Verse. 4287 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

فَلِذٰلِكَ فَادْعُ۝۰ۚ وَاسْتَقِمْ كَـمَاۗ اُمِرْتَ۝۰ۚ وَلَا تَتَّبِـعْ اَہْوَاۗءَہُمْ ۝۰ۭ وَقُلْ اٰمَنْتُ بِمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ مِنْ كِتٰبٍ۝۰ۚ وَاُمِرْتُ لِاَعْدِلَ بَيْنَكُمْ۝۰ۭ اَللہُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ۝۰ۭ لَنَاۗ اَعْمَالُنَا وَلَكُمْ اَعْمَالُكُمْ۝۰ۭ لَا حُجَّۃَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ۝۰ۭ اَللہُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا۝۰ۚ وَاِلَيْہِ الْمَصِيْرُ۝۱۵ۭ
Falithalika faodAAu waistaqim kama omirta wala tattabiAA ahwaahum waqul amantu bima anzala Allahu min kitabin waomirtu liaAAdila baynakum Allahu rabbuna warabbukum lana aAAmaluna walakum aAAmalukum la hujjata baynana wabaynakumu Allahu yajmaAAu baynana wailayhi almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلذلك» التوحيد «فادع» يا محمد الناس «واستقم» عليه «كما أمرت ولا تتبع أهواءهم» في تركه «وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل» أي بأن أعدل «بينكم» في الحكم «الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» فكل يجازى بعمله «لا حجة» خصومة «بيننا وبينكم» هذا قبل أن يؤمر بالجهاد «الله يجمع بيننا» في المعاد لفصل القضاء «وإليه المصير» المرجع.

15

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ} لما جاز أن يكون الشك لليهود والنصارى، أو لقريش قيل له: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} أي فتبينت شكّهم فادع إلى الله؛ أي إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به. فاللام بمعنى إلى؛ كقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } أي إليها. و «ذلك» بمعنى هذا. وقد تقدّم أول «البقرة». والمعنى فلهذا القرآن فٱدع. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فٱدع. وقيل: إن اللام على بابها؛ والمعنى: فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فٱدع واستقم. قال ابن عباس: أي إلى القرآن فادع الخلق. {وَٱسْتَقِمْ} خطاب له عليه السلام. قال قتادة: أي ٱستقم على أمر الله. وقال سفيان: أي استقم على القرآن. وقال الضحاك: ٱستقم على تبليغ الرسالة. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك. {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي أن أعدل؛ كقوله تعالى: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [غافر: 66]. وقيل: هي لام كي، أي لكي أعدل. قال ابن عباس وأبو العالية: لأسوّي بينكم في الدّين فأومن بكل كتاب وبكل رسول. وقال غيرهما: لأعدل في جميع الأحوال. وقيل: هذا العدل هو العدل في الأحكام. وقيل في التبليغ: {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} قال ابن عباس ومجاهد: الخطاب لليهود؛ أي لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نُسخت بقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 92] الآية. قال مجاهد: ومعنى «لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُـمُ» لا خصومة بيننا وبينكم. وقيل: ليس بمنسوخ، لأن البراهين قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبقَ إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدال. قال النحاس: ويجوز أن يكون معنى «لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَـكُمُ» على ذلك القول: لم يؤمر أن يحتجّ عليكم ويقاتلكم؛ ثم نسخ هذا. كما أن قائلاً لو قال من قبل أن تحوّل القبلة: لا تصلّ إلى الكعبة، ثم حوّل الناس بعد؛ لجاز أن يقال نسخ ذلك. {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يريد يوم القيامة. {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه، ويجازي كُلاًّ بما كان عليه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوّجه شيبةُ بٱبنته.

ابن كثير

تفسير : اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضاً عشرة فصول كهذه. وقوله: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} أي: فللذي أَوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة؛ كأولي العزم وغيرهم، فادع الناس إليه. وقوله عز وجل: {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله عز وجل، وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} يعني: المشركين، فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا: {وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ} أي: صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي: في الحكم كما أمرني الله، وقوله جلت عظمته: {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي: هو المعبود، لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختياراً، وأنتم وإن لم تفعلوه اختياراً، فله يسجد من في العالمين طوعاً واختياراً. وقوله تبارك وتعالى: {لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} أي: نحن برآء منكم؛ كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 41] وقوله تعالى: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} قال مجاهد: أي: لا خصومة. قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه؛ لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة. وقوله عز وجل: {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} أي: يوم القيامة؛ كقوله: {أية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [سبأ: 26] وقوله جل وعلا: {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع والمآب يوم الحساب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلِذَلِكَ } التوحيد {فَٱدْعُ } يا محمد الناس {وَٱسْتَقِمْ } عليه {كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } في تركه {وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ } أي بأن أعدل {بَيْنِكُمْ } في الحكم {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ } فكل يجازى بعمله {لاَ حُجَّةَ } خصومة بأن أَعدل {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } هذا قبل أن يؤمر بالجهاد {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } في المعاد لفصل القضاء {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَلِذَالِكَ فَادْعُ} معناه فإلى ذلك فادع، وفي المراد بذلك وجهان: أحدهما: القرآن، قاله الكلبي. الثاني: التوحيد، قاله مقاتل. وفي قوله: {فَادْعُ} وجهان: أحدهما: فاعتمد. الثاني: فاستدع. {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ...} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: واستقم على أمر الله، قاله قتادة. الثاني: على القرآن، قاله سفيان. الثالث: فاستقم على تبليغ الرسالة، قاله الضحاك. وفي قوله: {... وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُم} وجهان: أحدهما: في الأحكام. الثاني: في التبليغ. وفي قوله: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} ثلاثة أوجه: أحدها: لا خصومة بيننا وبينكم، قاله مجاهد، قال السدي: وهذه قبل السيف، وقبل أن يؤمر بالجزية. الثاني: معناه فإنكم بإظهار العداوة قد عدلتم عن طلب الحجة، قاله ابن عيسى. الثالث: معناه إنا قد أعذرنا بإقامة الحجة عليكم فلا حجة بيننا وبينكم نحتاج إلى إقامتها عليكم. وقيل إن هذه الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة وشيبة بن ربيعة وقد سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته.

ابن عطية

تفسير : اللام في قوله: {فلذلك} قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : [الزلزلة: 5] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد {فادع}، وقالت فرقة: بل هي بمعنى من أجل كأنه قال: فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا {فادع} أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به. وخوطب عليه السلام بأمر الاستقامة، وقد كان مستقيماً، بمعنى: دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: {أية : فاستقم كما أمرت} تفسير : [هود: 112] لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال عليه السلام: حديث : "شيبتني هود وأخواتها"، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: لأن فيها {فاستقم كما أمرت} [هود: 112] تفسير : وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا. وقوله تعالى: {ولا تتبع أهواءهم} يعني قريشاً فيما كانوا يهوونه من أن يعظم آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته. وقوله تعالى: {وأمرت لأعدل بينكم} قالت فرقة: اللام في {لأعدل} بمعنى: أن، التقدير: بأن أعدل بينكم. وقالت فرقة المعنى: وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر عليه. وقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة بآية السيف. وقوله: {لا حجة بيننا وبينكم} أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم تعاندون، وفي قوله تعالى: {الله يجمع بيننا} وعيد. وقوله: {والذين يحاجون في الله} قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبداً تحاول هذا المعنى وتطمع في رد الجاهلية و: {يحاجون في الله} معناه في توحيد الله، أي يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبه، والضمير في: {له} يحتمل أن يعود على {الله} تعالى، أي بعد ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و: {داحضة} معناه: زاهقة. والدحض: الزلق، وباقي الآية بيّن.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلِذَلِكَ} فللقرآن، أو التوحيد. {فَادْعُ} فاعمل، أو فاستدع {وَاسْتَقِمْ} على القرآن، أو على أمر الله، أو على تبليغ الرسالة. {لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في الأحكام، أو التبليغ {لا حُجَّةَ} لا خصومة منسوخة نزلت قبل السيف والجزية، أو معناه عدلتم بإظهار العدواة عن طلب الحجة، أو قد أعذرنا بإقامة الحجة عليكم فلا يحتاج إلى إقامة حجة عليكم. نزلت في الوليد وشيبة سألا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى دين قريش على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة، ‏{‏وأمرت لأعدل بينكم‏}‏ قال‏:‏ أمر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ان يَعْدلَ فعدل، حتى مات‏.‏ والعدل، ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل، يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل، يرد المعتدي ويوبخه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله‏:‏ ‏{‏لا حجة بيننا وبينكم‏} ‏ قال‏:‏ لا خصومة بيننا وبينكم‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏والذين يحاجون في الله‏}‏ ‏.‏ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله‏:‏ ‏ {‏والذين يُحَاجُّون في الله من بعد ما استجيب له‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الكتاب، كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله‏.‏ وقال‏:‏ هم قوم من أهل الضلالة، وكان استجيب على ضلالتهم، وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - ‏{‏والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له‏} ‏ قال‏:‏ طمع رجال بأن تعود الجاهلية‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله ‏{‏والذين يحاجون في الله‏} ‏ الآية قال‏:‏ هم اليهود والنصارى، حاجوا المسلمين في ربهم، فقالوا‏:‏ أنزل كتابنا قبل كتابتكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزل الله ‏{أية : ‏من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب‏}‏ تفسير : ‏[‏آل عمران: 6‏]‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏من بعد ما استجيب له‏} ‏ قال‏:‏ من بعد ما استجاب المسلمون لله وصلوا لله‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن - رضي الله عنه - ‏ {‏والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له‏} ‏ الآية قال‏:‏ قال أهل الكتاب لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نحن أولى بالله منكم، فأنزل الله ‏{‏والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم‏}‏ يعني أهل الكتاب‏. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ تفسير : ‏[‏النصر: 1‏]‏ قال المشركون بمكة‏:‏ لمن بين أظهرهم من المؤمنين، قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا‏؟‏ فنزلت ‏ {‏والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له‏}‏ الآية‏.

