٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} قال ابن عباس: حَفِيّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السدّيّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبَرّ والفاجر؛ حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم. وقال القُرَظيّ: لطيف بهم في العرض والمحاسبة. قال:شعر : غداً عند مَوْلَى الخلق للخلق موقفٌ يسائلهم فيه الجليل ويلطف تفسير : وقال جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما ـ أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني ـ أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره. وقال الحسين بن الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقال الجُنيد: لطيف بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. وقال محمد بن عليّ الكتّانيّ: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكّل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقبله ويقبل عليه. وجاء في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى يطلع على القبور الدوارس فيقول جلّ وعز اِمّحت آثارهم وٱضمحلّت صُوَرهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب»تفسير : . قال أبو عليّ الثقفِيّ رضي الله عنه:شعر : أمرّ بأفناء القبور كأنني أخو فطنة والثوب فيه نحيف ومن شقّ فاه الله قدّر رزقه وربّي بمن يلجأ إليه لطيف تفسير : وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب؛ وعلى هذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا من أظهر الجميل وستر القبيح»تفسير : . وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسّر العسير. وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله. وقيل: هو الذي يبذُل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة؛ قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} تفسير : [النحل: 18]، {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان: 20]، وقال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}تفسير : [النساء: 28]. وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المِدْحة. وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخَيّب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يوئِس آمله. وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجاً، وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجاً، وأجزل لهم من سحائب برّه ماءً ثَجَّاجاً. وقد مضى في «الأنعام» قول أبي العالية والجُنَيد أيضاً. وقد ذكرنا جميع هذا في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) عند اسمه اللطيف، والحمد لله. {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} ويَحْرِم من يشاء. وفي تفضيل قوم بالمال حكمةٌ؛ ليحتاج البعض إلى البعض؛ كما قال: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]، فكان هذا لطفاً بالعباد. وأيضاً ليمتحن الغنيّ بالفقير والفقير بالغني؛ كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} تفسير : [الفرقان: 20] على ما تقدّم بيانه. {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن لطفه بخلقه؛ في رزقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحداً منهم، سواء في رزقه البر والفاجر؛ كقوله عز وجل: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6] ولها نظائر كثيرة، وقوله جل وعلا: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} أي: يوسع على من يشاء، {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ} أي: لا يعجزه شيء، ثم قال عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} أي: عمل الآخرة، {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} أي نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى ما يشاء الله، {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة هم ألبتة بالكلية، حرمه الله الآخرة والدنيا، إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل لا هذه ولا هذه، وفاز الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، والدليل على هذا أن هذه الآية ههنا مقيدة بالآية التي في سبحان، وهي قوله تبارك وتعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء: 18 ــــ 21]. وقال الثوري: عن مغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب» تفسير : وقوله جل وعلا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس؛ من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار» تفسير : لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء، وهو الذي حمل قريشاً على عبادة الأصنام، لعنه الله وقبحه، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي: لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: شديد موجع في جهنم وبئس المصير. ثم قال تعالى: {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ} أي: في عرصات القيامة، {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي: الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة، هذا حالهم يوم معادهم، وهم في هذا الخوف والوجل، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} فأين هذا من هذا؟ أي: أين من هو في العرصات في الذل والهوان، والخوف المحقق عليه بظلمه، ممن هو في روضات الجنات فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ قال الحسن بن عرفة: حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طيبة قال: إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة، فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. ورواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة به، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي: الفوز العظيم، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } بَرِّهم وفاجرهم، حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ } من كل منهم ما يشاء {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ } على مراده {ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } أي: كثير اللطف بهم بالغ الرأفة لهم. قال مقاتل: لطيف بالبارّ، والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم. قال عكرمة: بارّ بهم. وقال السدي: رفيق بهم. وقيل: حفيّ بهم. وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض، والمحاسبة. وقيل غير ذلك. والمعنى: أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم، ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا، وهو: معنى قوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء } منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا، ويضيق على هذا {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ } العظيم القوّة الباهرة القادرة {ٱلْعَزِيزُ } الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } الحرث في اللغة: الكسب، يقال: هو يحرث لعياله، ويحترث، أي: يكتسب. ومنه سمي الرجل حارثاً، وأصل معنى الحرث: إلقاء البذر في الأرض، فأطلق على ثمرات الأعمال، وفوائدها بطريق الاستعارة والمعنى: من كان يريد بأعماله، وكسبه ثواب الآخرة يضاعف الله له ذلك الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقيل: معناه: يزيد في توفيقه، وإعانته، وتسهيل سبل الخير له {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي: من كان يريد بأعماله، وكسبه ثواب الدنيا، وهو: متاعها، وما يرزق الله به عباده منها نعطه منها ما قضت به مشيئتنا، وقسم له في قضائنا. قال قتادة: معنى {نُؤْتِهِ مِنْهَا }: نقدّر له ما قسم له كما قال: {أية : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء } تفسير : [الإسراء: 18]، وقال قتادة أيضاً: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلاّ الدنيا. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، وهو: تخصيص بغير مخصص. ثم بيّن سبحانه أن هذا الذي يريد بعمله الدنيا لا نصيب له في الآخرة، فقال: {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }؛ لأنه لم يعمل للآخرة، فلا نصيب له فيها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الإسراء. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } لما بين سبحانه القانون في أمر الدنيا، والآخرة أردفه ببيان ما هو الذنب العظيم الموجب للنار، والهمزة لاستفهام التقرير والتقريع، وضمير {شرعوا} عائد إلى الشركاء، وضمير {لهم} إلى الكفار. وقيل: العكس، والأوّل أولى. ومعنى {مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ }: ما لم يأذن به من الشرك، والمعاصي {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ }، وهي: تأخير عذابهم حيث قال: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } تفسير : [القمر: 46] {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } في الدنيا، فعوجلوا بالعقوبة، والضمير في بينهم راجع إلى المؤمنين، والمشركين، أو إلى المشركين، وشركائهم {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: المشركين، والمكذبين لهم عذاب أليم في الدنيا، والآخرة. قرأ الجمهور: {وإن الظالمين} بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ مسلم، والأعرج، وابن هرمز بفتحها عطفاً على {كلمة الفصل}. {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ } أي: خائفين وجلين مما كسبوا من السيئات، وذلك الخوف، والوجل يوم القيامة {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } الضمير راجع إلى ما كسبوا بتقدير مضاف قاله الزجاج، أي: وجزاء ما كسبوا واقع منهم نازل عليهم لا محالة أشفقوا، أو لم يشفقوا، والجملة في محل نصب على الحال. ولما ذكر حال الظالمين ذكر حال المؤمنين، فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ } روضات جمع روضة. قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين الواو، ولغة هذيل فتحها، والروضة: الموضع النزه الكثير الخضرة، وقد مضى بيان هذا في سورة الروم، وروضة الجنة: أطيب مساكنها كما أنها في الدنيا لأحسن أمكنتها {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ } من صنوف النعم، وأنواع المستلذّات، والعامل في عند ربهم "يشاءون"، أو العامل في "روضات الجنات"، وهو: الاستقرار، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر للمؤمنين قبله، وخبره الجملة المذكورة بعده، وهي {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } أي: الذي لا يوصف، ولا تهتدي العقول إلى معرفة حقيقته. والإشارة بقوله: {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ } إلى الفضل الكبير، أي: يبشرهم به. ثم وصف العباد بقوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }، فهؤلاء الجامعون بين الإيمان، والعمل بما أمر الله به، وترك ما نهى عنه هم: المبشرون بتلك البشارة. قرأ الجمهور: {يبشر} مشدّداً من بشر. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس بضم التحتية، وسكون الموحدة، وكسر الشين من أبشر. وقرأ بفتح التحتية، وضم الشين بعض السبعة، وقد تقدّم بيان القراءات في هذه اللفظة. ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه، أمره بأنه يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثواباً منهم، فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي: قل يا محمد: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا، ولا نفعاً {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } هذا الاستثناء يجوز أن يكون متصلاً، أي: إلاّ أن تودّوني لقرابتي بينكم، أو تودّوا أهل قرابتي. ويجوز أن يكون منقطعاً. قال الزجاج: {إلاّ المودّة} استثناء ليس من الأوّل، أي: إلاّ أن تودّوني لقرابتي، فتحفظوني، والخطاب لقريش. وهذا قول عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والشعبي، فيكون المعنى على الانقطاع: لا أسألكم أجراً قط، ولكن أسألكم المودّة في القربى التي بيني وبينكم، ارقبوني فيها، ولا تعجلوا إليّ، ودعوني والناس، وبه قال قتادة، ومقاتل، والسدّي، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم، وهو الثابت عن ابن عباس كما سيأتي. وقال سعيد بن جبير، وغيره: هم: آل محمد، وسيأتي ما استدل به القائلون بهذا. وقال الحسن، وغيره: معنى الآية: إلاّ التودّد إلى الله عزّ وجلّ، والتقرّب بطاعته. وقال الحسن بن الفضل: ورواه ابن جرير عن الضحاك: إن هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله بمودّته، فلما هاجر أوته الأنصار ونصروه، فأنزل الله عليه: {أية : وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 109]، وأنزل عليه {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } تفسير : [سبأ: 47]. وسيأتي في آخر البحث ما يتضح به الثواب، ويظهر به معنى الآية إن شاء الله {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } أصل القرف الكسب، يقال: فلان يقرف لعياله، أي: يكتسب. والاقتراف: الاكتساب، مأخوذ من قولهم رجل قرفة: إذا كان محتالاً. والمعنى: من يكتسب حسنة نزد له هذه الحسنة حسناً بمضاعفة ثوابها. قال مقاتل: المعنى: من يكتسب حسنة واحدة نزد له فيها حسناً نضاعفها بالواحدة عشراً فصاعداً. وقيل: المراد بهذه الحسنة هي: المودّة في القربى، والحمل على العموم أولى، ويدخل تحته المودّة في القربى دخولاً أوّلياً {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } أي: كثير المغفرة للمذنبين كثير الشكر للمطيعين. قال قتادة: غفور للذّنوب شكور للحسنات. وقال السدّي: غفور لذنوب آل محمد. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أم هي المنقطعة، أي: بل أيقولون: افترى محمد على الله كذباً بدعوى النبوّة، والإنكار للتوبيخ. ومعنى افتراء الكذب: اختلاقه. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا، فقال: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } أي: لو افترى على الله الكذب لشاء عدم صدوره منه، وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئاً مما كذب فيه كما تزعمون. قال قتادة: يختم على قلبك، فينسيك القرآن، فأخبرهم أنه لو افترى عليه لفعل به ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد، ومقاتل: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم. وقيل: الخطاب له، والمراد الكفار، أي: إن يشأ يختم على قلوب الكفار، ويعاجلهم بالعقوبة، ذكره القشيري. وقيل: المعنى: لو حدّثتك نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع على قلبك، فإنه لا يجترىء على الكذب إلاّ من كان مطبوعاً على قلبه، والأوّل أولى، وقوله: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } استئناف مقرّر لما قبله من نفي الافتراء. قال ابن الأنباري: {يختم على قلبك} تامّ، يعني: وما بعده مستأنف. وقال الكسائي: فيه تقديم، وتأخير، أي: والله يمحو الباطل. وقال الزجاج: أم يقولون: افترى على الله كذباً تامّ. وقوله: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لو كان ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم باطلاً لمحاه كما جرت به عادته في المفترين {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ } أي: الإسلام، فيبينه {بِكَلِمَـٰتِهِ } أي: بما أنزل من القرآن {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } عالم بما في قلوب العباد، وقد سقطت الواو من "ويمحو" في بعض المصاحف كما حكاه الكسائي. {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } أي: يقبل من المذنبين من عباده توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي، واقترفوا من السيئات، والتوبة: الندم على المعصية، والعزم على عدم المعاودة لها. وقيل: يقبل التوبة عن أوليائه، وأهل طاعته. والأوّل أولى، فإن التوبة مقبولة من جميع العباد مسلمهم، وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية، وعزيمة صحيحة {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } على العموم لمن تاب عن سيئته {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من خير، وشرّ، فيجازي كلا بما يستحقه. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف: {تفعلون} بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأن هذا الفعل وقع بين خبرين {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } الموصول في موضع نصب، أي: يستجيب الله الذين آمنوا، ويعطيهم ما طلبوه منه، يقال: أجاب، واستجاب بمعنى. وقيل المعنى: يقبل عبادة المخلصين. وقيل: التقدير، ويستجيب لهم، فحذف اللام كما حذف في قوله: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ } تفسير : [المطففين: 3] أي: كالوا لهم. وقيل: إن الموصول في محل رفع، أي: يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } تفسير : [الأنفال: 24] قال المبرد: معنى {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة، هكذا حقيقة معنى استفعل، فالذين في موضع رفع، والأوّل أولى. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أي: يزيدهم على ما طلبوه منه، أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلاً منه. وقيل: يشفعهم في إخوانهم {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } هذا للكافرين مقابلاً ما ذكره للمؤمنين فيما قبله. {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ } أي: لو وسع الله لهم رزقهم لبغوا في الأرض لعصوا فيها، وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ما ليس لهم طلبه. وقيل: المعنى: لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت الصنائع، والأوّل أولى. والظاهر عموم أنواع الرزق. وقيل: هو: المطر خاصة {وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } أي: ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة. {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ } بأحوالهم {بَصِيرٌ } بما يصلحهم من توسيع الرزق، وتضييقه، فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه، ويكفه عن الفساد بالبغي في الأرض. {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } أي: المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق، وأعمها فائدة، وأكثرها مصلحة {مّن بَعْدِ مَا } أي: من بعد ما أيسوا عن ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم، ويشكرون له ما يجب الشكر عليه {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ } للصالحين من عباده بالإحسان إليهم، وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم {ٱلْحَمِيدِ } المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصاً وعموماً. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ } قال: عيش الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } الآية. قال: من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيباً في الآخرة إلاّ النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئاً إلاّ رزقاً فرغ منه، وقسم له. وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وابن حبان عن أبيّ بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بشر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب»تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ } الآية، ثم قال: «حديث : يقول الله: ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت صدرك شغلاً، ولم أسدّ فقرك»تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر عن عليّ قال: الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال، والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه من طريق طاوس عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. قال ابن عباس: عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلاّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلاّ أن تصلوا ما بيني، وبينكم من القرابة. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عنه قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أسألكم عليه أجراً إلاّ أن تودوني في نفسي لقرابتي، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الشعبي قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ }، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلاّ، وله فيه قرابة، فقال الله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } على ما أدعوكم إليه {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } أن تودوني لقرابتي منكم، وتحفظوني بها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه، وأبوا أن يبايعوه قال: «حديث : يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي، ونصرتي منكم»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً من طريق أخرى نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق مقسم عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: فعلنا، وفعلنا، وكأنهم فخروا. فقال العباس: لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال: «حديث : يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة، فأعزكم الله؟» تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله، قال: حديث : أفلا تجيبون؟ تفسير : قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: حديث : ألا تقولون: ألم يخرجك قومك، فآويناك؟ ألم يكذّبوك، فصدّقناك؟ ألم يخذلوك، فنصرناك؟» تفسير : فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا، وما في أيدينا لله، ورسوله، فنزلت: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ }»، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو: ضعيف، والأولى أن الآية مكية لا مدنية، وقد أشرنا في أوّل السورة إلى قول من قال: إن هذه الآية، وما بعدها مدنية، وهذا متمسكهم. وأخرج أبو نعيم، والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي: تحفظوني في أهل بيتي، وتودونهم بي»تفسير : وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي: بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «حديث : عليّ، وفاطمة، وولداهما»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة، وكان المشركون يودّون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {قل} لهم يا محمد {لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } يعني: على ما أدعوكم إليه {أَجْراً } عرضاً من الدنيا {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } إلاّ الحفظ لي في قرابتي فيكم، فلما هاجر إلى المدينة أحبّ أن يلحقه بإخوته من الأنبياء، فقال: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } تفسير : [سبأ: 47] يعني: ثوابه، وكرامته في الآخرة كما قال نوح: {أية : وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 109]، وكما قال هود، وصالح، وشعيب لم يستثنوا أجراً كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم، فردّه عليهم، وهي: منسوخة. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية: قل: لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات، والهدى أجراً إلاّ أن تودوا الله، وأن تتقرّبوا إليه بطاعته. هذا حاصل ما روي عن حبر الأمة ابن عباس رضي اللهعنه في تفسير هذه الآية. والمعنى الأوّل هو: الذي صح عنه، ورواه عنه الجمع الجمّ من تلامذته، فمن بعدهم، ولا ينافيه ما روي عنه من النسخ، فلا مانع من أن يكون قد نزل القرآن في مكة بأن يودّه كفار قريش لما بينه، وبينهم من القربى، ويحفظوه بها، ثم ينسخ ذلك، ويذهب هذا الاستثناء من أصله كما يدلّ عليه ما ذكرنا مما يدلّ على أنه لم يسأل على التبليغ أجراً على الإطلاق، ولا يقوي ما روي من حملها على آل محمد على معارضة ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة، والمزايا الجميلة، وقد بينا بعض ذلك عند تفسيرنا لقوله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [الأحزاب: 33]، وكما لا يقوي هذا على المعارضة، فكذلك لا يقوي ما روي عنه أن المراد بالمودّة في القربى: أن يودوا الله، وأن يتقرّبوا إليه بطاعته، ولكنه يشدّ من عضد هذا أنه تفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده عند أحمد في المسند هكذا: حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس: أن النبي... فذكره. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قزعة به. