الأول حذف المفعول الثاني، والتقدير "لتنذر أم القرى" أي أهل مكة ومن حولها، عذاباً شديداً إن لم يؤمنوا، وفي الثاني حذف المفعول الأول، أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة أي تخوفهم مما فيه من الأهوال، والأوجال ليستعدوا لذلك في دار الدنيا. والثاني: أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه، أي لا شك في وقوعه، وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، جاءا موضحين في آيات أخر. أما تخويفه الناس يوم القيامة، فقد ذكر في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} تفسير : [غافر: 18] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 17ـ18]: وقوله تعالى: {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 4ـ6] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأما الثاني منهما: وهو كون يوم القيامة لا ريب فيه فقد جاء في مواضع أخركقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [النساء: 87] وقوله {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [آل عمران: 25] وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} تفسير : [الحج: 7] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَة} تفسير : [الجاثية: 32] الاية. إلى غير ذلك من الآيات. وإنما سمي يوم القيامة يوم الجمع، لأن الله يجمع فيه جميع الخلائق. والآيات الموضحة لهذا المعنى، كثيرة كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الواقعة: 49ـ50] وقوله تعالى: {أية : هذا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المرسلات: 38]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [النساء: 87] الآية. وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ} تفسير : [التغابن: 9] وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103] وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 25] وقوله تعالى: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47]. وقد بين تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 38]، والآيات الدالة على الجمع المذكورة كثيرة. قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله خلق الخلق، وجعل منهم فريقاً سعداء، وهم أهل الجنة، وفريقاً أشقياء وهم أصحاب السعير، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} تفسير : [هود: 118ـ119] أي ولذلك الاختلاف، إلى المؤمن وكافر وشقي وسعيد، خلقهم على الصحيح، ونصوص الوحي الدالة على ذلك كثيرة جداً. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين قوله: {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} على التفسير المذكور، وبين قوله {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة الذاريات. وقد قدمنا معنى السعير بشواهده العربية في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 4]، والجنة في لغة العرب البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى: شعر : كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا تفسير : فقوله: جنة سحقا، يعني بستاناً طويل النخل، وفي اصطلاح الشرع هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه يوم القيامة. والفريق: الطائفة من الناس، ويجوز تعدده إلى أكثر من اثنين، ومنه قول نصيب: شعر : فقال فريق القوم لا، وفريقهم نعم وفريق قال ويحك ما ندري تفسير : والمسوغ للابتداء بالنكرة في قوله: فريق في الجنة، أنه في معرض التفصيل. ونظيره من كلام العرب قول امرئ القيس: شعر : فلما دنوت تسديتها فثوب نسيت وثوب أجر

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 7- ومثل ذلك الإيحاء البيِّن أوحينا إليك قرآناً عربياً لا لبس فيه، لتنذر أهل مكة ومن حولها من العرب، وتنذر الناس عذاب يوم يجمع الله فيه الخلائق للحساب، لا ريب فى مجيئه، الناس فيه فريقان: فريق فى الجنة، وفريق فى السعير. 