ابو السعود

تفسير : {فَلِذَلِكَ} أي فلأجل ما ذُكِرَ من التفرق والشكِّ المريبِ أو فلأجلِ أنَّه شرعَ لهم الدينَ القويمَ القديمَ الحقيقَ بأنْ ينافسَ فيهِ المتنافسونَ {فَٱدْعُ} أي الناسَ كافةً إلى إقامةِ ذلكَ الدينِ بموجبِه فإنَّ كلاً من تفرقِهم وكونِهم في شكَ مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سببٌ للدعوةِ إليهِ والأمرِ بَها، وليسَ المشارُ إليهِ ما ذُكرَ من التوصية والأمرِ بالإقامة والنَّهي عن التفرقِ حتى يُتوهمُ شائبةُ التكرارِ، وقيلَ: المشارُ إليهِ نفسُ الدينِ المشروعِ، واللامُ بمَعْنى إِلى كَما في قولِه تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [سورة الزلزلة، الآية 5] أي فإلى ذلكَ الدينِ فادعُ {وَٱسْتَقِمْ} عليه وعلى الدعوة إليه {كَمَا أُمِرْتَ} وأُوحيَ إليكَ {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الباطلةَ {وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ} أيَّ كتابٍ كان من الكتبِ المنزلةِ لا كالذينَ آمنُوا ببعضٍ منها وكفرُوا ببعضٍ، وفيه تحقيقٌ للحقِّ وبـيانٌ لاتفاق الكتبِ في الأصول وتأليفٌ لقلوب أهلِ الكتابـينِ وتعريضٌ بهم وقد مرَّ بـيانُ كيفيةِ الإيمانِ بها في خاتمةِ سورةِ البقرةِ {وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في تبليغ الشرائعِ والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام، وقيل معناه لأسوي بـيني وبـينكُم ولا آمرَكم بما لا أعملُه ولا أخالفَكم إلى ما أنهاكُم عْنهُ ولا أفرقَ بـين أكابرِكم وأصاغرِكم، واللام إمَّا على حقيقتها والمأمورُ به محذوفٌ أيْ أمِرتْ بذلكَ لأعدلَ، أو زائدةٌ أيْ أمرتُ أنْ أعدلَ والباءُ محذوفةٌ. {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي خالقُنا جميعاً ومتولِّي أمورنا {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا} لا يتخطانَا جزاؤُها ثواباً كانَ أو عقاباً {وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أيْ لا مُحاجَّةَ ولا خصومةَ لأنَّ الحقَّ قد ظهرَ ولم يبقَ للمحاجَّةِ حاجةٌ ولا للمخالفة محملٌ سوى المكابرةِ {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يومَ القيامةِ {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فيظهرُ هناكَ حالُنا وحالُكم. وهذا كما تَرَى محاجزةٌ في مواقف المجاوبةِ لا متارَكةٌ في مواطن المحاربةِ حتى يُصارَ إلى النسخ بآيةِ القتالِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}. سمعت أبا العباس البزاز يقول: قال بعض أصحابنا: حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلاَّ الأنبياء وأكابر الأولياء لأنها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الحق على حقيقة الصدق لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا" أى لن تطيقوا الاستقامة التى أمرتم بها.