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب. قال السيوطي: بسند صحيح عن أبي هانىء الخولاني قال: سمعت عمر بن حريث، وغيره يقولون: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ }، وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا. و أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عليّ مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الآية. فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى يعطي على نية الآخرة من شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا، قاله قتادة. الثاني: معناه من عمل للآخرة أعطاه الله بالحسنة عشر أمثالها، ومن عمل للدنيا لم يزد على من عمل لها. {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةَ مِن نَّصِيبٍ} في الجنة وهذا معنى قول ابن زيد وشبه العامل الطالب بالزارع لاجتماعهما في طلب النفع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الله لطيف بعباده} أي كثير الإحسان إليهم، قال ابن عباس: حفي بهم وقيل رفيق وقيل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم يدل عليه قوله تعالى: {يرزق من يشاء} يعني أن الإحسان والبر إنعام في حق كل العباد وهو إعطاء ما لا بد منه فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يزرقه، وقيل لطفه في الرزق من وجهين أحدهما أنه جعل رزقكم من الطيبات والثاني أنه لم يدفعه إليكم مرة واحدة {وهو القوي} أي القادر على كل ما يشاء {العزيز} أي الذي لا يغالب ولا يدافع {من كان يريد حرث الآخرة} أي كسب الآخرة والمعنى من كان يريد بعمله الآخرة {نزد له في حرثه} أي بالتضعيف الواحدة إلى عشرة إلى ما يشاء الله تعالى من الزيادة، وقيل إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعة إليه {ومن كان يريد حرث الدنيا} يعني يريد بعمله الدنيا مؤثراً لها على الآخرة {نؤته منها} أي ما قدر وقسم له منها {وما له في الآخرة من نصيب} يعني لأنه لم يعمل لها، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" تفسير : ذكره في جامع الأصول ولم يعزه إلى أحد من الكتب الستة وأخرجه البغوي بإسناده. قوله تعالى: {أم لهم} يعني كفار مكة {شركاء} يعني الأصنام وقيل الشياطين {شرعوا لهم من الدين} قال ابن عباس شرعوا لهم غير دين الإسلام {ما لم يأذن به الله} يعني أن تلك الشرائع بأسرها على خلاف دين الله تعالى الذي أمر به وذلك أنهم زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم لا يعلمون غيرها {ولولا كلمة الفصل} يعني أن الله حكم بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} أي لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا {وإن الظالمين} يعني المشركين {لهم عذاب أليم} أي في الآخرة {ترى الظالمين} يعني يوم القيامة {مشفقين} أي وجلين خائفين {مما كسبوا} أي من الشرك والأعمال الخبيثة {وهو واقع بهم} أي جزاء كسبهم واقع بهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} لأن هذه الروضات أطيب بقاع الجنة فلذلك خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بها وفيه تنبيه على أن الجنة منازل غير الروضات هي لمن هو دون الذين عملوا الصالحات من أهل القبلة {لهم ما يشاؤون عند ربهم} أي من الكرامة {ذلك هو الفضل الكبير ذلك} أي الذي ذكر من نعيم الجنة الذي يبشر الله به عباده {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قوله عز وجل: {قل لا أسألكم عليه} أي على تبليغ الرسالة {أجراً} أي جزاء {إلا المودة في القربى} (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله {إلا المودة في القربى} فقال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: عجبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بطن من قريش إلا وله فيهم قرابة فقال ألا تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وعن ابن عباس أيضاً في قوله {إلا المودة في القربى}: يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا رحمي، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضحاك (خ) عن ابن عمر أن أبا بكر قال: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته واختلفوا في قرابته، فقيل علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وقيل أهل بيته من تحرم عليه الصدقة من أقاربه وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام (م). عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : "إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به" فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه ثم قال "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين من أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرمت عليهم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس" ". تفسير : فإن قلت طلب الأجر على تبليغ الرسالة والوحي لا يجوز لقوله في قصة نوح عليه السلام وغيره من الأنبياء {أية : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 127]. قلت لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على تبليغ الرسالة. بقي الجواب عن قوله {إلا المودة في القربى}. فالجواب عنه من وجهين: الأول معناه لا أطلب منكم إلا هذه وهذا في الحقيقة ليس بأجر ومنه قول الشاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : معناه إذا كان هذا عيبهم فليس فيهم عيب بل هو مدح فيهم ولأن المودة بين المسلمين أمر واجب وإذا كان كذلك في حق جميع المسلمين كان في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أولى فقوله {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} المودة في القربى ليست أجراً في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم فكانت مودتهم وصلتهم لازمة لهم فثبت أن لا أجر البتة، والوجه الثاني أن هذا الاستثناء منقطع وتم الكلام عند قوله قل لا أسألكم عليه أجراً ثم ابتدأ فقال إلا المودة في القربى أي لكن أذكركم المودة في قرابتي الذين هم قرابتكم فلا تؤذوهم؛ وقيل: إن هذه الآية منسوخة وذلك لأنها نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه أحب الله تعالى أن يلحقه بإخوانه من النبيين فأنزل الله تعالى: {أية : قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله}تفسير : [سبأ: 47] فصارت هذه الآية ناسخة لقوله {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} وإليه ذهب الضحاك والحسين بن الفضل، والقول بنسخ هذه الآية غير مرضي لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه من فرائض الدين وهو قول السلف فلا يجوز المصير إلى نسخ هذه الآية. وروي عن ابن عباس في معنى الآية قول آخر قال: إلا أن توادوا الله وتتقربوا إليه بطاعته وهو قول الحسن قال هو القربى إلى الله يقول إلا التقرب إلى الله تعالى والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقوله تعالى: {ومن يقترف حسنة} أي يكتسب طاعة {نزد له فيها حسنا} أي بالتضعيف {إن الله غفور} للذنوب {شكور} أي للقليل من الأعمال حتى يضاعفها.
ابو السعود
تفسير : {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أي برٌّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيض عليهم من فنون ألطافِه ما لا يكادُ ينالُه أيدي الأفكارِ والظنونِ {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} أنْ يرزقه كيفما يشاءُ فيخصُّ كلاً من عباده بنوعٍ من البرِّ على ما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكم البالغةِ. {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ} الباهرُ القدرةِ الغالبُ على كلِّ شيءٍ {ٱلْعَزِيزُ} المنيعُ الذي لا يغلبُ. {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} الحرثُ في الأصل إلقاءُ البَذْرِ في الأرض يُطلقُ على الزرع الحاصلِ منه المتضمن لتشبـيهِ الأعمالِ بالبذورِ ويستعملُ في ثمرات الأعمالِ ونتائجِها بطرق الاستعارةِ المبنيةِ على تشبـيِهها بالغلال الحاصلةِ من البذورِ أي من كانَ يريدُ بأعماله ثوابَ الآخرةِ {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} نضاعفْ له ثوابَهُ بالواحد عشرةً إلى سبعمائةٍ فما قوقَها {وَمَن كَانَ يُرِيدُ} بأعماله {حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} وهو متاعُها وطيباتُها {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي شيئاً منها حسبما قسمنَا لهُ لا ما يريدُه ويبتغيه {وَمَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} إذْ كانتْ همتُه مقصورةً على الدُّنيا وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الإسراء. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} أي بلْ ألهُم شركاءُ من الشياطينِ، والهمزةُ للتقرير والتقريعِ {شَرَعُواْ لَهُمْ} بالتسويل {مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} كالشرك وإنكارِ البعثِ والعملِ للدُّنيا، وقيلَ: شركاؤُهم أوثانُهم وإضافتُها إليهم لأنَّهم الذينَ جعلُوها شركاءَ لله تعالَى وإسنادُ الشرعِ إليها لأنَّها سببُ ضلالتِهم وافتتانِهم كقوله تعالى: {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} [سورة إبراهيم، الآية 36] أو تماثيلُ مَنْ سنَّ الضلالَة لهُم {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} أي القضاءِ السابقِ بتأخيرِ الجزاءِ أو العدةُ بأنَّ الفصلَ يكونُ يومَ القيامةِ {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بـين الكافرينَ والمؤمنينَ أو بـينَ المشركينَ وشركائِهم {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقُرِىءَ بالفتحِ عطفاً على كلمة الفصلِ أي ولولا كلمةُ الفصلِ وتقديرُ عذابِ الظالمينَ في الآخرةِ لقُضيَ بـينهم في الدُّنيا فإنَّ العذابَ الأليمَ غالبٌ في عذابِ الآخرةِ. {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} يومَ القيامةِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممن يصلحُ له للقصدِ إلى أنَّ سوءَ حالِهم غيرُ مختصَ برؤية راءٍ دونَ راءٍ {مُشْفِقِينَ} خائفينَ {مِمَّا كَسَبُواْ} من السيئاتِ {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أيْ ووبالُه لاحقٌ بهم لا محالةَ أشفقُوا أو لم يُشفقُوا، والجملةُ حالٌ من ضمير مشفقينَ أو اعتراضٌ {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ} مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهِها {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ} أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم على أنَّ عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم، وقيلَ ظرفٌ ليشاءون {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين، وما فيهِ منْ مَعْنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} الذي لا يُقادَرُ قَدرُه ولا يُبلغُ غايتُه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الآية: 19]. قال ابن عطاء: يعلم من أنفسهم ما لا يعلمون من نفوسهم فربط كلاً بحده فمن بقى مع حده حجب ومن تجاوز حده هلك. قال بعضهم: تلطف بعبده من فنون المبار ما يتعجب فيها المتعجبون كما جاء فى الخبر حتى يقول الناس أهذا نبى أو ولى فقيل لهم: المتحابون فى الله. وقال على بن عبد العزيز: اللطيف من يلطف بهم من الجهات الخفية ومن أحسن إليك فى خفاء فقد لطف بك يرزق من يشاء من عباده يدخلهم الجنة فضلاً ولا يمن بها عليهم. قال أبو سليمان الدارانى: من لطف الله بعبده أن يميز له كنه معرفته حتى لا تتكدر عليه نعماؤه. سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم الفارسى يقول: سمعت أبا محمد الجريرى يقول فى قوله: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} معناه لطيف بعبده حيث لم يكشف له ما سبق من الأزلية لأنه لو كشف للسعيد سعادته لامتنع من عبادة الله والسعى فى طلب رضاه وكذلك الشقاوة. وقال الجنيد رحمة الله عليه: اللطيف الذى لطف بأوليائه حتى عرفوه. وقال ابن عطاء: الذى يعرف العيوب بلا دليل. وقال بعضهم: اللطيف الذى ينسى العباد فى الآخرة ذنوبهم لئلا يتحسروا. وقال القاسم: اللطيف الذى لم يدع أحداً يقف على مائية أسمائه فكيف يقف على مائية وصفه وذاته. وقال اللطيف الذى لطفه فى كل مكان حتى لا يبقى مكان إلا لطفه غالب عليه. قال بعضهم: اللطيف الذى لم يظهر شيئاً من الأكوان يقف على مائيته. قال بعضهم: اللطيف الذى لم يدع أحداً يقف على مائية أسمائه. وقال الجنيد رحمة الله عليه: اللطيف من نوّر قلبك بالهدى وربى جسمك بالغذاء وأخرجك من الدنيا مع الايمان بغير بلوى ويحرسك وأنت فى لظى ويمكنك حتى تنظر وترى هذا لطف اللطيف بالعبد اللطيف. قال أبو سعيد الخراز فى قوله: {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} موجود فى الظاهر والباطن والأشياء كلها موجوده به لكن يوجد ذكره فى قلب العبد مرة ويفقد مرة ليجدد بذلك افتقاره إليه. قال القاسم فى قوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} الفطنة والحكمة وهو القوى العزيز القوى بقوى الفطن والعزيز عزز عنايته ورعايته لا يبذلها لكل أحد.
