Verse. 4284 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

لَہٗ مَقَالِيْدُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۚ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَاۗءُ وَيَقْدِرُ۝۰ۭ اِنَّہٗ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۱۲
Lahu maqaleedu alssamawati waalardi yabsutu alrrizqa liman yashao wayaqdiru innahu bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«له مقاليد السماوات والأرض» أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما «يبسط الرزق» يوسعه «لمن يشاء» امتحاناً «ويقدر» يضيقه لمن يشاء ابتلاءً «إنه بكل شيء عليم».

12

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدّم في «الزُّمَرَ» بيانه. النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن؛ يقال للمفتاح: إقليد، وجمعه على غير قياس؛ كمحاسن والواحد حسن. {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تقدّم أيضاً في غير موضع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسِّعه {لِمَن يَشَاءُ } امتحاناً {وَيَقْدِرُ } يضيقه لمن يشاء ابتلاء {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} خزائنهما، أو مفاتيحهما "ع" بالفارسية، أو العربية، مفاتيح السماء المطر والأرض النبات، أو مفاتيح الخير والشر، أو مقاليد السماء الغيوب والأرض الآفات، أو مقاليد السماء حدوث المشيئة ومقاليد الأرض ظهور القدرة، أو قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير مأثور يبسط ويقدر: يوسع ويضيق، أو يسهل ويعسر {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ} من البسط والتقتير {عَلِيمٌ}.

النسفي

تفسير : {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } مر في «الزمر» {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ } أي يضيق {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ شَرَعَ } بين وأظهر {لَكُم مِّنَ ٱلِِّدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء عليهم السلام، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ } والمراد إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء وسائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً، ولم يرد به الشرائع فإنها مختلفة قال الله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً }تفسير : [المائدة: 48]. ومحل {أَنْ أَقِيمُواْ } نصب بدل من مفعول {شَرَعَ } والمعطوفين عليه، أو رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } ولا تختلفوا في الدين قال علي رضي الله عنه: لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ } عظم عليهم وشق عليهم {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من إقامة دين الله والتوحيد {ٱللَّهُ يَجْتَبِى } يجتلب ويجمع {إِلَيْهِ } إلى الدين بالتوفيق والتسديد {مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } يقبل على طاعته {وَمَا تَفَرَّقُواْ } أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء عليهم السلام {بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسداً وطلباً للرياسة والاستطالة بغير حق {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهي {أية : بل الساعة موعدهم}تفسير : {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترفوا {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ } من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان {مُرِيبٍ } مدخل في الريبة. وقيل: وما تفرق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ }، {أية : وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ }تفسير : [الشورى: 14]. هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل. {فَلِذَلِكَ } فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً {فَٱدْعُ } إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية {وَٱسْتَقِمْ } عليها وعلى الدعوة إليها {كَمَا أُمِرْتَ } كما أمرك الله {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ } المختلفة الباطلة {وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ } بأي كتاب صح أن الله تعالى أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض كقوله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } إلى قوله {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً }تفسير : [النساء: 150-151] {وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ } في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي كلنا عبيده {لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } هو كقوله {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ }تفسير : [الكافرون: 6] ويجوز أن يكون معناه إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي لا خصومة لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوبين به فلا حاجة إلى المحاجة، ومعناه لا إيراد حجة بيننا لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } يوم القيامة {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع لفصل القضاء فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ } يخاصمون في دينه {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية كقوله: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا }تفسير : [البقرة: 109]. كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجيب لمحمد عليه السلام دعاؤه على المشركين يوم بدر {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } باطلة وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } بكفرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ } أي جنس الكتاب {بِٱلْحَقِّ } بالصدق أو ملتبساً به {وَٱلْمِيزَانَ } والعدل والتسوية. ومعنى إنزال العدل أنه أنزله في كتبه المنزلة. وقيل: هو عين الميزان أنزله في زمن نوح عليه السلام {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } أي لعل الساعة قريب منك وأنت لا تدري والمراد مجيء الساعة، أوالساعة في تأويل البعث. ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين بالقسط فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم. {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } استهزاء {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ } خائفون {مِنْهَا } وجلون لهولها {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ } الكائن لا محالة {أَلآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَى ٱلسَّاعَةِ } المماراة الملاحّة لأن كل واحد منهما يمري ما عند صاحبه {لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ } عن الحق لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء. {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } في إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه وهو بر بليغ البر بهم قد توصل بره إلى جميعهم. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه وعظم عن الجرائم حلمه، أو من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون الطاقة. وعن الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه ولو لطف بأعدائه ما جحدوه {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} أي يوسع رزق من يشاء إذا علم مصلحته فيه، في الحديث «حديث : إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك»تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ } الباهر القدرة الغالب على كل شيء {ٱلْعَزِيزُ } المنيع الذي لا يغلب. {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ } سمى ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثاً مجازاً {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } بالتوفيق في عمله أو التضعيف في إحسانه أو بأن ينال به الدنيا والآخرة {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا } أي من كان عمله للدنيا ولم يؤمن بالآخرة {نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي شيئاً منها لأن «من» للتبعيض وهو رزقه الذي قسم له لا ما يريده ويبتغيه {وَمَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } وماله نصيب قط في الآخرة وله في الدينا نصيب، ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب {أَمْ لَهُمْ شُرَكٰؤُا} قيل: هي «أم» المنقطعة وتقديره بل ألهم شركاء. وقيل: هي المعادلة لألف الاستفهام. وفي الكلام إضمار تقديره أيقبلون ما شرع الله من الدين أم لهم آلهة {شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } أي لم يأمر به؟ {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء أي ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين الكافرين والمؤمنين أو لعجلت لهم العقوبة {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة وإن أخر عنهم في دار الدنيا {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } المشركين في الآخرة {مُشْفِقِينَ } خائفين {مِمَّا كَسَبُواْ } من جزاء كفرهم {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } نازل بهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ } كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها {لَهُم مَّا يَشَآءَونَ عِندَ رَبِّهِمْ } عند نصب بالظرف لا بـ «يشاؤون» {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } على العمل القليل.

