Verse. 4288 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَالَّذِيْنَ يُحَاۗجُّوْنَ فِي اللہِ مِنْۢ بَعْدِ مَا اسْتُجِيْبَ لَہٗ حُجَّــتُہُمْ دَاحِضَۃٌ عِنْدَ رَبِّہِمْ وَعَلَيْہِمْ غَضَبٌ وَّلَہُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌ۝۱۶
Waallatheena yuhajjoona fee Allahi min baAAdi ma istujeeba lahu hujjatuhum dahidatun AAinda rabbihim waAAalayhim ghadabun walahum AAathabun shadeedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين يحاجُّون في» دين «الله» نبيه «من بعد ما استجيب له» بالإيمان لظهور معجزته وهم اليهود «حجتهم داحضة» باطلة «عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد».

16

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ} رجع إلى المشركين. {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قد توهّموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة: الذين يحاجون في الله اليهود والنصارى، ومحاجّتهم قولهم نبيّنا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم؛ وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء. وكان المشركون يقولون: {أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73] فقال الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزلّ عن موضعه. والهاء في «لَهُ» يجوز أن يكون لِلّه عز وجل؛ أي من بعد ما وحّدوا الله وشهدوا له بالوحدانية. ويجوز أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي من بعد ما استجيب لمحمد صلى الله عليه وسلم في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين. يقال: دَحَضت حجته دُحوضاً بطلت. وأدحضها الله. والإدحاض: الإزلاق. ومكان دَحْض ودَحَض أيضاً (بالتحريك) أي زَلِق. ودَحَضت رجلُه تَدْحَض دَحْضاً زَلِقت. ودَحَضت الشمس عن كبد السماء زالت. {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} يريد في الدنيا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يريد في الآخرة عذاب دائم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى متوعداً الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله؛ ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: باطلة عند الله، {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} أي: منه، {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله؛ ليصدوهم عن الهدى، وطمعوا أن تعود الجاهلية، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، وأولى بالله منكم، وقد كذبوا في ذلك. ثم قال تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه {وَٱلْمِيزَانَ} وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة، وهذه كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الحديد: 25] وقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الرحمن: 7 ــــ 9]. وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا، وقوله عز وجل: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} أي: يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ وإنما يقولون ذلك؛ تكذيباً واستبعاداً، وكفراً وعناداً، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي: خائفون وجلون من وقوعها، {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها، عاملون من أجلها. وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري، وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا محمد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: «حديث : هاؤم»تفسير : ، فقال له: متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ويحك إنها كائنة، فما أعددت لها؟» تفسير : فقال: حب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : أنت مع من أحببت»تفسير : ، فقوله في الحديث: «حديث : المرء مع من أحب» تفسير : هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها. وقوله تعالى: {أَلآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَى ٱلسَّاعَةِ} أي: يجادلون في وجودها، ويدفعون وقوعها {لَفِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ} أي: في جهل بين؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى } دين {ٱللَّهِ } نبيَّه {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ } بالإِيمان لظهور معجزاته وهم اليهود {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } باطلة {عِندَ رَبّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: في توحيد الله عز وجل. الثاني: أنهم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، قاله قتادة. {مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من بعد ما أجابه الله إلى إظهاره من المعجزات. الثاني: من بعد ما أجاب الله الرسول من المحاجة. الثالث: من بعد ما استجاب المسلمون لربهم وآمنوا بكتابه ورسوله، قاله ابن زيد. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} فيه وجهان: أحدهما: باطلة، قاله ابن عيسى. الثاني: خاسرة، قاله ابن زيد. قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: بالمعجز الدال على صحته. الثاني: بالصدق فيما أخبر به من ماض ومستقبل. {وَالْمِيزَانَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. الثاني: أنه العدل فيما أمر به ونهى عنه، قاله قتادة. الثالث: أنه الميزان الذي يوزن به، أنزله الله من السماء وعلم عباده الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس، قال قتادة: الميزان العدل. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} فلم يخبره بها، ولم يؤنث قريب لأن الساعة تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُحَآجُّونَ فِى اللَّهِ} في توحيده، أو رسوله طمعاً أن يعود إلى الجاهلية بمحاجتهم، أو هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم {مَا أسْتُجِيبَ لَهُ} من بعد ما أجابه الله إلى إظهار المعجزات على يديه، أو من بعد ما أجاب الرسول إليه من المحاجة أو من بعد ما استجاب المسلمون لربهم وآمنوا بكتابه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والذين يحاجون في الله} أي يخاصمون في دين الله قيل هم اليهود قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه خصومتهم {من بعد ما استجيب له} أي من بعد ما استجاب الناس لدين الله تعالى فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم {حجتهم داحضة} أي خصومتهم باطلة {عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} أي في الآخرة {الله الذي أنزل الكتاب بالحق} أي الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والأحكام {والميزان} أي العدل سمي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس {وما يدريك لعل الساعة قريب} أي وقت إتيانها قريب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا تكذيباً له متى تكون الساعة فأنزل الله تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} أي ظناً منهم أنها غير آتية {والذين آمنوا مشفقون} أي خائفون {منها ويعلمون أنها الحق} أي أنها آتية لا شك فيها {ألا إن الذين يمارون} أي يخاصمون {في الساعة} وقيل يشكون فيها {لفي ضلال بعيد}

