Verse. 4292 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

مَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الْاٰخِرَۃِ نَزِدْ لَہٗ فِيْ حَرْثِہٖ۝۰ۚ وَمَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِہٖ مِنْہَا وَمَا لَہٗ فِي الْاٰخِرَۃِ مِنْ نَّصِيْبٍ۝۲۰
Man kana yureedu hartha alakhirati nazid lahu fee harthihi waman kana yureedu hartha alddunya nutihi minha wama lahu fee alakhirati min naseebin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من كان يريد» بعمله «حرث الآخرة» أي كسبها وهو الثواب «نزد له في حرثه» بالتضعيف فيه الحسنة إلى العشرة وأكثر «ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها» بلا تضعيف ما قسم له «وما له في الآخرة من نصيب».

20

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّـن كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بيّـن أنه لا بد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } قال صاحب «الكشاف» إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله « حديث : نحن لآخرون السابقون » تفسير : الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } وقال في مريد حرث الدينا {نُؤْتِهِ مِنْهَا } وكلمة من للتبعيض، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله، وقال في سورة بني إسرائيل { أية : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء: 18] وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد، وإذا كان الميل أبداً في التزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة {نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ } ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّـن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّـن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّـن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة، فبيّـن بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في الترقي والتزايد وبيّـن بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التام الخامس: أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من النسيئة فبيّـن تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لا بد في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بيّـن تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لا بد في القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء. المسألة الثانية: في تفسير قوله {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } قولان الأول: المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } بتضعيف الثواب، قال تعالى: { أية : لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 30] وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها » تفسير : أو لفظً يقرب من أن يكون هذا معناه. المسألة الثالثة: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب: أنه تعالى قال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ } والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى. المسألة الرابعة: قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلاً عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية. وأعلم أن الله تعالى لما بيّـن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و{شُرَكَاؤُهُمْ } شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها، وقيل {شُرَكَاؤُهُمْ } أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: { أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36] وقوله {شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله، ثم قال: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } أي القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة في أن عطفاً له على كلمة الفصل يعني {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ } خائفين خوفاً شديداً {مِمَّا كَسَبُواْ } من السيئات {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ } لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قال: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِي رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق. ثم قال: {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } قال صاحب «الكشاف» قرىء يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره. واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } وقوله {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ } يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهاالثالث: أنه تعالى قال: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: {ٱلَّذِيَ يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ } وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلاً ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال: {قُل لاَّ أَسْـألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ } على ما أدعوكم إليه {أَجْراً إِلاَّ } أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي. والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعلى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه. القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرّحوا بنفي طلب الأجرة، فذكر في قصة نوح عليه السلام { أية : وَمَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 109] وكذا في قصة هود وصالح، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال: { أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } تفسير : [سبأ: 47] وقال: { أية : قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } تفسير : [ص: 86] الثالث: العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى: { أية : بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } تفسير : [المائدة: 67] وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء الرابع: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة { أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] وقال في صفة الدنيا { أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } تفسير : [النساء: 77] فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس: أن طلب الأجر كان يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } نقول الجواب عنه من وجهين الأول: أن هذا من باب قوله: شعر : ولا عيب غير أن سيوفهم بها من قراع الدارعين فلول تفسير : المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: { أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71] وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً » تفسير : والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }. ثم قال: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. المسألة الثالثة: نقل صاحب «الكشاف»: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من مات على حب آل محمد مات شهيداً ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة » تفسير : هذا هو الذي رواه صاحب «الكشاف»، وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه. وروى صاحب «الكشاف» أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال علي وفاطمة وابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » تفسير : وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله { أية : وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } تفسير : [الأعراف: 158] ولقوله تعالى: { أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النور: 63] ولقوله { أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] ولقوله سبحانه { أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21] الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه: شعر : يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كما نظم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أنى رافضي تفسير : المسألة الثانية: قوله {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: { أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [الواقعة: 10] فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا »تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » تفسير : ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة. ولنرجع إلى التفسير: أورد صاحب «الكشاف»: على نفسه سؤالاً فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة للقربى، وما معنى قوله {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ }؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله. ثم قال تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل. وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افَتَرَى عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدىء في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى: { أية : كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [الشورى: 3] واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى ههنا، ثم حكى ههنا شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } قال صاحب «الكشاف»: أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } وفيه وجوه الأول: قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب والثاني: يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين، لعلّ الله خذلني لعلّ الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه. ثم قال تعالى: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ } أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلاً كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه. ثم قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك. واعلم أنه تعالى لما قال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيماً، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة، وأقل ما لا بد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللّهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلاً قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً، كان ذلك مدحاً قليلاً، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحاً وثناءً. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة، والأول باطل وإلا لصار قوله {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } عين قوله {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ } والتكرار خلاف الأصل، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. ثم قال: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته. ثم قال: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه. والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله { أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ } تفسير : [المطففين: 3] وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } وما بعدها قوله {وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ } فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله. أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة. وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟ قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل يجوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج، ثم قال: {وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ } أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } والمقصود التهديد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الحرث العمل والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمر: وٱحرث لدنياك كأنك تعيش أبداً وٱعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. ومنه سمي الرجل حارثاً. والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثاً لآخرته، فأَدّى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدِّين؛ فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشراً إلى سبعمائة فأكثر. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} أي طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرِمه الرزق أصلاً، ولكن لا حظّ له في الآخرة من ماله؛ قال الله تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإسراء: 18 ـ 19]. وقيل: «نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ» نوفقه للعبادة ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة الطاعة؛ أي من أطاع فله الثواب. قيل: «نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ» أي نعطه الدنيا مع الآخرة. وقيل: الآية في الغَزْو؛ أي من أراد بِغَزْوِه الآخرةَ أوتي الثواب، ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها. قال القُشيريّ: والظاهر أن الآية في الكافر؛ يوسع له في الدنيا؛ أي لا ينبغي له أن يَغْتَرَّ بذلك لأن الدنيا لا تبقى. وقال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. وقال أيضاً: يقول الله تعالى: من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقاً قد قسمناه له لا بُدّ أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار. وروى جُوَيْبِرْ عن الضحاك عن ٱبن عباس قال: وقوله عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة «نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثهِ» أي في حسناته. «وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا» أي من كان من الفُجّار يريد بعمله الحَسَن الدنيا «نُوْتِهِ مِنْهَا» ثم نسخ ذلك في سبحان: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ}. والصواب أن هذا ليس بنسخ؛ لأن هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل. ألا ترى أنه قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يقل أحدكم اللهم ٱغفر لي إن شئت اللهم ٱرحمني إن شئت»تفسير : . وقد قال قتادة ما تقدم ذكره، وهو يبيّن لك أن لا نسخ. وقد ذكرنا في «هود» أن هذا من باب المطلق والمقيّد، وأن النسخ لا يدخل في الأخبار. والله المستعان. مسألة: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من توضأ تَبَرُّداً أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظّف عليه؛ فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة والتبرُّد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية؛ قاله ٱبن العربي.