القشيري

تفسير : أي أُدْعُ إلى هذا القرآن، وإلى الدين الحنيفي، واستقَمْ في الدعاء، وفي الطاعة. أَمَرَ الكُلَّ من الخَلْقِ بالاستقامة، وأفرده بذكر التزام الاستقامة. ويقال: الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة؛ أي سَلْ مني أن أقيمك، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}: أمرت بالعدل في القضية، وبأن أُعْلِمَ أنَّ اللَّهَ إلهُ الجميع، وأَنّه يحاسِب غداً كلاً بعمله، وبأن الحجةَ لله على خَلْقِه، وبأن الحاجةَ لهم إلى مولاهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} البس الله حبيبه انوار نعوته الازلية بنعت التجلى والكشوف لقلبه وعقله وروحه وسره وصورته فلما جعله كاملا من كل الوجوه قال له فاستقم كما امرت اى اسقتم بى على مرادى منك بحيث تستقيم بصفتى عند كشف حقائق ذاتى فان الكون واهله لا يستقيم فى موازاة ذرة من عين الالوهية والاستقامة فى الامر عموم فى المعرفة والمشاهدة خصوص الاستقامة فى العبويدة للاولياء والاستقامة فى مشهد الربوبية للانبياء قال بعضهم حققة الاستقامة لا يطيقها الا الانبياء واكابر الاولياء لانها الخروج من المعهودات لانها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الحق على حقيقة الصدق ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا اى لن تطيقوا الاستقامة التى امرت بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلذلك} اى فلاجل ما ذكر من التفرق والشك المريب او فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بان يتنافس فيه المتنافسون {فادع} الناس كافة الى اقامة ذلك الدين والعمل بموجبه فان كلا من تفرقهم وكونهم فى شك مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبب للدعوة اليه والامر بها وليس المشار اليه ما ذكر من التوصية والامر بالاقامة والنهى عن التفرق حتى يتوهم شائبة التكرار وفيه اشارة الى افتراق اهل الاهواء والبدع ثنتين وسبعين فرقة ودعوتهم الى صراط مستقيم السنة لابطال مذاهبهم وفى الحديث "حديث : من انتهر" تفسير : اى منع بكلام غليظ "حديث : صاحب بدعة" تفسير : سيئة مما هو عليه من سوء الاعتقاد والفحش من القول والعمل "حديث : ملأ الله قلبه امنا وايمانا ومن اهان صاحب بدعة آمنه الله يوم القيامة من الفزع الاكبر" تفسير : وهو حين الانصراف الى النار كما قال ابن السماك ان الخوف المنصرف للمتفرقين قطع نياط قلوب العارفين وقال فى البزازية روى ان ابن المبارك رؤى فى المنام فقيل له ما فعل ربك بك فقال عاتبنى واوقفنى ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع فقال انك لم تعاد عدوى فى الدين فكيف حال القاعد بعد الذكر مع القوم الظالمين {واستقم} عليه وعلى الدعوة اليه {كما امرت} واوحى اليك من عند الله تعالى والمراد الثبات والدوام عليهما لأنه كان مستقيما فى هذا المعنى وفى الحديث "حديث : شيبتنى هود واخواتها" فقيل له لم ذلك يا رسول الله فقال "لأن فيها فاستقم كما امرت" تفسير : وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته فى امر الله وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا ولن تحصوا اى لن تطيقوا الاستقامة التى امرت بها فحقيقة الاستقامة لا يطيقها الا الانبياء واكابر الاولياء لانها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الحق على حقيقة الصدق (قال الكاشفى) درتبيان آورده كه وليد مغيره بآن حضرت كفت ازدين ودعوى كه دارى رجوع كن تا من نصفى ازاموال خودبتودهم وشيبه وعده كرده كه اكر بدين بدران بازآيى دختر خود درعقد توارم اين آيت نازل شدكه بردعوت خود مقيم ودر دين وملت خودمسنقيم باش {ولا تتبع اهوآءهم} المختلفة الباطلة والضمير للمشركين وكانوا يهوون ان يعظم عليه السلام آلهتهم وغير ذلك وفى الخبر "حديث : لكل شىء آفة وآفة الدين الهوى" شعر : هواوهوس رانماند ستيز جو بيند سربجه عقل تيز تفسير : {وقل آمنت بما انزل الله من كتاب} اى كتاب كان من الكتب المنزلة لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وذلك فان كلمة ما من الفاظ العموم وفيه اشارة الى وجوب الايمان بجميع الحقائق وان اختلف مظاهرها فان كلها الهام صحيح من الله تعالى {وامرت} بذلك {لأعدل بينكم} بين شريفكم ووضيعكم فى تبليغ الشرآئع والاحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والمخاصمة الى فاللام على حقيقتها والمأمور به محذوف او زائدة والباء محذوفة اى امرت بأن اعدل واسوى بين شريفكم ووضيعكم فلا اخص البعض بامر او نهى قوله وقل آمنت الخ تعليم من الله لاستكمال القوة النظرية وقوله وامرت الخ لاستكمال القوة العملية روى أن داود عليه السلام قال ثلاث خصال من كن فيه فهو الفائز القصد فى الغنى والفقر والعدل فى الرضى والغضب والخشية فى السر والعلانية وثلاث من كن فيه اهلكته شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه واربع من اعطيهن فقد اعطى خير الدنيا والآخرة لسان ذاكر وقلب شاكر وبدن صابر وزوجة مؤمنة وفى التأويلات النجمية لأعدل بينكم اى لأسوى بين اهل الاهوآء وبين اهل السنة بترك البدعة ولزوم الكتاب والسنة ليندفع الافتراق ويكون الاجتماع {الله ربنا وربكم} اى خالقنا جميعا ومتولى امورنا لا الاصنام والهوى {لنا اعمالنا} لا يتخطانا جزآؤها ثوابا كان او عقابا {ولكم اعمالكم} لا يجاوزكم آثارها لا نستفيد بحسناتكم ولا نتضرر بسيئاتكم {لا حجة بيننا وبينكم} الحجة فى الاصل البرهان والدليل ثم يقال لا حجة بيننا وبينكم اى لا ايراد حجة بيننا ويراد به لا خصومة بيننا بناء على أن ايراد الحجة من الجانبين لازم للخصومة فيكنى بذكر اللازم عن الملزوم فالمعنى لا محاجة ولا خصومة لأن الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة وفيه اشارة الى أنه لا خصومة بالاهدآء والمعصية {الله يجمع بيننا} يوم القيامة {واليه المصير} مرجع الكل لفصل القضاء فيظهر هناك حالنا وحالكم وليس فى الآية الا ما يدل على المتاركة فى المقاولة لا مطلقا حتى لا تكون منسوخة بآية القتال يعنى هذه الآية انما تدل على المتاركة القولية لحصول الاستغناء عن المحاجة القولية معهم لأنهم قد عرفوا صدقه من الحجج وانما كفروا عنادا وبعد ما ظهر الحق وصاروا محجوبين كيف يحتاج الى المحاجة القولية فلا يبقى بعد هذا الا السيف او الاسلام وقد قوتلوا بعد ذلك فعلى العبد قبول الحق بعد ظهوره والمشى خلف النصح بعد اضاءة نوره فان المصير الى الله والدنيا دار عبور وان الحضور فى الآخرة والدنيا دار التفرق والفتور فلا بد من التهيئ للموت قال ابراهيم بن ادهم قدس سره لرجل فى الطواف اعلم انك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات اولاها تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة والثانية تغلق باب العز وتفتح باب الذل والثالثة تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد والرابعة تغلق باب النوم وتفتح باب