الخازن

تفسير : {له مقاليد السموات والأرض} يعني مفاتيح الرزق في السموات يعني المطر وفي الأرض يعني النبات يدل عليه قوله تعالى: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي أنه يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء لأن مفاتيح الرزق بيده {إنه بكل شيء عليم} أي من البسط والتضييق. قوله عز وجل: {شرع لكم من الدين} أي ما بين وسن لكم طريقاً واضحاً من الدين، أي ديناً تطابقت على صحته الأنبياء وهو قوله تعالى: {ما وصى به نوحاً} أي أنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد ديناً واحداً {والذي أوحينا إليك} أي من القرآن وشرائع الإسلام {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة وأولو العزم. ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من رسله بقوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} والمراد بإقامة الدين هو توحيد الله والإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر وطاعة الله في أوامره ونواهيه وسائر ما يكون الرجل به مسلماً، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها فإنها مختلفة متفاوتة قال الله تعالى: {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} تفسير : [المائدة: 48] وقيل أراد تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقيل تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنه مجمع على تحريمهن، وقيل لم يبعث الله نبياً إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله تعالى بالوحدانية والطاعة وقيل بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} أي من التوحيد ورفض الأوثان {الله يجتبي إليه من يشاء} أي يصطفي لدينه من يشاء من عباده {ويهدي إليه من ينيب} أي يقبل على طاعته {وما تفرقوا} يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس: يعني أهل الكتاب {إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي بأن الفرقة ضلالة {بغياً بينهم} أي ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وقيل بغياً منهم على محمد صلى الله عليه وسلم {ولولا كلمة سبقت من ربك} أي في تأخير العذاب عنهم {إلى أجل مسمى} يعني إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} أي بين من آمن وكفر يعني لأنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا {وإن الذين أورثوا الكتاب} أي اليهود والنصارى {من بعدهم} أي من بعد أنبيائهم وقيل الأمم الخالية {لفي شك منه} أي من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فلا يؤمنون به {مريب} يعني مرتابين شاكين فيه {فلذلك} أي إلى ذلك {فادع} أي إلى ما وصى الله تعالى به الأنبياء من التوحيد وقيل لأجل ما حدث به من الاختلاف في الدين الكثير فادع أنت إلى الاتفاق على الملة الحنيفية {واستقم كما أمرت} أي أثبت على الدين الذي أمرت به {ولا تتبع أهواءهم} أي المختلفة الباطلة {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} أي آمنت بكتب الله المنزلة كلها وذلك لأن المتفرقين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض {وأمرت لأعدل بينكم} قال ابن عباس أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام وقيل لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء وقيل لأعدل بينكم في الحكم إذا تخاصمتم وتحاكمتم إلى {الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} يعني أن إله الكل واحد وكل أحد مخصوص بعمل نفسه وإن اختلفت أعمالنا فكل يجازي بعمله {لا حجة} أي لا خصومة {بيننا وبينكم} وهذه الآية منسوخة بآية القتال إذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة فلم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة {الله يجمع بيننا} أي في المعاد لفصل القضاء {وإليه المصير}.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال‏:‏ إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، إن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة، فيعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار واليوم، فينظر فيه ثلاث ساعات، فيطلع منها على ما يكره، فيغضبه ذلك، وأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش، وسرادقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن، فلا يبقى شيء إلا سمعه إلا الثقلين‏:‏ الجن والإِنس، فيسبحونه ثلاث ساعات، حتى يمتلىء الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات، ثم يؤتى بما في الأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، ‏{أية : ‏هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم}‏ تفسير : ‏[‏آل عمران: 6‏] ‏{أية : ‏يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور‏}تفسير : ‏[‏الشورى: 49‏] حتى بلغ ‏(‏عليم‏)‏، فتلك تسع ساعات، ثم ينظر في أرزاق الخلق كله ثلاث ساعات، ‏{أية : ‏يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم}‏تفسير : ‏[‏الرعد: 26‏]‏ فتلك اثنتا عشرة ساعة، ثم قال‏:‏ ‏{أية : ‏كل يوم هو في شأن}‏تفسير : ‏[‏الرحمن: 29‏] فهذا شأن ربكم كل يوم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أيْ خَزَائنُهُما {يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ} يوسعُ ويضيقُ حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المؤسسةُ على الحِكَمِ البالغةِ {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} مبالغٌ في الإحاطةِ به فيفعلُ كلَّ ما يَفعلُ على ما ينبغِي أنُ يُفعلَ عليه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلَها وتمهيدٌ لما بعدَها من قولِه تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} وإيذانٌ بأنَّ ما شرعَ لهم صادرٌ عن كمالِ العلمِ والحكمةِ كما أن بـيانَ نسبتهِ إلى المذكورينَ عليهم الصلاةُ والسلامُ تنبـيهٌ على كونِه ديناً قديماً أجمعَ عليه الرسلُ. والخطابُ لأمَّتهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شرعَ لكُم من الدينِ ما وصَّى به نوحاً ومَنْ بعدَه من أربابِ الشرائعِ وأولي العزائمِ من مشاهيرِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَهُم به أمراً مؤكداً، على أنَّ تخصيصَهُم بالذكرِ لما ذُكِرَ من علوِّ شأنِهم ولاستمالِة قلوبِ الكفرةِ إليه لاتفاقِ الكلَّ على نبوةِ بعضِهم، وتفردِ اليهودِ في شأنِ مُوسى عليه السَّلامُ وتفردِ النَّصارى في حقِّ عيسى عليه السلام وإلا فَما منْ نبـيَ إلا وهُو مأمورٌ بما أُمِروا به، وهو عبارةٌ عنِ التوحيدِ ودينِ الإسلامِ وما لا يختلفُ باختلافِ الأممِ وتبدلِ الأعصارِ من أصولِ الشرائعِ والأحكامِ كما ينبىءُ عنه التوصيةُ فإنها معربةٌ عن تأكيد الأمرِ والاعتناءِ بشأن المأموريةِ والمرادُ بإيحائِه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمَّا مَا ذُكِرَ في صدرِ السُّورةِ الكريمةِ وفي قولِه تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا } تفسير : [سورة الشورى، الآية 7] الآيةَ أو ما يعمُّهما وغيرَهُما مما وقعَ في سائر المواقعِ التي من جُمْلتِها قولُه تعالَى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [سورة النحل، الآية 123] وقولُه تعالَى: {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [سورة الكهف، الآية 110] وغيرُ ذلكَ. والتعبـيرُ عن ذلكَ عند نسبتِه إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالذي لزيادة تفخيمِ شأنِه من تلك الحيثيةِ، وإيثارُ الإيحاءِ على ما قبلَهُ وما بعَدُه من التوصيةِ لمراعاة ما وقعَ في الآيات المذكورةِ ولِما في الإيحاءِ من التصريحِ برسالتهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ القامعِ لإنكار الكفرةِ، والالتفاتُ إلى نون العظمةِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بإيحائِه وهو السرُّ في تقديمِه على ما بَعدُه مع تقدِّمهِ عليهِ زماناً، وتقديمُ توصيةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ للمسارعة إلى بـيان كونِ المشروعِ لهم ديناً قديماً، وتوجيه الخطابِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلام بطريق التلوين للتشريف والتنبـيهِ على أنَّه تعالَى شرعَهُ لهم على لسانِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ} أي دينَ الإسلامِ الذي هو توحيدُ الله تعالى وطاعتُه والإيمانُ بكتبه وبرسله وبـيوم الجزاءِ وسائرِ ما يكونُ الرجلُ بهِ مُؤمناً. والمرادُ بإقامتِه تعديلُ أركانِه وحفظُه منْ أنْ يقعَ فيه زيغٌ أو المواظبةُ عليه والتشمّرُ له، ومحلُّ أنْ أقيمُوا إما النصبُ على أنَّه بدلٌ منْ مفعول شرع، والمعطوفين عليهِ أو الرفعُ على أنه جوابٌ عن سؤالٍ نشأَ منْ إبهامِ المشروعِ كأنَّه قيلَ: وما ذاكَ فقيلَ هو إقامةُ الدينِ، وقيلَ: بدلٌ من ضمير به وليسَ بذاكَ لما أنَّه معَ إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاءِ إلى النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مستلزمٌ لكون الخطابِ في قوله تعالَى: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} للأنبـياءِ المذكورينَ عليهمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتوجيه النَّهي إلى أممهم تمحّلٌ ظاهرٌ مع أنَّ الأظهرُ أنَّه متوجهٌ إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنَّهم المتفرقونَ كما ستحيطُ به خبراً أي تتفرقُوا في الدين الذي هُو عبارةٌ عمَّا ذكر من الأصولِ دونَ الفروعِ المختلفةِ حسبَ اختلافِ الأممِ باختلافِ الأعصارِ كما ينطقُ بهِ قولُه تعالَى: { أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً} تفسير : [سورة المائدة، الآية 48]. وقولُه تعالَى: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} شروعٌ في بـيانِ أحوالِ بعضِ مَنْ شرعَ لهم ما شرع من الدينِ القويمِ أي عظُم وشقّ عليهم {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التوحيدِ ورفضِ عبادةِ الأصنامِ واستبعدُوه حيثُ قالُوا: { أية : أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ} تفسير : [سورة ص، الآية 5] وقولُه تعالَى: {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء} استئنافٌ واردٌ لتحقيق الحقِّ وفيه إشعارٌ بأنَّ منهُم من يجيبُ إلى الدعوة أي الله يجتلبُ إلى ما تدعُوهم إليهِ مَنْ يشاءُ أنْ يجتبَـيُه إليهِ وهُو من صَرفَ اختيارَهُ إلى ما دُعِيَ إليه كما ينبىءُ عنه قولُه تعالى: {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي يُقبلُ إليه حيثُ يمدُّه بالتوفيق والألطافِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 12]. قال ابن عطاء: مقاليد السماوات الغيوب ومقاليد الأرض الآيات والبينات. وقال أيضاً فى هذه الآية مفاتيح السماوات والأرض هى المشيئة والقدرة فى السماوات والأرض فبمشيئتى قامت السماء بغير عمد ترونها ولا علاقة فوقها وبقدرتى ثبتت الأرض بما فيها وعليها على الماء ولغامض علمى وقف الماء فلم يضطرب أمواجه وبمشيئتى تمطر السماء على الأرض وبإذنى يخرج النبات من الأرض ومفاتيح القلوب بيدى أقلبها كيف أشاء والضر والنفع بيدى فكونوا لى صرفاً أكن لكم حقاً. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: عاتب الله أولياءه بنظرهم إلى ما سواه وقال بيدى مقاليد السماوات والأرض فلا يشتغلوا بها ولا بما فيها وعليها فإنها كلها قامت بى كونوا لى حقاً أسخر لكم الأكوان وما فيها ألا ترى كيف قطعهم عن الاعتماد على الأنبياء بقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255].