البيضاوي

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الآخرة، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه. {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } فنعطه بالواحد عشراً إلى سبعمائة فما فوقها. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } شيئاً منها على ما قسمنا له. {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } إذ الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } بل ألهم شركاء، والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم. {شَرَعُواْ لَهُمْ } بالتزيين. {مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا. وقيل شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تدينوا به، أو صور من سنة لهم. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين الكافرين والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقرىء «أن» بالفتح عطفاً على كلمة {ٱلْفَصْلِ } أي {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } وتقدير عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا، فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة. {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } في القيامة. {مُشْفِقِينَ } خائفين. {مِمَّا كَسَبُواْ } من السيئات. {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } أي وباله لاحق بهم أشفقوا أو لم يشفقوا. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ } في أطيب بقاعها وأنزهها. {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى المؤمنين. {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا. {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي « يُبَشّرُ» من بشره وقرىء «يُبَشّرُ» من أبشره. {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة. {أَجْراً } نفعاً منكم. {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } أي تودوني لقرابتي منكم، أو تودوا قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى: لا أسألكم أجراً قط ولكني أسألكم المودة، و {فِى ٱلْقُرْبَىٰ } حال منها أي {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ } ثابتة في ذوي {ٱلْقُرْبَىٰ } متمكنة في أهلها، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث «حديث : الحب في الله والبغض في الله»تفسير : روي: أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال: «حديث : علي وفاطمة وابناهما»تفسير : وقيل {ٱلْقُرْبَىٰ } التقرب إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح، وقرىء «إلا مودة في القربى». {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } في الحسنة بمضاعفة الثواب، وقرىء «يزد» أي يزد الله وحسنى. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لمن أذنب. {شَكُورُ} لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة. {أَمْ يَقُولُونَ } بل أيقولون. {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } افترى محمد بدعوى النبوة أو القرآن. {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } استبعاد للافتراء عن مثله بالإِشعار على أنه إنما يجترىء عليه من كان مختوماً على قلبه جاهلاً بربه، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترىء بالافتراء عليه. وقيل يختم على قلبك يمسك القرآن أو الوحي عنه، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم. {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } استئناف لنفي الافتراء عما يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه أو بوعده، بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له، وسقوط الواو من {يمح} في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ }تفسير : [الإسراء: 11] {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } بالتجاوز عما تابوا عنه، والقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإِبانة، وقد عرفت حقيقة التوبة. وعن علي رضي الله تعالى عنه: هي اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإِعادة، ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } صغيرها وكبيرها لمن يشاء. {وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ} فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ الكوفيون غير أبي بكر «ما تفعلون» بالتاء. {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ } تفسير : [المطففين: 3] والمراد إجابة الدعاء أو الإِثابة على الطاعة، فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أفضل الدعاء الحمد لله»تفسير : أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل. {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ } لتكبروا وأفسدوا فيها بطراً، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية. {وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ } بتقدير. {مَا يَشَاء } كما اقتضته مشيئته. {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم فيقدر لهم ما يناسب شأنهم. روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت. وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا. {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «يُنَزّلُ» بالتشديد. {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } أيسوا منه، وقرىء بكسر النون. {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان. {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ} الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته. {ٱلْحَمِيدِ } المستحق للحمد على ذلك. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم. {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} عطف على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أو الـ {خلقُ}. {مِن دَابَّةٍ } من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيها في الجملة. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ} أي في أي وقت يشاء. {قَدِيرٌ } متمكن منه و {إِذَا } كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع. {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } فبسبب معاصيكم، والفاء لأن {مَا} شرطية أو متضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} من الذنوب فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ } بعمله {حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ } أي: كَسْبها وهو الثواب {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } بالتضعيف فيه الحسنة إلى العشر وأكثر [261:2] {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } بلا تضعيف ما قسم له {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَرْثَ الدُّنْيَا} الآية يعطي الله على نية الآخرة من الدينا ما شاء ولا يعطي على الدنيا إلا الدنيا، أو من عمل للآخرة أعطي بالحسنة عشر أمثالها ومن عمل للدنيا لم يزد على ما عمل لها {مِن نَّصِيبٍ} في الجنة شبه العامل بالزارع لاشتراكهما في طلب النفع.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} معناه: إرادة مُسْتَعِدٍّ عاملٍ، لا إرادةُ مُتَمَنٍّ مُسَوِّفٍ، والحَرْثُ في هذه الآية: عبارةٌ عن السَّعْيِ والتكسُّبِ والإعْدَاد. وقوله تعالى: {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} وَعْدٌ مُتَنَجَّزٌ؛ قال الفَخْرُ: وفي تفسير قوله: {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} قولان. الأوَّلُ: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيلِ سبيل الخَيْرَاتِ والطاعاتِ عليه، وقال مقاتل: تزد له في حَرْثِهِ بتضعيفِ الثواب؛ قال تعالى: {أية : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [فاطر:30] انتهى، وقوله: {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فَرُبَّ مُمْتَحَنٍ مُضَيَّقٌ عليه حريصٌ علَىٰ حَرْثِ الدنيا، مريدٌ له، لا يَحُسُّ بغيره، نعوذُ باللَّهِ مِنْ ذلكٰ وهذا الذي لا يعقل غيرَ الدنيا هو الذي نفى أنْ يكون له نصيبٌ في الآخرة. وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} «أم» هذه منقطعةٌ لا معادلةٌ، وهي بتقدير «بل»، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أنْ يكونَ المراد بهم الشياطين والمُغْوِينَ من أسلافهم، ويكون الضمير في {لَهُمْ} للكفار المعاصرين لمحمد ـــ عليه السلام ـــ فالاشتراك ههنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك باللَّه ـــ ويحتمل أنْ يكون المراد بالشركاء: الأصنام والأوثان؛ على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاءَ للَّه في أُلُوهِيَّتِهِ، ويكون الضمير في {شَرَعُواْ} لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم، والضمير في {لَهُمْ} للأصنام الشركاء، و{شَرَعُواْ} معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا و{ٱلدِّينِ} هنا: العوائدُ والأحكامُ والسِّيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذلك أيضاً المُعْتَقَدَاتُ السُّوء؛ لأَنَّهُم في جمِيع ذلك وضعوا أوضاعاً فاسدة، وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء اللَّه تعالى بأَنَّهُ يُؤخِّرُ عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. وقوله تعالى: {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} هي رؤية بَصَرٍ، و{مُشْفِقِينَ} حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح؛ لأنَّهم إنَّما أشفقوا حين نزل بهم، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مُشْفِقُون من أمر الساعة، كما تقدم، وهو واقع بهم. أبو حيان: ضمير {هُوَ} عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النَّضِرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏من كان يريد حرث الآخرة‏}‏ قال‏:‏ عيش الآخرة، ‏ {‏نزد له في حرثه‏}‏ ‏ {‏ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها‏} ‏ الآية قال‏:‏ من يؤثر دنياه على آخرته، لم يجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئاً، إلا رزقاً قد فرغ منه وقسم له‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ‏ {‏من كان يريد حرث الآخرة‏} ‏ قال‏:‏ من كان يريد عيش الآخرة نزد له في حرثه ‏{‏ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب‏}‏ قال‏:‏ من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئاً، إلا رزقاً قد فرغ منه وقُسِمَ له‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -‏ {‏ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في اليهود‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان، عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال‏:‏ ‏حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه‏}‏ الآية‏.‏ ثم قال‏: يقول الله‏:‏ ‏"‏ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى، وأسُدُّ فقرك، وإلا تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسدّ فقرك ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً‏ "من جعل الهم هماً واحداً اكفاه الله هم دنياه. ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر، عن علي - رضي الله عنه - قال‏:‏ الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة، الباقيات الصالحات‏. وأخرج ابن المبارك، عن مرة - رضي الله عنه - قال‏:‏ ذكر عند عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قوم قتلوا في سبيل الله، فقال‏:‏ إنه ليس على ما تذهبون وترون، إنه إذا التقى الزحقان، نزلت الملائكة، فكتبت الناس على منازلهم، فلان يقاتل للدنيا، وفلان يقاتل للملك، وفلان يقاتل للذكر، ونحو هذا، وفلان يقاتل يريد وجه الله، فمن قتل يريد وجه الله، فذلك في الجنة‏.‏ وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن رزين بن حصين - رضي الله عنه - قال‏:‏ قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فلما بلغت الحواميم، قال لي‏:‏ قد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت اثنتين وعشرين آية من ‏{حـمۤ عۤسۤقۤ} ‏ بكى ثم قال‏:‏ اللهم إني أسألك اخبات المخبتين، وخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإِيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ورجوت رحمتك والفوز بالجنة والنجاة من النار، ثم قال‏:‏ يا رزين، إذا ختمت فادع بهذه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن‏.