القشيري
تفسير : {لَطِيفٌ} أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها. واللطيف هو المُلْطِف المحسن.. وكلاهما في وصفه صحيح. واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة، وما يكون سبب إحسانه للعبد اليومَ هو لُطْفٌ منه به. وأكثرُ ما يستعمل اللطف - في وصفه - في الإحسان بالأمور الدينية. ويقال: خَاطَبَ العابدين بقوله: {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}: أي يعلم غوامضَ أحوالهم. من دقيق الرياء والتصنُّع لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم وأعمالهم. وخاطَبَ العُصاةَ بقوله: "لطيف": لئلا ييأسوا من إحسانه. ويقال: خاطَبَ الأغنياءَ بقوله: "لطيف": ليعلموا أنه يعلم دقائقَ معاملاتهم في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل، وخاطَبَ الفقراءَ. بقوله: "لطيف" أي أنه مُحْسِنٌ يرزق من يشاء. ويقال: سماعُ قوله: "اللَّهُ" يوجِبَ الهيبةَ والفزع، وسماعُ "لطيفٌ" يوجِبُ السكونَ والطمأنينة. فسماعُ قوله: "اللَّهُ" أوجب لهم تهويلاً، وسماع قوله: "لطيفٌ" أوجب لهم تأميلاً. ويقال: اللطيفُ مَنْ يعطي قَدْرَ الكفاية وفوق ما يحتاج العبدُ إليه. ويقال: مَنْ لُطفِه بالعبد عِلْمُه بأنه لطيف، ولولا لُطفُه لَمَا عَرَفَ أنه لطيف. ويقال: مِنْ لُطْفِه أنه أعطاه فوق الكفاية، وكَلَّفَه دون الطاقة. ويقال: مِنْ لُطفِه بالعبد إبهام عاقبته عليه؛ لأنه لو علم سعادتَه لاتَّكَلَ عليه، وأَقَلَّ عملَه ولو عَلِمَ شقاوتَه لأيِسَ ولَتَرَكَ عَمَله.. فأراده أن يستكثرَ في الوقت من الطاعة. ويقال: من لطفه بالعبد إخفاءُ أَجَلِه عنه؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أَجَلُه. ويقال: من لطفه بالعبد انه يُنْسِيَه ما عمله في الدنيا من الزلّة؛ لئلا يتنغَّص عليه العَيْشُ في الجنة. ويقال: اللطيفُ مَنْ نَوَّر الأسرارَ، وحفظ على عبده ما أَوْدَعَ قلبَه من الأسرار، وغفر له ما عمل من ذنوبٍ في الإعلان والإسرار.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} لطيف باوليائه واهل معرفته ومحبته بان اودع ارواحهم فى الازل ودائع العلم اللدنى وانوار محبته الازلية واصطفاهم بقربه ووصاله واغرقهم فى بحار شوقه وعشقه ومعرفته ثم طالع اسرارهم بعلومه القديمة فراى لهب نيران قلوبهم من شوقه لا يخفى عليه هيجانهم وهيمانهم وشوقهم اليه فجذبهم من مكمن العدم ولا الى نور القدم واشهدهم على مشارب بحار الذات والصفات ثم جذبهم الى بساط العبودية وتلطف عليهم بان رفع عنهم اثقالها تلطفا وكرما حتى سهل عليهم مسالك الاستقامة ثم جدبهم الى مشاهدة الربوبية وادناهم منه ودنا منهم حتى يبقى البين فى البين قال تعالى فى وصف حبيبه دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى ثم حماهم من قهر غيرته والبسهم قباء انوار بفائه وتوجَّهم بتيجان المسرة وشد فى اوساطهم مناطق الحرمة واجلسهم على ارائك المملكة وخاطبهم باسرار ملكه وملكوته وجعلهم اهل سره واكرمهم بكشف ملكه لهم حتى حكموا فيه بشرط الانبساط لا يقل عليهم حقوق المعارف ولا يجرى عليهم الا انوار الكواشف هم طيور مناهل الوصال يطيرون فى باستين الجمال والجلال ويترنمون بالحان الصفات ويخبرون اهاليهم من اسرار الذات طوبى لهم ثم طوبى لهم طوبى لهم وحسن ماب فارجوا من كمال كرمه القديم وجوده العميم ان اكون طيرا من ملك البلابل اصفر بصفير الصفات واترنم من بطنان غيب الذات سُكرانا من رؤية الذات والها بالصفات ووالها من شرب الصفات مشغوفا بسنا الذات ثم افنى فى الذات وابقى فى الصفات ولا يجرى على بعد ذلك طوراق الفناء فابقى بقاء الابدى واتدارك ما فات منى من المعية القدمية مع القدم فان الأخر بالحقيقة اول والاول أخر والظاهر باطن والباطن ظاهر فنحن الاولون حيث قام الحق باوليته مقام اوليتنا وان كنا معدومين ونحن الأخرون من حيث البسنا الحق وصف بقائه ونحن الظاهرون بظهروه علينا ونحن اهل الباطن والغيب اذ لا غيب فى الكشف ولا باطن فى الظهور تعالى الله عن ان يدركه بوصف غيره رزق الله هذه المراتب العلية والمواهب السنية من أمن بنا وبكل ولى صدر من بساتين الغيب ومشارب القرب الذين يتكلمون بمثل هذه الكلمات البديهية الألهية الرّبانية كما قال سبحانه {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ} قوى باصطفائيتهم مما اختار لهم فى ازله الى ابده قال ابن عطا فى قوله الله لطيف بعباده يعمل من انفسهم ما لا يعلمونه من نفوسهم فريط كلا بحده فمن بقى مع حده حجب ومن تجاوز حده هلك قال ابو سلمان الدارانى من لطف الله بعبده ان قصرّ له كنه معرفته حتى لا تتكدر عليه نعماؤه وقال الجنيد اللطيف الذى لطف باوليائه حتى عرفوه وقال ابن عطا اللطيف الذى يعرف الغيوب بلا دليل قال بعضهم اللطيف الذى يتسنى العباد فى الأخرة ذنوبهم لئلا يتشورا وقال بعضهم الذى لم يدع احد يقف على مائه اسمائه فكيف الوقوف على مائه وصفه وذاته وقال ابو سعيد الحراز فى قوله الله لطيف بعباده موجود فى الظاهر والبطان والاشياء كلها موجوده به لكن يوجد ذكره فى قلب العبد مرة ويفقده مرة ليحدد بذلك افتقاره اليه وقال القاسم فى قوله يرزق من يشاء الفطنة والحكمة وهو القوى العزيز القوى القوى الفطن والعزيز عزز عنايته ورعايته ولا يبذلها لكل احد قال الاستاذ اللطيف هو العالم بدقائق الرموز وغوامضها.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله لطيف بعباده} اى بر بليغ البر بهم يفيض عليهم من فنون الطافه ما لا يكاد يناله ايدى الافكار والظنون قوله من فنون الطافه يؤخذ ذلك من صيغة لطيف فانها للمبالغة وتنكيره ايضا وقوله ما لا يكاد الخ مأخذه مادة الكلمة فان اللطف ايصال نفع فيه دقة {يرزق من يشاء} أن يرزقه كيفما يشاء فيخص كلا من عباده الذين عمهم جنس لطفه بنوع من البر على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا مخالفة بين عموم الجنس وخصوص النوع يعنى أن المخصوص بمن يشاء هو نوع البر وصنفه وذلك لا ينافى عموم جنس بره بجميع عباده على ما افادته اضافة العباد الى ضميره تعالى حتى يلزم التناقص بين الكلامين فالله تعالى يبرهم جميعا لا بمعنى ان جميع انواع البر واصنافه يصل الى كل احد فانه مخالف للحكمة الالهية اذ لا يبقى الفرق حينئذ بين الاعلى والادنى بل يصل بره اليهم على سبيل التوزيع بان يخص احد بنعمة وآخر باخرى فيرجع بذلك كل واحد منهم الى الآخر فيما عنده من النعمة فينتظم به احوالهم ويتم اسباب معاشهم وصلاح دنياهم وعمارتها فيؤدى ذلك الى فراغهم لاكتساب سعادة الآخرة وقال بعضهم يرزق من يشاء بغير حساب اذ الآيات القرءآنية يفسر بعضها بعضا {وهو القوى} الباهر القدرة الغالب على كل شىء وهو يناسب عموم لطفه للعباد والقوة فى الاصل صلابة البنية وشدتها المضادة للضعف ولما كانت محالا فى حق الله تعالى حملت على القدرة لكونها مسببة عن القوة {العزيز} المنيع الذى لا يغلب وهو يلائم تخصيص من يشاء بما يشاء قال بعض الكبار لطفه بعباده لطف الفطرة التى فطر الناس عليها فى احسن تقويم مستعدة لقبول الفيض الالهى بلا واسطة ولطف الجذبة للوصلة وايضا لطيف بعباده بأن جعلهم عباده لا عباد الدنيا ولا عباد النفس والهوى والشيطان خاطب العابدين بقوله لطيف بعباده اى يعلم غوامض احوالكم من دقيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا باحوالهم واعمالهم وخاطب العصاة بقوله لطيف لئلا ييأسوا من احسانه وخاطب الفقرآء بقوله لطيف اى انه محسن بكم لا يقتلكم جوعا فانه محسن بالكافرين فكيف بالمؤمنين شعر : اديم زمين سفره عام اوست بر ين خوان يغماجه دشمن جه دوست تفسير : وخاطب الاغنياء بقوله لطيف ليعلمو أنه يعلم دقائق معاملاتهم فى جميع المال من غير وجه بنوع تأويل ومن لطفه بعباده انه جعلهم مظهر صفات لطفه ومن لطفه بعباده انه عرفهم انه لطيف ولولا لطفه ما عرفوه ومن لطفه بعباده انه زين اسرارهم بانوار العرفان وكاشفهم بالعين والعيان. در فصول آورده كه لطيف جندمعنى دارداول مهربان امام قشيرى فرموده كه لطف اوست كه بيشتر ازكفايت بدهد وكمتر ازقوت كار فرمايد دوم توازنده وكذا نوازندكى سوم بوشيده كار كسى برقضا وقدر اوراه نبرد ودركاه اوجه وجون دخل ندارد شعر : كسى زجون وجرادم تواندزد كه نقش كارحوادت وراى جون وجراست جرا مكوكه جرادست بسته قدرست زجون ملاف كه جون تير بايمال قضاست تفسير : در موضح آورده كه لطيف آنست كه عوامض اموررابعلم داند وجرائم مجهوررا بحلم كذراند دركشف الاسرار آورده كه