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ...} الآية، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل هَمَّتْ بردِّ الناس عن الإسلام وإضلالهم، وقيل: نزلت في قريشٍ؛ لأنَّها كانت أبداً تحاول هذا المعنى، و{يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ} معناه: في دين اللَّه أو توحيدِ اللَّه، أي: يحاجُّون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبهه، والضمير في {لَهُ} يحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يعودَ على الدِّينِ والشرع، ويحتمل أنْ يعودَ على النبي ـــ عليه السلام ـــ و{دَاحِضَةٌ} معناه: زاهقة، والدَّحْضُ الزَّهقُ، وباقي الآية بَيِّن. وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} معناه: مضمناً الحق، أي: بالحق في أحكامه، وأوامره، ونواهيه، وأخباره، {وَٱلْمِيزَانَ} هنا: العدل؛ قاله ابن عباس ومجاهد، والناس، وحكى الثعلبيُّ عن مجاهد؛ أَنَّهُ قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس، قال * ع *: ولا شَكَّ أَنَّه داخل في العدل وجزء منه. وقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} وعيدٌ للمشركين، وجاء لفظ «قريب» مُذَكَّراً من حيثُ تأنيثُ السَّاعَةِ ـــ غيرُ حقيقيٍّ ـــ، وإذْ هي بمعنى الوقت. * ت *: ينبغي للمؤمن العاقل أنْ يتدبَّر هذه الآيةَ ونظائرها، ويقدِّر في نفسه أَنَّه المقصود بها: [البسيط] شعر : لاَهٍ بِدُنْيَاهُ وَالأَيَّامُ تَنْعَاهُ وَالْقَبْرُ غَايَتُهُ وَاللَّحْدُ مَأْوَاهُ يَلْهُو فَلَوْ كَانَ يَدْرِي مَا أُعِدَّ لَه إذَنْ لأَحْزَنَهُ مَا كَانَ أَلْهَاهُ تفسير : قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» قال أبو زكريَّا التَّيْمِيُّ: بينما سليمانُ بنُ عبد الملك في المسجد الحرام؛ إذ أُوتِيَ بحَجَرٍ منقوشٍ، فَطَلَبَ مَنْ يَقْرَؤُهُ، فأوتي بِوهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فإذا فيه: ابنَ آدمَ، إنك لو رأيْتَ قُرْبَ ما بَقِيَ من أَجْلِك، لَزَهِدْتَ في طول أملك؛ وَلَرَغِبْتَ في الزيادَةِ مِنْ عَمَلِك، وَلَقَصَّرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وحِيَلِكَ، وإنما يلقاك غَداً نَدَمُك؛ لو قد زَلَّتْ بك قَدَمُك، وأسلمك أَهلُكَ وَحْشَمُك، فَفَارَقَكَ الوَلَدُ والقَرِيب؛ وَرَفَضَكَ الوَالِدُ والنَّسِيب، فلا أَنْتَ إلى دُنْيَاك عائد؛ ولا في حَسَنَاتِك زَائِد، فَٱعْمَلْ ليومِ القيامهْ، قبل الحسرة والندامهْ. فبكَىٰ سليمان بكاءً شديداً، انتهى،، وباقي الآية بيِّن. ثم رَجَّى تبارك وتعالى عباده بقوله: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} و{لَطِيفٌ} هنا بمعنى رفيق مُتَحَفٍّ، والعباد هنا المؤمنون.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ} (مبتدأ، و"حجتهم") مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال. والهاء في "لَهُ" تعود على الله تعالى، أو على الرسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على "الدين" أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته "حجتهم داحِضةٌ" خصومتهم باطلة "عِنْدَ رَبِّهِمْ" قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة. قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّنات وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟!. قوله: {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} إنما ذكر "قريب" وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذف مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قرابة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} ظناً منهم أنها غير آتية {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ} خائفون {مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ} يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في "وُقُوع الساعة" لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عز وجل، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و "هو القوي" القادر على ما يشاء "العزيز" الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...} الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع "كان" إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: شعر : 4378ـ دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ تفسير : وقوله أيضاً: شعر : 4379ـ تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ تفسير : وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته ـ بضم هاء الكناية ـ وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: {أية : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ}تفسير : [الإسراء:18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ"تفسير : . واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما طالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ}، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ...} الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه ببيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ} ومعنى الهمزة في "أم" التقرير والتقريع. والضمير في "شَرَعوا" يجوز أن يكون عائداً على"الشركاء"، والضمير في "لهم" على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذين اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [إبراهيم:36]. قال المفسرون: يعني كفار مكة أي (أ) لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: "وإنَّ الظَّالِمِينَ" العامة بكسر "إن" على الاستئناف ومسلم بن جنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب "لولا"، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقُضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى}تفسير : [طه:129]. ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: {تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ} أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ "مِمَّا كَسَبُوا" من السيئات، {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأما الثاني ـ وهو أحوال أهل الثواب ـ فهو قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو "رَوْضَات"، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: "ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ" ـ بفتح الواو ـ وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و "عِنْدَ رَبِّهِمْ" يجوز أن يكون ظرفاً "لِيَشَاءُونَ". قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في "لهم" قاله الزمخشري. ثم قال: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} كقوله: "كالَّذِي خَاضُوا". وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ ـ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين ـ من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في "بشر" للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و"ذلك" مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله "كالَّذِي خَاضُوا" أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من "بَشَّر" أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: و {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ} يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على الطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. في هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست "في" صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: "مودة" بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عز وجل {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ فقالت (الأنصار): إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}تفسير : [الشعرا:109].. الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص:86] وقال: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ}تفسير : [سبأ:47].. الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحكمة، وقد قال تعالى: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة:269] ووصف الدنيا بأنها متاع قليل فقال: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ}تفسير : [النساء:77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء؟!. وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال). فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: شعر : 4380ـ وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ تفسير : يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [التوبة:71]، وقال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً"تفسير : , والآيات والأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في حق أشرف المسلمِين أولى، فقوله: {إلا المودة في القربى} تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} ثم قال: إلاَّ المَوَدَّة في القربى أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}تفسير : [الأحزاب:33]. وروى زيد بن أرقم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي"تفسير : . قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليٍّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس ـ رضي الله عنهم ـ وروى ابن عمر عن ابن بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: ارقبوا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أهل بيته. وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخُمسُ وهم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي من يكتسب طاعة {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} العامة على "نَزد" بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو ـ يَزِدْ ـ بالياء من تحت ـ أي يزِد الله. والعامة "حُسْناً" بالتنوين مصدراً على "فُعْلٍ" نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث ـ عن أبي عمرو ـ حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}: للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [الشورى:3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}. قال الزمخشري: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء الساكنين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق:18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل ـ هو الواو ـ خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: {أية : وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ}تفسير : [غافر:9]. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الإسراء:11] {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق:18]. فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله "ويُحِقُّ الحَقَّ" أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام "إنَّهُ عَلِيم" بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: لما نزلت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (فـ) إنا نشهد أنك صادق فنزل: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته ـ قال عليٌّ ـ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال يا أمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادة ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، أو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} عين قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} والتكرار خلاف الأصل. والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس ـ (رضي الله عنه) ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ"تفسير : أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: "مِنْ عِبَادِهِ" وقال بعده: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} والباقون بالخطاب إقبالاً على الناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الأنفال:24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: شعر : 4381ـ وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ تفسير : ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا أي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ}تفسير : [المطففين:3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعملوا الصالحات {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عنه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في إخوان إخوانهم: {وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. قوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ}، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عز وجل {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ}، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما)ـ: بغيهم طَلَبـ (ـهم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن جبريل عن الله عز وجل في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: "حديث : ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذَلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ ". تفسير : فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟! فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ}، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أورد الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟!. فأجاب عنه: بأن الذي يبسط له الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق:6ـ7] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمع حصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} أي المطر {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: {أية : يَقْنَطُ}تفسير : [الحجر:56] {أية : لاَ تَقْنَطُواْ}تفسير : [الزمر:53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و "ما" مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ). قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} يبسط مطره، كما قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الأعراف:57] وهو الولي الحميد. "الوَلِيُّ": الذي يتولى عباده بإحسانه "الحَميد" المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: "الولي" لأهل طاعته، "الحميد" عند خلقه.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ} أي في دينِه {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} من بعدِ ما استجابَ له الناسُ ودخلُوا فيهِ، والتعبـيرُ عن ذلكَ بالاستجابةِ باعتبار دعوتِهم إليهِ أو من بعد ما استجابَ الله لرسولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيَّده بنصره أو من بعد ما استجابَ له أهلُ الكتابِ بأنْ أقرُّوا بنبوته عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واستفتحُوا به قبلَ مبعثِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وذلكَ أنَّ اليهودَ والنَّصارى كانوا يقولونَ للمؤمنين كتابُنَا قبلَ كتابِكم ونبـيُنا قبلَ نبـيِّكُم ونحنُ خير منكُم وأولى بالحقِّ. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ} زالَّةٌ زائلةٌ باطلةٌ بلْ لا حجةَ لهم أصلاً وإنما عبَّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراةً معهم على زعمهم الباطلِ. {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} عظيمٌ لمكابرتِهم الحقَّ بعدَ ظهورِه {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يُقَادرُ قَدرُهُ. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسَ الكتابِ {بِٱلْحَقّ} ملتبساً به في أحكامه وأخبارِه أو بما يحقُّ إنزالُه من العقائدِ والأحكامِ. {وَٱلْمِيزَانَ} والشرعِ الذي يُوزنُ به الحقوقُ ويُسوَّىٰ بـينَ الناسِ، أو نفسُ العدلِ بأنْ أنزلَ الأمرَ بهِ أو آلةُ الوزنِ {وَمَا يُدْرِيكَ} أيْ أيُّ شيءٍ يجعلكَ عالماً {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ} التي يخبرُ بمجيئها الكتابُ الناطقُ بالحقِّ {قَرِيبٌ} أيْ شيءٌ قريبٌ أو قريب مجيئُها، وقيلَ: القريبُ بمعنى ذاتِ قربٍ، أو الساعةُ بمعنى البعثِ والمَعْنى أنَّها على جناحِ الإتيانِ فاتبعِ الكتابَ واعملْ بهِ وواظبْ على العدل قبل أنْ يفاجئكَ اليومُ الذي يوزنُ فيه الأعمالُ ويوفي جزاؤها. {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ، كانُوا يقولونَ متى هيَ ليتها قامتْ حَتَّى يظهرَ لنا الحقُّ أهُو الذي نحنُ عليهِ أم الذي عليهِ محمدٌ وأصحابُه {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفونَ منَها معَ اعتناءٍ بها لتوقعِ الثوابِ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} أي الكائنُ لا محالةَ {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَى ٱلسَّاعَةِ} يجادلونَ فيها، منَ المرية أو من مَرَيتُ الناقةَ إذا مسحتُ ضَرعَها بشدةٍ للحلب لأنَّ كلاً من المتجادلينِ يستخرجُ ما عند صاحبهِ بكلامٍ فيه شدَّةٌ {لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ} عن الحقِّ فإن البعثَ أشبه الغائباتِ بالمحسوسات فمن لم يهتدِ إلى تجويزِه فهُو عن الاهتداءِ إلى ما وراءَهُ أبعدُ وأبعدُ.

