٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بالرفع على النعت لاسم الله، أو على تقدير هو فاطر. ويجوز النصب على النداء، والجرّ على البدل من الهاء في «عَلَيْهِ». والفاطر: المبدع والخالق. وقد تقدّم. {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} قيل معناه إناثاً. وإنما قال: «مِنْ أَنْفُسِكُمْ» لأنه خلق حوّاء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نَسْلاً بعد نسل. {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} يعني الثمانية التي ذكرها في «الأنعام» ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها. {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي يخلقكم وينشئكم «فِيهِ» أي في الرحم. وقيل: في البطن. وقال الفرّاء وٱبن كيسان: «فيه» بمعنى به. وكذلك قال الزجاج: معنى «يَذْرَوُكُمْ فِيهِ» يكثركم به؛ أي يكثركم يجعلكم أزواجاً، أي حلائل؛ لأنهن سبب النسل. وقيل: إن الهاء في «فِيهِ» للجعل، ودلّ عليه «جَعَلَ»؛ فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في الجعل. ٱبن قتيبة: «يَذْرَوُكُمْ فِيهِ» أي في الزوج؛ أي يخلقكم في بطون الإناث. وقال: ويكون «فِيهِ» في الرحم، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدّم لها ذكر. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد؛ أي ليس مثله شيء. قال:شعر : وصاليـاتٍ كَكُمَا يُؤثَفَيْن تفسير : فأدخل على الكاف كافاً تأكيداً للتشبيه. وقيل: المثل زائدة للتوكيد؛ وهو قول ثعلب: ليس كهو شيء؛ نحو قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ}تفسير : [البقرة: 137]. وفي حرف ابن مسعود «فَإنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا» قال أوْس بن حَجَر:شعر : وقَتْلَى كمثل جذوع النخـ ـيل يغشاهم مطر منهمر تفسير : أي كجذوع. والذي يُعتقد في هذا الباب أن الله جل ٱسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعليّ صفاته، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبّه به، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم جل وعز بخلاف صفات المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزّه عن ذلك؛ بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيّناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، وكفى في هذا قوله الحق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطّلة من الصفات. وزاد الواسطيّ رحمه الله بياناً فقال: ليس كذاته ذات، ولا كٱسمه ٱسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ؛ وجلّت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة؛ كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة. رضي الله عنهم!
البيضاوي
تفسير : {فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خبر آخر لـ {ذٰلِكُمْ } أو مبتدأ خبره. {جَعَلَ لَكُمُ } وقرىء بالجر على البدل من الضمير أو الوصف لإلى الله. {مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم. {أَزْوٰجاً } نساء. {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً} أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً، أو خلق لكم منَّ الأنعام أصنافاً أو ذكوراً وأناثاً. {يَذْرَؤُكُمْ } يكثركم من الذرء وهو البث وفي معناه الذر والذرو والضمير على الأول للناس، و {ٱلأَنْعَـٰمِ } على تغليب المخاطبين العقلاء. {فِيهِ } في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد، فإنه كالمنبع للبث والتكثير. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه، والمراد من مثله ذاته كما في قولهم: مثلك لا يفعل كذا، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، ونظيره قول رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: أَلاَ وَفِيهِمْ الطَّيِّبُ الطَاهِرُ لِذَاتِهِ. ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطى معنى {لَّيْسَ مّثْلِهِ} غير أنه آكد لما ذكرناه. وقيل «مثله» صفته أي ليس كصفته صفة. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } لكل ما يسمع ويبصر. {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خزائنها. {يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ } يوسع ويضيق على وقف مشيئته. {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فيفعله على ما ينبغي. {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومن بينهما من أرباب الشرائع، وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ } وهو الإِيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله ومحله النصب على البدل من مفعول {شَرَعَ }، أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع مختلفة كما قال: {أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً }تفسير : [المائدة: 48] {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ } عظم عليهم. {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من التوحيد. {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ} يجتلب إليه والضمير لما تدعوهم أو للدين. {وَيَهْدِى إِلَيْهِ } بالإِشارة والتوفيق. {مَن يُنِيبُ } يقبل إليه. {وَمَا تَفَرَّقُواْ } يعني الأمم السالفة. وقيل أهل الكتاب لقوله: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [البينة: 4] {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ ٱلعِلْمُ } العلم بأن التفرق ضلال متوعد عليه، أو العلم بمبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها. {بَغْياً بَيْنَهُمْ } عداوة أو طلباً للدنيا. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبّكَ } بالإِمهال. {إِِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } باستئصال المبطلين حين اقترفوا لعظم ما اقترفوا. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب. وقرىء «ورثوا» و «ورثوا». {لَفِى شَكٍّ مّنْهُ } من كتابهم لا يعلمونه كما هو أو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن. {مُرِيبٍ } مقلق أو مدخل في الريبة. {فَلِذَلِكَ } فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته. {فَٱدْعُ } إلى الاتفاق على الملة الحنيفية أو الاتباع لما أوتيت، وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع إلى لإِفـادة الصلة والتعليل. {وَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } الباطلة. {وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ } يعني جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. {وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ } في تبليغ الشرائع والحكومات، والأول إشارة إلى كمال القوة النظرية وهذا إشارة إلى كمال القوة العملية. {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } خالق الكل ومتولي أمره. {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } وكل مجازى بعمله. {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد. {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } يوم القيامة. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } مرجع الكل لفصل القضاء، وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأساً حتى تكون منسوخة بآية القتال. {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ } في دينه. {مِن بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُ } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه، أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر، أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته واستفتحوا به. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ } زائلة باطلة. {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } لمعاندتهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } على كفرهم. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ } جنس الكتاب. {بِٱلْحَقّ } ملتبساً بعيداً من الباطل، أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام. {وَٱلْمِيزَانَ } والشرع الذي توزن به الحقوق ويسوى بين الناس، أو العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن بأن أوحى بإعدادها. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه أعمالك وتوفى جزاءك، وقيل تذكير القريب لأنه بمعنى ذات قرب، أو لأن الساعة بمعنى البعث {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } استهزاء. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } خائفون منها مع اغتيابها لتوقع الثواب. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ } أي الكائن لا محالة. {أَلآَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ } يجادلون فيها من المرية، أو من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. {لَفِى ضَلَـٰلِ بَعِيدٍ } عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات، فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه. {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } بر بهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام. {يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } أي يرزقه كما يشاء فيخص كلاً من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته. {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ } الباهر القدرة. {ٱلْعَزِيزُ } المنيع الذي لا يغلب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } مبدعهما {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } حيث خلق حواء من ضلع آدم {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ أَزْوٰجاً } ذكوراً وإناثاً {يَذْرَؤُكُمْ } بالمعجمة يخلقكم {فِيهِ } في الجعل المذكور، أي يكثركم بسببه بالتوالد والضمير للأناسي والأنعام بالتغليب {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } الكاف زائدة لأنه تعالى لا مثل له {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما يقال {ٱلبَصِيرُ } لما يفعل.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَذْرَؤُكُمْ} يخلقكم، أو يكثر نسلكم، أو يعيشكم، أو يرزقكم أو يبسطكم، أو نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ} ليس كمثل الرجل والمرأة شيء. قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ والضحاك أو ليس كمثل الله شيء بزيادة الكاف للتوكيد، أو بزيادة مثل للتوكيد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. قوله تعالى: "فاطر" العامة على رفعه خبراً "لذلكم"، أو نعتاً "لربي" على محض إضافته و "عليه توكلت" معترض على هذا، أو مبتدأ خبره "جعل لكم" أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن علي "فاطِر" بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: "إلَى اللهِ" وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في "عَلَيْهِ" أو "إلَيْهِ". وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء من ضِلع آدم، {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي يكثركم. وقوله: "فيه" يجوز أن تكون "في" عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في "يذرأكم" للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}تفسير : [البقرة:179]. وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و "شيء" اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن "مثل" هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: {أية : بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}تفسير : [البقرة:137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: شعر : 4372ـ وَصَـالِيَـاتٍ كَكَـمَــا يُـؤَثْفِيـــنْ تفسير : وفي قوله: شعر : 4373ـ فَصُيِّــرُوا مِثْــلَ كَعَصْــفٍ مَأْكُــول تفسير : وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: "مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا" يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر ـ (رحمة الله عليه) ـ: شعر : 4374ـ عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا تفسير : وقال أوس بن حجر: شعر : 4375 ـ ولَيْـسَ كَمِثْـلِ الفَتَـى زُهَيْـر خَلْقٌ يُـوَازِيـهِ فِــي الفَضَائِــلِ تفسير : وقال آخر: شعر : 4376ـ وَقَتْلَـى كَمِثْـلِ جُـذُوعِ النَّخِيـلِ تَغَشَّاهُـمُ مُسْبِــلٌ مُنْهَمِــرْ تفسير : وقال آخر: شعر : 4377ـ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُــمُ فَمَـا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَــدِ تفسير : قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: "مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا" أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}تفسير : [المائدة:64]. الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [محمد:15]، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ). فصل قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ معناه ليس له نظير "وهو السميع البصير" أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: {وهو السميع البصير} يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟!. فالجواب: "السميع البصير" لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} لأن مفاتيح الأرزاق بيده {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} من البسط والتقدير "عَلِيمٌ". قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ...} الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بقوله: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من القرآن وشرائع الإسلام {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلفوا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلا وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدها: قال في أول الآية: {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} وفي آخرها: {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ} وفي وسطها {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} فما فائدة هذا التفاوت؟. وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} وقال {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ}. وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك. وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة:48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين). فصل استدل بعضهم بقوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وأجيب: بأنه عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل. قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: "الله يَجْتَبِي" أي يصطفي {إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: "الله يجتبي" أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ}. والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}تفسير : [آل عمران:19]. قوله في سورة "لم يكن": {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}تفسير : [البينة:4]. وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي من كتابهم. وقيل من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ و "مُرِيبٍ" صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: "أُورِثُوا" قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا ـ بالتشديد ـ مبنياً للمفعول. قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى "إلى" أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية، "واسْتَقِمْ" عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ} يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللام مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. قوله: {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} يعني إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكلٌّ يُجازَى بعمله، "لا حجَّة"، لا خصومة، "بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ". نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} يجري مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125] وقوله: {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}تفسير : [هود:31] وقوله: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [الأنعام:83].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الآية: 11]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ليس كذاته ذات ولا اسمه اسم من جهة المعنى ولا كصفته صفة من جميع الوجوه إلاَّ من جهة موافقة اللفظ وكما لم يجز أن يظهر من مخلوق صفة قديمة كذلك يستحيل أن يظهر من الذات الذى ليس كمثله شىء صفة حديثة وأنَّ التكرار من حدوث الصفة جل ربنا أن يحدث له صفى أو اسم إذ لم يزل بجميع صفاته واحداً ولا يزال كذلك. وقال أيضاً: أمور التوحيد كلها خرجب من هذه الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لأنه ما عبر عن الحقيقة بشىء إلا والعلة مصحوبة والعبارة منقوصة لأن الحق لا ينعت على أقداره لأن كل ناعت مشرف على المنعوت وجلّ أن يشرف عليه مخلوق. سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المكى الرازى يقول: سمعت أبا بكر الشبلى يقول: كلما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم فى أتم معانيكم فهو مصروف إليكم ومردود عليكم محدث مصنوع مثلكم لأن حقيقته عالٍ عن أن تلحقه عبارة أو يدركه وهم وأن يحيط به علم كلا وكيف يحيط به علم وقد اتفقت فيه الأضداد بقوله: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ}تفسير : [الحديد: 3] أى عبارة تخبر عن حقيقة هذه الألفاظ قصرت عنه العبارات وخسرت الألسن لقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: من احتجب عن خلقه بخلقه ثم عرفهم صنعه بصنعه وساقهم إلى أمره فلا يمكن الأوهام أن تناله ولا العقول أن تختاله ولا الأبصار أن تمثله ولا الأسماع أن تشمله ولا الأمانى أن تمتهنه هو الذى لا قبل له ولا بعد ولا مقصر عنه ولا معدل ولا غاية وراءه ولا مهل ليس له أمد ولا نهاية ولا غاية ولا ميقات ولا انقضاء لا يستره حجاب ولا ينقله مكان ولا يحويه هواء ولا يحتاطه فضاء ولا يتضمنه خلاء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.