لطيف آنست كه نعمت بقدر خود داد وشكر بقدر بنده خواست. وقال بعضهم اللطيف الذى ينسى العباد ذنوبهم فى الآخرة لئلا يتشوشوا وقال ابو سعيد الخراز قدس سره الله لطيف بعباده موجود فى الظاهر والباطن والاشياء كلها موجودة به لكن يوجد ذكره فى قلب العبد مرة ويفقد مرة ليجدد بذلك افتقاره اليه وقال جعفر الصادق رضى الله عنه لطفه فى الرزق الحلال وتقسيمه على الاحوال يعنى انه رزقك من الطيبات ولم يدفعه اليك مرة واحدة وقال على بن موسى رضى الله عنه هو تضعيف الاجر وقال الجنيد قدس سره هو الذى لطف باوليائه فعرفوه ولو لطف باعدآئه ما جحدوه وقيل هو الذى ينشر المناقب ويستر المثالب وقال بعضهم لطف وى بوداز توطاعات موقت خواست ومثوبات مؤبد داد خدايرا لطف است وهم قهر بلطف او كعبه ومسجدها رابنا كردند وبقهرا وكليساها وبتكدها برآوردند بس بعضى بطريق لطف سلوك ميكند بسبب توفيق وبعضى بطريق قهرميرودبمقتضاى خذلان مؤذنى بودجندين سال بانك نماز كفته روزى برمناره رفت ديده وى برزنى ترسا افتاد تعشق كردجون ازمناره فروآمد بدرسرايش رفت قصه باوى بكفت آن زن كفت اكر دعوى راستست ودر عشق صادقى موافقت شرطست زنار بر ميان بايدبست آن بدبخت بطمع آن زن زنار ترسايى بربست وخمر خورد وجون مست كشف قصدآن زن كرد زن بكريخت ودرخانه شدآن بدبخت بربام رفت تابحيلتى خويشتزا در ان خانه افكند بخذلان ازلى ازبام درفتاد وبترسايى هلاك شد جند بن سال مؤذنى كرد درشرآئع اسلام ورزيد وبعاقبت برتسايى هلاك شد وبمقصود نرسد (قال الحافظ) شعر : حكم مستورى ومستى همه بر خاتمتست كس نداست كه آخربجه حالت برود تفسير : وقال الامام الغزالى رحمه الله اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك فى ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف واذا اجتمع الرفق فى الفعل واللطف فى العلم والادراك ثم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك فى العلم والفعل الا لله وحده ومن لطفه خلقه الجنين فى بطن امه فى ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغديته بواسطة السرة الى ان ينفصل فيستقل بالتناول للغذآء بالفم ثم الهامه اياه عند الانفصال التقام الثدى وامتصاصه ولو فى ظلمات الليل من غير تعليم ومشاهدة بل تتفتق البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب فى الحال ثم تأخير خلق السن من اول الخلقة الى وقت انباته للاستغناء باللبن عن السن ثم انباته السن بعد ذلك عند الحاجة الى طحن الطعام ثم تقسيم الاسنان الى عريضة للطحن والى انياب للكسر والى ثنايا حادة الاطراف للقطع ثم استعمال اللسان الذى الغرض الاظهر منه النطق ورد الطعام الى المطحن كالمجرفة فيكون الانسان فى زمرة الجمادات واول نعمة عليه أن الله تعالى كرمه فنقله من عالم الجماد الى عالم النبات ثم عظم شأنه فنقله من عالم النبات الى عالم الحيوان فجعله حساسا متحركا بالارادة ثم نقله الى عالم الانسان فجعله ناطقا وهى نعمه اخرى اعظم مما سبق ومن لطفه أنه يسر لهم الوصول الى سعادة الابد بسعى خفيف فى مدة قصيرة وهو العمر القليل ومن لطفه اخراج اللبن الصافى من بين فرث ودم واخراج الجواهر النفيسة من الاحجار الصلبة واخراج العسل من النحل والابريسم من الدود والدر من الصدف الى غير ذلك وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله والتلطف بهم فى الدعوة الى الله والهداية الى سعادة الآخرة من غير ازرآء وعنف ومن غير تعصب وخصام واحسن وجوه اللطف فيه الجذب الى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والاعمال الصالحة فانها اوقع والطف من الالفاظ المزينة ولذلك قال عليه السلام "حديث : صلوا كما رأيتمونى اصلى" تفسير : ولم يقل صلوا كما قلت لكم لأن الفعل ارجح فى نفس المقتدى من القول (وفى المثنوى) شعر : بند فعلى خلق را جذاب تر كه رسددرجان هربا كوش كر تفسير : ثم أن الارزاق صورية ومعنوية فالصورية ظاهرة والمعنوية هى علم التوحيد والمعارف الالهية التى تتغذى بها الارواح يقال غذآء الطبيعة الاكل والشرب وغذآء النفس التكلم بما لا يعنى وغذآء القلب الفكر وغذآء الروح علم التوحيد من حيث الافعال والصفات والذات وسائر المعارف الالهية مما لا نهاية لها والمنظر الالهى فى الوجود الانسانى هو القلب فاذا صلح هو بالتوحيد والذكر ونور الايمان والعرفان صلح سائر الاحوال ومن الله البر واللطف والاحسان والنوال والافضال
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ لَطِيفٌ} اى برّ {بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} العلم والفهم والايمان ويؤخّر عنهم السّاعة لعلّهم يتوبون ويتذكّرون فيعترفون {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ} الّذى يقدر على ما يشاء {ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا يمنعه مانعٌ من فعله فتأخير مؤاخذتهم ليس لعجزٍ ولا لمانعٍ منه عن ذلك بل للطفه بهم.
الأعقم
تفسير : {الله لطيف بعباده}، قيل: بارئهم، وقيل: اللطيف الذي يقبل القليل ويعطي الجزيل {يرزق من يشاء وهو القوي} القادر {العزيز} الذي لا يمتنع عليه شيء {من كان يريد حرث الآخرة} يعني من أراد بعمله الدار الآخرة ووجه الله وجاهد وغيره {نزد له في حرثه} في جزائه كقوله: {أية : فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160] وإن أراد بالحرث العمل {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها} أي نزد له بعمله، أي نعطيه رزقه ما قسم له من الدنيا، وقيل: من جاهد مع المؤمنين وطلب الغنائم يعطى من الغنائم ولا نصيب له في الثواب، وقيل: أراد بذلك المنافقين، وقيل: أراد الجهاد وسائر العبادات {وما له في الآخرة من نصيب} أي لا حظّ له في الآخرة {أم لهم شركاء}، قيل: لهم آلهة يعني الأصنام، وقيل: علماء السوء يعني لم يشرعوا ديناً فكيف يخالفون ما شرع الله {ما لم يأذن به الله} يعني لم يأمر الله {ولولا كلمة الفصل} أي لولا وعد القضاء إلى مدة {لقضي بينهم} بعذاب يعاجلهم {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} موجع {ترى الظالمين مشفقين} خائفين {مما كسبوا وهو واقع بهم} يعني ما استحقوا من العذاب نازل بهم يوم القيامة لا محالة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} والرياض اسم لمواضع مخصوصة {لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم المستحقون له فيسرون به {قل لا أسألكم عليه أجراً} أي على ما أدعوكم إليه {إلاَّ المودة في القربى}، قال جار الله: أنها لما نزلت قيل: حديث : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما" تفسير : ويدل عليه ما روي عن علي (عليه السلام) قال: "حديث : شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسد الناس، قال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن ايماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا" تفسير : وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولما يجازه فأنا أجازه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة"تفسير : ، "حديث : وروي أن الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا كأنهم افتخروا فقال عباس أو ابن عباس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاهم في مجالسهم فقال: "يا معاشر الأنصار ألم تكونوا أذلةً فأعزكم الله بي؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أفلا تجيبوني؟" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: "ألا تقولون ألم يخرجك قومك فأويناك، أولم يكذبوك فصدقناك، أولم يخذلوك فنصرناك" قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله"تفسير : ، فنزلت الآية، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له مؤمناً مستكملاً للايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح الله له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزاره لملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة"تفسير : ، ذكر الكلام المتقدم في الكشاف، قال في الحاكم، قيل: اجتمع المشركون وقالوا: أترون أن محمداً سأل على ما يتعاطاه أجراً فنزلت الآية، وقيل: لما نزلت: {إلاَّ المودة في القربى}، قال قوم: يحث على مودة أقاربه من بعده فنزل جبريل فقال: اتهموك {ومن يقترف حسنة} أي يعمل طاعة {نزد له فيها حسناً}، قيل: يثيبُه ويزد له من فضله {إنه غفور} للذنوب {شكور} لمن أطاعه، يقبل القليل ويثيب عليه الجزيل.
