Verse. 4280 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ لَجَعَلَہُمْ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً وَّلٰكِنْ يُّدْخِلُ مَنْ يَّشَاۗءُ فِيْ رَحْمَتِہٖ۝۰ۭ وَالظّٰلِمُوْنَ مَا لَہُمْ مِّنْ وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيْرٍ۝۸
Walaw shaa Allahu lajaAAalahum ommatan wahidatan walakin yudkhilu man yashao fee rahmatihi waalththalimoona ma lahum min waliyyin wala naseerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة» أي على دين واحد، وهو الإسلام «ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون» الكافرون «ما لهم من وليّ ولا نصير» يدفع عنهم العذاب.

8

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال الضحاك: أهل دين واحد؛ أهل ضلالة أو أهل هُدًى. {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} قال أنس بن مالك: في الإسلام. {وَٱلظَّالِمُونَ} رفع على الابتداء، والخبر {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} عطف على اللفظ. ويجوز «وَلاَ نَصِيرٌ» بالرفع على الموضع و «مِنْ» زائدة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي على دين واحد، وهو الإِسلام {وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ وَٱلظَّٰلِمُونَ } الكافرون {مَا لَهُمْ مِّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ } يدفع عنهم العذاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً وَاحِدَةً} أهل دين واحد إما ضلال، أو هدى. {فِى رَحْمَتِهِ} الإسلام {مِّن وَلِىٍّ} ينفع {وَلا نَصِيرٍ} يدفع.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} قال ابن عباس: على دين واحد وقيل على ملة الإسلام {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} أي في دين الإسلام {والظالمون} أي الكافرون {ما لهم من ولي} أي يدفع عنهم العذاب {ولا نصير} أي يمنعهم من العذاب {أم اتخذوا} يعني الكفار {من دونه أولياء فالله هو الولي} قال ابن عباس هو وليك يا محمد وولي من تبعك {وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} يعني أن من يكون بهذه الصفة فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً ومن لا يكون بهذه الصفة فليس بولي {ما اختلفتم فيه من شيء} أي من أمر الدين {فحكمه إلى الله} أي يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب وقيل علمه إلى الله وقيل تحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حكمه من حكم الله تعالى ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته {ذلكم الله} يعني الذي يحكم بين المختلفين هو الله {ربي عليه توكلت} يعني في جميع أموري {وإليه أنيب} يعني وإليه أرجع في كل المهمات {فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم} يعني من جنسكم {أزواجاً} يعني حلائل، وإنما قال من أنفسكم لأن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم {ومن الأنعام أزواجاً} يعني أصنافاً ذكراناً وإناثاً {يذرؤكم} يعني يخلقكم وقيل يكثركم {فيه} يعني في الرحم وقيل في البطن لأنه قد تقدم ذكر الأزواج وقيل نسلاً بعد نسل حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل وقيل الضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطب من الناس والأنعام إلا أنه غلب جانب الناس وهم العقلاء على غير العقلاء من الأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي يذرؤكم به أي يكثركم بالتزويج {ليس كمثله شيء} المثل صلة أي ليس كهو شيء وقيل الكاف صلة مجازه ليس مثله شيء، قال ابن عباس: ليس له نظير. فإن قلت هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى: {وله المثل الأعلى في السموات والأرض} يقتضي إثبات المثل فما الفرق. قلت المثل الذي يكون مساوياً في بعض الصفات الخارجية على الماهية فقوله ليس كمثله شيء معناه ليس له نظير، كما قاله ابن عباس أو يكون معناه ليس لذاته سبحانه وتعالى مثل وقوله {وله المثل الأعلى} معناه وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد فقد ظهر بهذا التفسير معنى الآيتين وحصل الفرق بينهما {وهو السميع} يعني لسائر المسموعات {البصير} يعني المبصرات.