القشيري

تفسير : "مقاليد" أي مفاتيح، والمفاتيح للخزائن، وخزائنه مقدوراته. وكما أن في الموجودات معادن مختلفة فكذلك القلوب معادن جواهر الأحوال؛ فبعض القلوب معادن المعرفة، وبعضها معادن المحبة، وبعضها للشوق، وبعضها للأُنْس.. وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والرضا. وفائدة التعريف بأن المقاليد له: أَنْ يقطع العبدُ أفكارَه عن الخَلْق، ويتوجَّه في طلب ما يرد من الله الذي {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}، والذي هو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: يوسِّع ويضيِّق أرزاقَ النفوسِ وأرزاقَ القلوب حسبما شاء وحَكَمَ وعَلِمَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {له مقاليد السموات والارض} قال الجواليقى فى كتابه المعرب المقليد المفتاح فارسى معرب لغة فى الاقليد والجمع مقاليد فالمقاليد المفاتيح وهى كناية عن الخزآئن وقدرته عليها وحفظه لها وفيه مزيد دلالة على الاختصاص لأن الخزآئن لا يدخلها ولا يتصرف فيها الا من بيده مفاتيحها (وقال الكاشفى) كليدهاى آسمانها وزمينها يعنى مفاتيح رزق جه خزانه آسمان مطراست وكنجينه زمين نبات. قال ابن عطاء مقاليد الارزاق صحة التوكل ومقاليد القلوب صحة المعرفة بالله ومقاليد العلوم فى الجوع شعر : ندارندتن بروران آكهى كه بر معده باشدزحكمت تهى تفسير : وقال بعضهم مقاليد سمواته ما فى قلوب ملائكته من احكام الغيوب ومقاليد ارضه ما اودع الحق صدور اوليائه من عجائب القلوب {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يوسع ويضيق {انه بكل شىء عليم} مبالغ فى الاحاطة به فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغى ان يفعل عليه فلا يوسع الرزق الا اذا علم أن سعته خير للعبد وكذا التضييق وفى التأويلات النجمية له مفاتيح سموات القلوب وفيها خزآئن لطفه ورحمته وارض النفوس وفيها خزآئن قهره وعزته فكل قلب مخزن لنوع من الطافه فبعضها مخزن المعرفة وبعضها مخزن المحبة وبعضها مخزن الشوق وبعضها مخزن الارادة وغير ذلك من الاحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والانس والرضى وغير ذلك وكل نفس مخزن لنوع من اوصاف قهره فبعضها مخزن النكرة وبعضها مخزن الجحود وبعضها مخزن الانكار وغير ذلك من الاخلاق الذميمة كالشرك والنفاق والحرص والكبر والبخل والشره والغضب والشهوة وغير ذلك وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع افكار العباد من الخلق اليه فى جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه فانه تعالى يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب والخلق بمعزل عن هذا الوصف وفى الحديث "حديث : لا اله الا الله مفتاح الجنة" تفسير : ولا شك أن الجنة جنتان جنة صورية هى دار النعيم وجنة معنوية هى القلب ومفتاح كليتهما هو التوحيد وهو بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ويجعله من اهل النعيم مطلقا ثم ان الرزق الصورى هى المأكولات والمشروبات الحسية والرزق المعنوى هى العلوم الحقيقية والمعارف الالهية فالاول داخل فى الآية بطريق العبارة والثانى بطريق الاشارة (وفى المثنوى) شعر : فهم نان كردن نه حكمت اى رهى زنكه حق كفتت كلومن رزقه رزق حق حكمت بود درمرتبت كان كلو كيرت نباشد عاقبت اين دهان بستى دهانى بازشد كه خورنده لقمهاى رازشد كر زشير ديوتن را وا برى در فطام اوبسى حكمت خورى تفسير : نسأل الله فيضه وعطاه بحق مصطفاه

الجنابذي

تفسير : {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} المقلاد كالمفتاح والقليّد كالسّكّيت الخزانة {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} على قدر استعداده {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم قدر استعداد كلّ واستحقاقه.

