٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة. {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق. {وَٱلْمِيزَانَ} أي العدل؛ قاله ابن عباس وأكثر المفسرين. والعدل يسمى ميزاناً؛ لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل. وقيل: الميزان ما بيّن في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به. وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه. وهذه الأقوال متقاربة المعنى. وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به، أنزله من السماء وعلّم العباد الوزن به؛ لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس؛ قال الله تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الحديد: 25]. قال مجاهد: وهو الذي يوزن به. ومعنى أنزل الميزان هو إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا (به). وقيل: الميزان محمد صلى الله عليه وسلم، يقضي بينكم بكتاب الله. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} فلم يخبره بها. يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسويّة، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجىء اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال، فيوفّى لمن أوفى ويطفّف لمن طفف. فـ «لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» أي منك وأنت لا تدري. وقال: «قَرِيبٌ» ولم يقل قريبة؛ لأن تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت؛ قاله الزجاج. والمعنى: لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي: «قَرِيبٌ» نعت يُنعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنًى ولفظٍ واحد؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56]. قال الشاعر:شعر : وكنا قريباً والديار بعيدة فلما وصلنا نُصْب أعينهم غبنا
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {بِٱلْحَقِّ } متعلق بأنزل {وَٱلْمِيزَانَ } العدل {وَمَا يُدْرِيكَ } يعلمك {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ } أي إتيانها {قَرِيبٌ } ولعل معلق للفعل عن العمل، وما بعده سدّ مسدّ المفعولين.
ابن عطية
تفسير : لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس. و: {الكتاب} هنا اسم جنس يعم جميع الكتب المنزلة. وقوله: {بالحق} يحتمل أن يكون المعنى بأن كان ذلك حقاً واجباً للمصلحة والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمناً الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره. و {الميزان} هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس. وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس. قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء. وقوله: {وما يدريك، لعل الساعة قريب} وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم وجاء لفظ: {قريب} مذكراً من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت. ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل مقيم لحجته على تكذيبه بذلك المستعجل به. ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة لنفس السامع، ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله: {الله لطيف بعباده}، و: {لطيف} هنا بمعنى: رفيق متحف، والعباد هنا: المؤمنون ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو إملاء واستدراج. وقال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما جحدوه، وقيل: {لطيف} معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب. وقيل هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله. وقوله: {من كان يريد} معناه: إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر نفسه. والحرث في هذه الآية: عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. ولما كان حرث الأرض أصلاً من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن عمر: احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. وقوله تعالى: {نزد في حرثه} وعد منتجز. وقوله في: {حرث الدنيا نؤته منها} معناه: ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة. وقرأ سلام: "نؤتهُ" برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم: {أية : فخسفنا به وبداره الأرض} تفسير : [القصص: 81] برفع الهاء فيهما.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} بالمعجز الدال على صحته، أو بالصدق فيما أخبر به من ماضٍ ومستقبل {وَالْمِيزَانَ} العدل فيما أمر به ونهى عنه، أو جزاء الطاعة والمعصية، أو الميزان حقيقة نزل من السماء لئلا يتظالم الناس {قَرِيبٌ} ذُكِّر لأن الساعة بمعنى الوقت.
البقاعي
تفسير : ولما جزم سبحانه بما توعدهم بعد بعد أن حكم على حجتهم بالدحوض، وكان لا يجزم بالشيء إلا من كان نافذ الأمر محيط الحكم، نبه على أنه كذلك، مبيناً ما به يعرف ثبات الحجج ودحوضها المستلزم للغضب من الله المستعقب للعذاب، بقوله لافتاً القول إلى الاسم الأعظم تنبيهاً على عظمة المخبر عنه: {الله} أي الذي له جميع الملك {الذي} وأشار بالتعبير بالإنزال إلى أن المراد جملة الكتاب الذي لا مطعن في شيء منه فقال: {أنزل الكتاب} أي أوجد إنزاله هو لا غيره {بالحق} أي متلبساً على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل وبسبب العمل الحق العام للأقوال والأفعال والعقائد لتعرف الحجج الثابتة من غيرها. ولما كان الكتاب آمراً بالعدل قالاً وحالاً، وكان من محسوسات أوامره التقدير بالمقادير الضابطة، قال مخصصاً معبراً بأقومها إشارة إلى أن الكتاب أعدل عدالة عند العقل وأبين من الميزان للحس: {والميزان} أي الأمر به مريداً به عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في "لا عدل بينكم" مجازاً. ولما ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب في الساعة فكان معذباً، وكان التقدير بما هدى إليه السياق تسلية له صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي في إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله وأفعاله وصبره على أذاهم: فمن فزع إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في الأعيان فبنى أمره على تحقق العدل فيهما بهما فاز، ومن أهمل ذلك خاب, فدحضت حجته, وسقطت عند ربع منزلته, وما يدريك لعل من جار يعاجل في الدنيا بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة بتأخيره إليه قد حضر، عطف عليه قوله موجهاً الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيماً للأمر: {وما يدريك} يا أكمل الخلق {لعل الساعة} التي أشير إليها في هذه الآية بقوله {عند ربهم} بعد أن صرح بها في غير آية. ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها بمعنى الوقت، ذكرها فقال: {قريب *} فأفهم ذلك أنها ذات الشدائد وأن شدائدها ذكور الشدائد وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق، أو ذكرها على إرادة السبب أي ذات قرب، أو على حذف مضافة أي مجيئها، وعلى كل حال فهو دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة، فيقع بهم ما توعدوا به مما ينبغي الإشفاق منه، فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع الأعمال ظهوراً لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى، ويخزي من جار وجفا. ولما تصور بهذا قربها مشاراً بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال المترجي لشيء محبوب وهو جهل منه عظيم، شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال مشيراً إلى أنه ينبغي للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور دلائلها من غير بحث عن قربها أو بعدها، فإنه لا بد من كونها {يستعجل بها} أي يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها {الذين لا يؤمنون بها} أي لا يتجدد لهم ذلك أصلاً وهم غير مشفقين منها ويظنون أنها الباطل، وكان الحال يقتضي أن يكونوا أنفر الناس منها لكن حملهم على ذلك تكذيبهم بها واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلاً ممن هم معترفون بقدرته وعلوه وعظمته. ولما دل على جهل الكافرين، دل على أضدادهم فقال: {والذين آمنوا} وإن كانوا في أول درجات الإيمان {مشفقون} أي خائفون خوفاً عظيماً {منها} لأن الله هداهم بإيمانهم، فصارت صدورهم معادن المعارف، وقلوبهم منابع الأنوار، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار، فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار. ولما قدم الإشفاق تنبيهاً على أن العاقل ينبغي أن يخشى ما يمكن وقوعه، قال: {ويعلمون أنها الحق} إعلاماً بأنهم على بصيرة من أمرها، فهم لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاستعجال أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، والإشفاق ثانيا دليلاً عل حذف ضده أولاً. قال ابن كثير: وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه: يا محمد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من صوته "هاؤم" فقال: متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه: "ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟" فقال: حب الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت"تفسير : . قال ابن كثير: فقوله في الحديث "حديث : المرء مع من أحب"تفسير : متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها - انتهى، وهو مشروط بالبراءة من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب الولي نفعاً تاماً بدون البراءة من العدو. ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة كاملاً لا انقضاء له أصلاً ولا زوال لآثارها، أنتج قوله مؤكداً معظماً في مقابلة إنكارهم: {ألا إن الذين يمارون} أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة الشديدة طلباً لظهور شك غيرهم من: مريت الناقة - إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لتستخرج ما عساه يكون فيها من اللبن {في الساعة} أي القيامة وما تحتوي عليه {لفي ضلال} أي ذهاب جائر عن الحق {بعيد *} جداً عن الصواب، فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن أمن المؤمنين في أزعج خوف، وكان هذا عين اللطف، فأنه الوصول إلى الشيء بضده، ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه، وكان أكثر ما يبطئ بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق، أنتج ذلك قوله: {الله} أي الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد {لطيف} أي بالغ في العالم وإيقاع الإحسان بإيصال المنافع، وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه، قال القشيري: اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته سبحانه صحيح، وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية، وقال الرازي في اللوامع: هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي {بعباده} - انتهى. أما بالمؤمن فواضح، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى، فالاسم الأول تخويف والثاني ترجية ظاهرة باطنها تخويف، إشارة إلى ما ينبغي من الخوف والرجاء، وأن يكون الخوف أغلب. ولما كان أظهر ما يكون هذا الوصف في الرزق، فإنه يوسع على من لا حيلة له، ويحرم من هو في غاية القوة والقدرة، ويرفع الضعيف الجبان ويخفض القوي الشجاع، وكل ذلك على حسب ما يعلم من بواطنهم ويزيد من أعمالهم، قال دالاً على ذلك استئنافاً لمن سأل عن كيفية اللطف: {يرزق من يشاء} مهما شاء على سبيل من السعة أو الضيق أو التوسط لا مانع له من شيء من ذلك، ويمنع الرزق عمن يشاء إذا علم فراغ أجله فيتوفاه إليه فأجهدوا أنفسكم في طلب مرضاته، ولا تلتفتوا إلى الخوف من الحاجة فإنه قد فرغ من تقدير الرزق ونهى عن المبالغة في طلبه. ولما كان ذلك لا يستطيعه أحد سواه لما يحتاج إليه من القوة الكاملة والعزة الشاملة قال: {وهو القوي} أي فلا يضيق عطاؤه بشيء {العزيز *} فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء. ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده، أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن، ويرغب في رزق الروح فقال على سبيل الاستئناف جواباً لمن يسأل: هل يكون الرزق بشدة السعي أو لا، وبدأ برزق الروح لشرفه: {من كان} أي من شريف أو دنيء {يريد} ولما كان مدار مقصد السورة على الدين، وكان الدين معاملة بين العبد وربه يقصد به ما يقصد بالحرث من حصول الفائدة، وكان الحرث من أجل أسباب المكاسب، وكانت الجنة قيعاناً غراسها ذكر الله، عبر عن مطلق الكسب بالحرث فقال: {حرث الآخرة} أي أعمالها التي تستنمي بها الفوائد. ولما كانت أسباب الحروث وثمراتها لا يقدر على تعطيلها وإنجاحها إلا الله، وكان الآدمي يظن لنفسه في ذلك قدرة، نبه سبحانه بالالتفات إلى أسلوب العظمة أن أمره سبحانه في ذلك لا يستطاع دفاعه ولا ممانعته ونزاعه: {نزد له} أي بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها {في حرثه} بأن يعينه على الأعمال الصالحة بإنارة القلب وتصفية الحال وتهدئة السر ونفوذ البصر فيما يضر وينفع ويضاعف له ثوابها من العشر لكل حسنة إلى ما لا نهاية له ويغطيه، من الدنيا التي أعرض عنها ما قدر له إعانة له على ما أقبل عليه من الآخرة، وطوى ذكر الدنيا في هذا الشق تنبيهاً على أنها أحقر من أن تذكر مع أنه معلوم من آيات أخر {ومن كان} أي من قوي أو ضعيف {يريد حرث الدنيا} أي أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي ويستنمي به مكتفياً به مؤثراً له على الآخرة {نؤته منها} ما قسمناه له، ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه، ولا ينال كل ما يتمناه ولو جهد كل الجهد، وأما الآخرة فكل ما نواه طالبها من أعمالها حصل له وإن لم يعمله {وما} أي والحال أن طالب الدنيا ما {له في الآخرة من نصيب *} أصلاً، روى أبيّ بن كعب رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" تفسير : رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - والبيهقي، وذلك لأن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وهذا تهاون بها فلم ينوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله، وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، قال الرازي في اللوامع: أهل الإرادة على أصناف: مريد للدنيا ومريد للآخرة ومريد للحق جل وعلا، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدعاء مقصورة على الدنيا، وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك، وأما علامة إرادة الله سبحانه وتعالى كما قال {ويريدون وجهه} طرح الكونين والحرية عن الخلق والخلاص من يد النفس - انتهى، وحاصله أن يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار، بل امتثالاً لأمر الملك الأعلى الذي لا إله غيره لأنه أهل لذلك مع اعترافه لأنه لن يقدر الله حق قدره.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} قال: العدل. وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان واقفاً بعرفة، فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب، فبكى واشتد بكاؤه، وتلا قول الله تعالى {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} إلى {العزيز} فقيل له فقال: ذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بمكاني هذا، فقال:"حديث : أيها الناس لم يبق من دنياكم هذه فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قد كان الرجل منا يدخل الخلاء، فيحمل الاداوة من الماء، فإذا خرج توضأ خشية من أن تقوم الساعة، وأن يكون عنده الفضلة من الطعام، فيقول لا آكلها حتى تقوم الساعة. وأخرج أحمد وهناد بن السري والطبراني وابن مردويه والضياء، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين ".