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ} أي في الدُّنيا {أُمَّةً وَاحِدَةً} وقيل: مهتدينَ أو ضَالِّينَ وهو تفصيلٌ لما أجملَهُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قولِه على دينٍ واحدٍ فمعنى قولِه تعالى {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ} أنه تعالَى يُدخلُ في رحمتِه من يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيها ويدخلُ في عذابِه من يشاءُ أن يدخلَهُ فيهِ ولا ريبَ في أنَّ مشيئَته تعالَى لكلَ من الإدخالينِ تابعةً لاستحقاقِ كلَ من الفريقينِ لدخولِ مُدخلِه. ومن ضرورةِ اختلافِ الرحمةِ والعذابِ اختلافْ حالِ الداخلينَ فيهما قطعاً فلم يشأْ جعلَ الكلِّ أمةً واحدةً بلْ جعلَهُم فريقينِ، وإنَّما قيلَ: {وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ} للإيذانِ بأنَّ الإدخالَ في العذابِ من جهِته الداخلينَ بموجبِ سُوءِ اختبارِهم لا من جهتِه تعالَى كما في الإدخال في الرحمة لا لِما قيلَ من المبالغةِ في الوعيدِ وقيلَ مؤمنين كلَّهم وهو ما قالَه مقاتلٌ على دينِ الإسلامِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 35] وقوله تعالَى: { أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [سورة السجدة، الآية 13] والمَعنْى ولو شاءَ الله مشيئةَ قُدرةٍ لقسرَهُم على الإيمانِ ولكنَّه شاءَ مشيئةَ حكمةٍ، وكلَّفَهم وبنى أمرَهُم على مَا يختارُون ليدخلَ المؤمنينَ في رحمتِه وهم المُرادونَ بقولِه تعالى: {يُدْخِلُ مَن يَشَاء} وتركَ الظالمينَ بغيرِ وَليَ ولا نصيرٍ، وأنت خبـيرٌ بأنَّ فرضَ جعلِ الكلِّ مؤمنينَ يأباهُ تصديرُ الاستدراكِ بإدخالِ بعضِهم في رحمته إذِ الكلُّ حينئذٍ داخلونَ فيَها فكانَ المناسبُ حينئذٍ تصديَرُه بإخراجِ بعضِهم مِنْ بـينِهم وإدخالِهم في عذابِه فالذي يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريمِ وسباقُه أنْ يرادَ الاتحادُ في الكُفرِ، كما في قولِه تعالى: { أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 213] الآيةَ على أحدِ الوجهينِ بأنْ يُرادَ بهم الذين في فترة إدريسَ أو في فترةِ نوحٍ عليهما السلامُ فالمَعْنى ولو شاء الله لجعلَهُم أمةً واحدةً متّفقةً على الكُفرِ، بأنْ لا يرسلَ إليهم رسولاً لينذرَهُم ما ذُكِرَ من يومِ الجمعِ وما فيهِ من ألوانِ الأهوالِ فيبقُوا على ما هُم عليهِ من الكُفرِ ولكنْ يدخلُ منْ يشاءُ في رحمتِه أي شأنُه ذلكَ فيرسلُ إلى الكلِّ مَن ينذرُهم ما ذُكِرِ فيتأثرُ بعضُهم بالإنذارِ فيصرفونَ اختيارَهُم إلى الحقِّ فيوفقُهم الله للإيمانِ والطاعةِ ويُدخلِهُم في رحمتِه ولا يتأثرُ به الآخرونَ ويتمادَوْنَ في غيِّهم، وهم الظالمونَ فيبقَونَ في الدُّنيا على ما هُم عليهِ من الكُفرِ ويصيرونَ في الآخرة إلى السعير من غير وَليَ يَلي أمرَهُم ولا نصيرٍ يخلصُهم من العذابِ.

التستري

تفسير : قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}[8] قال: ظاهرها الكفر وباطنها حركات العبد وسكونه ولو شاء الله لجعلها كلها في طاعته {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ}[8] أي في طاعته {وَٱلظَّالِمُونَ}[8] الذين يدعون الحول والقوة {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}[8] على خلاف، وهو السكون في الأمر، والحركة في النهي.

القشيري

تفسير : إنْ أراد أن يجمعَهم كلَّهم على الهدى والرشاد لم يكن مانع.. وإذاً لا زَيْنَ لهم. ولو شاء أن يجمعَهم كُلَّهم على الفساد والعناد لم يكن دافع - وإذاً لا شينَ منه. وحيث خَلَقَهم مختلفين - على ما أراد - فلا مبالاة بهم.. إنه إله واحدٌ جبَّارٌ غيرُ مأمور، متولٍ جميع الأمور؛ من الخير والشر، والنفع والضر. هو الذي يحيي النفوسَ والقلوبَ اليومَ وغداً، ويميت النفوسَ والقلوبَ اليومَ وغداً.. وهو على كل شيءٍ قدير.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شاء الله لجعلهم} اى فى الدنيا والضمير لجميع الناس المشار اليهم بالفريقين {امة واحدة} فريقا واحدا وجماعة واحدة مهتدين او ضالين وهو تفصيل لما اجمله ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله على دين واحد {ولكن يدخل من يشاء} ان يدخله {فى رحمته} وجنته ويدخل من يشاء ان يدخله فى عذابه ونقمه ولا ريب فى أن مشيئته تعالى لكل من الادخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعا فلم يشأ جعل الكل امة واحدة بل جعلهم فريقين {والظالمون} اى المشركون {ما لهم من ولى} اى مالهم ولى ما يلى امرهم ويغنيهم وينفعهم فمن مزيدة لاستغراق النفى {ولا نصير} يدفع العذاب عنهم ويخلصهم منه وفيه ايذان بان الادخال فى العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته تعالى كما فى الادخال فى الرحمة قال سعدى المفتى فى حواشيه لعل تغيير المقابل حيث لم يأت المقابل ويدخل من يشاء فى نقمته بل عدل الى ما فى النظم للمبالغة فى الوعيد فان فى نفى من يتولاهم وينصرهم فى دفع العذاب عنهم دلالة على ان كونهم فى العذاب امر معلوم مفروغ عنه وايضا فيه سلوك طريق واذا مرضت فهو يشفين وايضا ذكر السبب الاصلى فى جانب الرحمة ليجتهدوا فى الشكر والسبب الظاهرى فى جانب النقمة ليرتدعوا عن الكفر وفى التأويلات النجمية ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة كالملائكة المقربين لا يعصون الله ما امرهم الآية او جعلهم كالشياطين المبعدين المطرودين المتمردين ولكن الحكمة الالهية اقتضت ان يجعلهم مركبين من جوهر الملكى والشيطانى ليكونوا مختلفين بعضهم الغالب عليه الوصف الملكى مطيعا لله تعالى وبعضهم الغالب عليه الوصف الشيطانى متمردا على الله تعالى ليكونوا مظاهر صفات لطفه وقهره مستعدين لمرءآتية صفات جماله وجلاله متخلقين باخلاقه وهذا سر قوله تعالى {أية : وعلم آدم الاسماء كلها} تفسير : ومن ههنا قالت الملائكة سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ويدل على هذا التأويل قوله {ولكن يدخل من يشاء فى رحمته} اى ليكون مظهر صفات لطفه والظالمون مالهم من ولى ولا نصير اى ليكونوا مظاهر صفات قهره

