٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله { أية : كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [الشورى: 3] ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } وفي آخرها {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ } وفي الوسط {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } فما الفائدة في هذا التفاوت؟ وثانيها: أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ } وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله {شَرَعَ لَكُم } خطاب الغيبة وقوله {وَٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } خطاب الحضور، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: { أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة: 48] فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ } أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام: { أية : أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39] وقال تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } تفسير : [الأنبياء: 25] واحتج بعضهم بقوله {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل {أَنْ أَقيمُوا ٱلدِّينَ } إما نصب بدل من مفعول {شَرَعَ } والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟ فقيل هو إقامة الدين {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ } عظم عليهم وشق عليهم {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا { أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْء عُجَابٌ } تفسير : [صۤ: 5] وههنا مسائل: المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً ممنوعاً عنه. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى { أية : وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } تفسير : [الأنفال: 46]. ثم قال تعالى: {ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله {ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ } أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله {مَن يَشَآء } كقوله تعالى: { أية : يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } تفسير : [العنكبوت: 21]. ثم قال: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } وهو كما روي في الخبر «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره. واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فأجاب الله تعالى عنهم بقوله {وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ } والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟ فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى، والدليل قوله تعالى في آل عمران { أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 19] وقال في سورة لم يكن { أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 4] ولأن قوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل للوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ } من كتابهم {مُرِيبٍ } لا يؤمنون به حق الإيمان. ثم قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة {وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ } أي بأي كتاب صح أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } إلى قوله { أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [النساء: 151] ثم قال: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله. ثم قال: {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة، فلما لم يقبلوا هذا الدين، فحينئذٍ فات الشرط، فلا جرم فات المشروط. وأعلم أنه ليس المراد من قوله {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } تحريم ما يجري مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبيّـن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة، قوله { أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] وقوله تعالى: { أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 125] وقوله { أية : ولا تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] وقوله { أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } تفسير : [هود: 32] وقوله { أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [الأنعام: 83]. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي ٱللَّهِ } أي يخاصمون في دينه {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ } أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟ فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ليست متفقاً عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبيّـن تعالى أن هذه الحجة داحضة، أي باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله، وههنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فههنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته. وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك، وأنهم ما رأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } والمعنى ظهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف. ثم قال:{أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } والممارة الملاجة، قال الزجاج: الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة، فيمارون فيها ويجحدون {لَفِي ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. ثم قال: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } أي كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام ههنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده، وأيضاً المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره ههنا، ثم قال: {يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء ما لا بد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة. ثم قال: {وهو القوي} أي القادر على كل ما يشاء {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يدافع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} أي الذي له مقاليد السموات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى؛ ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائرِ ما يكون الرجل بإقامته مسلماً. ولم يرِد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة؛ قال الله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة: 48] وقد تقدّم القول فيه. ومعنى «شَرَعَ» أي نهج وأوضح وبيّن المسالك. وقد شَرَع لهم يَشْرَع شَرْعاً أي سنّ. والشارع: الطريق الأعظم. وقد شَرَع المنزِلُ إذا كان على طريق نافذ. وشرعت الإبلَ إذا أمكنتها من الشريعة. وشرعت الأديم إذا سلخته. وقال يعقوب: إذا شققت ما بين الرجلين، قال: وسمعته من أم الحُمَارِس البَكْرِيّة. وشرعت في هذا الأمر شروعاً أي خضت. {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} «أَنْ» في محل رفع، على تقدير والذي وصّى به نوحاً أن أقيموا الدّين، ويوقف على هذا الوجه على «عيسى». وقيل: هو نصب، أي شرع لكم إقامة الدين. وقيل: هو جرّ بدلاً من الهاء في «به»؛ كأنه قال: به أقيموا الدين. ولا يوقف على «عيسى» على هذين الوجهين. ويجوز أن تكون «أن» مفسرة؛ مثل: أن امشوا، فلا يكون لها محل من الإعراب. الثانية ـ قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: ثبت في الحديث الصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور: «حديث : ولكن ائتوا نوحاً فإنه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحاً فيقولون له أنت أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض...»تفسير : وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أوّل نبيّ بغير إشكال؛ لأن آدم لم يكن معه إلا نبوّة، ولم تفرض له الفرائض ولا شُرعت له المحارم، وإنما كان تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذاً بوظائف الحياة والبقاء؛ واستقرّ المَدَى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظّف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات، ولم يزل ذلك يتأكّد بالرسل ويتناصر بالأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ واحداً بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان المعنى أوصيناك يا محمد ونوحاً ديناً واحداً؛ يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرّب إلى الله بصالح الأعمال، والزَّلَف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذاية للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات؛ فهذا كله مشروع دِيناً واحداً وملة متحّدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم؛ وذلك قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي اجعلوه قائماً؛ يريد دائماً مستمراً محفوظاً مستقراً من غير خلاف فيه ولا ٱضطراب؛ فمن الخلق مَن وفّى بذلك ومنهم من نكث: {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [الفتح: 10]. واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والله أعلم. قال مجاهد: لم يبعث الله نبيًّا قطُّ إلا وصّاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار للّه بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم؛ وقاله الوالِبِيّ عن ابن عباس، وهو قول الكلبيّ. وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والأخوات والبنات. وما ذكره القاضي يجمع هذه الأقوال ويزيد عليها. وخصّ نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر لأنهم أرباب الشرائع. قوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} أي عظم عليهم. {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كَبُرَ على المشركين فاشتدّ عليهم شهادة أن لا إلٰه إلا الله، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ويُعليها ويظهرها على من ناوأها. ثم قال: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} أي يختار. والاجتباء الاختيار؛ أي يختار للتوحيد من يشاء. {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي يستخلص لدينه من رجع إليه. {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ} قال ابن عباس: يعني قريشاً. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} محمد صلى الله عليه وسلم؛ وكانوا يتمنَّون أن يبعث إليهم نبيّ؛ دليله قوله تعالى في سورة فاطر: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 42] يريد نبيًّا. وقال في سورة البقرة: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}تفسير : [البقرة: 89] على ما تقدّم بيانه هناك. وقيل: أمم الأنبياء المتقدّمين؛ فإنهم فيما بينهم ٱختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم. وقال ٱبن عباس أيضاً: يعني أهل الكتاب؛ دليله في سورة الْمُنْفَـكِّينَ: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ } تفسير : [البينة: 4]. فالمشركون قالوا: لِمَ خُصّ بالنبوّةٰ واليهود حسدوه لما بُعث؛ وكذا النصارى. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي بغياً من بعضهم على بعض طلباً للرياسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في تأخير العقاب عن هؤلاء. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قيل: القيامة؛ لقوله تعالى: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} تفسير : [القمر: 46]. وقيل: إلى الأجل الذي قضى فيه بعذابهم. {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} أي بين من آمن وبين مَن كفر بنزول العذاب. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ} يريد اليهود والنصارى. {مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد المختلفين في الحق. {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} من الذي أوصى به الأنبياء. والكتاب هنا التوراة والإنجيل. وقيل: «إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ» قريش. «مِنْ بَعْدِهِمْ» من بعد اليهود النصارى. «لَفِي شَكٍّ» من القرآن أو من محمد. وقال مجاهد: معنى «مِنْ بَعْدِهِمْ» من قبلهم؛ يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لهذه الأمة: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} فذكر أول الرسل بعد آدم عليه السلام، وهو نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم، وهم إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة؛ كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} تفسير : [الأحزاب: 7] الآية. والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال عز وجل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلآ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]. وفي الحديث: «حديث : نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» تفسير : أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم؛ كقوله جل جلاله: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} تفسير : [المائدة: 48] ولهذا قال تعالى ههنا: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي: وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وقوله عز وجل: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} أي: شق عليهم، وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. ثم قال جل جلاله: {ٱللَّهُ يَجْتَبِىۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي: هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشقة. ثم قال عز وجل: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعاً. وقوله جلت عظمته: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ} يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} أي: ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } هو أوّل أنبياء الشريعة {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } هذا هو المشروع الموصى به، والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوحيد {كَبُرَ } عظم {عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من التوحيد {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ } إلى التوحيد {مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } يُقْبِلُ إلى طاعته.
الشوكاني
تفسير : الخطاب في قوله: {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ } لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي: بين، وأوضح لكم من الدين {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } من التوحيد، ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب {وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من القرآن، وشرائع الإسلام، والبراءة من الشرك، والتعبير عنه بالموصول لتفخيم شأنه، وخص ما شرعه لنبينا صلى الله عليه وسلم بالإيحاء مع كون ما بعده، وما قبله مذكوراً بالتوصية للتصريح برسالته {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } مما تطابقت عليه الشرائع. ثم بيّن ما وصى به هؤلاء، فقال: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ } أي: توحيد الله، والإيمان به، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، وأن هي: المصدرية، وهي وما بعدها في محل رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما ذلك الذي شرعه الله؟ فقيل: هو إقامة الدين، أو هي: في محل نصب بدلاً من الموصول، أو في محل جرّ بدلاً من الدين، أو هي المفسرة، لأنه قد تقدمها ما فيه معنى القول. قال مقاتل: يعني: أنه شرع لكم، ولمن قبلكم من الأنبياء ديناً واحداً. قال مقاتل: يعني: التوحيد. قال مجاهد: لم يبعث الله نبياً قط إلاّ وصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقال قتادة: يعني: تحليل الحلال، وتحريم الحرام، وخصّ إبراهيم، وموسى، وعيسى بالذكر مع نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أرباب الشرائع. ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين، نهاهم عن الاختلاف فيه، فقال: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } أي: لا تختلفوا في التوحيد، والإيمان بالله، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شقّ على المشركين، فقال: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } أي: عظم، وشق عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد، ورفض الأوثان. قال قتادة: كبر على المشركين، واشتدّ عليهم شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله وحده، وضاق بها إبليس، وجنوده، فأبى الله إلاّ أن ينصرها، ويعليها، ويظهرها، ويظفرها على من ناوأها. ثم خصّ أولياءه، فقال: {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء } أي: يختار، والاجتباء الاختيار، والمعنى: يختار لتوحيده، والدخول في دينه من يشاء من عباده. {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } أي: يوفق لدينه، ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته. ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين، وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرّق، والاختلاف، فقال: {وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أي: ما تفرّقوا إلاّ عن علم بأن الفرقة ضلالة، ففعلوا ذلك التفرّق للبغي بينهم بطلب الرياسة، وشدّة الحمية. قيل: المراد قريش هم الذين تفرّقوا بعد ما جاءهم العلم، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم {بَغِيّاً }، منهم عليه، وقد كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 42] الآية، وبقوله: {أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 89]. وقيل: المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما {بَيْنَهُمْ } اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم، وكفر قوم. وقيل: اليهود، والنصارى خاصة كما في قوله: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 4] {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ }، وهي: تأخير العقوبة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }، وهو: يوم القيامة كما في قوله: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } تفسير : [القمر: 46]. وقيل: إلى الأجل الذي قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل، والأسر، والذلّ، والقهر {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي: لوقع القضاء بينهم بإنزال العقوبة بهم معجلة. وقيل: لقضي بين من آمن منهم، ومن كفر بنزول العذاب بالكافرين، ونجاة المؤمنين {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } من اليهود، والنصارى {مّن بَعْدِهِمْ } من بعد من قبلهم من اليهود، والنصارى {لَفِى شَكّ مّنْهُ } أي: من القرآن، أو من محمد {مُرِيبٍ } موقع في الريب، ولذلك لم يؤمنوا. وقال مجاهد: معنى {من بعدهم}: من قبلهم يعني: من قبل مشركي مكة، وهم اليهود، والنصارى. وقيل: المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم، وصفهم بأنه في شك من القرآن مريب. قرأ الجمهور: {أورثوا} وقرأ زيد بن عليّ: (ورثوا) بالتشديد. {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ } أي: فلأجل ما ذكر من التفرّق، والشكّ، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع، فادع، واستقم؛ أي: فادع إلى الله، وإلى توحيده، واستقم على ما دعوت إليه. قال الفراء، والزجاج: المعنى: فإلى ذلك، فادع كما تقول: دعوت إلى فلان، ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد. وقيل: في الكلام تقديم، وتأخير. والمعنى: كبر على المشركين ما ندعوهم إليه، فلذلك فادع. قال قتادة: استقم على أمر الله. وقال سفيان: استقم على القرآن. وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة {كَمَا أُمِرْتَ } بذلك من جهة الله {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } الباطلة، وتعصباتهم الزائغة، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في ذكر الله {وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ } أي: بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، لا كالذين آمنوا ببعض منها، وكفروا ببعض {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } في أحكام الله إذا ترافعتم إليّ، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه الله، أو بنقصان منه. وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما هو، واللام لام كي، أي: أمرت بذلك الذي أمرت به، لكي أعدل بينكم. وقيل: هي زائدة، والمعنى: أمرت أن أعدل؛ والأوّل أولى. قال أبو العالية: أمرت، لأسويّ بينكم في الدين، فأومن بكل كتاب، وبكل رسول. والظاهر: أن الآية عامة في كل شيء، والمعنى: أمرت؛ لأعدل بينكم في كل شيء {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: إلٰهنا، وإلٰهكم، وخالقنا، وخالقكم {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا } أي: ثوابها، وعقابها خاصّ بنا {وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } أي: ثوابها، وعقابها خاصّ بكم {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي: لا خصومة بيننا، وبينكم. لأن الحق قد ظهر، ووضح {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } في المحشر {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } أي: المرجع يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله: وهذا منسوخ بآية السيف. قيل: الخطاب لليهود، وقيل: للكفار على العموم. {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ } أي: يخاصمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه. قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة: هم اليهود، والنصارى، ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون: {أية : أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } تفسير : [مريم: 73]، فنزلت هذه الآية، والموصول مبتدأ، وخبره الجملة بعده، وهي: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ } أي: لا ثبات لها كالشيء الذي يزول عن موضعه، يقال: دحضت حجته دحوضاً: بطلت، والإدحاض: الإزلاق، ومكان دحض، أي: زلق، ودحضت رجله: زلقت. وقيل: الضمير في له راجع إلى الله. وقيل: راجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم. والأوّل أولى {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } أي: غضب عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } المراد بالكتاب: الجنس، فيشمل جميع الكتب المنزّلة على الرسل. وقيل: المراد به القرآن خاصة، وبالحق متعلق بمحذوف، أي: ملتبساً بالحق، وهو: الصدق والمراد بـ {الميزان}: العدل، كذا قال أكثر المفسرين، قالوا: وسمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق. وقيل: الميزان ما بين في الكتب المنزّلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به. وقيل: هو: الجزاء على الطاعة بالثواب، وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزان نفسه أنزله الله من السماء، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم، وتباخس كما في قوله: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [الحديد: 25] وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } أي: أيّ شيء يجعلك دارياً بها، عالماً بوقتها لعلها شيء قريب، أو قريب مجيئها، أو ذات قرب. وقال: قريب، ولم يقل: قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي. قال الزجاج: المعنى: لعلّ البعث، أو لعلّ مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي: قريب نعت ينعت به المؤنث، والمذكر كما في قوله: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [الأعراف: 56] ومنه قول الشاعر:شعر : وكنا قريباً والديار بعيدة فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا تفسير : قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا: متى تكون الساعة؟ تكذيباً لها، فأنزل الله الآية، ويدلّ على هذا قوله: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } استعجال: استهزاء منهم بها، وتكذيباً بمجيئها {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } أي: خائفون وجلون من مجيئها. قال مقاتل: لأنهم لا يدرون على ما يهجمون عليه. وقال الزجاج: لأنهم يعلمون أنهم محاسبون، ومجزيون {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ } أي: أنها آتية لا ريب فيها، ومثل هذا قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 60]. ثم بيّن ضلال الممارين فيها، فقال: {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَى ٱلسَّاعَةِ } أي: يخاصمون فيها مخاصمة شك، وريبة، من المماراة، وهي: المخاصمة، والمجادلة، أو من المرية، وهي: الشك، والريبة {لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ } عن الحق؛ لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي: مشاهدة لهم منصوبة لأعينهم مفهومة لعقولهم، ولو تفكروا لعلموا أن الذين خلقهم ابتداء قادر على الإعادة. وقد أخرج ابن جرير عن السدّي {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ } قال: اعملوا به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } قال: ألا تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }، قال: استكبر المشركون أن قيل لهم: لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد: {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء } قال: يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ } قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال: هم: قوم من أهل الضلالة، وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ } الآية، قال: هم اليهود، والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت: {أية : إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } تفسير : [النصر: 1] قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ } الآية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} وفي {شَرَعَ لَكُم} أربعة أوجه: أحدها: سن لكم. الثاني: بيَّن لكم. الثالث: اختار لكم، قاله الكلبي. الرابع: أوجب عليكم. {مِنَ الدِّينِ} يعني الدين ومن زائدة في الكلام. وفي {مَا وَصَّى بِهِ نوحاً} وجهان: أحدهما: تحريم الأمهات والبنات والأخوات، لأنه أول نبي أتى أمته بتحريم. ذلك، قاله الحكم. الثاني: تحليل الحلال وتحريم الحرام، قاله قتادة. {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ} فيه وجهان: أحدهما: اعملوا به، قاله السدي. الثاني: ادعوا إليه. قال مجاهد: دين الله في طاعته وتوحيده واحد. ويحتمل وجهاً ثالثاً: جاهدوا عليه من عانده. {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} وفيه وجهان: أحدهما: لا تتعادوا عليه، وكونوا عليه إخواناً، قاله أبو العالية. الثانية: لا تختلفوا فيه فإن كل نبي مصدق لمن قبله، قاله مقاتل. {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} قاله قتادة: من شهادة أن لا إله إلا الله. ويحتمل أن يكون من الاعتراف بنبوته، لأنه عليهم أشد وهم منه أنفر. {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} الآية. فيه وجهان: أحدهما: يجتبي إليه من يشاء هو من يولد على الإسلام. {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} هو من يسلم من الشرك، قاله الكلبي. الثاني: يستخلص إليه من يشاء. قاله مجاهد ويهدي إليه من يقبل على طاعته، قاله السدي. قوله عز وجل: {وَمَا تَفَرَّقُواْ} فيه وجهان: أحدهما: عن محمد صلى الله عليه وسلم. الثاني: في القرآن. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءهُمُ الْعِلْمُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلا من بعد ما تبحروا في العلم، قاله الأعمش. الثاني: إلا من بعد ما علمواْ أن الفرقة ضلال، قاله ابن زياد. الثالث: إلا من بعد ما جاءهم القرآن، وسماه علماً لأنه يتعلم منه. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لابتغاء الدنيا وطلب ملكها، قاله أُبي بن كعب. الثاني: لبغي بعضهم على بعض، قاله سعيد بن جبير. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِكَّ} فيه وجهان: أحدهما: في رحمته للناس على ظلمهم. الثاني: في تأخير عذابهم، قال قتادة. {إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى قيام الساعة لأن الله تعالى يقول: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم} الآية. ويحتمل إلى الأجل الذي قُضِيَ فيه بعذابهم. {لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي لعجل هلاكهم. {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله السدي. الثاني: أنهم نبئوا من بعد الأنبياء، قاله الربيع. {لفِي شَكٍ مِّنْهُ مُريبٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لفي شك من القرآن، قاله الربيع. الثاني: لفي شك من الإخلاص، قاله أبو العالية. الثالث: لفي شك من صدق الرسول، قاله السدي.
ابن عطية
تفسير : المعنى: {شرع لكم} وبين من المعتقدات والتوحيد {ما وصى به نوحاً} قبل. وقوله: {والذي} عطف على {ما}، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة الدين مشروع اتفقت النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها من أن كل نبوة فإنما مضمنها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا: شرع لكم شرعة هي كشرعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي في كل نبوءة وذات أحكام كما كانت تلك كلها، وعلى هذا يتخرج ما حكاه الطبري عن قتادة قال: {ما وصى به نوحاً} يريد الحلال والحرام، وعليه روي أن نوحاً أول من أتى بتحريم البنات والأمهات. وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة، وهي المراد في قوله تعالى: {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. و {أن} في قوله: {أن أقيموا} يجوز أن تكون في موضع نصب بدلاً من {ما}، ويجوز في موضع خفض بدلاً من الضمير في {به}، وفي موضع رفع على خبر ابتداء تقديره: ذلك أن، و {أن} تكون مفسرة بمعنى: أي، لا موضع لها من الإعراب، وإقامة الدين هو توحيد الله تعالى ورفض سواه. وقوله: {ولا تفرقوا} نهي عن المهلك من تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله في الإلفة واجتماع الكلمة. ثم أخبر تعالى نبيه بصعوبة موقع هذه الدعوة إلى إقامة الدين على المشركين بالله العابدين الأصنام. قال قتادة: كبّرت عليهم: لا إله إلا الله، وأبى الله إلا نصرها، ثم سلاه عنهم بقوله: {الله يجتبي} أي يختار ويصطفي، قاله مجاهد وغيره: و: {ينيب} معناه يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه. وقوله: {ولا تتفرقوا} عبارة يجمع خطابها كفار العرب واليهود والنصارى وكل مدعو إلى الإسلام، فلذلك حسن أن يقال: ما تفرقوا، يعني بذلك أوائل اليهود والنصارى. والعلم الذي جاءهم: هو ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى فبغى بعضهم على بعض، أداهم ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة: قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، فلولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب المحق على المبطل. وقوله تعالى: {وإن الذين أورثوا الكتاب} إشارة إلى معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل هي إشارة إلى العرب. و {الكتاب}: هو القرآن. والضمير في قوله: {لفي شك} يحتمل أن يعود على {الكتاب}، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي في شك من البعث على قول من رأى الإشارة إلى العرب، ووصف الشك بـ {مريب} مبالغة فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَرَعَ} سَنَّ، أو بيّن أو اختار، أو أوجب {مِّنَ الدِّينِ} من زائدة {مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} من تحريم البنات والأمهات والأخوات لأنه أول نبي أتى بذلك، أو من تحليل الحلال وتحريم الحرام {أَقِيمُواْ الدِّينَ} اعملوا به، أو ادعوا إليه {وَلا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} لا تتعادوا عليه وكونوا عليه إخواناً، أو لا تختلفوا فيه بل يصدق كل نبي من قبله {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التوحيد {يَجْتَبِى إِلَيْهِ} من يولد على الإسلام و {مَن يُنِيبُ} من أسلم عن الشرك، أو يستخلص لنفسه من يشاء ويهدي إليه من يقبل على طاعته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً...} الآية، المعنى: شرع لكم وبَيَّنَ مِنَ المعتقدات والتوحيدِ ما وَصَّىٰ به نوحاً قَبْلُ. وقوله: {وَٱلَّذِى} عطف على {مَا}، وكذلك ما ذكر بَعْدُ مِنْ إقامة الدِّينِ مشروعٌ ٱتفقَتِ النُّبُوَّاتُ فِيهِ؛ وذلك في المعتَقَدَاتِ، وأَمَّا الأحكامُ بانفرادها فَهِيَ في الشرائعِ مختلفةٌ، وهي المرادُ في قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً}تفسير : [المائدة:48] وإقامة الدين هو توحيدُ اللَّهِ ورَفْضُ سِوَاهُ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ}: نَهْيٌ عن المُهْلَكِ مِنْ تفرُّق الأنحاء والمذاهب، والخيرُ كُلُّه في الأُلْفَةِ واجتماع الكلمة، ثم قال تعالى لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}: من توحيد اللَّه ورَفْضِ الأوثان؛ قال قتادة: كَبُرَ عليهم «لا إلٰه إلا اللَّه» وأبى اللَّه إلاَّ نَصْرها، ثم سَلاَّه تعالَىٰ عنهم بقوله: {ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ...} الآية، أي: يختار ويصطفي؛ قاله مجاهد وغيره و{يُنِيبُ} يرجع عنِ الكُفْرِ ويحرص على الخير ويطلبه. {وَمَا تَفَرَّقُواْ} يعني: أوائل اليهود والنصارى {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ}. وقوله: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: بَغَىٰ بعضُهم على بَعْضٍ، وأدَّاهم ذلك إلى اختلاف الرأْي وافتراقِ الكلمةِ، والكلمة السابقة قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاءَ بأَنَّ مجازاتهم إنَّما تقع في الآخرة، ولولا ذلك لَفَصَلَ بينهم في الدنيا، وغَلَّبَ المُحِقَّ على المُبْطِلِ. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} إشارة إلى معاصري نَبِيِّنا محمد ـــ عليه السلام ـــ من اليهود والنصارى. وقيل: هو إشارة إلى العرب؛ والكتاب على هذا هو القرآن، والضمير في قوله: {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ} يحتمل أنْ يعودَ على الكتاب، أو على محمد، أو على الأجل المُسَمَّىٰ، أي: في شَكٍّ من البعث؛ على قول مَنْ رأى أَنَّ الإشارة إلى العرب، ووَصَفَ الشَّكّ بـ{مُرِيبٍ}؛ مبالغة فيه، واللام في قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} قالت فرقة: هي بمنزلة {إِلَىٰ}؛ كأنه قال: فإلى ما وَصَّى به الأنبياءَ من التوحيدِ فَٱدْعُ، وقالت فرقة: بل هي بمعنى «من أجل» كأنه قال: من أجلِ أَنَّ الأمر كذا وكذا، ولكونه كذا فَٱدْعُ أَنْتَ إلى ربك، وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ به، وقال الفخر: يعني فلأجلِ ذلك التفرُّقِ، ولأجْلِ ما حَدَثَ من الاختلافاتِ الكثيرةِ في الدينِ فادع إلى الاتفاقِ على المِلَّةِ الحنيفيَّة، واستقِمْ عليها وعلى الدعوة إليها؛ كما أمرك اللَّه، ولا تَتَّبِعْ أهواءهم الباطلة، انتهى، وخوطب ـــ عليه السلام ـــ بالاستقامة، وهو قد كان مستقيماً بمعنى: دُمْ على ٱستقامتك، وهكذا الشَّأْنُ في كُلِّ مأمورٍ بشيءٍ هو مُتَلَبِّسٌ به، إنَّما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نُصْبَ عَيْنَي النبيِّ ـــ عليه السلام ـــ، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: {وَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، لأنَّها جملة تحتها جمِيعُ الطاعاتِ وتكاليفُ النبوَّة، وفي هذا المعنَىٰ ـــ قال عليه السلام ـــ: «حديث : شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها»تفسير : ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّه؟ فَقَالَ: لأَنَّ فِيهَا: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } تفسير : [هود:112] وهذا الخطابُ له ـــ عليه السلام ـــ بحَسَبِ قُوَّتِهِ في أمْرِ اللَّه عز وجل، وقال: هو لأُمَّتِهِ بحسب ضعفهم: استقيموا ولن تُحْصُوا. وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} يعني: قُرَيْشاً. * ت *: وفَرَضَ الفَخْرُ هذه القَضِيَّةَ في أهْلِ الكتاب، وذكر ما وقع من اليهود ومحاجَّتهم في دفع الحقِّ وجَحْدِ الرسالة، وعلى هذا فالضمير في: {أَهْوَاءَهُمْ} عائدٌ عليهم، واللَّه أعلم. اهـــ. ثم أَمَرَهُ تعالَىٰ أَنْ يَقُولَ: {آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ}، وهو أَمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أمته. وقوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} قالت فرقة: اللام في {لأَعْدِلَ} بمعنى: أنْ أعدل بينكم، وقالت فرقة: المعنى وَأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به من التبليغ والشَّرْعِ؛ لِكَيْ أعدلَ بينكم. وقوله: {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} إلى آخر الآية ـــ ما فيه من مُوَادَعَةٍ منسوخٌ بآية السَّيْفِ. وقوله: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي: لا جدال، ولا مناظرةَ؛ قد وَضَحَ الحق، وأنتم تعاندون، وفي قوله: {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا}: وعيدٌ بَيِّنٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه، في قوله، {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} : قال: وصاك يا محمد وأنبياءه كلهم ديناً واحداً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} قال: الحلال والحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة - رضي الله عنه - قال: بعث نوح عليه السلام، حين بعث بالشريعة، بتحليل الحلال وتحريم الحرام. وأخرج ابن المنذر، عن زيد بن رفيع، بقية أهل الجزيرة، قال: بعث الله نوحاً عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة نوح عليه السلام، ما كانوا، فما أطفأها إلا الزندقة، ثم بعث الله موسى عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة من بعد موسى، ما كانوا، فما أطفأها إلا الزندقة، ثم بعث الله عيسى عليه السلام، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة عيسى عليه السلام، ما كانوا فما أطفأها إلا الزندقة، قال: ولا يخاف على هلاك هذا الدين، إلا الزندقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن الحكم، قال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}، قال: جاء نوح عليه السلام بالشريعة، بتحريم الأمهات والأخوات والبنات. وأخرج ابن جرير، عن السدي - رضي الله عنه - {أن أقيموا الدين} ، قال: اعملوا به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . قال: تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة، {كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه} . قال: استكبر المشركون أن قيل لهم: لا إله إلا الله، ضانها إبليس وجنوده ليردوها، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويظهرها على ما ناوأها، وهي كلمة من خاصم بها فلج، ومن انتصر بها نصر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - {الله يجتبي إليه من يشاء} قال: يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {بغياً بينهم} قال: كثرت أموالهم فبغى بعضهم على بعض. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ويهدي إليه من ينيب} قال: من يقبل إلى طاعة الله، وفي قوله {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} ، قال: اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد، عن كعب - رضي الله عنه - {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} قال: في الدنيا.