8- ولو شاء الله أن يجمع الناس فى الدنيا على طريقة واحدة لجمعهم، ولكن يدخل من يشاء فى رحمته، لعلمه أنهم سيختارون الهدى على الضلالة، والظالمون أنفسهم بالكفر ليس لهم من دون الله ولى يتكفل بحمايتهم، ولا نصير يُنقذهم من عذاب الله. 9- هؤلاء الظالمون لم يتخذوا الله ولياً، بل اتخذوا غيره أولياء، وليس لهم ذلك، فالله - وحده - الولى بحق إن أرادوا ولياً، وهو يحيى الموتى للحساب، وهو المسيطر بقدرته على كل شئ. 10- والذى اختلفتم فيه من الإيمان والكفر فالحكم الفصل فيه مفوض إلى الله، وقد بينه ذالكم الحاكم فيما اختلفتم فيه الله مالك أمري، عليه اعتمدت في أموري، وإليه - وحده - أرجع مسترشداً . 11- مُبدع السموات والأرض، خلق لكم من جنسكم أزواجاً ذكوراً وإناثاً، وخلق من الأنعام من جنسها أزواجاً كذلك، يكثِّركم بهذا التدبير المحكم، ليس كذاته شئ، فليس له شئ يزاوجه، وهو المدرك - إدراكاً كاملاً - لجميع المسموعات والمرئيات بلا تأثر حاسة. 12- له مقاليد السموات والأرض حفظاً وتدبيراً، يوسع الرزق لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، إنه - تعالى - محيط علمه بكل شئ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكذلك أوحينا إليك: أي ومثل ذلك الإِيحاء إليك وإلى من قبلك أوحينا إليك. قرآنا عربياً: أي بلسان عربي. لتنذر أم القرى ومن حولها: أي علة الإِيحاء هي إنذارك أهل أم القرى مكة ومن حولها من القرى أي تخوفهم عذاب الله إنْ بقوا على الشرك. وتنذر يوم الجمع: أي وتنذر الناس من يوم القيامة إذ هو يوم يجمع الله فيه الخلائق. لا ريب فيه: أي لا شك في مجيئه وجمع الناس فيه. فريق في الجنة: أي المؤمنون المتقون. وفريق في السعير: أي الكافرون. ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة: أي على دين الإِسلام وبذلك يكون الجميع في الجنة. ولكن يدخل من يشاء في رحمته: أي في الإِسلام أولا ثم في الجنة ثانياً. والظالمون مالهم من ولي ولا نصير: أي المشركون ليس لهم من ولي يتولاهم ولا نصير ينصرهم فهم في النار. أم اتخذوا من دون الله أولياء: أي بل اتخذوا من دونه تعالى شركاء أَلَّهوُهُم من دون الله. فالله هو الولي: أي الولي الحق ومن عداه فلا تنفع ولايته ولا تضر. معنى الآيات: قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي ومثل ذلك الإِيحاء الذي أوحينا إليك وإلى الذين من قبلك أوحينا إليك قرآنا عربياً أي بلسان عربي يفهمه قومك لأنه بلسانهم لتنذر به أي تخوف أم القرى ومن حولها من الناس عاقبة الشرك والكفر والظلم والفساد وتنذر أيضا الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة فإنه يوم هول عظيم وشر مستطير ليتوقوه بالإِيمان والتقوى. إنه يوم يكون فيه الناس والجن فريقين لا ثالث لهما: فريق في الجنة بإِيمانه وتقواه لله بفعل أوامره وترك نواهيه، وفريق في السعير بشركه وكفره بالله وعدم تقواه فلا امتثل أمراً ولا اجتنب نهياً. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي في الدنيا على دين الإِسلام الذي هو دين آدم فنوح فإبراهيم فسائر الأنبياء موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. إذ هو عبارة عن الإِيمان بالله وبما أمر الله بالإِيمان به، والانقياد لله ظاهراً وباطنا بفعل محابه تعالى وترك مكارهه ولو كانوا في الدنيا على ملة الإِسلام لكانوا في الآخرة فريقا واحداً وهو فريق الجنة ولكن لم يشأ ذلك لحكم عالية فهو تعالى يدخل من يشاء في رحمته في الدنيا وهي الإِسلام وفي الآخرة هي الجنة، والظالمون أي المشركون الذين رفضوا التوحيد والإِسلام لله مالهم من ولي ولا نصير فهم إذا في عذاب السعير. وقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} أي الظالمون من دون الله أولياء من دون الله ليشفعوا لهم جهلا منهم بأنه لا يشفع أحد إلا بإذن الله ورضاه فعلوا ذلك وما كان لهم ذلك لأن الولي الحق هو الله فلم لا يتخذونه وليا، وهو الولي الحميد وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير فمن أحق بأن يُتَولىَّ من يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير أم من لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، والجواب معلوم، ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بإثبات الوحي الإِلهي. 2- شرف مكة بتسميتها أم القرى أي أم المدن والحواضر. 3- مشروعية التعليل للأفعال والأحكام. 4- إنقسام الناس يوم القيامة إلى سعيد وشقي لا غير. 5- لم يشأ الله أن يجعل الناس أمة واحدة لحكم عالية علمها إليه سبحانه وتعالى. 6- من طلب ولاية غير الله هلك؟ ومن والى الله دون من سواه كفاه الله ما أهمه في دنياه وأخراه.