التستري

تفسير : قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ}[20] قال: حرث الآخرة القناعة في الدنيا، والرضا في الآخرة، وحرث الدنيا ما أريد به غيره. قال: ووجه آخر، يعني من عمل لله تعالى إيجاباً لا طلباً للجزاء صغر عنده كل مطلوب دون الحق عزَّ وجلَّ، فلا يطلب الدنيا ولا الجنة، وإنما يطلب النظر إليه، وهو حظ ذهن نفس الروح، وفهم العقل، وفطنة القلب كما خاطبهم، والاقتداء من غير أن كانت النفس الطبيعية حاضرة هناك، غير أن للنفس منها حظاً لامتزاجها بتلك الأنوار، مثل النسيم الطيب. ومن عمل لأجل الدنيا {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}[20]، فتشتغل نفسه بتنعم الدنيا التي هي حظها من أجل النصيب في الآخرة، وهو رؤية الحق على الأبد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} [الآية: 20]. قال سهل: حرث الدنيا القناعة وحرث الآخرة الرضا. قال بعضهم فى هذه الآية: من عمل لله محبةً له لا طلباً للجزاء صغر عنده كل شىء دون الله فلا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة بل يطلب الله من الدنيا والآخرة.

القشيري

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} نَزِدْه - اليومَ - في الطاعات توفيقاً، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقاً. ونَزِدْه في الآخرة ثواباً واقتراباً وفنونَ نجاةٍ وصنوفَ درجاتٍ. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا}: مكتفياً به نؤتِه منها ما يريد، وليس له في الآخرةِ نصب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} حرث الأخرة مشاهدته ووصاله وقربه وهذا للعارفين وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق لو يزيد من حرث الدنيا فهو معرفة الله ومحبته وخدمته والا فلا يزن الكون عند اهل المعرفة ذرة قال بعضهم فى هذه الأية من عمل لله محبة له لا طلبا للجزاء صغر عنده كل شئ دونه الله فلا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الأخرة بل يطلب الله من الدنيا والأخرة قال سهل حرث الدنيا القناعة وحرث الأخرة الرضا وقال ايضا حرث الأخرة القناعة فى الدنيا والمغفرة فى الأخرة والرضا من الله فى كل الاحوال وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار بها ومن كان بهذه الصفة فما له فى الأخرة من نصيب قال الاستاذ تزيده اليوم فى الطانعات توفيقا وفى المعارف وصفاء الحالات تحققها وتزيده فى الأخرة ثوابا واقترابا وفنون النجاة وصنوف الدرجات.