التستري
تفسير : قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}[13] فأول من حرم البنات والأمهات والأخوات نوح عليه السلام، فشرع الله لنا محاسن شرائع الأنبياء. قوله: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}[13] من إقامة الطاعة لله وإقامة الإخلاص فيها، وإظهار الأخلاق والأحوال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} [الآية: 13]. قال سهل: أول من حرّم الأمهات والبنات والأخوات نوح عليه السلام فشرع الله لنا محاسن شرائع الأنبياء أولهم نوح فقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} والذى وصى به إبراهيم وموسى وعيسى من إقامة الطاعة لله والإخلاص فيها وإظهار الأخلاق والأحوال. وقال بعضهم: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} أى من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم ما أمر به الأنبياء السالفة.
القشيري
تفسير : {شَرَعَ}: أي بَيَّنَ وأظهر. {مِّنَ ٱلدِّينِ} أراد به أصول الدين؛ فإنها لا تختلف في جميع الشرائع، وأمَّا الفروع فمختلفة، فالآية تدلُّ على مسائلَ أحكامُها في جميعِ الشرائعِ واحدَةٌ. ثم بيَّن ذلك بقوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}... وفي القصة أن تحريم البنات والأخوات إنما شُرعَ في زمان نوحٍ عليه السلام.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} اى بسط لكم بساط العبودية التى هى مرقاة عرفان الربوبية فاذا كنتم تصعدون عليها تبلغون الى مشاهدة جلالى وكشف جمال عرفتكم نفسى كما عرفت نفسى حبيبى وخليلى وكليمى وروحى ووصيتكم بان لا تختاروا على شيئا من دونى فاذا تجردتم عن غيرى واستقمتم على بساط خدمتى واغلبوا الى جمال مشاهدتى بنعت المحبة والشوق فقد بلغتم نهاية الدين الذى اصفينا به نوحا وابراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم اجمعين لا تتفرقوا من مقام الجمع فان عين الجمع غابة ذوق العارفين والتفرقة غاية الحجاب بينى وبينكم قال بعضهم فى قوله شرع لكم من الدين اى من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم الانبياء السابقة وقال سهل الشرائع مختلفة وشريعة نوح وهو الصبر على اذى المخالفين.
اسماعيل حقي
تفسير : {شرع لكم من الدين} شرع بمعنى سن وجعل سنة وطريقا واضحا اى سن الله لكم يا امة محمد من التوحيد ودين الاسلام واصول الشرائع والاحكام وبالفارسية وراه روشن ساخت شمار ازدين {ما وصى به نوحا} التوصية وصيت كردن وفرمودن والوصية التقدم الى الغاير بما يعمل به مقرنا يوعظه اى امر به نوحا امرا مؤكدا فان التوصية معربة عن تأكيد الامر والاعتناء بشأن المأمور به قدم نوح عليه السلام لأنه اول انبياء الشريعة فانه اول من اوحى اليه الحلال والحرام واول من اوحى اليه تحريم الامهات والاخوات والبنات وسائر ذوات المحارم فبقيت تلك الحرمة الى هذا الآن {والذى اوحينا اليك} اى وشرع لكم الذى اوحينا الى محمد عليه السلام وتغيير التوصية الى الايحاء فى جانب النبى صلى الله وسلم للتصريح برسالته القامع لانكار الكفرة والالتفات الى نون العظمة لاظهار كمال الاعتناء بايحائه وهو السر فى تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا وتقديم توصية نوح للمسارعة الى بيان كون المشروع لهم دينا قديما والتعبير بالاصل فى الموصولات وهو الذى للتعظيم وتوجيه الخطاب اليه عليه السلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه {وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى} وجه تخصيص هؤلاء الخمسة بالذكر انهم اكابر الانبياء ومشاهيرهم من اولى العزم واصحاب الشرآئع العظيمة والاتباع الكثيرة {ان اقيموا الدين} محله النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه او رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع المشترك بين هؤلاء الرسل فقيل هو اقامة الدين اى دين الاسلام الذى هو توحيد الله وطاعته والايمان بكتبه ورسله وباليوم الآخر وسائر ما يكون الرجل به مؤمنا والمراد باقامته تعديل اركانه وحفظه من ان يقع فيه زيغ او المواظبة عليه والتشمر له {ولا تتفرقوا فيه} فى الدين الذى هو عبارة عن الاصول والخطاب متوجه الى امته عليه السلام فهذه وصية لجميع العباد. واعلم أن الانبياء عليهم السلام مشتركون ومتفقون فى اصل الدين وجميعهم اقاموا الدين وقاموا بخدمته وداموا بالدعوة اليه ولم يتخلفوا فى ذلك وباعتبار هذا الاتفاق والاتحاد فى الاصول قال الله تعالى {أية : ان الدين عند الله الاسلام} تفسير : من غير تفرقة بين نبى ونبى ومختلفون فى الفروع والاحكام قال تعالى {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} تفسير : وهذا لاختلاف الناشئ من اختلاف الامم وتفاوت طبائعهم لا يقدح فى ذلك الاتفاق ثم امر عباده باقامة الدين والاجتماع عليه ونهاهم عن التفرق فيه فان يد الله ونصرته مع الجماعة وانما يأكل الذئب الشاة البعيدة النافرة والمنفردة عن الجماعة اوصى حكيم اولاده عند موته وكانوا جماعة فقال لهم ائتونى بعصى فجمعها فقال لهم اكسروها وهى مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقها فقال خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها فقال لهم هكذا انتم بعدى لن تغلبوا ما اجتمعتم فاذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فاهلككم وكذا القائمون بالدين اذا اجتمعوا على اقامته ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدو وكذا الانسان فى نفسه اذا اجتمع فى نفسه على اقامة الدين لم يغلبه شيطان من الانس والجن بما يوسوس به اليه مع مساعدة الايمان والملك باقامته له قال على رضى الله عنه لا تتفرقوا فان الجماعة رحمة والفرقة عذاب وكونوا عباد الله اخوانا قال سهل الشرآئع مختلفة وشريعة نوح هو الصبر على اذى المخالفين انتهى فعلى هذا فشريعة ابراهيم عليه السلام هو الانقياد والتسليم وشريعة موسى عليه السلام هو الاشتياق الى جمال الرب الكريم وشريعة عيسى عليه السلام هو الزهد والتجرد العظيم وشريعة نبينا عليه السلام هو الفقر الحقيقى المغبوط عند كل ذى قلب سليم كما قال اللهم اغننى بالافتقار اليك وهذه الشرآئع الباطنة باقية ابدا ومن اصول الدين التوجه الى الله تعالى بالكلية فى صدق الطلب وتزكية النفس عن الصفات الذميمة وتصفية القلب عن تعلقات الكونين وتخلية الروح بالاخلاق الربانية ومراقبة السر لكشف الحقائق وشواهد الحق وكان نبينا عليه السلام قبل البعثة متعبدا فى الفروع بشرع من قبله مطلقا آدم وغيره وفى كلام الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر تعبده عليه السلام قبل نبوته كان بشريعة ابراهيم عليه السلام حتى جاءه الوحى وجاءته الرسالة ولم يكن على ما كان عليه قومه باتفاق الائمة واجماع الامة فالولى الكامل يجب عليه متابعة العمل بالشريعة المطهرة حتى يفتح الله له فى قلبه عين الفهم عنه فيلهم معانى القرءآن ويكون من المحدثين بفتح الدال ثم يصير الى ارشاد الخلق (وفى المثنوى) شعر : لوح محفوظست اورا بيشوا ازجه محفوظست محفوظ ازخطا نى بجومست ونه رملست ونه خواب وحى حق والله اعلم بالصواب تفسير : {كبر على المشركين} اى عظم وشق عليهم {ما تدعوهم اليه} يا محمد من التوحيد ورفض عبادة الاصنام واستبعدوه حيث قالوا أجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشىء عجاب وقال قتادة شهادة ان لا اله الا الله وحده ضاق بها ابليس وجنوده فابى الله الا ان يظهرها على من ناواها اى عاداها {الله يجتبى اليه من يشاء} قال الراغب جبيت الماء فى الحوض جمعته والحوض الجامع له جابية ومنه استعير جبيت الخراج جباية والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء وهو هنا مأخوذ من الجباية وهى جلب الخراج وجمعه لمناسبة النهى عن التفرق فى الدين ولأن الاجتباء بمعنى الاصطفاء لا يتعدى بالى الا باعتبار تضمين معنى الضم والصرف والمعنى الله يجتلب الى ما تدعوهم اليه من يشاء ان يجتلبه اليه وهو من صرف اختياره الى ما دعى اليه {ويهدى اليه} بالارشاد والتوفيق وامداد الالطاف {من ينيب} يقبل اليه ويجوز ان يكون الضمير لله فى كلا الموضعين فالمعنى الله يجمع الى جنابه على طريق الاصطفاء من يشاء من عباده بحسب استعداده ويهدى اليه بالعناية من ينيب واجتباء الله تعالى العبد تخصيصه اياه بفيض الهى يتحصل منه انواع من النعم بلا سعى من العبد وذلك للانبياء عليم السلام ولبعض من يقاربهم من الصديقين والشهدآء (قال الكاشفى) يعنى هركه ازهمه اعراض كندوحق راخواهد حق سبحانه راء راست بد ونمايد شعر : نخست از طالبى ازجمله بكذر روبدو آور كرآن حضرت نداآردكه اى سر كشته راه اينك تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير بقوله الله يجتبى اليه الآية الى مقامى المجذوب والسالك فان المجذوب من الخواص اجتباه الله فى الازل وسلكه فى سلك من يحبهم واصطنعه لنفسه وجذبه عن الدارين بجذبة توازى عمل الثقلين فى مقعد صدق عند مليك مقتدر والسالك من العوام الذين سلكهم فى سلك من يحبونه موفقين للهداية على قدمى الجهد والانابة الى سبيل الرشاد من طريق العناد انتهى والانابة نتيجة التوبة فاذا صحت التوبة حصلت الانابة الى الله تعالى قال بعض الكبار من جاهد فى اقامة الدين فى مقام الشريعة والطبيعة يهديه الله الى اقامته فى مقام الطريقة والنفس ومن اقامه فى هذا المقام يهديه الله الى اقامته فى مقام المعرفة والروح ومن اقامه فى هذا المقام يهديه الله الى اقامته فى مقام الحقيقة والسر ومن اقامه فى هذا المقام تم امره وكمل شأنه فى العلم والعرفان والذوق والوجدان والشهود والعيان واليه يشير قوله تعالى {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : فعليك باتيان جميع القرب قدر الاستطاعة فى كل زمان وحال فان المؤمن لن تخلص له معصية ابدا من غير ان تخالطها طاعة لأنه مؤمن بها انها معصية فان اضاف الى هذا التخليط استغفارا وتوبة فطاعة على طاعة وقربة على قربة فيقوى جزآء الطاعة التى خالطها العمل السيىء وهو الايمان بانها معصية والايمان من اقوى القرب واعظمها عند الله فانه الاساس الذى ابتنى عليه جميع القرب وقال تعالى فى الخبر الصحيح "حديث : وان تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا وان تقرب الى ذراعا تقربت منه باعا وان اتانى يمشى اتيته هرولة" تفسير : وكان قربه تعالى من العبد ضعف قرب العبد منه وعلى كل حال لا يخلو المؤمن من الطاعة والقرب والعمل الصالح يمحو الخطايا فان العبد اذا رجع عن السيئة واناب الى الله واصلح عمله اصلح الله شأنه واعاد عليه نعمه الفائتة (عن ابراهيم بن ادهم قدس سره) بلغنى أن رجلا من بنى اسرائيل ذبح عجلا بين يدى امه فيبست يده فبينما هو جالس اذ سقط فرخ من وكره وهو يتبصبص فأخذه ورده الى وكره فرحمه الله تعالى لذلك ورد عليه يده بما صنع والوكر بالفتح عش الطائر بالفارسية آشيان. والتبصبص التملق وتحريك الذنب وفى الآية اشارة الى اهل الوحدة والرياء والسمعة فكما أن المشركين بالشرك الجلى يكبر عليهم امر التوحيد فكذا المشركون بالشرك الخفى يكبر عليهم امر الوحدة والاخلاص نسأل الله سبحانه ان يجذبنا اليه بجذبة عنايته ويشرفنا بخاص هدايته