القشيري

تفسير : يجادلون في الله من بعد ما استُجِيبَ لدعاء محمدٍ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ على المشركين. حُجَّةُ هؤلاء الكفار داحضة عند ربهم لأنهم يحتجون بالباطل، وهم من الله مستوجِبون للعنة والعقاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين يحاجون فى الله} اى يخاصمون فى دينه نبيه وهو مبتدأ {من بعد ما استجيب له} اى من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه لظهور حجته ووضح محجته والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم اليه وفيه اشارة الى أنهم استجابوا له تعالى يوم الميثاق بقولهم بلى حين قال لهم الست بربكم ثم لما نزلوا من عالم الارواح الى عالم الاجسام نسوا الاقرار والعهد فأخذوا فى المحاجة والانكار بخلاف المؤمنين فانهم ثبتوا على التصديق والاقرار (قال الحافظ) شعر : ازدم صبح ازل تا آخر شام ابد دوستى ومهر بريك عهد ويك ميثاق بود تفسير : {حجتهم} متبدأ ثان {داحضة عند ربهم} خبر الثانى والجملة خبر الاول اى زالة زآئلة باطلة. يعنى ناجيز ونابر جاى. بل لا حجة لهم اصلا وانما عبر عن اباطيلهم بالحجة مجاراة معهم على زعمهم الباطل والمجاراة بالفارسية رفتن وباكسى جيزى واراندن {وعليهم غضب} عظيم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره {ولهم عذاب شديد} على كفرهم الشديد وضلالهم البعيد لا يعرف كنهه وهو عذاب النار. يقول الفقير وجه الغضب والعذاب ان الدين الحق وما جاء به من القرءآن سبب الرحمة والنعمة فاذا اعرضوا عنهما وجدوا عند الله الغضب والنقمة بدلهما نعوذ بالله من ذلك وهذا من نتائج احوالهم وثمرات اعمالهم شعر : ابرا كرآب زندكى بارد هركز ازشاخ بيد بر نخورى بافر ومايه روزكار مبر كزنى بور يا شكر نخورى

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى إن {الذين يحاجون في الله} أي يجادلون فى الله بنصرة مذهبهم {من بعد ما استجيب له} وقيل فى معناه قولان: احدهما - من بعد ما استجاب له الناس لظهور حجته بالمعجزات التي اقامها الله - عز وجل - والآيات التي أظهرها الله فيه، لأنهم بعد هذه الحال فى حكم المعاندين بالبغي والحسد. قال مجاهد: كانت محاجتهم بأن قولوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن أولى بالحق منكم، فلذلك قال الله تعالى {حجتهم داحضة} لأن ما ذكروه لا يمنع من صحة نبوة نبينا بأن ينسخ الله كتابهم وما شرعه النبي الذي كان قبله. والثاني - معناه من بعد ما استجيب للنبي دعاءه بالمعجزات التي اجاب الله تعالى دعاءه في إقامتها له. قال الجبائي: أجاب الله تعالى دعاءه فى كفار بدر حتى قتلهم الله بأيدي المؤمنين، وأجاب دعاءه عليهم بمكة وعلى مضر من القحط والشدائد التي نزلت بهم، وما دعا به من إنجاء الله المستضعفين من أيدي قريش فأنجاهم الله وخلصهم من ايديهم وغير ذلك مما يكثر تعداده، فقال الله تعالى {حجتهم داحضة عند ربهم} وهي شبهة، وإنما سماها حجة - على اعتقادهم - فلشبهها بالحجة أجرى عليها اسمها من غير اطلاق الصفة بها، و (داحضة) معناه باطلة {عند ربهم وعليهم غضب من الله} أي لعن واستحقاق عقاب والاخبار به عاجلا {ولهم} مع ذلك {عذاب شديد} يوم القيامة. وقوله تعالى {الله الذي أنزل الكتاب} يعني القرآن {بالحق والميزان} فقوله {بالحق} فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة: بأن الله أنزله ليكفروا به واراد منهم الضلال والعمل بالباطل. وانزل {الميزان} يعني العدل، لان الميزان إظهار التسوية من خلافها في ما للعباد اليه الحاجة في المعاملة او التفاضل ومثل الموازنة المعارضة والمقابلة والمقايسة، فالقرآن إذا قوبل بينه وبين ما يدعونه، وقويس بينهما ظهرت فضيلته، وبانت حجته، وعلمت دلالته، فلذلك وصفه بالميزان. وقال مجاهد وقتادة: الميزان - ها هنا - العدل. وقال الجبائي: انزل الله عليهم الميزان من السماء وعرفهم كيف يعملون به بالحق وكيف يزنون به. وقيل: إن الحق الذي انزل به الكتاب وصفه على عقد معتقده على ما هو به من ثقة. والحق قد يكون بمعنى حكم ومعنى امر او نهي ومعنى وعد او وعيد ومعنى دليل. وقوله {وما يدريك} يا محمد ولا غيرك {لعل الساعة قريب} إنما قال (قريب) مع تأنيث الساعة، لان تأنيثها ليس بحقيقي. وقيل: التقدير لعل مجيئها قريب. وإنما اخفى الله تعالى الساعة ووقت مجيئها عن العباد، ليكونوا على خوف ويبادروا بالتوبة، ولو عرفهم عنها لكانوا مغريين بالقبيح قبل ذلك تعويلا على التأني بالتوبة. وقوله {يستعجل بها} يعني بالساعة {الذين لا يؤمنون بها} أي لا يقرون بها ولا يصدقون لجهلهم بما عليهم فى مجيئها من استحقاق العقاب وما للمؤمنين من الثواب. وقال {والذين آمنوا} أي صدقوا بها {مشفقون منها} أي خائفون من مجيئها لعلمهم بما فيها من استحقاق العقاب والاهوال فيحذرونها {ويعلمون أنها الحق} أي ويعلمون ان مجيئها الحق الذي لا خلاف فيه. ثم قال تعالى ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفي ضلال بعيد أي يجادلون فى مجيئها على وجه الانكار لها لفي ضلال عن الصواب وعدول عن الحق بعيد. ثم قال تعالى {الله لطيف بعباده} فلطفه بعباده إيصاله المنافع اليهم من وجه يدق على كل عاقل إدراكه، وذلك فى الارزاق التي قسمها الله لعباده وصرف الافات عنهم، وإيصال السرور اليهم والملاذ، وتمكينهم بالقدرة