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال ابن عباس: على دين واحد دين كفر أو ايمان وقيل: علي دين الاسلام وعن بعضهم ولو شاء جعلهم مؤمنين على القهر كقوله {أية : ولو شاء ربك لآمن من} تفسير : الخ {أية : ولو شئنا لآتينا} تفسير : الخ بدليل {أية : أفأنت تكره} تفسير : الخ بادخال همزة الانكار على الكره بكسر الراء لا على الفعل أي الله وحده القادر على هذا الاكراه أي ولو شاء (مشيئته) حكمته فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون كما قال* {وَلِكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ} ادخاله بأن يوفقه* {فِي رَحْمَتِهِ} أى جنته وقيل الاسلام وهو الموحد الموفي ولو أعيد ضمير {يَشَآءُ} الى {مَن} يصح والمكلف الذي يشاء الادخال والمؤمن العامل ومن أعرض عن الايمان أو العمل وهو لا يشاء ويدل على ارادة المؤمن بذلك مقابلته بقوله* {وَالظَّالِمُونَ} أي الكافرون* {مَا لَهُم مِن وَلِيٍّ} يدفع عنهم العذاب* {وَلاَ نَصِيرٍ} أي مانع من العذاب أي يترك المشركين والمنافقين بلا توفيق وغير العبارة الى ذلك عن قوله (ويدخل من يشاء فى عذابه) مع أنه المطابق لها مبالغة فى الوعيد لان الكلام فى الانذار وليصرح بالظلم الذي هو الموجب للخزي. قال ابن عبدالحق: وقد علمت ـ رحمك الله ـ ان الناس يوم القيامة صنفان صنف مقرب مصان وآخر مبعد مهان صنف نصبت لهم الاسرة والحجال وجمعت لهم الرغائب والآمال وآخرون أعدت لهم الاراقم والظلال والمقامع والاغلال وضرب الأهوال والأنكال وأنت لا تعلم في أيهما أنت ولا في أي الفريقين كتبت. شعر : نزلوا بمكة فى قبال نوفل ونزلت بالبيداء أبعد منزل فتقلبوا فرحين تحت ظلالها وخرجت بالصحراء غير مظلل وسقوا من الصافى المعتق رية وسقيت دمعة واله متململ تفسير : وبكى سفيان الثوري ليلته الى الصباح فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب فأخذ تبنة من الأرض فقال الذنوب أهون من هذا اني أبكي خوف الخاتمة وقد قيل: (لا تكف دمعك حتى ترى فى المعاد ربك)، وقيل: يا ابن آدم الأقلام عليك تجري وأنت فى غفلة لا تدري، يا ابن آدم دع التنافس فى هذه الدار حتى ترى ما فعلت بك الاقدار وسمع بعض الصالحين منشداً: شعر : يا راهبى حران ما فعلت هند تفسير : فبكى الى الصباح فقيل له فقال قلت في نفسي ما فعلت الأقدار فّي وما ذا جرت به عليّ

اطفيش

تفسير : {ولَو شاء} مشيئة قهر {الله} التوفيق بينهم، أو شاء جعلهم أمة واحدة {لجَعَلَهم أمةً واحِدةً} من حيث الدين، أى مهتدين كلهم، أو ضالين كلهم، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: نجعلهم على دين واحد" أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى" تفسير : [الأنعام: 35] " أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" تفسير : [السجدة: 13] وقال مقاتل: أمة واحدة على دين الاسلام، وتدل له الآيتان " ولو شاء الله " الخ ويناسب أن المراد أمة واحدة على الضلال قوله تعالى: "أية : كان الناس أمة واحدة" تفسير : [البقرة: 213] على الضلال فى أحد الأوجه بأن لا يبعث نبيا، ولكن هذه الآية ليست على طريقة قوله تعالى: " أية : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" تفسير : [هود: 118]. {ولَكن يُدخل من يشاء في رحمته} بأن يختلفوا بالدين، فيدخل المهتدين الجنة، ويدخل الضالين النار لضلالهم باختيارهم كما قال {والظالمون ما لَهُم من وليٍّ} بنسب أو صحبة {ولا نصيرٍ} مطلقا يدفعان عنهم العذاب، ومقتضى الظاهر، ويدخل من يشاء فى عذابه، ولم يقل ذلك لأن الادخال فى العذاب بعملهم الذى اختاروه وهو الظلم، وأما الادخال فى الرحمة فيفضله، لأن الايمان والوفاء بالدين لا يفيان بالرحمة، وانما هى من فضله.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} جَعْلَهم أمة واحدة {لَجَعَلَهُمْ} أي في الدنيا {أُمَّةً وَاحِدَةً} مهتدين أو ضالين، وهو تفصيل لما أجمله ابن عباس في قوله: على دين واحد، فمعنى قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ} أنه تعالى يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها ويدخل من يشاء في عذابه أن يدخله فيه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول ما أدخله ومن ضرورة اختلاف الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعاً فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة بل جعلهم فريقين وإنما قيل {وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} ـ وكان الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في عذابه ونقمته ـ للإيذان بأن الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته عز وجل كما في الإدخال في الرحمة، واختار الزمخشري ((كون