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {شَرَعَ} أي: بيَّن وأظهر {لكم من الذين ما وَصَّى به نوحاً} ومَن بعده مِن أرباب الشرائع، وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم السلام، وأمَرَهم به أمراً مؤكداً. وفي بيان نسبته إلى المذكورين تنبيه على كونه ديناً قديماً، أجمع عليه الرسل،على أن تخصيصهم بالذكر لِمَا ذكر من علو شأنهم، ولاستمالة قلوب الكفرة إليه؛ لاتفاق الكل على نبوة جُلهم. قيل: خصّ نوحاً وإبراهيم بالوصية، ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالوحي؛ لأن متعلق الوصية غير الموصي، بل الموصى إليه به، ومتعلق الوحي: الموحى إليه بذاته، ولمَّا كان صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء جعل المُلقى إليه وحياً، ولمَّا كان ما قبله من الأنبياء متبعين له، ومنذِرين بشريعته، أنه سيظهر آخر الزمان نبي اسمه "محمد"، كان ذلك وصية منهم لقومهم على الإيمان به. انظر ابن عرفة. قلت: والظاهر أنه تفنُّن، وفرار من تكرار لفظ الوحي؛ إذ الموحى به هو قوله: {أنْ أقيموا الدِّين} وهو الذي أوحي إلى نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ. وقال أبو السعود: والتعبير عن ذلك عند نسبته صلى الله عليه وسلم بـ "الذي" لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ـ يعني في صدر السورة ـ من قوله: {كذلك يُوحي إليك...} وفي آخرها من قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}، ولِما في الإيحاء من التصريح برسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ القامع لإنكار الكفرة. والالتفات إلى نون العظمة إظهاراً لكمال الاعتناء بإيحائه، وهو السر في تقديمه على ما قبله مع تقدمه عليه زماناً. وتقديم وصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً ـ أي: فلا ينبغي إنكاره ـ وتوجيه الخطاب إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بطريق التلوين؛ للتشريف، والتنبيه على أنه تعالى شرع لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام. هـ. ثم فسَّر ما وصاهم به فقال: {أنْ أقيموا الدينَ} أي: دين الإسلام، الذي هو توحيد الله تعالى، وطاعته، والإيمان بكتبه ورسله، وبيوم الجزاء، وسائر أركان الإيمان. والمراد بإقامته: تعليل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه، والتشمير في القيام به. وموضع "أن أقيموا" إما: نصب، بدل من مفعول "شرع"، أو: رفع، خبر جواب عن سؤال مقدَّر، كأن قائلاً قال: وما ذاك؟ فقال: هو إقامة الدين. {ولا تتفرقوا فيه}؛ ولا تختلفوا في الدين، فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والمراد: الاختلاف في الأصول، دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار، كما ينطق به قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة: 48]. {كَبُرَ على المشركين} أي: عظم وشقّ عليهم {ما تدعوهم إِليه} من التوحيد، ورفض عبادة الأصنام، الذي هو إقامة الدين، {اللهُ يجتبي} أي: يجلب ويجمع {إِليه مَن يشاء} بالتوفيق والتسديد، {ويهدي إِليه مَن يُنيبُ}؛ يُقبل على طاعته. فالاجتباء يرجع إلى تصديق القلب، والإنابة إلى توفيق الطاعة في الظاهر. {وما تَفرقوا} أي: أهل الكتاب من بعد أنبيائهم {إِلا مِن بعد ما جاءهم العلمُ}؛ إلا بعد أن علموا أن الفُرقة ضلال، وأمر متوعّد عليه على ألسنة الرسل، {بغياً بينهم} حسداً، وطلباً للرئاسة، والاستطالة بغير حق، أو: ما تفرّقوا في الدين الذي دُعوا إليه، وهو الإسلام، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم إلا مِن بعد ما جاءهم العلم بحقيقته؛ لما يشهدونه في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقيّة، حسبما وجدوه في كتبهم، أو: العلم بمبعثه صلى الله عليه وسلم. {ولولا كلمةٌ سبقتْ من ربك}، وهي العِدَة بتأخير العقوبة {إِلى أجلٍ مسمى} هو يوم القيامة {لقُضي بينهم} أي: لوقع القضاء بينهم، وأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترنوا. {وإِن الذين أُورثوا الكتاب مِن بعدهم} وهم المشركون {لفي شك منه} أي: القرآن {مُريبٍ}؛ مُوقع في الريبة. وهو بيان لكيفية كفر المشركين، بعد بيان كيفية كفر أهل الكتاب، أي: وإن المشركين الذي أُوتوا القرآن من بعدهم، أي: من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم، لفي شك من القرآن مريب. والظاهر: أن التفرُّق المذكور هنا إنما هو في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن سياق النظم إنما هو لبيان أحوال هذه الأمة، وإنما ذكر مَن ذكر من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم، أجمع عليه أولئك الأعلام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ تأكيداً لوجوب إقامته، وتشديداً للزجر عن التفرُّق والاختلاف. فالتعرُّض لبيان تفرُّق أممهم عنه ربما يُوهم الإخلال بذلك المرام. قاله أبو السعود. الإشارة: الذي شرع الله من الدين لأقوياء عباده، ووصّى به خواص أنبيائه: أن يشاهدوه وحده في الباطن، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر، وهذا هو إقامة الدين، الذي يجب الاتفاق عليه، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس، وحط الرؤوس، وبذل الفلوس. ولذلك كَبُرَ على أهل الفَرْق، قال تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم، وسلك طريقه؛ اجتباه ربه لحضرته، بعد أن هداه لسلوك طريقته. قال تعالى؛ {الله يجتبي إليه مَن يشاء ويهدي إليه مَن ينيب} فالاجتباء جذب، والإنابة سلوك، الاجتباء للحقيقة، والإنابة للشريعة والطريقة. وقدّم الاجتباء على الاهتداء اهتماماً بأمره؛ لأن الجذب عناية يختص به أهل الولاية، والإنابة هداية ينالها كل مَن تمسّك بالشريعة. وحقيقة الجذب: شهود الخلق بلا خلق، وحقيقة السلوك المحض: شهود الخلق بلا حق، وحقيقة الجذب في السلوك: شهود الحق في قوالب الخلق، أو: شهود الخلق في مظهر الحق. فالناس ثلاثة: مجذوبون فقط، سالكون فقط، مجذبون سالكون، فالأولان لا يصلحان للتربية، والثالث هو الذي يصلح للتربية، وهو الذي يتقدمه السلوك، ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء. وما وقع من التفرُّق والاختلاف في جانب النبوة، يقع في جانب الولاية، سُنَّة ماضية، فيجب على الداعي إلى الله أن يجهد نفسه في الدعاء إليه، ولا يبالي باختلافهم، كما قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}.
الجنابذي
تفسير : {شَرَعَ لَكُم} اى جعل لكم مشرعاً وجادّة {مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} الجمل السّابقة يحتمل كلّ منها كونه من قول الرّسول (ص) وكونه ابتداء كلامٍ من الله كما اشرنا اليه وكان قوله تعالى {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} عطفاً على ما وصّى به نوحاً عطف المفرد ويجوز ان يكون مستأنفاً من الله سواء جعلت الجمل السّابقة من الله او من الرّسول (ص) ويكون حينئذٍ مبتدءً وخبره ان اقيموا الدّين او كبر على المشركين ويكون العائد مستتراً فى كبر وما تدعوهم اليه بدلاً منه {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} ان تفسيريّة او مصدريّة والدّين يطلق على الطّريق الى الله، والطّريق الى الله تكويناً هى الولاية التّكوينيّة وتكليفاً الولاية التّكليفيّة وقد فسّر بعلىٍّ (ع) وعلى الاعمال الّتى تعين السّالك على الطّريق فى سيره ولذلك يسمّى الملّة ديناً، واقامة الدّين بوصل كلّ مرتبة من الطّريق الى المرتبة الاخرى وبوصل اعمال كلّ مرتبةٍ منها الى اعمال المرتبة الاخرى نظير اقامة الصّلاة وقد مضى تفصيل اقامة الصّلاة فى اوّل البقرة {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} فى الدّين اى الاعمال الّلازمة للطّريق او نفس الطّريق او فى علىّ (ع) وولايته بان اختار كلّ عملاً وطريقاً مغايراً لعمل الآخر وطريقه، او بان يكون كلّ له طرقٌ عديدة واعمال مختلفة، او يكون فى عمله اهوية عديدة واغراض كثيرة {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} بالله او بالولاية {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التّوحيد وحصر العبادة فى الله او من الولاية {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ} اى يولّى بالاجتباء {إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} فلا تحزن انت على ادبارهم عن الله او عن علىٍّ (ع) {وَيَهْدِيۤ} اى يوصل او يسلك {إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} من يرجع اليه، عن الصّادق (ع) ان اقيموا قال الامام (ع) ولا تتفرّقوا فيه كناية عن امير المؤمنين (ع) ما تدعوهم اليه من ولاية علىٍّ (ع) من يشاءُ كناية عن علىٍّ (ع) وبهذا المضمون وبالقرب منه اخبارٌ كثيرةٌ، ولمّا كان القرآن ذا وجوه كثيرة كان هذا احسن وجوهه.
فرات الكوفي
تفسير : [تقدم في الرقم 384 عن الإمام الرضا عليه السلام: نحن الذين شرع الله لنا دينه فقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} يا محمد وما وصى به إِبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فقد علمنا وبلغنا ما علمنا واستودعنا علمهم، نحن ورثة الأنبياء ونحن ذرية أولي العلم {أن أقيموا الدين} بآل محمد {ولا تتفرقوا فيه} وكونوا على جماعتكم {كبر على المشركين} من أشرك بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام {ما تدعوهم إليه} من ولاية علي. إن الله يا محمد {يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} قال: من يجيبك إلى ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي الحديث التالي منه: ونحن الذين شرع الله لنا الدين فقال في كتابه: {شرع لكم.... ولا تتفرقوا فيه} وكونوا على جماعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم {كبر على المشركين}. وتقدم في ذيل الآية 74 من سورة الزمر من حديث النبي (ص) لأبي ذر في حق علي (ع) الاستشهاد بالآية].