اسماعيل حقي

تفسير : {من} هركه {كان يريد حرث الآخرة} الحرث فى الاصل القاء البذر فى الارض يطلق على الزرع الحاصل منه ويستعمل فى ثمرات الاعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذور المتضمن لتشبيه الاعمال بالبذور من حيث انها فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الآخرة والمعنى من كان يريد باعماله ثواب الآخرة {نزد له فى حرثه} تضاعف له ثوابه بالواحد عشرة الى سبعمائة فما موقها (قال الكاشفى) جنانكه كشت دانه مى افزايد تايكى ازان بسيار ميشود همجنين عمل مؤمن روز بروز افزونى ميكيرد تاحدى كه يك ذره برابر كوه احد ميشود ولم يقل فى حقه وله فى الدنيا نصيب مع أن الرزق المقسوم له يصل اليه لا محالة للاستهانة بذلك والاشعار بأنه فى جنب ثواب الآخرة ليس بشىء ولذلك قال سليمان عليه السلام لتسبيحة خير من ملك سليمان كفته اند كه بر سليمان عليه السلام مال وملك وعلم عرضه كردندكه زين سه يكى اختياركن سليمان علم اختيار كرد مال وملك فرا فرودنداد شعر : دنيا طلبى بهره دنيات دهند عقبى طلبى هردوبيك جات دهند تفسير : فان قيل ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لاجل طلب الثواب او لاجل دفع العقاب فانه تصح صلاته واجمعوا على انها لا تصح لأن الرغبة فى الايمان والطاعة لا تنفع الا اذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه لكونه ايمانا وطاعة واما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيد لأنه يكون عليلا مريضا والجواب أن الحرث لا يتأتى الا بالقاء البذر الصحيح فى الارض والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس الا عبودية الله تعالى فلا يكون العمل اخرويا الا بان يطلب فيه رضى الله {ومن كان يريد} باعماله {حرث الدنيا} وهو متاعها وطيباتها والمراد الكافر أو المنافق حيث كانوا مع المؤمنين فى المغازى وغرضهم الغنيمة ودخل فيه اصحاب الاغراض الفاسدة جميعا {نؤته منها} اى شيئا منها حسبما قسمنا له لا ما لا يريده ويبتغيه فمنها متعلق بكائنا المحذوف الواقع صفة للمفعول الثانى ويجوز أن يكون كلمة من للتبعيض اى بعضها ومآل المعنى واحد دلت الآية على أن طالب الدنيا لا ينال مراده من الدنيا وفى الحديث "حديث : من كانت نيته الاخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه واتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه امره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له" تفسير : {وما له فى الآخرة من نصيب} من مزيدة للاستغراق اى ماله نصيب ما فى الاخرة اذ كانت همته مقصورة على الدنيا ولكل امرئ ما نوى فيكون محروما من ثواب الاخرة بالكلية وقال الامام الراغب ان الانسان فى دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثه ووقت الموت وقت حصاده والآخرة بيدره ولا يحصد الا ما زرعه ولا يكيل الا ما حصده (حكى) أن رجلا ببلخ امر عبده ان يزرع حنطة فزرع شعيراً فرآه وقت الحصاد وسأله فقال العبد زرعت شعيرا على ظن أن ينبت حنطة فقال مولاه يا احمق هل رأيت احدا زرع شعيرا فحصد حنطة فقال العبد فكيف تعصى انت وترجو رحمته وتغتر بالامانى ولا تعمل العمل الصالح شعر : ازرباط تن جوبكذشتى دكر معموره نيست زاد راهى بر نميدارى ازين منزل جرا تفسير : وكما ان فى البيدر مكيالا وموازين وامناء وحفاظا وشهودا كذلك فى الآخرة مثل ذلك وكما أن للبيدر تذرية وتمييزا بين النقاوة والحطام كذلك فى الآخرة تمييز بين الحسنى والآثام فمن عمل لآخرته بورك له فى كيله ووزنه وجعل له منه زاد الابد ومن عمل لدنياه خاب سعيه وبطل عمله فاعمال الدنيا كشجرة الخلاف بل كالدفلى والحنظل فى الربيع يرى غض الاوراق حتى اذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلا واذا حضر مجتناه فى البيدر لم يفد نائلا ومثل اعمال الاخرة كشجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر فى الشتاء فاذا حان وقت القطاف والاجتناء افادتك زادا وادخرت عدة وعتادا ولما كانت زهرات الدنيا رآئقة الظاهر خبيثة الباطن نهى الله تعالى عن الاغترار بها فقال {أية : ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى} تفسير : فالقذر قذر وان كان فى ظرف من الذهب فالعاقل لا يتناوله وفى التأويلات النجمية من كان يريد حرث الآخرة بجهده وسعيه نزد له فى حرثه بهدايتنا وتوفيق مزيد طاعتنا وصفاء الاحوال فى المعارف بعنايتنا اليوم ونزيده فى الآخرة قربة ومكانة ورفعة فى الدرجات وشفاعة الاصدقاء والقرابات ومن كان يريد حرث الدنيا مكتفيا به نؤته منها اى من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصممه وسفهه والحجب التى تتولد منها الاخلاق الذميمة النفسانية والاوصاف الرديئة الشيطانية والصفات السبعية والبهيمية الحيوانية وماله فى الآخرة من نصيب اى فى الاوصاف الروحانية والاخلاق الربانية وفى عرائس البيان حرث الآخرة مشاهدته ووصاله وقربه وهذا للعارفين وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق وما يريد من حرث الدنيا فهو معرفة الله ومحبته وخدمته والا فلا يزن الكون عند اهل المعرفة ذرة قال بعضهم فى هذه الآية من عمل لله محبة له لا طلبا للجزآء صغر عنده كل شىء دون الله ولا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة بل يطلب الله عن الدنيا والآخرة وقال سهل حرث الدنيا القناعة وحرث الآخرة الرضى وقال ايضا حرث الآخرة القناعة فى الدنيا والمغفرة فى الآخرة والرضى من الله فى كل الاحوال وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار بها ومن كان بهذه الصفة فماله فى الاخرة من نصيب قال الشيخ العطار قدس سره شعر : همجو طفلان منكراندر سرخ وزرد جون زنان مغرور رنك وبو مكرد تفسير : فالدنيا امرأة عجوز ومن افتخر بزينتها وزخارفها فهو فى حكم المرأة فعلى العاقل تحصيل الجاه الاخروى بالاعمال الصالحة الباقية فان الدنيا وما فيها باسرها زآئلة فانية كما قال لبيد شعر : ألا كل شىء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زآئل تفسير : والمراد نعيم الدنيا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {مَن كان يُريد حرثَ الآخرةِ}، سُمِّي ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة المستقبلة حرثاً، مجازاً؛ لأن الحرث: إلقاء البذر في الأرض لننظر نتاجه، فأطلقه على العمل، لجامع حصول النتاج، أي: مَن كان يريد بأعماله ثواب الآخرة {نَزِدْ له في حَرْثِه}؛ نضاعف له ثوابه، الواحدة بعشر إلى سبعمائة فما فوقها، أو: نَزِدْ له في توفيقه وإعانته، وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. {ومَن كان يريد} بأعماله {حَرْثَ الدنيا} وهو متاعها وطيباتها {نُؤْتِهِ منها} أي: شيئاً منها، حسبما قسمناه له، لا ما يريده ويبتغيه، {وما لهُ في الآخرة من نصيبٍ} إذا كانت همته مقصورة على الدنيا. ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده، من زكاء أعماله، وفوزه في المآب؛ لأن ما يُعطى في الآخرة يستحقر أن يُذكر معه غيره من الدنيا. الإشارة: قد مرّ مِراراً ذم الدينا وصرف الهمة إليها، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض خطبه: "حديث : أيها الناس، أَقبِلوا على ما كلفتموه من صالح آخرتكم، وأَعْرِضوا عما ضُمِنَ لكم من أمر دنياكم، ولا تشغلوا جوارحكم جوارح غذيت بنعمته في التعرُّض لخطأ بمعصيته، واجعلوا شغلكم بالتماس معرفته، واصرفوا هممكم إلى التقرُّب بطاعته، إنه مَن بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبُه من الآخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومَن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد ". تفسير : قال الورتجبي: حرث الآخرة: مشاهدته ووصاله وقربه، وهذا للعارفين، وحرث الدنيا: كرامات الظاهر، ومَن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق. ثم قال: عن بعضهم: مَن عَمِل لله محبة له، لا طلباً للجزاء، صغر عنده كل شيء دون الله، فلا يطلب حرث الدنيا، ولا حرث الآخرة، بل يطلب الله من الدنيا والآخرة. ثم قال: حرث الدنيا: قضاء الوطر منها، والجمع منها، والافتخار بها، ومَن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب. هـ. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى: شعر : يا مؤثرَ الدنيا على دينه ومشترٍ دنياه بالآخره بعتَ الذي يبقى بما ينقضي تبّاً لها من صفقة خاسره ثم ذكر مقابل قوله {شرع لكم من الدين} كأنه تعالى لما ذكر لَمَّا ذكر أنه شرع ما وصى به، أخذ يُنكر ما شرع غيره، فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فليس لمن سعى للآخرة او للدّنيا شيءٌ من سعيه؟ - فقال تعالى: من كان يريد بسعيه حرث الآخرة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} اعطيناه بقدر سعيه وزدناه على سعيه {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} بقدر حرثه او اقلّ منه فانّه لا يفيد فى مقابل نزد له فى حرثه ازيد من ذلك {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} لانّه ما زرع للآخرة، عن الصّادق (ع): المال والبنون حرث الدّنيا، والعمل الصّالح حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لاقوام، وعنه (ع): من اراد الحديث لمنفعة الدّنيا لم يكن له فى الآخرة من نصيبٍ، ومن اراد خير الآخرة اعطاه الله خير الدّنيا والآخرة، والاخبار فى انّ من كان همّته الدّنيا باعماله واقواله فرّق الله عليه امره، وشتّت باله وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا الاّ ما كتب له، ومن كانت همّته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدّنيا وهى راغمة كثيرة، وقيل للصّادق (ع): الله لطيف بعباده يرزق من يشاء؟ - قال: ولاية امير المؤمنين (ع)، قيل من كان يريد حرث الآخرة؟ - قال: معرفة امير المؤمنين (ع) والائمّة (ع)، قيل نزد له فى حرثه؟ - قال: نزيده منها يستوفى نصيبه من دولتهم ومن كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيبٍ، قال ليس له فى دولة الحقّ مع الامام (ع) نصيبٌ.

