Verse. 4286 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَمَا تَفَرَّقُوْۗا اِلَّا مِنْۢ بَعْدِ مَا جَاۗءَہُمُ الْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَہُمْ۝۰ۭ وَلَوْلَا كَلِمَۃٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ اِلٰۗى اَجَلٍ مُّسَمًّي لَّقُضِيَ بَيْنَہُمْ۝۰ۭ وَ اِنَّ الَّذِيْنَ اُوْرِثُوا الْكِتٰبَ مِنْۢ بَعْدِہِمْ لَفِيْ شَكٍّ مِّنْہُ مُرِيْبٍ۝۱۴
Wama tafarraqoo illa min baAAdi ma jaahumu alAAilmu baghyan baynahum walawla kalimatun sabaqat min rabbika ila ajalin musamman laqudiya baynahum wainna allatheena oorithoo alkitaba min baAAdihim lafee shakkin minhu mureebin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما تفرَّقوا» أي أهل الأديان في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض «إلا من بعد ما جاءهم العلم» بالتوحيد «بغياً» من الكافرين «بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء «إلى أجل مسمى» يوم القيامة «لقضي بينهم» بتعذيب الكافرين في الدنيا «وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم» وهم اليهود والنصارى «لفي شك منه» من محمد صلى الله عليه وسلم «مريب» موقع في الريبة.