والآلات إلى غير ذلك من ألطافه التي لا تدرك على حقيقتها ولا يوقف على كنهها لغموضها. ثم قال تعالى {يرزق من يشاء وهو القوي} يعني القادر الذي لا يعجزه شيء {العزيز} الذي لا يغالب. وقوله {من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه} قيل: معناه إنا نعطيه بالحسنة عشراً إلى ما شئنا من الزيادة {ومن كان يريد حرث الدنيا} أي من عمل الدنيا {نؤته} أي نعطيه نصيبه {منها} من الدنيا لا جميع ما يريده بل على ما تقتضيه الحكمة دون الآخرة، وشبه الطالب بعمله الآخرة بالزارع في طلب النفع لحرثه، وكذلك الطالب بعمله نفع الدنيا. ثم قال {وماله} يعني لمن يطلب الدنيا دون الآخرة {في الآخرة من نصيب} من الثواب والنعيم فى الآخرة. وقيل: إن الذي وعدهم الله به أن يؤتيهم من الدنيا إذا طلبوا حرث الدنيا هو ما جعل لهم من الغنيمة والفيء إذا قاتلوا مع المسلمين، لأنهم لا يمنعون ذلك مع إظهارهم الايمان لكن ليس لهم في الآخرة نصيب من الثواب.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ} اى يحاجّون الله فى علىٍّ (ع) بعد الموت او فى القيامة او فى عبادة الله ومعصيته بعد الموت او فى القيامة، او يحاجّون خلفاء الله والمؤمنين فى حقّ الله اى فى دينه او فى حقّيّته وثبوته او فى عبادته او فى الاشراك به او فى السّلوك اليه او فى توحيده او فى مظاهره يعنى فى نبوّتهم وخلافتهم خصوصاً فى خلافة علىٍّ (ع) او فى اعادته، وفى الجملة فى جملة صفاته الحقيقيّة او الاضافيّة وفى جملة افعاله وفى مظاهره {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} فى ندائه ونداء ملائكته للموت او فى ندائه فى القيامة للحساب، او من بعد ما استجيب له فى نداء خلفائه ودعوتهم وظهور حجّتهم وعدم بقاء الاشتباه فى حقّيّتهم، او من بعد ما استجيب للنّبىّ (ص) دعاءه على الكافرين والمشركين بقتلهم يوم بدرٍ وبقحط اهل مكّة وبنى مُضر، او من بعد ما استجيب للنّبىّ (ص) فى اعطاء المعجزات او من بعد ما استجيب لاجل النّبىّ (ص) فانّ اليهود كانوا يستفتحون بمحمّدٍ (ص) ويجابون فى استفتاحهم {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} اى باطلة {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} لكونهم ظالمين فى محاجّتهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة والرّسالة او كتاب الولاية والقرآن صورة الكلّ {بِٱلْحَقِّ} بسبب الحقّ المخلوق به او متلبّساً بالحقّ والجملة مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وتسليةٌ للرّسول فى محاجّتهم كأنّه قيل: هل لهم ان يبطلوا الكتاب او يمنعوا عليّاً (ع) عن مقامه او يبطلوا الدّين؟ - فقال تعالى: الله لا غيره هو الّذى انزل الكتاب بالحقّ فلا يأتيه البطلان {وَٱلْمِيزَانَ} قد سبق فى اوّل سورة الاعراف وفى سورة الانبيا بيانٌ اجمالىّ للوزن والميزان، ولمّا كان المراد بالكتاب النّبّوة او الرّسالة او الولاية او الكتاب التّدوينىّ الّذى هو صورة الكلّ او الاحكام الملّيّة الّتى هى ايضاً صورة الكلّ وكان كلّ منها ميزاناً لوجود العباد واعمالهم واحوالهم واخلالقهم واقوالهم عطف على الكتاب الميزان {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} فلا تحزن على عدم مؤاخذتهم، والخطاب عامّ او خاصّ بالنّبىّ (ص) وتعريض بالامّة وتهديدٌ للكفّار ومنافقى الامّة، ولجعل قريب شبيهاً بالفعيل بمعنى المفعول قد يسوّى فيه بين المذكّر والمؤنّث.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ} أي يخاصمون في دين الله النبى ومن معه قال بعضهم أراد اليهود وقال بعضهم أراد اليهود والنصارى قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى بالحق فهذه خصومتكم، قلت نبيهم موسى طلب أن يكونوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وما هذا الا لفضل نبينا على غيره من الانبياء لكن فضلاً لا يؤدي الى نقص ومن نقص كفر. قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني اسرائيل همت برد الناس عن الاسلام واضلالهم واختلافهم وقيل: فى قريش لانهم يحاولون هذا المعنى* {مِن بَعْدِ مَا} مصدرية* {اسْتُجِيبَ لُهَ} بعد استجابة الناس للنبي ودخولهم فى الاسلام وقيل بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصره بعد بدر وأظهر دين الاسلام وقيل بعد ما استجاب له أهل الكتاب وأقروا بنبوته واستفتحوا به والا ظهر عود الهاء الى الله ورجعه بعض الى الدين والشرع* {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} باطلة زائلة. {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} على الاطلاق لعنادهم* {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} فى الآخرة لكفرهم قاله القاضي.