القشيري
تفسير : أَنزلَ الكتابَ، وأنزل الحُكْمَ بالميزان أي بالحق. ويقال ألهمهم وزنَ الأشياء بالميزان، ومراعاةَ العدل في الأحوال. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}: يزجرهم عن طول الأمل، وينبههم إلى انتظار هجوم الأجَل.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله الذى انزل الكتاب} اى جنس الكتاب حال كونه ملتبسا {بالحق} فى احكامه واخباره بعيدا من الباطل او بما يحق انزاله من العقائد والاحكام {والميزان} اى وانزل الميزان اى الشرع الذى يوزن به الحقوق ويسوى بين الناس على ان يكون لفظ الميزان مستعارا للشرع تشبيها له بالميزان العرفى من حيث يوزن به الحقوق الواجبة الادآء سوآء كان من حقوق الله او من حقوق العباد او انزل نفس العدل والتسوية بان انزل الامر به فى الكتب الالهية فيكون تسمية العدل بالميزان تسمية المسمى باسم آلته فان الميزان آلة العدل او انزل آلة الوزن والوزن معرفة قدر الشىء. يعنى منزل كردانيد ترازورا كه موزونات رابان سنجدتادر باره خزنده وفروشنده ستم نرود. فيكون المراد بالميزان معناه الاصلى وانزاله اما حقيقة لما روى أن جبرائيل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه الى نوح عليه السلام فقال له مر قومك يزنوا به وقيل نزل آدم عليه السلام بجميع آلات الصنائع واما مجاز عن انزال الامر به واستعماله فى الايفاء والاستيفاء. ودرعين المعانى آورده كه مراد از ميزان حضرت بهتر كائنات محمد است صلى الله تعالى عليه وسلم قانون عدل بدل وتمهيدمىبايد ونزال وارسال اوست. وفى التأويلات النجمية يشير الى كتاب الايمان الذى كتب الله فى القلوب وميزان العقل يوزن به احكام الشرع والخير والشر والحسن والقبح فانهما قرينان متلازمان لا بد لاحدهما من الآخر وسماهما البصيرة فقال {أية : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمى فعليها} تفسير : ففى انتفاء احدهما انتفاء الآخر كما قال تعالى {أية : صم بكم عمى فهم لا يعقلون} تفسير : فنفى العقل والبصيرة بانتفاء الايمان {وما يدريك} الادراء بمعنى الاعلام اى اى شىء يجعلك داريا اى عالما بحال الساعة التى هى من العظم والشدة والخفاء بحيث لا يبلغه دراية احد وانما يدرى ذلك بوحى منا وبالفارسية وجه جيز دانا كرد برواجه دانى. قال الراغب كل موضع ذكر فى القرءآن وما ادراك فقد عقب ببيانه نحو {أية : وما ادراك ماهيه نار حامية} تفسير : وكل موضع ذكر فيه وما يدريك لم يعقبه بذلك نحو وما يدريك لعل الساعة قريب {لعل الساعة} التى يخبر بمجيئها الكتاب الناطق بالحق {قريب} اى شىء قريب او قريب مجيئها والا فالفعيل بمعنى الفاعل لا يستوى فيه المذكر والمؤنث عند سيبويه فكان الظاهر ان يقال قريبة لكونه مسند الى ضمير الساعة الا أنه قد ذكر لكونه صفة جارية على غير من هى له وقيل القريب بمعنى ذات قرب على معنى النسب وان كان على صورة اسم الفاعل كلابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر اى لبنى وتمرى لا على معنى الحدث كالفعل فلما لم يكن فى معنى الفعل حقيقة لم يلحقه تاء التأنيث او الساعة بمعنى البعث تسمية باسم ما حل فيه وقال الزمخشرى لعل مجيئ الساعة قرب بتقدير المضاف والمعنى أن القيامة على جناح الاتيان فاتبع الكتاب يا محمد واعمل به وواظب على العدل قبل ان يفاجئك اليوم الذى يوزن فيه الاعمال ويوفى جزآؤها امام زاهدى فرموده كه لعل براى تحقيق است يعنى البتة ساعتى كه بدان قيامت قائم شود نزديكست. وفيه زجرهم عن طول الامل وتنبيههم على انتظار الاجل وهجومه نبهنا الله تعالى واياكم اجمعين آمين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {اللهُ الذي أنزل الكتابَ}؛ القرآن، أو: جنس الكتاب، {بالحق}؛ ملتبساً بالحق في أحكامه وأخباره، أو: بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام، {والميزانَ}؛ وأنزل العدل والتسوية بين الناس، أي: أنزله في كتبه المنزلة، وأمر به، أو: الشرع الذي يُوزن به الحقوق، ويساوي بين الناس. وقيل: هو عين الميزان، أي: الآلة، أنزله في زمن نوح عليه السلام. {وما يُدريكَ} أيَّ شيء يجعلك عالماً {لعلَّ الساعةَ} التي أخبر بها الكتاب الناطق بالحق {قريبٌ} مجيئها. وضمّن الساعة معنى البعث فذكر الخبر، وقيل: وجه المناسبة في ذكر الساعة مع إنزال الكتاب: أن الساعة يقع فيها الحساب ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية، والعمل بالشرائع، فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. {يستعجلُ بها الذين لا يؤمنون بها} استعجال إنكار واستهزاء، {والذين آمنوا مُشْفِقُون}؛ خائفون {منها} وجلون؛ لهولها، {ويعلمون أنها الحقُّ} الكائن لا محالة، {أَلا إِنَّ الذين يُمارون في الساعة}؛ يجادلون فيها، من: المرية، أو: المماراة والملاحاة، أو: من: مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب؛ لأن كُلاًّ من المتجادلين يُخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. {لفي ضلالٍ بعيدٍ} عن الحق؛ لأن قيام الساعة أظهر من كل ظاهر، وقد تواترت الشرائع على وقوعها، والعقول تشهد أنه لا بد من دار الجزاء، وإلا كان وجود هذا العالم عبثاً. {اللهُ لطيف بعباده} أي: برٌّ بهم في إيصال المنافع ودفع المضار، أوصل لهم من فنون الألطاف ما لا تكاد تناله أيدي الأفكار والظنون. وقيل: هو مَن لطُف بالغوامض علمه، وعظُم عن الجرائم حلمه، أو: مَن ينشر المناقب ويستر المثالب، أو: يعفو عمَّن يهفو، أو: مَن يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلّفه من الطاعة دون الطاقة. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: الظاهر حمل العباد على ما اصطفاه، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف، وأنه تعالى لطيف بهم رفيق، ومن ذلك: حمايتهم من الدنيا، ومما يطغى من الرزق، وعليه ينزل قوله: {يرزق مَن يشاء}. هـ. أي: يرزق على حسب مشيئته، المبنية على الحِكَم البالغة. وفي الحديث:"حديث : إِن من عبادي مَن لا يُصْلِحُ إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإِنَّ من عبادي المؤمنين مَن لا يُصْلِحُ إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك ". تفسير : وأما قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] فهو وعد لجميع الخلق، وهو مبني على المشيئة المذكورة هنا، فلا منافاة بينهما، خلافاً لابن جزي؛ لأن المشيئة قاضية على ظاهر الوعد، ولا يقضي ظاهر الوعد عليها. انظر الحاشية. {وهو القويُّ}؛ الباهر القدرة، الغالب على كل شيء، {العزيزُ} المنيع؛ الذي لا يُغْلَب. الإشارة: الميزان هو العقل؛ إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها، نافعها وضارها. فالعقول متفاوتة كالموازين، فبعض الموازين لرقته لا يُوزن فيها إلا الشيء الرفيع، كالذهب، والإكسير، والفضة، والطيب الرفيع، وبعضها يصلح لوزن الأشياء اللطيفة، دون الخشينة، كميزان العطار وشبهه، وبعضها يصلح للأشياء الخشينة المتوسطة، كميزان الغزالين والحاكة، وبعضها لا يصلح إلا للخشين، كالفحم وشبه، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير، كالذي يُوزن به القناطير من الشيء الخشين، فالأول عقول العارفين، لا يوزن فيها إلا أنوار التوحيد وأسرار التفريد، لا يصلح لغيرها، والثاني للعباد، والزهّاد، والعلماء الصالحين، والثالث للمتجمدين من العلماء، والرابع لعامة المؤمنين، والخامس للفجار والكفار، وفيهم نزل: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها...} الآية، وما قبله هو قوله: {والذين آمنوا مشفقون منها}. وقوله تعالى: {اللهُ لطيف بعباده}، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ولا ينفك عنه مخلوق، مَن ظنَّ انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، فمِن لطفه سبحانه بخلقه: أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلَّفهم دون الطاقة. ومِن لطفه سبحانه: تسهيله الأرزاق، وتيسير الارتفاق، فلو تفكّر الإنسان في اللقمة التي توضع بين يديه، ماذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية؛ لتحقق بغاية عجزه، وتيقن بوجود لطفه، وكذا ما يحتاج إليه من مشروب، وملبوس، ومطعوم. ومن لطفه سبحانه: توفيق الطاعات، وتسهيل العبادات، وتيسير الموافقات. ومن لطفه سبحانه: حفظ التوحيد في القلوب، واطلاعها على مكاشفة الغيوب، وصيانة العقائد عن الارتياب، وسلامة القلوب عن الاضطراب. ومن لطفه سبحانه: إيهام العاقبة؛ لئلا يتكلموا أو ييأسوا. ومن لطفه سبحانه بالعبد: إخفاء أجله عليه؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله. ومن لطفه سبحانه بخواصه: ستر عيوبهم، ومحو ذنوبهم، حتى وصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، فكشف لهم عن أسرار ذاته، وأنوار صفاته، فشاهدوه جهراً، وعبدوه شكراً. وقوله تعالى: {يرزق مَن يشاء} إما رزق الأرواح، أو رزق الأشباح، وإلى هذا القسمين أشار قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ}.
اطفيش
تفسير : {اللهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ} جنس الكتب وقيل القرآن* {بِالْحَقِّ} متعلق بأنزل أو بمحذوف حال من الكتاب أي ملتبس بما هو ثابت صحيح صواب من الاوامر والنواهي والاخبار وغيرها أو من الاحكام والدلائل والعقائد والواجب من التحليل والتحريم* {وَالْمِيزَانُ} أي العدل سمي ميزاناً لان الميزان آلة للعدل والتسوية. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهم لانه يوزن به الحقوق ويسوى بين الناس قال الثعلبي عن مجاهد وبعضهم عن ابن عباس الميزان آلة الوزن التي بين الناس أمرهم بالوفاء ونهاههم عن البخس ولا شك انه جزء من العدل. {وَمَا يُدْرِيكَ} ما استفهامية* {لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} يوم الحساب ووضع الموازين أي اعملوا وسووا واعملوا بالشريعة قبل أن يفاجئكم يوم العدل بينكم والتوفية لمن وفى والتطفيف لمن طفف وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة وعنده مشركون فقالوا متى تكون وجملة ما بعد {لَعَلَّ} علق (يدري) عن العمل فيها لعل فهي في محل نصب مع لعل مفعولان ثان وثالث (لأدرى) وان قلنا من (درى) المتعدية لواحد فمفعول ثان وذكر القريب لتأويل الساعة أو قريب مجيئها ولما حذف روعي تذكيره أو لانه فعيل بمعنى فاعل وقال الفراء لان (قريباً) فى المسافة لا يؤنث فرقاً بينه وبين قرب الرحم وزعم بعض ان (فعيلاً) يأتي للنسب أي ذات قرب وهو باطل لأن النسب لا يمنع تأنيث المنسوب تقول قريشية وقيل مصدر أي ذات قرب وهو باطل بل وصف وقيل لان التأنيث مجازي ويرده أن المجازى التأنيث اذا سبق يجب تأنيث ضميره.