14

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُواْ } أي أهل الأديان في الدين بأن وحّد بعض وكفر بعض {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } بالتوحيد {بَغِيّاً } من الكافرين {بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } بتأخير الجزاء {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بتعذيب الكافرين في الدنيا {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } وهم اليهود والنصارى {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ } من محمد صلى الله عليه وسلم {مُرِيبٍ } موقع في الريبة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُواْ} عن محمد صلى الله عليه وسلم، أو في القول. {مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} بأن الفرقة ضلال، أو العلم القرآن، أو بعد ما تجَّرُوا في العلم. {بَغْياً} من بعضهم على بعض، أو اتباعاً للدنيا وطلباً لملكها {كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} رحمته للناس على ظلمهم، أو تأخيره العذاب عنهم إلى أجل مسمى {لِّقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بتعجيل هلاكهم {أُورِثُواْ الْكِتَابَ} اليهود والنصارى، أو انبئوا بعد الأنبياء {لَفِى شَكٍّ} من العذاب والوعد أو الإخلاص، أو صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لقبولهم منهم التحليل والتحريم، وكان ذلك مفهماً لأنهم فارقوا أهل الطاعة، وكان ذلك موهماً لأنهم ما فارقوهم إلا عن جهل، قال عاطفاً على ما تقديره: فأتى الرسل إلى الناس فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم فافترقوا: {وما تفرقوا} أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في أديانهم {إلا} وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال: {من بعد ما جاءهم} أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبساً {العلم} أي بما لا يسوغ معه التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة، وأشار الجار أيضاً إلى أن التفرق كان مع العلم لم يكن طال الزمان فتطرق إلى علمهم نسيان كل ذلك بياناً لعظيم قدرة الله تعالى في تصرفه في القلوب، فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم له. ولما كان ترك طريق العلم عجباً ومستبعداً، قال مبيناً أن الذي حملهم على ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى: {بغياً} أي حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل حظوظ الأنفس واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلاً بل تكون إرادته تابعة لأمر مولاه. ولما كان مطلق البغي منافياً لمكارم الأخلاق، فكان ارتكابه عجباً، زاد في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها، بل كان خاصاً بها، فقال: {بينهم}. ولما كان ذلك يقتضي المعالجة، قال عاطفاً على ما تقديره: فلولا قدرة الله ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبداً: {ولولا كلمة} أي لا تبديل لها {سبقت} أي في الأزل بتأخيرهم إلى آجالهم. ولما كان إمهالهم والرفق بهم رحمة لهم، بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعاً له فيزدادوا لذلك شرفاً، وأفرده بالذكر تنبيهاً على ذلك فقال مؤنساً له صلى الله عليه وسلم بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته، وزاد ذلك بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه، ويلتئم بمراده الشريف ومرامه: {من ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم، سبقت الكلمة بإمهالهم {إلى أجل مسمى} ضربه لآجالهم ثم لجمعهم في الآخرة {لقضي} على أيسر وجه وأسهله {بينهم} حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق. ولما أخبر عن حال المتقدمين، وكان من في زمانه صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يدعون غاية العلم بها والاجتماع عليها، وهي كلها داعية إلى المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع، وكان بعضهم يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من أمره، وإنكار أن يكون عنده نوع شك، قال على وجه يعم غيرهم، مؤكداً تنبيهاً على ذلك: {وإن الذين} ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب من غير منازع، ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل، بني للمفعول قوله: {أورثوا الكتاب} أي الكامل الخاتم، وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات، فورثوا كما قال تعالى {أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} تفسير : [فاطر: 32] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال: {من بعدهم} أي المتفرقين، وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان {لفي شك منه} أي إيراث للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير، وذلك لعملهم عمل الشاك فيقولون: إنه سحر وشعر وكهانة، ونحو ذلك، وأن الآتي به غير صادق بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به، أما العرب ومن ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في أهل الكتاب من البشارة به، وأما غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم {مريب *} أي موقع في التهمة الموقعة في الحاجة الموقعة في صروف الدهر وهي شدائده وآفاته ونوائبه, هذا على أن المراد كتابنا، ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم، وشكهم فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلى الله عليه وسلم. ولما ثبت بهذا زيغهم عن أوامر الكتاب الآتي من الله، سبب عنه أمره صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال مسبباً عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل بضدها: {فلذلك} أي لهذا الوحي العلي الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب الشرائع الكبار من أولي العزم وغيرهم، أو لذلك التصرف المباعد للصواب والشك في أمر الكتاب. ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه فأنزل عليه، قدم قوله: {فادع} إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما أمر به الإله من الاجتماع على الملة الحنيفية. ولما كان الداعي لغيره لا ينفع دعاءه لذلك الغير ما لم ينفع نفسه، قال: {واستقم} أي اطلب القوم من ربك على مشاق الدعوة ليعينك عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما تدعو إليه ويجب عليه {كما أمرت} ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من اللين والغلظة والتوسط وغير ذلك من تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم على حسب ما ينفعهم. ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى، وكل ما خالف كتابنا فهو على مجرد الهوى، قال: {ولا تتبع} أي تعمداً {أهواءهم} في شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به لأجل أنه أمر به لا لأجل أنه يهواه. ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أمره بما يخالف حالهم فقال: {وقل} أي لجميع أهل الفرق، وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق: {آمنت بما} أي بكل شيء. ولما كان أكمل الناس إيماناً أكثرهم استحضاراً لأوصاف الكمال من الجلال والجمال، صرف القول إلى الاسم الأعظم إشارة إلى سلوك أعلى المسالك في ذلك فقال: {أنزل الله} أي الذي له العظمة الكاملة {من كتاب} لا أفرق بين شيء من كتبه ولا أحد من رسله، بل كل كتاب ثبت أنه نزل على رسول ثبت رسالته بالمعجزة فأنا به مؤمن وإليه داعٍ كما اقتضاه كمال القوة النظرية، قال أبو علي القالي في ذيل الأمالي: حدثنا أبو بكر - هو ابن الأنباري - حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان حدثنا صحاب بن الحارث أنا بشر بن عمارة عن محمد بن سوقة قال: أتى علياً رضي الله عنه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان؟ قال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد، والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع شعاب: تبصرة الفطنة وتاويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف بالعبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع الحكم، فمن فهم جمع العلم، ومن حلم لم يضل في الحكم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره، وعاش في الناس. والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين، ومن صدق في المواطن فقد قضى الذي عليه، ومن شنئ المنافقين غضب لله وغضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه، قال: فقام الرجل فقبل رأسه. ولما أخبر بالعدل في القوة النظرية، أتبعه ذلك في القوة العملية فقال: {وأمرت} أي ممن له الأمر كله بما أمرني به مما أنزل عليّ {لأعدل} أي لأجل أن أعدل {بينكم} أيها المفرّقون في الأديان من العرب والعجم من الجن والإنس كما دعى إليه كمال القوة العملية، ثم علل ذلك بقوله: {الله} أي الذي له الملك كله {ربنا وربكم} أي موجدنا ومتولي جميع أمورنا، فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. ولما كان الرب واحداً، انتج عنه قوله: {لنا أعمالنا} خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا {ولكم أعمالكم} خاصة بكم لا تعدوكم إلى غيركم، لأنه لا داعي لأن نأخذ عمل بعضنا فنعطيه لغيره، لأن ذلك لا يفعله إلا ذو غرض، وهو سبحانه محيط بصفات الكمال، فهو منزه عن الأغراض، ولما وصل بتمام هذه الجملة في إزالة الريب وإثبات الحق إلى ما هو كالشمس لثبوت الرسالة بالمعجزات وإعجاز هذا الكتاب وتصادقه مع ما عند أهل الكتاب، وبيان هاتين المقدمتين اللتين لا نزاع بين أحد من الخلق فيهما كانت نتيجة ذلك: {لا حجة} أي موجودة بمحاجة أحد منا لصاحبه {بيننا وبينكم} لأن الأمر وصل إلى الانكشاف التام فلا فائدة بعده للمحاجة فما بقي إلا المجادلة بالسيوف، وإدارة كؤوس الحتوف، لأنا نعلم بإعلام الله لنا في كتابه الذي دلنا إعجازه للخلائق على أنه كلامه، فنحن نسمعه لذلك منه أنا على محض الحق وأنكم على محض الباطل، وقد أعذرنا إليكم وأوصلنا ببراهينه إلى المشاهدة فلم يبق إلا السيف عملاً بفضيلة الشجاعة. ولما كان هذا موضع أن يقال: أفما تخافون الله فيمن تقاتلونه وهو عباده، أجاب بقوله مظهراً غير مضمر تعظيماً للأمر: {الله} أي الذي هو أحكم الحاكمين {يجمع بيننا} أي نحن وأنتم على دين واحد أراد فلا يكون قتال، وفي الآخرة على كل حال {فهو يحكم بيننا} {أية : وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون} تفسير : [الشعراء: 227] فما أقدمنا على القتال إلا عن بصيرة. ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره، بين أن الأمر فيه على غير ذلك، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمنه كان المبدأ: {وإليه} أي لا إلى غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات {المصير *} حساً ومعنى لتمام عزته وشمول عظمته وكمال رحمته، وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من الأمور التي كانت بحيث يظن أنها خارجة - لتصرف الغير فيها - إنما كانت ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ما يتعارفونه بينهم، وما كان المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمراً طارئاً يصحح عليهم الحجة ويلزمهم الحجة. ولما كان التقدير: فالذين رجعوا إليه طوعاً في هذه الدار بعد هذا البيان والإظهار، وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم، عطف عليه قوله مبتدئاً بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار: {والذين يحاجّون} أي يوردون تشكيكاً على دينه الحق من الشبه ما يسمونه حججاً، ولعل الإدغام يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم في خفاء فتشربها قلوب أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض بما عند الرب {في الله} أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال. ولما كانت إقامة الحجة وإظهار المعجزة أمراً ملزماً لجميع من بلغه الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان سقط معه الجدال، قال معلماً إن ما كان في قوة الوجود يصح أن يطلق عليه أنه موجود، ومنبهاً بالجار على ذم هذا الجدال ولو قل زمنه: {من بعدما} ولما كان المقصود مطلق الاستجابة لا من مجيب معين قال: {استجيب له} أي استجاب له الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار الناس كلهم بما يبين لهم مستجيبين بالقوة وإن لم يستجيبوا بالفعل، فإن الأمر قد ظهر غاية الظهور، ولم يبق إلا العناد، فهذه الجملة هي المراد والثمرة من قوله {لا حجة بيننا وبينكم}. ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج، قال معبراً بمبتدأ ثان مفرداً للحجة إشارة إلى ضعفها: {حجتهم} أي التي زعموها حجة، وأخبر عن هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبراً عن الأول فقال: {داحضة} أي زالقة فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل أجلى، والعبارة لفتٌ إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في حجتهم من الدحوض لأن {عند} للأمور الظاهرة المألوفة، وصفة التربية للعطف والرفق، والإضافة إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف، فهو إشارة إلى أنها هباء منثور عند تدقيق النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب، فالمعنى أن دحوضها ظاهراً جداً ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو خصوا بمزيد عطف وبر، فأين هذا مما لو قيل "لدى عليم قدير" فإنه يفهم أن دحوضها لا يدركه إلا بليغ العلم تام القدرة، وهو مع ذلك غريب فيصير فيه نوع مدح لحجتهم في الجملة: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بإفاضة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم، فمهما جردوه عن الهوى، دلهم على أن جميع ما كانوا فيه باطل، وفيه إشارة إلى أن أدنى ما يعذبهم به قطع إحسانه عنهم، وأنه يظهر بطلان ما سموه حجة لكل عاقل فيورثهم الخزي في الدنيا والعذاب في الأخرى على أن قطع إحسانه هو عند التأمل أعلى العذاب {وعليهم} زيادة على قطع الإحسان {غضب} أي عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذؤوم ومنه الطرد، فهم مطرودون عن بابه، مبعودون عن جنابه، مهانون بحجابه. ولما أفهم التعبير بـ "على" ذمهم باستعلاء النقم عليهم لم يشكل التعبير باللام، بل كان مفهماً التهكم والملام فقال: {ولهم} أي مع ذلك {عذاب شديد *} لا تصلون إلى إدراك حقيقة وصفه، والآية مشيرة إلى الانتصار على أهل الردة وضربهم بكل شدة لسوء منزلتهم عنده كما كشف عنه الحال عند ندب الصديق إليهم بالقتال رضي الله عنه وأرضاه.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالَى: {وَمَا تَفَرَّقُواْ} شروعٌ في بـيان أحوالِ أهلِ الكتابِ عقيبَ الإشارةِ الإجماليةِ إلى أحوالِ أهلِ الشركِ قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ الله عنُهمَا هُم اليهودُ والنَّصارى، لقولِه تعالَى: { أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ} تفسير : [سورة البينة، الآية 4] أي وما تفرقُوا في الدينِ الذي دُعوا إليهِ ولم يُؤمنوا كما آمنَ بعضُهم {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ} بحقِّيتِه بما شاهُدوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآنِ من دلائلِ الحقِّيةِ حسبما وجدُوه في كتابِهم، أو العلمُ بمبعثِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أو من أعمِّ الأوقاتِ أي وما تفرقُوا في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقاتِ إلا حالَ مجيءَ العلمِ {بَغْياً بَيْنَهُمْ} وحميةً وطلباً للرياسة لا لأنَّ لهم في ذلكَ شبهةً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهي العِدَةُ بتأخير العقوبةِ {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو يومُ القيامةِ {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} لأوقعَ القضاءَ بـينَهم باستئصالِهم لاستيجاب جناياتِهم لذلك قطعاً. وقولُه تعالَى {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ} الخ بـيانٌ لكيفية كفر المشركينَ بالقرآنِ إثرَ بـيانِ كيفيةِ كفرِ أهلِ الكتابِ. وقُرِىءَ وَرِثُوا ووُرِّثُوا أيْ وإنَّ المشركينَ الذينَ أُورثوا القرآنَ من بعدِ ما أُورثَ أهلُ الكتابِ كتابَهم {لَفِى شَكّ مّنْهُ} من القرآن {مُرِيبٍ} موقعٌ في القلق أو في الريبةِ ولذلكَ لا يُؤمنونَ به لا لمحض البغِي والمكابرةِ بعد ما علمُوا بحقِّيتِه كدأب أهلِ الكتابـينِ. هذا وأمَّا ما قيلَ: منْ أنَّ ضميرَ تفرقُوا لأمم الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ المرادَ تفرقُ كلِّ أمةٍ بعدَ نبـيِّها مع علمِهم بأنَّ الفرقةَ ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعدٌ عليهِ على ألسنة الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيردّه قولُه تعالَى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ}، وكذا ما قيلَ من أنَّ الناسَ أمةً واحدةً مؤمنينَ بعد ما أهلكَ الله تعالَى الأرضَ بالطوفان فلما ماتَ الآباءُ اختلفَ الأبناءُ فيما بـينُهم وذلك حين بعث الله تعالى النبـيـين مبشرين ومنذرين وجاءهُم العلمُ وإنما اختلفُوا للبغِي بـينَهم فإنَّ مشاهيرَ الأممِ المذكورةِ قد أصابُهم عذابُ الاستئصالِ من غير إنظارٍ وإمهالٍ، على أنَّ مساقَ النظمِ الكريمِ لبـيان أحوالِ هذه الأمةِ، وإنما ذُكِرَ من ذُكِرَ من الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لتحقيق أنَّ ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً لوجوب إقامتِه وتشديداً للزجرِ عن التفرق والاختلافِ فيه فالتعرضُ لبـيان تفرقِ أممِهم عنه ربَّما يُوهم الإخلالَ بذلكَ المرامِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ}. يعني أنهم أَصّرُّوا على باطلهم بعد وضوح البيان وظهور البرهان حين لا عُذْرَ ولا شكَّ. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}... وهو أنه حَكَمَ بتأخيرِ العقوبةِ إلى يومِ القيامة لعَجَّل لهم ما يتمنونه..