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي ٱللَّهِ} أي يخاصمون في دينه. قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم فقالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فديننا أفضل من دينكم، وفي رواية بدل فديننا الخ فنحن أولى بالله تعالى منكم، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت {أية : إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجاً فاخرجوا من بين أظهرنا أو اتركوا الإسلام، والمحاجة فيه غير ظاهرة ولعلهم مع هذا يذكرون ما فيه ذلك. {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} أي من بعدما استجاب الناس لله عز وجل أو لدينه ودخلوا فيه وأذعنوا له لظهور الحجة ووضوح المحجة. والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ} زائلة باطلة لا تقبل عنده عز وجل بل لا حجة لهم أصلاً. وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة وهي الدليل هٰهنا مجاراة معهم على زعمهم الباطل. وجوز كون ضمير {لَهُ} للرسول عليه الصلاة والسلام لكونه في حكم المذكور والمستجيب أهل الكتب واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم إقرارهم بنعوته واستفتاحهم به قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام فإذا كانوا هم المحاجين كان الكلام في قوة والذين يحاجون في دين الله من بعدما استجابوا لرسوله وأقروا بنعوته حجتهم في تكذيبه باطلة لما فيها من نفي ما أقروا به قبل وصدقه العيان. وقيل: المستجيب هو الله عز وجل وضمير {لَهُ} لرسوله عليه الصلاة والسلام، واستجابته تعالى له صلى الله عليه وسلم بإظهار المعجزات الدالة على صدقه، وإلى نحوه ذهب الجبائي حيث قال: أي من بعدما استجاب الله تعالى دعاءه في كفار بدر حتى قتلهم بأيدي المؤمنين ودعاءه على أهل مكة حتى قحطوا ودعاءه لمستضعفين حتى خلصهم الله تعالى من أيدي قريش وغير ذلك مما يطول تعداده، وبطلان حجتهم لظهور خلاف ما تقتضيه بزعمهم بذلك، وهذا ظاهر في أن هذه الآية مدنية لأن وقعة بدر بعد الهجرة وحمل {ٱسَتُجِيبَ} على الوعد خلاف الظاهر جداً، وكذا ما روي عن عكرمة، وقيل: إن حمل الاستجابة على استجابة أهل الكتاب يقتضي ذلك أيضاً إذ لم يكن بمكة أحد منهم، وقيل: لا يقتضيه لأن خبر استجابتهم وإقرارهم بنعوته صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام بمكة بلغ أهل مكة والمجادلون محمول عليهم فلا مانع من كونها مكية. {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} عظيم لمكابرتهم الحق بعد ظهوره {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يقادر قدره.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وقل آمنت بما أنزل الله } تفسير : [الشورى: 15] الخ، وهو يقتضي انتقال الكلام، فلما استوفى حظ أهل الكتاب في شأن المحاجّة معهم، رجع إلى المشركين في هذا الشأن بقوله: {والذين يحاجون في الله} الآية. وتغيير الأسلوب بالإتيان بالاسم الظاهر الموصول وكونِ صلته مادة الاحتجاج مؤذن بتغيير الغرض في المتحدث عنهم مع مناسبة ما ألحق به من قوله: { أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } تفسير : [الشورى: 18] وقوله: {أية : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله}تفسير : [الشورى: 21]، فالمقصود بــ{الذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له}: المشركون لأنهم يحاجّون في شأن الله وهو الوحدانية دون اليهود من أهل الكتاب فإنهم لا يحاجّون في تفرد الله بالإلهٰية. وعن مجاهد أنه قال: {الذين يحاجون في الله} رجال طمعوا أن تعود الجاهلية بعد ما دَخل الناس في الإسلام. ووقع في كلام ابن عباس عند الطبري: أنّهم اليهود والنصارى. فمعنى محاجتهم في الله محاجتهم في دين الله، أي إدخالهم على النّاس الشك في صحّة دين الإسلام أو في كونه أفضل من اليهودية والنصرانية. ومحاجتهم هي ما يُلبسوه به على المسلمين لإدخال الشك عليهم في اتّباع الإسلام كقول المشركين { أية : ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملَك فيكون معه نذيراً } تفسير : [الفرقان: 7] وقولهم في الأصنام { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18] وقولِهم في إنكار البعث { أية : أإِذَا مِتْنا وكنا تراباً ذلك رَجعٌ بعيدٌ } تفسير : [ق: 3] وقولهم: { أية : إنْ نتبعِ الهُدى معَك نُتَخَطَّف من أرضنا } تفسير : [القصص: 57]، وكقول أهل الكتاب: نحن الذين على دين إبراهيم، وقولهم: كتابنا أسبق من كتاب المسلمين. وإطلاق اسم الحجة على شبُهاتهم مجاراة لهم بطريق التهكم، والقرينةُ قوله {داحضة عند ربهم}. ومفعول {يحاجون} محذوف دلّ عليه قوله: {من بعد ما استجيب له}، والتقدير: يحاجون المستجيبين لله من بعد ما استجابوا له، أي استجابوا لدعوته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وحذف فاعل {استجيب} إيجازاً لأن المقصود من بعد حصول الاستجابة المعروفة. والداحضة: التي دَحَضت بفتح الحاء، يقال: دَحَضت رِجلُه تدحض (بفتح الحاء) دُحوضاً، أي زلت. استعير الدحض للبطلان بجامع عدم الثبوت كما لا تثبت القدَم في المكان الدَّحْضِ، ولم يبيَّن وجه دحضها اكتفاء بما بُيِّن في تضاعيف ما نَزل من القرآن من الأدلة على فساد تعدد الآلهة، وعلى صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم وعلى إمكان البعث، وبما ظهر للعيان من تزايد المسلمين يوماً فيوماً، وأمنهم من أن يُعتدى عليهم. والغَضب: غضب الله، وإنما نكّر للدلالة على شدته. ولم يُحْتَجْ إلى إضافته إلى اسم الجلالة أو ضميره لظهور المقصود من قوله: {حجتهم داحضة عند ربهم} فالتقدير: وعليهم غضب منه. وإنما قدم المسند على المسند إليه بقوله: {وعليهم غضب} للاهتمام بوقوع الغضب عليهم كما هو مقتضى حرف الاستعلاء المَجازي. وكذلك القول في {ولهم عذاب شديد}. ولعل المراد به عذاب السيف في الدّنيا بالقتل يوم بدر.