المراد أمة واحدة مؤمنين وهو ما قاله مقاتل على دين الإسلام كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الأنعام: 35] وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ شِئْنَا للآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13] والمعنى ولو شاء الله تعالى مشيئة قدرة لقسرهم على الإيمان ولكنه سبحانه شاء مشيئة حكمة وكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بقوله تعالى: {مَن يَشَآء} وترك الظالمين بغير ولي ولا نصير)). والكلام متعلق بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} تفسير : [الشورى: 6] كالتعليل للنهي عن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم، فالظالمون مظهر أقيم مقام ضمير المتخذين ليفيد أن ظلمهم علة لما بعده أو هو للجنس ويتناولهم تناولاً أولياً، وعدل عن الظاهر إلى ما في النظم الجليل إذ الكلام في الإنذار وهو أبلغ في تخويفهم لإشعاره بأن كونهم في العذاب أمر مفروغ منه وإنما الكلام في أنه بعد تحتمه هل لهم من يخلصهم بالدفع أو الرفع فإذا نفى ذلك علم أنهم في عذاب لا خلاص منه. وتعقب بأن فرض جعل الكل مؤمنين يأباه تصدير الاستدراك بإدخال بعضهم في رحمته تعالى إذ الكل حينئذٍ داخلون فيها فكان المناسب حينئذٍ تصديره بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم في عذابه، وربما يقال: حيث إن الآية متعلقة بما سمعت كان المراد ولو شاء الله تعالى لجعل الجميع مؤمنين كما تريد وتحرص عليه ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك بل جعل بعضهم مؤمناً كما أردت وجعل بعضهم الآخر وهم أولئك المتخذون من دونه أولياء كفاراً لا خلاص لهم من العذاب حسبما تقتضيه الحكمة وكان التصدير بما صدر به مناسباً كما لا يخفى على من له ذوق بأساليب الكلام إلا أن الظاهر على هذا أدخل من شاء دون {يُدْخِلُ مَن يَشَاء} لكن عدل عنه إليه حكاية للحال الماضية. وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه سباق النظم الكريم وسياقه أن يراد الاتحاد في الكفر كما في قوله تعالى: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ}تفسير : [البقرة: 213] الآية على أحد الوجهين، فالمعنى ولو شاء الله تعالى لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولاً لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع وما فيه من ألوان الأهوال فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته سبحانه أي شأنه عز شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ينذرهم ما ذكر فيتأثر بعضهم بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق فيوفقهم الله تعالى للإيمان والطاعات ويدخلهم في رحمته عز وجل ولا يتأثر به الآخرون ويتمادون في غيهم وهم الظالمون فيبقون في الدنيا على ما هم عليه من الكفر ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولي يلي أمرهم ولا نصير يخلصهم من العذاب انتهى. ولا يخفى أن بين قوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} الآية وقوله سبحانه: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً} بالمعنى الذي اختاره هنا فيهما نوع تناف فتدبر جميع ذلك والله تعالى الموفق.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : فريق في الجنة وفريق في السعير } تفسير : [الشورى: 7]. والغرض من هذا العطف إفادة أن كونهم فريقين أمرٌ شاء الله تقديره، أي أوجد أسبابه بحكمته ولو شاء لقدّر أسباب اتحادهم على عقيدة واحدة من الهُدى فكانوا سواء في المصير، والمراد: لكانوا جميعاً في الجنّة. وهذا مسوق لتسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تمنّيهم أن يكون النّاس كلّهم مهتدين ويكون جميعهم في الجنّة، وبذلك تعلم أن ليس المراد: لو شاء الله لجعلهم أمّة واحدة في الأمرين الهُدى والضلال، لأن هذا الشقّ الثاني لا يتعلق الغرض ببيانه هنا وإن كان في نفس الأمر لو شاء الله لكان. فتأويل هذه الآية بما جاء في قوله تعالى: { أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حقّ القول مني لأملأن جهنم من الجنّة والنّاس أجمعين } تفسير : [السجدة: 13] وقوله: { أية : ولو شاء ربُّك لآمَنَ مَنْ في الأرض كلّهم جميعاً أفأنت تكره النّاس حتى يكونوا مؤمنين } تفسير : [يونس: 99]. وقد دلّ على ذلك الاستدراكُ الذي في قوله: {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} أي ولكن شَاء مشيئةً أخرى جرت على وفق حكمته، وهي أنْ خلقهم قابلين للهدى والضلال بتصاريف عُقولهم وأميالهم، ومكَّنهم من كسب أفعالهم وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر بالتكليف فكان منهم المهتدون وهم الذين شاء الله إدخالهم في رحمته، ومنهم الظالمون الذين ما لهم من ولي ولا نصير. فقوله: {يدخل من يشاء في رحمته} أحدُ دليلين على المعنى المستدرَك إذ التقدير: ولكنه جعلهم فريقين فريقاً في الجنّة وفريقاً في السعير ليدخل من يشاء منهم في رحمته وهي الجنة. وأفهم ذلك أنّه يدخل منهم الفريق الآخر في عقابه، فدلّ عليه أيضاً بقوله: {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} لأن نفي النصير كناية عن كونهم في بؤس وضُر ومغلوبية بحيث يحتاجون إلى نصير لو كان لهم نصير، فيدخل في الظالمين مشركو أهل مكّة دخولاً أوليًّا لأنهم سبب ورود هذا العموم. وأصل النظم: ويُدخل من يشاء في غضبه، فعُدِل عنه إلى ما في الآية للدلالة على أن سبب إدخالهم في غضبه هو ظلمهم، أي شركهم { أية : إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] مع إفادة أنّهم لا يجدون وليًّا يدفع عنهم غضبه ولا نصيرا يثْأر لهم. وضمير (جعلهم) عائد إلى فريق الجنّة وفريق السعير باعتبار أفراد كل فريق.