اسماعيل حقي

تفسير : {وما تفرقوا} اى وما تفرق اليهود والنصارى فى الدين الذى دعوا اليه ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات {الا من بعد ما جاءهم العلم} اى الا حال مجيئ العلم او الا وقت مجيئ العلم بحقية ما شاهدوا فى رسول الله والقرءآن من دلائل الحقية حسبما وجدوه فى كتابهم او العلم بمبعثه {بغيا بينهم} من بغى بمعنى طلب وحقيقة البغى الاستطالة بغير حق كما فى المفردات اى لابتغاء طلب الدنيا وطلب ملكها وسياستها وجاهها وشهرتها وللحمية الجاهلية لا لأن لهم فى ذلك شبهة {ولولا كلمة سبقت من ربك} وهى العدة بتأخيرة العقوبة {الى اجل مسمى} اى وقت معين معلوم عند الله هو يوم القيامة او آخر اعمارهم المقدرة {لقضى بينهم} لأوقع القضاء بينهم باستئصالهم لاستيجاب جنايتهم لذلك قطعا {وان الذين اوروثوا الكتاب من بعدهم} اى وان المشركين الذين اوتو الكتاب اى القرءآن من بعد ما اوتى اهل الكتاب كتابهم والايراث فى الاصل ميراث دادن {لفى شك منه} اى من القرءآن والشك اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما {مريب} موقع فى القلق اى الاضطراب ولذلك لا يؤمنون الا لمحض البغى والمكابرة بعدما علموا بحقيته كدأب اهل الكتابين والريبة قلق النفس واضطرابها ويسمى الشك بالريب لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة والظاهر أن شك مريب من باب جد جده اى وصف الشك بمريب بمعنى ذى ريب مبالغة فيه وفى القاموس اراب الامر صار ذا ريب