اطفيش
تفسير : {الله الَّذى أنْزلَ الكتاب} القرآن وأل للعهد أو جنس الكتب وأل الجنس، والمقام قابل لاستغراق بأن يكون المعنى: إن الكتب كلها من الله، وأنه لا شىء منها على غير حق كما قال: {بالحقِّ} ملتبسا بالحق، أو مصاحبا له {والمِيزانَ} العدل الشبيه بالميزان لجامع عدم الزيادة والنقصان، أى أنزل وجوب العدل فى أفعالكم وأقوالكم واعتقادكم فى الديانات، والخصام أو الميزان الأحكام الشرعية النازلة، الشبيهة بالميزان كذلك،واسناد الانزال الى الكتاب بمعنى الألفاظ والشرع، وهو معانيه، ووجوب العدل حقيقة شرعية، وقيل الانزال استعارة، وأصله فى الاجسام، ويضعف أن يفسر الميزان بحقيقته، والتجوز فى الانزال، لأن المراد بانزاله العمل به لئلا يتغابن الناس، ولم ينزل جسم الميزان، والتفسير بالميزان حقيقة هو ظاهر قول ابن عباس فى الآية: إن الله أمر بالايفاء، ونهى عن البخس، وأضعف من هذا أن يفسر بتمييز الحسنات والسيئات ومقتضاهن من الجزاء يوم القيامة، وأشد ضعفا منه تفسيره بميزان حقيق توزن به الحسنات والسيئات يوم القيامة عند قومنا المثبتين له، وأول من أمر بآلة الميزان نوح عليه السلام. {وما يُدريك لَعل السَّاعة قريبٌ} فيه مناسبة لتمييز الحسنات والسيئات يوم القيامة أى وما يصيرك داريا بشأن الساعة، لعل الساعة قريب، فيجازى المكلف على جرمه، والمطيع على إحسانه، فاجتهد فى العدل والشرع قبل مفاجأتهما، والساعة يوم القيامة، وهو وما بعد البعث شىء واحد فيه الجزاء بعد البعث، والساعة أمر ثابت نمشى بمضى الليالى والأيام اليها،فلا حاجة الى تقدير مضاف، أى أتيان الساعة، وقدره بعض المحققين وجعله وجها فى تذكيره قريب، أو ذكر لأنه نعت لمذكر، أى أمر قريب، أو وقت قريب، أو لأن الساعة وقت، أو أريد بها البعث، أو لجواز التأنيث فى النسب، ويجعل قريب للنسب كامرأة لابن وتامر، أى ذات قرب.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبِ} جنس الكتاب أو الكتاب المعهود أو جميع الكتب {بِٱلْحَقّ} ملتبساً بالحق بعيداً من الباطل في أحكامه وأخباره أو ملتبساً بما يحق ويجب من العقائد والأحكام {وَٱلْمِيزَانَ} أي العدل كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم أو الشرع الذي يوزن به الحقوق ويسوي بين الناس، وعلى الوجهين فيه استعارة ونسبة الإنزال إليه مجاز لأنه من صفات الأجسام والمنزل حقيقة من بلغه، واعتبر بعضهم الأمر أي أنزل الأمر بالميزان، وتعقب بأنه أيضاً محتاج إلى التأويل، وقد يقال: نسبة الإنزال وكذا النزول إلى الأمر مشهورة جداً فالتحقت بالحقيقة، ويجوز أن يتجوز في الإنزال ويقال نحو ذلك في {أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ} وعن مجاهد أن الميزان الآلة المعروفة فعلى هذا إنزاله على حقيقته، وجوز أن يكون على سبيل الأمر به، واستظهر الأول لما نقل الزمخشري في الحديد أنه نزل إلى نوح وأمر أن يوزن به، وكون المراد به ميزان الأعمال بعيد هنا. {وَمَا يُدْرِيكَ} أي أي شيء يجعلك دارياً أي عالماً {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ} أي إتيان الساعة الذي أخبر به الكتاب الناطق بالحق فالكلام بتقدير مضاف مذكر، وقوله تعالى: {قَرِيبٌ} خبر عنه في الحقيقة لأن المحذوف بقرينة كالملفوظ وهو وجه في تذكيره؛ وجوز أن يكون لتأويل الساعة بالبعث وأن يكون {قَرِيبٌ} من باب تامر ولابن أي ذات قرب إلى أوجه أخر تقدمت في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [الأعراف: 56] وأياً ما كان فالمعنى إن الساعة على جناح الإتيان فاتبع الكتاب وواظب على العدل واعمل بالشرع قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه الأعمال ويوفى جزاؤها.
ابن عاشور
تفسير : قد علمتم أن من جملة محاجة المشركين في الله ومِن أشدِّها تشغيباً في زعمهم محاجتهم بإنكار البعث كما في قولهم: { أية : هل ندلكم على رجلٍ يُنبِّئكم إذا مُزِّقتم كلَّ مُمَزَّقٍ إِنكم لفي خَلقٍ جديدٍ أفترى على الله كذباً أم به جنّة } تفسير : [سبأ: 7، 8]، وقال شداد بن الأسود: شعر : يُخبِّرُنا الرّسولُ بأنْ سَنَحْيَا وكيفَ حياةُ أصداءٍ وهامِ تفسير : وقد دحض الله حجتهم في مواضع من كتابه بنفي استحالته، وبدليل إمكانه، وأومأ هنا إلى مقتضي إيجابه، فبيّن أن البعث والجزاء حق وعدل فكيف لا يقدِّره مدبّر الكون ومنزّل الكتاب والميزان. وقد أشارت إلى هذا المعنى آيات كثيرة منها قوله تعالى: { أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجَعون } تفسير : [المؤمنون: 115] وقوله: { أية : إن الساعة آتيةٌ أكادُ أُخفيها لتُجْزَى كلُّ نفس بما تَسعى } تفسير : [طه: 15] وقال: { أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحقّ ولكن أكثرَهم لا يعلمون إنَّ يوم الفصل ميقاتُهم أجمعين } تفسير : [الدخان: 38 ـــ 40]. وأكثرُها جاء نظمها على نحو الترتيب الذي في نظم هذه الآية من الابتداء بما يذكِّر بحكمة الإيجاد وأن تمام الحكمة بالجزاء على الأعمال. فقوله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} تمهيد لقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب}، لأن قوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} يؤذن بمقدر يقتضيه المعنى، تقديره: فجُعل الجزاء للسائرين على الحق والناكبين عنه في يوم السّاعة فلا محيص للعباد عن لقاء الجزاء وما يدريك لعل الساعة قريب، فهو ناظر إلى قوله { أية : إن الساعة آتية أكاد أُخْفِيها لتُجزَى كلَّ نفسٍ بما تسعى } تفسير : [طه: 15]. وهذه الجملة موقعها من جملة { أية : والذين يحاجون في الله } تفسير : [الشورى: 16] موقع الدّليل، والدليلُ من ضروب البيان، ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها لشدة اتصال معناها بمعنى الأخرى. والإخبار عن اسم الجلالة باسم الموصول الذي مضمون صلته إنزالُه الكتابَ والميزانَ، لأجل ما في الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الآتي، وأنه من جنس الحق والعدل، مثل الموصول في قوله تعالى: { أية : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين } تفسير : [غافر: 60]. ولام التعريف في {الكتاب} لتعريف الجنس، أي إنزال الكُتب وهو ينظر إلى قوله آنفاً: { أية : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } تفسير : [الشورى: 15]. والباء في {بالحق} للملابسة، أي أنزل الكتب مقترنة بالحق بعيدة عن الباطل. والحق: كلّ ما يَحق، أي يجب في باب الصلاح عملُه ويصح أن يفسر بالأغراض الصحيحة النافعة. و{الميزان} حقيقته: آلة الوزن، والوزن: تَقديرُ ثِقَلِ جسم، والميزان آلة ذات كفتين معتدلتين معلقتين في طرفي قضيب مستوٍ معتدل، له عروة في وسطه، بحيث لا تتدلى إحدى الكفتين على الأخرى إذا أُمسك القضيب من عُروته. والميزان هنا مستعار للعدل والهدْي بقرينة قوله {أنزل} فإن الدّين هو المنزل