الهواري
تفسير : قال: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} فبلطفه ورحمته خلق الكافر، ورُزق وعُوفِيَ وَأقبل وأدبر. قال: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ} أي: فلا أقوى منه {العَزِيزُ} فلا أعزّ منه. قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ} يعني العمل الصالح يرجو به ثواب الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} وهو تضعيف الحسنات، في تفسير الحسن. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا} أي: من الدنيا. وليس كل ما أراد من الدنيا يُؤتى، كقوله: (أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) تفسير : [الإسراء:18] [قال {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ} يعني في الجنة {مِن نَّصِيبٍ} وهو المشرك، لا يريد إلا الدنيا، لا يريد الآخرة]. ذكروا أن علياً قال: حرث الآخرة الأعمال الصالحات، وحرث الدنيا المال؛ وقد يجمعهما الله لمن يشاء من خلقه. ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] حديث : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم معايشكم، وإن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولم لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فإذا أحبه أعطاه الإيمان. فمن اشتد عليه الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يجاهده، وضن بالمال أن ينفقه فليكثر من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . تفسير : قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} على الاستفهام، أي: نعم، لهم شركاء، يعني الشياطين، جعلوهم شركاء لله، فعبدوهم، لأنهم دعوهم إلى عبادة الأوثان. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا} أي: إلا أمواتاً ليس فيهم روح، (أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) تفسير : [النساء:117]. قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ} أي: ألا يعذّب بعذاب الآخرة في الدنيا {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة، وأدخل المشركين النار. قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
اطفيش
تفسير : {اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} البر والفاجر كثير الاحسان اليهم يلقي صنوفاً من البر لا تبلغها الافهام وقيل لطيف بمعنى رفيق وعن ابن عباس حفي* {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} لم يخل أحد من احسانه لكن الاحسان أصناف والقسم تتفاوت على ما تقضي الحكمة فيصير لبعض العباد صنف من الاحسان لم يكن للآخرين يرزق هذا مالا وهذا ولداً ونحو ذلك فمن رزقه شيئاً ومده فقد رزق من يشاء ما لم يرزق به غيره وقيل اللطف بهم انه لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم ويرزق من يشاء دليل عليه كذا قيل وعن بعضهم اللطيف فى الرزق جعله من الطيبات وعدم دفعه مرة واحدة وقيل المراد بالعباد المؤمنون ولطفه بهم توفيقهم* {وَهُوَ الْقَوِيُّ} القادر على كل ما يشاء* {الْعَزِيزُ} الغالب المنيع الذي لا يغلبه غيره ولا يدافعه.
اطفيش
تفسير : {اللهُ لطيفٌ بعِباده} ينعم عليهم من حيث لا يعلمون أنعاما كثيرة، وذلك فى البار والفاجر، إذ لم يهلكه بجوع لفجور إلا أن الكافر لم يشكر نعمة اللطف، ولا مانع من إسناد البر الى الله فى شأن الكافر خلافا لبعض، وفسر بعضهم لطفه بكثرة الاحسان، وبعض بالرفق، ومن التصوف أنه لطف بأوليائه فعرفوه، ولو لطف بأعدائه ما جحدوه، وقيل: اللطف مطلق الانعام بلا قيد خفاء، والاضافة للعموم وقيل المراد المؤمنون وبره بهم توفيقه، وادخالهم الجنة فالاضافة للتشريف. {يرزقُ من يَشَاء} هذا يناسب ارادة المؤمنين بالعبادة فالرزق رزق الجنة، أو المنافع الدينية من التوفيق وغيره، والأخروية وادخال الجنة والا فرزق الدنيا قد شاءه لكل أهل الدنيا من بر وفاجر، فهذا كقوله تعالى: "أية : ليجزيهم الله أحسن ما عملوا" تفسير : [النور: 38] الى " أية : بغير حساب" تفسير : [النور: 38] وفى الحديث القدسى: " حديث : إن من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وأن من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وان من عبادى المؤمنين من لا يصلح ايمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وإن من عبادى المؤمنين من يسألنى بابا من العبادة فأكفه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك إنى أدبر أمر عبادى بعلمى بقلوبهم أنى عليم خبير" تفسير : وإن جعلنا الرزق على العموم للبر والفاجر، وكل ذى روح، فالمعنى يرزق ما يشاء لمن يشاء فيدخل أرزاق الدنيا للمؤمن والكافر وأرزاق الدين والآخرة للمؤمن وهو أنسب بقوله: {هُو القَويُّ} القادر على ما يشاء من رزق وعينك {العَزيزُ} لا يرد عما أراد.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} بر بليغ البر بهم يفيض جل شأنه على جميعهم من صنوفه ما لا يبلغه الأفهام ويؤذن بذلك مادة اللطف وصيغة المبالغة فيها وتنكيرها الدال على المبالغة بحسب الكمية والكيفية. قال حجة الإسلام [الغزالي] عليه الرحمة: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها ولطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطيف ولا يتصور كمال ذلك إلا في الله تعالى شأنه، فصنوف البر من المبالغة في الكم، وكونها لا تبلغها الأفهام من المادة / والمبالغة في الكيفية لأنه إذا دق جداً كان أخفى وأخفى، وإرادة الجميع من إضافة العباد وهو جمع إلى ضميره تعالى فيفيد الشمول والاستغراق. وبالعموم قال مقاتل إلا أنه قال: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً. وقال أبو حيان: ((لطيف بعباده أي بر بعباده المؤمنين ومن سبق له الخلود في الجنة وما يُرى من النعم على الكافر فليس بلطف إنما هو إملاء إلا ما آل إلى رحمة ووفاة على الإسلام)). وحكى الطيبي هذا التخصيص عن الواحدي ومال إلى ترجيحه وذلك أنه ادعى أن الإضافة في {عِبَادِهِ} إضافة تشريف إذ أكثر استعمال التنزيل الجليل في مثل ذلك فيختص العباد بأوليائه تعالى المؤمنين، وحمل اللطف على منح الهداية وتوفيق الطاعة وعلى الكمالات الأخروية والكرامات السنية، وحمل الرزق في قوله تعالى: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} عليه أيضاً وقال: إن استعماله فيما ذكر كاستعماله في قوله تعالى: {أية : لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [النور: 38]. وجعل قوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ} مؤذناً بالتعليل كأنه قيل: إنما تلطف جل شأنه في حق عباده المؤمنين دون من غضب عليهم بمحض مشيئته سبحانه لأنه تعالى قوي قادر على أن يختص برحمته وكرامته من يشاء من عباده عزيز غالب لا يمنعه سبحانه عما يريده أحد، وادعى أنه يكون وزان الآية على هذا مع قوله تعالى:{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة توطئة لجملة { أية : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه } تفسير : [الشورى: 20] لأن ما سيذكر في الجملة الآتية هو أثر من آثار لطف الله بعباده ورفقه بهم وما يَسَّر من الرزق للمؤمنين منهم والكفار في الدّنيا، ثم ما خصّ به المؤمنين من رزق الآخرة، فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً مقدِّمة لاستئناف الجملة الموطَّإ لها، وهي جملة { أية : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه } تفسير : الآية [الشورى: 20]. وموقع جملة {من كان يريد حرث الآخرة} الخ فسنبينه. واللطيف: البَر القوي البِرّ. ويدخل في هذا كثير من النعم. فسّر عدد من المفسّرين {اللطيف} بواهب بعضها وإنما هو تفسيرُ تمثيل لا يخُصُّ دلالةَ الوصف به. وفعل (لَطَف) من باب نصر يتعدى بالباء كما هنا وباللام كما في قوله: { أية : إن ربّي لطيفٌ لما يشاء } تفسير : كما تقدم في سورة يوسف (100). وتقدم تحقيقُ معنى اسمه تعالى {اللطيف}. وعباده عام لجميع العباد، وهم نوع الإنسان لأنه جمع مضاف. وجملة {يرزق من يشاء} في موضع الحال من اسم الجلالة، أو في موضع خبر عنه. والرزق: إعطاء ما ينفع. وهو عندنا لا يختص بالحلال وعند المعتزلة يختص به والخلاف اصطلاح. والظاهر: أن المراد هنا رزق الدّنيا لأن الكلام توطئة لقوله: { أية : من كان يريد حرث الآخرة } تفسير : [الشورى: 20]. والمشيئة: مشيئة تقدير الرّزق لكل أحد من العباد ليكون عموم اللطف للعباد باقياً، فلا يكون قوله: {من يشاء} في معنى التكرير، إذ يصير هكذا يرزق من يشاء من عباده الملطوفِ بجميعهم، وما الرزق إلا من اللطف، فيصيرُ بعضَ المعنى المفاد، فلا جرم تعيّن أن المشيئة هنا مصروفة لمشيئة تقدير الرزق بمقاديره. والمعنى: أنه للطفه بجميع عباده لا يترك أحداً منهم بلا رزق وأنه فضل بعضهم على بعض في الرزق جرياً على مشيئته. وهذا المعنى يثير مسألة الخلاف بين أيمة أصول الدّين في نعمة الكافر، ومِن فروعها رزقُ الكافر. وعن الشيخ أبي الحسن الأشعري أن الكافر غير منعم عليه نعمةً دنيوية لأن ملاذّ الكافر استدراج لمَّا كانت مفضية إلى العذاب في الآخرة فكانت غير نعمة، ومرادهم بالدنيوية مقابل الدينية. وكأنَّ مراد الشيخ بهذا تحقيق معنى غضب الله على الكافرين كما جاء في آيات كثيرة، فمراده: أن الكافر غير مُنْعَم عليه نعمةَ رضى وكرامةٍ ولكنها نعمة رحمة لما له من انتساب المخلوقية لله تعالى. وقال أبو بكر الباقلاني: الكافر منعَم عليه نعمة دُنيوية. وقالت المعتزلة: هو منعم عليه نعمة دنيوية ودينية: فالدنيوية ظاهرة، والدّينية كالقُدرة على النظر المؤدي إلى معرفة الله. وهذه مسألة أرجع المحققون الخلافَ فيها إلى اللفظ والبناءِ على المصطلحات والاعتبارات الموافقة لدقائق المذاهب، إذ لا ينازع أحد في نعمة المنعمين منهم وقد قال تعالى: { أية : وذرْني والمُكذبين أولي النَّعْمَة } تفسير : [المزمل: 11]. وعُطف {وهو القوي العزيز} على صفة {لطيف} أو على جملة {يرزق من يشاء} وهو تمجيد لله تعالى بهاتين الصفتين، ويفيد الاحتراس من توهم أن لطفه عن عجز أو مصانعة، فإنه قوي عزيز لا يَعجز ولا يصانِع، أو عن توهم أن رزقه لمن يشاء عن شحّ أو قِلّةٍ فإنه القويّ، والقوي تنتفي عنه أسباب الشحّ، والعزيز ينتفي عنه سبب الفقر فرزقه لمن يشاء بما يشاء منوط لحكمة عَلِمها في أحوال خلقه عامة وخاصة، قال تعالى: { أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكِنْ ينزِّل بقَدَر ما يشاء } تفسير : [الشورى: 27] الآية. والإخبار عن اسم الجلالة بالمسند المعَرّفِ باللام يفيد معنى قصر القوة والعزة عليه تعالى، وهو قصر الجنس للمبالغة لكماله فيه تعالى حتى كأنَّ قوة غيره وعزّة غيره عَدَم.