الجنابذي

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} بصحّة دين نبيّهم او بصدق خلافة علىٍّ (ع) فقبل بعضهم على علمٍ، وانكر بعضهم حسداً {بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بامهالهم {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} بالاهلاك للمنكر والخلاص للمقرّ من بين المنكر {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} بعد الانبياء (ع) واممهم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} وقد فسّر بغياً بينهم ببغى بعضهم على بعض لمّا رأوا من تفاضل امير المؤمنين (ع) وقوله تعالى لفى شكٍّ منه مريبٍ بانّه كناية عن الّذين نقضوا امر رسول الله (ص).

الأعقم

تفسير : {وما تفرقوا} في الدين، قيل: أهل الأديان المختلفة، وقيل: أراد أهل الكتاب {إلا من بعدما جاءهم العلم} بعثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفته فعلموا وعاندوا، والمراد به العلماء، ويجوز على مثلهم العناد {بغياً} أي طلباً للدنيا واتباع الهوى والحسد والعداوة {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} أي لولا وعد الله وإخباره بتبقيتهم إلى وقت معلوم وتأخير العذاب عنهم، وقيل: لولا وعد الله بتأخيرهم إلى يوم القيامة وهو الأجل المسمى {لقضي بينهم} بهلاك المبطل وإثابة المحق {وان الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} يعني اليهود والنصارى الذين أورثهم الله الكتب من الأنبياء من بعدهم من بعد الأمم الخالية، وقيل: بعد اليهود وهم مشركو مكة والعرب أورثوا القرآن من بعد الكتب الماضية {لفي شك منه مريب} يعني كفرهم بجهالتهم، وقيل: هم في شك من نبوتك، وقيل: من الكتاب الذي أورثوه {فلذلك فادع} أي لأجل الشك والذي هم فيه فادعهم إلى الحق، وقيل: اللام بمعنى الذي أي الذي شرعه الله ورضي به {فادع واستقم} بما أتاك من النبوة والكتاب، وقيل: استقم في الرسالة وأبلغها {كما أمرت} {ولا تتبع أهواءهم} يعني أهواء المشركين بل اتبع الوحي {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} منزل {وأمرت لأعدل بينكم} في الدين والدنيا والدعاء ولا أحابي أحداً فيكون القريب والبعيد سواء، وقيل: {لأعدل بينكم} في جميع الأشياء {الله ربنا وربكم} أي خالق الجميع والمنعم عليهم {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي جزاء أعمالنا لنا وجزاء أعمالكم لكم {لا حجة بيننا وبينكم}، قيل: لا خصومة قد ظهر الحق فسقط الجدال بالحجة لنا عليكم {الله يجمع بيننا وإليه المصير} يعني يجمع بيننا يوم القيامة والمرجع إليه {والذين يحاجون في الله} أي يجادلون ويخاصمون في الله قيل: في دينه {من بعد ما استجيب له} من بعدما استجاب له الناس ودخلوا في دينه ليردوهم إلى دين الجاهلية، وقيل: من بعد ما استجيب دعاؤه لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في إظهار المعجزات وقيام الحجة، وقيل: من بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر واظهر دين الإِسلام {حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} {الله الذي أنزل الكتاب} القرآن {والميزان}، قيل: هو ما أمر به من العدل، وقيل: أنزل الميزان الذي يوزن به {وما يدريك لعل الساعة قريب} أي لست تدري متى تقوم الساعة فإذا أنت لا تعلم مع الوحي والكتاب فكيف يعلمه غيرك {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} يعني من لا يؤمن بها {والذين آمنوا مشفقون منها} أي يخافون قيامها {ويعلمون أنها الحق} أي يعلمون صحتها {ألا إن الذين يمارون في الساعة}، قيل: يخاصمون فيها {لفي ضلال بعيد}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا تَفَرَّقُوا} يعني أهل الكتاب {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [أي: حسداً فيما بينهم]؛ أرادوا الدنيا ورخاءها فغيّروا كتابهم فأحلّوا فيه ما شاءوا وحرّموا ما شاءوا، فترأَّسُوا على الناس يستأكلونهم، فاتبعوهم على ذلك؛ كقوله: (أية : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) تفسير : [التوبة:31] أي: يُحِلّون لهم ما حرّم الله عليهم فيستحلّونه، ويُحرِّمون ما أحلَّ الله فيُحرّمونه. قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى القيامة {لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ}. وقد فسَّرناه في الآية الأولى قبلها. قال: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} يعني اليهود والنصارى من بعد أوائلهم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي: من القرآن {مُرِيبٍ} أي: من الريبة. وقال الكلبي: يعني مشركي العرب.