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةً} {ٱلظَّالِمُونَ} (8) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجََعَلَ النَّاسَ جَمِيعاً أُمَّةً وَاحِدَةً، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ، وَلَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى أَوْ عَلَى الضَّلاَلَةِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى فَاوَتَ بَيْنَهُمْ. فَهَدَى مَنْ يَشَاءُ إِلَى الحَقِّ، وَأَضَلَّ مَنْ شَاءَ عَنْهُ، وَلَهُ الحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ. فَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ الإِيْمَانُ مَبْنياً عَلَى التَّكْلِيفِ وَالاخْتِيَارِ، يَدْخُلُ فِيهِ المَرْءُ بِطَوْعِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَنَتِيجَةِ تَأَمُّلِهِ فِي الأَدِلَّةِ المُوصِلَةِ إِلَى الهُدَى، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِلْكَافِرِينَ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، عَذَاباً أَلِيماً، وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللهِ، أَوْ يُجِيرُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ، فَلاَ تُهْلِكْ نَفْسَكَ يَا مُحَمَّدُ أَسًى وَحُزْناً عَلَى أَنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} على ملّة واحدة. {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ} الكافرون. {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ} لا سواه. {وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} مجازه: لأنّه يحيي الموتى. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} في الدين. {قَدِيرٌ * وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ} في الدين. {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} حلائل وإنّما قال {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} لأنّه خلق حواء من ضلع آدم {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ} يخلقكم ويعيشكم {فِيهِ} أي في الرحم، وقيل: في البطن، وقيل: في الروح، وقيل: في هذا الوجه من الخليقة. قال مجاهد: نسلاً بعد نسل، ومن الأنعام، وقيل: {فِي} بمعنى الباء، أي يذرؤكم فيه، قال ابن كيسان: يكثركم. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} المثل صلة ومجازه: ليس كهو شيء، فأدخل المثل توكيداً للكلام، كقوله: {أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة: 137] وفي حرف ابن مسعود، {فإن آمنوا بما أمنتم به} وقال أوس بن حجر: شعر : وقتلى كمثل جذوع النخيل يغشاهم مطر منهمر تفسير : أي كجذوع، وقال [آخر] سعد بن زيد: شعر : إذا أبصرت فضلهم كمثلهم في النّاس من أحد تفسير : وقال آخر: شعر : ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل تفسير : وقيل: (الكاف) صلة مجازه: ليس مثله، كقول الراجز: شعر : وصاليات ككما [يُؤَفَيْنْ] تفسير : فأدخل على الكاف كافاً تأكيداً للتشبيه، وقال آخر: شعر : [تنفي الغياديق على الطريق قلص عن كبيضة في نيق [ تفسير : فأدخل الكاف مع عن. { وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} وهو أول أنبياء الشريعة. {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} فاختلفوا في وجه الآية، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأخوات والأمهات والبنات، وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلاّ أوصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والاقرار لله بالطاعة. فذلك دينه الذي شرع لهم، وهي رواية الوالي عن ابن عباس، وقيل: الدين التوحيد، وقيل: هو قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} بعث الأنبياء كلّهم بإقامة الدّين والأُلفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ} من التوحيد ورفض الأوثان. ثمّ قال عزّ من قائل: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} فيستخلصه لدينه. {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ} يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس: يعني أهل الكتاب. دليله ونظيره في سورة المُنفكّين {أية : إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}تفسير : [البينة: 4]. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} من قبل بعث محمد وصفته. {بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} تأخير العذاب. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو يوم القيامة. {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} بالعذاب. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} يعني من بعد الأمم الخالية، وقال مجاهد: معناه من قبلهم أي من قبل مشركي مكّة وهم اليهود والنصارى. {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ} أي فإلى ذلك الّذين أوتوا الكتاب. {فَٱدْعُ} كقوله: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 5] أي إليها {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} اثبت على الدين الذي به أمرت {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي أن أعدل أو كي أعدل، كقوله: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنعام: 71]. قال ابن عباس: لأسوي بينكم في الدّين، وأؤمن بكلّ كتاب وكلّ رسول، وقال غيره: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء. قال قتادة: أُمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل حتّى مات، والعدل ميزان الله تعالى في الأرض، وذكر لنا إنّ داود (عليه السلام)، قال: ثلاث من كنّ فيه فهو الفائز: القصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، والحسنة في السرّ والعلانية، وثلاث من كنّ فيه أهانته: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأربع من أعطيهنّ، فقد أعطي خير الدّنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، وزوجة مؤمنة. {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ} لا خصومة. {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} نسختها آية القتال. {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} لفصل القضاء. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ * وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ} يخاصمون. {فِي ٱللَّهِ} في دين الله نبيه. {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} أي من بعد ما استجاب له النّاس، فاسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، وقيام حجته. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} باطلة زائلة. {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} قال مجاهد: نزلت في اليهود والنصارى. قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحقّ. {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} أي العدل عن ابن عباس وأكثر المفسرين. مجاهد: هو الّذي يوزن به، ومعنى إنزال الميزان: إلهامه الخلق للعمل به، وأمره بالعدل والإنصاف، كقوله: {أية : قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً}تفسير : [الأعراف: 26]. وقال علقمة: الميزان محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بالكتاب. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازها الوقت، وقال الكسائي: إيتائها قريب. {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} ظنًّا منهم إنها غير جائية. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفون منها. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ * ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} قال ابن عباس: حفي بهم. عكرمة: بارّ بهم. السدي: رقيق. مقاتل: لطيف بالبر والفاجر منهم، حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم. القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال الخوافي: غداً عند مولى الخلق، للخلق موقف يسألهم فيه الجليل، فيلطف بهم الصادق في الرزق من وجهين: أحدهما: إنّه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: إنّه لم يدفعه إليك بمرة واحدة، وقيل: الرضا بالتضعيف. الحسين بن الفضل: في القرآن وتيسيره. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عاد البغدادي يقول: سُئل جنيد عن اللطيف، فقال: هو الّذي لطف بأوليائه حتّى عرفوه، فعبدوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. وقال محمد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا أيس من الخلق، توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه، وفي هذا المعنى أنشدنا أبو إسحاق الثعلبي، قال: أنشدني أبو القاسم الحبيبي. قال أنشدني أبي، قال: أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهّاب الثقفي: شعر : أمر بافناء القبور كأنّني أخو فطنة والثوب فيه نحيف ومن شق فاه الله قدّر رزقه وربّي بمن يلجأ إليه لطيف تفسير : وقيل: اللطيف الّذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليه المثالب، وقيل: هو الّذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل، وقيل: هو الّذي يجبر الكسير، وييسر العسير، وقيل: هو الّذي لا ييأس أحد في