د. أسعد حومد

تفسير : (16) - والذِينَ يُجَادِلُونَ المُؤْمِنِينَ، الذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَلِرَسُولِهِ، حُجَّتُهُمْ زَائِفَةٌ بَاطِلَةٌ (دَاحِضَةٌ) لاَ تُقْبَلُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ لأَنَّهُمْ مَارَوْا فِى الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ، وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ جَادَلُوا المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَا اسْتَجَابُوا للهِ وَلِلرسُولِ لِيَصُدُّوهُمْ عَنِ الهُدَى، وَطَمِعُوا فِي أَنْ تَعُودَ الجَاهِلِيَّةُ). يُحَاجُّونَ - يُجَادِلُونَ وَيُخَاصِمُونَ. حُجَتُهُمْ دَاحِضَةٌ - حُجَّتُهُمْ بَاطِلَةٌ وَزَائِفَةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ ..} [الشورى: 16] أي يجادلون في دين الله، يجادلون مَنْ؟ يجادلون الذين استجابوا لدعوة الحق {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ..} [الشورى: 16] يقولون لهم: ديننا أقدم من دينكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، والقرآن يشهد لنا أننا الأفضل في العالمين، يريدون من ذلك الجدل أنْ يردوهم عن إيمانهم. هؤلاء {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [الشورى: 16] يعني: حجة باطلة لا تُقبل عند الله تعالى، ولا يصح أنْ يُلتفت إليها أبداً {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ..} [الشورى: 16] أي: غضب من الله، لماذا؟ لأنهم لم يكتفوا بأنهم كافرون في أنفسهم، إنما أرادوا أنْ يأخذوا غيرهم إلى الكفر، وبذلك يحملون أوزارهم وأوزار مَنْ أضلوهم، فاستحقُّوا هذا المصير، وهو غضب الله عليهم، والغضب هو أول مراحل العذاب. لذلك في حديث قدسي بيَّن الحق سبحانه حال جماعة غضب الله عليهم، ثم أمر بالحجاب عنهم، ثم لعنهم ثم طردهم من رحمته تعالى، ولتوضيح هذه المسألة نقول - ولله المثل الأعلى - مثل رجل عنده شركة فيها موظفون وفيها عمال، فواحد منهم ارتكب خطأ أغضب صاحب الشركة فتغيَّر قلبه من ناحيته لكن تركه في عمله ثم ارتكب خطأ آخر، فقال له: ابتعد عني لا تجعلني أرى وجهك وكأنه ضرب بينه وبينه حجاباً حتى لا يراه، ثم في المرحلة الأخيرة قال: هذا الموظف لا بدَّ أنْ يُطرد من العمل. كذلك الحق سبحانه غضب على هؤلاء، ثم ضُرب دونهم حجابٌ ثم لعنهم ثم طردهم من رحمته تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] أي: في الآخرة.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعد وضوح محجة الحق ومنهج اليقين {ٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ} يجادلون ويخاصمون، متشبثين بأذيال الجدال والمغالطات الواهية الزائفة {فِي} توحيد {ٱللَّهِ} سيما {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} أي: قَبِله العقل والنقل والكشف الصريح والذوق الصحيح {حُجَّتُهُمْ} التي تمسكوا بها {دَاحِضَةٌ} زائلة باطلة {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي رباهم لمصلحة المعرفة والتوحيد {وَعَلَيْهِمْ} بسبب عنادهم وجدالهم بالحق الصريح {غَضَبٌ} نازل من الله {وَلَهُمْ} في النشأة الأخرى {عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] لا عذاب أشد منه وأفزع. فكيف يحاجون أولئك المعاندون في توحيده سبحانه مع أنه هو {ٱللَّهُ} المدبر المصلح لأمور عباده {ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ} لإصلاحهم {ٱلْكِتَابَ} أي: جنس الكتب النازلة من عنده لتبيين مناهج توحيده ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} الصريح المعرى عن الباطل الزاهق الزائل مطلقاً {وَ} أنزل على طبق الكتاب {ٱلْمِيزَانَ} أي: جنس الشرائع والأديا التي توزن بها أعمال الأنام وإخلاصهم فيها، وثباتهم على جادة التوحيد والإسلام، فعليك يا أكمل الرسل وعلى من تبعك امتثال عموم ما أمر ونهى من أحكام كتابك، وأن تزن أنت ومن معك أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم بميزان الشرع القديم والدين المستقيم {وَ} بالجملة: {مَا يُدْرِيكَ} أيها المجبول على الدراية والشعور {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة التي تعذرت دونها التدارك والتلافي {قَرِيبٌ} [الشورى: 17] إتيانها وقيامها، وعند قيامها تتندمون وما ينفعكم الندم. {يَسْتَعْجِلُ بِهَا} وبقيامها استهزاءً وتهكماً {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يصدقون {بِهَا} عناداً ومكابرة، ويزعمون ألاَّ يلحقهم ما يوعدون فيها من العذاب الروحاني والجسماني {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بها وبما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة، هم {مُشْفِقُونَ} خائفون {مِنْهَا} ومن إلمامها بغتة قبل تهيئة الإعداد والزاد {وَ} ذلك؛ لأنهم {يَعْلَمُونَ} يقيناً {أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} المحقق إتيانه وقيامها بلا ريب ومرية {أَلاَ} أي: تنبهوا أيها المؤمنون بكمال قدرة الله ووفور حكمته {إِنَّ} المسرفين المكابرين {ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ} ويشكن {فَي} قيام {ٱلسَّاعَةِ} الموعود قيامها من قبل الحق مراء ومجادلة {لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [الشورى: 