اطفيش

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُواْ} أي أهل الاديان المختلفة بأن وحد بعض وأشرك بعض وقيل الامم السابقة وقيل أوائل اليهود والنصارى وقيل أهل الكتاب بدليل {أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب}تفسير : ... الخ وعليه ابن عباس. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} ان الفرقة ضلال متوعد عليه على ألسنة أنبيائهم ذلك انهم يرتدون بعد أنبيائهم وقال ابن عباس: يعني أهل الكتاب، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتمنون أن يبعث اليهم نبي* {بَغْياً بَيْنَهُمْ} بغياً من كفارهم بينهم وبين مؤمنيهم عداوة أو طلباً للدنيا أو بغياً منهم على محمد صلى الله عليه وسلم* {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} وهي الوعد بتأخير الجزاء* {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} يوم القيامة أو الموت* {لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي غلب المحق على المبطل وأنزل العذاب على المبطل حيث افترق عن الحق. {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ} أي حقيقة الكتاب فيشمل كتباً (وأورثوا) من أورث الرياض مبنياً للمفعول متعد لاثنين الاول نائب والثاني منصوب والمراد اليهود والنصارى وقرئ ورثوا بالبناء للمفعول والتشديد وورثوا بالبناء للفاعل والتخفيف {مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد أنبيائهم* {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي من الكتاب أي من كتب أنبيائهم وقيل من بعد الامم الخالية لا يعلمونه كما هم ولا يؤمنون به حق الايمان أو عدم الايمان أصلاً وتوريثه لهم تخليفه لهم أو (والذين أورثوا الكتاب) المشركون بعد أهل الكتاب أو المراد {إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ} وهم أهل الكتاب فى زمان الرسول لم يوقنوا به ولو أيقنوا به لآمنوا لك أو ان المشركين الذين أورثوا الكتاب وهو القرآن بعد أهل الكتاب أو بعد الأمم الخالية قبلهم لفي شك من الكتاب الذي هو القرآن ويجود عود الهاء للنبى صلى الله عليه وسلم وقيل {الَّذِينَ} هم العرب (وَالكتاب) القرآن (والهاء) للاجل المسمى وهو البعث أو يوم القيامة وقيل كان الناس بعد الطوفان مؤمنين ولما مات الآباء اختلف الأبناء وذلك حين بعث اليهم النبيين مبشرين ومنذرين {مُرِيبٍ} موقع في الريب وهو الشك وذلك مبالغة أو مقلق أو كثر الافراد كقولك أرض مسبعة بضم الميم وكسر الباء كثيرة السباع

اطفيش

تفسير : {وما تفرقوا} أى أمم الأنبياء بعدهم منذ بعث نوح فى أمر دينهم فى وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ولا يصح ما قيل: إن الواو لأعقاب من سفينة نوح، وقيل: لأهل الكتاب تفرقوا حسدا له صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: " أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائتهم البينة"تفسير : [البينة: 4] و {الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} مشركو مكة، والكتاب القرآن، وقبل الواو ولقريش، وهم المشركون الذين كبر عليهم ما يدعوهم اليه، كانوا يتمنون نبيا منهم، فلما جاءهم كفروا به. {إلا مِنْ بَعْد ما جاءهم العِلْم} من الله فى أمر دينهم على ألسنة أنبيائهم، فلا عذر لهم، والمراد كل أمة اختلف فيما بينهما، أو بعد العلم، كذلك بأن التفرق حرام متوعد عليه، والأولى أولى، وجاء مجاز عن حصل لجامع مطلق الحضور، أو حقيقة، والتجوز فى العلم ان عبر به عن سببه وهو الأنبياء، أو كلاهما حقيق، والتجوز فى الاسناد أو يقدر مضاف أى أهل العلم، وهم الأنبياء أو خلائفهم {بَغْياً} على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى غيره {بيْنَهم} نعت بغيا، أو متعلق به، والبغى الظلم، أو الطلب للرياسة، والأول أولى، إذلا دليل على الرياسة، والبغى متضمن لها. {ولولا كلمةٌ سَبقت من ربِّكَ} وعد بأن لا يعاجلهم بالعذاب {إلى أجل مُسمى} يوم القيامة، أو تمام أعمارهم {لَقُضيَ بيْنَهُم} بتعذيب من فرقته بمخالفة للمحق تعذيب استئصال، والمراد لقضى بينهم كلهم، فلا يشكل بمن أهلك كعاد وثمود، أو المراد لقضى عقب تفرقهم ولم يؤخروا أعواما {وإن الذين أورثُوا الكتابَ} علمهم الله التوراة والانجيل والزبور، فأل للجنس، والايراث إيراث تعليم قبل النبى صلى الله عليه وسلم، مع الحياة الى رسالته، أو فى حياته لا إيراث وحى {مِن بعْدهم} بعد أسلافهم الأموات، أو بعد الأمم، أو بعد الأنبياء السابقة، وهم أيضا من أواخرهم، فالمراد الذين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية كقوله تعالى: " أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة" تفسير : [البينة: 4] {لَفِي شكُ مِنهُ} من الكتاب الذى أوتوه، أو من محمد صلى الله عليه وسلم {مُريب} موقع لهم فى الاضطراب، فهم ولو آمنوا به غير مؤمنين به حق الايمان، ويدل لذلك أنهم حرفوه، أو موقع لأعقابهم فى الريبة.

الالوسي

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُواْ} أي أمم الأنبياء بعد وفاة أنبيائهم ـ كما في «الكشف» ـ منذ بعث نوح عليه السلام في الدين الذي دعوا إليه واختلفوا فيه في وقت من الأوقات {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَاجَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ} من أنبيائهم بأن الفرقة ضلال وفساد وأمر متوعد عليه؛ وهذا يؤيد ما دل عليه سابقاً من أن الأمم القديمة والحديثة أمروا باتفاق الكلمة وإقامة الدين. والمراد بالعلم سببه مجازاً مرسلاً، ويجوز أن يكون التجوز في الاسناد، وأن يكون الكلام بتقدير مضاف أي جاءهم سبب العلم، وقد يقال جاء مجاز عن حصل. والاستثناء على ما أشرنا إليه مفرغ من أعم الأوقات، وجوز أن يكون من أعم الأحوال أي ما تفرقوا في حال من الأحوال إلا حال مجيء العلم {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي عداوة على أن البغي / الظلم والتجاوز والعداوة سبب له وهي الداعي للتفرق أو طلباً للدنيا والرياسة على أن البغي مصدر بغى بمعنى طلب. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} هي عِدَتُه تعالى بترك معاجلتهم بالعذاب {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} معلوم له سبحانه وهو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة لهم {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} باستئصال المبطلين حين افترقوا لعظم ما افترقوا {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ} هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم وقرأ زيد بن علي {وَرِثُواْ} مبنياً للمفعول مشدد الراء {لَفِي شَكّ مّنْهُ} أي من كتابهم فلم يؤمنوا به حق الإيمان {مُرِيبٍ} مقلق أو مدخل في الريبة. والجملة اعتراض يؤكد أن تفرقهم ذلك باق في أعقابهم منضماً إليه الشك في كتابهم مع انتسابهم إليه فهم تفرقوا بعد العلم الحاصل لهم من النبـي المبعوث إليهم المصدق لكتابهم وتفرقوا قبله شكاً في كتابهم فلم يؤمنوا به ولم يصدقوا حقه.