اطفيش
تفسير : {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} بين لكم وسن طريقاً واضحاً من الدين تطابقه عليه الأنبياء كما قال* {مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} وهو أول الانبياء وأصحاب الشرائع كذا قيل أو المراد الاولية بعد الطوفان والا فقبله آدم وشيت أو من قبله لم يصل موصله* {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من القرآن وشرائع الاسلام والعطف على (ما) ونوح هو أول من حرم البنات والأمهات والأخوات. {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} المراد شرع لكم من الدين ما شرع لأنبياء وخص الخمسة بالذكر لانهم أكابر الانبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والاتباع الكثيرة وأولو العزم عيسى؛ نوح فان تباعه قليل أمته كثيرة* {أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ} ان مفسرة ومن أجاز وصل المصدرية بالامر جاز كونها مصدرية والمصدر بدل من (ما) الاولى أو الثانية أو الآى أو من (هاء) به الاول والثاني وذلك لاتحاد معناهن وخبر لمحذوف أي وذلك المشروع واقامة الدين وهو التوحيد والطاعة والايمان بالرسل والكتب ويوم الجزاء وسائر ما يجب اعتقاده ولم يرد (شرائع) التي هي مصالح الامم على حسب أحوالها لاختلافها {أية : لكل جعلنا منكم شرعه ومنهاجاً} تفسير : نحن الانبياء أخوة لعلات؛ أبونا واحد وأمهاتنا شتى وقيل المراد تحليل الحلال وتحريم الحرام وقيل تحريم الأمهات والاخوات والبنات فانه أجمع على تحريمين من نوح الى نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم وقيل (إقام الصلاة وايتاء الزكاة والتوحيد) اتفقت عليها الانبياء وقيل اقامة الدين والالفة والجماعة ترك الفرقة كما قال* {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} في هذا المشروع* {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التوحيد واقامة الدين، قال قتادة: كبر عليهم لا اله الا الله* {اللهُ يَجْتَبِي} أي يختار* {إِلَيْهِ} أي الى الله والى ما تدعوا اليه أو الى الدين والمراد أنه يختار دينه* {مَن يَشَآءُ} قيل وذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم. {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} يرشد اليه ويوفق من يقبل الى طاعته
الالوسي
تفسير : {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} وإيذان بأن ما شرع سبحانه لهم صادر عن كمال العلم والحكمة كما أن بيان نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيه على كونه ديناً قديماً أجمع عليه الرسل. والخطاب لأمته عليه الصلاة والسلام أي شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ومن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمرهم به أمراً مؤكداً. وتخصيص المذكورين بالذكر لما أشير إليه من علو شأنهم وعظم شهرتهم ولاستمالة قلوب الكفرة إلى الاتباع لاتفاق كل على نبوة بعضهم واختصاص اليهود بموسى عليه السلام والنصارى بعيسى عليه السلام وإلا فما من نبـي إلا وهو مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد وما لا يختلف باختلاف الأمم وتبدل الأعصار من أصول الشرائع والأحكام كما ينبىء عنه التوصية فإنها معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به. والمراد بإيحائه إليه صلى الله عليه وسلم إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة وفي قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} تفسير : [الشورى: 7] الآية وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا} تفسير : [النحل: 123] وقوله سبحانه: {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [الكهف: 110] وغير ذلك. وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من / التصريح برسالته عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكفرة، والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه، وفي ذلك إشعار بأن شريعته صلى الله عليه وسلم هي الشريعة المعتنى بها غاية الاعتناء ولذا عبر فيها بالذي التي هي أصل الموصولات وذلك هو السر في تقديم الذي أوحي إليه عليه الصلاة والسلام على ما بعده مع تقدمه عليه زماناً. وتقديم توصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً، وقد قيل: إنه عليه الصلاة والسلام أول الرسل. وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم. {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ} أي دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى وطاعته والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاء وسائر ما يكون العبد به مؤمناً. والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه. و {أن} مصدرية وتقدم الكلام في وصلها بالأمر والنهي أو مخففة من الثقيلة لما في {شَرَعَ} من معنى العلم. والمصدر إما منصوب على أنه بدل من مفعول {شَرَعَ} والمعطوفين عليه أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو أن أقيموا الدين، وقيل: هو مجرور على أنه بدل من ضمير {بِهِ} ولا يلزمه بقاء الموصول بلا عائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة، نعم قال شيخ الإسلام: ((إنه ليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاء إلى النبـي صلى الله عليه وسلم مستلزم لكون الخطاب في النهي الآتي عن التفرق للأنبياء المذكورين عليهم السلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر مع أن الأظهر أنه متوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنهم المتفرقون)) ثم بين ما استظهره وسنشير إليه إن شاء الله تعالى. وجوز كونه بدلاً من {ٱلدّينَ} ويجوز كون {أن} مفسرة فقد تقدمها ما يتضمن معني القول دون حروفه. والخطاب في {أَقِيمُواْ} وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} على ما اختاره غير واحد من الأجلة شامل للنبـي صلى الله عليه وسلم وأتباعه وللأنبياء والأمم قبلهم وضمير {فِيهِ} للدين أي ولا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما تقدم من الأصول بأن يأتي به بعض ولا يأتي بعض ويأتي بعض ببعض منه دون بعض وهو مراد مقاتل أي لا تختلفوا فيه، ولا يشمل هذا النهي عن الاختلاف في الفروع فإنها ليست من الأصول المرادة هنا ولم يتحد بها النبيون كما يؤذن بذلك قوله تعالى: {أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً} تفسير : [المائدة: 48] وبعضهم أدخل بعض الفروع في أصول الدين المرادة هنا من (الدين). قال مجاهد: لم يبعث نبـي إلا أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار بالله تعالى وطاعته سبحانه وذلك إقامة الدين. وقال الحافظ أبو بكر بن العربـي: لم يكن مع آدم عليه السلام إلا بنوه ولم يفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم وإنما كان منبهاً على بعض الأمور مقتصراً على بعض ضروريات المعاش واستمر الأمر إلى نوح عليه السلام فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات ووظف عليه الواجبات وأوضح له الأدب في الديانات ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر الأنبياء واحداً بعد واحد وشريعة إثر شريعة حتى ختمه سبحانه بخير الملل على لسان أكرم الرسل، فمعنى الآية شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء ديناً واحداً في الأصول وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب بصالح الأعمال والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكبر والزنا والإيذاء للخلق والاعتداء على الحيوان واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء وان اختلفت أعدادهم، ومعنى {أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} اجعلوه قائماً أي دائماً مستمراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب [عليه] انتهى، ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقها لا ما نعرفه في شرعنا منها فإن الصلوات الخمس والزكاة المخصوصة وصيام شهر رمضان من خواص هذه الأمة على الصحيح، والظاهر أن حج البيت لم يشرع لأمة موسى وأمة عيسى عليهما السلام ولا لأكثر الأمم قبلهما على أن الآية مكية ولم تشرع الزكاة المعروفة وصيام رمضان إلا في المدينة، وبالجملة لا شك في اختلاف الأديان في الفروع، نعم لا يبعد اتفاقها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتناب الرذائل. {كَبُرَ} أي عظم وشق {عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} على سبيل الاستمرار التجددي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ويشعر بإرادته التعبير بالمشركين وهو أصل الأصول وأعظم ما شق عليهم كما تنبىء بذلك الآيات أو ما تدعوهم إليه من إقامة الدين وعدم التفرق فيه. {ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء} تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن منهم من يجيب. و {يَجْتَبِي} من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والضمير في {إِلَيْهِ} لله تعالى كما ذكر محي السنة وغيره وكذا الضمير في قوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ} أي يصطفي إليه سبحانه من يشاء اصطفاءه ويخصصه سبحانه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع النعم ويهدي إليه عز وجل بالإرشاد والتوفيق من يقبل إليه تعالى شأنه. وعدى الاجتباء بإلى لما فيه من الجمع على ما يفهم من كلام الراغب، وجعله جمع من الجباية بمعنى الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض جمعته فيه فمنهم من اختار جعل ضمير {إِلَيْهِ} في الموضعين ـ لما ـ لما فيه من اتساق الضمائر أي يجتلب ويجمع من يشاء اجتلابه وجمعه إلى ما تدعوهم إليه، ومنهم من اختار جعله للدين لمناسبة معنوية هي اتحاد المتفرق فيه والمجتمع عليه والزمخشري اختار كونه من الجباية بمعنى الجمع وعود الضمير على الدين، وما ذكره محي السنة وغيره ـ قال في «الكشف» ـ أظهر وأملأ بالفائدة، أما الثاني فللدلالة على أن أهل الاجتباء غير أهل الاهتداء وكلتا الطائفتين هم أهل الدين والتوحيد الذين لم يتفرقوا فيه وعلى مختار طائفة واحدة. وأما الأول فلأن الاجتباء بمعنى الاصطفاء أكثر استعمالاً ولأنه يدل على أن أهل الدين هم صفوة الله تعالى اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه سبحانه، وأما الذي آثره الزمخشري فكلام ظاهري بناه على أن الكلام في عدم التفرق في الدين فناسب الجمع والانتهاء إليه، وقيل: {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} على معنى ما تدعوهم إلى الإيمان به والمراد به الرسالة أي ثقلت عليهم رسالتك وعظم لديهم تخصيصنا إياك بالرسالة والوحي دونهم وقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء} رد عليهم على نحو {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] وما قدمنا أظهر.
ابن عاشور
تفسير : {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}. انتقال من الامتنان بالنعم الجثمانية إلى الامتنان بالنعمة الروحية بطريق الإقبال على خطاب الرّسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للتنويه بدين الإسلام وللتعريض بالكفار الذين أعرضوا عنه. فالجملة ابتدائية. ومعنى {شرع} أوضح وبيّن لكم مسالك ما كلفكم به. وأصل {شَرَعَ} جعل طريقاً واسعة، وكثُر إطلاقه على سنّ القوانين والأديان فسُمّي الدّين شريعة. فشرع هنا مستعار للتبيين كما في قوله: { أية : أم لَهم شركاء شرَعُوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله } تفسير : [الشورى: 21]، وتقدم في قوله تعالى: { أية : لكل جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجاً } تفسير : في سورة [العقود: 48]. والتعريف في {الدين} تعريف الجنس، وهو يعمّ الأديان الإلهٰية السابقة. و{من} للتبعيض. والتوصية: الأمر بشيء مع تحريض على إيقاعه والعمل به. ومعنى كونه شرع للمسلمين من الدّين ما وصَّى به نوحاً أن الإسلام دين مثل ما أمر بِه نوحاً وحضَّه عليه. فقوله: {ما وصى به نوحاً} مقدر فيه مضاف، أي مثلَ ما وصَّى به نوحاً، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتى صار المِثل كأنّه عين مثله. وهذا تقدير شائع كقول ورقة بن نوفل: «هذا هو الناموس الذي أنزل على عيسى». والمراد: المماثلة في أصول الدّين مما يجب لله تعالى من الصفات، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع، وأعظمُها توحيدُ الله، ثم ما بعده من الكليات الخمس الضروريات، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها، فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أُودع مثله في دين الإسلام. فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد، والإيمان بالبعث والحياةِ الآخرة، وتقْوى الله بامتثال أمره واجتناب مَنْهِيّه على العموم، وبمكارم الأخلاق بحسب المعروف، قال تعالى: { أية : قد أفلح من تزكّى وذكر اسمَ ربّه فَصلَّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا والآخرة خير وأبقى إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحفِ إبراهيم وموسى } تفسير : [الأعلى: 14 ـــ 19]. وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه. ودين الإسلام لم يَخْلُ عن تلك الأصول وإن خالفها في التفاريع تضييقاً وتوسيعاً، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسدّ الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة، وقد بيّنتُ ذلك في كتابي «مقاصدِ الشريعة الإسلامية». أو المراد المماثلة فيما وقع عقبه بقوله: {أن أقيموا الدين} إلخ بناء على أن تكون {أنْ} تفسيرية، أي شرع لكم وجوب إقامة الدّين المُوحَى به وعدم التفرّق فيه كما سيأتي. وأيًّا مَّا كان فالمقصود أن الإسلام لا يخالف هذه الشرائع المسمّاة، وأن اتّباعه يأتي بما أتت به من خير الدّنيا والآخرة. والاقتصار على ذكر دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن نوحاً أول رسول أرسله الله إلى النّاس، فدينه هو أساس الدّيانات، قال تعالى: { أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } تفسير : [النساء: 163] ولأن دين إبراهيم هو أصل الحنيفية وانتشر بين العرب بدعوة إسماعيل إليه فهو أشهر الأديان بين العرب، وكانوا على أثارة منه في الحجّ والختان والقِرى والفتوة. ودين موسى هو أوسع الأديان السابقة في تشريع الأحكام، وأما دين عيسى فلأنه الدّين الذي سبق دين الإسلام ولم يكن بينهما دين آخر، وليتضمنَ التهيئةَ إلى دعوة اليهود والنصارى إلى دين الإسلام. وتعقيب ذكر دين نوح بما أُوحي إلى محمّد عليهما السلام للإشارة إلى أن دين الإسلام هو الخاتم للأديان، فعطف على أول الأديان جمعاً بين طَرفيْ الأديان، ثم