اطفيش

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ} شبه العمل والسعي للآخرة بالحرث أي بالقاء البذر لان لكل منهما تولداً فالسعي لها يتولد منه الثواب كما يتولد الزرع من القاء البذر فاستعار اسم الحرث للسعي وذلك على أن الحرث على معناه المصدري، وشبه الثواب بما ينتج من الزرع فاستعار له اسم الحرث وهذا على أن المراد بالحرث الزرع الحاصد من القاء البذرة. {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} نضاعف له الحسنة الى عشر والى سبعمائة وأكثر قاله مقاتل وقيل الزيادة التوفيق والاعانة وتسهيل سبيل الخيرات والطاعة* {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ} نعطه شيئاً* {مِنْهَا} لا ما يريده بل قسمته التي فرغ منها ولم يذكر لعامل الآخرة نصيباً في الدنيا لاهانة نصيب الدنيا بحب ثواب عمله في الآخرة* {وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} لانه لم يعمل لها ولم ينوها بعمله وهذا هو الذي اشتغل بالدنيا لذاتها وأما من يعمل للآخرة ويعمل فى الدنيا لأجل الآخرة فليس من ذلك ومنه من يعمل عمل الآخرة للدنيا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بشر هذه الامة بالبنا والرفعة والتمكين فى الارض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له فى الآخرة من نصيب" تفسير : وهذا تهكم

اطفيش

تفسير : أى هو غالب غير عاجز عما أراد من التفضيل فى رزق الدنيا بعضا على بعض، ومن تخصيص المؤمن بخير الدين والآخرة، فقد عم بره البار والفاجر، والدنيا والآخرة، والحرث القاء البذر فى الأرض شبه به العمل لجامع التولد، كما يتولد من البذر الثمار، يتولد من العمل الصالح خير الدنيا والآخرة لمن أراد الآخرة، حق أن الحسنة بما فوق سبعمائة، فتلك زيادة عظيمة، ويتولد من العمل الطالح شر الدنيا والآخرة، وله من الدنيا نصيبه فقط، لا نصيب له فى الآخرة لأن همه مقصور على حرث الدنيا، وعن أبى بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا يكن له نصيب في الآخرة"تفسير : ، وقيل ذلك زيادة توفيق للعمل الصالح.