ابن عاشور

تفسير : {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ}. عطف على جملة { أية : ولا تتفرقوا فيه } تفسير : [الشورى: 13] وما بينهما اعتراض كما علمت، وفي الكلام حذف يدل عليه قوله: {وما تفرقوا} تقديره: فتفرقوا. وضمير {تفرقوا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : أن أقيموا الدّين ولا تتفرقوا } تفسير : [الشورى: 13] وهم أمم الرّسل المذكورين، أي أوصيناهم بواسطة رسلهم بأن يقيموا الدّين. دلّ على تقديره ما في فعل { أية : وصَّى } تفسير : [الشورى: 13] من معنى التبليغ كما تقدم. والعلم: إدراك العقل جزماً أو ظنّاً. ومجيء العِلم إليهم يؤذن بأن رسلهم بيّنوا لهم مضارّ التفرق من عهد نوح كما حكى الله عنه في قوله: {أية : ثم إنّي دعوتُهم جِهاراً ثم إنِيَ أعلنتُ لهم وأسررت لهم إسراراً} تفسير : [نوح: 8 - 9] إلى قوله: { أية : سُبُلاً فِجَاجاً } تفسير : في سورة نوح (20). وإنما تلقَّى ذلك العِلمَ علماؤهم. ويجوز أن يكون المراد بالعلم سببَ العلم، أي إلاّ من بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته الموافقة لما في كِتابهم فتفرقوا في اختلاق المطاعن والمعاذير الباطلة لينفوا مطابقة الصفات، فيكون كقوله تعالى: { أية : وما تَفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيَّنة } تفسير : [البينة: 4] على أحد تفسيرين. والمعنى: وما تفرقت أممهم في أديانهم إلا من بعد ما جاءهم العلم على لسان رسلهم من النهي عن التفرق في الدّين مع بيانهم لهم مفاسد التفرق وأضراره، أي أنهم تفرقوا عالمين بمفاسد التفرق غير معذورين بالجهل. وهذا كقوله تعالى: { أية : وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة } تفسير : [البينة: 4] على التفسير الآخر. وذُكر سبب تفرقهم بقوله: {بغياً بينهم} أي تفرّقوا لأجل العداوة بينهم، أي بين المتفرقين، أي لم يحافظوا على وصَايَا الرّسل. وهذا تعريض بالمشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام لعداوتهم للمؤمنين. وقولُه: {ولولا كلمة سبقت من ربك} الخ تحذير للمؤمنين من مثل ذلك الاختلاف. وتنكير {كلمة} للتنويع لأن لكل فريق من المتفرقين في الدّين كلمة من الله في تأجيلهم فهو على حدّ قوله تعالى: { أية : وعلى أبصارهم غشاوة } تفسير : [البقرة: 7]. وتنكير {أجل} أيضاً للتنويع لأن لكل أمة من المتفرقين أجلاً مسمى، فهي آجال متفاوتة في الطّول والقصر ومختلفة بالأزمنة والأمكنة. والمراد بالكلمة ما أراده الله من إمهالهم وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم اقتضته حكمتُه في نظام هذا العالم، فربّما أخرهم ثم عذّبهم في الدنيا، وربّما أخرهم إلى عذاب الآخرة، وكل ذلك يدخل في الأجل المسمّى، ولكل ذلك كلمته. فالكلمة هنا مستعارة للإرادة والتقدير. وسبقها تقدمها من قَبل وقت تفرقهم وذلك سبْق علم الله بها وإرادته إيّاها على وقف علمه وقدره، وقد تقدم نظير هذه الكلمة في سورة هود وفي سورة طه. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}. عطف على جملة {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} إلى قوله: {لقضي بينهم}. وهذه الجملة هي المقصود من جملة { أية : شَرع لكم من الدّين ما وصَّى به نوحاً } تفسير : [الشورى: 13] إلى قوله: { أية : ولا تتفرقوا فيه } تفسير : [الشورى: 13]، لأن المقصود أهل الكتاب الموجودون في زمن نزول الآية. وإذ قد كانت من الأمم التي أوحى الله إلى رسلهم أمتَاننِ موجودتان في حين نزول هذه الآية وهما اليهود والنصارى، وكانتا قد تفرقتا فيما جاءهم به العلم، وكان الله قد أخّر القضاء بين المختلفين منهم إلى أجل مسمّى، وكانوا لمَّا بلغتهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم شَكُّوا في انطباق الأوصاف التي وردت في الكتاب بوصف النبي الموعود به. فالمعنى: أنه كما تفرق أسلافهم في الدّين قبل بعثة النبي الموعود به تفرق خلَفُهم مثلهم وزادوا تفرقاً في تطبيق صفات النبي الموعود به تفرقاً ناشئاً عن التردد والشك، أي دونَ بذل الجهد في تحصيل اليقين، فلم يزل الشك دأبهم. فالمخبر عنهم بأنهم في شك: هم الذين أُورثوا الكتاب من بعدِ سلفهم. وقد جاء نظم الآية على أسلوب إيجاز يتحمل هذه المعاني الكثيرةَ وما يتفرع عنها، فجيء بضمير {منه} بعد تقدُّم ألفاظ صالحة لأن تكون معادَ ذلك الضمير، وهي لفظ { أية : الدِّين} تفسير : في قوله {أية : من الدّين } تفسير : [الشورى: 13]، ولفظ {الذي} في قوله: { أية : والذي أوحينا إليك } تفسير : [الشورى: 13]، و{ما} الموصولةُ في قوله: { أية : ما تدعوهم إليه } تفسير : [الشورى: 13]، وهذه الثلاثة مدلولها الإسلام. وهنالك لفظ { أية : ما وصيّنا } تفسير : [الشورى: 13] المتعدّي إلى موسى وعيسى، ولفظ {الكتاب} في قوله {وإن الذين أُورثوا الكتاب}. وهذان مدلولهما كتابَا أهل الكتاب. وهؤلاء الذين أوتوا الكتاب هم الموجودون في وقت نزول الآية. والإخبار عنهم بأنهم في شك ناشىءٍ من تلك المعادات للضمير معناه: أن مبلغ كفرهم وعنادهم لا يتجاوز حالة الشك في صدق الرّسالة المحمدية، أي ليسوا مع ذلك بموقنين بأن الإسلام باطل، ولكنهم تردّدوا ثم أقدموا على التكذيب به حسداً وعناداً. فمنهم من بقي حالهم في الشك. ومنهم من أيقن بأن الإسلام حق، كما قال تعالى: { أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } تفسير : [البقرة: 146]. ويحتمل أن المعنى لفي شك بصدق القرآن أو في شك مما في كتابهم من الأمور التي تفرقوا فيها، أو ما في كتابهم من الدّلالة على مجيء النبي الموعود به وصفاته. فهذه معان كثيرة تتحملها الآية وكلها منطبقة على أهل الكتابَيْن وبذلك يظهر أنه لا داعي إلى صرف كلمة {شك} عن حقيقتها. ومعنى {أورثوا الكتاب} صار إليهم علم الكتاب الذي اختلف فيه سلفُهم فاستعير الإرث للخَلفِيّة في علم الكتاب. والتعريف في {الكتاب} للجنس ليشمل كتاب اليهود وكتاب النصارى. فضمير {من بعدهم} عائِد إلى ما عاد إليه ضمير {تفرقوا} وهم الذين خوطبوا بقوله { أية : ولا تتفرقوا فيه } تفسير : [الشورى: 13]. وظرفية قوله: {في شك} ظرفية مجازية وهي استعارة تبعية، شُبه تمكن الشك من نفوسهم بإحاطة الظرف بالمظروف. و(من) في قوله: {لفي شك منه} ابتدائية وهو ابتداء مجازي معناه المصاحبة والملابسة، أي شك متعلق به أو في شك بسببه. ففي حرف (من) استعارة تبعية، وقع حرف (مِن) موقع باء المصاحبة أو السببية. وتأكيد الخبر بــ{إنَّ} للاهتمام ومجرد تحقيقه للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهذا الاهتمام كناية عن التحريض للحذر من مكرهم وعدم الركون إليهم لظهور عداوتهم لئلا يركنوا إليهم، ولعل اليهود قد أخذوا يومئذٍ في تشكيك المسلمين واختلطوا بهم في مكّة ليتطلعوا حال الدعوة المحمدية. هذا هو الوجه في تفسير هذه الآية وهو الذي يلتئم مع ما قبله ومع قوله بعده { أية : ولا تتبع أهواءهم وقُل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرتُ لأعدل بينكم الله رَبّنا وربّكم } تفسير : [الشورى: 15] الآية. والمريب: الموجب الريب وهو الاتهام. فالمعنى: لفي شك يفضي إلى الظنة والتهمة، أي شك مشوب بتكذيب، فـ{مريب} اسم فاعل من أراب الذي همزته للتعدية، أي جاعل الريب، وليست همزةَ أراب التي هي للجعل في قولهم: أرابني بمعنى أوهمني منه ريبة وهو ليس بذي ريب، كما في قول بشار: شعر : أخوك الذي إن رِبْتَه قال إنّما أرَبْتَ وإن عاتبته لان جانبه تفسير : على رواية فتح التاء من أربتَ، وتقدم قوله { أية : وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } تفسير : في سورة هود (62).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (14) - يُبَيِّنَ اللهُ تَعَالَى الأَسْبَابَ التِي حَمَلَتِ النَّاسَ عَلَى التَّفَرُّقِ والاخْتِلاَفِ فِي الدِّينِ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ جَمِيعاً بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَطَلَبَ مِنْهُمِ الأَخْذَ بِهِ، وَعَدَمَ التَّفَرُّقِ فِيهِ. فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ عَلِمُوا أَنَّ الفُرْقَةُ ضَلاَلَةٌ، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ بَغْياً وَطَلَباً لِلرِئَاسَةِ وَلِلحَمِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَذْهَبُ مَذْهَباً وَتَدْعُو إِلَيهِ، وَتُقَبِّحُ مَا سِوَاهُ لِلظُّهُورِ وَالتَّفَاخُرِ، وَلَوْلاَ الكَلِمَةُ السَّابِقَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ يُؤَخِّرَ حِسَابَهُمْ، وَالفَصْلَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَعَجَّلَ لَهُمْ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا. وَالذِينَ وَرِثُوا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيل عَنْ أَسْلاَفِهِم السَّابِقِينَ، هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ كِتَابِهِمْ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَقَّ الإِيْمَانِ. وَهُمْ يُقَلِّدُونَ أَسْلاَفَهُمْ بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ دَلِيلٍ وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي شَكٍّ وَحِيرَةٍ مُقْلِقَيْنِ. البَغْيُ - الظُّلْمُ والتَجَاوُزُ. تَفَرَّقُوا فِيهِ - اخْتَلَفُوا فَأَتَوْا بَعْضاً وَتَرَكُوا بَعْضاً. مُرِيبٍ - مُثِيرٍ لِلشَّكِّ وَالرَّيبَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البيئة المكيَّة كان بها كفار مكة وهم وثنيون يعبدون الأوثان، وكان فيها أهل كتاب يهود أو نصارى، وكان الخلاف بينهما قائماً ومستمراً، ومن غيظ أهل الكتاب من الكفار كانوا يقولون لهم: لقد أطلَّ زمانُ نبي منكم سيأتي ونتبعه ونقتلكم به قتْل عاد وإرم. والحق سبحانه يخبر عن أهل الكتاب: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} تفسير : أي: محمد {أية : كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. نعم لقد بشرتْ الكتب السماوية بمجيء محمد وزمانه ومكانه، وكان أهل الكتاب يعرفونه وعندهم أوصافه، وقد اعترف منهم كثيرون بأن محمداً على الحق، وأنه نبي مرسل، ومن هؤلاء عبد الله ابن سلام. الحق سبحانه يقول عنهم وعن معرفتهم لرسول الله بأوصافه: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 146] لذلك يقول أحدهم: والله إني لأعرف محمداً كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ذلك لأن أوصافه مذكورة في كتبهم. ومع ذلك لما جاءهم بالحق كفروا به وعاندوه. يقول تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ..} [الشورى: 14] أي: العلم به في كتبهم التي بشَّرتْ به وذكرتْ أوصافه {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ..} [الشورى: 14] وهي وعْده سبحانه بإمهالهم {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الشورى: 14] هو يوم القيامة، {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ..} [الشورى: 14] أي حُكِم بينهم بهلاك الكافرين واستئصالهم ونجاة المؤمنين، والحق سبحانه لم يقْضِ بإهلاكهم واستئصالهم، بل أخَّرهم لأنه سيكون منهم مَنْ يؤمن ويصير جندياً من جنود الحق. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 14] قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ ..} هم اليهود والنصارى المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ..} [الشورى: 14] أي من كتابهم {مُرِيبٍ} [الشورى: 14] يدعو إلى الريبة والتردد والحيرة، ذلك لأنهم أخذوا في كتابهم مآخذ عدة أدت بهم إلى هذا الشك وإلى هذه الريبة. أولاً: نَسُوا بعضه كما أخبر الحق عنهم: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 14] كما أخبر عن اليهود في الآية التي قبلها: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 13]. والنسيان يعني عدم الاهتمام بالمنسيِّ، فلو كان مهماً لكانَ على بالهم دائماً وفي بؤرة اهتمامهم، وما لم يُنْسَ من الكتاب تناولوه بالتحريف، ولو كان لهم عذر في النسيان، فما عذرهم في التحريف؟ ثم بعد ذلك كتموا ما أنزل الله، قال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 187]. ويا ليتهم وقفوا بمسخ كتابهم عند هذا الحد، إنما تمادوا في مسخه إلى أنْ يؤلفوا الكلام من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله، قال تعالى في حقهم: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} تفسير : [البقرة: 79].