الدنيا من رزقه، ولا ييأس مؤمن في العفو من رحمته. وقيل: هو الّذي لا يخاف إلاّ عدله، ولا يرجى إلاّ فضله، وقيل: هو الّذي يبذل لعبده النعمة، فوق الهمّة ويكلفه الطاعة دون الطاقة، وقيل: هو الّذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الّذي لا يرد سائله ولا يؤيّس آمله، وقيل: هو الّذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الّذي يرحم من لا يرحم نفسه،وقيل: هو الّذي يعين على الخدمة، ثم يكثر المدحة، وقيل: هو الّذي أوقد في أسرار عارفيه من المشاهدة سراجاً، وجعل الصراط المستقيم لها منهاجاً، وأنزل عليهم من سحائب بره ماءاً ثجاجاً. {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} كما يشاء من شاء موسعاً، ومن شاء مقتراً، ومن شاء قليلاً ومن شاء كثيراً، ومن شاء حلالاً، ومن شاء حراماً، ومن شاء في خفض ودعه، ومن شاء في كد وعناء، ومن شاء في بلده ومن شاء في الغربة، ومن شاء بحساب ومن شاء بغير حساب. {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ * مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} يعني يريد بعمله الآخرة. {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} بالتضعيف بالواحدة عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} يعني يريد بعمله الدّنيا {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}. قال قتادة: يقول: من عمل لآخرته نزد له في حرثه، ومن آثر دنياه على آخرته، لم يجعل الله له نصيباً في الآخرة إلاّ النّار، ولم يصب من الدّنيا إلاّ رزق قد فرغ منه وقسم له. أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، حدثنا الحسين بن إدريس، حدثنا سويد بن نصير، أخبرنا عبد بن المبارك عن أبي سنان الشيباني، إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: الأعمال على أربعة وجوه: عامل صالح في سببيل هدى يريد به دنيا، فليس له في الآخرة شيء، ذلك بأنّ تعالى، قال: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}تفسير : [هود: 15] الآية، وعامل الرياء ليس له ثواب في الدّنيا والآخرة إلاّ الويل، وعامل صالح في سبيل هدى يبتغي به وجه الله والدار الآخرة، فله الجنّة في الآخرة، معها [نعاته] في الدّنيا، وعامل خطأ وذنوب ثوابه عقوبة الله، إلاّ أن يعفوا فإنّه أهل التقوى وأهل المغفرة. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} يوم القيامة، حيث قال: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}.. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى ٱلظَّالِمِينَ} المشركين يوم القيامة {مُشْفِقِينَ} وجلين. {مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي نازل بهم لا محالة. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ}

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: لا تتعجب من أمر الله، فله المشيئة المطلقة في خَلْقه، ولو كانت مشيئته مشيئة قَهْر ما استطاع أحدٌ الخروجَ عليها، ولكانَ الناسُ جميعاً مؤمنين، لكن فَرْقٌ بين الإيمان عن قهر وإجبار، والإيمان عن حب واختيار. الحق سبحانه لا يريد منا القوالب الجامدة، إنما يريد القلوب المحبَّة، يريدها طواعية مختارة، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى برجل عنده عبدان أحدهما حُر طليق، والآخر مربوط إلى سيده بحبل، فحين ينادي السيد يأتيانه ويجيبان نداءه، فأيهما أطوَعُ وأيهما مُحِبٌّ؟ الحق سبحانه وتعالى حين عرض الأمانة على الخَلْق كله وخيَّرهم أثبت الجانبين القهر والقدرة وأثبت المحبة، أثبت القدرة والقهر في أنْ جعل خَلْقاً من خَلْقه هو السماوات والأرض وكل الكائنات عدا الإنس والجن تأتي طائعةً مؤمنةً، وتتنازل عن اختيارها لاختيار ربها وخالقها. ثم أثبت الحب في اختيار الإنس والجن، لأنهم آمنوا حباً وكانوا يقدرون على الكفر. {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الشورى: 8] وهم المؤمنون يُدخَلون الجنة بفضل الله وبرحمته لا بأعمالهم، فالأعمال سبب في دخول الجنة. وفي المقابل {وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8] يعني: سيدخلون النار، لأن الفريق الذي دخل الجنة دخلها بفضل الله ورحمته، وهؤلاء ظالمون، والظلم جزاؤه النار. {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} [الشورى: 8] يعني: قريب يُواليهم ويدفع عنهم {وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8] ينصرهم ولو من بعيد، يراهم مغلوبين، فيحنّ عليهم وينصرهم. ثم بيَّن الحق سبحانه علَّةَ ذلك، وأنهم أعرضوا عن عبادة الله الواحد الأحد، واتخذوا من دونه أولياء فاستحقوا هذا الخذلان: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الشورى: 8] كالملائكة المقربين {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]، أو جعلهم كالشياطين المبعدين المطرودين المتمردين، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يجعلهم مركبين من جوهري الملكي والشيطاني؛ ليكونوا مختلفين بعضهم الغالب