اطفيش

تفسير : {لَهُ مَقَالِيدُ} قال ابن عباس: (مفاتيح) وقال السدي: (خزائن) وقال مجاهد: فارسية استعيرت هنا لوقوع كل أمر تحت قدرته وعن بعض انه يقدر مضاف على تفسير ابن عباس أيضاً أي مقاليد خزائن أي مفاتيحها ويدل لهذا يبسط ويقدر. {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}* مفاتيح الرزق السموات المطر وغيره وفى الارض النبات وغيره* {يَبْسُطُ} يوسع. {الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يضيق على من يشاء لان مفاتيح الرزق بيده. {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} من البسط والتضييق وغيرهما وبصلاحه فيفصل كما أراد فيبسط لمن علم الغنى خيراً له ويضيق على من علم الفقر خيراً له.

اطفيش

تفسير : {لهُ مَقاليد} مفاتيح {السماوات والأرض يبْسطُ الرِّزق لمنْ يشاءُ} له البسط {ويقدر} يضيقه عمن يشاء التضييق عنه {إنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ} فأفعاله كلها حكمة، وهذا تعليل لما قبله من البسط والقدر، لأنه بكل الخ وتمهيد لقوله: {شرَع لَكُم منَ الدِّين ما وصَّى به نُوحا والَّذي أوحَينا إليك وما وصَّيْنا به إبراهِيم ومُوسَى وعِيسَى} فان شرعه ذلك من كمال علمه وحكمه، وخص هؤلاء بالذكر لشهرتهم لعل الكفار يميلون الى ما جاءوا به من التوحيد وتوابعه ولأنهم أولوا عزم، وأصحاب شرائع مشهورة والأتباع الكثيرة، وفى تقديم هذه الأمة وخطابها فى قوله تعالى: {شرع لكم} تشريف لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم، وكذا فى ذكره صلى الله عليه وسلم بالايحاء بعد ذكر التوصية، وقيل: ذكر ابراهيم وموسى وعيسى بالتوحيد للتصريح برسالته صلى الله عليه وسلم القامعة لمنكريها، وأكد الايحاء بنون العظمة تشريفا له ولكتابه، وناسب ذلك تعبيره بالذى التى هى أصل الموصولات، وعبر فى غيره بما، وفى تقديم لكم إيماء الى أن ما أوحى الى نوح موحى به الى النبى صلى الله عليه وسلم، لأن الرسل قبله نائبون عنه، وهو أو الرسل بهذا الاعتبار. {أنْ أقيمُوا الدين} إيتوا به قائما على الدوام، أو مستقيما لا خلل فيه، وأن حرف تفسير لشرع، إذ فيه معنى القول، ومن العجيب أن تجعل مصدرية مخففة أو خفيفة، مع أن مدخولها انشاء لا خارج له يراد بالمصدر، معنى اقامة الدين التوحيد والعبادة، والايمان بالكتب والرسل والبعث، وشمل ذلك الأصول وما أمروا به من الفروع، وأما غير ذلك فقد قال الله عز وجل: "أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" تفسير : [المائدة: 48] والروع كمكارم والأخلاق بأنها متفق عليها فى الأمم، وكالصلاة والصوم، والتقرب بصالح الأعمال، واللصدق والوفاء بالوعد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الأموال، والزنى والكبر، والظلم والاعتداء على الحيوان، إلا أن صلاتهم ليست كصلاتنا خمس صلوات، وزادتهم ربع المال، وصومهم فى غير رمضان، أو فيه فبدلوه وزادوا وفى المدينة شرع الصوم والزكاة، وقد قيل: المراد باقامة الدين تحليل الحلال، وتحريم الحرام، بحسب ما أوحى اليهم، وقيل: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالصلاة والزكاة بعد التوحيد، وبالألفة والجماعة. {ولا تَتَفرَّقُوا فيه} فى الدين بأن يأتى به بعض، ولا يأتى به بعض، ولا يأتى به بعض، أو يأتى بعض ببعضه فقط، أو يزيد عليه بعض، والخطاب فى الموضعين للأنبياء والأمم، فإنها معلومة بذكر الأنبياء، والخطاب فى نفس الأمر للأمم، لأنهم هم الذين يقع منهم عدم الإقامة، ويقع منهم الاختلاف، ويجوز أن يقدر بعد قوله: " عيسى " شرع لأممهم أن أقيموا الدين، وقيل: لم يشرع لآدم إلا التوحيد، ذكر الله، وتحريم الزنى، والظلم، ونحو ذلك، وفى عهد نوح حرمت الأمهات والبنات، وهذا خطأ، فإنها محرمتان على عهد آدم عليه السلام، ولم يشرع الحج لأمة موسى، ومن بعده من الأنبياء، إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، لا للأمم قبل موسى عليه السلام، قال على: لا تتفرقوا، فالفرقة عذاب، والجماعة رحمة. {كَبُر على المُشركين ما تَدعوهم إليْه} من التوحيد، ورفض كل معبود سوى الله تعالى، أو من اقامة الدين، وترك مخالفة المسلمين فيه، ولفظ المشركين يدل على الأول، ولكن البعث يدخل فى التوحيد كما قيل لمنكره " أية : أكفرت بالذي خلقك" تفسير : [الكهف: 37] وسلى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {الله يجْتَبي إليْه من يشاءُ} إذ تضمن أن من قومك من سيؤمن، ويجتبى يصطفى، وعداه بالى لتضمنه معنى الرد أى يرده اليه عن الشرك، أو معنى الجمع، يقال: جمعت كذا الى كذا، والهاء لله عز وجل، ولو لزم عمل عامل فى ضميرين لمسمى واحد، لأن أحدهما معمول بواسطة حرف الجر، وهو فى القرآن كثير، وكذا الهاء فى قوله: {ويَهْدي إليه مَن يُنيبُ} عائدة اليه تعالى، ومعمولة بواسطة البار مع المضمر المستتر إلى واحد سبحانه وتعالى ومقتضى الظاهر، يهديه لأن المجتبى هو هذا المنيب، ولكن لم يضمر له، لبيان أن الاصطفاء متأثر بالانابة اليه، ومن لم ينب اليه لا يكون مصطفى، ولا تكرير بين الاجتباء والهداية، لأن الاجتباء معناه تمييزه وتشخيصه ليكرم، وبعد ذلك إكرامه بالهدى. وقيل: هما فريقان مصطفون، وهم أفضل، ومنيبون، ويجوز عود الهاء فى الموضعين لما فى قوله: {ما تدعوهم إليه} فيتفق مرجع الضمائر وهو الهاءات فى اليه المواضع الثلاثة، ويجوز عوده الى الدين فى قوله: {أن أقيموا الدين} فيتفق مرجع هاء فيه، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين، وفيه مناسبة لفظية، وهى اتفاق هاء فيه، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين، ومعنوى هى اتحاد المجتمع عليه، والمتفرق فيه، والكلام هو فى عدم التفرق فى الدين، فناسب الجمع والانتهاء اليه، وقيل ما وهاء اليه فى قوله: " ما تدعوهم اليه" الرسالة، أى ماتدعوهم الى الايمان به وهو الرسالة، وهو خلاف الظاهر بلا دليل، ولو صح فى المعنى، وهاء اليه فى الموضعين الأخيرين لله رد عليهم.