القشيري
تفسير : خَلَقَ لكم من أنفسكم "أزواجاً": أي أَشكالا؛ فَخَلَقَ حواءَ مِنْ آدم. وخَلَقَ - بسبب بقاء التناسل - جميعَ الحيواناتِ أجناساً. {يَذْرَؤُكُمْ}: يُكْثِر خَلْقَكم. "فيه" الهاء تعود إلى البطن أي في البطن، وقيل: في الرَّحِم، وقيل: في التزويج. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه لا مِثْلَ يُضَارِعهُ، ولا شكلَ يشاكله. والكاف في ليس "كمثله" صلة أي ليس مثله شيء. ويقال: لفظ "مثل" صلة؛ ومعناه ليس كهُوَ شيءٌ. ويقال معناه ليس له مثل؛ إذ لو كان له مثل لكان كمثله شيء وهو هو، فلمَّا قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فمعناه ليس له مثل، والحقُّ لا شبيهَ له في ذاته ولا في صفاته ولا في أحكامه. وقد وقع قومٌ في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحدِّ والنهاية والكون في المكان، وأقبحُ قولاً منهم مَنْ وصفوه بالجوارح والآلات؛ فظنوا أن بَصَره في حدقة، وسَمْعَه في عضوٍ، وقدرته في يدٍ... إلى غير ذلك. وقومٌ قاسوا حُكْمَه على حُكْمِ عباده؛ فقالوا: ما يكون من الخَلْقِ قبيحاً فمنه قبيح، وما يكون من الخَلْق حسناً فمنه حَسَنٌ!! وهؤلاء كلهم أصحاب التشبيه - والحقُّ مستحِقٌّ للتنزيه دون التشبيه، مستحق للتوحيد دون التحديد، مستحق للتحصيل دون التعطيل والتمثيل.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاطر السموات والارض} خبر آخر لذلكم اى خالق الآفاق من العلويات والسفليات ويدخل فيه بطريق الاشارة الارواح والنفوس {جعل لكم من انفسكم} اى من جنسكم {ازواجا} نساء وحلائل وبالفارسية جفتال {ومن الانعام} اى وجعل للانعام من جنسها {ازواجا} او خلق لكم من الانعام اصنافا يعنى خلق كرد ازجهار بايان صنفهاى كونا كون اكراما لكم لترتفقوا بها اذ يطلق الزوج على معنى الصنف كما فى قوله تعالى {أية : وكنتم ازواجا ثلثة} تفسير : او ذكورا واناثا فانه يطلق على مجموع الزوجين وهو خلاف الفرد {يذرؤكم} يكثركم ايها الناس والانعام من الذرء وهو البث قال فى القاموس ذرأ كجعل خلق والشىء كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين {فيه} اى فى هذا التدبير وهو جعل الناس والانعام ازواجا يكون بينهم توالد فاختير فيه على به مع أن التدبير ليس ظرفا للبث والتكثير بل هو سبب لهما لأن هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهما ففيه تغليبان تغليب المخاطب على الغائب حيث لم يقل يذرأكم واياهن لأن الانعام ذكرت بلفظ الغيبة وتغليب العقلاء على غيرهم حيث لم يقل يذرأها واياكم فان كم مخصوص بالعقلاء {ليس كمثله شىء} المثل كناية عن الذات كما فى قولهم مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة فى نفيه عنه فانه اذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه اولى وهذا لا يتوقف على ان يتحقق مثل فى الخارج بل يكفى تقدير المثل ثم سلكت هذه الطريقة فى شأن من لا مثل له والشىء عبارة عن الموجود وهو اسم لجميع المكونات عرضا كان او جوهرا وعند سيبويه الشىء ما يصح ان يعلم ويخبر عنه موجودا او معدوما والمعنى ليس كذاته شىء من شأن من الشؤون التى من جملتها هذا التدبير البديع لأن ذاته لا يماثل ذات احد بوجه من الوجوه ولا من جميع الوجوه لأن الاشياء كلها اما اجسام او اعراض تعالى ربنا عن ذلك ولا كاسمه اسم كما قال تعالى {أية : هل تعلم له سميا} تفسير : ولا كصفته صفة الا من جهة موافقة اللفظ ولمحال كل المحال ان تكون الذات القديمة مثلا للذات الحادثة وان يكون لها صفة حادثة كما استحال ان تكون للذات المحدثة صفة قديمة شعر : ذات تراصورت اوبيونند توبكس وكس بتو مانندند جل المهيمن ان تدرى حقيقته من لاله المثل لا تضرب له مثلا تفسير : وفى المثنوى شعر : ذات اورا درتصور كنج كو تادر آيى درتصور مثل او تفسير : هذا ما عليه المحققون والمشهور عند القوم ان الكاف زآئدة فى خبر ليس وشىء اسمها والتقدير ليس مثله شىء والا كان المعنى ليس مثل مثله شىء وهو محال قال بعضهم لعل من قال الكاف زآئدة اراد أنه يعطى مغنى ليس مثله شىء غير انه آكد لما ذكر من انه اذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه اولى وقال بعضهم كلمة مثل هى الزآئدة والتقدير ليس كهو شىء ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز فالوجه الرجوع الى طريق الكناية لأن القول بزيادة ماله فائدة جليلة وبلاغة مقبولة بعيد كل البعد قال فى بحر العلوم ومما يجب التنبه له ان المثل عبارة عن المساوات فى بعض الصفات لا فى جميعها كما زعم كثير من المحققين فانه سهو بدليل قول تعالى {أية : قل انما أنا بشر مثلكم يوحى الى} تفسير : الآية فانه ثبت مماثلته بالاشتراك والمساواة فى وصف البشرية فقط لا فى جميع الاوصاف كما لا يحفى للقطع بأن بينه وبينهم مخالفة بوجوه كثيرة من اختصاصه بالنبوة والرسالة والوحى الى غير ذلك ألا يرى ألى قوله يوحى الى كيف اثبت المخالفة بان خصصه بالايحاء اليه ذكرا فظهر أن ما ذكره الامام الغزالى رحمه الله من أن المثل عبارة عن المساوى فى جميع الصفات ليس كما ينبغى انتهى يقول الفقير انما جاء التخصيص من قبل قوله بشر كما فى قوله زيد مثل عمرو فى النحو والا فلو قال انا مثلكم لأفادت المماثلة فى جميع الصفات كما فى قوله زيد مثل عمرو اى من كل الوجوه قال الامام الراغب فى المفردات المثل عبارة عن المشابه لغيره فى معنى من المعانى اى معنى كان وهو اعم الالفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال لما يشارك فى الجوهر فقط والشبه يقال فيما يشاركه فى القدر والمساحة فقط والمثل عام فى جميع ذلك ولهذا لما اراد الله سبحانه وتعالى نفى التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال تعالى ليس كمثله شىء انتهى وحيث ترى فى مرءآة القلب صورة او خطر بالخاطر مثال وركنت النفس الى كيفيته فليجزم بأن الله بخلافه اذ كل ذلك من سمات الحدوث لدخوله فى دآئرة التحديد والتكييف اللازمين للمخلوقين المنزه عنهما الخالق ولقد اقسم سيد الطائفة الجنيد قدس سره بانه ما عرف الله الا الله وقال بعض سادات الصوفية قدس الله اسرارهم المثل ليس بزآئد عند اهل الحقيقة فان الهاء كناية عن الهوية الذاتية والمثل اشارة الى التجلى الالهى والمعنى ليس كالتجلى الالهى الذى هو اول التجليات شىء اذ هو محيط بكل التجليات الباقية المرتبة عليه قال الواسطى قدس سره امور التوحيد كلها خرجت من هذا الاية ليس كمثله شى لأنه ما عبر عن الحقيقة بشىء الا والعلة مصحوبة والعبارة منقوضة لأن الحق تعالى لا ينعت على اقداره لان كل ناعت مشرف على المنعوت وجل ان يشرف عليه المخلوق (قال الشيخ سعدى) شعر : نه بر اوج ذاتش برد مرغ وهم نه در ذيل وصفش رسد دست فهم توان در بلاغت بسحبان رسيد كنه درنه بيجون سبحان رسسيد جه خاصان درين ره فرس رانده اند بلا احصى ازتك فرومانده اند تفسير : {وهو السميع البصير} المبالغ فى العلم بكل ما يسمع ويبصر قال الزروقى السميع الذى انكشف كل موجود لصفة سمعه فكان مدركا لكل مسموع من كلامه وغيره والبصير الذى يدرك كل موجود برؤيته والسمع والبصر صفتان من صفاته المنعوتة نابتتان له تعالى كما يليق بوصفه الكريم ورده بعضهم للعلم ولا يصح انتهى قال الغزالى رحمه الله السمع فى حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات والبصر عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت والمبصرات وسمع العبد قاصر فانه يدرك ما قرب لا ما بعد بجارحة وربما بطل السمع بعظم الصوت وانما حظ العبد منه امران احدهما ان يعلم أن الله سميع فيحفظ لسانه والثانى ان يعلم أن الله لم يخلق له السمع الا ليسمع كلامه وحديث رسوله فيستفيد به الهداية الى طريق الله فلا يستعمل سمعه الا فيه واستماع صوت الملاهى حرام وان سمع بغتة فلا اثم عليه والواجب عليه ان يجتهد حتى لا يسمع لأنه عليه السلام ادخل اصبعه فى اذنه كما فى البزازية وفى الحديث "حديث : استماع صوت الملاهى معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها كفر" تفسير : على وجه التهديد وبصر العبد قاصر اذ لا يمتد الى ما بعد ولا يتغلغل الى باطن ما قرب منه وحظه الدينى امران ان يعلم أنه خلق له البصر لينظر الى الآيات الآفاقية والانفسية وان يعلم أنه بمرأى من الله ومسمع اى بحيث يراه ويسمعه فمن قارف معصية وهو يعلم ان الله يراه فما اجسره واخسره ومن ظن أنه لا يراه فما اكفره قال فى كشف الاسرار ثم قال وهو السميع البصير لئلا يتوهم أنه لا صفات له كما لا مثل له فقد تضمنت الآية اثبات الصفة ونفى التشبيه والتوحيد كله بين هذين الحرفين اثبات صفة من غير تشبيه ونفى تشبيه من غير تعطيل فمن نزل عن الاثبات وادعى اتقاء التشبيه وقع فى التعطيل ومن ارتقى عن الظاهر وادعى اتقاء التعطيل حصل على التشبيه واخطأ وجه الدليل وعلى الله قصد السبيل وفى التاويلات النجمية أن قوما وقعوا فى تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون والمكان واقبح قولا منهم من وصفه بالجوارح والالات وقوم وصفوه بما هو تشبيه فى الصفات فظنوا أن بصره فى حدقة وسمعه فى عضو وقدرته فى يد الى غير ذلك وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا ما يكون من الحق قبيحا فمنه قبيح وما يكون من الخلق حسنا فمنه حسن فهؤلاء كلهم اصحاب التشبيه والحق تعالى مستحق التنزيه لا التشبيه محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل مستحق التوحيد دون التحديد موصوف بكمال الصفات مسلوب عن العيوب والنقصان