والدّين يدعو إلى العدل والإنصاف في المجادلة في الدّين وفي إعطاء الحقوق، فشبه بالميزان في تساوي رجحان كفتيه قال تعالى: { أية : وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقومَ النّاس بالقسط } تفسير : [الحديد: 25]. وجملة {وما يدريك لعل الساعة قريب} معطوفة على جملة {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}، والمناسبة هي ما ذكرناه من إيذان تلك الجملة بمقدَّر. وكلمة {وما يدريك} جارية مجرى المثل، والكاف منها خطاب لغير معيّن بمعنى: قد تدري، أي قد يدري الداري، فــ{ما} استفهامية والاستفهام مستعمل في التنبيه والتهيئة. و{يدريك} من الدراية بمعنى العلم. وقد عُلّق فعل (يُدري) عن العمل بحرف الترجّي. وعن ابن عباس كل ما جاء فعل (ما أدراك) فقد أعلمه الله به (أي بينه له) عقب كلمة (ما أدراك) نحو { أية : وما أدراك ماهِيَهْ نارٌ حاميةٌ } تفسير : [القارعة: 10، 11] وكل ما جاء فيه {وما يدريك} لم يُعلمه به (أي لم يعقبه بما يبين إبْهامه {وما يدريك لعل الساعة قريب} نحو { أية : وما يدريك لعله يزّكى}تفسير : ) [عبس: 3]. ولعل معنى هذا الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل. والمعنى: أي شيء يعلمك أيها السامع الساعةَ قريباً، أي مقتضي علمِك متوفر، فالخطاب لغير معين، وفي معناه قوله تعالى: { أية : وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون } تفسير : في سورة الأنعام (109). والإخبار عن {الساعة} بــ{قريب} وهو غير مؤنث لأنه غلب لزوم كلمة (قريب وبعيد) للتذكير باعتبار شيء كقوله تعالى: { أية : وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً } تفسير : [الأحزاب: 63] وقوله: { أية : إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين } تفسير : وقد تقدم في سورة الأعراف (56).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَان}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبساً بالحق الذي هو ضد الباطل، وقوله: {ٱلْكِتَاب} اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية. وقد أوضحنا في سورة الحج أن المفرد الذي هو اسم الجنس يطلق مراداً به الجمع، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَٱلْمِيزَانَ} يعني أن الله جل وعلا هو الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإنصاف. وقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية: هو آلة الوزن المعروفة. ومما يؤيد ذلك أن الميزان مفعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة. وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان العدل والإنصاف، فالميزان الذي هو آلة الوزن المعروفة داخل فيه، لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان أوضحه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الحديد {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [الحديد: 25]. فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل والإنصاف. وكقوله تعالى في سورة الرحمن {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7-9]. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، كما قاله غير واحد من المفسرين. وأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات. ومما يدل على ذلك أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا بوضعه، وقال في سورة الشورى {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَان} تفسير : [الشورى: 17] وقال في الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَان} تفسير : [الحديد: 25]. وأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإنزال، قال {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7] ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة، وذلك في قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 9] لأن الميزان الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال، كما قال تعالى {أية : أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} تفسير : [الشعراء: 181-183]. وقال تعالى {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} تفسير : [المطففين: 1-3]. وقال تعالى عن نبيه شعيب: {أية : وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [هود: 84] الآية. وقال تعالى عنه أيضاً {أية : قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الأعراف: 85] الآية. وقال تعالى في سورة الأنعام: {أية : وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [الأنعام: 152] وقال تعالى في سورة بني إسرائيل {أية : وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35]. فإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد، هو العدل والإنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين الكتاب والميزان، لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف. فالجواب من وجهين: الأول منهما هو ما قدمنا مراراً من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلاً للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1-4] فالموصوف واحد والصفات مختلفة، وقد ساغ العطف لتغاير الصفات. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهما م وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وأما الوجه الثاني: فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان. وإيضاح ذلك: أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب السماوية. وأما الميزان: فيصدق بالعدل والإنصاف الذي لم يصرح به في الكتب السماوية، ولكنه معلوم مما صرح به فيها. فالتأفيف في قوله تعالى {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23]، من الكتاب لأنه مصرح به في الكتاب، ومنع ضرب الوالدين مثلاً المدلول عليه بالنهي على التأفيف من الميزان، أي من العدل والإنصاف الذي أنزله الله مع رسله. وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2] من الكتاب الذي أنزله الله، لأنه مصرح به فيه. وقبول شهادة أربعة عدول في ذلك من الميزان الذي أنزله الله مع رسله. وتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10] الآية من الكتاب. وتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه، المعروف من ذلك من الميزان، الذي أنزله الله مع رسله. وجلد القاذف الذكر للمحصنة الأنثى ثمانين جلدة ورد شهادته، والحكم بفسقه المنصوص في قوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] إلى قوله {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُوا} تفسير : [النور: 5] الآية من الكتاب الذي أنزله الله. وعقوبة القاذف الذكر لذكر مثله، والأنثى القاذفة للذكر أو لأنثى بمثل