الالوسي

تفسير : {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدم تفسيره في سورة الزمر وكذا قوله تعالى: {يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ}. وقرىء {يقدر} بالتشديد {إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} مبالغ في الإحاطة به فيفعل كل ما يفعل جل شأنه على ما ينبغي أن يفعل عليه. والجملة تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ...}.

ابن عاشور

تفسير : خبر رابع أو خامسٌ عن الضمير في قوله: { أية : وهو على كل شيء قدير } تفسير : [الشورى: 9] وموقع هذه الجملة كموقع التي قبلها تتنزّل منزلة النتيجة لِما تقدمها، لأنّه إذا ثبت أن الله هو الوليّ وما تضمنته الجُمل بعدها إلى قوله: { أية : يذرؤكم فيه } تفسير : [الشورى: 11] من انفراده بالخلق، ثبت أنه المنفرد بالرِّزق. والمقاليد: جمع إقليد على غير قياس، أو جمع مِقْلاد، وهو المفتاح، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : له مقاليد السماوات والأرض } تفسير : في سورة الزمر (63). وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص، أي هي ملكه لا ملك غيره. والمقاليد هنا استعارة بالكناية لخيرات السماوات والأرض، شبهت الخيرات بالكنوز، وأُثبت لها ما هو من مرادفات المشبَّه به وهو المفاتيح، والمعنى: أنه وحده المتصرف بما ينفع النّاس من الخيرات. وأما ما يتراءى من تصرف بعض الناس في الخيرات الأرضية بالإعطاء والحرمان والتقتير والتبذير فلا اعتداد به لقلة جدواه بالنسبة لتصرف الله تعالى. وجملة {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} مبينة لمضمون جملة {له مقاليد السماوات والأرض}. وبسط الرزق: توْسِعَته، وقدره: كناية عن قلّته، وتقدم عند قوله: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} في سورة الرعد (26). وجملة {إنه بكل شيء عليم} استئناف بياني هو كالعلة لقوله: {لمن يشاء}، أي أنّ مشيئته جارية على حسب علمه بما يناسب أحوال المرزوقين من بَسط أو قَدْر. وبيان هذا في قوله الآتي: { أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لَبَغَوْا في الأرض } تفسير : [الشورى: 27].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر}. مقاليد السموات والأرض هي مفاتيحهما. وهو جمع لا واحد له من لفظه، فمفردها إقليد، وجمعها مقاليد على غير قياس. والإقليد المفتاح. وقيل: واحدها مقليد، وهو قول غير معروف في اللغة. وكونه جل وعلا {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض} أي مفاتيحهما كناية عن كونه جل وعلا هو وحده المالك لخزائن السماوات والأرض لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها. وقد ذكر جل وعلا مثل هذا في سورة الزمر في قوله تعالى: {أية : اللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 62-63] الآية. وما دلت عليه آية الشورى هذه وآية الزمر المذكورتان من أنه جل وعلا هو مالك خزائن السماوات والأرض، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ} تفسير : [المنافقون: 7] وقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. وبين في مواضع أخر أن خزائن رحمته لا يمكن أن تكون لغيره، كقوله تعالى: {أية : أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} تفسير : [ص: 9] وقوله تعالى {أية : أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُسَيْطِرُونَ} تفسير : [الطور: 37] وقوله تعالى {أية : قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} تفسير : [الإسراء: 100]. وقوله في هذه الآية الكريمة {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر} جاء معناه موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى {أية : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} تفسير : [سبأ: 39] الآية. وقوله تعالى {أية : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [سبأ: 36] وقوله تعالى {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الرعد: 26] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} تفسير : [النحل: 71] الآية. وقوله تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32] الآية. وقوله تعالى {أية : إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} تفسير : [النساء: 135] الآية. وقوله تعالى {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّه} تفسير : [الطلاق: 7] الآية. وقوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُه} أي