القطان
تفسير : حرثَ الآخرة: العمل الصالح الباقي. حرث الدنيا: متاعها من مال وبنين وغيرهما. يقال حرثَ المال: جمعه، وكسبه، واحترثه مثلُه. أم لهم شركاء: شركاء في الكفر. شرعوا لهم: زينوا لهم. ما لم يأذن به الله: كالشرك وانكار البعث والعمل للدنيا فقط. كلمة الفصل: هي الحكم والقضاء منه تعالى بتأخيرهم الى يوم القيامة. روضات الجنات: اطيبُ بقاعها وأجملها. يبين الله تعالى أنه لطيف بعباده، ومن لُطفه انه يرزق من يشاء كما يشاء، وانه القويّ الذي لا يُقهر ولا يغلب، ولا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم بين ان من كان يريد بعمله ثوابَ الآخرة - يضاعَف له اجره اضعافا كثيرة، ومن كان يريد بأعماله متاع الدنيا وجلْب لذّاتها يَعْطِهِ الله ما يريد، وليس له في الآخرة نصيب من نعيمها. ومثلُ ذلك في سورة آل عمران {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 145]. ثم أعقب ذلك بذِكر ما وسوستْ به الشياطين لشركائهم، وزينت لهم من الشِرك بالله وانكار البعث والجزاء، وأنهم كانوا يستحقُّون العذابَ العاجل على ذلك، لكن الله تعالى أجّله لما سبق في علمه من تأخيرهم الى يوم معلوم. {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وترى يوم القيامة الظالمين خائفين أشدّ الخوف مما كسَبوا من السيئات، فالعذاب واقعٌ بهم. وفي المقابل ترى الذين آمنوا وعملوا الصالحات متمتعين في أطيبِ بقاع الجنّات، لهم ما يتمنّون من النعيم عند ربهم. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} ذلك هو الجزاء العظيم الذي اعطاهم إياه ربهم، وهو الذي يفوق كل كرامة في الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : (19) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ سَوَاءٌ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ البَرُّ والفَاجِرُ، فَهُوَ يُوسِّعُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيَدْفَعُ عَمَّنْ يُرِيدُ البَلاَءَ، وَهُوَ القَوِيُّ الذِي لاَ يُغَالَب، العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ. لَطِيفٌ - بَرٌّ، رَفِيقٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {لَطِيفٌ ..} [الشورى: 19] أي رفيق في معاملة العباد، يعفو عن الكثير ولا يُؤاخذ عبده بأول جريمة؛ لذلك لما جاءوا بامرأة سرقتْ في عهد عمر. قالت له: والله ما سرقت قبل ذلك وهذه أول مرة، فقال لها: كذبت ما كان الله ليفضحك من أول جريمة. ويقول عز وجل: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30] يعني: عن كثير من سيئاتكم ولا يؤاخذكم إلى على البادي منها. ومن معاني اللطيف أنه الدقيق الذي يتغلغل في الأشياء، وسبق أنْ قلنا في الماديات: إن الشيء كلما دَقَّ وصَغُر عَنُف وصَعُب التحصُّن منه، ومثَّلنا لذلك بمَنْ بنى بيتاً في الخلاء ووضع على الشبابيك شبكةً من الحديد تمنع الذئاب والوحوش، ثم وجد في البيئة ذباباً وناموساً فجاء بشبكة أخرى أدق وأضيق. وهكذا، فمن صفاته تعالى أنه لطيف يعني: لا يحتجب دونه شيء، ولا يخفى عليه شيء مهما دَقَّ ومهما صَغُر، ونحن نقول للإنسان المهذَّب صاحب الخُلُق: فلان لطيف يعني ليِّن في التعامل. فمن لطفه سبحانه بنا أنْ جعل لنا توبةً مقبولة، وجعل لنا مواسم للعبادة تُضَاعف فيها الحسنات وتُمحى السيئات، وكأنها (أوكازيونات) للطاعة وتحصيل الحسنات، من لطفه تعالى بنا أنْ جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة فواحدة. وقوله تعالى: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ} [الشورى: 19] يرزق لأنه الخالق، وهو سبحانه الذي استدعى هذا الخلق لذلك تكفل له برزقه، وهو سبحانه القوي لأن اللطف لا يكون إلا من قوة، وهو سبحانه العزيز الغالب الذي لا يمتنع عنه شيء ولا يغلبه شيء.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الساعة وما يلقاه عند قيامها المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار من الحساب والجزاء، ذكر هنا أنه لطيف بالعباد لا يعاجل العقوبة للعصاة مع استحقاقهم للعذاب، ثم ذكر مآل المتقين، ومآل المجرمين في الآخرة، دار العدل والجزاء. اللغَة: {لَطِيفٌ} برٌّ رفيقٌ رحيم {حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} الحرثُ في الأصل: إلقاء البذور في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ثم استعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة {ٱلْفَصْلِ} القضاء السابق {يَقْتَرِفْ} يكتسب {رَوْضَاتِ} جمع روضة وهو الموضع الكثير الأزهار والأشجار والثمار كالمنتزه وغيره {يَقْتَرِفْ} يكتسب {ٱلْغَيْثَ} المطر سمي غيثاً لأنه يُغيث الخلق {قَنَطُواْ} يئسوا{بَثَّ} فرَّق ونشر {بِمُعْجِزِينَ} فائتين من عذاب الله بالهرب. التفسِير: {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أي بارٌّ رحيم بالخلق كثير الإِحسان بهم، يفيض عليهم من الخيرات والبركات مع عصيانهم قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} أي يوسِّع الرزق على من يشاء قال القرطبي: وفي تفضيل قومٍ بالمال حكمه، ليحتاج البعضُ إلى البعض، وهذا من لطفه بالعباد، وأيضاً ليمتحن الغنيَّ بالفقير، والفقير بالغني كقوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}تفسير : [الفرقان: 20] {وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ} أي القادر على كل ما يشاء {ٱلْعَزِيزُ} أي الغالبُ الذي لا يُغالب ولا يُدافع ثم لما بيَّن كونه لطيفاً بالعباد، كثير الإِحسان إليهم، أشار إلى أن الإِنسان ما دام في هذه الحياة فعليه أن يسعى في طلب الخيرات لأسباب السعادة فقال {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} أي من كان يريد بعمله ثواب الآخرة ونعيمها، نزدْ له في أجره وثوابه، بمضاعفة حسناته {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي ومن كان يريد بعمله متاع الدنيا ونعيمها فقط، نعطه بعض ما يطلبه من المتاع العاجل ممَّا قُدر له {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} أي وليس له في الآخرة حظٌ من الثواب والنعيم قال الزمخشري: سمَّى ما يعمله العامل مما يبتَغي به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز، وفرَّق بينهما بأن من عمل للآخرة ضوعفت حسناته، ومن عمل للدنيا أُعطي شيئاً منها لا ما يريده ويبتغيه وقال في التسهيل: حرثُ الآخرة عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعارٌ من حرث الأرض، لأن الحرَّاث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل، ثم أخذ ينكر على الكفار عبادتهم لغير الله، مع أنه الخالق المتفضل على العباد فقال {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ}؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي ألهؤلاء الكفار شركاء من الشياطين أو آلهة من الأوثان، شرعوا لهم الشرك والعصيان الذي لم يأمر به الله؟ قال شيخ زاده: وإِسنادُ الشرع إلى الأوثان، وهي جمادات إسنادٌ مجازي، من إسناد الفعل إلى السبب، وسمَّاه ديناً للمشاكلة والتهكم {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي لولا أنَّ الله حكم وقضى في سابق أزله أن الثواب والعقاب يكونان يوم القيامة لحكم بين الكفار والمؤمنين، بتعجيل العقوبة للظالم، وإِثابة المؤمن {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي وإِن الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان لهم عذابٌ موجع مؤلم {تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ} أي ترى أيها المخاطب الكافرين يوم القيامة خائفين خوفاً شديداً من جزاء السيئات التي ارتكبوها في الدنيا {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي والجزاء عليها نازلٌ بهم يوم القيامة لا محالة، سواءً خافوا أو لم يخافوا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} أي والمؤمنون الصالحون في رياض الجنة يتمتعون، في أطيب بقاعها، وفي أعلى منازلها {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لهم في الجنات ما يشتهونه من أنواع اللذائذ والنعيم والثواب العظيم عند رب كريم قال ابن كثير: فأين هذا من هذا؟ أين من هو في الذل والهوان، ممن هو في روضات الجنان؟ فيما يشاء من مآكل ومشارب وملاذ؟ ولهذا قال تعالى {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي ذلك النعيم والجزاء هو الفوز الأكبر الذي لا يوازيه شيء قال القرطبي: أي الفضل الذي لا يوصف، ولا تهتدي العقول إلى حقيقة صفته، لأن الحقَّ جل وعلا إذا قال "كبير" فمن ذا الذي يقدر قدره؟ {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ذلك الإِكرام والإِنعام هو الذي يبشر الله به عباده المؤمنين المتقين، ليتعجلوا السرور ويزدادوا شوقاً إلى لقائه {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي قل لهم يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة شيئاً من الأجر والمال، إلاَّ أن تحفظوا حقَّ القربى ولا تؤذوني حتى أبلغ رسالة ربي قال ابن كثير: أي لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح مالاً، وإِنما أطلب أن تذروني حتى أبلغ رسالات ربي، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة قال ابن عباس: يقول إلا أن تصلوا ما بين وبينكم من القرابة، وتؤذوني في نفسي لقرابتي منكم {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} أي ومن يكتسب ويفعل طاعةً من الطاعات نضاعف له ثوابها {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} أي غفور للذنوب شاكر لإِحسان المحسن، لا يضيع عنده عمل العامل، ولهذا يغفر الكثير من السيئات، ويكثِّر القليل من الحسنات {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}؟ أي بل أيقول كفار قريش إن محمداً اختلق الكذب على الله بنسبة القرآن إليه؟ قال أبو حيان: وهذا استفهام إنكار وتوبيخ للمشركين على هذه المقالة أي مثله لا يُنسب إلى الكذب على الله مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} أي لو افتريت على الله الكذب كما يزعم هؤلاء المجرمون لختم على قلبك فأنساك هذا القرآن، وسلبه من صدرك، ولكنك لم تفتر على الله كذباً ولهذا أيَّدك وسدَّدك قال ابن كثير: وهذه كقوله جل وعلا {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ}تفسير : [الحاقة: 44-46] وقال أبو السعود: والآيةُ استشهادٌ على بطلان ما قالوا ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعاً، بالختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرفٍ من حروفه {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} أي يزيل الله الباطل بالكلية {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي ويثبتُ اللهُ الحق ويوضّحه بكلامه المنزل، وقضائه المبرم وقال ابن كثير: بكلماته أي بحججه وبراهينه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عالم بما في القلوب، يعلم ما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر وقال القرطبي: والمراد أنك لو حدثت نفسك أن تفتري الكذب لعلمه الله وطبع على قلبك {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} هذا امتنانٌ من الرحمن على العباد أي هو جل وعلا بفضله وكرمه يتقبل التوبة من عباده، إِذا أقلعوا عن المعاصي وأنابوا بصدقٍ وإِخلاص نيّة {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي يصفح عن الذنوب صغيرها وكبيرها لمن يشاء {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} أي يعلم جميع ما تصنعون من خيرٍ أو شر {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ويستجيب الله دعاء المؤمنين الصالحين قال الرازي: أي ويستجيبُ اللهُ للمؤمنين إلاَّ أنه حذف اللام كما حذف في قوله {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ}تفسير : [المطففين: 3] أي كالوا لهم {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} أي ويزيدهم من جوده وكرمه فوق ما سألوا واستحقوا لأنه الجواد الكريم، البرُّ الرحيم {وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي وأما الكافرون بالله فلهم العذاب الموجع الأليم في دار الجحيم {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} أي ولو وسَّع الله الرزق على عباده لطغوا وبغَوْا وأفسدوا في الأرض بالمعاصي والآثام، لأن الغنى يوجب الطغيان قال ابن كثير: أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشراً وبطراً، وقال قتادة: خير العيش ما لا يُلهيك ولا يُطغيك {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} أي ولكنه تعالى يُنزّل أرزاق العباد بما تقتضيه الحكمة والمصلحة كما جاء في الحديث القدسي "حديث : إنَّ من عبادي من لا يصلُحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإِن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه"تفسير : {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} أي عالم بأحوالهم وما يصلحهم، فيعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} تعديدٌ لنعمه على العباد أي هو تعالى الذي ينزّل المطر، الذي يغيثهم من الجدب، من بعد ما يئسوا من نزوله {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أي ويبسط خيراته وبركاته على العباد {وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي وهو الوليُّ الذي يتولى عباده، المحمود بكل لسان على ما أسدى من النعماء {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ومن دلائل قدرته، وعجائب حكمته، الدالة على وحدانيته، خلقُ السماوات والأرض بهذا الشكل البديع {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} أي وما نشر وفرَّق في السماوات والأرض من مخلوقات قال ابن كثير: وهذا يشمل الملائكة والإِنس والجن، وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم وأجناسهم وأنواعهم وقال مجاهد: هم الناسُ والملائكة {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} أي وهو تعالى قادر على جمع الخلائق للحشر والحساب والجزاء، في أيِّ وقتٍ شاء {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي وما أصابكم أيها الناس مصيبة من المصائب في النفس أو المال فإِنما هي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها قال الجلال: وعبَّر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تُزاول بها {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي ويصفح عن كثير من الذنوب فلا يعاقبكم عليها، ولو آخذكم بكل ما كسبتم لهلكتم وفي الحديث "حديث : لا يصيب ابن آدم خدش عود، أو عثرة قدمٍ، ولا اختلاجُ عرقٍ إلا بذنبٍ، وما يعفو عنه أكثر"تفسير : {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي ولستم أيها المشركون فائتين من عذاب الله، ولا هاربين من قضائه، وإِن هربتم من أقطارها كل مهرب {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي وليس لكم غير الله وليٌّ يتولى أموركم ويتعهد مصالحكم، ولا نصير يدفع عنكم عذابه وانتقامه. فَائِدَة: المصائب التي تُصيب الناس لتكفير السيئات، وأما الأنبياء فإِنما هي لرفع الدرجات لأنهم معصومون عن الذنوب والآثام. تنبيه: قال بعض العلماء: لا يستبعد أن يكون في الكواكب السيارة، والعوالم العلوية مخلوقات - غير الملائكة - تشبه مخلوقات الأرض، وأن يكون فيها حيوانات تشبه الحيوانات التي على أرضنا كما تدل الدلائل الفلكية على وجود حياةٍ في المريخ، واستدلوا بهذه الآية {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} الآية، أقول: يحتمل أن يوجد في هذا الفضاء الواسع، مخلوقات حيَّة غير الإِنسان، أما الإِنسان فإِننا نقطع بأنه لا يوجد إلا فوق سطح هذا الكوكب الأرضي لقوله تعالى: {أية : قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}تفسير : [الأعراف: 25].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده -وخصوصا المؤمنين- إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون. فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسر له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام، أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثوهم على الخير، ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه. ومن لطفه أن أمر المؤمنين، بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض. ومن لطفه، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية صرفها عنه، وقدر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: { يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ } بحسب اقتضاء حكمته ولطفه { وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } الذي له القوة كلها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع الأشياء. ثم قال تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ } أي: أجرها وثوابها، فآمن بها وصدق، وسعى لها سعيها { نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } بأن نضاعف عمله وجزاءه أضعافا كثيرة، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } تفسير : ومع ذلك، فنصيبه من الدنيا لا بد أن يأتيه. { وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا } بأن: كانت الدنيا هي مقصوده وغاية مطلوبه، فلم يقدم لآخرته، ولا رجا ثوابها، ولم يخش عقابها. { نُؤْتِهِ مِنْهَا } نصيبه الذي قسم له، { وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } قد حرم الجنة ونعيمها، واستحق النار وجحيمها. وهذه الآية، شبيهة بقوله تعالى: {أية : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ } تفسير : إلى آخر الآيات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):