18] بمراحل عن الهداية الموصلة إلى مقر التوحيد. إذ هم محجوبون بالأغشية الكثيفة الإمكانية، والأغطية الغليظة الهيولانية، مع أنه {ٱللَّهُ} المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان، المقدس أسماؤه وصفاته عن وصمة العيب والنقصان {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} الخُلَّص {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} منهم بالرزق المعنوي، الموصل إلى مبدئهم ومعادهم ترحماً وتلطفاً معهم {وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْقَوِيُّ} القادر المقتدر على عموم مقدوراته الصادرة منه بمقضتى حكمته {ٱلْعَزِيزُ} [الشورى: 19] الغالب على مطلق مراداته الجارية منه حسب اختياره.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} [الشورى: 16] يشير إلى الذين يجادلون في معرفة الله بشبه المعقول مع صاحب المعرفة الذي استجيب له بالوصول إلى الحضرة، فحجتهم من بعد استجابته صعبة باطلة {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16]؛ لأنهم يحجبون بالباطل، فهم مستوجبون اللعنة والطرد والإبعاد. ثم أخبر عن إنزال القرآن والميزان بقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} [الشورى: 17] يشير إلى كتاب الإيمان الذي كتب الله في القلوب، وميزان العقل الذي يوزن به أحكام الشرع، والخير والشر، والحسن والقبح، فإنهما قرينان متلازمان لابد لأحدهما من الآخر، وسماها البصيرة فقال: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الأنعام: 104] فمن صبر فلنفسه ومن عمى فعليها، ففي انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، كما قال تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171] فنفي العقل والبصيرة بانتفاء الإيمان. وبقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] يشير إلى زجرهم عن طول الأمل وينبئهم على انتظار الأجل وهجومه، {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشورى: 18] إنكاراً وجحوداً واستهزاءاً وتكذيباً بها، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الشورى: 18] بالغيب {مُشْفِقُونَ مِنْهَا} [الشورى: 18] من أحكام الآخرة، ويكلون أمرهم إلى الله فلا يتمنون الموت حذار الابتلاء، ولكن إذا أراد الموت لم يكرهوه {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} [الشورى: 18] فيستعدون له {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [الشورى: 18]؛ أي: ضلالة بعيدة لأنه أزلي، {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19] فلطفه من وجهين: أحدهما لطف الفطرة التي فطر الناس عليها في أحسن تقويم مستعداً لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، ولطف الجذبة للوصلة، وأيضاً لطيف بعباده بأن جعلهم عباده لا عباد الدنيا ولا عهباد النفس والهوى والشيطان، {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 19] بلطفه الوصول والوصال، {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ} [الشورى: 19] في إيصال العباد إلى الحضرة، {ٱلْعَزِيزُ} [الشورى: 19]، بأنهم {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255] وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه في الإحسان بالأمور الدينية، خاطب العابدين بقوله: {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19]؛ أي: بعمل غوامض أحوالكم من وفيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا بأحوالهم وأعمالهم، وخاطب العصاة بقوله: {لَطِيفٌ} لئلا ييأسوا من إحسانه، وخاطب الفقراء بقوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 19]؛ أي: أنه يحسن بكم، وخاطب الأغنياء بقوله: {لَطِيفٌ}؛ ليعلموا أنه يعلم دقائق معاملاتهم في جمع المال من غير وجهة بنوع تأويل، ومن لطفه بعباده: أنه جعلهم مظهر صفات لطفه، أنه عرفهم أنه لطيف ولولا لطفه ما عرفوه، أنه زين أسرارهم بأنوار العرفان وكاشفهم بالعين والعيان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا تقرير لقوله: لا حجة بيننا وبينكم، فأخبر هنا أن { الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ } بالحجج الباطلة، والشبه المتناقضة { مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ } أي: من بعد ما استجاب للّه أولو الألباب والعقول، لما بين لهم من الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة، فهؤلاء المجادلون للحق من بعد ما تبين { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي: باطلة مدفوعة { عِنْدَ رَبِّهِمْ } لأنها مشتملة على رد الحق وكل ما خالف الحق، فهو باطل. { وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } لعصيانهم وإعراضهم عن حجج اللّه وبيناته وتكذيبها. { وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } هو أثر غضب اللّه عليهم، فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل.

همام الصنعاني

تفسير : 2733- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ}: [الآية: 16]، قال: هُمُ اليهُودُ والنصارى، قالوا: كتابُنا قَبْلَ كتابِكُمْ ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منْكُمْ.