السهر والخامسة تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر والسادسة تغلق باب الامل وتفتح باب الاستعداد للموت وانشدوا شعر : ان لله عبادا فطنا طلقوا النيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا انها ليس لحى وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الاعمال فيها سفنا تفسير : (وفى المثنوى) شعر : ملك برهم زن تو آدم وارزود تبابيابى همجو او ملك خلود اين جهان خودحبس جانهاى شماست هين رويدان سوكه صحراى شماست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلذلك فادْعُ} أي: فلأجل ذلك التفرُّق، ولما حدث بسببه من تشعُّب الكفر شعباً، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملّة الحنيفيّة القيّمة، {واستقِمْ} عليها، وعلى الدعوة إليها {كما أُمرتَ}؛ كما أمرك الله. أو: لأجل ما شرع لكم من الدين القويم القديم، الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، فادع الناس كافة إلى إقامته، والعمل بموجبه؛ فإن كلاًّ من تفرقهم وشكِّهم، سبب للدعوة إليه والأمر بها، أو: فإلى ذلك الدين المشروع فادع، واستقم عليه، وعلى الدعوة إليه، كما أُمرت وأوحي إليك. {ولا تتبع أهواءهم} الباطلة، وعقائدهم الزائغة، {وقل آمنتُ بما أنزلَ اللهُ من كتاب} أيّ كتاب كان من الكتب المنزلة، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وهم أهل الكتاب، {أية : أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} تفسير : [النساء: 151]، وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أهل الكتابين، وتعريض بهم. {وأُمرتُ لأعْدِلَ بينكم} في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ، أو: في تبليغ الشرائع والأحكام، لا أخص بعضاً دون بعض، أو: لأُسوِّي بيني وبينكم، ولا آمركم بما لا أعملُ به، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. أو: لا أفرق بين أكابركم وأصاغركم. واللام: إما على حقيقتها، أي: أمرت بذلك لأعدل، أو: زائدة، أي: أمرت أن أعدل بينكم. {اللهُ ربُّنا وربُّكم} خالقنا جميعاً، ومتولي أمورنا، كلنا عبيده، {لنا أعمالنا} لا يتخطانا ثوابها أو عقابها، {ولكم أعمالكم} لا يجاوزكم وبالها إلى غيركم، أو: لنا ديننا التوحيد، ولكم دينكم الشرك. {لا حُجةَ بيننا وبينكم} أي: لا خصومة؛ لأن الحق قد وضح، ولم يبق للمحاجّاة حاجة، ولا للفصاحة محل، سوى المكابرة. {اللهُ يجمع بيننا} يوم القيامة {وإِليه المصيرُ}؛ المرجع، فيظهر هناك حالنا وحالكم. وهذه محاججة، لا متاركة، فلا نسخ فيها. {والذين يُحاجُّون في الله}؛ يُخاصمون في دينه {من بعد ما اسْتُجيبَ له}؛ من بعد ما استجاب له الناس، ودخلوا فيه، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً...} تفسير : [البقرة: 109]، والتعبير عن ذلك بالاستجابة؛ باعتبار دعوتهم إليه، أو: من بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيّده بنصره، كيوم بدر، أو: من بعد ما استجاب له أهل الكتاب، بأن أقرُّوا بنعوته صلى الله عليه وسلم، واستفتحوا به قبل مبعثه. وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فنزلت: {والذين يُحاجون...} الآية. {حُجتُهم داحضةٌ}؛ باطلة، {عند ربهم}، وإذا كانت داحضة من حيث كونه ربّاً رؤوفاً فأحرى من حيث كونه قاهراً منتقماً. وسمّاها حُجة، وإن كانت شُبهة؛ لزعمهم أنها حُجة. {وعليهم غَضَبٌ} عظيم، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره {ولهم عذاب شديدٌ} لا يُقادر قدره. الإشارة: إذا استولت الغفلة على الناس، وتفرّقت القلوب، يجب على أهل البصيرة النافذة أن يتحركوا لوعظ الناس وتذكيرهم، ولا يلتفتون إلى أهوائهم، وما هو مشغوفون به من حظوظهم. قال تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} فتدعون الناس إلى التوحيد، وإقامة الشرائع، بامتثال الأوامر، واجتناب المناكر، ثم يدسونهم إلى حضرة الحق، إن رأوا منهم مَن هو أهله، فمَن فعل هذا كان قدره عند الله عظيماً، وجاهه كبيراً. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : والذي نفس محمد بيده؛ إن شئتم لأُقسمنّ لكم: إِنَّ أحب عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده، ويُحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة ". تفسير : ومن وظيفته أن يقول: آمنتُ بما أنزل الله من كتاب، وما بعث من نبي ووليّ، وأمُرتُ لأعدل بينكم في الوعظ، والنصيحة، وإمداد المدد، لكن يأخذ كل واحد على قدر صدقه وتعظيمه، ثم يقول: {الله ربنا وربكم}، يخص برحمته مَن يشاء، لنا أعمالنا: ما يليق بنا من عبادة القلوب، ولكم أعمالكم: ما تطيقونه من عبادة الجوارح، لا خصومة بيننا وبينكم؛ لأن قلوبنا سالمة لكم. الله يجمعُ بيننا وبينكم في الدنيا بجمع متصل، وإليه مصير الكل بالموت والفناء. والذين يُحاجون في الله، أي: يخاصمون في طريق الله، ويقولون: انقطعت التربية، حُجتهم داحضة، وعليهم غضب البُعد، ولهم عذاب الكدّ والتعب. ثم حضَّ على التمسُّك بكتابه؛ لأنه جامع لما أنزل الله من كتاب، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}.

الجنابذي

تفسير : {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} اى للدّين واقامته، او لعلىّ (ع) وولايته واللاّم بمعنى الى او للتّعليل، ويكون المعنى ادع جميع النّاس الى الشّريعة الّتى شرعتها لك لاجل الولاية فانّ الاسلام اى الشّريعة هداية الى الولاية، ولو لم يكن الولاية لم يكن للاسلام فائدة، وعن الصّادق (ع) يعنى الى ولاية امير المؤمنين (ع) {وَٱسْتَقِمْ} واعتدل وتمكّن فى الدّين {كَمَآ أُمِرْتَ} كاستقامة امرت بها وهى الاستقامة فى جميع المقامات وفيما فوق الامكان وهو حقيقة الولاية ولعدم انضمام الامّة معه (ص) ههنا لم يرد منه ما ورد فى سورة هود من قوله: "حديث : شيّبتنى سورة هود" تفسير : {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فى الدّين او فى ولاية امير المؤمنين (ع) {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} فى الامم الماضية وفى هذا الزّمان حتّى يكون تعريضاً بالايمان بكتابِ ولاية علىٍّ (ع) وتعريضاً بهم فى عدم الايمان بولاية علىٍّ (ع) {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} ومن العدالة بينكم اقامة رجل منكم اماماً لكم لرفع الخلاف بينكم بعد وفاتى واقامة عوجكم {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} فما اقول لكم من الامر والنّهى نفعه لكم وضرّه عليكم لا نفع ولا ضرّ منه علىّ حتّى تتّهمونى فى ذلك {لاَ حُجَّةَ} لا محاجّة {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} لظهور الحقّ وبرهانه وعدم الحاجة الى المحاجّة فهو بمنزلة المتاركة معهم {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} تهديدٌ لهم بمحاكمة الله بينهم {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فيحكم للمحقّ على المبطل.