عليه الوصف الملكي مطيعاً لله تعالى، وبعضهم الغالب عليه الوصف الشيطاني متمرداً على الله تعالى؛ ليكونوا مظاهر صفات لطفه وقهره، مستعدين لمرآة صفات جماله وجلاله، متخلقين بأخلاقه، وهذا سر قوله: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] ومن هنا قالت الملائكة: {أية : سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ}تفسير : [البقرة: 32] ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الشورى: 8]؛ ليكون مظهراً لصفات لطفه {وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 8]؛ ليكونوا مظهراً لصفات قهره. وبقوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ} [الشورى: 9] يشير إلى أنه لا ولاية لأحد دونه، فالله هو متولي الأمور في الخير والشر والنفع والضر، {وَهُوَ} [الشورى: 9] الذي {يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} [الشورى: 9]؛ أي: النفوس والقلوب، اليوم وغداً، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9] من الإيجاد والإعدام، وبقوله: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [الشورى: 10] يشير إلى اختلاف العلماء في شيء من الشرعيات والمعارف الإلهية، فالحكم في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله، وإجماع الأمة وشواهد القياس، أو إلى أهل الذكر، كما قال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] ولا ترجعون إلى العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال، فإن فيها للنفس والشيطان مدخلاً بإلقاء الشبهات، وأدنى الشبهة في التوحيد كفر، وقد زلت أقدام جميع أهل الأهواء والبدع والفلاسفة عن الصراط المستقيم والدين القويم بهذه المذلة، وبقوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] يشير إلى أنه إذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أم بالشقاوة مضى أسمكم؟ فكلوا الأمر إلى الله واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكير فيما ليس لعقولكم سبيل إلى معرفته وعلمه من عواقبكم. {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الشورى: 11] سماوات القلوب عن معالم الغيوب، {وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 11] أرض النفوس عن عوالم الغيوب، {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [الشورى: 11] أي: خلق حواء النفس من ضلع آدم الروح لتسكن إليها، {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} [الشورى: 11]؛ أي: خمر في طينتكم صفات الأنعام بأضعاف ما فيها، {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] يخلقكم في وصف الأنعام لاستعداد حمل الأمانة التي ما حملها الملائكة؛ لكونهم أرواحاً مفردة، ولا الحيوانات؛ لأنها عرية في الأرواح الروحانية، وحملها الإنسان؛ لكونه مركباً من الروح الملكي والجسد الحيواني، ثم قال في هذا المعرض: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]؛ يعني: شيئاً من هذه الأشياء التي ركب منها الإنسان من جميع الموجودات، فإنه نسخة العالم بما فيه من العناصر الأربعة: النبات والحيوان، والأجرام، والنفوس، والأرواح، ثم قال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؛ أي: مع أنه تعالى سميع بصير والحيوان أيضاً سميع بصير ولكن لا شبه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أحكامه، على أن قوماً وقعوا في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون في المكان، وأقبح قولاً منهم من وصفه بالجوارح والآلات، وقوم وصفوه بما هو تشبيه في الصفات فظنوا أن بصره في حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد إلى غير ذلك، وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق حسناً فمنه حسن فؤلاء كلهم أصحاب التشبيه، والحق تعالى مستحق التنزيه دون التشبيه، محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل، مستحق التوحيد دون التحديد، موصوف بصفات الكمال، مسلوب عن العيوب والنقصان، {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 12]؛ أي: مفاتيح سماوات القلوب وفيها خزائن لطفه ورحمته، وأرض النفوس وفيها خزائن قهره وعزته، فكل قلب مخزن لنوع من ألطافه فبعضها مخزن المعرفة، وبعضها مخزن المحبة، وبعضها مخزن الشوق، وبعضها مخزن الإرادة، وغير ذلك من الأحوال والتفريد والهيبة والأنس والرضا وغير ذلك، وكل نفس مخزن لنوع من أوصاف قهره، فبعضها مخزن النكرة، وبعضها مخزن الجحود، وبعضها مخزن الإنكار، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة كالشرك والنفاق، والحرص والكبر، والبخل والشره، والغضب والشهوة، وغير ذلك، وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع أفكار العباد من الخلق إليه في جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه، فإنه {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: 12] يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب، والخلق بمعزل عن هذا الوصف.