الطوسي
تفسير : لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم الذي وصفته بأنه الذي يحيي ويميت هو ربي واليه ارجع فى أموري كلها، زاد فى صفاته تعالى {فاطر السماوات والأرض} أي هو فاطر السموات، ومعنى فاطر خالق السموات ابتداء. وحكي عن ابن عباس انه قال لم اكن أعرف معنى (فاطر) حتى تحاكم إلى اعرابيان في بئر فقال احدهما انا فطرته بمعنى أنا ابتدأته، والفطر ايضاً الشق. ومنه قوله تعالى {تكاد السماوات يتفطرن منه} وقوله {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} يعني اشكالا مع كل ذكر أنثى يسكن اليها ويألفها. ومن الأنعام أزواجاً من الضان اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ومن الأبل اثنين، ذكوراً وإناثاً ووجه الاعتبار بجعل الأزواج ما في ذلك من إنشاء الشيء حالا بعد حال على وجه التصريف الذي يقتضي الاختيار، وجعل الخير له أسباب تطلب كما للشر أسباب تجتنب، فجعل لكل حيوان زوجاً من شكله على ما تقتضيه الحكمة فيه. وقوله {يذرؤكم فيه} أي يخلقكم ويكثركم فيه يعني فى التزويج وفي ما حكم فيه. وقال الزجاج والفراء: معناه يذرؤكم به أي بما جعل لكم أزواجاً وانشد الازهري قول الشاعر يصف امرأة: شعر : وارغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست ارغب تفسير : أي ارغب بها عن لقيط. فالذرء إظهار الشيء بايجاده يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني لظهور بياضه. والذرية لظهورها ممن هي منه. وقوله {ليس كمثله شيء} قيل فى معناه ثلاثة اقوال: احدها - إن الكاف زائدة وتقديره ليس مثل الله شيء من الموجودات ولا المعدومات كما قال أوس بن حجر: شعر : وقتلى كمثل جذوع النخيل يغشاهم سيل منهر تفسير : وقال آخر: شعر : سعد بن زيد إذا ابصرت فضلهم ما إن كمثلهم فى الناس من احد تفسير : وقال الراجز: شعر : وصاليات ككما توثقين تفسير : الثاني - قال الرماني: إنه بلغ في نفي الشبيه إذا نفى مثله، لانه يوجب نفي الشبهة على التحقيق والتقدير، وذلك انه لو قدر له مثل لم يكن له مثل صفاته ولبطل ان يكون له مثل ولنفرده بتلك الصفات، وبطل ان يكون مثلا له فيجب أن يكون من له مثل هذه الصفات على الحقيقة لا مثل له أصلا إذ لو كان له مثل لم يكن هو بصفاته وكان ذلك الشيء الآخر هو الذي له تلك الصفات، لانها لا تصح إلا لواحد فى الحقيقة وهذا لا يجوز أن يشبه بشبه حقيقة، ولا بلاغة فوجب التبعيد من الشبه لبطلان شبه الحقيقة. الثالث - وجه كان المرتضى علي بن الحسين الموسوي (رحمة الله عليه) جارانا فيه فاتفق لي بالخاطر وجه قلته فاستحسنه واستجاده، وهو ان لا تكون الكاف زائدة ويكون المعنى انه نفى ان يكون لمثله مثل وإذا ثبت انه لا مثل لمثله فلا مثل له ايضاً. لأنه لو كان له مثل لكان له امثال، لأن الموجودات على ضربين: احدهما - لا مثل له، كالقدرة فلا أمثال لها ايضاً. والثاني - له مثل كالسواد والبياض واكثر الاجناس فله امثال ايضاً وليس فى الموجودات ما له مثل واحد فحسب، فعلم بذلك ان المراد انه لا مثل له اصلا من حيث لا مثل لمثله. وقوله {وهو السميع البصير} معناه انه على صفة يجب ان يسمع المسموعات إذا وجدت ويبصر المبصرات إذا وجدت وذلك يرجع إلى كونه حياً لا آفة به، وفائدة ذكره - ها هنا - هو انه لما نفى ان يكون له شبه على وجه الحقيقة والمجاز، وعلى وجه من الوجوه بين انه مع ذلك سميع بصير، لئلا يتوهم نفي هذه الصفة له على الحقيقة فقط، فانه لا مدحة في كونه مما لا مثل له على الانفراد، لان القدرة لا مثل لها، وإنما المدحة في انه لا مثل له مع كونه سميعاً بصيراً، وذلك يدل على التفرد الحقيقي. وقوله {له مقاليد السماوات والأرض} معناه له مفاتيح الرزق منها بانزال المطر من السماء واستقامة الهواء فيها وابنات الثمار والاقوات من الأرض. ثم قال {يبسط الرزق لمن يشاء} أي يوسعه له {ويقدر} أي يضيق لمن يشاء ذلك على ما يعلمه من مصالحهم {إنه بكل شيء عليم} مما يصلحهم او يفسدهم. ثم خاطب تعالى خلقه فقال {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} معنى شرع بين وأظهر، وهو {الذي أوحينا إليك} يا محمد صلى الله عليه وآله وهو {ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} وسائر النبيين، وهو أنا أمرناهم بعبادة الله والشكر له على نعمه وطاعته في كل واجب وندب مع اجتناب كل قبيح، وفعل ما أمر به مما أدى إلى التمسك بهذه الاصول مما تختلف به شرائع الانبياء. ثم بين ذلك فقال {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وموضع {أن أقيموا} يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - ان يكون نصباً بدلا من (ما) فى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}. الثاني - ان يكون جراً بدلا من الهاء في (به). الثالث - ان يكون رفعاً على الاستئناف، وتقديره هو ان أقيموا الدين. وقوله {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} معناه كبر عليهم واستعظموا كونك داعياً إلى الله، ودعاؤك يا محمد وأنث مثلهم بشر ومن قبيلتهم إنك نبي، وليس لهم ذلك، لان الله يجتبى لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه باعباء الرسالة وتحمله لها، فاجتباك الله تعالى كما اجتبى موسى ومن قبلك من الانبياء، ومعنى {يجتبى} يختار. وقوله {ويهدي إليه من ينيب} معناه ويهديه إلى طريق الثواب ويهدي المؤمنين الذين أنابوا اليه وأطاعوه. وقيل: يهديه إلى طريق الجنة والصواب بأن يلطف له فى ذلك إذا علم ان له لطفاً، ثم قال {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} ومعناه إن هؤلاء الكفار لم يختلفوا عليك إلا بعد أن اتاهم طريق العلم بصحة نبوتك، فعدلوا عن النظر فيه بغياً بينهم للحسد والعداوة والحرص على طلب الدنيا وإتباع الهوى. وقيل: إن هؤلاء لم يختلفوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، لكن فعلوا ذلك للبغي. ثم قال {ولولا كلمة سبقت من ربك} بأن اخبر بأنه يبعثهم {إلى أجل مسمى} ذكر انه يبقيهم اليه لم يجز مخالفته، لانه يصير كذباً {لقضي بينهم} أي لفصل بينهم الحكم وانزل عليهم ما يستحقونه من العذاب عاجلا. ثم قال {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} قال السدي: يعني اليهود والنصارى من بعد الذين أورثوا الكتاب الذي هو القرآن {لفي شك منه مريب} أي من الدين. وقال غيره: الذين اورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى في شك من الدين مريب، وهم الذين كفروا بالقرآن وشكوا فى صحته وانه من عند الله من سائر الكفار والمنافقين. وقوله {فلذلك فادع واستقم} معناه فالى ذلك فادع، كما قال {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : أي اوحى اليها يقال دعوته لذا وبذا وإلى ذا. وقيل: معنا فلذلك الدين فادع. وقيل: معناه فلذلك القرآن فادع. والاول احسن واوضح وقوله {ولا تتبع أهواءهم} نهي للنبي صلى الله عليه وآله عن إتباع ما هو به المشركون والمراد به أمته. وقيل: ثلاث من كن فيه نجا: العدل فى الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والخشية فى السر والعلانية. وثلاث من كن فيه هلك: شح مطاع، وهوى متبع، وعجب المرء بنفسه. وقوله {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} أي قل لهم صدقت بما انزل الله من القرآن وبكل كتاب انزله الله على الانبياء قبلي {وأمرت لأعدل بينكم}. وقيل في معناه قولان: احدهما - امرت بالعدل. والثاني - أمرت كي اعدل. وقل لهم أيضاً {الله ربنا وربكم} أي مدبرنا ومدبركم ومصرفنا ومصرفكم {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} ومعناه أن جزاء أعمالنا لنا من ثواب او عقاب وجزاء اعمالكم لكم من ثواب او عقاب، لا يؤاخذ احد بذنب غيره، كما قال {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : {لا حجة بيننا وبينكم} أي لا خصومة بيننا - فى قول مجاهد وابن زيد - أي قد ظهر الحق فسقط الجدال والخصومة. وقيل: معناه إن الحجة لنا عليكم لظهورها، وليست بيننا بالاشتباه والالتباس. وقيل: معناه لا حجة بيننا وبينكم لظهور أمركم فى البغي علينا والعداوة لنا والمعاندة، لا على طريق الشبهة، وليس ذلك على جهة تحريم إقامة الحجة، لأنه لم يلزم قبول الدعوة إلا بالحجة التي يظهر بها الحق من الباطل فاذا صار الانسان إلى البغي والعداوة سقط الحجاج بينه وبين اهل الحق. ثم قال {الله يجمع بيننا يوم القيامة وإليه المصير} أي المرجع حيث لا يملك احد الحكم فيه ولا الأمر والنهي غيره، فيحكم بيننا بالحق. وفي ذلك غاية التهديد. وقيل: إن ذلك كان قبل الأمر بالقتال والجهاد.
