Verse. 4282 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيْہِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُہٗۗ اِلَى اؘ۝۰ۭ ذٰلِكُمُ اللہُ رَبِّيْ عَلَيْہِ تَوَكَّلْتُ۝۰ۤۖ وَاِلَيْہِ اُنِيْبُ۝۱۰
Wama ikhtalaftum feehi min shayin fahukmuhu ila Allahi thalikumu Allahu rabbee AAalayhi tawakkaltu wailayhi oneebu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما اختلفتم» مع الكفار «فيه من شيءٍ» من الدين وغيره «فحكمه» مردود «إلى الله» يوم القيامة يفصل بينكم، قل لهم «ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب» أرجع.

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ} حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين؛ أي وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أمر الدين، فقولوا لهم حُكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنما تُتَلَقَّى من بيان الله. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي} أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده؛ وفيه إضمار: أي قل لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين المختلفين هو ربّي. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدت. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ } مع الكفار {فِيهِ مِن شَىْءٍ } من الدين وغيره {فَحُكْمُهُ } مردود {إِلَى ٱللَّهِ } يوم القيامة يفصل بينكم، قل لهم {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قل لهم يا محمد: {وما اختلفتم فيه} أيها الناس من تكذيب وتصديق وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إلي ولا بيدي، وإنما ذلك {إلى الله} الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء، ثم قال: ذلكم الله ربي وعليه توكلي وإليه إنابتي ورجوعي، وهو {فاطر السماوات والأرض}، أي مخترعها وخالقها شق بعضها من بعض. وقوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} يريد: زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع الأنعام، فالظاهر أيضاً والمتسق: أنه يريد: إناث الذكران، ويحتمل أن يريد الأنواع، والأول أظهر. وقوله: {يذرؤكم} أي يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، قاله مجاهد والناس، فلفظة ذرأ: تزيد على لفظة: خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر الزمان. وقوله: {فيه} الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله: {جعل لكم}، وهذا كما تقول: كلمت زيداً كلاماً أكرمته فيه. وقال القتبي: الضمير للتزويج، ولفظة: "في" مشتركة على معان، وإن كان أصلها الوعاء وإليه يردها النظر في كل وجه. وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فأذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، ومن هذا قول أوس بن حجر: [المتقارب] شعر : وقتلى كمثل جذوع النخيــ ــل يغشاهمُ سيل منهمر تفسير : ومنه قول الآخر: [البسيط] شعر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهمُ ما إن كمثلهم في الناس من أحد تفسير : فجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وتفترق الآية مع هذه الشواهد متى أردت أن تتبع بذهنك هذا اللفظ فتقدر للجزوع مثلاً موجوداً وتشبه القتل بذلك المثل أمكنك أو لا يمكنك هذا في جهة الله تعالى إلا أن تجعل المثل ما يتحصل في الذهن من العلم بالله تعالى، إذ المثل والمثال واحد، وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى: ليس كهو شيء. وقالوا لفظة مثل في الآية توكيد أو واقعة موقع هو. قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد دخول الكاف تأكيداً أنها قد تدخل على الكاف نفسها، وأنشد سيبويه: شعر : وصاليات ككما يؤثفين تفسير : والمقاليد: المفاتيح، قاله ابن عباس والحسن، وقال مجاهد: أصلها بالفارسية، وهي هاهنا استعارة لوقع كل أمر تحت قدرته. وقال السدي: المقاليد: الخزائن، وفي العبارة على هذا حذف مضاف، قال قتادة: من ملك مقالد خزائن، فالخزائن في ملكه، وبسط الرزق وقدره بيّن، وقد مضى تفسيره.

البقاعي

تفسير : ولما كانوا جميعاً يقرون بجميع ما وصف به نفسه المقدسة في هذه الآية عند الشدائد، بعضه تصريحاً من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء، وبعضه لزوماً وهو الإحياء بالبعث، تسبب عن ذلك قطعاً أن يقال مع صرف القول إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قرب إليهم كل خير وقرب إليهم فهم الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار، فما اتفقتم فيه من أمره سبحانه فهو الحق، وذلك هو أصل الدين الذي أطبق عليه الخلائق في وقت الاضطرار، لم يتلعثم فيه منهم ضعيف، ولا جبار منيف، عطف عليه قوله: {وما اختلفتم} أي أيها الخلق {فيه من شيء} وذلك هو الفروع مطلقاً والأصول في حال الرفاهية {فحكمه إلى الله} أي الذي هو الولي لا غيره وهو القدير لا غيره، فلا يخرج شيء عن أمره، فحصوا عنه تجدوه في كتابه لأن فيه تبيان كل شيء، فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه فاطلبوه في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عز عليكم ففي إجماع أهل دينه، فإن أعوزكم ذلك ففي القياس على شيء من ذلك. قال القشيري: هذه الأشياء هي قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله، فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة - انتهى. وما اجتهدتم فيه على ما شرع لكم وفصلتموه بما ظهر لكم على حكم بذل الجهد مضى، وما لا فصله بينكم سبحانه في هذا اليوم أن أراد بنصر المحق وخذلان الظالم، وإن أراد أخره إلى يوم الدين، فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه، فلا حكم لغيره لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولما أنتج هذا أنه لا عظيم غيره، ولا إله إلا هو، ترجم ذلك بقوله مخاطباً للكل: {ذلكم} أي العظيم الرتبة جداً {الله} المحيط بجميع أوصاف الكمال، فلا شريك له في شيء منه بوجه {ربي} الذي لا مربي له غيره في ماضٍ ولا حال ولا استقبال. ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: {عليه} أي وحده {توكلت} أي أسلمت جميع أمري {وإليه} أي لا إلى غيره {أنيب *} أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور، فأعرف منه حكمه فافعلوا أنتم كذلك، اجعلوه الحكم تفلحوا، ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا. ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله غيره لأنه خالق سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر، وصفه بالدليل على ذلك الذي جبل عليه جميع الفطر: {فاطر السماوات والأرض} أي مبتدئهما بالخلق والإخراج من العدم، وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه فهو منهما، فهو مما فطره كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه، فهذا هو السبب في العلم المركوز في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في الأزل ولا شيء معه. ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلاً، أتبعه ما سببه عن ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد القدرة في الخافقين، فقال معبراً بالفعلية تذكيراً بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك، فيوجب التوكل عليه وحده: {جعل لكم} أي بعد أن خلقكم من الأرض {من أنفسكم أزواجاً} يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم، ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال: {ومن} أي وجعل لكم من {الأنعام} الي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم قوامكم {أزواجاً} أي من أنفسها، يكون بها أيضاً بقاء نوعها، وكذا جميع الحيوانات، ومعنى قوله مغلباً العقلاء: {يذرؤكم} أي يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على القلوب، كان كأنه محيط بهم فقال: {فيه} أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم مولعين به، من قوله ذراه: خلقه وكثره وأولعه بالشيء، فيكون لكم في الأزواج من البشر نطفاً وجمالاً وولادة، وفي الأنعام غذاء وشراباً واكلاً، وغير ذلك مما لكم فيه من المنافع، ولا تزالون في هذا الوجه من الخلق والتزاوج نسلاً بعد نسل وجيلاً بعد جيل. ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب التزواج، كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على أبلغ وجه بقوله: استئنافاً في جواب من يسأل عنه: {ليس} وقدم الخبر لأن المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال: {كمثله} أي مثل نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته: {شيء} يزاوجه أو يناسبه، وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه، فله ما يزاوجه ويماثله، فالمراد بالمثل هنا النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم: مثل الرجل يمثل - إذا قام وانتصب، قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: والمثل يكون هو الحديث نفسه {أية : مثل الجنة التي وعد المتقون}تفسير : [الرعد: 35] فمثلها هو الخبر عنها، وقيل: المثل ههنا الصفة {أية : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} تفسير : [البقرة: 214] أي صفتهم، نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله القزاز قوله: {أية : ضرب مثل فاستمعوا له}تفسير : [الحج: 73] كذلك، لأنه قال: {إن الذين تدعون} الآية فصار الخبر عن ذلك هو المثل، قال: وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ {مثال} وقرأ {أمثال الجنة التي وعد المتقون} ثم قال: وهذا كله يدل على أن معنى {مثل} صفة صورة، قال أبو عبد الله: مثلت له الشيء تمثيلاً: صورته له حتى كأنه ينظر إليه، وفي الحديث: "حديث : مثلت لي الجنة والنار"تفسير : انتهى. في القاموس: المثل - بالكسر والتحريك وكأمر: المشبه، والمثل محركة: الحجة والحديث والصفة، والمثيل: المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش، جمعه أمثلة ومثل، والتمثال - بالكسر: الصورة ومثل قائماً: قام منتصباً كمثل بلاضم مثولاً - انتهى. وفي شمس العلوم: والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول: مثلي لا يقول هذا أي أنا انتهى. فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد، وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع فيما يشابهه، فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر، وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح، وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق، وزاد الانتقال، ويوضح ذلك قولهم: مثله له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه، فعلم قطعاً أن معنى الآية ما قلته، وأنه لو قيل {ليس كمثله شيء}، من غير كاف، لربما قال بعض أهل التعنت: هذا معناه أنه ليس شيئاً، لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء، وقد كانوا يتعنتون بدون هذا، فأتى بالكاف إزالةً لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير مراد, لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء، أحدهما أن له مثلاً، والثاني أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله، وذلك تناقض ظاهر يتعالى الله عن إرادة مثله علواً كبيراً - والله الموفق. ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطاناً عظيماً، وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل، قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام، وحكم العقل وطرد الوهم، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا. وأظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال: {وهو} أي والحال أنه لا غيره {السميع البصير *} أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف فيب قوله "وما اختلفتم" بعد ما صرح به، فالله هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - والله الموفق، قال الحرالي: السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم، والصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة، وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن لا يسمع ما هو مبدىء ألطف مثيله، أو لا يبصر ما هو مبدىء أظهر مثيله، ولما كان سبحانه وتعالى عليماً بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعاً لها بصيراً لها قبل كونها، وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك حسه، لا من هو دائماً سميع بصير بما هو دائماً عليم، فهو سبحانه يسمع الأشياء وإن لم تتسم، ويراها وإن لم تتصور، رؤيته لها وسمعه في خلقها وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع دائم، والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ولا يسمعونه قبل تكلمه - انتهى. فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساوٍ في شيء ما، فمن ادعى لأحد مساواته في شيء من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في تلك الصفة وهو أشد ملامة من المشرك بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك هذا ظاهر الوهي واضح الخلل بين السفسفة، وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله إلا راسخ وإن كان كل منهما يصير إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل أن يكون أحد شريكاً لأحد في شيء إلا وهو مساوٍ له في حقيقة الذات، وصالح في الجملة لأن يقوم مقامه في جميع الصفات، فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى بها الشيطان بعض من يريد الترقي في درجات العرفان، ليخرجه من جميع الأديان. ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز، وأراهم الآيات في الآفاق، بأن له ما في الوجود، وأنه هو الذي فطره، وكان ربما كان للإنسان شيء ولم يكن كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره، وكان ربما اخترع الإنسان بناء وكان لغيره، أخبر إكمالاً لتنزيه الآية السالفة وشرحاً له أنه تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا أيضاً بل كما كان أن له ما في الخافقين وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما، فقال: {له} أي وحده {مقاليد السماوات والأرض} أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الأمطار والأنبات وغيرهما وقد ثبت أنه ابتدعهما، وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه ولياً وغيره، قال القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه مقدوراته - انتهى. ولما كان قد حصر الأمر فيه دل عليه بقوله: {يبسط الرزق} أي الذي فيهما ولا مانع منه إلا قدرته {لمن يشاء} أي أن يبسطه له {ويقدر} أي يضيق ويقبض على من يشاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب وفاوت في الأفراد، بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ذلك قطعاً على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده من غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له، فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة {أية : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال}تفسير : [الآية 12: نوح] {أية : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار}تفسير : [الطلاق: 11] {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}تفسير : [الأعراف: 96] {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل}تفسير : [الآية 66: المائدة]. ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ علله بقوله مؤكداً لأن أعمال غالب الناس في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى عليه عمله: {إنه بكل شيء عليم *} فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة، فلو أنه وسع العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم، وله في كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن إدراك لطائفة أفاضل الأمم. ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في الوجود سواه، أنتج ذلك أنه لا ناهج لطرق الأديان التي هي أعظم الرزق وأعظم قاسمة للرزق غيره، فأعلمهم أنه لم يشرع ديناً قديماً وحديثاً غير ما اتفقوا عليه وقت الشدائد. فقال دالاً على ما ختم به الآية التي قبلها من شمول علمه ومرغباً في لزوم ما هدى إليه ودل عليه: {شرع} أي طرق وسن طريقاً ظاهراً بيناً واضحاً {لكم} أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة {من الدين} وهو ما يعمل فيجازي عليه. ولما كان السياق للدين، وكانوا هم المقصودين في هذا السياق بالأمر به، لأن الشارع لهم قد أنتجه، وكانوا لتقليدهم الآباء يرون أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم، ذكر لهم أول الآباء المرسلين إلى المخالفين فقال: {ما} أي الذي {وصى به} توصية عظيمة بعد إعلامه بانه شرعه {نوحاً} في الزمان الأقدم كما ختم به على لسان الخاتم، وأرسل به من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه سواه، فإن كنتم إنما تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم الأديان وكل ما سواه حادث مع أنه ما بعث نبياً من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا به ومع أنه توفرت على الشهادة به الفطر الأولى دائماً والفطر اللاحقة حتى من القلوب العاتية في أوقات الشدائد أبداً فأدخلوا فيه على بصيرة. ولما كان الإعجاز خاصاً بنا، أبرزه في مظهر العظمة معبراً بالوحي، وبالأصل في الموصلات، ودالاً على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله مع ترتيبهم عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال: {والذي أوحينا إليك} وأفرد الضمير زيادة في عظمته دلالة على أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم، ودل على عظمه ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة، وعلى نقصه عما إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بالتعبير بالوصية فقال: {وما وصينا} أي على ما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات {به إبراهيم} الذي نجيناه من كيد نمرود بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وهو أعظم آباء العرب وهم يدعون أكبر بالآباء فليكونوا على ما وصيناه به {وموسى} الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلاً لكل شيء {وعيسى} الذي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى ونور وموعظة، ودخرناه في سمائنا شريعة الخاتم الفاتح. ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى به، أبرزه في أسلوب الأمر فقال مبدلاً من معمول "شرع" أو مستأنفاً: {أن أقيموا} أي أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية {الدين} أي الذي اتفق عليه الخلائق بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو التوحيد والوصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به رسله هذا على تقدير أن تكون {أن} مصدرية، ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول. ولما عظمه الأمر بالاجتماع، أتبعه التعظيم بالنهي عن الافتراق فقال: {ولا تتفرقوا} أي تفرقاً عظيماً بما أشار إليه إثبات التاء، وكأن ذلك إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر القوة في الفرع {فيه} أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به الشارع له الآمر به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه، واجتمعوا على ما أرسله الذي أثبتم له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلاً في شيء من الأشياء، فإن التفرق سبب الهلاك، والاجتماع سبب النجاة، فكونوا يداً واحدة يا أهل الكتاب قال تعالى {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}. ولما نهى عن التفرق، حث على لزوم الاجتماع اللازم به بتعليل النهي بقوله: {كبُر على المشركين} أي جل وعظم وشق حتى ضاقت به صدورهم، وهو {ما تدعوهم إليه} أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبداً على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم عنه فإن تفرقتم عنه كنتم قد تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود. ولما كان الإخبار بكرّه عليهم ربنا أوهم اتباع أتباعهم له، أزال ذلك الوهم بقوله جواباً لمن كأنه قال: كيف السبيل مع ذلك إلى دخول أحد في هذا الدين، عادلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تعظيماً للقدرة على جميع القلوب: {الله} أي الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر {يجتبي} أي يختار بغاية العناية ويصرف {إليه} أي إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه {من يشاء} اجتباءه. ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير تكسب منه، أتبعه المزيد المعنى بالسلوك فقال: {ويهدي إليه} بالتوفيق للطاعة {من ينيب *} أي فيه أهلية لأن يجدد الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع إليها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد ‏{‏وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله‏}‏ قال‏:‏ فهو يحكم فيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، ‏{‏جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه‏}‏ قال‏:‏ عيش من الله، يعيشكم الله فيه‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏يذرؤكم فيه‏} ‏ قال‏:‏ نسلاً من بعد نسل، من الناس، والأنعام‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله ‏ {‏يذرؤكم‏} ‏ قال‏:‏ يخلقكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي وائل رضي الله عنه، قال‏:‏ بينما عبدالله رضي الله عنه يمدح ربه، إذ قال: مصعد‏‏ نعم الرب يذكر‏.‏ فقال عبدالله‏:‏ إني لأجله عن ذلك ‏ {‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏}‏ ‏.‏

القشيري

تفسير : {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}: أي إلى كتاب الله، وسُنَّةِ نبِّيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأئمة، وشواهِد القياس. والعبرةُ بهذه الأشياء فهي قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله؛ فإنَّ الكتابَ هو الذي يدلُّ على صحة هذه الجملة. ويقال: إذا لم تهتدوا إلى شيءٍ وتعارضت منكم الخواطر فَدَعُوا تدبيركم، والتجِئوا إلى ظلِّ شهود تقديره، وانتظِروا ما ينبغي لكم أن تفعلوه بحُكمْ تيسيره. ويقال إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم؛ لا تدرون أبا لسعادة جَرَى حُكْمُكُم أم بالشقاوة مضى اسمُكُم؟ فَكِلُوا الأمرَ فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكُّر فيما ليس لكم سبيل إلى عِلْمِه عن عواقبكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما اختلفتم فيه من شىء} حكاية لقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للمؤمنين لقوله بعده ذلكم الله ربى الخ اى ما خالفكم الكفار فيه من امور الدين فاختلفتم انتم وهم {فحكمه} راجع {الى الله} وهو اثابة المحقين وعقاب المبطلين يوم الفصل والجزآء فعلى هذا لا يجوز ان يحمل على الاختلاف بين المجتهدين لأن الاجتهاد بحضرته عليه السلام لا يجوز وفى لتأيلات النجمية يشير الى اختلاف العلماء فى شىء من الشرعيات والمعارف الالهية فالحكم فى ذلك الى كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام واجماع الامة وشواهد القياس او الى اهل الذكر كما قال تعالى فسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ولا يرجعون الى العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال فان فيها للنفس والشيطان مدخلا بالقاء الشبهات وادنى الشبهة فى التوحيد كفر وقد زلت اقدام جميع اهل الاهوآء والبدع والفلاسفة عن الصراط المستقيم والدين القويم بهذه المزلة {ذلكم} الحاكم العظيم الشان وهو مبتدأ {الله} خبر {ربى} ومالكى لقب لله {عليه} خاصة لا على غيره {توكلت} فى كل امورى التى من جملتها رد كيد أعداء الدين {واليه} لا الى أحد سواه {انيب} ارجع فى كل ما يعن لى من معضلات الامور التى منها كفاية شرهم والنصر عليهم وحيث كان التوكل امرا واحدا مستمرا والانابة متعددة متجددة حسب تجدد موادها اوثر فى الاول صيغة الماضى وفى الثانى صيغة المضارع وفيه اشارة الى أنه اذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم ام بالشقاوة مضى اسمكم فكلوا الامر فيه الى الله واشتغلوا فى الوقت بامر الله دون التفكر فيما ليس لعقولكم سبيل الى معرفته وعلمه من عواقبكم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما اختلفتمْ فيه من شيءٍ فحُكمه إِلى الله}، حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، بدليل قوله: {ذلكم اللهُ ربي} أي: ما خالفكم الكفار فيه من أهل الكتاب والمشركين، من أمور الدين، واختلفتم أنتم وهم، فحُكم ذلك المختلف فيه راجع إلى الله، ومُفوض إليه، وهو إثابةُ المحقّين فيه، ومعاقبة المبطلين. والمختار العموم، أي: وما اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول أو الفروع، فحُكم ذلك إلى الله، وقد قال في آية أخرى: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} تفسير : [النساء: 59]. فكل ما اختلف فيه يُردّ إلى كتاب الله، ثم إلى سنّة رسول الله، ثم إلى الإجماع، ثم القياس، فهذه هي قواعد الشريعة، وعليها بُنيت الأحكام، فمَن خرج عنها فهو مبطل، ففي كتاب الله، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم من علم الأصول والفروع ما فيه غُنية، فإن لم يوجد نص فالإجماع أو القياس. وقيل: ما اختلفتم فيه من