الالوسي

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الآية وزان قوله عز وجل: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا} تفسير : [الشمس: 7ـ10] وينتظم الكلام أتم انتظام وتلتئم أطرافه أشد التآم، ولا يقال حينئذ: إن قوله تعالى: {أية : يَرْزُقُ مَن يَشَاء} تفسير : [الشورى: 19] حكم مترتب على السابق فكان ينبغي أن يعم عمومه والعموم أظهر، وحديث التخصيص في {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} فقد أجاب عنه صاحب «التقريب» فقال إنما خصص الرزق بمن يشاء مع أنهم كلهم بَرَّ سبحانه بهم لأنه تعالى قد يخص أحداً بنعمة وغيره بأخرى فالعموم لجنس البر والخصوص لنوعه. وأشار جار الله إلى أنه لا تخصيص بالحقيقة فإن المعنى الله تعالى بليغ البر بجميع عباده يرزق من يشاء ما يشاء سبحانه منه ـ فيرزق من يشاء ـ بيان لتوزيعه على جميعهم فليس الرزق إلا النصيب الخاص لكل واحد، ولما شمل الدارين لاءم قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ} الخ كل الملاءمة، ولا يتوقف هذا على ما قاله الطيبـي، ولعل أمر التذييل بالاسمين الجليلين على القول بالعموم أظهر والتعليل أنسب فكأنه قيل: لطيف بعباده عام الإحسان بهم لأنه تعالى القوي الباهر القدرة الذي غلب وغلبت قدرته سبحانه جميع القدر يرزق من يشاء لأنه العزيز الذي لا يغلب على ما يريد فكل من الاسمين الجليلين ناظر إلى حكم فافهم وقل رب زدني علماً:شعر : فكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي تفسير : والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض يطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذور المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور أي من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة نضاعف له ثوابه بالواحد عشرة إلى سبعمائة فما فوقها. {وَمَن كَانَ يُرِيدُ} بأعماله {حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} وهو متاعها وطيباتها {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي شيئاً منها حسبما قدرناه له بطلبه وإرادته {وَمَا لَهُ فِي ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} إذ كانت همته مقصورة على الدنيا. وقرأ ابن مقسم والزعفراني ومحبوب / والمنقري كلاهما عن أبـي عمرو {يزد} و{يؤته} بالياء فيهما، وقرأ سلام {نؤته} بضم الهاء وهي لغة أهل الحجاز وقد جاء في الآية فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً مجزوماً قال أبو حيان: ((ولا نعلم خلافاً في جواز الجزم في مثل ذلك وأنه فصيح مختار مطلقاً إلا ما ذكره صاحب كتاب «الإعراب» أبو الحكم بن عذرة عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الفصيح إلا إذا كان فعل الشرط كان، وإنما يجيء معها لأنها أصل الأفعال ونص كلام سيبويه والجماعة أنه لا يختص بكان بل سائر الأفعال مثلها في ذلك وأنشد سيبويه للفرزدق:شعر : دست رسولاً بأن القوم إن قدروا عليك يشفوا صدوراً ذات توغير تفسير : وقال أيضاً:شعر : تعش فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من ياذئب يصطحبان))