الجنابذي
تفسير : {فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} هو من قول الرّسول (ص) او ابتداء كلامٍ من الله {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ} الثّمانيّة كما مضى فى سورة الانعام {أَزْواجاً} اى وخلق من الانعام ازواجاً ذكراً وانثى، او ازواجاً اهلية ووحشيّة، او خلق لكم من الانعام ازواجاً {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} اى يكثّركم ويبثّكم فى جعل الازواج من انفسكم والازواج من الانعام وهذه الجملة ايضاً من قول الرّسول (ص) او من الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الكاف زائدة او اسميّة وهى خبر ليس وحينئذٍ يكون الكلام مبالغة فى نفى المماثلة لا انّه يكون اثباتاً للمثل له وقد مضى فى اوّل البقرة انّ الله تعالى وجود بحت وبسيط الحقيقة، واقتضاء بساطته ان لا يكون له ثانٍ والاّ كان مركّباً واذا لم يكن له ثانٍ لم يكن له مثلٌ ولا ضدٌّ {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} بمنزلة النّتيجة لنفى المثل عنه لانّه اذا لم يكن له مثل فلم يكن سمعٌ الاّ كان سمعه، ولا بصرٌ الاّ كان بصره، والاّ كان غيره سميعاً وبصيراً مثله فيكون السّمع والبصر محصوراً فيه {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} المقلاد كالمفتاح والقليّد كالسّكّيت الخزانة.
اطفيش
تفسير : {فَاطِرُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} مبدعها خبر آخر لا مع الاشارة أو خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره* {جَعَلَ لَكُم} وقرئ بالجر بدلاً من الله وجملة ذلكم الله الخ معترضة وكذا انا جعلناه نعتاً له ويجوز كونه بدلاً من هاء اليه وابدال المشتق ضعيف* {مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي من جنسكم زوجات والجعل الخلق وقيل قال {مِّن أَنفُسِكُمْ} بأنه خلق حواء من ضلع آدم* {وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً} أي وجعل الانعام من جنسها أزواجاً كالنساء لنا وتجوز ارادة الاصناف ذكوراً واناثاً وهنا الاول وقال بعضهم أظهر* {يَذْرَؤُكُمْ} بكثرة من الذرء وهو البث ويقال أيضاً الذرء والذرو كالدلوء وقيل يخلقكم وعليه مجاهد أي يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن وهذا معنى زادت به لفظ الذرء على الخلق وضمير الخطاب للمخاطبين والانعام تغليباً للمخاطب العاقل على غيره وذلك من أصل الخطاب لمن يعقله وغير المخاطب يوافقه يخلقهم بل يذرؤهم* {فِيهِ} أي فى الرحم وقيل في البطن دل عليهما جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي يخلقكم في البطن أو الرحم (وفي) ظرفية وكذا ان رجعنا الضمير للتدبير أو الجعل وهما بمعنى وهو انه جعل الناس والانعام أزواجاً ليكون بين ذكورهم واناثهم توالد وتناسل ووجه ظرفيته انه جعل التدبير كالمتبع المبث والتكثير ويجوز كونها للسببية على أن الضمير للتدبير والجعل أي يكثركم بسبب الجعل أزواجاً وقيل الضمير للتزويج {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} الكاف زائدة لتوكيد نفي (المثل) ومن أجاز زيادة الاسماء أجاز كون الزائد (مثل) ولا يلزم فصله بين الجار ومجروره لانه المجرور بالكاف حينئذ لا الهاء وانما حكمنا بالزيادة لئلا يلزم ثبوت (المثل) وعلى زيادة الكاف فهو من مجاز الزيادة ولا زيادة بل المراد بالمثل الذات كقولك ليس كذاته شيء أو الصفة كقوله له المثل الأعلى أي الصفة وتطبيق ذلك على الكتابة أبلغ أي المماثلة بنفيه عمن يكون مثله فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم المثل له كما انك تقول مثل الامير يفعل كذا ولم تزد اعترافاً بوجود المثل له وتقول فلان كثير الرماد انه سخي ولو لم يكن عنده رماد أصلاً وكما تقول مثلك لا يبخل وأنت تريد نفي البخل عن مخاطبك لانك اذا نفيته عمن يسد مسده ومن هو على أخص أوصافه فقد نفيته عنه وكقولك أيفعت لذاته وبلغت ترابه تريد أيفع هو وبلغ وكقولك بنت صيفي في سقيا عبد المطلب الا وفيهم الطيب الطاهر لذاته أردت الطيب الطاهر نفسه أو الذات بكسر اللام وتخفيف الذال جمع لذة وهو تربك ومن الكناية {أية : بل يداه مبسوطتان} تفسير : كناية عن الجود والايدى هناك فالمعنى ان مثل مثله منفي فكيف بمثله وأيضاً مثل مثلك مثل لك فيلزم من نفيه نفي لمثليه لك كذا زعم بعضهم والذي عندي ابدال هذا الآخر بقولك انك اذا نفيت مثل المثل فقد نفيته المثلية من أصلها ولو كان المثل لكان الله مثلا له وهذا ضد قولك ليس مثل مثله شيء ثم ظهر لي ان هذا هو مراد ذلك البعض وان شئت فقل كما قال السعد انه من الكناية بطريق نفي الملزوم بنفي اللازم فان الله تعالى موجود فاذا نفى (مثل) مثله فلم يصح نفي مثله كما تقول ليس لاخي زيد أخ أي ليس لزيد أخ فظاهر اللفظ ثبوت المثل لله واتفق مثل ذلك المثل وليس ذلك مراد بل المراد نفي المماثلة نفي المماثلة عن الله تعالى فالآية من الكناية التي أريد فيها لازم المعنى الذي وضعت له العبارة فقط الا مع ذلك المعنى الموضوعة هي له فان المعنى الموضوعة هي له هو نفي المماثلة عمن هو مماثل له وعلى الاخص أوصافه وقيل الكاف اسم مؤكد اضافته لمثل ونسب ابن هشام زيادة الكاف للاكثرين وعلى زيادة (مثل) الطبري* {وَهُوَ السَّمِيعُ} لكل قول أي عالمه* {الْبَصِيرُ} لكل ما يبصر أي عالمه.