العلوم، التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم. ثم قال: {ذلكم اللهُ ربي} أي: ذلكم العظيم الشأن؛ الله مالكي ومدبر أمري، {عليه توكلتُ} في جميع أموري، لا على غيره، {وإِليه أُنيبُ}؛ أرجع في كل ما يعرض لي، لا إلى أحد سواه. وحيث كان التوكُّل أمراً واحداً مستمراً، والإنابة متعددة، متجددة بحسب تجدُّد مؤداها، أُوثر في الأول صيغة الماضي، والثاني صيغة المضارع. {فاطرُ السماواتِ والأرضِ}؛ خالقهما ومظهرهما، وهو خبر ثان لذلكم، أو عن مضمر، {جعل لكم من أنفسكم}؛ من جنسكم {أزواجاً}؛ نساء {ومن الأنعام أزواجاً} أي: وجعل للأنعام من جنسها أزواجاً، أو: خلق لكم من الأنعام أصنافاً؛ ذكوراً وإناثاً، {يذرؤكم فيه} أي: يكثّركم فيما ذكر من التدبير البديع، من: الذرء، وهو البث، فجعل الناس والأنعام أزواجاً، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، واختير لفظ "فيه" على "به"؛ لأنه جَعَل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. والضمير في "يذرؤكم" يرجع إلى المخاطَبين والأنعام، مغلباً فيه المخاطبون العقلاء على غيرهم. وقال الهروي: {يذرؤكم فيه} أي: يكثّركم بالتزويج، كأنه قال: يذرؤكم به. هـ. وقال ابن عطية: لفظة "ذرأ" تزيد على لفظة "خلق" معنى آخر، ليس في خلق، وهو توالي طبقاته على مرّ الزمان، وقوله: "فيه" الضمير عائد على الجعل. وقال القتبي: الضمير للتزويج. هـ. {ليس كمثله شيءٌ} أي: ليس مثله شيء في شأن من الشؤون، التي من جملتها هذا التدبير البديع. قيل: إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. قال ابن عطية: الكاف مؤكدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمر، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة. هـ. قال النسفي: وقيل: المثل زائد، والتقدير: ليس كهو شيء، كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ} تفسير : [البقرة: 137]، وهذا لأن المراد نفي المثليّة، وإذا لم نجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل. هـ. والجواب ما تقدّم لابن عطية. وقيل: الآية جرت على طريق الكناية، كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، أي: أنت لا تبخل؛ لأنه إذا نفي البخل عمن هو مثله كان نفيه عنه أولى. ثم قال تعالى: {وهو السميعُ البصيرُ}؛ سميع لجميع المسموعات بلا آذان، بصير بجميع المبصرات بلا أجفان. وذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له، كما لا مثل له، وقدّم تنزيهه عن المماثلة على وصفه بالسمع والبصر ليعلمنا أن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا. {له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ} مفاتيح خزائنها، {يبسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ} أي: يوسعه {ويَقْدرُ} أي: يُضيق على ما تقتضيه المناسبة المبنية على الحِكَم البالغة. {إِنه بكل شيءٍ عليمٌ} لا يخفى عليه شيء، فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته البالغة. قال ابن عرفة: تضمنت هذه الآية وصفه تعالى بجميع صفات الكمال، فالقدرة في قوله: {فاطر السماوات والأرض} والوحدانية في قوله: {ليس كمثله شيء} والإرادة في قوله: {يبسط الرزق لمَن يشاء}؛ لأن تخصيص البعض بالبسط إنما هو بالإرادة. والعلم في قوله: {إنه بكل شيء عليم}، والكلام في قوله: {شرع لكم من الدين}؛ لأن المراد به الحكم الشرعي، وهو خطاب الله تعالى المعلّق بأفعال المكلفين، وخطابه كلامه. هـ. زاد في الحاشية الفاسية: يعني وكل وصف من هذه الأوصاف يستلزم الحياة، مع أنه قال: {يُحيي الموتى} والإحياء إنما يكون من الحي. هـ. الإشارة: قوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء} قال القشيري: ويُقال إذا لم تهتدوا إلى شيء وتعرضت منهم الخواطر؛ فَدَعُوا تدبيركم والتجئوا إلى ظلِّ شهود تقديره، وانتظروا ما الذي ينبغي لكم أن تفعلوا بحُكم تيسيره. ويقال: إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم، فلا تدرون أبالسعادة جَرَى حُكْمُكم، أو بالشقاوة جرى اسمُكم، فَكِلوا الأمرَ فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله، دون التفكُّر فيما ليس له سبيل إلى عِلْمِه من عواقبكم. هـ. وقوله: {فاطرُ السماوات والأرض} أي: شققهما من أسرار الغيب، ومتجلٍّ بهما وسائر الكائنات. جعل لكم في عالم الحكمة من أنفسكم أزواجاً ليقع التناسل، بعضكم من بعض، ومن الأنعام أزواجاً ليقع التناسل فيها؛ وأما بحر الجبروت فليس كمثله شيء. وقال بعض العارفين: ليت شعري هل معه شيء حتى يشبهه أو لا يشبهه، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. فقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} أي: ليس معه شيء حتى يشبهه. وقال الورتجبي عن الواسطي: أمور التوحيد كلها خرجت من هذه الآية؛ لأنه ما عبّر عن الحقيقة بشيء إلا والعلة مصحوبة، والعبارة منقوضة؛ لأن الحق لا يُنعت على أقداره؛ لأن كل ناعت مُشرف على المنعوت، وجلّ أن يشرف عليه مخلوق. وقال الشبلي: كل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف إليكم، ومردود عليكم، محدث مصنوع مثلكم؛ لأن حقيقته عالية عن أن تلحقها عبارة، أو يدركها وهم، أو يحيط بها علم، كلا، كيف يحيط به علم، وقد اتفق فيه الأضداد، بقوله: {أية : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}تفسير : [الحديد: 3]؟ أيّ عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ؟ كلاّ، قصرت عنه العبارة، وخرست الألسن لقوله: {ليس كمثله شيء}. هـ. ولما عَرَّف بذاته وصفاته، ذكر شرائعه لعباده، فقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} يعني ما اختلفتم فيه من الكفر والإيمان، فحكمه إلى الله، أي: فهو يحكم بينهم فيه، يعني المؤمنين والمشركين، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل المشركين النار. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} يقوله النبي عليه السلام، أي: قل لهم: ذلكم الله ربي، أي: الذي الحكم إليه. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي: إليه أرجع. {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} يعني النساء، أي: تتوالدون فيكثر عددكم {وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} ذكوراً وإناثاً في تفسير الحسن؛ أي جعل معايشكم فيها. وقال الكلبي: {وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} أي: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين، الواحد منها زوج. {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي: يخلقكم فيه نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ} أي: فلا أسمع منه {البَصِيرُ} فلا أبصر منه. {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: مفاتيح السماوات والأرض في تفسير مجاهد وغيره. وقال مجاهد: هي بالفارسية. وقال الحسن: المفاتيح والخزائن. وقال الكلبي: الخزائن؛ {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر، نظراً منه للمؤمن، فيقتر عليه الرزق. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. قوله: {شَرَعَ لَكُم} أي: فرض لكم، في تفسير الحسن. وقال بعضهم اختار لكم. {مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} أي: ما أمر به نوحاً {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ} أي: ما أمرنا به {إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل. {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: الإسلام {وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} وهذا ما فرض الله على جميع أنبيائه، وبعث به رسله إلى خلقه. وهو كقوله: (أية : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) تفسير : [الأنعام:153] إلى آخر الآية. وقال في آية أخرى: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)تفسير : [الأنبياء:25]. وقال في آية أخرى: (أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) تفسير : [آل عمران:85]. قوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من عبادة الله وترك عبادة الأوثان. {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء} [أي: يختار لنفسه] يعني الأنبياء. قال مجاهد: يستخلص لنفسه من يشاء. والاستخلاص والاختيار والاصطفاء واحد. قال الحسن: هو كقوله: (أية : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) تفسير : [الحج:75] وقال بعضهم: يجتبي إليه، أي: إلى دينه من يشاء. {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي: من يُخلص له.