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية متصلة بقوله: { أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها } تفسير : [الشورى: 18] الآية، لِمَا تضمنته من وجود فريقين: فريق المؤمنين أكبر همهم حياةُ الآخرة، وفريق الذين لا يؤمنون همهم قاصرة على حياة الدّنيا، فجاء في هذه الآية تفصيل معاملة الله الفريقين معاملة متفاوتة مع استوائهم في كونهم عبيده وكونهم بمحل لطف منه، فكانت جملة { أية : الله لطيف بعباده } تفسير : [الشورى: 19] تمهيداً لهذه الجملة، وكانت هاته الجملة تفصيلاً لحظوظ الفريقين في شأن الإيمان بالآخرة وعدم الإيمان بها. ولأجل هذا الاتصال بينها وبين جملة { أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } تفسير : [الشورى: 18] تُرك عطفها عليها، وترك عطف توطئتها كذلك، ولأجل الاتصال بينها وبين جملة { أية : الله لطيف بعباده } تفسير : [الشورى: 19] اتصالَ المقصود بالتوطئة تُرك عطفها على جملة {الله لطيف بعباده}. والحَرث: أصله مصدر حَرَث، إذا شقّ الأرض ليزرع فيها حَبّاً أو ليغرس فيها شجراً، وأطلق على الأرض التي فيها زرع أو شجر وهو إطلاق كثير كما في قوله تعالى: { أية : أنْ اغدُوا على حَرْثِكم إن كُنتم صارمين } تفسير : [القلم: 22]، أي جنتكم لقوله قبله { أية : كما بَلونا أصحابَ الجنّة } تفسير : [القلم: 17] وقال: { أية : زُين للناس حبّ الشهوات من النساء } تفسير : [آل عمران:14] إلى قوله: { أية : والأنعامِ والحَرث } تفسير : وقد تقدم في سورة آل عمران (14). والحرث في هذه الآية تمثيل للإقبال على كسب ما يُعده الكاسب نفعاً له يرجو منه فائدة وافرة بإقبال الفلاَّح على شقّ الأرض وزرعها ليحصل له سنابل كثيرة وثمار من شجر الحرث، ومنه قول امرىء القيس: شعر : كِلانَا إذا ما نَال شيئاً أفاته ومن يَحْتَرث حَرثي وحَرْثَكَ يَهزِل تفسير : وإضافة {حرث} إلى {الآخرة} وإلى {الدنيا} على معنى اللام كقوله: { أية : ومن أراد الآخرة وسعَى لها سعيها } تفسير : [الإسراء: 19]، وهي لام الاختصاص وهو في مثل هذا اختصاص المعلَّل بعلته، وما لام التعليل إلا من تصاريف لام الاختصاص. ومعنى {يريد حرث الآخرة} يبْتغي عملاً لأجل الآخرة. وذلك المريد: هو المؤمن بالآخرة لأن المؤمن بالآخرة لا يخلو عن أن يريد الآخرة ببعض أعماله كثيراً كان أو قليلاً، والذي يريد حرث الدّنيا مراد به: من لا يسعى إلا لعمل الدّنيا بقرينة المقابلة بمن يريد حرث الآخرة، فتعيّن أن مريد حرث الدّنيا في هذه الآية: هو الذي لا يؤمن بالآخرة. ونظيرها في هذا قوله تعالى في سورة هود (15، 16) { أية : من كان يريد الحياة الدّنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبْخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبِط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون }، تفسير : ألا ترى إلى قوله: { أية : ليس لهم في الآخرة إلا النار } تفسير : [هود: 16] وقوله في سورة الإسراء (18، 19) { أية : مَن كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيُهم مشكوراً }. تفسير : وفعل {نزد له في حرثه} يتحمل معنيين: أن تكون الزيادة في ثواب العمل، كقوله: { أية : ويُرْبِي الصدقات } تفسير : [البقرة: 276] وقوله: { أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء } تفسير : [البقرة: 261]، وسيأتي قريباً قوله: { أية : ومن يقترِفْ حسنة نزِدْ له فيها حُسناً } تفسير : [الشورى: 23]. وعلى هذا فتعليق الزيادة بالحرث مجاز عقلي علقت الزيادة بالحَرثِ وحقُّها أن تعلق بسببه وهو الثواب، فالمعنى على حذف مضاف. وأن تكون الزيادة في العمل، أي نقدر له العون على الازدياد من الأعمال الصالحة ونيسّر له ذلك فيزداد من الصالحات. وعلى هذا فتعليق الزيادة بالحرث حقيقة فيكون من استعمال المركب في حقيقته ومجازه العقليين. ومعنى {نؤته منها}: نقدر له من متاع الدنيا مِن: مدة حياة وعافية ورزق لأن الله قدر لمخلوقاته أرزاقهم وأمدادهم في الدّنيا، وجعل حظ الآخرة خاصاً بالمؤمنين كما قال: { أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن } تفسير : [الإسراء: 19]. وقد شملت آية سورة الإسراء فريقاً آخر غير مذكور هنا، وهو الذي يؤمن بالآخرة ويبْتغي النجاة فيها ولكنه لم يؤمن بالإسلام مثلُ أهل الكتاب، وهذا الفريق مذكور أيضاً في سورة البلد [11 ـــ 17] بقوله تعالى: { أية : فَلا اقْتَحَمَ العقبةَ وما أدراك ما العقبةُ فكُّ رقبةٍ أو إطعام } تفسير : إلى قوله: { أية : ثم كان من الذين آمنوا }. تفسير : فلا يَتوهمَنَّ متوهم أن هذه الآية ونحوها تحجر تناول المسلم حظوظَ الدّنيا إذا أدى حق الإيمان والتكليف، ولا أنها تصدّ عن خلط الحظوظ الدنيوية مع حظوظ الآخرة إذا وقع الإيفاء بكليهما، ولا أن الخلط بين الحظين ينافي الإخلاص كطلب التبرد مع الوضوء وطلبِ الصحة مع التطوع بالصوم إذا كان المقصد الأصلي الإيفاء بالحق الديني. وقد تعرض لهذه المسألة أبو إسحاق الشاطبي في فصل أول من المسألة السادسة من النوع الرابع من كتاب «المقاصد» من كتاب «الموافقات». وذكر فيها نظرين مختلفين للغزالي وأبي بكر بن العربي ورجح فيها رأي أبي بكر بن العربي فانظره. والنصيب: ما يُعيَّن لأحد من الشيء المقسوم، وهو فَعيل من نَصَبَ لأن الحظ يُنصب، أي يجعل كالصُّبرة لصاحبه، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : أولئك لهم نصيب مما كسبوا } تفسير : في سورة البقرة (202).

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - مَنْ كَانَ يُريدُ بِأَعْمَالِهِ ثَوَابَ الآخِرَةِ، وَرِضْوَانَ رَبِّهِ، فَإِنَّ اللهَ يُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَيَجْزِيهِ بِالحَسَنَةِ عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِئةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ بِأَعْمَالِهِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤْتِيهِ مَا قَسَمَهُ لَهُ فِيهَا، وَلاَ يَكُونُ لَهُ حَظٌّ (نَصِيبٌ) فِي ثَوَابِ الآخِرَةِ، فَالأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى. (وَرُوِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: حديث : ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلأَتُ صَدْرَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَتفسير : ). (أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ والبَيْهَقِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). حَرْثَ الآخِرَةِ - ثَوابَهَا المَوْعُودَ أَوِ العَمَلَ لَهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المعنى السطحي لكلمة الحرث هي حرث الأرض بالمحراث وإثارتها لبذر النبات فيها، ذلك لأن النبتةَ الصغيرة لا تقْوى على شَقِّ التربة الجامدة فنشق لها التربة ليسهل عليها النمو، ثم هي في حاجة إلى الهواء، والحرث يُقلِّب التربة، ويجعل الهواء يتغلغل فيها. ولما كان الحرث هو سبب الثمرة سُمِّي بها، فالحرث معناه الثمرة المرجوة من الزرع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} تفسير : [البقرة: 205] وقوله تعالى: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ ..} تفسير : [الأنبياء: 78] أي: في الزرع. فمعنى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ..} [الشورى: 20] يعني: ثوابها الدائم ونعيمها الخالد في جنات عدن، فالحق سبحانه يوضح لنا الأمور الدينية بصور من واقع حياتنا ليُقرِّبها للأذهان، اقرأ مثلاً: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1] أفلح مَن أفلح الأرض إذا حرثها وأعدَّها للزراعة، فهو يوشك أنْ يجني الثمرة، كذلك المؤمن فاز بالثواب الدائم والنعيم المقيم. {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ..} [الشورى: 20] يعني: يجده في الآخرة أزيد مما كان ينتظر، وأيضاً لا يُحرم من ثمرتها في الدنيا {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ..} [الشورى: 20] أي: من ثمرات الدنيا، فالإنسان لا يُحرم ثمرةَ جهده وتعبه في الدنيا {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30]. فمَنْ عمل للدنيا لا يُحرم مُتعتها ولذَّتها، لكن حين تُعجَّل له الطيبات في الدنيا يُحرَم منها في الآخرة {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] أي لا حظَّ له في ثواب الآخرة، لأنه عمل في دنياه للجاه وللشهرة أو للغنى والثروة، فطالما أخذ بأسباب الشيء يناله حتى لو كان كافراً بالله، والمؤمن إنْ تكاسل وقعد عن السعي يُحرم لأنه لم يأخذ بالأسباب. والحق سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، ومَنْ كان يريد حرث الدنيا لم يكُنْ الله أبداً في باله، لذلك كثيراً ما يسأل الناس عن العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم، ما مصيرهم؟ نقول: مصيرهم النار لأنهم عملوا للبشرية لا لله، عملوا للشهرة وقد أخذوها في الدنيا.