ذُكر بعدهما الأديانُ الثلاثة الأخَر لأنها متوسطة بين الدينين المذكورين قبلها. وهذا نسج بديع من نظم الكلام، ولولا هذا الاعتبار لكان ذكر الإسلام مبتدأ به كما في قوله: { أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } تفسير : [النساء: 163] وقوله: { أية : وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح } تفسير : الآية في سورة [الأحزاب: 7]. وذكرَ في {الكشاف} في آية الأحزاب أن تقديم ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم في التفصيل لبيان أفضليته لأن المقام هنالك لسرد من أخذ عليهم الميثاق، وأما آية سورة الشورى فإنّما أوردت في مقام وصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنّ الله قال: شرع لكم الدّينَ الأصيل الذي بعث به نوحاً في العهد القديم وبعث به محمداً صلى الله عليه وسلم في العهد الحديث، وبعث به من توسط بينهما. فقوله: {والذي أوحينا إليك} هو ما سبق نزوله قبل هذه الآية من القرآن بما فيه من أحكام، فعطْفُهُ على ما وصَّى به نوحاً لما بينه وبين ما وصَّى به نوحاً من المغايرة بزيادة التفصيل والتفريع. وذكرُه عقب ما وصّى به نوحاً للنكتة التي تقدمت. وفي قوله تعالى: {ما وصى به نوحاً} وقولِه: {وما وصينا به إبراهيم}، جيء بالموصول {ما}، وفي قوله: {والذي أوحينا إليك} جيء بالموصول {الذي}، وقد يظهر في بادىء الرأي أنه مجرّد تفنّن بتجنب تكرير الكلمة ثلاثَ مرات متواليات، وذلك كافٍ في هذا التخالف. وليس يبعد عندي أن يكون هذا الاختلافُ لغرض معنويّ، وأنه فَرق دقيق في استعمال الكلام البليغ وهو أن {الذي} وأخواته هي الأصل في الموصولات فهي موضوعة من أصل الوضع للدلالة على من يُعيَّن بحالة معروفة هي مضمون الصلة، فــ{الذي} يدلّ على معروف عند المخاطب بصلته. وأمّا {مَا} الموصولةُ فأصلها اسم عام نكرة مبهمة محتاجة إلى صفة نحو قوله تعالى: { أية : إنَّ الله نعِمَّا يَعِظُكم به } تفسير : [النساء: 58] عند الزمخشري وجماعة إذ قدّروه: نعم شيئاً يعظكم به. فــ{ما} نكرة تمييز لــ (نِعْم) وجملة {يعظكم به} صفة لتلك النكرة. وقال سيبويه في قوله تعالى: { أية : هذا ما لديَّ عتيد } تفسير : [ق: 23] المراد: هذا شيء لدي عتِيد، وأنشدوا: شعر : لِمَا نافعٍ يسعَى اللبيبُ فلا تكُن لشيء بَعيدٍ نفعُه الدّهرَ ساعيا تفسير : أي لشيء نَافع، فقد جاءت صفتها اسماً مفرداً بقرينة مقابلته بقوله: لشيء بعيد نفعه، ثم يعْرِض لــ {مَا} التعريفُ بكثرة استعمالها نكرة موصوفة بجملةٍ فتعرفت بصفتها وَأشْبهت اسم الموصول في ملازمة الجملة بعدها، ولذلك كثر استعمال {ما} موصولة في غير العقلاء، فيكون إيثار {ما وصَّى به نوحاً} و{ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} بحرف {ما} لمناسبة أنّها شرائع بَعُد العهدُ بها فلم تكن معهودة عند المخاطبين إلا إجمالاً فكانت نكرات لا تتميز إلا بصفاتها، وأما إيثار الموحَى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم باسم {الذي} فلأنه شرع متدَاوَل فيهم معروفٌ عندهم. فالتقدير: شرع لكم شيئاً وصَّى به نوحاً وشيئاً وصَّى به إبراهيم وموسى وعيسى، والشيءَ الموحى به إليك. ولعل هذا من نكت الإعجاز المغفول عنها. وفي العدول من الغيبة إلى التكلم في قوله: {والذي أوحينا إليك} بعد قوله {شرع لكم} التفات. وذُكر في جانب الشرائع الأربع السابقة فعل {وصى} وفي جانب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فعل الإيحَاء لأن الشرائع التي سبقت شريعةَ الإسلام كانت شرائع موقتة مقدّراً ورود شريعة بعدها فكان العمل بها كالعمل الذي يقوم به مؤتمن على شيء حتى يأتي صاحبه، وليقع الاتصال بين فعل {أوحينا إليك} وبين قوله في صدر السورة { أية : كذلك يُوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } تفسير : [الشورى: 3]. و{أنْ} في قوله: {أن أقيموا الدين} يجوز أن تكون مصدرية، فإنّها قد تدخل على الجملة الفعلية التي فعلها متصرف، والمصدرُ الحاصل منها في موضع بدل الاشتمال من {مَا} الموصولة الأولى أو الأخيرة. وإذا كان بدلاً من إحداهما كان في معنى البدل من جميع أخواتهما لأنها سواء في المفعولية لفعل {شرع} بواسطة العطف فيكون الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه مما اشتملت عليه وصاية الأديان. ويجوز أن تكون تفسيريةً لمعنى {وصى} لأنه يتضمن معنى القول دون حروفه. فالمعنى: أن إقامة الدّين واجتماع الكلمة عليه أوصى الله بها كلَّ رسول من الرّسل الذين سماهم. وهذا الوجه يقتضي أن ما حُكي شرعه في الأديان السابقة هو هذا المعنى وهو إقامة الدّين المشروع كما هو، والإقامة مُجملةٌ يفسرها ما في كل دين من الفروع. وإقامة الشيء: جعله قائماً، وهي استعارة للحرص على العمل به كقوله: { أية : ويقيمون الصلاة }، تفسير : وقد تقدم في سورة [البقرة: 3]. وضمير {أقيموا} مراد به: أُمَم أولئك الرسل ولم يسبق لهم ذكر في اللّفظ لكن دل على تقديرهم ما في فعل {وصى} من معنى التبليغ. وأعقب الأمرُ بإقامة الدّين بالنهي عن التفرق في الدين. والتفرق: ضد التجمع، وأصله: تباعد الذوات، أي اتساع المسافة بينها ويستعار كثيراً لقُوّة الاختلاف في الأحوال والآراء كما هنا، وهو يشمل التفرق بين الأمة بالإيمان بالرّسول، والكفر به، أي لا تختلفوا على أنبيائكم، ويشمل التفرق بين الذين آمنوا بأن يكونوا نِحَلاً وأحزاباً، وذلك اختلاف الأمة في أمور دينها، أي في أصوله وقواعده ومقاصده، فإن الاختلاف في الأصول يفضي إلى تعطيل بعضها فينخرم بعض أساس الدّين. والمراد: ولا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض، إذ بدون الاتفاق على إقامة الدّين يضطرب أمره. ووجه ذلك أن تأثير النفوس إذا اتفقت يَتوارد على قصد واحد فيقوَى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ يصير كل فرد من الأمة مُعِيناً للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم. أما إذا حصل التفرق والاختلاف فذلك مُفضٍ إلى ضياع أمور الدّين في خلال ذلك الاختلاف، ثم هو لا يلبث أن يُلقِيَ بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرّهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائرَ، ولذلك قال الله تعالى: { أية : ولا تَنَازَعُوا فتفْشَلُوا وتَذهَبَ ريحُكم } تفسير : [الأنفال: 46]. وأما الاختلاف في فروعه بحسب استنباط أهل العلم بالدّين فذلك من التفقّه الوارد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من يُرِدِ الله به خيراً يفقِهْه في الدّين ( تفسير : . {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}. اعتراض بين جملة {شرع لكم من الدين} وجملةِ { أية : وما تفرّقوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم } تفسير : [الشورى: 14]. ولك أن تجعله استئنافاً بيانياً جواباً عن سُؤال مَن يتعجب من إعراض المشركين عن الإسلام مع أنه دين مؤيّد بما سَبق من الشرائع الإلهٰية، فأجيب إجمالاً بأنه كَبُر على المشركين وتجهموه و{كبر} بمعنى صعُب، وقريب منه إطلاق ثقل، أيْ عجزوا عن قبول ما تدعوهم إليه، فالكبر مجاز استعير للشيء الذي لا تطمئن النفس لقبوله، والكِبرُ في الأصل الدّال على ضخامة الذات لأن شأن الشيء الضخم أن يعسر حمله ولما فيه من تضمين معنى ثقل عدّي بــ {على}. وعبر عن دعوة الإسلام بــ{ما} الموصولة اعتباراً بنُكران المشركين لهذه الدعوة واستغرابِهم إيّاها، وعدِّهم إيّاها من المحال الغريب، وقد كبر عليهم ذلك من ثلاث جهات: جهة الداعي لأنه بشر مثلهم قالوا { أية : أبعَث الله بشراً رسولاً } تفسير : [الإسراء: 94]، ولأنه لم يكن قبْل الدعوة من عظماء القريتين { أية : لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31]. وجهةِ ما به الدعوة فإنهم حسبوا أن الله لا يخاطب الرّسل إلا بكتاب ينزله إليه دفعة من السماء فقد قالوا { أية : ولن نُؤمن لِرُقيِّك حتى تُنزّل علينا كتاباً نقرؤه } تفسير : [الإسراء: 93] { أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا } تفسير : [الفرقان: 21] { أية : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله } تفسير : [البقرة: 118] والقائلون هم المشركون. ومن جهة ما تضمنته الدعوة مما لم تساعد أهواؤهم عليه قالوا: { أية : أجعل الآلهة إلٰهاً واحداً } تفسير : [ص: 5] { أية : هل ندُلُّكم على رجل ينبِّئكم إذا مُزِّقتم كلَّ مُمَزَّقٍ إنكم لفي خلقٍ جديدٍ } تفسير : [سبأ: 7]. وجيء بالفعل المضارع في {تدعوهم} للدلالة على تجدد الدعوة واستمرارها. {ٱللَّهُ يَجْتَبِىۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}. استئناف بياني جواب عن سؤال من يسأل: كيف كبرت على المشركين دعوة الإسلام، بأن الله يجتبي من يشاء، فالمشركون الذين لم يقتربوا من هدى الله غيرُ مجتبَيْنَ إلى الله إذ لم يشأ اجتباءهم، أي لم يقدر لهم الاهتداء. ويجوز أن يكون ردّاً على إحدى شبههم الباعثة على إنكارهم رسالته بأن الله يجتبي من يشاء ولا يلزمه مراعاة عوائدكم في الزعامة والاصطفاء. والاجتباء: التقريب والاختيار قال تعالى: { أية : قالوا لولا اجتَبَيْتَها } تفسير : [الأعراف: 203]. ومن يشاء الله اجتباءه مَن هداه إلى دينه ممن ينيب وهو أعلم بسرائر خلقه. وتقديم المسند إليه وهو اسم الجلالة على الخبر الفِعلي لإفادة القصر ردّاً على المشركين الذين أحالوا رسالة بشر من عند الله. وحين أكبروا أن يكون الضعفة من المؤمنين خيراً منهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّين}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7] الآية. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} الضمير في قوله فيه: راجع إلى الدين في قوله: أن أقيموا الدين. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء مبيناً في غير هذا الموضع، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات الدالة على ذلك، قوله تعالى {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} تفسير : [آل عمران: 103] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 153] وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي، وعددهم على ذلك كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 159] لأن قوله {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء} إلى قوله {يَفْعَلُونَ} فيه تهديد عظيم لهم. وقوله تعالى في سورة {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1] {أية : وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُون فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 52-54]. فقوله {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة ودينكم دين واحد، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين. وقوله جل وعلا: {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} دليل على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك. وقوله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ} فيه تهديد لهم ووعيد عظيم على ذلك. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 92-93] فقوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُون} فيه ايضاً تهديد لهم ووعيد على ذلك وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الأنبياء: 92] الآية. وقد جاء في الحديث المشهور "حديث : افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافتراق النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الناجية منها واحدة، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ". تفسير : قوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}. بين جل وعلا أنه كبر على المشركين أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه صلى الله عليه وسلم من عبادة الله تعالى وحده، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولعظم ذلك ومشقته عليهم، كانوا يكرهون ما أنزل الله ويجتهدون في عدم سماعه لشدة كراهتهم له، بل يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم لشدة بغضهم وكراهتهم لها. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وفيها بيان أن ذلك هو عادة الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم. فقد بين تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} تفسير : [يونس: 71] الآية. وقوله تعالى عن نوح {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} تفسير : [نوح: 7]. فقوله تعالى {جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهتهم لما يدعوهم إليه نوح، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم إليه من توحيد الله والإيمان به. وقد بين الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم في آيات من كتابه كقوله تعالى {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} تفسير : [الحج: 72] فقوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ} الآية. يدل دلالة واضحة، على شدة بغضهم وكراهيتهم لسماع تلك الآيات. وكقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] الآية. وقوله تعالى في الزخرف: {أية : لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [الزخرف: 78]، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون {أية : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 70] وقوله تعالى في القتال {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 9]، وقوله تعالى: {أية : تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الجاثية: 6-8] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [لقمان: 7]، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. واعلم أن هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله، يجب على كل مسلم أن يحذر كل الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم، لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في السوء، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 24-28] فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر ثم يحذر كل الحذر، من أن يقول للذين كفروا، الذين يكرهون ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في الآيات المذكورة، ويكفيه زجراً وردعاً عن ذلك قول ربه تعالى {أية : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُم} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 27] إلى قوله {أية : فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 28]. قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}. الاجتباء في اللغة العربية معناه الاختيار والاصطفاء. وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه من يشاء اجتباءه. وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم المؤمنين من هذه الأمة في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} تفسير : [الحج: 77] إلى قوله: {أية : هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]. وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32] الآية. وبين في موضع آخر أن منهم آدم وهو قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122]. وذكر أن منهم إبراهيم في قوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النحل: 120] إلى قوله {أية : شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ} تفسير : [النحل: 121] الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين. وقوله تعالى: {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي من سبق في علمه أنه ينيب إلى الله أي يرجع إلى ما يرضيه، من الإيمان والطاعة، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الرعد {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} تفسير : [الرعد: 27].