الهواري

تفسير : قوله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ} أي: إلى الله {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي: على الإسلام {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} أي: الشرك {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي: لا أظلم منكم أحداً {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي: لا خصومة بيننا وبينكم، أي: في الدنيا {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} أي: يوم القيامة {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: المرجع. أي: نجتمع عنده فيجزينا ويجزيكم بها الثواب والعقاب. قوله: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} يعني المشركين يحاجون المؤمنين في الله، أي: في عبادتهم الأوثان. {مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} يعني من بعد ما استجاب له المؤمنون {حُجَّتُهُمْ} أي خصومتهم {دَاحِضَةٌ} أي ذاهبة باطلة {عِندَ رَبِّهِمْ}. وقال مجاهد: هم المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية. قال: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: في الآخرة. قوله: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ} أي: القرآن {بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} أي: العدل {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}. قال: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} أي: استهزاءً وتكذيباً لا يقرّون بها {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي: خائفون {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} أي: كائنة {أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ} أي: يكذبون بها. كقوله: (أية : وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) تفسير : [القمر:36] أي: كذّبوا الأنبياء. قال: {لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: من الحق.

اطفيش

تفسير : {فَلِذَلِكَ} اللام للتعليل متعلقة بـ {فَادْعُ} والاشارة الى التفرق أي {فَادْعُ} الناس لأجل ذلك التفرق المهلك الا الاتفاق على الملة الحنفية المشروعة فحذف الغاية أو المفعول للعلم بهما وحذف المفعول للتعميم أو اللام بمعنى الى والاشارة الى الحنفية والفاء تفيد التعليل والفاء الثانية زائدة أو رابط لجواب اما محذوفة {وَاسْتَقِمْ} على ذلك المشروع وغيره مما شرع لك أو على الدعوة اليه وهو مستقيم والمراد اما زيادة الاستقامة فانها لا تتناهى أو الدوام على الاستقامة {كَمَآ أُمِرْتَ} أي كما أمرك الله وكان قوله (استقم كما أمرت) شديد على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : شيبتني هود واخواتها" تفسير : فقيل له لم؟ فقال حديث : لان فيها {فاستقم كما أمرت} تفسير : وأمره بالاستقامة أمر لنا بالمعنى الحقيقي أى حقيقة الاستقامة الأمر جودة في الدوام عليها والزيادة فيها وايجادها من أول مرة منا أو المراد أمرنا بها {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُم} الباطلة أي هو وترك التوحيد والضمير لقريش وقيل لأهل الكتاب وقيل للكفار مطلقاً. {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ} أي بالكتب كلها لا ببعضها فقط كالكفار المتفرقين عن الصواب* {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في الحكم اذا تحاكمتم اليّ أو في تبليغ الشريعة وقال ابن عباس: ان لا أفرض عليكم سوى ما فرض الله وقيل كل ذلك {وقل آمنت} اشارة الى كمال القوة النظرية وقيل هو أمر يعم سائر أمته وقوله {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} اشارة الى كمال القوة العملية والعدل في الحكم يعم سائر أمتي واللام بمعنى الباء أي بالعدل وقيل زائدة والباء مقدرة وهذا ضعيف لانه لم يعهد حذف (ان) بعد الباء وقيل للتعليل أي أمرت بما أمرت به من الشريعة لأعدل بينكم. {اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي خالق الكل ومتولي أمره واحد يجازي كلا منا على عمله قيل ما في ذلك هنا يفهم ترك القتال منسوخ قلت يحتمل انه لا (يفهم) له فى ذلك فلا نسخ فان كلاً يجازى بعمله ولو أمر بالقتال* {لاَ حُجَّةَ} أي لا محاجة أي لا خصومة وجدال* {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} لظهور الحق ولم يبق الا العناد فلا وجه لايراد الحجج بيننا وبينكم وزعم بعض ان هذا منسوخ بآية السيف لافهامه ترك الاحتجاج والاكتفاء بالتبليغ دون السيف قلت لم يرد ذلك بل أراد مجرد الخلق الرافع للنزع فلا نزع سواء أمر بالقتال أو لم يؤمر بل يحتمل ان المراد لم يبق لذكر الحجج وجه لعدم قبولهم لها مع وضوحها بل بينكم وبينهم المسايفة* {اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يوم القيامة لفصل القضاء بيننا* {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المرجع يجمعنا وينتقم منكم لنا والجمع والصيرورة واقعان أمر بالقتال أو لم يؤمر فلا وجه للادعاء انهم يفهمان ترك القتال وان هذا الذي أفهماه منسوخ وبالجملة فالآية غير منسوخة كذا ظهر لى ثم رأيت الزمخشري نص عليه والله أعلم بسروري اذ ذاك والضمير في {بَيْنَنا} الآخر للنبي ومن معه والمشركين فلا تكرر بين الارادة المشاكلة لقوله (ربنا وربكم وأعمالنا وأعمالكم) ولم فعل ذلك في الآخرة تركا للتكرار كذا ظهر لى وربي أعلم.

اطفيش

تفسير : {فلذلكَ} الفاء عاطفة والاشارة الى الائتلاف المأمور به من النهى عن التفرق، أو الى ما أوصى به الأنبياء من التوحيد والعمل، واللام بمعنى الى متعلق بقوله تعالى: {فادعُ} وفاؤه صلة، أو فى جواب شرط، أى إذا كان التفرق موجبا للعذاب بالاستئصال، لولا ان الله عز وجل يؤخر العقاب فادع الى الائتلاف، أو اللام للتعليل، والاشارة الى العذاب متعلق بادع على وجه الشرط، أو الصلة، ومعموله الآخر محذوف، أى فادع لأجل ذلك العذاب الى الائتلاف، ولا تقل المعنى لأجل ذلك التفرق، وتشعب الكفر، ادع الى الائتلاف، إذ لا وجه له إلا على تقدير محذوف، أى لأجل إزالة ذلك التفرق، أو لقصد إزالة التفرق، وتجوز الاشارة الى الشرع المعلوم من شرع، والفاءان على ما سبق، واللام بمعنى الى، اى ادع الى ذلك الشرع، أو للتعليل أى ادع لأجل ذلك الشرع، الى الائتلاف، فحذف الى الائتلاف، ويجوز أن تكون الفاء الأولى فى جواب شرط، والثانية تأكيد لها، واللام بمعنى الى أى اذا كان الشرع ما ذكر، ووجبت الاستقامة، أو اذا كان العذاب مترتبا على التفرق، فادع الى الائتلاف المعلوم. {واسْتَقِم كَما أمِرت} دم على الاستقامة، وان اعتبرت أن هذا الأمر متوجه اليه كل ساعة لم تحتج الى التفسير بالدوام والماصدق واحد، وكذا ان فسر بلزوم والمنهاج المستقيم، والمراد استقم فى جميع الأمور، وقيل: المراد استقم اثبت على الدعاء الى الائتلاف لمناسبة ما قبله، وكما أمرت نعت لمفعول مطلق، أى استقم استقامة ثابتة كما أمرت به، وحذف الرابط المجرور فى الصلة بالحرف، وقد قيل: يجوز حذفه بلا شرط إذا ظهر المراد {ولا تَتَّبع أهْواءَهُم} لا كلها ولا بعضها،ولا هوى بعض ولا هوى كل مهما يكن من شىء هوى لهم فى الدين، فلا تتبعه. {وقُل آمنتُ بما أنزل الله مِنْ كتاب} أى كتاب من كتب الله أى ما يسمى كتابا من الله، فقد آمنت به بلا فرق بين كتاب وكتاب، ولا بين نبى ونبى، أى قل لأهل الكتاب، ولو كانت السورة مكية، أو قل لقومك لأنها كلها حق لا كأهل الكتاب، يؤمنون ببعض الأنبياء والكتب، ويكفرون ببعض كقوله تعالى: "أية : ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض"تفسير : [النساء: 150]، الى قوله تعالى:"أية : أولئك هم الكافرون حقا" تفسير : [النساء: 151] وفى معنى ذلك اعراض الجهال عن قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} تفسير : [الأحزاب: 56] وقوله تعالى: "أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا" تفسير : [النور: 27] الخ وفى الآتية اثبات أن كتب الله كلها حق، والأنبياء كذلك، وفيه تأليف قلوبهم، إذ آمن بكتبهم ورسلهم وتعريض بهم إذ لم يؤمنوا ببعض. {وأمِرت} بما أمرت {لأعدل بيْنَكم} فى تبليغ الشرائع لا آمر أحدا منكم وأترك آخر، ولا أنهى أحدا دون أحد، ولا أخبر أحدا دون أحد، شريفكم ووضيعكم سواء، أو فى الخصام إذا تخاصمتم الىَّ كذلك، أو فى ذلك كله، وفى جميع الأحوال، وهو أولى، واللام للتعليل، أو بمعنى الباء على حذف الناصب، أى بأن أعدل بينكم، وفيه أنه لم يسمع حذف أن الناصبة للفعل بعد الباء، فكذا اللام النائبة عنها، وقيل اللام زائد والباء وان مقدران، أى بأن أعدل بينكم، وفيه بعد. {الله ربنا وربُّكم} فأنتم ونحن مستوون فى الأحكام المنزلة {لنَا أعْمالنا ولَكُم أعْمالكم} لا تجازون بأعمالنا، ولا نجازى بأعمالكم خيرا أو شرا {لا حجَّةَ} لا احْتجاج {بيْنَنا وبيْنَكم} لظهور الحق، وخصامكم لنا هو مكابرة منكم، أو لا دليل يحتاج اليه بعد الأدلة الموردة عليكم، وقد استدل أهل الكتاب على أنهم أفضل لتقدم دينهم وكتبهم وأنبيائهم، وهم مخطئون، وكتبهم تكذبهم، وما فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل على العالمين محمول على عالمى زمانهم، ما لم يجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولزمهم على دعوى العموم ان يكونوا أفضل ن ابراهيم واسحاق، ولا يقولون به، والقرآن نص على أن هذه الأمة أفضل الأمم كلها، قال الله تعالى: "أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس"تفسير : [آل عمران: 110] الآية. {الله يَجْمعُ بيْنَنا} يوم القيامة {واليه المصيرُ} مصدر ميمى بمعنى الصيرورة، ليفصل بيننا وبينكم، روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه همت طائفة من بنى اسرائيل أن يردوا الناس عن الاسلام، كما قال الله عز وجل: " أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا"تفسير : [البقرة: 109] لآية فقالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل من دينكم، فنحن أولى بالله تعالى منكم، فنزل قوله تعالى: {والَّذين يحاجُّون في الله} أى يخاصمون فى دين الله الى قوله: " شديد" أو إلى "الميزان" وعن عكرمة: انه لما نزل: " أية : إذا جاء نصر الله والفتح" تفسير : [النصر: 1] قال المشركون: قد أسلم أفواجا فاخرجوا عنا أو اتركوا الاسلام، ووجه المحاجة أنهم تهكموا بقولهم: قد أسلم الناس أفواجا، وأن دعواهم تتضمن أن الاسلام مما يصح تركه {مِن بعْد ما اسْتُجيبَ له} ما مصدرية، أى من بعد استجابة الناس له، أى لله تعالى، أو لدينه، ويجوز عود الهاء الى الدعاء المعلوم من قوله تعالى: "ولذلك فادع" والاستجابة انما تكون بعد الدعاء، وكأنه قيل من بعد ما دعاهم الله أو نبيه الى دينه، واستجابوا له، وإن شئت فقدر من بعد ما استجيب لدعوته. {حجَّتُهم داحِضةٌُ عنْد ربِّهم} أى زائلة باطلة، بل لا حجة، وانما سماها لهم على زعمهم، وللتهكم بهم، والمستجيب له من أسلم فى مكة، وقد مر فى تفسير هذه السورة أو التى قبلها، أنه أسلم جماعة كثيرة بمرة واحدة، وأسلم من فى دار الصفا ومن تبعهم، حتى أن عمر رضى الله عنه أسلم، وقيل المستجيب أهل الكتاب لاقرارهم بنعوته فى كتابه، واستفتاهم به، اذا جاء على قتال أعدائهم وهم العرب الذين يؤذونهم، وهذا على أن الآية مدنية، ولا يضر أنها مكية، وأنه تعالى أخبره عنهم بذلك، أو سمعه صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك أهل مكة، وذلك صحيح، ولو لم يبلغهم والمحاجون أهل مكة، أو المستجيب الله عز وجل، والهاء له صلى الله عليه وسلم، وذلك باظهار المعجزات كاجابة دعائه عليهم بالقحط سبع سنين، وتخليص المستضعفين من أيديهم، وبيوم بدر، وهذا على أن لآية مدنية. {وعليْهم غَضبٌ} كراهة الله لهم، وكونهم ممن لم يرض عنه {ولَهُم عذابٌ شَديدٌ} فى دنياهم وأخراهم، أو الغضب لازمه فى الجملة، وهو عذاب الآخرة، والعذاب الشديد فى الدنيا، الآية شاملة بالمعنى يخاصم فى السلام عند ارادة الدخول، ويقول لجهلة: إن المرأة لا تسلم لئلا يسمع الرجال صوتها، وازداد عناداً أنه أباح لها أن لا تسلم، ولو لم يكن هناك رجل أجنبى يسمع بعد قيام الحجة أن أحكام القرآن جارية على الرجال والنساء، الا ما خصه الدليل، ومع قيام الحجة أن الصحابيات يسلمن من خارج الباب مطلقا، ولو حضر الرجال خارجا أو كانوا داخلا أجانب مع نسائهم وسلامهن من الفروض التى تؤدى مطلقا، كما يسألن على العالم إذا أردن سؤاله عن فرض، وما دون الفرض، وكما يسلمن العالم ولو عن نفل أو مباح، وكما يجبن السائل من وراء حجاب، فيسمعهن، وذلك من الجدال الباطل فى قوله تعالى: "أية : لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " تفسير : [النور: 27] ومن علم من امرأة أنها تدخل بلا سلام فليتبرأ منها.