تلك العقوبة المنصوصة في القرآن من الميزان المذكور. وحلية المرأة التي كانت مبتوتة، بسبب نكاح زوج ثان وطلاقه لها بعد الدخول المنصوص في قوله تعالى {أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} تفسير : [البقرة: 230] أي فإن طلقها الزوج الثاني، بعد الدخول وذوق العسيلة فلا جناح عليهما أي لا جناح على المرأة التي كانت مبتوتة والزوج الذي كانت حراماً عليه، أن يتراجعا بعد نكاح الثاني وطلاقه لها، من الكتاب الذي أنزل الله. وأما إن مات الزوج الثاني بعد أن دخل بها وكان موته قبل أن يطلقها، فحليتها للأول الذي كانت حراماً عليه، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله. وقد أشرنا إلى كلام ابن القيم المذكور، وأكثرنا من الأمثلة لذلك في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على قوله تعالى {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} تفسير : [الأنبياء: 78] الآية. قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] الآية. وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63] وفي سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَة} تفسير : [غافر: 18] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- الله الذى أنزل كتاب محمد وما قبله من كتب المرسلين مشتملة على الحق والعدل، وما يُعلمك لعل وقت الساعة قريب وأنت لا تدرى. 18- يستعجل بمجئ الساعة - استهزاء - الذين لا يصدقون بها، والذين صدقوا بها خائفون من وقوعها فلا يستعجلونها، ويعلمون أنها الحق الثابت الذى لا ريب فيه، ويُنبِّه - سبحانه - إلى أن الذين يجادلون فى وقوعها لفى ضلال بعيد عن الحق. 19- الله عظيم البر بجميع عباده، يرزق من يشاء كما يشاء، وهو الغالب على كل شئ، المنيع الذى لا يغلب. 20- من كان يريد بعمله ثواب الآخرة نضاعف له أجره، ومن كان يريد بأعماله متاع الدنيا - فحسب - نعطه ما قسم له فيها، وليس له فى الآخرة نصيب من الثواب. 21- بل ألهُم آلهة شرعوا لهم من الدين ما لم يأمر به الله؟ لم يكن ذلك، ولولا وعدة سابقة بتأخر الفصل إلى يوم القيامة لقضى بين الكافرين والمؤمنين فى الدنيا، وإن الظالمين أنفسهم بالكفر لهم عذاب شديد الإيلام. 22- ترى فى القيامة - أيها المخاطب - الذين ظلموا أنفسهم بالشرك خائفين عقاب شركهم، وهو نازل بهم - لا محالة - وترى الذين آمنوا وعملوا الصالحات مُتَمَتِّعين فى أطيب بقاع الجنة، لهم ما يتمنون من النعيم عند ربهم، ذلك الجزاء العظيم هو الفضل الكبير الذى تتعلق به الآمال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الله الذي أنزل الكتاب الحق: أي أنزل القرآن متلبساً بالحق والصدق لا يفارقه أبداً. والميزان: أي وأنزل الميزان وهو العدل ليحق الحق. وما يدريك لعل الساعة قريب: أي أيُّ شيء يجعلك تدري قرب الساعة إلا أن يكون الوحي الإِلهي. يستعجل بها الذين لا يؤمنون: أي يطالب المكذبون بها لأنهم لا يخافون ما فيها لعدم إيمانهم به. والذين آمنوا مشفقون منها: أي خائفون وذلك لإِيمانهم فهم لا يدرون ما يكون لهم فيها من سعادة أو شقاء ولذا هم مشفقون. ويعلمون أنها الحق: أي أن الساعة حق واجبة الإِتيان لا محالة. إن الذين يمارون في الساعة: أي إن الذين يجادلون في الساعة شاكين في وقوعها. الله لطيف بعباده: أي برهم وفاجرهم بدليل أنهم يعصونه وهو يرزقهم ولا يعاقبهم. من كان يريد حرث الآخرة: أي من كان يريد بعمله ثواب الآخرة. نزد له في حرثه: أي نضاعف له ثوابه الحسنة بعشر أمثالها وأكثر. ومن كان يريد حرث الدنيا: أي من كان يريد بعمله متاع الحياة الدنيا من طيباتها. نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب: أي نعطه منها ما قدر له وليس له في الآخرة من حظ ولا نصيب. أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين: أي بل لهم شركاء من الشياطين شرعوا لهم من الدين. ما لم يأذن به الله: أي ما لم يشرعه الله تعالى وهو الشرك. ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم: أي ولولا كلمة الفصل التي حكم الله بها بتأخير العذاب إلى يوم القيامة لأهلكم اليوم على شركهم وأنجى المؤمنين. معنى الآيات: قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنه هو الذي أنزل الكتاب أي القرآن بالحق والصدق وأنزل الميزان وذلك من أجل إحقاق الحق في الأرض وإبطال الباطل فيها، فلا يعبد إلا الله ولا يحكم إلا شرع الله وفي ذلك كمال الإِنسانية وسعادتها، وقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} أي أي شيء جعلك تدري قرب الساعة إنّه الوحي الإِلهي لا غير وقوله {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} أي الذين لا يؤمنون بالبعث الآخر والجزاء فيه هم الذي يكالبون بإتيانها في غير وقتها ويستعجلون الرسول بها بقولهم متى الساعة؟ أما المؤمنون بالبعث والجزاء فإنهم مشفقون أي خائفون من وقوعها لأنهم لا يدرون مصيرهم فيها ولا يعلمون ما هم صائرون إليه من سعادة أو شقاء وقوله {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} أي والمؤمنون يعلمون أن الساعة حق واجبة الوقوع ليحكم الله فيها بين عباده ويجزى كل واحد بعمله، ويقتصُّ فيها من المظلوم للظالم فلذا هي واقعة حتما لا تتخلف أبداً. وقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} يخبر تعالى مؤكداً الخبر بأن الذين يشككون في الساعة ويجادلون في صحة وقوعها في ضلال عن الهدى والصواب والرشد، بعيد لا يرجى لهم معه العودة إلى الصواب والهدى في هذه المسالة من مسائل العقيدة. وقوله تعالى {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ} يخبر تعالى بأنه ذو لطف بعباده مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم يكفر به الكافرون ويعصيه العاصون وهو يطعمهم ويسقيهم ويعفو عنهم ولا يهلكهم بذنوبهم فهذا من دلائل لطفه بهم. يرزق من يشاء أي يوسع الرزق على من يشاء ويقدر على من يشاء حسب ما تقضيه تربيتهم فلا يدل الغنى على الرضاء ولا الفقر على السخط. وهو تعالى القوي القادر الذي لا يعجزه شيء العزيز في انتقامه ممن أراد الانتقام منه وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ}، وهذا من مظاهر لطفه بعباده وهو أن من أراد منهم بعمله ثواب الآخرة وما أعد الله فيها للمؤمنين المتقين نزد له في حرثه أي يضاعف له أجر عمله الحسنة بعشر إلى سبعمائة ويضاعف لمن يشاء ومن كان يريد بعمله حرث الدنيا أي متاع الحياة الدنيا يؤته على قدر عمله للدنيا وهو ما قدره له أزلاً وجعله مقدوراً له لا بد نائله، وماله في الآخرة من نصيب لأنه لم يعمل لها فلاحظ ولا نصيب له فيها إلا النار وبئس القرار. وقوله تعالى في الآية [21] {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} يقول أللمشركين من كفار قريش شركاء من الشياطين شرعوا لهم دينا وهو الشرك لم يأذن به الله، وهذا إنكار عليهم، وإعلان غضب شديد من أجل شركهم الذي زينته لهم الشياطين فصرفتهم عن الدين الحق إلى الدين الباطل، ولذا قال: ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم أي ولولا أنه تعالى قضى بأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة لعذبهم في الدنيا وأهلكهم فيها قبل الآخرة، وذلك لاتخاذهم ديناً لم يشرعه لهم، وقوله تعالى وإن الظالمين اي المشركين لهم عذاب أليم أي موجع وذلك يوم القيامة وهذا وعيد للمشركين الذين اتخذوا الجاهلية والشرك وعبادة الأوثان دينا وأعرضوا عن دين الله الذي أوصى به نوحا وأوحاه إلى محمد خاتم رسله، كما أوصي به إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان بعض الحكمة في إنزال الكتاب أي القرآن والميزان وهو أن يحكم الناس بالقسط. 