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 13- شرع لكم من العقائد ما عهد به إلى نوح، والذى أوحيناه إليك، وما عهدنا به إلى إبراهيم وموسى وعيسى، أن ثبِّتوا دعائم الدين - بامتثال ما جاء به - ولا تختلفوا فى شأنه، شق على المشركين ما تدعوهم إليه من إقامة دعائم الدين، الله يصطفى لرسالته من يشاء، ويوفق للإيمان وإقامة الدين من يترك العناد ويقبل عليه. 14- وما اختلف أتباع الرسل السابقين فى الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقته عداوة وحسداً فيما بينهم، ولولا وعْد سابق من الله بتأجيل العذاب إلى يوم القيامة لأهلكوا، وإن الذين ورثوا الكتاب من أسلافهم وأدركوا عهدك لفى شك من كتابهم موقع فى الريب، حيث لم يستجيبوا لدعوتك. 15- فلأجل وحدة الدين، وعدم التفرق فيه، فادعهم إلى إقامة الدين، وثابر على تلك الدعوة كما أمرك الله، ولا تساير أهواء المشركين، وقل: آمنت بجميع الكتب التى أنزلها الله على رسله، وأمرنى الله بإقامة العدل بينكم، وقل لهم: الله خالقنا وخالقكم، لنا أعمالنا لا لكم، ولكم أعمالكم لا لنا، لا احتجاج بيننا وبينكم لوضوح الحق. الله يجمع بيننا للفصل بالعدل، وإليه - وحده - المرجع والمآل. 16- والذين يُجادلون فى دين الله من بعد ما استجاب الناس لدعوته الواضحة، حُجَّة هؤلاء المرتابين باطلة عند ربهم، وعليهم غضب شديد بكفرهم، ولهم عذاب أليم ينتظرهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك: أي شرع لكم من الدين الذي وصى به نوحا والذي أوحينا به إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أي والذي وصينا باقي أولي العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى وهو أن يعبدوا الله وحده بما شرع من العبادات. أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه: أي بأن أقيموا الدين الذي شرع لكم ولا تضيعوه ولا تختلفوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه: أي عظم على كفار قريش ما تدعوهم إليه وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله. الله يجتبي إليه من يشاء: أي يختار إلى الإِيمان به والعمل بطاعته من يريده لذلك. ويهدي إليه من ينيب: أي ويوفق لطاعته من ينيب إليه في أموره ويرجع إليه في جميع شأنه، بخلاف المعرضين المستكبرين. بغيا بينهم: أي حملهم البغي على التفرق في دين الله. ولولا لكمة سبقت من ربك: أي ولولا ما قضى الله به من تأخير العذاب على هذه الأمة إلى يوم القيامة. لقضي بينهم: أي لحكم الله بينهم فأهلك الكافرين وأنجى المؤمنين. وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم: أي وإن الذين أورثوا الكتاب من بعد الأولين وهم اليهود والنصارى ومشركو العرب. لفي شك منه مريب: أي لفي شك مما جئتهم به من الدين الحق وهو الإِسلام. معنى الآيات: يخاطب تعالى رسوله والمؤمنين فيقول وقوله الحق: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} إذ هو أول حامل شريعة من الرسل {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يا محمد {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} من أولي العزم من الرسل {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} وهو دين واحد قائم على الإِيمان والتوحيد والطاعة لله في أمره ونهيه وإقامة ذلك بعدم التفريط فيه أو في شيء منه، وعدم التفرق فيه، لأن التفرق فيه بسبب تضيعه كلا أو بعضاً. وقوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} أي عظم عليهم ولم يطيقوا حمله ما تدعوهم إليه من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام، إذاً فادعهم واصبر على أذاهم والله يجتبي إليه أي يختار للإِيمان به وعبادته من يشاء ممن لا يصرون على الباطل، ولا يستكبرون عن الحق إذا عرفوه، ويهدي إليه أي ويوفق لطاعته مَنْ مِنْ شأنه الإِنابة والرجوع إلى ربّه في أموره كلها. وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ} أي وما تفرق العرب واليهود والنصارى في دين الله فآمن بعض وكفر بعض الأمن بعد ما جاءهم العلم الصحيح يحمله القرآن الكريم ونبيّه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. والحامل لهم على ذلك هو البغي والحسد. وقوله ولولا كلمة سبقت من ربك وهو عدم معالجة هذه الأمة المحمدية بعذاب الإِبادة والاستئصال، وترك عذابهم إلى يوم القيامة لولا هذا لعجل لهم العذاب من أجل اختلافهم فأهلك الكافرين وأنجى المؤمنين. وهو معنى قوله تعالى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} أي فرغ منهم بالفصل بينهم بإهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد اليهود والنصارى وهم العرب إذْ أنزل الله فيهم كتابه القرآن الكريم لفي شك منه أي من القرآن والنبي والدين الإِسلامي مريب أي بالغ الغاية في الريبة والاضطراب النفسي، كما أن اللفظ يشمل اليهود والنصارى إذ هم أيضاً ورثوا الكتابين عمن سبقهم وأنهم فعلا في شك من القرآن ونبيّه والإِسلام وشرائعه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- دين الله واحد وهو الإِيمان والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. 2- حرمة الاختلاف في دين الله المسبب تضييع الدين كلا أو بعضا. 3- مرد التفرق في الدين إلى الحسد والبغي بين الناس، فلو لم يحسد بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض لما تفرقوا في دين الله ولأقاموه متجمعين فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (13) - شَرَعَ اللهُ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا شَرَعَ لِنُوحٍ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ وَأُوْلِي العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ، وَأَمَرَهُمْ أَمْراً مُؤَكَّداً مِمَّا هُوَ أَصْلُ الإِيْمَانِ، وَأَصْلُ الشَّرَائِعِ، مِمَّا لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزّمَانِ وَالمَكَانِ: كَالإِيْمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالإِيْمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيْمَانِ بِالمَلاَئِكَةِ وَالكُتُبِ والرُّسُلِ. وَقَدْ أَوْصَاهُمْ تَعَالَى جَمِيعاً بِإِقَامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ والتَّمَسُّكِ بِهِ، وَبِحِفْظِهِ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ زَيغٌ أَوِ اضْطِرَابٌ، وَبِأَلاَّ يَتَفَرَّقُوا فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَمَبَادِئِهَا. (أَمَّا فِي التَّفَاصِيلِ فَقَدْ جَاءَ كُلُّ مُرْسَلٍ بِمَا يُنَاسِبُ قَوْمَهُ وَزَمَانَهُ (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً). وَقَدْ شَقَّ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَمَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، وَاللهُ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيُقَرِّبُهُمْ إِلَيهِ، وَيُوَفِّقُهُمْ لِلعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَأتِّبَاعِ رُسُلِهِ. اجْتَبَى - اصْطَفَى وَاخْتَارَ وَقَرَّبَ. أَنَابَ - رَجَعَ. كَبُرَ - عَظُمَ وَشَقَّ. شَرَعَ - بَيَّنَ لَكُمْ طَرِيقاً وَاضِحاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية هي المذكرة التفصيلية أو التفسيرية للآية الثالثة في أول السورة: {أية : كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الشورى: 3] والتفصيل بعد الإجمال أسلوب من أساليب القرآن الكريم. قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ ..} [الشورى: 13] يعني سَنَّ لكم وبيَّن ووضَّح، ومن هذه المادة شَرَعَ شَرَّع وشريعة يعني طريقة واضحة، والإنسان فيه جانبان المادة والروح. فكما أن الحق سبحانه ضمن له بقاء حياة المادة بالماء والطعام والهواء، كذلك جعل له حياة لروحه حياة بالقيم والأخلاق. هذه القيم هي منهج الله الذي نزل على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذا المنهج تحيا القلوب والأرواح كما تحيا الأبدان بالطعام والشراب، وهذا الشرع وهذه القيم ليست جديدة في موكب الرسالات، بل هي سنة الله فيمَنْ سبق كان لهم دين وشرع، كل بما يناسبه. لذلك قال بعدها: {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ..} [الشورى: 13] يعني: ما أمر به نوحاً وألزمه من التكاليف، واختار نوحاً لأنه كان أول رسول في العموميات، وقد قال بعض العلماء أن نوحاً أُرسل كذلك للناس كافة على اعتبار أن الناس في زمنه كانوا هم ركاب السفينة، فعموميته خاصة بالموجودين معه على السفينة، أما عمومية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت عامة للناس في كل مكان على وجه الأرض. ثم تأمل هنا دقة الأداء القرآني في {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ..} [الشورى: 13] ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، وكان المنطق أن يقول بعدها: وما أوحينا إليك. باسم الموصول (ما) لكن هنا الكلام عن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالذي وهي أم الموصولات كلها، ومع غيره جاءت (ما) وهي كما يقول النحويون اسم موصول بمعنى الذي، ثم تلاحظ الفعل (وصى) هكذا بالمفرد، إنما مع رسول الله قال: {وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ..} [الشورى: 13] بنون الجمع ويسمونها نون العظمة. ثم بعد ذلك يعود السياق إلى استخدام (ما) مرة أخرى: {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ..} [الشورى: 13] وهذه تدل على خصوصية لسيدنا رسول الله من بين سائر الرسل عليهم جميعاً السلام. قوله تعالى شرع ووصى، بماذا؟ تأتي بعده (أنْ) ويسمونها أن التفسيرية، يعني: تفسر لنا مدلولَ شرع ووصى {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} [الشورى: 13] ومثله قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} تفسير : [القصص: 7] إذن: وصَّى الله هؤلاء الأنبياء بأن يقيموا الدين وبعدم التفرق فيه والاختلاف. وإقامة الشيء أي جَعْله قائماً، والقيام هو العمدة في الدلالة على القوة والمقدرة، فالإنسان لا يقوم إلا حال قوته، فإن تعب من القيام قعد، فإنْ تعب من القعود يضطجع، فالحق يريد منا أنْ نجعل الدين قائماً يعني: نقوم به لا نقعد ولا ننام، فالقيام هنا كناية عن الاهتمام به والمحافظة عليه {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} [الشورى: 13] نهى عن الاختلاف فيه. كلمة التفرق هذه وردتْ في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، اقرأ: {أية : وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36] قوله: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36] دلَّتْ على أن الحسْن مُقدَّر حتى عند المسيء فالمعنى: ما جئناك إلا لأنك من المحسنين، ودرجة الإحسان لا تأتي منحة من الله إنما تأتي بالعمل والاستقامة على المنهج. وقد بيَّن لهم هذا المنهج الذي رفعه إلى درجة الإحسان فقال: {أية : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يوسف: 37-38]. لذلك أراد سيدنا يوسف عليه السلام أن يُفهمنا أن الوصول إلى درجة الإحسان يسير، وأن يشرح لهما الطريق أولاً، فلم يُحدِّثهما أولاً عن تفسير الرؤيا إنما استغل الموقف لصالح دعوته ورسالته كداعية إلى الله ورآهما في حاجة للتوجيه والوعظ والنصح. ثم إن حاجتهم إليه لتفسير الرؤيا ستجعل الآذان مُصغية لكلامه، لذلك دخل معهما في هذا الحوار الإيماني الدعوي: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [يوسف: 39] ثم راح يُحدِّثهم في العقيدة وتصفيتها من شوائب الشرك {أية : مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يوسف: 40]. وبعد أنهى مهمته كداعية، أخذ يفسر لهما الرؤيا: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} تفسير : [يوسف: 41]. ولو أن يوسف عليه السلام قدَّم تفسير الرؤيا على النصيحة ما كان أخذ من صاحبيه الاهتمام المطلوب، لأن العادة أن يكون الإنسان رَهْن حاجته فإنْ قضاها انصرف عنك، وهذه المسألة تعلمنا: إذا كان لك حاجة عند المحتاج إليك فابدأ بها لتجد الاهتمام المطلوب، لأنه في مجيئه إليك شعور بأنك الأعلى. إذن: قوله سبحانه: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} [الشورى: 13] لا تأخذوا أرباباً من دون الله، أو لا تتفرقوا في الدين شيعاً وأحزاباً، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 159] فساعة تتشتت الجماعة فِرَقاً اعلم أنهم جميعاً جانبوا الصواب، لأن الحق واحد يجب أنْ نلتفَّ جميعاً حوله. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ..} [الشورى: 13] كلمة كبُر بالضم يعني عَظُم عليهم وشَقَّ عليهم، أما كبَر بالفتح فتُقال للسنِّ فالمشركون عَظُم عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وشَقَّ عليهم أنْ ينطقوا بكلمة الشهادة لا إله إلا الله، وهم يفهمون جيداً معناها ومقتضاها، فهي عندهم ليستْ كلمة تقولها الألسنة إنما هي منهج حياة لها متطلبات، وإلا لكانوا قالوها. عَظُم في أنفسهم وشَقَّ عليهم أنْ يكون الناسُ سواسيةً كأسنان المشط لا فرقَ بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم السادة أصحاب السلطة الزمنية من قديم، فكيف يأتي الإسلام ويُسوِّي بين السادة والعبيد فكبُر عليهم ذلك، وعَظُم في أنفسهم. لذلك وقفوا في وجه رسول الله وعادوه وأخذوا منه موقفَ اللدد والخصومة، لكن الحق سبحانه يُطمئن رسوله فيقول بعدها: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13]. الحق سبحانه وتعالى يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: لا تهتم بموقفهم العدائي لك ومصادمتهم لدعوتك، فهذا أمر طبيعي فَوُقُوفُهُم في وجهك شهادة لك أنك على حق، لأنك ستأخذ منهم وتسلبهم السيادة التي كانت لهم، وتمنع الفساد المنتشر في مجتمعهم وهم منتفعون بهذا الفساد، والناس مُستكينة لهم لأنهم مُستضعفون لا حيلةَ لهم. إذن: عداؤهم لك أمر طبيعي، فهم يسيرون وفق طبيعتهم وأنت تسير وفق طبيعتك، يعني من شيمتهم الأعتداء والعناد والمكابرة، ومن شيمتك التحمُّل للأذى. فكأنَّ قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] إشارة إلى أن هؤلاء الصناديد المعاندين للدعوة سوف يكون منهم أنصار لها وأعلام في سمائها، فلا تعجل ولا تحزن ولا تهتم، سوف نأخذهم إلى ساحة الإيمان واحداً تلو الآخر، وبالفعل صدق الله فيما أخبر به رسوله، فقد دخل في الإسلام عمر وخالد وعمرو وعكرمة وغيرهم. كلمة (يجتبي) بمعنى يختار ويصطفي من عباده مَنْ يشاء لنصرة دينه، وهذا الاصطفاء كأنه مقدمة للهداية، لذلك قال بعدها: {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] فيصطفيهم أولاً بأن يبعدهم عن عداوة الدعوة، ويحبِّب إليهم الإيمان كأنه يجهزهم لهذه المهمة. قرأنا في تاريخ الغزوات مثلاً أن أحد الصحابة يعود من الحرب حزيناً لأنه أفلت منه خالد أو عمرو أو عكرمة ويقول: كنتُ على وشك أنْ أقتله لولا كذا وكذا، وهو لا يدري أن الله يدخره لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فالله تعالى كان يدخر هؤلاء وكان يُعدهم ويجتبيهم، ثم بعد فترة هداهم للإسلام، فكانوا هم حَمَلة رايته وقادة مسيرته. وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ..} [الشورى: 13] يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل واحدة، ثانياً: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله تعالى قال في موضع آخر: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ..} تفسير : [المائدة: 48]. إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به. وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه وتعالى له أشياء ضرورية، ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعاً متفقون في هذه الأمور، أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم الإيمان بالبعث. فهذا قَدْر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ..} [الشورى: 13]. فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع السابقة، وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبداً أنْ تخلو رسالة من الرسالات من هذين الأمرين. ففي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أسكن من ذريته بوادٍ غير ذي زرع علَّل ذلك بقوله: {أية : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [إبراهيم: 37] ويقول تعالى في نفس القصة: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الحج: 26]. وفي قصة سيدنا شعيب عليه السلام يقول له قومه: {أية : قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ..} تفسير : [هود: 87]. وفي قصة سيدنا زكريا عليه السلام: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ..} تفسير : [آل عمران: 39]. والزكاة كذلك من الثوابت التي جاءت في كل الأديان، اقرأ مثلاً قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ * بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 14-19]. كذلك اتفقت كل الأديان السماوية في تطهير النفس والجوارح من الآثام والمعاصي التي تضر بالنفس وبالمجتمع، لأن التخلية من الآثام تسبق التحلية بالطاعات. خذ الجوارح من أول القلب إلى القدم تجد كل الأديان السماوية تدعو إلى تطهيرها، فالقلب وهو قائد الجوارح والأم بينها، لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن في الجسد مُضْغة إذا صَلُحَتْ صَلُح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". تفسير : ومطلوب للقلب عدة أشياء: أولاً: عدم الإشراك بالله، ثم عدم الإصرار على المعصية، ثم لا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمة الله. هذه كلها عقيدة ينبغي أن تستقر في القلب. كذلك اللسان وهو عمدة البيان والتبليغ يجب أنْ يتطهر من عدة أشياء: أولها: شهادة الزور، ثم قَذْف المحصنات، ثم اليمين الغموس وهو يمين ليس له كفارة، ثم يتطهر اللسان من أنْ يقول الطلاسم التي يقولها السحرة. تعالَ إلى البطن ينبغي أنْ تتطهر وتبرأ من عدة أشياء: شرب الخمر، أكل الربا، أكل مال اليتيم. وكذلك اليدان تبرأ من السرقة ومن القتل. وكذلك العورات تبرأ من الزنا وغيره مما حرَّمه الله عليها، وكذلك الرِّجْلان تبرأ من التولي يوم الزحف، ومن السعي إلى كل ما هو محرَّم. ومن هذه الثوابت عقوق الوالدين، فهو محرم في كل الأديان كذلك وهو عام في كل الجوارح، وقد حرمه الحق سبحانه لأن بر الوالدين تدريب ورياضة لطاعة الله، ذلك لأن الوالدين سبب الوجود المباشر، والحق سبحانه وتعالى سبب الوجود غير المباشر. فكأن طاعة الوالدين وبرَّهما باب ومدخل لطاعة الله. وهذا البر محفوظ لهما، حتى وإنْ كانا مشركين: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15]. لذلك الحق سبحانه وتعالى يُعلِّمنا بر الوالدين في موكب الرسالات كلها، ففي قصة سيدنا عيسى عليه السلام، ولأنه جاء من أم بلا أب، وقد تكون هذه المسألة مدخلاً من مداخل الشيطان على سيدنا عيسى، فيُوصيه ربه بأمه فقط: {أية : وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} تفسير : [مريم: 32] حتى يقطع على الشيطان مدخله. أما في قصة سيدنا يحيى عليه السلام فقال: {أية : وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} تفسير : [مريم: 14] بوالديه يعني: أباه وأمه، ونلحظ في القصتين أن سيدنا عيسى عليه السلام هو الذي يتكلم عن أمه ويقول {أية : وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ..} تفسير : [مريم: 32] فهذا إقرار واعتراف منه. أما في قصة سيدنا يحيى، فالحق سبحانه هو الذي يحكي عنه أنه كان براً بوالديه، ونصَّ على البر في قصة سيدنا يحيى، لأن السببية في والديه مفقودة، فأبوه قد بلغ من الكبر عتياً، وأمه كانت عاقراً، إذن: كيف يأتي الولد وهذا أيضاً مدخل من مداخل الشيطان على سيدنا يحيى. إذن: فالحق سبحانه يريد للجميع أنْ يكون نظيفاً طاهراً من كل هذه الآثام، لذلك طهَّر الجوارح كلها وجعلها أداة بناء ومودة وتراحم، وبنى المجتمع على أسس قويمة تكفل لأفراده الحياة السعيدة المطمئنة، وهذا قاسم مشترك في كل ديانات السماء، وهذه الأمور هي المرادة بقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ..} [الشورى: 13]. أما قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ..} تفسير : [المائدة: 48] فيُراد بها الشرائع والأحكام الخاصة بكل ديانة، وهذه الشرائع تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات والداءات الموجودة والآفات المنتشرة بين القوم، فالشرائع تأتي لمعالجة الآفات في مجتمعها ولذلك تختلف من دين لآخر. فجماعة انتشرت بينهم الرذيلة والفاحشة، وجماعة طففوا المكيال والميزان، وجماعة عبدوا الأصنام، وآخرون عبدوا الكواكب أو الملائكة. وهكذا، فلا بد إذن أنْ تختلف الشرائع في هذه الأمور الاجتماعية. من هذا نعلم أن اعتراض المستشرقين لا محلَّ له، فلكل آية موضوعها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً} [الآية: 13]. يقول: وأَوصاك به يا محمد، وأَنبياءَه كلهم، بالإِسلام ديناً واحداً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} [الآية: 13]. قال: يقول الله، عز وجل، يستخلص لنفسه من يشاءُ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الآية: 15]. يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} [الآية: 16]. قال: طمع ورجاءٌ أَن تعود الجاهلية. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} [الآية: 17]. قال: الميزان هو العدل.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} معناه أَظهرَ لكم من الدِّينِ ما وصَّى بهِ نُوحاً من تَحريمِ نِكاحِ البَناتِ والأَخواتِ. وقوله تعالى: {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} معناه عَظُمَ عليهم. وقوله تعالى: {يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} معناه يَكرُمُ و: {يُنِيبُ} معناه يَتوبُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن تبيين الدين بقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} [الشورى: 13] يشير إلى أصول الدين أنها لم تختلف في جميع الشرائع، فأما الفروع فمختلفة فالآية تدل على أن مسائل أحكامها في جميع الشرائع واحدة، ثم بين بقوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ} [الشورى: 13]؛ أي: في الأصول؛ وهي التوجه إلى الله بالكلية في صدق الطلب بتزكية النفس عن الصفات الذميمة، وتصفية القلب عن تعلقات الكونين، وتحلية الروح بالأخلاق الربانية، ومراقبة السر بكشف الحقائق وشواهد الحق، {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} [الشورى: 13]؛ أي: في الدين تفرق أهل الأهواء بالبدع بحسبان المعرفة والبراهين المعقولة، {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} [الشورى: 13] مشرك أهل الأهواء والسمعة والرياء {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13] من التوحيد والوحدة. وبقوله: {ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك، فإن المجذوب من الخواص اجتباه في الأزل وسلكه في سلك من يحبهم واصطنعه لنفسه تعالى، وجذبه به عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، والسالك من العوام الذين سلكهم في سلك من يحبونه موفقين للهداية على قدمي الجهد والإنابة، إلى سبيل الرشاد في طريق العناد، {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ} [الشورى: 14]؛ يعني: أهل الأهواء والبدع {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} [الشورى: 14] من الكتاب والسنة {بَغْياً بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14]؛ أي: حسد بعضهم على بعض طلباً للرئاسة والقدرة والشهرة، {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الشورى: 14] بافتراقهم ثلاثة وسبعين فرقة افتراق كل فرقة في زمان معين، {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} [الشورى: 14] بالهداية. وبقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} [الشورى: 14] يشير إلى الذين أورثهم الكتاب، الذين اصطفيناهم من العباد بعد أهل الأهواء والبدع، {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} [الشورى: 14] من افتراق المبتدعين {مُرِيبٍ} [الشورى: 14] لباطليتهم، {فَلِذَلِكَ} [الشورى: 15]؛ أي: لبطلان مذاهب الأهواء والنوع {فَٱدْعُ} [الشورى: 15] إلى صراط مستقيم السنة {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} [الشورى: 15] بالكتاب في الدعاء والطاعة، أمر الكل بالاستقامة وأقره الداعي بذكر الاستقامة واختصمه به لاستقامة تبعية، ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} [الشورى: 15]؛ ليعلم أن إتباع الأهواء ضلالة وإن كان مقروناً بشبه المعقول، والإيمان بما أنزل الله في التوحيد والمعرفة، وإثبات الصفات ونفي التشبيه والتعطيل هداية، {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]؛ أي: لأستوي بين أهل الأهواء وبين أهل السنة بترك البدعة ولزوم الكتاب والسنة؛ ليندفع الافتراق ويكون الاجتماع، {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} [الشورى: 15] لا الهوى {لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الشورى: 15] مقبولاً للسنة لا علينا وعليكم، مردوداً للبدعة، {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]؛ أي: خصومة بالأهواء والعصبية، {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} [الشورى: 15] في المرافقة بالسير إلى الله، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [الشورى: 15] بانتهاء السير إلى الله كقوله: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم: 42].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه أكبر منة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من الدين خير الأديان وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله للمصطفين المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من كل وجه، فالدين الذي شرعه الله لهم، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم، موافقا لكمالهم، بل إنما كملهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من الخلق، فهو روح السعادة، وقطب رحى الكمال، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم، ودعا إليه من التوحيد والأعمال والأخلاق والآداب. ولهذا قال: { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ } أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان. { وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم. ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق. { كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } أي: شق عليهم غاية المشقة، حيث دعوتهم إلى الإخلاص للّه وحده، كما قال عنهم: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } تفسير : وقولهم: {أية : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }. تفسير : { اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ } أي يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته ومنه أن اجتبى هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وخيرها. { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } هذا السبب الذي من العبد، يتوصل به إلى هداية الله تعالى، وهو إنابته لربه، وانجذاب دواعي قلبه إليه، وكونه قاصدا وجهه، فحسن مقصد العبد مع اجتهاده في طلب الهداية، من أسباب التيسير لها، كما قال تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ }. تفسير : وفي هذه الآية، أن الله { يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } مع قوله: {أية : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } تفسير : مع العلم بأحوال الصحابة رضي الله عنهم، وشدة إنابتهم، دليل على أن قولهم حجة، خصوصا الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم أجمعين.
همام الصنعاني
تفسير : 2731- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}: [الآية: 13]، قال: الحلالُ والحرام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):