الالوسي

تفسير : {فَلِذَلِكَ} أي إذا كان الأمر كما ذكر فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعباً {فَٱدْعُ} إلى الائتلاف والاتفاق على الملة الحنيفية القديمة {وَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي اثبت على الدعاء كما أوحي إليك، وقيل: الإشارة إلى قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم} تفسير : [الشورى: 13] وما يتصل به ونقل عن الواحدي أي ولأجل ذلك من التوصية التي شوركتَ فيها مع نوح ومن بعده ولأجل ذلك الأمر بالإقامة والنهي عن التفرق فادع، وما ذكر أولاً أولى لأن قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُواْ} شمل النبـي عليه الصلاة والسلام وأتباعه كما سمعت، ويدل عليه {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} تفسير : [الشورى: 13] فقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} الخ لا يتسبب عنه لما يظهر من التكرار وهو تفرع الأمر عن الأمر، وأما تسببه عن تفرقهم فظاهر على معنى فلما أحدثوا من التفرق وأبدعوا فاثبت أنت على الدعاء الذي أمرت به واستقم وهذا ظاهر للمتأمل. ومن الناس من جعل المشار إليه الشرع السابق ولم يدخل فيه الأمر بالإقامة لئلا يلزم التكرار أي فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون فادع، وقيل: هو الكتاب، وقيل: هو العلم المذكور في قوله تعالى: {أية : جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ} تفسير : [الشورى: 14] وقيل: هو الشك ورجح بالقرب وليس بذاك. واللام على جميع الأقوال المذكورة للتعليل، وقيل: على بعضها هي بمعنى إلى صلة الدعاء فما بعدها هو المدعو إليه، وأنت تعلم أنه لا حاجة في إرادة ذلك إلى جعلها بمعنى إلى فإن الدعاء يتعدى بها أيضاً كما في قوله:شعر : دعوت لما نابني مسوراً تفسير : ونقل ذلك عن الفراء والزجاج، وأياً ما كان فالفاء الأولى واقعة في جواب شرط مقدر كما أشرنا إليه والفاء الثانية مؤكدة للأولى، وقيل: كان الناس بعد الطوفان أمة واحدة موحدين فاختلف أبناؤهم بعد موتهم حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين، وجعل ضمير {تَفَرَّقُواْ} لأخلاف أولئك الموحدين والذين أورثوا الكتاب باق على ما تقدم والأول أظهر. وقيل: ضمير {تَفَرَّقُواْ} لأهل الكتاب تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث النبـي صلى الله عليه وسلم فهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ} تفسير : [البينة: 4] وإنما تفرقوا حسداً له عليه الصلاة والسلام لالشبهة. والمراد بالذين أورثوا الكتاب من بعدهم مشركو مكة وأحزابهم لأنهم أورثوا القرآن فالكتاب القرآن وضمير {مِنْه} له وقيل للرسول وهو خلاف الظاهر. واختار كونَ المتفرقين أهل الكتاب / اليهود والنصارى والمورثين الشاكين مشركي مكة وأحزابهم شيخُ الإسلام واستظهر أن الخطاب في {أية : أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13] لأمته صلى الله عليه وسلم، وتعقب القول بكون المتفرق كل أمة بعد نبيها والقول بكونه أخلاف الموحدين الذين كانوا بعد الطوفان فقال: يرد ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} تفسير : [الشورى: 14] فإن مشاهير الأمم المذكورة قد أصابهم عذاب الاستئصال من غير إنظار إمهال على أن مساق النظم الكريم لبيان أحوال هذه الأمة وإنما ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً لوجوب إقامته وتشديداً للزجر عن التفرق والاختلاف فيه فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم الإخلال بذلك المرام انتهى. وأجيب عن الأول بأن ضمير {بَيْنَهُمْ} لأولئك الذين تفرقوا وقد علمت أن المراد بهم المتفرقون بعد وفاة أنبيائهم وهو لم يصبهم عذاب الاستئصال وإنما أصاب الذين لم يؤمنوا في عهد أنبيائهم وإطلاق المتفرقين ليس بذاك الظهور، وقيل: المراد لقضي بينهم ريثما افترقوا ولم يمهلوا أعواماً، وقيل: المراد لقضي بينهم بإهلاك المبطلين وإثابة المحقين إثابتهم في العقبـى وهو كما ترى، وعن الثاني بأنا لا نسلم إيهام التعرض لبيان تفرق الأمم الإخلال بالمرام بعد بيان أنه لم يكن إلا بعد أن جاءهم العلم بأنه ضلال وفساد وأمر متوعد عليه وأنه كان بغياً بينهم ولم يكن لشبهة في صحة الدين. وقيل: ضمير {تَفَرَّقُواْ} [الشورى: 14] للمشركين في قوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الشورى: 13]. حكى في «البحر» عن ابن عباس أنه قال: وما تفرقوا يعني قريشاً والعلم محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبـي كما قال سبحانه: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 42] الآية. وقد يقال عليه: المراد بالذين أورثوا الكتاب أهل الكتاب الذين عاصروا النبـي صلى الله عليه وسلم، ومعنى {أية : مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الشورى: 14] على ما قال أبو حيان من بعد أسلافهم. ونقل الطبرسي عن السدي ما يدل على أن المراد من بعد أحبارهم وفسر الموصول بعوام أهل الكتاب، وقيل: ضمير {بَعْدِهِمْ} للمشركين أيضاً والبعدية رتبية كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا} تفسير : [النازعات: 30] ولا يخفى عليك أنه لا بأس بعود ضمير {تَفَرَّقُواْ} للمشركين لو وجد للذين أورثوا الكتاب توجيه يقع في حيز القبول والله تعالى الموفق. وجَعْلُ متعلق {استقم} الدعاء لا تخفى مناسبته، وجوز جعله عاماً فيكون (استقم) أمراً بالاستقامة في جميع أموره عليه الصلاة والسلام، والاستقامة أن يكون على خط مستقيم، وفسرها الراغب بلزوم المنهج المستقيم فلا حاجة إلى التأويل بالدوام على الاستقامة أي دم على الاستقامة {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} أي شيئاً من أهوائهم الباطلة على أن الإضافة للجنس {وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ} أي بجميع الكتب المنزلة لأن (ما) من أدوات العموم، وتنكير {كِتَابٌ} المبين مؤيد لذلك. وفي هذا القول تحقيق لحق وبيان لاتفاق الكتب في الأصول وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض بهم حيث لم يؤمنوا بجميعها {وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي أمرني الله تعالى بما أمرني به لأعدل بينكم في تبليغ الشرائع والأحكام فلا أخص بشيء منها شخصاً دون شخص وقيل: لأعدل بينكم في الحكم إذا تخاصمتم، وقيل: بتبليغ الشرائع وفصل الخصومة واختاره غير واحد، وقيل: لأسوي بيني وبينكم ولا آمركم بما لا أعمله ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ولا أفرق بين أصاغركم وأكابركم في إجراء حكم الله عز وجل، فاللام للتعليل والمأمور به محذوف، وقيل: اللام مزيدة أي أمرت أن أعدل ويحتاج / لتقدير الباء أي بأن أعدل، ولا يخلو عن بعد. {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي خالق الكل ومتولي أمره فليس المراد خصوص المتكلم والمخاطب {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا} لا يتخطانا جزاؤها ثواباً كان أو عقاباً {وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } لا يجاوزكم آثارها لننتفع بحسناتكم ونتضرر بسيئاتكم {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي لا احتجاج ولا خصومة لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة والعناد، وجاءت الحجة هنا على أصلها فإنها في الأصل مصدر بمعنى الاحتجاج كما ذكره الراغب وشاعت بمعنى الدليل وليس بمراد {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يوم القيامة {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فيفصل سبحانه بيننا وبينكم. وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأساً حتى تكون منسوخة بآية السيف، وادعى أبو حيان أن ما يظهر منها الموادعة المنسوخة بتلك الآية.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع على قوله: { أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } تفسير : [الشورى: 13] إلى آخره، المفسر بقوله: { أية : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } تفسير : [الشورى: 13] المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله: { أية : كبر على المشركين} تفسير : [الشورى: 13] إلى {أية : من ينيب} تفسير : [الشورى: 13]. واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكونَ الإشارة بذلك إلى المذكور، أي جميع ما تقدم من الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك، أي فلأجل جميع ما ذكر فادعُ واستقِم، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادْع. ولم يذكر مفعول (ادْع) لدلالة ما تقدم عليه، أي ادع المشركين والذين أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا. وتقديم (لذلك) على متعلقه وهو فعل (ادع) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر بالدوام على الدعوة. ويجوز أن تكون اللام في قوله: {فلذلك} لامَ التقوية وتكون مع مجرورها مفعول (ادعُ). والإشارة إلى {الدّين} من قوله: { أية : شرع لكم من الدين } تفسير : [الشورى: 13] أي فادع لذلك الدّين. وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بالدّين. وفعل الأمر في قوله: {فادع} مستعمل في الدّوام على الدّعوة كقوله: { أية : يا أيها الذّين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } تفسير : [النساء: 136]، بقرينة قوله: {كما أُمرت}، وفي هذا إبطال لشبهتهم في الجهة الثالثة المتقدمة عند قوله تعالى: { أية : كَبُر على المشركين ما تدعوهم إليه } تفسير : [الشورى: 13]. والفاء في قوله: {فادع} يجوز أن تكون مؤكدة لفاء التفريع التي قبلها، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الجزاء لما في تقديم المجرور من مشابهة معنى الشرط كما في قوله تعالى: { أية : فبذلك فليفرحوا } تفسير : [يونس: 58]. والاستقامة: الاعتدال، والسين والتاء فيها للمبالغة مثل: أجاب واستجاب. والمراد هنا الاعتدال المجازي وهو اعتدال الأمور النفسانية من التقوى ومكارم الأخلاق، وإنّما أُمر بالاستقامة، أي الدوام عليها، للإشارة إلى أن كمال الدعوة إلى الحق لا يحصل إلا إذا كان الداعي مستقيماً في نفسه. والكاف في {كما أمرت} لتشبيه معنى المماثلة، أي دعوة واستقامة مثل الذي أمرت به، أي على وفاقه، أي وافية بما أمرت به. وهذه الكاف مما يسمى كاف التعليل كقوله تعالى: { أية : واذكروه كما هداكم } تفسير : [البقرة: 198]، وليس التعليل من معاني الكاف في التحقيق ولكنه حاصلُ معنًى يعرض في استعمال الكاف إذا أريد تشبيه عاملها بمدخولها على معنى المطابقة والموافقة. والاتِّباع يطلق مجازاً على المجاراة والموافقة، وعلى المحاكاة والمماثلة في العمل، والمراد هنا كِلا الإطلاقين ليرجع النهي إلى النهي عن مخالفة الأمرين المأمور بهما في قوله {فادع واستقم}. وضمير {أهواءهم} للذين ذكروا من قبل من المشركين والذين أوتوا الكتاب، والمقصود: نهي المسلمين عن ذلك من باب { أية : لَئن أشركتَ ليحبَطَنَّ عَمَلُك } تفسير : [الزمر: 65] ألا ترى إلى قوله: { أية : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } تفسير : في سورة هود (112). ويجوز