اطفيش

تفسير : {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ} أنتم والكفار* {فِيهِ مِن شَيءٍ} ديني أو دنيوي وقيل المراد الديني* {فَحُكْمُهُ} مردود* {إِلَى اللهِ} يحكم يوم القيامة باثابة المحق وعقاب المبطل وقيل تحاكموا فيه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان حكمه حكم الله وقيل ما اختلفتم فيه من المتشابه فارجعوا فيه الى المحكم من كتاب الله وسنة النبي* {ذَلِكُمُ} الحاكم بينكم. {اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فى رد كيد أعداء الدين* {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجع فى كفاية شرهم وقيل توكلت فى جميع الأمور وأنيب في المعضلات والهموم والمهمات هذا وقيل ما اختلفتم فيه من المشكلات فقولوا الله أعلم ويجوز حمله على اجتهاد المجتهدين بناء على جواز الاجتهاد فى زمانه صلى الله عليه وسلم فى أحكام الشريعة وقيل لا يجوز

اطفيش

تفسير : {وما اخْتلفْتم} أنتم أيها النبى والمؤمنون والكفار {فيه من شَيءٍ} كاتخاذكم أيها النبى والمؤمنون الله وحده ولياً، وقيل: الخطاب للمؤمنين فيما تنازعوا فيه من الخصومات كقوله تعالى: " أية : فإن تنازعتم " تفسير : [النساء: 59] الخ، وفى الروح: " أية : قل الروح من أمر ربي " تفسير : [الإسراء: 85] فقد حكم الله فيها، ومن تفسير آية من المتشابه أو غيره، والظاهر عموم الخطاب للمؤمنين والكافرين والسياق للكفرة، ودخل المؤمنون بالاختلاف {فحُكْمه إلى الله} راجع الى الله عز وجل، والعالم به، يحكم فيه فيثيب المحق، ويعاقب المبطل {ذلكم} أى العالى الشأن {اللهُ ربِّي عليْه توكَّلت وإليه أنيبُ} أى قل ذلكم الله ربى الخ، ويجوز أن يكون مع ما قبله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان التوكل دفعة كان بالماضى، والانابة تتجدد بحسب الحوادث، كانت بمضارع التجدد.

الالوسي

تفسير : {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء} إلى آخره حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أي ما خالفكم الكفار فيه من أمور الدين كاتخاذ الله تعالى وحده ولياً فاختلفتم أنتم وهم {فَحُكْمُهُ} راجع {إِلَى ٱللَّهِ} وهو إثابة المحقين وعقاب المبطلين، ويجوز أن يكون كلاماً من جهته تعالى متضمناً التسلية ويكون قوله تعالى: {ذٰلِكُم } الخ بتقدير قل، والإمام اعتبره من أول الكلام، وأياً ما كان فالإشارة إليه تعالى من حيث اتصافه بما تقدم من الصفات على ما قاله الطيبـي من كونه تعالى هو يحي الموتى وكونه سبحانه على كل شيء قدير وكونه عز وجل ما اختلفوا فيه فحكمه إليه. وقال في «الإرشاد»: ((أي ذلكم الحاكم العظيم الشأن {ٱللَّهُ رَبّي} مالكي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في مجامع أموري خاصة لا على غيره {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجع في كل ما يعن لي من معضلات الأمور لا إلى أحد سواه وحيث كان التوكل أمراً واحداً مستمراً والإنابة متعددة متجددة حسب تجدد موادها أوثر في الأول صيغة الماضي وفي الثاني صيغة المضارع، وقيل: وما اختلفتم فيه وتنازعتم من شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره كقوله تعالى: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [النساء: 59]. وقيل: وما اختلفتم فيه من شيء من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله تعالى والظاهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتعلق بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا الله تعالى أعلم كمعرفة الروح)). وأورد على الكل أنه مخالف للسياق لأن الكلام مسوق للمشركين وهو على ذلك مخصوص بالمؤمنين. وظاهر كلام الإمام اختيار الاختصاص فإنه قال في وجه النظم الكريم: إنه تعالى كما منع رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان كذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معه في الخصومات والمنازعات، وذكر أنه احتج نفاة القياس به فقالوا: إما أن يكون المراد منه وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه مستفاد من نص الله تعالى أو من القياس على ما نص سبحانه عليه والثاني باطل لأنه يقتضي أن تكون كل الأحكام مبنية على القياس فتعين الأول، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيان الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ وأجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله تعالى قطع الاختلاف لقوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ} والرجوع إلى القياس مما يقوي الاختلاف فوجب الرجوع إلى النصوص اهـ. وأنت تعلم أن النصوص غير كافية في جميع الأحكام وأن الآية على ما سمعت أولاً مما لا يكاد يصح الاستدلال بها على هذا المطلب من أول الأمر. وفي «الكشاف» ((لا يجوز حمل الاختلاف فيها على اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم)) ولا يخفى عليك أن هذه المسألة مختلف فيها فقال الأكثرون بجواز الاجتهاد المذكور عقلاً ومنهم من أحاله، ثم المجوزون، منهم من منع وقوع التعبد به وهو مذهب أبـي علي وابنه أبـي هاشم، وإليه ذهب صاحب «الكشاف» وذكر ما يخالفه نقل لمذهب الغير وإن لم يعقبه برد كما هو عادته / في الأكثر ومنهم من ادعى الوقوع ظناً ومنهم من جزم بالوقوع، وقيل: إنه الأصح عند الأصوليين ومنهم من توقف، والبحث فيها مستوفى في أصول الفقه، والذي نقوله هنا: إن الاستدلال بالآية على منعه لا يكاد يتم وأقل ما يقال فيه: إنه استدلال بما فيه احتمال.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحاً في آيات كثيرة. فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته قال في حكمه {أية : ُوَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ولا تشرك في حكمه أحداً} بصيغة النهي. وقال في الإشراك به في عبادته: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} تفسير : [الكهف: 110]، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله. وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرآن في آيات كثيرة، على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [يوسف: 40]، وقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} تفسير : [يوسف: 67] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 57] وقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 26]، وقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 88]، وقوله تعالى {أية : لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 70] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدمنا إيضاحها في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 26]. وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة جداً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 100]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]، وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس: 60] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، كما تقدم إيضاحه في الكهف. مسألة اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع. سبحان الله وتعالى عن ذلك. فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، فليتبع تشريعهم. وإن ظهر يقيناً أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه. فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الشورى: 10-12]. فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] الآية، وأنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} وأنه {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وأنه هو الذي {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر}تفسير : [الشورى: 12] أي يضيقه على من يشاء وهو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [النساء: 59] فقوله فيها: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} كقوله في هذه {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}. وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ} من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة، إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم، المعبر عنه في الآية بالطاغوت، وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت، وذلك في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 60]. فالكفر بالطاغوت، الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية، شرط في الإيمان كما بينه تعالى في قوله: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [البقرة: 256]. فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 26]. فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً؟ ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 88]. فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} تفسير : [غافر: 12] فهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي، بأنه العلي الكبير؟ سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُون وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [القصص: 70-73]. فهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبيناً بذلك كمال قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه. سبحان خالق السماوات والأرض، جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته، أو ملكه. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يوسف: 40]. فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم؟ سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ومنها قوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} تفسير : [يوسف: 67]. فهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه، وتفوض الأمور إليه؟ ومنها قوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} تفسير : [المائدة: 49-50]. فهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه مخالف لاتباع الهوى؟ وأن من تولى عنه أصابه الله ببعض ذنوبه؟ لأن الذنوب لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة؟ وأنه لا حكم أحسن من حكمه لقوم يوقنون؟ سبحان ربنا وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. ومنها قوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 57]. فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟ ومنها قوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 114-115] الآية. فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلاً، الذي يشهد أهل الكتاب أنه منزل من ربك بالحق، وبأنه تمت كلماته صدقاً وعدلاً أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، وأنه لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم؟ سبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه. ومنها قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59]. فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم؟ سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم. ومنها قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44]. فهل فيهم من يستحق الوصف بذلك؟ سبحان ربنا وتعالى عن ذلك. ومنها قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النحل: 116-117]. فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب، لأجل أن يفتروه على الله، وأنهم لا يفلحون وأنهم يمتعون قليلاً ثم يعذبون العذاب الأليم، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم. ومنها قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 150] الآية. فقوله: {هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} صيغة تعجيز، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم. وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم. ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية. كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله. والآيات الدالة على هذا كثيرة، وقد قدمناها مراراً وسنعيد ما فيه كفاية، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه، أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت مناظرة بين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، في حكم من أحكام التحريم والتحليل وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن، في وحيه في تحريمه، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله. وقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام. وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه: سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها. فقالوا: الميتة إذاً ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال، فأنتم إذا أحسن من الله وأحل ذبيحة. فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 121] يعني الميتة أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب: {أية : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام: 121] والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ} وقوله: {لَفِسْقٌ} أي خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع الشيطان: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} تفسير : [الأنعام: 121]. أي بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذاً أحسن من الله، وأحل تذكية، ثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121] فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله. وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة إنكم لمشركون بالفاء، لأنه لو كان شرطاً لم يسبقه قسم لقيل: فإنكم لمشركون على حد قوله في الخلاصة: شعر : واقرن بفا حتما جواباً لو جعل شرطاً لإن أو غيرها لم ينجعل تفسير : وهو مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر. وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقاً، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب الله. إحداهما قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]. والثانية قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة خلاف التحقيق. بل المسوغ لحذف الفاء في آية: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تقدير القسم المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء على حد قوله في الخلاصة: شعر : واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أحرت فهو ملتزم تفسير : وعليه: فجملة إنكم لمشركون جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف فلا دليل في الآية لحذف الفاء المذكور. والمسوغ له في آية {أية : بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] أن ما في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد من المحققين، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم. وأما على قراءة الجمهور: فما موصولة أيضاً، ودخول الفاء في خبر الموصول جائز كما أن عدمه جائز فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز. ومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 274] وهو كثير في القرآن وقال بعضهم: إن ما في قراءة الجمهور شرطية، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب أما على قراءة نافع وابن عامر، فهي موصولة ليس إلا كما هو التحقيق إن شاء الله. وكون ما شرطية على قراءة وموصولة على قراءة لا إشكال فيه. لما قدمنا من أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين. ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 100]، فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفاً لما جاءت به الرسل، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 100] وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه عبادة للشيطان. ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} تفسير : [يس: 60-62]، ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولاً أولياً {أية : أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 62]. ثم بين المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا، في قوله تعالى: {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [يس: 63-65] وقال تعالى: عن نبيه إبراهيم {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} تفسير : [مريم: 44] فقوله: لا تعبد الشيطان: أي باتباع ما يشرعه من الكفر والمعاصي، مخالفاً لما شرعه الله. وقال تعالى: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} تفسير : [النساء: 117] فقوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً} يعني ما يعبدون إلا شيطاناً مريداً. وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 40-41]. فقوله تعالى: {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم، من الكفر والمعاصي على أصح التفسيرين. والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22] إلى قوله {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 22] فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة. وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه عن قوله: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} تفسير : [التوبة: 31] كيف اتخذوهم أرباباً؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم "حديث : أنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً ". تفسير : ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئاً، يعلمون أن الله حرمه وحرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله، فإنهم يزدادون كفراً جديداً بذلك، مع كفرهم الأول، وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 37] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]. وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} تفسير : [الأنعام: 137] فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد. وقوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 21] فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء، ومما يزيد ذلك إيضاحاً، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22] الآية، وهو واضح كما ترى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما اختلفتم فيه من شيء: أي من أمور الدين والدنيا مع الكفار أو مع المؤمنين. فحكمه إلى الله: هو الذي يقضي فيه في الدنيا بما ينزل من وحي على رسوله وفي الآخرة إذْ الحكم له دون غيره. ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب: أي قل لهم يا رسولنا ذلكم الحاكم العدل العظيم الله ربي عليه توكلت أي فوضت أمري إليه، وإليه لا إلى غيره أرجع في أموري كلها. فاطر السماوات والأرض: أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق. جعل لكم من أنفسكم أزواجا: أي بأن جعلكم ذكراً وأنثى، ومن الأنعام كذلك. يذرؤكم فيه: أي يخلقكم في هذا التدبير وهو من الذكر والأنثى يخرجكم. ليس كمثله شيء: أي ليس مثل الله شيء إذ هو الخالق لكل شيء فلا يكون مخلوق مثله بحال من الأحوال. وهو السميع البصير: أي السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم. معنى الآيات: يقول تعالى وما اختلفتم فيه من شيء من أمور الدين والدنيا أيها الناس فحكمه إلى الله تعالى هو الذي يحكم فيه بالعدل فردوه إليه سبحانه وتعالى فإنه يقضي بينكم بالحق. وهنا أمر رسوله أن يقول للمشركين ذلكم المذكور بصفات الجلال والكمال الحكم العدل الذي يقضي ولا يقضى عليه الله ربي الذي ليس لي رب سواه عليه توكلت ففوضت أمري إليه واثقاً في كفايته وإليه وحده أنيب أي أرجع في أموري كلها، ثم واصل ذكر صفاته الفعلية فقال فاطر السماوات والأرض أي خالق السماوات السبع والأرض مبدعهما من غير مثال سابق {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} إذْ خلق حواء من ضلع آدم ثم جعلكم تتناسلون من ذكر وأنثى ومن الأنعام أزواجاً أيضا وهما الذكر والأنثى وقوله {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي يخلقكم فيه أي في هذا النظام نظام الذكر والأنثى كأن الذكورة والأنوثة معمل من المعامل يتم فيه خلق الإِنسان والحيوان فسبحان الخلاق العليم. وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} هذا تعريف عرف تعالى به نفسه ليعرف بين عباده وهو أنه عز وجل ليس مثله شيء أي فلا شيء مثله فعرف بالتفرد بالوحدانية فالذي ليس له مثل ولا مثله شيء هو الله ذو الأسماء الحسنى والصفات العليا وهو السميع لكل الأصوات العليم بكل الكائنات. وقوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، وله مغاليقها فهو تعالى يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً ويضيق ابتلاء، لأنه بكل شيء عليم فلا يطلب الرزق إلاَّ منه، ولا يلجأ فيه إلا إليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب ردّ ما اختلف فيه إلى الله تعالى ليحكم فيه وهو الرد إلى الكتاب والسنة. 2- وجوب التوكل عليه والإِنابة إليه في كل الأمور. 3- تنزيه الله تعالى عن مشابهته لخلقه مع وجوب الإِيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. 4- وجوب الإِيمان بأن الله هو الرزاق بيده مفاتح خزائن الأرزاق فمن شاء وسع عليه، ومن شاء ضيق، وأنه يوسع لحكمه ويضيق لأخرى.

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - وَإِذَا تَنَازَعْتُمْ وَاخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَرُدُّوا حُكْمَهُ إِلَى اللهِ، فَهُوَ الحَاكِمُ العَادِلُ الذِي يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَذَلِكَ الحَاكِمُ العَادِلُ فِي كُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ الذِي أَعْبُدُهُ، وَأَتَّخِذُهُ لِي رَبّاً، وَلاَ أَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَلاَ أَدْعُو سِوَاهُ، عَلَيْهِ تَوكلْتُ فِي دفْعِ كَيْدِ الأَعْدَاءِ، وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي جَمِيعِ أُمُورِي. أَنَابَ - رَجَعَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الاختلاف هو عدم التقاء الآراء في قضية ما، وينقسم الجمع إلى فريقين أو أكثر، كُلٌّ يؤيد رأيه ويعارض رأي الآخر، ويقابله الوفاق والآراء تختلف إما في نقاش جاد مُثمر يُراد منه الوصول للحقيقة، وإما جدل ولجاجة لا فائدةَ منها ومِراءٌ بالباطل. لذلك يُعلمنا الحق سبحانه ماذا نفعل حين نختلف، أنْ نردَّ الأمر والحكم لله، لذلك لما اختلفوا مثلاً في الروح وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85]. كذلك علَّمنا الحق سبحانه أدبَ الخلاف وألاَّ نتعجل في الحكم، وأن نبحثه بموضوعية، فقد يكون المختلفون متفقين في واقع الأمر وهم لا يعلمون وجه هذا الاتفاق، حديث : ففي غزوة الأحزاب بعد أن عادت قريش إلى مكة، واليهود إلى أماكنهم أخبر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن اليهود هم سبب هذه الحرب، وأصل هذه البلوى، فاذهب إليهم ولا تخلع لباس الحرب، فذهب رسول الله إلى جيشه العائد من الحرب وقال لهم: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" ". تفسير : يريد الحرب، فعاد الصحابة وتوجَّهوا إلى بني قريظة، فدخل عليهم وقت المغرب وهم في الطريق فاختلفوا في صلاة العصر، فريق يقول يجب أن نصليها الآن قبل فوات وقتها، وفريق يقول: لا بل نصليها في بني قريظة كما أمر رسول الله. إذن: رأى تعصَّب للزمان، ورأى تعصَّب للمكان، فمَنْ تعصَّب للزمان صلى في الطريق ومن تعصَّب للمكان صلى في بني قريظة، حتى إذا ما التقوْا برسول الله عرضوا عليه هذا الخلاف، فأقرَّ كلاّ منهم على رأيه، ولم يعارض هذا ولا ذاك. إذن: كان اختلافاً شكلياً، وهم لا يدرون أنهم جميعاً على الحق، وأنهم في وفاق، إذن: حين نختلف علينا أنْ نردَّ الأمر إلى الله وإلى رسول الله، وأنْ نكون موضوعيين دون تعصُّب، هذا في الخلاف بين المؤمنين. كذلك إنْ كان الخلاف مع أهل الكتاب اليهود أو النصارى، رُدُّوا خلافكم معهم إلى الله، لأن عندهم كتباً سماوية: التوراة والإنجيل، وفيها تصديق بمحمد خاتم الرسل، وفيها بشارة به، وفيها صفاته وعلاماته، بدليل أن منهم مَنْ آمن بعد بعثة رسول الله، فرُدوا خلافكم معهم إلى الله لتقطعوا عليهم طريق اللجج والعناد والخصومة. ومعنى {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [الشورى: 10] وأيضاً إلى رسول الله لأنه نائب عن الله في الأحكام، وقد أعطاه الله حَقَّ التشريع بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7] وهذه مَيزة لم ينَلْها أحدٌ من الرسل قبل رسول الله، حيث كان عليهم البلاغ فقط، أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوّضه ربه في التشريع. لذلك لما قال أحد المجادلين: ما الدليل على أن الصبح ركعتان، والظهر أربع، والمغرب ثلاث؟ قال: الدليل قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. وكوْنك تحكِّم الحق سبحانه في مسألة خلافية وتعرضها على قول الله وقول رسول الله، هذه الرجعة تُنهي الخلاف وتُنهي المراء، ولا غضاضةَ على أحد أنْ يحتكم إلى قوة أعلى تلتقي عليها القلوب في صفاء ورضا بحكمه تعالى، ألا ترى أن الحكم عليك إنْ جاء من بشر مثلك ربما لا تقبله حتى لو كان صواباً، أما حين يكون الحكم لله فلا غضاضةَ ولا حرج. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [الشورى: 10] {ذَلِكُمُ} اسم اشارة للتعظيم، فـ {ذا} إشارة، واللام للبُعْد، والكاف للخطاب {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي} تقولها وأنت فخور بها، مُعتز بالانتساب إليه سبحانه، وكأنه شيء عالٍ فوق كل تصوُّر، والرب قلنا: هو الذي يتولَّى التربية والعطاء، ومنه الفضل والإنعام، وعليه أتوكل في كل أمري {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] أرجع وأعود في الآخرة للحساب والجزاء. وحين أقول {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي} [الشورى: 10] فأنا معتز بالربوبية التي تُربي وتعطي، ومعتز بالألوهية التي تكلف، لأن التكليف من تمام التربية، ومقتضى تربيتي أن تكون دنياي سعيدة، لكن الدنيا موقوتة ومنتهية، فالتربية الحقة إذن أنْ أربيك لشيء أبقى وأدوم وهي الآخرة التي لا ينقطع نعيمها ولا أغادرها بموت ولا تغادرني بفناء. البعض يقول: التربية هنا للمادة، نقول: للمادة وللقيم والروح أيضاً، لذلك يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24] ما معنى (يحييكم) هنا ألم يخاطبهم وهم أحياء يسمعون؟ إذن: المراد حياة أخرى غير حياة المادة، المراد حياة القيم والروح، الحياة الخالدة التي لا تفوتك ولا تفوتها. لذلك يُسمَّى المنهج الذي يمنحك هذه الحياة روحاً قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] نعم روحاً، تعطيك الحياة الأبدية أما الروح الأولى فتعطيك فقط الحياة الدنيا، ويُسمى كذلك الملك الذي ينزل بالمنهج روحاًَ: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. إذن: نفهم أن الحياة المطلوبة ليستْ هي الحياة الدنيا، إنما الدنيا وسيلة وأداة مُوصِّلة إلى غاية أفضل منها، ولكي أصل إلى هذه الغاية ينبغي عليَّ أن أستقيم على منهج مَنْ سيعطيني هذه الحياة. إذن {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي} [الشورى: 10] جمعت بين لفظ الألوهية والعبادة والتكليف وبين لفظ الربوبية التي تُربِّي وتعطي وتمنح. وتأمل آداء القرآن في مسألة التوكل (عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ) أهل اللغة يسمون هذا الأسلوب أسلوبَ قصر بتقديم الجار والمجرور (عَليْه) مُقدَّم على الفعل (توكَّلْتُ) وهذا يفيد القصر والحصر، فتوكّلي على الله لا على سواه على الله فحسب، أما لو قلت: توكلت على الله يجوز أنْ تزيد عليها: وعلى فلان. فأسلوب القصر يقصر التوكل على الله وحده. قالوا: والتوكل على الله رصيدُ مَن فقد الأسباب وخرج من حَوْله وقوته إلى قوة ربه وخالقه؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء أسباباً، فإذا عزَّتْ الأسباب نلجأ إلى المسبِّب سبحانه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62]. والمضطر هو الذي استنفد كل الأسباب المتاحة، وعندها لا يُسلِم نفسه للأحداث ولا ييأس، إنما يقول: إن لي رباً فوق الأسباب، فهو خالقها ومسبِّبها ولن يتخلى عني حين ألجأ إليه. وسبق أن ذكرنا لكم قصة سيدنا موسى عليه السلام لما أدركه فرعون وجنوده وحاصروهم عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب موسى {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] فواقع الأحداث أن البحر أمامهم والعدو خلفهم ولا مفرّ، لكن لموسى مع ربه حسابات أخرى، فقال رداً عليهم: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. وهذا هو التوكل الذي يعتمد على الثقة بالله، توكل المضطر الذي عزَّتْ عليه أسبابه، ولم يَبْقَ له إلا أنْ يلجأ إلى الله، لذلك جاء الجواب من الحق سبحانه معجزةً خالدة باهرة: {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 63-66]. كذلك في {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور على الفعل يعني: أرجع إليه وحده لا إلى أحد سواه. وتلحظ على الأسلوب هنا أن التوكل جاء بصيغة الماضي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [الشورى: 10] أما الإنابة فجاءت بصيغة المضارع {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] هذه الدقة في التعبير، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله. فطبيعي أن تجد هذه الحبكة والدقة اللغوية، ذلك لأن التوكل عقيدة راسخة من أول الأمر وقبل أنْ تتكلم في التوكل، فهو ناشئ أولاً وموجود، أما الإنابة إليه والرجوع فيكون وقت الحدث في المستقبل حينما نرجع إليه سبحانه. ثم يتحدث عن حيثية أخرى من حيثيات قدرته تعالى وأنه هو الولي الحق: {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 10]. يقول: يحكم فيه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الآية: 11]. يعني: نسلا بعد نسل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 12]. مفاتيح السماوات والأَرض وهي بالفارسية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ } من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي } أي: فكما أنه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر، فهو تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم. ومفهوم الآية الكريمة، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة، لأن اللّه تعالى لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه، فما اتفقنا عليه، يكفي اتفاق الأمة عليه، لأنها معصومة عن الخطأ، ولا بد أن يكون اتفاقها موافقا لما في كتاب اللّه وسنة رسوله. وقوله: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ودفع المضار، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك. { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي: أتوجه بقلبي وبدني إليه، وإلى طاعته وعبادته. وهذان الأصلان، كثيرا ما يذكرهما اللّه في كتابه، لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما، كقوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } تفسير : وقوله: {أية : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } . تفسير : { فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. { وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا. { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. { وَهُوَ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { الْبَصِيرُ } يرى دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدا، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة. وهذه الآية ونحوها، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات. وفيها رد على المشبهة في قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وعلى المعطلة في قوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } وقوله: { لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: له ملك السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة. فكل الخلق مفتقرون إلى اللّه، في جلب مصالحهم، ودفع المضار عنهم، في كل الأحوال، ليس بيد أحد من الأمر شيء. واللّه تعالى هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع الشر إلا هو، و {أية : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ }. تفسير : ولهذا قال هنا: { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } أي: يوسعه ويعطيه من أصناف الرزق ما شاء، { وَيَقْدِرُ } أي: يضيق على من يشاء، حتى يكون بقدر حاجته، لا يزيد عنها، وكل هذا تابع لعلمه وحكمته، فلهذا قال: { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم أحوال عباده، فيعطي كلا ما يليق بحكمته وتقتضيه مشيئته.