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما ثبت أن أصل الأديان كلها هو التوحيد، وأن الأنبياء والرسل إنما جاءوا لإظهاره وتبيينه، ظهر أن الأمم الهالكة {مَا تَفَرَّقُوۤاْ} واختلفوا من مذاهبهم ومشاربهم {إِلاَّ مِن} بعدما {مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي: الوحي المشتمل على بيان التوحيد من قبل الحق على ألسنة الكتب والرسل، فتركوا مقتضى الوحي، وأنكروا عليه فاختلفوا {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: عدواناً وظلماً وإعراضاً عن الحق وأهله، وما ظهر بينهم هذا إلا مراء وافتراء. {وَ} بالجملة: {لَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل، وهي إمهال انتقامهم وتأخيره {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو يوم القيامة {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} وحكم عليهم حين اختلافهم وتفرقهم إليه، فاستؤصلوا فيه بالمرة {وَإِنَّ} المختلفين المتفرقين {ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ} المنزل على أسلافهم {مِن بَعْدِهِمْ} أي: بعد انقراض أسلافهم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} أي: من الكتاب أمثال أولئك الأسلاف الضلال {مُرِيبٍ} [الشورى: 14] موقع لهم في الريب والضلال، لذلك اختلفوا معك يا أكمل الرسل وأنكروا على كتابك ودينك. ولو كان لهم علم بكتابهم ما ظهروا عليك، وما طعنوا في دينك وكتابك؛ إذ الإيمان بكتاب من كتب الله، ودين من أديانه، ورسول من رسله يوجب الإيمان بجميع الكتب والرسل بناء على الأصل الذي سمعت من التوحيد {فَلِذَلِكَ} الأصل الذي هو التوحيد الذاتي المسقط لعموم الإضافات والاختلافات {فَٱدْعُ} يا أكمل الرسل كل من تدعوه من المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام {وَٱسْتَقِمْ} أنت في نفسك على جادة التوحيد {كَمَآ أُمِرْتَ} من قِبل ربك، ومكن إقدام عزمك عليها معتدلاً حنيفاً مائلاً عن كلا طرفي الإفراط والتفريط {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي: أهوية أصاب الخلاف والاختلاف، الضالين المترددين في أودية الجهالات وأغوار الخيلات المنافية لصفاء مشرب التوحيد. {وَقُلْ} يا أكمل الرسل بعد صفاء سرك وخلاء خلدك عن الأكدار الموجبة للاختلاف: {آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي: بجميع ما أنزل لله {مِن كِتَابٍ} مبين موضح لطريق الحق وتوحيده {وَ} قل بعد ذلك أيضاً إظهاراً لدعوتك إياهم: {أُمِرْتُ} من قِبل ربي {لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} وأبين لكم طريق العدالة الإلهية بمقتضى وحي الله وإلهامه إياي، فأنا مأمور بتبليغه وتبيينه إياكم وتربيتكم وتكميلكم؛ إذ {ٱللَّهُ} المدبر لأمور عموم عباده {رَبُّنَا} الذي ربانا للإرشاد والتكميل {وَرَبُّكُمْ} أراد أن يربيكم بالهداية والرشاد، وإن لم نكن مأمورين من عنده سبحانه لإهدائكم وإرشادكم ما لنا معكم. إذ {لَنَآ أَعْمَالُنَا} أي: جزاء صالحها وفاسدها {وَلَكُمْ} أيضاً {أَعْمَالُكُمْ} كذلك؛ إذ كل منَّا ومنكم مجزي بما عمل {لاَ حُجَّةَ} أي: نزاع ولا خومة {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} بعدما بغلناكم ما أمرنا بتبليغه، وأوضحنا لكم طريق الحق، وبالجملة: {ٱللَّهُ} أي: الذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات {يَجْمَعُ بَيْنَنَا} وبينكم، إن تعلق مشيئته بجمعنا {وَ} كيف لا يجمع بيننا سبحانه {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [الشورى: 15] أي: رجوع الكل إ ليه كما هو صدوره منه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهم أنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم. { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } أي: بتأخير العذاب القاضي { إلى أجل مسمى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم. { فَلِذَلِكَ فَادْعُ } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، { وَاسْتَقِمْ } بنفسك { كَمَا أُمِرْتَ } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك. ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له. { وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: "ولا تتبع دينهم" لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا. { وَقُلْ } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته. وأما مجرد التوراة والإنجيل، وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا بالإيمان بهم. وقوله: { وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } من خير وشر { لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: {أية : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } تفسير : وإنما المراد ما ذكرنا. { اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب.

همام الصنعاني

تفسير : 2732- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: تلا قتادة: {وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ}: [الآية: 14]، قال: إياكم والفرقة فإنها هلكة.