أن يكون معنى {ولاَ تتبع أهواءَهم} لا تجارِهم في معاملتهم، أي لا يحملك طعنهم في دعوتك على عدم ذكر فضائل رُسلهم وهدي كتبهم عدا ما بدَّلوه منها فأعْلِن بأنك مؤمن بكتبهم، ولذلك عطف على قوله: {ولا تتبع أهواءهم} قولُه: {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} الآية، فموقع واو العطف فيه بمنزلة موقع فاء التفريع. ويكون المعنى كقوله تعالى: { أية : ولا يَجْرِمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } تفسير : في سورة المائدة (8). والأهواء: جمع هوى وهو المحبة، وغلب على محبة ما لاَ نفع فيه، أي ادعهم إلى الحق وإن كرهوه، واستقم أنت ومن معك وإن عادَاكم أهل الكتاب فهم يحبون أن تتبعوا ملتهم، وهذا من معنى قوله: { أية : ولن ترضَى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قُل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } تفسير : [البقرة: 120]. وقوله: {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} بعد قوله: {فادع} أمرٌ بمخالفة اليهود إذ قالوا: { أية : نؤمن ببعضٍ } تفسير : [النساء: 150] يعنون التوراة، { أية : ونكفر ببعضٍ } تفسير : [النساء: 150] يعنون الإنجيل والقرآن، فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالإيمان بالكتب الثلاثة الموحى بها من الله كما قال تعالى: { أية : وتؤمنون بالكتاب كلّه } تفسير : [آل عمران: 119]. فالمعنى: وقل لمن يهمه هذا القول وهم اليهود. وإنما أمر بأن يقول ذلك إعلاناً به وإبلاغاً لأسماع اليهود، فلا يقابِل إنكارَهم حقّيَّةَ كتابه بإنكاره حقّيّةَ كتابهم وفي هذا إظهار لِما تشتمل عليه دعوته من الإنصاف. و{من كتاب} بيان لما أنزل الله، فالتنكير في {كتاب} للنوعية، أي بأي كتاب أنزله الله وليس يومئذٍ كتاب معروف غير التوراة والإنجيل والقرآن. وضمير {بينكم} خِطاب للذين أمر بأن يُوجه هذا القول إليهم وهم اليهود، أي أمرت أن أقيم بينَكم العدل بأن أدعوكم إلى الحق ولا أظلمكم لأجل عداواتكم ولكني أنفذ أمر الله فيكم ولا أنتمي إلى اليهود ولا إلى النصارى. ومعنى {بينكم} أنني أقيم العدل بينكم فلا ترون بينكم جوراً مني، فــ (بين) هنا ظرف متحد غير موزَّع فهو بمعنى وسَط الجَمع وخلالَه، بخلاف (بين) في قول القائل: قضَى بين الخصمين أو قسم المال بين العفاة. فليس المعنى: لأعدل بين فرقكم إذ لا يقتضيه السياق. وفي هذه الآية مع كونها نازلة في مكة في زمن ضعف المسلمين إعجاز بالغيب يدل على أن الرّسول صلى الله عليه وسلم سيكون له الحكم على يهود بلاد العرب مثل أهل خيبر وتيماءَ وقُريظة والنضِير وبني قَيْنُقَاع، وقد عَدَل فيهم وأقرهم على أمرهم حتى ظاهروا عليه الأحزاب كما تقدم في سورة الأحزاب. واللام في قوله: {لأعدل} لامٌ يكثر وقوعها بعد أفعال مادتَيْ الأمر والإرَادة، نحو قوله تعالى: { أية : يُريد الله ليبيّنَ لكم } تفسير : [النساء: 26]، وتقدم الكلام عليها وبعضهم يجعلها زائدة. وجملة {الله ربنا وربكم} من المأمور بأن يقوله. فهي كلها جملة مستأنفة عن جُملة {آمنت بما أنزل الله من كتاب} مقررةٌ لمضمونها لأن المقصود من جملة {الله ربنا وربكم} بِحذَافِرها هو قوله: {لا حجة بيننا وبينكم} فهي مقررة لمضمون {آمنت بما أنزل الله من كتاب}، وإنما ابتدئت بجملتي {الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} تمهيداً للغرض المقصود وهو لا حجة بيننا وبينكم، فلذلك كانت الجمل كلّها مفصولة عن جملة {آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم}. والمقصود من قوله: {الله ربنا وربكم} أننا متفقون على توحيد الله تعالى كقوله تعالى: { أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً } تفسير : [آل عمران: 64] الآية، أي فالله الشهيد علينا وعليكم إذ كذبتم كتاباً أنزل من عنده، فالخبر مستعمل في التسجيل والإلزام. وجملة {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} دعوةُ إنصاف، أي أن الله يجازي كُلاً بعمله. وهذا خبر مستعمل في التهديد والتنبيه على الخطأ. وجملة {لا حجة بيننا وبينكم} هي الغرض المقصود بعد قوله {وأُمرت لأعدل بينكم} أي أعدل بينكم ولا أخاصمكم على إنكاركم صدقي. والحجة: الدليل الذي يدلّ المسوق إليه على صدق دعوى القائم به وإنما تكون الحجة بين مختلِفين في دعوى. ونفيُ الحجة نفي جنس يجوز أن يكون كناية عن نفي المجادلة التي من شأنها وقوع الاحتجاج كناية عن عدم التصدّي لخصومتهم فيكون المعنى الامساكُ عن مجادلتهم لأن الحق ظهر وهم مكابرون فيه وهذا تعريض بأن الجدال معهم ليس بذي جدوَى. ويجوز أن يكون المنفي جنسَ الحجة المفيدةِ، بمعونة القرينة مثل: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. والمعنى: أن الاستمرار على الاحتجاج عليهم بعد ما أظهر لهم من الأدلة يكون من العبث، وهذا تعريض بأنهم مُكَابرون. وأيّاً مّا كان فليس هذا النفي مستعملاً في النهي عن التصدّي للاحتجاج عليهم فقد حاجّهم القرآن في آيات كثيرة نزلت بعدَ هذه وحاجّهم النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الرجم وقد قال الله تعالى: { أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } تفسير : [العنكبوت: 46] فالاستثناء صريح في مشروعية مجادلتهم. و(بين) المكررة في قوله: {بيننا وبينكم} ظرف موزع على جماعاتِ أو أفرادِ ضمير المتكلم المشارَكِ. وضمير المخاطبين، كما يقال: قَسم بينهم، وهذا مخالف لــ (بين) المتقدم آنفاً. والمراد بالجمع في قوله: {الله يجمع بيننا} الحشر لفصل القضاء، فيومئذٍ يتبين المحق من المبطل، وهذا كلام منصف. ولما كان مثل هذا الكلام لا يصدر إلا من الواثق بحقه كان خطابُهم به مستعملاً في المتاركة والمحاجزة، أي سأترك جدالكم ومحاجّتكم لقلة جدواها فيكم وأفوض أمري إلى الله يقضي بيننا يوم يجمعنا، فهذا تعريض بأن القضاء سيكون له عليهم. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {الله يجمع بيننا} للتقوّي، أي تحقيق وقوع هذا الجمع وإلا فإن المخاطبين وهم اليهود يثبتون البعث. و(بَين) هنا ظرف موزَّع مثلُ الذي في قوله: {لا حجة بيننا وبينكم}. وجملة {وإليه المصير} عطف على جملة {يجمع بيننا}. والتعريف في {المصير} للاستغراق، أي مصير النّاس كلّهم، فبذلك كانت الجملة تذييلاً بما فيها من العموم، أي مصيرنا ومصيركم ومصير الخلق كلهم. وهذه الجمل الأربع تقتضي المحاجزة بين المؤمنين وبين اليهود وهي محاجزة في المقاولة ومتاركة في المقاتلة في ذلك الوقت حتى أذن الله في قتالهم لما ظاهروا الأحزاب. وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخاً لهذه الآية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} تقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى {أية : وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُم} تفسير : [البقرة: 136].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فلذلك فادع: أي فإلى ذلك الدين الذي شرع الله لكم ووصى به نوحاً وأوحاه إليك يا محمد فادع عباد الله. واستقم كما أمرت: أي استقم على العمل به ولا تزغ عنه واثبت عليه كما أمرك الله. ولا تتبع أهواءهم: أي ولا تتبع أهواء المشركين وأهل الكتاب فتترك الحنيفية التي بعثت بها فإنها الحق. وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب: أي ولست كالذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وأمرت لأعدل بينكم: أي أمرني ربي أن أحكم بينكم بالعدل الذي هو خلاف الجور. الله ربنا وربكم: أي خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم وإلهنا وإلهكم. لنا أعمالنا ولكم أعمالكم: وسيجزى كل منا بعمله خيراً كان أو شراً. لا حجة بيننا وبينكم: أي ما هناك حاجة إلى المحاجة الآن بعد ظهور الحق. الله يجمع بيننا: أي يوم القيامة. والذين يحاجون في الله: أي يجادلون في دين الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم. من بعد ما استجيب له: أي بالإِيمان لظهور معجزته وهم اليهود. حجتهم داحضة: أي باطلة عند ربهم. وعليهم غضب: أي من الله ولهم عذاب شديد يوم القيامة. معنى الآيات: قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ} أي فإلى ذلك الدين الحق الذي هو الإِسلام الذي شرعه الله لكم ووصى به نوحاً وأوحاه إليك فادع جميع الناس عربهم وعجمهم فإنه دين الله الذي لا يقبل دينا سواه، ولا يكمل الإِنسان في أخلاقه ومعارفه وأدابه ولا يسعد في الدارين إلا عليه واستقم عليه كما أمرك ربك، فلا تزغ عنه ولا تعدل به غيره فإنه الصراط المستقيم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك ولا تتبع أهواء المشركين ولا أهواء أهل الكتاب. وقل في صراحة ووضوح آمنت بما أنزل الله من كتاب فلا أُومن ببعض وأكفر ببعض كما أنتم عليه معشر اليهود والنصارى، وقل لهم أمرني ربي أن أعدل بينكم في الحكم إذا تحاكمتم إليَّ، كما أني لا أفرق بينكم إذا اعتبركم على الكفر سواء فكل من لم يكن على الإِسلام الذي كان عليه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والذي عليه أنا وأصحابي اليوم فهو كافر من أهل النار. وقوله تعالى {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي أمرني أن أقول لكم هذا الله ربنا وربكم إذْ لا رب سواه فهو رب كل شيء ومليكه، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وسَيُجْزى كل منا بعمله السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها، إلا أن الكافر لا تكون له حسنة مادام قد كفر بأصل الدين فلم يؤمن بالله ولقائه، ولا بوحيه ولا برسوله وقوله {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} أي اليوم إذ ظهر الحق ولاح الصبح لذي عينين فلا داعي إلى الجدال والخصومة معكم يا أهل الكتابين من يهود ونصارى الله يجمع بيننا يوم القيامة إذ المصير في النهاية إليه لا إلى غيره وسوف يحكم بيننا فيما اختلفنا فيه فيقضى لأهل الحق بالنجاة من النار ودخول الجنة ويقضى لأهل الباطل بالنار والخلود فيها. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ} أي في دين الله النبي والمؤمنين يريدون أن يردوهم إلى باطلهم من بعد ما استجيب للرسول ودخل الناس في دين الله أفواجاً، هؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم أي باطلة، وعليهم غضب أي من ربهم ولهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة هذه الآية نزلت في يهود بالمدينة نصبوا أنفسهم خصوماً لأصحاب رسول الله يجادلونهم يريدون تشكيكهم في الإِسلام والعودة بهم إلى وثنية الجاهلية وكان هذا قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرد تعالى عليهم وأسكتهم بهذه الآية متوعداً إياهم بالغضب والعذاب الشديد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الدعوة إلى الإِسلام بين أمم العالم إذ لا نجاة للبشرية إلا بالإِسلام. 2- حرمة اتباع أهواء أهل الأهواء والسير معهم وموافقتهم في باطلهم. 3- وجوب الاستقامة على الإِسلام عقائد وعبادات وأحكام قضائية وآداب وأخلاق. 4- تعين ترك الحجاج والمخاصمة مع أهل الكتاب وكذا أهل الأهواء والبدع لأنا على الحق وهم على الباطل، فكيف نحاجهم إذ الواجب أن يسلموا وكفى.