اطفيش
تفسير : {فاطرُ السَّماواتِ والأرض} فاطر خبر رابع اذا جعلنا عليه توكلت خبرا، فيكون من الأخبار بالمفرد بعد الجملة، والأولى خلافه فالجملة معترضة، أو يقدر مبدأ أى هو فاطر، أو بدل من ربى {جَعَل لَكُم من أنفسِكُم} من جنسكم الآدمى {أزواجاً} نساء للوطء والولادة وسائر المنافع {ومن الأنعام} لكم عطف على من أنفسكم {أزواجاً} عطف على أزواجا ذكورا واناثا، لتنتفعوا بالأكل واللباس والحمل وغير ذلك، وذلك من العطف على معمولى عامل، وكذا إن قلنا: المعنى جعل من الأنعام أزواجاً للتوالد بين ذكورها واناثها، كما جعل لكم نساء فالذكر منها مطلقا كالزوج للأنثى، أو أزواجا ذكوراً وإناثا كما فى سورة الأنعام، وهى لا تتزوج كما تتزوج الطيور. {يَذرؤكُم} يكثركم، وقال ابن عباس وغيره: يجعل لكم معيشة ورزقا، وعن مجاهد يخلقكم نسلا بعد نسل {فيه} أى فيما ذكر التدبير بجعل الأزواج منكم ومن الأنعام، وقيل: الضمير للجعل المفهوم من جعل، وفى للظرفية أى فى خلال ذلك وفى أثنائه فهو كالمنبع للكثرة، ويجوز أن تكون للسببية، وقيل: الهاء للبطن المدلول عليه بالمقام، وفى للظرفية، والخطاب للعقلاء فقط، فلا تغليب لخطابهم فى غيبة الأنعام ولا للعقلاء عليها، كما يقول من ادعى: ان الخطاب لهم ولها. {لَيسَ كمثله شيءٌ} ما من الأشياء فلا تزواج بينه وبين غيره كما تزاوجتم وتزاوجت الأنعام، ولا مشاركة لغيره فى شأن من الشئون التى منها التدبير البديع السابق، ومثله ذاته التى لا تكيف، لكن عبر بما يفيد نفى المماثلة عن مثل مثله، لو كان له مثل فكيف عنه بطريق المبالغة أو لا مثل له فى نفس الأمر، والعرب تقيم المثل مقام نفس الشىء كقولهم مثلك لا يبخل، أى أنت لا تبخل إلا أنه عبروا بما أفاد انتفاء البخل، وأنه من جماعة لا يبخلون، وهو أبلغ من قولك: أنت لا تبخل، وقيل المثل الصفة، وكذا شىء ليس كصفته صفة، وقيل الكاف زائدة للتأكيد، وهو أولى من القول بزيادة المثل، ولو كانت هى المتقدمة، لأن زيادة الحرف أولى من زيادة الاسم، والمماثلة تكون فى الذاتيات وفى العوارض نحو الفرس مثل الانسان فى الحيوانية، ومثله فى الحركة والأكل والشرب، ويجوز أن يكون المراد نفى المثل عنه تعالى بمعنى أنه لو كان له مثل لكان مثل ذلك المثل، كقولك: ليس لأخى زيد أخ أى لا أخ له، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ، وهو زيد، وذلك من نفى الشىء بنفى لازمه، لأن نفى اللازم يستلزم نفى الملزوم. {وهُو السَّميعُ البَصِيرُ} العليم بالأصوات وغيرها من الأجسام والألوان والأعراض والأطوال وغير ذلك، مما يدرك بالبصر، تعالى الله عن الحواس، أو البصير العالم بالموجودات مطلقا كما قال الله تعالى: " أية : والله بما تعملون بصير" تفسير : [البقرة: 265] وهكذا الوجهان، كلما ذكر سمعه تعالى وبصره معا، وقدم نفى المثل على طريق تقديم التخلى على التحلى، وهو أهم بنفسه وبالنظر الى المقام، سبحانه عن كل نقص.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} خبر آخر لذلكم أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو فاطر أو صفة لربـي أو بدل منه أو مبتدأ خبره {جَعَلَ لَكُمُ} وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالجر على أنه بدل من ضمير {إِلَيْهِ} أو {عَلَيْهِ} أو وصف للاسم الجليل في قوله تعالى: {أية : إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى:10] وما بينهما جملة معترضة بين الصفة والموصوف. وقد تقدم معنى فاطر وجعل أي خلق {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم {أَزْوٰجاً} نساء. وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً} أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً كما خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ففيه جملة مقدرة لدلالة القرينة أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً. {يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم يقال ذرأ الله تعالى الخلق بثهم وكثرهم والذرء والذر أخوان {فِيهِ} أي فيما ذكر من التدبير وهو أن جعل سبحانه للناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد وجعل التكثر في هذا الجعل لوقوعه في خلاله وأثنائه فهو كالمنبع له، ويجوز أن تكون (في) للسببية وغلب في {يَذْرَؤُكُمْ} المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل فهناك تغليب واحد اشتمل على جهتي تغليب وذلك لأن الأنعام غائب غير عاقل فإذا أدخلت في خطاب العقلاء كان فيه تغليب العقل والخطاب معاً، وهذا التغليب ـ أعني التغليب لأجل الخطاب والعقل ـ من الأحكام ذات العلتين وهما هنا الخطاب والعقل وهذا هو الذي عناه جار الله وهو مما لا بأس فيه لأن العلة ليست حقيقية، وَزَعْمُ ابنِ المنير ((أن الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطباً أو غائباً، والثاني مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب فالأول لتغليب العقل والثاني لتغليب الخطاب)) ليس بشيء ولا يحتاج إليه. وكلام صاحب «المفتاح» يحتمل اعتبار تغليبين: أحدهما تغليب المخاطبين على الغيب، وثانيهما تغليب العقلاء على ما لا يعقل، وقال الطيبـي: إن المقام يأبـى ذلك لأنه يؤدي إلى أن الأصل يذرؤكم ويذرؤها ويذرؤكن ويذرؤها لكن الأصل يذرؤكم ويذرؤها لا غير لأن ـ كم ـ في {يَذْرَؤُكُمْ} هو كم في {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} بعينه لكن غلب هٰهنا على الغيب فليس في يذرؤكم إلا تغليب واحد انتهى. ثم إنه لا ينبغي أن يقال: إن التذرئة حكم علل في الآية بعلتين: إحداهما جعل الناس أزواجاً، والثانية جعل الأنعام أزواجاً ويجوز أن يكون هو الذي عناه جار الله لأن الحكم هو البث المطلق وعلته المجموع وإن جعل كل جزء منه علة فكل بث حكم أيضاً فأين الحكم الواحد المتعدد علته فافهم. وعن ابن عباس أن معنى {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها، وقريب منه قول ابن زيد يرزقكم فيه، والظاهر عليه أن الضمير لجعل الأزواج من الأنعام. وقال مجاهد أي يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، ويتبادر منه أن الضمير للجعل المفهوم من {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} ويجوز أن يكون كما في الوجه الأول ويفهم منه أن الذرء أخص من الخلق وبه صرح ابن عطية قال: ولفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق معنى آخر ليس في خلق وهو توالي الطبقات على مر الزمان، وقال العتبـي: ضمير {فِيهِ} للبطن لأنه في حكم المذكور والمراد يخلقكم في بطون الإناث، وفي رواية عن ابن زيد أنه لما خلق من السمٰوات والأرض، وهو كما ترى ومثله ما قبله والله تعالى أعلم. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} نفي للمشابهة من كل وجه ويدخل في / ذلك نفي أن يكون مثله سبحانه شيء يزاوجه عز وجل وهو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أو المراد ليس مثله تعالى شيء في الشؤون التي من جملتها التدبير البديع السابق فترتبط بما قبلها أيضاً. والمراد من (مثله) ذاته تعالى فلا فرق بين ليس كذاته شيء وليس كمثله شيء في المعنى إلا أن الثاني كناية مشتملة على مبالغة وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل إذ الفرض كاف في المبالغة ومثل هذا شائع في كلام العرب نحو قول أوس بن حجر:شعر : ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل تفسير : وقول الآخر:شعر : وقتلى كمثل جذوع النخيل تغشاهم مسبل منهمر تفسير : وقول الآخر:شعر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ما أن كمثلهم في الناس من أحد تفسير : وقد ذكر ابن قتيبة وغيره أن العرب تقيم المثل مقام النفس فتقول مثلك لا يبخل وهي تريد أنت لا تبخل أي على سبيل الكناية وقد سمعت فائدتها. وفي «الكشف» أنها الدلالة على فضل إثبات لذلك الحكم المطلوب وتمكينه وذلك لوجهين: أحدهما أنه فرض جامع يقتضي ذلك فإذا قلت مثلك لا يبخل دل على أن موجب عدم البخل موجود بخلافه إذا قلت أنت لا تبخل. والثاني أنه إذا جعل من جماعة لا يبخلون يكون أدل على عدم البخل لأنه جعل معدوداً من جملتهم، ومن ذلك قولهم قد أيفعت لداته أي أترابه وأمثاله في السن، وقول رُقيقة بنت أبـي صيفي بن هاشم في سقيا عبد المطلب: ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. وقيل: إن مثلاً بمعنى الصفة وشيئاً عبارة عنها أيضاً حكاه الراغب ثم قال: والمعنى ليس كصفته تعالى صفة تنبيهاً على أنه تعالى وإن وصف بكثير مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له عز وجل حسب ما يستعمل في البشر. وذهب الطبري وغيره إلى أن مثلاً زائدة للتأكيد كالكاف في قوله:شعر : بالأمس كانوا في رخاء مأمول فأصبحت مثل كعصف مأكول تفسير : وقول الآخر:شعر : أهل عرفت الدار بالغريين وصاليات ككما يؤثفين تفسير : وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن مثلاً اسم والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة. ونُسب إلى الزجاج وابن جني والأكثرين القول بأن الكاف زائدة للتأكيد، ورده ابن المنير بأن الكاف تفيد تأكيد التشبيه لا تأكيد النفي ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة فليست الآية نظير شطري البيتين، ويقال نحوه فيما نقل عن الطبري ومن معه، وأجيب بأنه يفيد تأكيد التشبيه إن سلباً فسلب وإن إثباتاً فإثبات فيندفع ما أورد، نعم الأول هو الوجه. والمثل قال الراغب: ((أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط والشبه لما يشارك في الكيفية فقط والمساوي لما يشارك في الكمية فقط والشكل لما يشارك في القدر والمساحة فقط والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي الشبه من كل وجه خصه سبحانه بالذكر))، وذكر الإمام الرازي أن المثلين عند المتكلمين هما اللذان يقوم كل منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته وحمل المثل في الآية على ذلك أي لا يساوي الله تعالى في حقيقة الذات شيء، وقال: لا يصح أن يكون المعنى ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين كما أن الله تعالى يوصف بذلك وكذا يوصفون بكونهم معلومين مذكورين مع أن الله تعالى يوصف بذلك، وأطال الكلام في هذا المقام وفي القلب منه شيء. / وفي «شرح جوهرة التوحيد» اعلم أن قدماء المعتزلة كالجبائي وابنه أبـي هاشم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس فمماثلة زيد لعمرو مثلاً عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط، وذهب المحققون من الماتريدية إلى أن المماثلة هي الاشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو. ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران أحدهما: الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع. وثانيهما: أن يسد كل منهما مسد الآخر والمتماثلان وان اشتركا في الصفات النفسية لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتمايز فيصح التماثل، ونسب إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه. واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عمرو في الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث «حديث : الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل»تفسير : وأريد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها، ويمكن أن يجاب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل حتى إن زيداً وعمراً لو اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر صح القول بأنهما مثلان فيه وإلا فلا فلا يخالف مذهب الماتريدية، وفيه أيضاً أنه عز وجل ليس له سبحانه مماثل في ذاته فلا يسد مسد ذاته تعالى ذات ولا مسد صفته جلت صفته صفة. والمراد بالصفة الصفة الحقيقية الوجودية، ومن هنا تعلم ما في قول الإمام ((لا يصح أن يكون المعنى ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين كما أن الله سبحانه يوصف بذلك)) فإن معنى ذلك أنه تعالى ليس مثل صفته سبحانه صفة، ومن المعلوم البين أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله عز وجل وقدرته جل وعلا أي ليسا سادين مسدهما، وأما كونه تعالى مذكوراً ونحوه فهو ليس من الصفات المعتبرة القائمة بذاته تعالى كما لا يخفى. وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء لأن كل شيء فإنه يكون مثلاً لمثل نفسه فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو سبحانه مسمى باسم الشيء فلم يجعل المثل كناية عن الذات على ما سمعت ولا حكم بزيادته ولا بزيادة الكاف ومع هذا وإغماض العين عما في كلامه لا يتم له مقصوده إذ لنا أن نجعل ليس مثل مثله شيء نفياً للمثل على سبيل الكناية أيضاً لكن بوجه آخر وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما يقال: ليس لأخي زيد أخ فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه لأنه لا بد لأخي زيد من أخ هو زيد فنفيت هذا اللازم والمراد نفي ملزومه أي ليس لزيد أخ إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ هو زيد فكذا نفيت أن يكون لمثل الله تعالى مثل، والمراد نفي مثله سبحانه وتعالى إذ لو كان له مثل لكان هو مثل مثله إذ التقدير أنه موجود، ومغايرته لما تقدم أن مبناه إثبات اللزوم بين وجود المثل ووجود مثل المثل ليكون نفي اللازم كناية عن نفي الملزوم من غير ملاحظة والتفات إلى أن حكم الأمثال واحد وأنه يجري في النفي دون الإثبات فإن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم دون العكس بخلاف ما تقدم فإن مبناه أن حكم المتماثلين واحد وإلا لم يكونا متماثلين ولا يحتاج إلى إثبات اللزوم بين وجود المثل ومثل المثل وأنه يجري في النفي والإثبات كما سمعت من الأمثلة وليس ذاك من المذهب الكلامي في شيء، أما أولاً فلأنه إيراد الحجة وليس في الآية إشعار بها فضلاً عن الإيراد، وأما ثانياً فلأنه حينئذ تكون الحجة قياساً استثنائياً استثنى فيه نقيض التالي هكذا لو كان له سبحانه مثل لكان هو جل شأنه مثل مثله لكنه ليس مثلاً لمثله فلا بد من بيان بطلان التالي حتى تتم الحجة / إذ ليس بيناً بنفسه بل وجود المثل ووجود مثل المثل في مرتبة واحدة في العلم والجهل لا يجوز جعل أحدهما دليلاً على الآخر، لكن قيل: إن المفهوم من ليس مثل مثله شيء على ذلك التقدير نفي أن يكون مثل لمثله سواه تعالى بقرينة الإضافة كما أن المفهوم من قول المتكلم: إن دخل داري أحد فكذا غير المتكلم، وأيضاً لا نسلم أنه لو وجد له سبحانه مثل لكان هو جل وعلا مثل مثله لأن وجود مثله سبحانه محال والمحال جاز أن يستلزم المحال. وأجيب عن الأول أن اسم ليس {شَيْء} وهو نكرة في سياق النفي فتعم الآية نفي شيء يكون مثلاً لمثله، ولا شك أنه على تقدير وجود المثل يصدق عليه أنه شيء مثل لمثله، والإضافة لا تقتضي خروجه عن عموم شيء بخلاف المثال المذكور فإن القرينة العقلية دلت على تخصيص أحد بغير المتكلم لأن مقصوده المنع عن دخول الغير وعن الثاني أن وجود المثل لشيء مطلقاً يستلزم المثل مع قطع النظر عن خصوصية ذلك الشيء وذلك بين فالمنع بتجويز أن يكون لذاته تعالى مثل ولا يكون هو سبحانه مثلاً لمثله مكابرة، ثم إن هذا الوجه لكثرة ما فيه من القيل والقال بالنسبة إلى غيره من الأوجه السابقة لم نذكره عند ذكرها وهو على علاته أحسن من القول بالزيادة كما لا يخفى على من وفقه الله عز وجل. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} المدرك إدراكاً تاماً لا على طريق التخيل والتوهم لجميع المسموعات ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول هواء {ٱلبَصِيرُ} المدرك إدراكاً تاماً لجميع المبصرات أو الموجودات لا على سبيل التخيل والتوهم ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول شعاع فالسمع والبصر صفتان غير العلم على ما هو الظاهر وأرجعهما بعضهم إلى صفة العلم، وتمام الكلام على ذلك في الكلام. وقدم سبحانه نفي المثل على إثبات السمع والبصر لأنه أهم في نفسه وبالنظر إلى المقام.
ابن عاشور
تفسير : {فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. خبر ثانٍ عن الضمير في قوله تعالى: { أية : وهو على كل شيء قدير } تفسير : [الشورى: 9]، وما بينهما اعتراض كما علمت آنفاً أُعقب به أنه على كل شيء قدير، فإن خلق السماوات والأرض من أبرز آثار صفة القدرة المنفرد بها. والفاطر: الخالق، وتقدم في أوّل سورة فاطر. {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}. جملة في موضع الحال من ضمير {فاطر} لأن مضمونها حال من أحوال فَطْر السماوات والأرض فإن خلق الإنسان والأنعام من أعجب أحوال خلق الأرض. ويجوز كونها خبراً ثالثاً عن ضمير { أية : وهو على كل شيء قدير } تفسير : [الشورى: 9]. والمعنى: قَدَّر في تكوين نوع الإنسان أزواجاً لأفراده، ولما كان ذلك التقدير مقارناً لأصللِ تكوين النوع جيء فيه بالفعل الماضي. والخطاب في قوله: {لكم} للنّاس كلّهم. والخطاب التفات من الغيبة. واللام للتعليل. وتقديم {لكم} على غيره من معمولات {جعل} ليُعرف أنه معمول لذلك الفعل فلا يتوهم أنه صفة لـــ {أزواجاً}، وليكون التعليل به ملاحظاً في المعطوف بقوله {ومن الأنعام أزواجاً}. والأزواج: جمع زوج وهو الذي ينضمُّ إلى فرد فيصير كِلاهما زوجاً للآخر والمراد هنا: الذكور والإناث من النّاس، أي جعَل لمجموعكم أزواجاً، فللذكور أزواج من الإناث، وللنساء أزواج من الرّجال، وذلك لأجْل الجميع لأن بذلك الجعل حصلت لذة التأنس ونعمة النسل. ومعنى {من أنفسكم} من نوعكم، ومن بعضكم، كقوله: { أية : فسلّموا على أنفسكم } تفسير : [النور: 61] وقوله: { أية : ولا تقتلوا أنفسكم } تفسير : [النساء: 29]. وكون الأزواج من أنفسهم كمال في النعمة لأنه لو جعل أحد الزوجين من نوع آخر لفات نعيم الأنس، وأما زعم العرب في الجاهلية أن الرجل قد يتزوج جنيَّة أو غُولاً فذلك من التكاذيب وتخيلات بعضهم، وربّما عرض لبعض النّاس خبَال في العقل خاصّ بذلك فتخيل ذلك وتحدث به فراج عن كل أبْلَه. وقوله: {ومن الأنعام أزواجاً} عطف على {أزواجاً} الأول فهو كمفعول لــ {جعل} والتقدير: وجعل من الأنعام أزواجاً، أي جعل منها أزواجاً بعضها لبعض. وفائدة ذكر أزواج الأنعام دون أزواج الوحش: أن في أنواع الأنعام فائدة لحياة الإنسان لأنها تعيش معه ولا تنفر منه وينتفع بألبانها وأصوافها ولحومها ونسلها وعملها من حمْل وحرث، فبِجَعْلها أزواجاً حصل معظم نفعها للإنسان. والذرءُ: بث الخلق وتكثيره، ففيه معنى توالي الطبقات على مرّ الزمان إذ لا منفعة للنّاس من أزواج الأنعام باعتبارها أزواجاً سوى ما يحصل من نسلها. وضمير الخطاب في قوله: {يذرؤكم} للمخاطبين بقوله: {جعل لكم}. ومرادُ شموله لجعل أزواج من الأنعام المتقدم ذكره لأن ذكر أزواج الأنعام لم يكن هَمَلاً بل مراداً منه زيادة المنّة فإن ذَرْءَ نسل الإنسان نعمة للنّاس وذَرْء نسل الأنعام نعمة أخرى للنّاس، ولذلك اكتفى بذكر الأزواج في جانب الأنعام عن ذكر الذرء إذ لا منفعة للناس في تزاوج الأنعام سوى ما يحصل من نسلها. وإذ كان الضمير ضمير جماعة العقلاء وكان ضميرَ خطاب في حين أن الأنعام ليست عقلاء ولا مخاطبة، فقد جاء في ذلك الضمير تغليب العقلاء إذ لم يذكر ضمير صالح للعقلاء وغيرهم كأن يقال: يذراكِ بكسر الكاف على تأويل إرَادة خطاب الجماعة. وجاء فيه تغليب الخطاب على الغيبة، فقد جاء فيه تغليبان وهو تغليب دقيق إذ اجتمع في لفظ واحد نوعان من التغليب كما أشار إليه الكشاف والسكاكي في مبحث التغليب من «المفتاح». وضمير {فيه} عائد إلى الجَعْل المفهوم مِن قوله {جعل لكم}، أي في الجعل المذكور على حدّ قوله: { أية : اعدِلُوا هو أقرب للتقوى } تفسير : [المائدة: 8]. وجيء بالمضارع في {يذرؤكم} لإفادة التجدد والتجدُّد أنسب بالامتنان. وحرف (في) مستعار لمعنى السببية تشبيهاً للسبب بالظرف في احتوائه على مسبباته كاحتواء المنبع على مائه والمعدن على ترابه ومثله قوله تعالى: { أية : ولكم في القصاص حياة } تفسير : [البقرة: 179]. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. خبر ثالث أو رابع عن الضمير في قوله: { أية : وهو على كل شيء قدير } تفسير : [الشورى: 9]. ومَوقع هذه الجملة كالنتيجة للدليل فإنه لما قُدم ما هو نِعمٌ عظيمة تبيَّن أن الله لا يماثِله شيء من الأشياء في تدبيره وإنعامه. ومعنى {ليس كمثله شيء} ليس مثلَه شيء، فأقحمت كاف التشبيه على (مِثل) وهي بمعناهُ لأن معنى المِثْل هو الشبيه، فتعيّن أن الكاف مفيدة تأكيداً لمعنى المِثل، وهو من التأكيد اللّفظي باللّفظ المرادف من غير جنسه، وحسَّنه أن الموكِّد اسم فأشبه مدخول كاف التشبيه المخالف لمعنى الكاف فلم يكن فيه الثقل الذي في قول خِطام المجاشعي: شعر : وصَالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ تفسير : وإذ قد كان المثل واقعاً في حيّز النفي فالكاف تأكيد لنفيه فكأنَّه نُفِي المثلُ عنه تعالى بجملتين تعليماً للمسلمين كيف يُبطلون مماثلة الأصنام لله تعالى. وهذا الوجه هو رأي ثعْلب وابن جنِّي والزجّاج والراغب وأبي البقاء وابن عطية. وجعله في «الكشاف» وجهاً ثانياً، وقدّم قبله أن تكون الكاف غير مزيدة، وأن التقدير: ليس شبيه مثله شيء والمراد: ليس شبه ذاته شيء، فأثبت لذاته مثلاً ثم نفَى عن ذلك المثل أن يكون له مماثل كنايةً عن نفي المماثل لذات الله تعالى، أي بطريق لازم اللازم لأنه إذا نفي المِثْل عن مِثْله فقد انتفى المثل عنه إذ لو كان له مثل لما استقام قولك: ليس شيء مثلَ مثلِه. وجعله من باب قول العرب: فلان قد أيفعت لِدَاتُه، أي أيفع هو فكُني بإيفاع لِدَاته عن إيفاعه. وقول رُقَيْقَةَ بنتِ صَيفي في حديث سُقيا عبد المطلب «ألاَ وفيهم الطَّيِّبُ الطاهرُ لداتُه» اهــ. أي ويكون معهم الطيّبُ الطاهرُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وتبعه على ذلك ابن المنير في «الانتصاف»، وبعض العلماء يقول: هو كقولك ليس لأخي زيد أخ، تريد نفي أن يكون لزيد أخ لأنه لو كان لزيد أخ لكان زيد أخا لأخيه فلما نَفَيتَ أن يكون لأخيه أخ فقد نَفيتَ أن يكون لزيد أخ، ولا ينبغي التعويل على هذا لما في ذلك من التكلّف والإبهام وكلاهما مما ينبو عنه المقام. وقد شملَ نفيُ المماثلة إبطالَ ما نسبُوا لله البناتِ وهو مناسبة وقوعِه عقب قوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} الآية. وحديثُ سقيا عبد المطلب، أي خبر استسقائه لقريش أن رقيقة بنت أبي صيفي قالت: تتابعتْ على قريش سنون أقحلت الضرعَ وأدَقَّتْ العَظم، فبينا أنا نائمة إذا هاتف يهتف: «يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه ألاَ فانظروا رجلاً منكم وَسيطاً عُظَاما جُسَاماً أبيضَ أَوْطَف الأهداب سهل الخدّين أشمّ العرين فليخلص هو وولده، ألا وفيهم الطيّبُ الطَاهرُ لداته وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنُوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليرتقُوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمنوا فعثتم ما شئتم» الخ. قالوا: وكان معهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ غلام. واعلم أن هذه الآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مثلاً لله تعالى. والمثل يُحمل عند إطلاقه على أكمل أفراده، قال فخر الدّين «المثلان: هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته» اهــ. فلا يسمّى مثلاً حقاً إلا المماثل في الحقيقة والماهية وأجزائها ولوازمها دون العوارض، فالآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مماثلاً لله تعالى في صفات ذاته لأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذواتُ المخلوقات، ويلزم من ذلك أن كل ما ثبت للمخلوقات في محسوس ذواتها فهو منتفٍ عن ذات الله تعالى. وبذلك كانت هذه الآية أصلاً في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والحواسّ والأعضاء عند أهل التأويل والذين أثبتوا لله تعالى ما ورد في القرآن مما نسميه بالمتشابه فإنما أثبتوه مع التنزيه عن ظاهره إذ لا خلاف في إعمال قوله: {ليس كمثله شيء} وأنه لا شبيه له ولا نظير له. وإذ قد اتفقنا على هذا الأصل لم يبق خلاف في تأويل النصوص الموهمة التشبيه، إلاّ أن تأويل سلفنا كان تأويلاً جُمْليًّا، وتأويلَ خلفهم كان تأويلاً تفصيليًّا كتأويلهم اليدَ بالقدرة، والعَينَ بالعلم، وبَسْطَ اليدين بالجُود، والوجْهَ بالذات، والنزولَ بتمثيل حال الإجابة والقبول بحال نزول المرتفع من مكانه الممتنع إلى حيث يكون سائلوه لينيلهم ما سألوه. ولهذا قالوا: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم. ولما أفاد قوله: {ليس كمثله شيء} صفاتِ السُلوبِ أعقب بإثبات صفة العِلم لله تعالى وهي من الصفات المعنوية وذلك بوصفه بــ {السميع البصير} الدّالين على تعلّق علمه بالموجودات من المسموعات والمبصرات تنبيهاً على أن نفي مماثلة الأشياء لله تعالى لا يتوهّم منه أن الله منزّه عن الاتصاف بما اتصفت به المخلوقات من أوصاف الكمال المعنوية كالحياة والعلم ولكن صفات المخلوقات لا تشبه صفاته تعالى في كمالها لأنها في المخلوقات عارضة، وهي واجبة لله تعالى في منتهى الكمال، فكونه تعالى سميعاً وبصيراً من جملة الصفات الداخلة تحت ظلال التأويل بالحمل على عموم قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فلمْ يقتضيا جارحتين. ولقد كان تعقيب قوله ذلك بهما شبيهاً بتعقيب المسألة بمثالها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}. قوله تعالى: {فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض} تقدم تفسيره في أول سورة فاطر. وقوله: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً}. أي خلق لكم أزواجاً من أنفسكم كما قدمنا الكلام عليه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} تفسير : [النحل: 72] وبينا أن المراد بالأزواج الإناث كما يوضحه قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تفسير : [النجم: 45-46] وقوله: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [القيامة: 39] وقوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل: 1-3] الآية. وقوله في آدم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1] الآية. وقوله تعالى فيه أيضاً: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيها} تفسير : [الأعراف: 189] الآية. وقوله تعالى فيه أيضاً: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [الزمر: 6] الآية. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجا} هي الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] الآية. وفي قوله: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6] وهي ذكور الضأن والمعز والإبل والبقر وإناثها، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} تفسير : [آل عمران: 14]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله {يذرؤكم} شامل للآدميين والأنعام، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله: يذرؤكم واضح لا إشكال فيه. والتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله: "فيه" راجع إلى ما ذكر من الذكور والإناث، من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجا} تفسير : [الشورى: 11] سواء قلنا إن المعنى: أنه جعل للآدميين إناثاً من أنفسهم أي من جنسهم، وجعل للأنعام أيضاً إناثاً كذلك، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإناث منهما معاً. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية الكريمة يذرؤكم أي يخلقكم ويبثكم وينشركم فيه، أي فيما ذكر من الذكور والإناث، أي في ضمنه، عن طريق التناسل كما هو معروف. ويوضح ذلك في قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] فقوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} يوضح معنى قوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيه}. فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله يذرؤكم فيه، مع أنه على ما ذكرتم، عائد إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟ فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، رجوع الضمير أو الإشارة بصيغة الإفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلاً. ومثاله في الضمير: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 46] الآية، فالضمير في قوله: به مفرد مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب. فقوله: {يأتيكم به} أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج: شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأن في الجلد توليع البهق تفسير : فقوله: كأنه أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق. ومثاله في الإشارة {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} تفسير : [البقرة: 68] أي بين ذلك المذكور، من فارض وبكر، وقول عبد الله بن الزبعري السهمي: شعر : إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل تفسير : أي كلا ذلك المذكور من الخير والشر. وقول من قال، إن الضمير في قوله فيه راجع إلى الرحم، وقول من قال راجع إلى البطن، ومن قال راجع إلى الجعل المفهوم من جعل وقول من قال: راجع إلى التدبير، ونحو ذلك من الأقوال خلاف الصواب. والتحقيق إن شاء الله هو ما ذكرنا والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. وقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الأعراف: 54].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {أَزْوَاجاً} {ٱلأَنْعَامِ} (11) - فَهُوَ تَعَالَى خَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمُبْدِعُهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَى العِبَادِ بِأَنْ جَعَلَ لِلنَّاسِ أَزْوَاجاً مِنْ جِنْسِهِمْ لِيَكُونَ هُنَاكَ تَنَاسُلٌ وَتَوَالُدٌ وَبَقَاءٌ لِلنَّسْلِ إِلَى الأَجَلِ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ. وَجَعَلَ لِلأَنْعَامِ أَزْوَاجاً أَيْضاً لِتَنْظِيمِ شُؤُونِ الحَيَاةِ، وَجَعَلَ البَشَرَ والمَخْلُوقَاتِ تَتَوَالَدُ وَتَتَكَاثَرُ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإِنَاثِ (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)، وَلَيْسَ كَخَالِقِ الأَزْوَاجِ شَيءٌ يُمَاثِلُهُ، فَهُوَ تَعَالَى فَرْدٌ صَمَدٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ وَلاَ مَثِيلَ، وَهُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَنْطِقُ بِهِ الخَلْقُ، البَصِيرُ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ. الفَاطِرُ - الخَالِقُ المُوجِدُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً - زَوْجَاتٍ وَحَلاَئِلَ مِنْ جِنْسِكُمْ. مِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً - أَصْنَافاً ذَكَراً وَأُنْثَى. يَذْرَؤُكُمْ - يَبُثكُمْ وَيُكَثِّرُكُمْ بِالتَّزَاوُجِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقال تعالى في أول سورة فاطر: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 1] الفاطر هو الخالق الذي يخلق الشيء على غير مثال سابق، ولا نموذج يُحتذى، كما يحدث مثلاً في عالم الصناعة الآن، فهناك دولة متقدمة صناعياً فتأتي دول أقل منها تأخذ صناعاتها وتُقلِّدها وتصنع على مثالها، صحيح تُطوِّر فيها وتُجدِّد وتضيف لكن للدولة الأولى السَّبْق في النموذج الأول. فمعنى {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 11] خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق {جَعَلَ لَكُم} [الشورى: 11] دلتْ على أن كل الأشياء مخلوقة لخدمة بني آدم هذا الخليفة الذي استخلفه الله في الكون؛ لذلك ورد في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له ". تفسير : وقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [الشورى: 11] يراد بالأزواج هنا الذكورة والأنوثة، كما في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. وهذه حقيقة أثبتها العلم الحديث أن الزوجية موجودة في كل شيء حتى في الجمادات، فَهِمْنَاهَا في الموجب والسالب في الكهرباء، ورأيناها في ذرات المادة، قديماً كانوا يعرفونها في الأحياء في الإنسان والحيوان والنبات، وبالتقدم العلمي وجدناها في كل شيء خلقه الله. وهذا دليل صِدْق قوله تعالى: {أية : وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. ومن عجائب الخلق في هذه المسألة أنْ ترى نباتاً يحمل خصائص الذكورة وآخر للأنوثة، ويتم التلقيح بينهما عن طريق الهواء أو الفراشات مثلاً، وفي نبات آخر تجد فيه خصائص الذكورة والأنوثة معاً في شجرة واحدة، فشجرة الجميز مثلاً منها ذكر وأنثى والنخل كذلك، أما شجرة المانجو فهي واحدة تُلقَّح نفسها، ومثلها سنبلة القمح وعود الذرة، فهذه كلها تُلقِّح نفسها، لأن فيها عناصرَ للذكورة وأخرى للأنوثة في نفس النبات. ومعنى {مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [الشورى: 11] يعني: من نفس النوع ومن نفس جنسكم، والطبيعة تجذب كلاً من النوعين الذكر والأنثى إلى الآخر فيحدث تعايش بينهما ينشأ عنه غريزة هي غريزة الجنس، وهذه يصاحبها متعة. ومن التقاء الذكر والأنثى يحدث النسل، فالإنسان أخدها للنسل وللمتعة معاً، أما الحيوان فأخذها للنسل فقط، فترى الذكر منجذباً إلى الأنثى حتى يحدث الحمل، بعدها لا يقربها. أما الإنسان فغير ذلك، الإنسان أخذها متعة وبعد ذلك يتهم الحيوان ويقول: شهوة بهيمية، هي في الواقع شهوة إنسانية، فَلِمَ نظلم البهائم؟ ومن نعمه تعالى على خَلْقه أنْ جعل الأزواج من جنس واحد ليتم التوافق والانسجام بين النوعين ويحدث التناسل وبقاء النوع؛ لذلك امتنَّ الحق سبحانه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعل لهم رسولاً من أنفسهم يحمل إليهم منهج الله {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. نفهم من ذلك حرص الإسلام على الحياة الأسرية، وأن هذه الحياة ينبغي أن يسودها الوُدّ والوفاق والأُنْس، وأن تُبنى على المحبة، لذلك قال سبحانه: {أية : وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21]. والأزواج جمع زوج، وزوج لا تعني الاثنين كما يفهم البعض، إنما تعني (فَرْداً) معه مثله، كذلك كلمة توأم. {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً} [الشورى: 11] سبق في سورة الأنعام: {أية : ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الأنعام: 143-144]. إذن: ما دام قال لنا ثمانية أزواج، ثم عدّد أربعة فكلُّ نوع مكوَّن من زوجين زوج وزوج {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] أي: في الجعل ويذرؤكم يعني يكثركم، نلحظ أنه تعالى لم يقُلْ يذرأكم به يعني: يُكثركم بالجعل، إنما {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى: 11] وفيه تأتي بمعنى بسببه. كما في الحديث الشريف: "حديث : دخلتْ امرأةٌ النارَ في هِرَّة حبستْها" تفسير : يعني: بسبب هرة ونقول مثلاً لما واحد فتوة يعمل جريمة نقول (أهو راح فيها) يعني: بسببها. وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] له مناسبته هنا، فلما تكلم الحق سبحانه عن الأزواج في كل شيء أراد سبحانه أن يُنزِّه ذاته تعالى عن هذه المسألة، فقال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ولنفي المماثلة نقول: ليس مثله شيء، أما هنا فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]. إذن: جعل لنفسه مثلاً، لأن العرب تنطق بالمثل وتريد به الإنسان نفسه، فإذا حدث من شخص أمرٌ ما يقولون له: مثلك لا يفعل هذا، يعني: أنت لا يصح أنْ تفعله، لأن مثلك لا يفعله، مثلك لا يجبُنُ عند الحرب، لكن لماذا لا يقولون أنت لا تجبن عند الحرب وأتى بالمثل؟ تأمَّل هنا المرحلية اللغوية، حين تقول: زيد مثل الأسد هذا يعني أنه دون الأسد، فأنت شبَّهته بالأعلى في الصفة. إذن: المثل أقلّ من الأصل، ولو فُرض أن الحق له مثل لا نقول: إن الله له مثل لأن مثله أدنى منه. إذن: لا مثْلَ له، وهذا معنى قول الشاعر: شعر : وَلَمْ أَقُلْ مثْلَكَ أعْنِي به سِوَاكَ يَا فَرْداً بلاَ مُشبهِ تفسير : إذن: الأسلوب هنا في نفي المثلية أن يقول ليس مثله شيء، إنما أراد سبحانه أن يؤكد هذه المسألة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] يعني: لو كان هناك مثل لله لا يكون له شبه، فكيف بالله تعالى؟ وكلمة {شَيْءٌ} [الشورى: 11] تطلق على جنس الأجناس يعني: كل ما يُقال له شيء فكل ما يُطلق عليه شيء ليس كمثله. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11] أتى هنا بصفتين شركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه، فأنت تسمع والله يسمع، وأنت تبصر والله يبصر، لكن ينبغي أن نأخذ هذه الصفات لله تعالى في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فليس السمع كالسمع وليس البصر كالبصر. معنى {ٱلسَّمِيعُ} [الشورى: 11] أي: للأصوات {ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11] للمرئيات. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تفسير : [المائدة: 71] فالسمع نفسه عمل، والقول عمل والبصر عمل، وسبق أن أوضحنا أن العمل قول وفعل، والقوْلُ خاصٌّ باللسان، والفعل يشمل عمل كل الجوارح عدا اللسان، وبذلك يكون اللسانُ وحده قد أخذ شطر العمل، لأن القول به البلاغ، وبه إعلان الإيمان، وبه يُعبِّر المرء عن نفسه. وهذه الآية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] تُعلِّمنا كيف نُنزِّه الله تعالى عن كل شبيه أو نظير أو مثيل، وتُعلِّمنا أن نأخذ كل وصف مشترك بين الحق وبين الخَلْق في هذا الإطار الإيماني. ولمَ لا ونحن في صفات البشر نتفاوت، وفي إمكانياتنا نتفاوت، فتجد مثلاً (شيخ الغفر) له بيت و (مصطبة) لاستقبال الضيوف، وشيخ البلد والعمدة كل واحد له بيت وله مصطبة أو حجرة جلوس على قدره، أما المأمور مثلاً فهو أعلى من هؤلاء جميعاً، وعنده ما ليس عندهم، هذا تفاوت بين البشر، فما بالك بالصفات المشتركة بيننا وبين ربنا عز وجل؟
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} معناه يَخلُقُكُم فيهِ.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا أتوكل عليه ولا أنيب؛ إذ هو بذاته حسب شئونه وتطوراته {فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ومظهرها من كتم العدم، ومدبر ما يتكمون بينهما من الطبائع والهيولي وصور المواليد، ومن جملة تدبيراته سبحاه: إنه {جَعَلَ} وخلق {لَكُم} أيها المجبولون على فطرة التوحيد وإبقاء لتناسلكم وتوالدكم {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ومن بني نوعكم {أَزْوَاجاً} أيضاً من جنسكم وصنفكم إبقاء لكم وإدامة لبقائكم {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ} أيضاً {أَزْواجاً} تربية لكم وتتميماً لمعاشكم. وبالجملة: {يَذْرَؤُكُمْ} يبثكم ويكثركم {فِيهِ} أي: في عالم الظهور ونشأة الشهادة بهذا التدبير البديع، لتعلموا أو تعرفوا أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ} أي: ليس مثله سبحانه {شَيْءٌ} يناسبه في الوجود ويماثله في التحقق والثبوت، والمراد يقيناً بالمثل المنفي هو ذاته؛ أي: لا يماثله ذاته، فكيف غيره من قولهم: مثلك لا يبخل؛ بمعنى: أنت لا تبخل، والمراد: نفي التعدد عنه سبحانه مطلقاً على سبيل المبالغة والتأكيد، فثبت حينئذ ألا موجود سواه، ولا تحقق لغيره {وَ} متى ثبت هذا ظهر أنه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11] أي: هو بذاته المنحصر على صفة السمع والبصر، وجميع الأوصاف الذاتية الكاملة الشاملة آثارها عالمي الغيب والشهادة. إذ {لَهُ} لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية الظاهرة في أظلال المظاهر والمجالي {مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مفاتيح خزائن العلويات من الأسماء والصفات، والسفليات من مظاهر الطبائع، والمرايا العدمية القابلة لانعكاس شمس الذات من مشكاة الأسماء والصفات، هو بذاته {يَبْسُطُ} ويقبض {ٱلرِّزْقَ} الصوري والمعنوي {لِمَن يَشَآءُ} من أضلاله وعكوسه {وَيَقْدِرُ} ويقبض عمن يشاء منهم، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه بذاته حسب أسمائه وصفاته {بِكُلِّ شَيْءٍ} دخل تحت ظل وجوده بمقتضى فضله وجوده {عَلِيمٌ} [الشورى: 12] بعلمه الحضوري، لا يعزب عن حضوره شيء مما ظهر وبطن، وغاب وشهد. ومن كمال استقلاله في تدابير مكله وملكوته وحيطة علمه وشمول قدرته: {شَرَعَ} أي: قضى ووضع {لَكُم} أيها الأظلال المنهمكون في بحر الحيرة والظلال {مِّنَ ٱلدِّينِ} القيوم والطريق المستقيم الموصل إلى توحيده {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} أي: ديناً شرعه سبحانه ووضعه على نوح؛ إذ هو أول من ظهر على نشأة التدين والتشريع في طريق التوحيد، وهو الدين الموصل إلى توحيد الأفعال {وَ} الدين {ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل من كمال جودنا هو الدين الموصل إلى توحيد الذات، لذلك ختم ببعثتك أمر الرسالة والتشريع، وبعدما عين سبحانه مبدأ التوحيد ومنتهاه، أشار إلى ما بينهما من المراتب، فقال: {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} أي: والأديان التي وضعناها على هؤلاء المشاهير، وغيرهم من جماهير الأنبياء والرسل المتشرعة وغير المتشرعة هو الموصل إلى توحيد الصفات. وبالجملة: وصينا لعموم ذوي الأديان {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} المنزل إليهم، واستقيموا في الإطاعة والامتثال به {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي: لا تختلفوا في أصل الدين الذي هو التوحيد الإلهي، وإن كانت الطرق والأديان والمناهج نحوه مختلفة باختلاف ذوي المراتب المترتبة اختلافاتهم إلى شئون الحق وتجلياته، فلك يا أكمل الرسل أن تدعو الناس إلى توحيد الحق، وإن كان {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: شقَّ وعظم عليهم {مَا تَدْعُوهُمْ} أي: دعوتك إياهم {إِلَيْهِ} أي: إلى التوحيد الذاتي؛ إذ لم يعهد هذا من غيرك من الأنبياء والرسل الماضين، لذلك شق عليهم حسداً وغيظاً، فكيف يحسدون ويغيظون لك ولشأنك؛ إذ {ٱللَّهُ} العليم الحكيم المطلع على استعدادات العباد وقابلياتهم {يَجْتَبِيۤ} أي: يختار ويجذب {إِلَيْهِ} أي: إلى توحيده الذاتي {مَن يَشَآءُ} من المجبولين على فطرة التوحيد، {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ} ويوفق عليه ويرشد نحوه {مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] إليه سبحانه إنابة صادرة عن محض الإخلاص والتبتل والتفويض والتوكل.
همام الصنعاني
تفسير : 2729- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}: [الآية: 11]، قال: يعيِّشكم فيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):