2- بيان قرب الساعة وأن معرفة قربها كان بالوحي الإِلهي مثل اقترب للناس حسابهم. 3- المستعجلون بالساعة هم الكافرون الجاحدون لها. 4- بيان لطف الله بعباده فله الحمد وله المنة والشكر. 5- بيان وجوب إصلاح النيات فإن مدار العمل قبولاً ورفضا بحسبها. 6- حظر التشريع بجميع أنواعه عن غير الله ورسوله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (17) - اللهُ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ مُتَضَمِّنَةً الحَقَّ الذِي لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَأَنْزَلَ العَدْلَ (المِيزَانَ) لِيَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِالإِنْصَافِ دُونَ حَيْفٍ وَلاَ جَوْرٍ. والسَّاعَةُ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَلاَ شَكَّ، وَسَيَبْعَثُ اللهُ الخَلْقَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْعِدُ السَّاعَةِ قَرِيباً وَأَنْتَ لاَ تَدْرِي، فَعَلَى العَاقِلِ أَنْ لاَ يَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَأَنْ يُشَمِّر عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ لِلعَمَلِ لآِخِرَتِهِ لَعَلَّهُ يَكُونُ مِنَ الفَائِزِينَ. مَا يُدْرِيكَ - مَا يُعْلِمُكَ وَيُعَرِّفُكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {بِٱلْحَقِّ ..} [الشورى: 17] الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق غالب لا محالة، وإنْ عَلاَ عليه الباطل في فترة من الفترات فإنما لحكمة، هي أنْ يعض الباطل الناس ليشحنهم بالحمية للحق ويُشوقهم إليه، فالعاقبة للحق مهما طال الباطل وصَالَ وجَالَ، لذلك قلنا: إن الباطل جندي من جنود الحق. واقرأ هذه الصورة التي رسمها الحق سبحانه يوضح لنا بها الحق والباطل، يقول تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. فالحق هو الباقي، والباطل زائل زاهق. لذلك نرى بعض أعداء القرآن يحاولون أنْ يعيبوا أسلوبه، فيقولون مثلاً في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} تفسير : [التوبة: 40] أنه أسلوب غير سليم، لأن القياس أن يقول: وكلمة الله العليا كما قال في الأولى: كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا الاعتراض نتيجة عدم الفهم عن الله وعدم وجود المَلَكة التي تُمكِّنهم من فَهْم أساليب اللغة. فكلمة الذين كفروا السفلى أي: جعلها الله سفلى فهي مفعول جعل، أما كلمة الله هي العليا فليست جَعْلاً كالأولى، بل هي في أصلها عليا، يعني: لم تكُنْ سفلى وجعلها الله عليا، بدليل أنها جاءتْ بالرفع على أنها خبر. وقوله: (والميزان) أتى بشيء حسِّي وهو الميزان، والميزان هو أداة إقامة الحق، فالمسألة ليستْ هكذا (بالزوفة) إنما هناك ميزان حساس قائم على العدل والمساواة. والميزان يختلف باختلاف الموزون، فميزان القمح أو البطاطا مثلاً غير ميزان الذهب، تجد الآن عند الصائغ ميزاناً حساساً يضعه في صندوق من زجاج، لماذا؟ ليحجز عنه الهواء لأن الهواء قد يتلاعب بالميزان، فيُخرجه عن الدقة المطلوبة في الوزن، وأقل ميل في ميزان الذهب له ثمن بخلاف ميزان البطاطا مثلاً. إذن: كلمة الميزان تعني الضوابط التي تضبط ما بين الحق والباطل نقرأ في سورة الحديد {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ..} تفسير : [الحديد: 25] يعني: بالعدل والحق، إذن: جاء الميزان ليعطي كل ذي حق حقه، ويضبط الحقوق لأصحابها، فلا يأخذ أحدٌ أكثر من حقه، ولا يغتصب أحدٌ حقَّ الآخر، ولا يطمع فيما ليس له. وقوله سبحانه: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] لأنهم سبق أنْ طلبوا من الرسول أن يأتي بها، كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 38] طلبوها على وجه الاستهزاء والسخرية والتكذيب بها. والفعل دَرَى يدري أتى مرة بصيغة المضارع هنا {وَمَا يُدْرِيكَ ..} [الشورى: 17] وأتى بصيغة الماضي في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1-3]. معنى {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ} تفسير : [الحاقة: 3] في الماضي يعني شيء قديم لم تعرفه من زمان، لكن تعرفه الآن. أما {وَمَا يُدْرِيكَ ..} [الشورى: 17] يعني: لا أحدَ يخبرك بها إلا نحن {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [الأعراف: 187]، أما صيغة المستقبل فلم تأتِ أبداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: { اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان. ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها. { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا } عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم. { وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا } أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: { وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه { أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ } أي: بعد ما امتروا فيها، ماروا الرسل وأتباعهم بإثباتها فهم في شقاق بعيد، أي: معاندة ومخاصمة غير قريبة من الصواب، بل في غاية البعد عن الحق، وأيُّ بعد أبعد ممن كذب بالدار التي هي الدار على الحقيقة، وهي الدار التي خلقت للبقاء الدائم والخلود السرمد، وهي دار الجزاء التي يظهر الله فيها عدله وفضله وإنما هذه الدار بالنسبة إليها، كراكب قال في ظل شجرة ثم رحل وتركها، وهي دار عبور وممر، لا محل استقرار. فصدقوا بالدار المضمحلة الفانية، حيث رأوها وشاهدوها، وكذبوا بالدار الآخرة، التي تواترت بالإخبار عنها الكتب الإلهية، والرسل الكرام وأتباعهم، الذين هم أكمل الخلق عقولا وأغزرهم علما، وأعظمهم فطنة وفهما.
همام الصنعاني
تفسير : 2734- حدثنا معمر عن قتادة، في قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}: [الآية: 17]، قَالَ: الْمِيزَانُ العَدْل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):