ضيق عليه رزقه لقلته. وكذلك قوله {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر} في الآيات المذكورة. أي يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له ويقدر، أي يضيق الرزق على من يشاء تضييقه عليه كما أوضحناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه} تفسير : [الأنبياء: 87]. وقد بين جل وعلا في بعض الآيات حكمة تضييقه للرزق على من ضيقه عليه. وذكر أن من حكم ذلك أن بسط الرزق للإنسان، قد يحمله على البغي والطغيان كقوله تعالى {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} تفسير : [الشورى: 27]، وقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (12) - لَهُ تَعَالَى مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَبِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الخَيْرِ والشَّرِّ، وَهُوَ الحَاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِي الخَلْقِ كَيْفَ يَشَاءُ، فَمَا فَتَحَ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا، يُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاء، وَيُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ، وَلَهُ الحُكْمُ والتَّدْبِيرُ، وَهُوَ عَليمٌ بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ، وَبِمَنْ يُصْلِحُهُ بَسْطُ الرِّزْقِ وَمَنْ يفْسِدُهُ، وَمَنْ يُصْلِحُهُ التَّضْيِيقُ وَمَنْ يُفْسِدُهُ، فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ. المَقَالِيدُ - المَفَاتِيحُ (وَقِيلَ إِنَّهُ أَعْجَمِيُّ مُعَرَّبٌ). يَقْدِرُ - يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أولاً: لاحظ هنا أسلوب القصر في {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 12] بتقديم الجار والمجرور، فمقاليد السماوات والأرض له وحده ومِلْكه وحده، ومقصورة عليه سبحانه لا يشاركه فيها أحد. كلمة {مَقَالِيدُ} [الشورى: 12] جمع مقلاد وهو المفتاح؛ لذلك قال تعالى في موضع آخر {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [الأنعام: 59] فله سبحانه مفاتيح الخير في السماوات وفي الأرض، ومعنى مفاتيح أنها تغلق على شيء نافع ومفيد. والغيب خزينة من هذه الخزائن المغلقة، فحين يعطي الله مفتاحها لأحد ويُطلعه على شيء من الغيب يُجريه على لسانه مكرمة وفضلاً منه تعالى عليه، ولا يعني هذا أنه أصبح عالماً للغيب ويفتح مكتبَ علم الغيب، بل يأخذ حاجته التي أكرمه الله بها ويعطي المفتاح لصاحبه {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [الأنعام: 59] فمَنْ يدَّعي علم الغيب لا يعرف كيف يتأدب مع الله. ونحن نستخدم هذه الكلمة (مَقَالِيد) في لغتنا العامة الآن فنقول: فلان بيده مقاليد الحكم أو مقاليد الأمور في الشركة أو المصنع، يعني: هو المسئول الذي يملك القرار وبيده مفاتيح العمل وأسراره. وقوله تعالى: {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ..} [الشورى: 12] أي: هنا بمفتاح ومقلاد من هذه المقاليد هو مفتاح الرزق، يبسطه سبحانه لمن يشاء ويُوسعه ويُيسِّره، وأيضاً يقبضه ويُضيقه على مَنْ يشاء من عباده، والمقاليد على الأرزاق تشرح لنا قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] يعني: بسط الرزق أو يقبضه بعلم وبقدر وبحكمة. لا تظن أن الأرزاق توزع هكذا كما اتفق لا، لأن الموزِّع لها عليم بخَلْقه وخبير بأسرارهم وخفاياهم، حكيم يضع الشيء في موضعه، لذلك لا تتعجب حينما ترى الغني المترف الذي يملك الملايين وجاره لا يجد قوت يومه، لا تتعجب حينما ترى مثلاً أصحاب المحلات التجارية، هذا يبيع ويشتري وعنده رزق وفير وبجواره محل مثله لا يدخله أحد، لا تتعجب لأن وراء هذا وذاك حكمة عرفها مَنْ عرفها وجهلها مَنْ جهلها. ويكفي أنْ تقرأ: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] وهنا ذيَّل الآية بقوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: 12] يعلم مَنْ يعطي ومن يمنع، ولذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجلي لنا هذه الحِكَم، يقول: قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "حديث : إن من عبادي مَنْ إذا أغنيته لَفسد حاله، ومنهم مَنْ إذا أفقرتُه لصلح حاله ". تفسير : والحق سبحانه يقول: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. ففَقْر الفقير لحكمة، والغِنَى عند الغني لحكمة، فلا تعترض وتأمل فربما كان المال عندك أداة سطو وبطش وتعدٍّ وطغيان، وربما دعاك المال إلى العصيان أو ولَّد عندك نزوعاً للشر، فحين يمنعك الله هذه الأداة فإنما منعك ليرحمك بالفقر فالغِنَى لا يناسبك، وصلاحك في الفقر، وفي شيء من الرضا بما قَسَمه الله لك، وألاَّ تمدّ عينيك إلى مَنْ هو أعلى منك في متاع الدنيا وزخرفها. كثيراً ما نرى أولاد الأغنياء فاسدين بسبب كثرة المال في أيديهم، في حين تجد ابن الفقير مُعَافى من هذا، وربما يكون أحسنَ حالاً من ابن الغني، وفي واقعنا نماذج كثيرة من ذلك. والمؤمن مُطَالب أن يعيش في حدود إمكانياته المادية، والذي يتعب الناس الآن أنك تجد الواحد منا يفرض لنفسه مستوى معيشة معين قبل أن يفرض لنفسه دخلاً يوازي هذا المستوى الذي اختاره لنفسه، فلما يحدث العجز يُضطر للحرام للغش وللسرقة وللرشوة وغيرها من وسائل الكسب الحرام ليغطي نفقات معيشته. قال تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} تفسير : [الطلاق: 7]. المؤمن يدخل السوق فيجد فيه ما لذَّ وطاب، الرومي واللحوم والأسماك والفاكهة، وقد تشتاق نفسه إليها لكن يتحلَّى بالرضا ويَقْنع بما في مقدوره، فيشتري كيلو فول أخضر ونصف كيلو جبنة، ويذهب ليأكل في وسط أولاده فيجد لهذه الأكلة البسيطة طعماً ولذة ربما لا يجدها الغني. أما إن امتدتْ عينه إلى فوقه مستواه فتراه يشتري بالدِّين ويأكل كما يأكل الأغنياء، بل ربما أسرف على نفسه ودخل في منطقة التبذير، ثم بعد أيام يأتي مَنْ يطرق بابه يطالبه بدَيْنه فيجد من مذلة المطالبة أضعاف ما وجد من لذة الطعام. لذلك الحق سبحانه يخاطب ابن آدم: "يا ابن آدم، خلقتُكَ للعبادة فلا تلعب، وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب - ولا يعني هنا تعب الجوارح إنما تعب الفكر والهَمّ وشغل البال - فإنْ رضيتَ بما قسمتُه لك أرحْتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندِي محموداً، وإنْ أنت لم تقنع بما قسمتُه لك فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركْضَ الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمتُه لك وكنتَ عندي مذموماً. يا ابن آدم خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْىَ بخلقهن أيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك، يا ابن آدم لا تطلب مني رزق غَدٍ كما لا أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لك مُحِبٌّ فبحقي عليك كُنْ لي مُحباً". وحين يرضى الفقير بما قسمه الله له، ولم يتطلع إلى أعلى من مستواه يقول الله له: رضيتَ بقدري، فالآن أعطيك على قَدْري. لذلك تجد كل عظماء العالم وقادته بدأوا حياتهم في فاقة وفقر مدقع وقد حدثونا عن تاريخ بعض هؤلاء، وكيف أنهم جاءوا من قاع المجتمع. ولما تتأمل مسألة تضييق الرزق على بعض الخَلْق تجد له حكمة اجتماعية، هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو أن المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزقَ، مَنْ سيقوم على خدمتهم؟ مَنْ يصنع لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟ إذن: لا بدَّ من وجود طبقة الفقراء لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضُّل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط عناصر المجتمع. ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه (مليان) لا يعمل إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا .. وأذكر من نوادر أستاذنا الشيخ موسى شريف رحمه الله أنْ كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق العلماء واغْنهم وافقر الصنّاع، فلما سألناه قال: لأن العالم إنْ لم يكنْ غنياً ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان محتاجاً للمال. وسبق أنْ قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص له مدة عشر سنين يعيش مرتاحاً باقي عمره، وإنِ اجتهد عشرين سنة ارتاح وأراح أولاده من بعده، وإنِ اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على قَدْر العمل يكون العطاء. ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلُّب الأحوال، والحق سبحانه يقول: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 40] فالنعمة وبسطة الرزق عندك اليوم، وقد تصبح عند غيرك أو تمسي.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناه مفاتيحُها.

همام الصنعاني

تفسير : 2730- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: {مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ}: [الآية: 12]، مفاتيح السماوات.