الجيلاني

تفسير : ثم لما أشار سبحانه إلى كمال تنزعه وتقدس ذاته عن وصمة النقصان مطلقاً، وإلى كمال ترحمه وتلطفه مع خُلَّص عباده، قال: {مَن كَانَ} منهم {يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} أي: يزرع في النشأة الأولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة؛ ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الأخرى {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} ونضاعف ثوابها لأجله، ونعطه من اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلاً منَّا وتكريماً {وَمَن كَانَ} منهم {يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} ونوى نماء بذوره فيها {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ} ولذاتها الباقية {مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] لاختياره لذات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذات الروحانية؛ لذلك ما له حظ في الآخر ونصيب من لذاتها. أهم بأنفسهم يحرمون نفوسهم من اللذات الأخروية والفتوحات الروحانية {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} من شياطين الجن والإنس ظاهرهم عليه؛ حيث {شَرَعُواْ} وزينوا {لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ} الباطل والديدنة الزائغة {مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في أفعاله المدبر لعموم مصالح عباده على مقتضى حكمته، ولم يأمر بوضعه واتخاذه لا بالوحي ولا بطريق الإلهام، بل إنما أخذوا ما أخذوا من تلقاء أنفسهم، وعلى مقتضى أهويتهم الباطلة؛ لذلك لم يتم لهم إلا الخيبة والخذلان والحسرة والحرمان. {وَ} بالجملة: {لَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} والقضاء صاردة من الله بتأخير أخذهم لظلمهم وإمهال انتقالهم إلى يوم الجزاء {لَقُضِيَ} وحكم اليوم {بَيْنَهُمْ} أي: بين أهل الهداية والضلال، فيلحق لكل منهم جزاء ما اقترفوا من الحسنات والسيئات {وَ} بالجملة: {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية، ومتابعة آرائهم وإخوانهم من الشياطين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] في النشأة الأخرى، وهو حرمانهم عما أعد لنوع الإنسان المصور على صورة الرحمن من الكرامات السنية والمقامات العلية، لا عذاب أشد منه وأفزع. ومن كمال حرمانهم وخسرانهم: إنهم حنيئذ {تَرَى} أيها الرائي {ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى الحدود عدواناً وظلماً {مُشْفِقِينَ} خائفين مرعوبين {مِمَّا كَسَبُواْ} أي: من لحوق وبال ما اكتسبوا من الآثام والمعاصي {وَ} الحال أنه {هُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} لاحق لهم، وما ينفعهم الإشفاق وعدمه؛ لانقضاء نشأة التدارك والتلافي. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: وترى أيضاً أيها الرائي المؤمنين الذين آمنوا بوحدة الحق حين أخبرهم الرسل ودعاهم إليه حسب استعداداتهم الفطرية وقابليتهم الجبلية {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: وأكدوا إيمانهم وتوحيدهم بصالحات أعمالهم وأخلاقهم؛ ليدل على توحيد الأفعال والصفات أيضاً، هم في النشأة الأخرة لكمال إطاعتهم وانقيادهم متنعمون {فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} أي: منتزهات اليقين العلمي والحقي والعيني، ومع ذلك حاصل حاضر {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ} من اللذات المتجددة والفيوضات المترادفة من الفتوحات وأنواع الكرامات {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي أوصلهم إلى كنف قربه وجواره {ذَلِكَ} الذي أعد لأرباب العناية والتوحيد {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [الشورى: 22] والفوز العظيم الذي يستحقر دونه عموم اللذات والكرامات.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ} [الشورى: 20] بحمده وسعيه {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} [الشورى: 20] بهدايتنا، وتوفيق مزيد طاعتنا، وصفاء الأحوال في المعارف بعنايتنا اليوم، ونزيده في الآخرة قربة ومكانة ورفعة في الدرجات، وشفاعة الأصدقاء والقرابات، {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا} [الشورى: 20] مكتفياً به {نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الشورى: 20]؛ أي: من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصمه وسفهه، والحجب التي يتولد منها من الأخلاق الذميمة النفسانية، والأوصاف الردية الشيطانية السبعية، والبهيمية الحيوانية، {وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]؛ أي: في الأوصاف الروحانية والأخلاق الربانية. ثم أخبر عن جفاء الشركاء بقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} [الشورى: 21] يشير إلى كفار النفوس أنهم شرعوا عند استيلائهم من الدين بالهوى للأرواح والقلوب ما لم يرض به الله من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة، {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} [الشورى: 21]؛ يعني: ما سبق من الحكم بالحكمة في تأخير تكاليف الشرع لقمع الطبع تربية لقالب بحمل أعباء الشريعة، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 21] بالتكاليف والمجاهدات قبل البلوغ، {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} [الشورى: 21]؛ يعني: في ظلم نفسه بمتابعة الهوى، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] بعد البلوغ في العظام من مألوفات الطبيعة بالأحكام الشرعية، {تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ} [الشورى: 22] بمتابعة الهوى في الأوصاف الذميمة، {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} [الشورى: 22]؛ يعني: عذاب ما كسبوا ما في الدنيا بكثرة الرياضات وأنواع المجاهدات؛ لتزكية النفوس من أوصافها وتحليتها بأضدادها، وأما في الآخرة بورودها النار لتقنيتها، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الشورى: 22] استعملوا تكاليف الشرع؛ لقمع الطبع، وكسر الهوى، وتزكية النفس، وتصفية القلب، وتحلية الروح، {فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} [الشورى: 22] في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنة، {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 22]؛ أي: مراتبهم في القربات والوصلات، والمكاشفات والمشاهدات، ونيل الدرجات على قدر همتهم ووفق مشيئتهم، {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [الشورى: 22] في حق الأمة، والنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بالفضل العظيم كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113].