القطان

تفسير : استقمْ: اثبتْ وثابر على دعوتك. لا حجة بيننا: لا خصومة ولا جدال. يحاجّون في الله: يخاصمون في دينه. من بعد ما استُجيب له: من بعد ما آمن الناسُ واستجابوا له. داحضة: باطلة، زائفة. الميزان: العدل. الساعة: القيامة. مشفقون: خائفون. يعلمون أنها الحق: يعلمون ان قيامة الساعة حق. يمارون: يجادلون. بعد ان امر الله تعالى بالوحدة في الدين وعدم التفرق، أمر رسوله الكريم هنا بالدعوة الى الاتّفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها.. فلأجل وحدة الدين وعدم التفرق فيه ادعُهم يا محمد الى الاتفاق والائتلاف، وثابرْ على تلك الدعوة كما أمرك الله، ولا تتّبع أهواء المشركين. وقل: آمنتُ بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، وقد أمرني الله بإقامة العدل بين الناس، فهو ربّ هذا الكون، وكلّ امرئ مسئولٌ عن عمله، لا جدال بيننا وبينكم، فقد وضَحَ الحقّ، والله يجمع بيننا للفصل والعدل، واليه المرجع والمآل. ثم بين ان الذين يخاصِمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له، حُجّتُهم باطلة، لا ينبغي النظر اليها، وعليهم غضبٌ من ربهم بسبب كفرهم، ولهم عذابٌ شديد يوم القيامة. إن الله هو الذي أنزل القرآن على نبيه محمد، كما انزل ما قبله من الكتب مشتملةً على الحق والعدل.. وما يدريك أيها النبي لعل وقت قيام الساعة قريب. الذين لا يصدّقون بمجيء الساعة يستعجلونها، وما استعجالهم هذا الا من قبيل الاستهزاء، اما الذين آمنوا بالله ورسوله وقيام الساعة فإنهم خائفون من قيامها فلا يستعجلون، ويعلمون ان ذلك حقٌّ ثابت لا ريب فيه. وما الذين يجادلون في قيام الساعة من المشركين إلا في ضلالٍ بعيد عن الحق.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنتُ} {كِتَابٍ} {أَعْمَالُنَا} {أَعْمَالُكُمْ} (15) - فَادْعُ النَّاسَ إِلَى إِقَامَةِ الدِّينِ القَوِيمِ، الذِي أَوْحَى بِهِ اللهُ إِلَى جَمِيعِ المُرْسَلِينَ أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ، الذِينَ جَاؤُوا قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى تَحْقِيقِ وَحْدَةِ الدِّينِ كَمَا أَنْزَلَهَا اللهُ، وَاثْبُتْ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَعَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دِينٍ وَشَرْعٍ كَمَا أَمَرَكُمْ، وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَاءَ المُشْرِكِينَ، الذِينَ شَكُّوا فِي الحَقِّ بِمَا ابْتَدَعُوهُ وَافْتَرَوْهُ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ، وَقُلْ: إِنَّنِي صَدَّقْتُ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مِنَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، لاَ أُكَذِّبُ بِشَيءٍ مِنْهَا، وَإِنَّ رَبِّي قَدْ أَمَرَنِي بِالعَدْلِ فِي الحُكْمِ والقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ أَحِيفُ وَلاَ أَجُورُ، وَأَمَرَنِي رَبِّي بِأَنْ أَقُولَ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ: إِنَّ اللهَ هُوَ المَعْبُودُ لاَ إِلهَ غَيْرُهُ، وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، وَنَحْنُ نُقِرُّ بِهِ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً، وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ رَبُوبِيَّتَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يضِيرُهُ بِشَيءٍ فَلَهُ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، وَنَحْنُ بَرَاءٌ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْمَلُونَ، فَنَحْنُ نُجْزَى بِأَعْمَالِنَا، وَأَنْتُمْ تُجْزَونَ بِأَعْمَالِكُمْ وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ وِزْرَ أََحَدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ وَلاَ خُصُومَةَ بَينَنَا وَبَيْنَكُمْ وَلاَ احْتِجَاجَ، فَإِنَّ الحَقَّ قَدْ وَضَحَ وَلَيْسَ لِلمحَاجَّةِ مَجَالٌ، وَاللهُ تَعَالَى سَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقْضي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ بِالحَقِّ فِيمَا كُنَّا نَخْتَلِفُ فِيهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِلَيهِ المَرْجِعُ والمآبُ فَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بَعَمَلِهِ إِنَّ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإشارة في قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ ..} [الشورى: 15] إشارة للكلام السابق، فلأنهم تفرقوا واختلفوا وكتموا الكتاب وحرفوه، ما داموا فعلوا ذلك، فقُمْ أنت بمهمة الدعوة لتصلح ما أفسد هؤلاء، وتقيم ميزان الحياة بالحق وبالعدل، وترد هؤلاء عَمَّا هم فيه. ولاحظ هنا أن التعبير يجمع بين القول والعمل {فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ..} [الشورى: 15] يعني: ليكُنْ قولك موافقاً لحركتك، كما قال في موضع آخر: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ..} تفسير : [فصلت: 30]. وسبق أنْ قلنا: إن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين، فاستقم يعني كُنْ على الجادة وعلى الطريق السَّويِّ، وقد سمَّاه القرآن (الصراطَ المستقيم) وسمَّاه (سواء السبيل) وهو الذي يُوصِّلك إلى غايتك من أقرب طريق. فكأن الحق سبحانه حينما يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك إنما يقول له: استقم، لأن استقامتك على المنهج الذي جئتَ به أدْعَى إلى القبول وإلى تصديقك والاستماع لك. ومعلومٌ أن التعليم والنصح بالعمل أجْدَى وأنفع من الكلام النظري؛ لذلك لما سأل أحد الصحابة رسول الله فقال: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال له: "حديث : قُلْ آمنتُ بالله ثم استقم ". تفسير : وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. وبعد أنْ أمره ربُّه بالاستقامة على منهج الحق نهاه عن اتباع أهواء القوم: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ..} [الشورى: 15] فالهوى سبيل الاختلاف والتفرق، ومن هذه الأهواء قولهم لرسول الله: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وفيها نزلت سورة الكافرون: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ ..} [الشورى: 15] كتاب هنا نكرة أفادتْ الشمول، يعني: آمنتُ بكل كتاب أنزله الله من قبل. وكأنها رسالة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى: لماذا آمنتم بالديانات السابقة عليكم، ولم تؤمنوا برسالة محمد، وهي ديانة كباقي الديانات، إذن: لكم سوابق في الإيمان، فلماذا وقفتم عند رسالتي وكذبتم؟ كذَّبوا لأن عندهم مسائل يجادلون بها الضعاف من المسلمين. مثلاً يقولون لهم: ديننا أقدم من دينكم، وكتابنا أقدم من كتابكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، وقرآنكم يشهد لنا، ألم يقل القرآن: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 122] فنحن إذن مُفضلون على العالمين بشهادة القرآن. والأفضلية هنا ليستْ على إطلاقها، بل هي مُقيدة بزمانهم. يعني: فضلتكم على العالمين من أهل زمانكم، وإلا كانوا أفضل من إبراهيم وإسحاق، وهم لا يقولون بذلك. وقوله تعالى: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ..} [الشورى: 15] العدل أنْ تزن بميزان غير جائر، فكل واحد منهم يأخذ حقه، وأنْ يكون الجميع أمامك سواسية، فمثلاً لا تَنْهَ واحداً وتترك الآخر، ولا تفضل أحداً على أحد في مرآك ولا في مجلسك ولا في نظرك. لذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين أصحابه يُوزِّع نظره عليهم جميعاً، فلا يهتم بواحد دون الآخر. فالجميع أمامه سواسية، ولو اهتم لواحد بعينه لظنّ أن له أفضلية أو سلطة زمنية أو قوة مركزية، أبداً كانوا جميعاً في نظره سواء، هذه كلها من عدالته صلى الله عليه وسلم بين الناس. وقوله: {ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ..} [الشورى: 15] يعني: ليس ربنا وحدنا، إنما هو ربكم أيضاً، وما دام ربنا وربكم فلا بد أن تكون التربية واحدة لنا جميعاً، وقد أنزل لكم منهجاً له زمن، وأنزل عليَّ منهجاً خاتماً. ومن كمال التربية: {لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ..} [الشورى: 15] فكلٌّ مُجازَى بعمله {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ..} [الشورى: 15] لا حجاج ولا جدال، لماذا؟ لأن الجدل معهم يوصل إلى اللدد والعناد والخصومة ولا يُوصل إلى الحق، والمعنى: أننا لن نلتقي فكُلٌّ منا له طريق. والحق سبحانه قد تناول هذه المسألة في سورة (الكافرون): {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 1-6]. إذن: لا مجالَ للجدال لأن المسألة منتهية، الآن علَّمتنا السياسة أن الدول قد تختلف فتقطع العلاقات بينها وبين بعض، ثم تضطرهم ظروف الحياة إلى إعادة العلاقات مرة أخرى وإلى التصالح، أما في مسألة الإيمان والكفر فهما نقيضان لا يمكن أبداً أن يلتقيا. لذلك لما تدقق في سورة (الكافرون) تجدها تنفي هذا الالتقاء في الحاضر الآن وفي المستقبل، اقرأ: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 1-3] أي: في الحاضر {أية : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 4-6] أي: في المستقبل. وقوله: {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [الشورى: 15] يعني: ما دُمْنا لم نجتمع على الحق في الدنيا فسوف يجمعنا الله جميعاً يوم القيامة للحساب، حيث يجازى كلاً بعمله، ويعطى كل ذي حَقٍّ حقه، وكوْنك تردُّ الأمر في الحكومة إلى عادلٍ، فهذا دليل على أنك على الحق، وكفى بالله حكماً {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [الشورى: 15] المرجع والمآب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} معناه لا خصومةَ بيننا وبينَكم.