د. أسعد حومد

تفسير : {قُرْآناً} (7) - وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَأَرْسَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى قَوْمِهِ لِيَسْتَطِيعَ دَعْوَتَهُمْ إِلَى اللهِ بِلُغَتِهِمْ وَلِسَانِهِمْ، وَلِيَفْهَمُوا مِنْهُ مَعَانِي مَا يُرِيدُ إِبْلاَغَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، كَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً وَاضِحاً جَلِيّاً مُنَزَّلاً بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لُغَةِ قَوْمِكَ لِتُنْذِرَ أَهْلَ مَكَةَ (أُمَّ القُرَى)، وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَتُحَذِّرَهُمْ عِقَابَ اللهِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الخَلاَئِقَ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ يَوْمٌ وَاقِعٌ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ رَيْبَ، فَيجْزِي الكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ بِمَا اجْتَرَحُوا مِنَ الإِثْمِ والسَّيِّئَاتِ، وَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَيُقْذَفُونَ فِيهَا قَذْفاً، وَيَجْزِي المُحْسِنِينَ بِالجَنَّةِ. يَوْمَ الجَمْعِ - يَوْمَ القِيَامَةِ وَسُمِّيَ كَذِلِكَ لأَِنَّ اللهَ يَجْمَعُ فِيهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِلْحِسَابِ. أُمَّ القُرَى - مَكَّةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى (كذلك) أي: كهذا الوحي الذي سبق {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الشورى: 7] سُمي قرآناً لأنه مقروء، وسُمِّي الكتاب لأنه مكتوب مُسطر في كتاب، ووصِف بأنه عربي لأنه بحروف وبلسان عربي مبين، وعربي منسوب إلى العرب، وقلنا: إن اللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وأنها بنت المحاكاة، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان. وليست اللغة جنساً ولا دماً، بدليل أن الولد العربي لو عاش في بيئة أجنبية يتكلم نفس لغتها، لأن اللغة تقليد ومحاكاة تعتمد على التلقِّي والتقليد، حتى في لغتك التي تتكلم بها يطرأ عليك اللفظ فلا تعرف معناه، لماذا؟ لأنك لم تسمعه من قبل. لذلك نقول: إن التلقين في اللغة دليل على صدق الحق سبحانه فيما قال: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31] فالله تعالى هو أول معلم للبشر، وإلا فمَنْ علَّم آدم الأسماء والحروف والكلمات؟ بعض المستشرقين وقف عند هذه الآية، وقال: كيف يكون القرآن عربياً وفيه كلمات كثيرة من غير العربية، فيه من لغة الرومان ومن لغة الفرس والحبشة؟ ونقول: معنى {قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الشورى: 7] أي: نزل بكلمات دارتْ على ألسنة العرب وتُدُووِلَتْ بينهم قبل نزول القرآن، فصارت من لغتهم، ثم كم هي هذه الكلمات بالنسبة لكلمات القرآن؟ إذن: فالقرآن عربي، والله تعالى يقول: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4] يعني: يتلقون عنه ويفهمون منه، وإلا ما تم البلاغ عن الله. فإنْ قلتَ: كيف ذلك ومحمد صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ للناس كافة في كل مكان، وفي كل زمان؟ نقول: هذه مهمة أمة محمد من بعده، أنْ تتعلم هذه اللغات، وأن تحمل إليها من دين الله في أيِّ مكان، لأن محمداً خاتم الرسل وآخر الأنبياء، فلا بدَّ أن تحمل الأمة من بعده هذه المهمة، وأنْ تسيح بها في أنحاء العالم. فالقرآن نزل بالعربية لأنه سبحانه اختار العرب لحمل هذه الرسالة، وسبق في موضع قريب أن تكلمنا عن اختيار العرب بالذات لهذه المهمة، والحكمة من كَوْن رسول الله أمياً في أمة أمية، وإذا كان القرآن معجزاً للعرب بلفظه وأسلوبه، فهو معجز لغير العرب بمعناه، ومعجز بآياته الكونية التي تظهر للناس وتبهرهم من حين لآخر. تصوَّروا لو أن محمداً كان متعلماً في أمة متعلمة ذات حضارة، ماذا كانوا يقولون، مع كثرة الكفرة والمعاندين والملحدين، والله لو كان الأمر كذلك لقالوا: إن الإسلام قفزة حضارية كالتي حدثتْ في كثير من الأمم. إذن: نقول: الأمية عيب في كل أمي إلا في رسول الله فهي شرف، لماذا؟ لأنها تعني أنه تلقى كل علومه وكل ثقافاته من أعلى، فهي شرف لارتقاء مصدرها إلى الحق سبحانه. والعجيب أن من أعداء الإسلام مَنْ يقول بأن محمداً كان متعلماً، وهو الذي كتب القرآن من عنده سبحان الله، أأنتم متعصبون لمحمد أكثر من أتباعه؟ والقرآن صريح في الرد عليهم: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]. وبعد هذه الأمية جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج أخضع له حضارات العالم، ودانتْ له أعظم حضارتين في هذا الزمن، حضارة فارس في الشرق وحضارة الروم في الغرب، أخضعها له لا بالقوة إنما بأساليبه ومعانيه الراقية التي تنظم حركة الحياة والمجتمع كله، وتنظفه من كل القاذورات والسلبيات التي كانت منتشرة بين هؤلاء. وقوله تعالى: {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] الإنذار هو الإخبار بشرٍّ قبل أوانه والتخويف به قبل موعده، والحكمة أنني حين أخوفك من الأمر قبل حدوثه أعطيك فرصة لتتجنبه. {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} [الشورى: 7]هي مكة، فهي أم القرى، أو أصل القرى، لأن بها أول بيت وُضِع للناس، وآدم من الناس فالبيت إذن وُضِع قبل آدم لذلك فالقول الذي قال بأن الملائكة هي التي وضعتْ هذا البيت قول صحيح. والمراد بمن حولها: ما حول مكة من قرى وقبائل وتجمُّعات عربية، ولأن مكة هي أم القرى وأصلها، أخذت قريش مكان الصدارة بين قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، وكانت قريش لها شرف خدمة البيت، فهم سدنته القائمون على أمره تأتيهم كل القبائل في موسم الحج، فتوفر لهم الأمن والحماية والمؤنة، لذلك كانت قوافل قريش التجارية تحظى بالاهتمام والحماية في كل أنحاء الجزيرة في رحلتَي الشتاء والصيف. إذن: فالبيت هو الذي منح قريشاً هذه المهابة وهذه المنزلة، يقول تعالى: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4] فسيادة قريش من سيادة البيت ومن جوارهم له وقيامهم على خدمة حجاجه، ولو انهدم البيت لزالتْ مهابة قريش، وفقدت هذه المكانة. وقوله تعالى: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الشورى: 7] أي: تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: أولاً: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع. ونلحظ على هذا التعبير القرآني {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} [الشورى: 7] أنه سكت ولم يذكر مفعول الفعل (تنذر) وهو يتعدَّى إلى مفعولين كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} تفسير : [فصلت: 13] فذكر المخوف منه على العموم ولم يذكر مفعول أنذر لماذا؟ لأنه سيأتي لها شرح آخر، ففي قوله تعالى {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ ..} تفسير : [غافر: 18] أي: أنذر الكافرين وهذا مفعول أول، ويوم الجمع مفعول ثان. وقوله: {لاَ رَيْبَ} [الشورى: 7] لا شك {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الشورى: 7] فما دام هناك تكليف فلا بدَّ أن توجد الطاعة، وأن توجد المعصية، الطائع يُثاب والعاصي يُعاقب، وهذه سنة حتى عند البشر في أمور حياتهم، بدليل أنهم جعلوا لها قانوناً للثواب والعقاب، كذلك في يوم الجمْع الذي لا ريبَ فيه سيكون الناس على قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. في اللغة أسلوب يُسمَّى (الاحتباك) أي: الأمر المحبوك، وهو أن يحذف من الشيء ما يدل عليه غيره على التقابل، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13] يعني: أمر عجيب {أية : فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} تفسير : يعني في حرب {أية : فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 13] وهي الفئة المؤمنة {أية : وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13] أي: تقاتل في سبيل الشيطان. تأمل هذا النسق القرآني تجده حذف الوصف (مؤمنة) لأنه دلَّ عليها قوله {أية : تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 13] وفي الأخرى ذكر الوصف (كافرة) وحذف المقابل أي تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من إحديهما ما دلتْ عليه الأخرى بالتقابل، وهذا يُسمى الاحتباك. وقوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الشورى: 7] تفريق بعد الجمع في قوله: {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} [الشورى: 7] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، وهناك الجمع والتفريق والتقسيم. ومن ذلك قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [هود: 105] هذا جمع {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود: 105] هذا تفريق، ثم يقسم ويُفصِّل القول في كل فريق: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 106-108]. لكن لماذا هذا التفريق {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الشورى: 7] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق وخيَّرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقتْ كل المخلوقات من حملها، فاختارت أنْ تكون مُسيَّرة يتصرف فيها ربها كيف شاء إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة. {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} تفسير : [الأحزاب: 72] أي: لنفسه {جَهُولاً} بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحُول ظروفك بينك وبين أداء الأمانة، فلأن الإنسانَ اختار حملَ الأمانة واختار الاختيار كان لا بدَّ أنْ يسأل عن أمانته، وأنْ يحاسب عليها، أحفِظَ أم ضيَّع، وكان لا بدَّ له من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} معناه مكةٌ.

الجيلاني

تفسير : وبعدما بلغت وأنذرت لم يبقَ من أمرك شيء {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ} أي: ومثل ما أوحينا إلى من قبلك من الأنبياء كتباً، وأوحينا {إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل أيضاً {قُرْآناً عَرَبِيّاً} نظماً وأسلوباً {لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} يعني: أهل مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} من أقطار الأرض وأنحائها، كما أنذر الأنبياء أقوامهم فيما مضى من مطلق الأمور المنافية لسلوك طريق التوحيد وسبيل الهداية والرشاد {وَتُنذِرَ} خاصة {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} أي: الخذلان والحرمان الحاصل لهم يوم الحشر والاجتماع على المحشر، والوقوف بين يدي الله، الذي {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: في إتيانه ووقوعه، وبعدما اجتمعوا فيه حيارى سكارى هائمين، يساقون بعدما يحاسبون منهم {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ} مسرورون مقبولون {وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الشورى: 7] محزونون مطرودون. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده وأراد هدايتهم جميعاً {لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} مقتصدة معتدلة على مقتضى صرافة الوحدة الذاتية واعتدالها، {وَلَـٰكِن} راعى سبحانه متقضيات أوصافه وأسمائه المتقابلة، وشئونه المتخالفة لذلك {يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} ويوصله إلى فضاء وحدته بمقتضى جوده وحكمته عناية منه وفضلاً، وولاية لهم ونصراً {وَٱلظَّالِمُونَ} الخارجون عن مقتضى عناية الله، وولايته بمقتضى قهره وانتقامه إياهم إظهاراً لكمال قدرته {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} يواليهم، ويشفع لهم عنده سبحانه {وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8] ينقذهم من عذابه، فظهر ألا ولاية ولا نصرة إلا لله، ولا غالب إلا هو، وإن زعموا آلهة سواه. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} أي: بل أثبتوا {مِن دُونِهِ} سبحانه {أَوْلِيَآءَ} واعقتدوهم شركاء له سبحانه أو شفعاء لهم عندهم، ولا تنفعهم موالاتهم واتخاذهم بل تضرهم وتغويهم {فَٱللَّهُ} المستقل بالألوهية والربوبية {هُوَ ٱلْوَلِيُّ} المقصور على الولاية، لا ولي في الوجود سواه {وَهُوَ} بكمال قدرته {يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} ويميت الأحياء بالإرادة والاختيار، لا فاعل في الوجود إلا هو {وَ} بالجملة: {هُوَ} باستقلاله واختياره {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مقدوراته ومراداته {قَدِيرٌ} [الشورى: 9] بلا فتور وقصور. {وَ} بعدما ثبت أن الولاية والقدرة منحصرة لله، لا فاعل في الوجود سواه، فاعلموا أيها المكلفون بسلوك طريق الحق وتوحيده أن {مَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ} أي: من شعائر الدين ومعالم التوحيد واليقين واختلافكم فيه؛ إذ هل هو مفيد لكم في سلوككم، أم مفسد له {فَحُكْمُهُ} مفوض {إِلَى ٱللَّهِ} وأمره موكول إلى كتبه ورسله، فعليكم التعبد والامتثال بما أمرتم به ونهيتهم عنه على ألسنة الرسل والكتب؛ إذ لا مدبر لأموركم سواه، ولا متصرف في الوجود إلا هو. {ذَلِكُمُ} الذي سمعتم وصفه واستقلاله في ملكه وملكوته {ٱللَّهُ رَبِّي} وربكم، فاعبدوه حق عبادته، وفوضوا أموركم كلها إليه، وإن خوفتموني بغيره مع أنه لا غير في الوجود معه، فأنا {عَلَيْهِ} لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية {تَوَكَّلْتُ} واتخذته وكيلاً، يدفع عني مؤنة جميع من عاداني {وَإِلَيْهِ} لا إلى الوسائط {أُنِيبُ} [الشورى: 10] وأرجع في مطلق الملمات والخطوب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عما أوحى الله لإنذار أم القرى بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} [الشورى: 7] يشير إلى إنذار نفسه الشريفة؛ لأنها أم القرى نفوس آدم وأولاده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي تعلقت القدرة بإيجاده قبل كل شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله روحي ومنه تنشأ الأوراح والنفوس"تفسير : ، ولهذا المعنى قال آدم: "ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة"؛ فالمعنى: أنه: كما يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم والأمم، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الشورى: 7]؛ لتنذر نفسك الشريفة بالقرآن العربي؛ لأن نفسك عربية {وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] من نفوس أهل العالم؛ لأنها محدثة بنفسك الشريفة، ولذلك قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعتث إلى الخلق كافة"تفسير : ، {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} [الشورى: 7] يوم يجمع بين الأرواح والأجساد، {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الشورى: 7] لا شك في كونه، {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [الشورى: 7]، كما أنهم اليوم فريقان فريق في جنة القلوب وراحات الطاعات وحلاوات العبادات وتنعمات القربات، وفريق في سعير النفوس وظلمات المعاصي وعقوبات الشرك والجحود، فكذلك غداً فريق من أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء والبلاء.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة [حـمۤ] عۤسۤقۤ قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} [7] 493 - أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا بكرٌ، والليث، عن أبي قبيلٍ، عن شُفيٍّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "هذا كتابٌ، كتبهُ ربُّ العالمين. فيه تسمية أهل الجنة، وتسميةُ آبائهم [ثم] أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص. وهذا كتابٌ كتبه ربُّ العالمين، فيه تسميةُ أهل النار وتسمية آبائهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص". قالوا: ففيم العملُ يا رسول الله؟. قال: "إن عامل (أهل) الجنةِ يُختم له بعمل الجنة، وإن عمل أيَّ عملٍ. وإن عامل النار يُختم بعمل النار، وإن عمل أيَّ عملٍ. فرغ اللهُ من خلقه، قال {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} .