٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} أي ألهم! والميم صلة والهمزة للتقريع. وهذا متصل بقوله: «شَرَعَ لَـكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً»، وقولِه تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الشورى: 17] كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم يأذن به الله! وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} يوم القيامة حيث قال: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا، فعاجل الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع. {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} أي المشركين. {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا القتلُ والأسر والقهر، وفي الآخرة عذاب النار. وقرأ ابن هُرْمُز «وأنّ» بفتح الهمزة على العطف على «وَلَوْلاَ كلِمَةُ» والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب «لَوْلاَ» جائز. ويجوز أن يكون موضع «أنّ» رفعاً على تقدير: وجب أنّ الظالمين لهم عذاب أليم؛ فيكون منقطعاً مما قبله كقراءة الكسر؛ فٱعلمه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل {لَهُمْ } لكفار مكة {شُرَكَٰؤُاْ } هم شياطينهم {شَرَعُواْ } أي الشركاء {لَهُمْ } للكفار {مِّنَ ٱلدّينِ } الفاسد {مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ } كالشرك وإنكار البعث {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ } أي القضاء السابق بأنّ الجزاء في يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } وبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا {وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.
ابن عطية
تفسير : {أم} هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في {لهم} للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك ها هنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد بـ "الشركاء": الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: {شرعوا} لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: {لهم} للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و: {شرعوا} معناه: أثبتوا ونهجوا ورسموا. و {الدين} هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضاً المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعاً، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. و {كلمة الفصل}: هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. وقرأ جمهور الناس: "وإن الظالمين" بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. وقرأ مسلم بن جندب "وأن الظالمين" بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على: {كلمة} المعنى: وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. وقوله: {ترى الظالمين} هي رؤية بصر، و {الظالمين} مفعول، و: {مشفقين} حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. وقوله تعالى: {وهو واقع بهم} جملة في موضع الحال. والروضات: المواضع المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى {أية : كمثل جنة بربوة} تفسير : [البقرة: 265] ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها. قال الطبري: ولا تقول العرب لموضع الأشجار رياض. وقوله تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده} إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47]. وقرأ جمهور الناس: "يُبشِّرهم" بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد: "يُبْشِر" بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة: "يَبشُر" بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير. وقال الجحدري في تفسيرها ترى النضرة في الوجوه. وقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى} اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم. وقال مجاهد: المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي. وقال ابن عباس أيضاً ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوماً من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا أن تودوني فتراعونني في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً، وهو تأويل ابن جبير وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس، قيل يا رسول الله، من قرابتك الذين أُمرنا بمودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما، وقيل هو ولد عبد المطلب. قال القاضي أبو محمد: وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة"تفسير : وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: سبب هذه الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً وساقته إليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضاً، معنى الآية: من قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى: كأنه قال: إلا أن تودوني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري معنى الآية: إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الرحم. وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ {أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} تفسير : [سبأ: 47] والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و: {إلا} بمعنى: لكن. و: {يقترف} معناه يكتسب، ورجل قرفة: إذا كان محتالاً كسوباً. وقرأت فرقة "يزد" على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس: "نزد" على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن. و: {غفور} معناه: ساتر عيوب عبيده. و: {شكور} معناه: مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى به جميع النبيين فبانت أصوله، واتضحت فروعه وفصوله، وظهرت غرائبه وأشرقت فرائده وآياته، وختم بالقانون الأعظم في أمر الدارين مما هو مشاهد ولا يقدر عليه غيره، فكان التقدير من غير خفاء: هذا شرع الله الذي ارتضاه لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار بطلب الرزق وقدر الأرزاق فلا قدرة لأحد أن يزيد في رزقه شيئاً، ولا أن ينقص منه شيئاً، أقبلوه؟ عادل ذلك بقوله تعالى مقرراً موبخاً منبهاً على ما هو الأصل في الضلال عن قوانينه المحررة وشرائعه الثابتة المقررة: {أم لهم} أي لهؤلاء الذيب يروغون يميناً وشمالاً {شركاء} على زعمهم شاركوا الشارع الذي مضى بيان عزته وظهور جلاله وعظمته في أمره حتى {شرعوا} أي الشركاء الذين طرقوا ونهجوا {لهم} أي للكفار، ويجوز أن يكون المعنى: شرع الكفار لشركائهم {من الدين} في العبادات والعادات التي تقرر في الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت به عوائدهم عن محاسبة من تحت أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق، وعدل عن أسلوب العظمة إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ما فيه مع العظمة من الإكرام الذي من جملته الحلم المقتضي لعدم معاجلتهم بالأخذ فقال تعالى: {ما لم يأذن به الله} أي يمكن العباد منه بأمرهم به وتقريرهم عليه الملك الذي لا أمر لأحد معه، وقد محقت صفاته كل صفة وتضاءل عندها كل عظمة، فأقبلوا عليه دون غيره لكونه معتداً به، فإن كان كذلك فليسعدوا من أقبل على الدنيا التي هي محط أمرهم فلا يعرفون غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، ونسب الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت سبب الضلال في قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} ويضاف الشركاء إليهم تارة لأنهم متخذوها وتارة إلى الله تعالى لأنهم أشركوهم به، والعبارة تأتي بحسب المقام. ولما علم قطعاً أن التقدير: فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير إذن منه لا تنقص من ملكه سبحانه شيئاً، ولا تضر إلا فاعلها مع أنها بإرادته، فكانت لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها، عطف عليه قوله تعالى: {ولولا كلمة الفصل} التي سبق في الأزل أنها لا تكون ولما كان أمرهم هيناً، بني الفعل للمفعول، فقال: {لقُضي بينهم} أي بين الذين امتثلوا أمره فالتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت ولكنه قد سبق القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة، فهي تجري على ما حد لها لا تقدم لشيء منها ولا تأخر ولا تبدل ولا تغير، وستنكشف لكم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق به القضاء بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم. ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم عذاب، قال مؤكداً عطفاً على ما قدرته بما أرشد إليه السياق: {وإن الظالمين} بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره {لهم عذاب أليم *} أي مؤلم بليغ إيلامه. ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل، وأن الفصل لا يكون إلا يوم القيامة، قال شارحاً للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم مقبلاً على خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق الإيقان غيره صلى الله عليه وسلم، أو يكون المراد كل من يصح أن يخاطب إشارة إلى أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد دون أحد فقال: {ترى} أي في ذلك اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة الفطرية الأولية والعقلية والنقلية {الظالمين} أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها {مشفقين} أي خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر. ولما كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم، كان من المعلوم أن كل عملهم عليهم، فلذلك عبر بفعل الكسب مجرداً فقال: {مما كسبوا} أي عملوا معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم {وهو} أي جزاءه ووباله الذي هو من جنسه حتى كأنه هو {واقع بهم} لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذاباً في غمرات النيران، ذلك هو الخسران المبين، ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا {والذين آمنوا} يصح أن يكون معطوفاً على مفعول {ترى} وأن يكون معطوفاً على جميع الجملة فيكون مبتدأ {وعملوا الصالحات} وهي التي أذن الله فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه {في روضات الجنات} أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد الأقوال والأعمال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال {لهم ما يشاؤون} أي دائماً أبداً كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ والتربية والتنبيه على مثل هذا الحفظ لفت إلى صفة الإحسان، فقال: {عند ربهم} أي الذي لم يوصلهم إلى هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم، ولطف بره بهم على حسب ما رباهم. ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال: {ذلك} أي الجزاء العظيم الرتبة الجليل القدر {هو} لا غيره {الفضل} أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلاً عن كفاية صاحبه، ولو بالغ في الإنفاق {الكبير *} الذي ملأ جميع جهات الحاجة وصغر عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام، فالآية كما ترى من الاحتباك: أثبت الإشفاق أولاً دليلاً على حذف الأمن ثانياً، والجنات ثانياً دليلاً على حذف النيران أولاً. ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه، بين دوامه زيادة في تعظيمه فقال مبتدئاً: {ذلك} أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها، وأخبر عن المبتدأ بقوله: {الذي يبشر} أي مطلق بشارة عند من خفف وبشارة كثيرة عند من ثقل، وزاد البشارة بالاسم الأعظم، فقال لافتاً القول إليه: {الله} أي الملك الأعظم والعائد وهو "به" محذوف تفخيماً للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة وبجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي، وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد مع الإضافة إلى ضميره سبحانه فأفهم حذفه أن الفعل واقع عليه واصل بغير واسطة إليه، فصار كأنه مذكور وظاهر ومنظور فقال: {عباده} ومن المعلوم أن كل أحد يعظم من اختصه لعبوديته. ولما أشعر بالإضافة لصلاحهم، نص عليه بقوله: {الذين آمنوا} أي صدقوا بالغيب {وعملوا} تحقيقاً لإيمانهم {الصالحات} وذلك الذي مضى قلبه الذي ينذر به الذين كفروا. ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له من حياء وإن لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال، قال كعب بن مالك رضي الله عنه: لما أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على رجليه، فأوفى على جبل سلع ونادى: يا كعب بن مالك أبشر، فقد تاب الله عليك، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ثوبي، فدفعتهما إليه، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما - إلى آخر حديثه، كان كأنه قيل: ماذا تطلب على هذه البشارة، فأمر بالجواب بقوله: {قل} أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين: {لا أسئلكم} أي الآن ولا في مستقبل الزمان {عليه} أي البلاغ بشارة ونذارة {أجراً} أي وإن قل {إلا} أي لكن أسألكم {المودة} أي المحبة العظيمة الواسعة. ولما كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال: {في القربى} أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها، لا يخرج شيء من محبتكم عنها، فإنها بها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه، فإنكم إذا وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل، ولم تردوا ما جئتكم به من سعادة الدارين، فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى نموت ثم ندخل الجنة فتستمر ألفتنا دائماً أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ولم يكن بطن من قريش إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وروى البخاري عن سعيد بن جبير: إلا أن تؤدوني في قرابتي أي تبروهم وتحسنوا إليهم، قال ابن كثير: وقال السدي: لما جيء بعلي بن الحسين أسيراً فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: ما قرأت {لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: وإنكم لأنتم هم، قال: نعم. وعن العباس رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباَ شديداً وقال: "حديث : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله"تفسير : ، وعنه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه، ثم قال: "حديث : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي"تفسير : . وعبر في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقاً في النفي بالإعلام بأنه لا يستثني أجر أصلاً إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجراً، ويجوز أن تكون "إلا" بمعنى "غير" فيكون من باب: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أن يراقب الله في قرابته تلك، فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما أمره الله به من ثواب أو عقاب، فكيف بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي ذر رضي الله عنه: "حديث : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك" تفسير : وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: "حديث : أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم"تفسير : . قال الأصبهاني: ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة الصحيحة والنجوم الزارهة، فالسفينة حب الآل، والنجوم حب الصحب، فنرجو من الله السلامة والسعادة بحبهم في الدنيا والآخرة - والله أعلم. ولما كان التقدير حتماً: فمن يقترف سيئة فعليه وزرها، ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه، عطف عليه قوله: {ومن يقترف} أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج {حسنة} أي ولو صغرت، وصرف القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان إلا العظماء، وإلى أن الإحسان قد يكون سبباً لعظمة المحسن فقال: {نزد} على عظمتنا {له فيها حسناً} بما لا يدخل تحت الوهم، ومن الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم، فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن اهتدوا به، وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم لو اهتدوا، فإن عدم اهتدائهم ليس من تقصيره، بل قدر الله وما شاء فعل. ولما كانوا يقولون: إنا قد ارتكبنا من المساوىء ما لم ينفع معه شيء، قال نافياً لذلك على سبيل التأكيد معللاً مبيناً بصرف القول إلى الاسم الأعظم أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك غيره على الإطلاق: {إن الله} أي الذي لا يتعاظمه شيء {غفور} لكل ذنب تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن شاء، فلا يصدن أحداً سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة. ولما كان إثبات الحسنة فضلاً عن الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران، ولا يمكن أن يكون مع المناقشة، فذكر ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة، أفادها - أي الزيادة - بقوله: {شكور *} فهو يجزي بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه. ولما أثبت أنه أنزل الكتاب بالحق، ودل على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع بمضمون الخبر، كان كأنه قيل إنكاراً عليهم وتوبيخاً لهم: هل عملوا بما نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي الأخلاق باجتناب السئيات وارتكاب الحسنات، والبعد عن الكذب والمكابرة والبهتان، فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من البرهان: {أم يقولون} عناداً: {افترى} أي تعمد أن يقطع، وقدم ذكر الملك الأعظم تنبيهاً على أنه لا أفظع من الكذب على ملك الملوك مع فهم المفعول به من لفظ الافتراء فقال: {على الله} الذي أحاط بصفات الكمال، فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه {كذباً} حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين. ولما كان التقدير قطعاً: إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولاً معلوم البطلان لأنه تحداهم بشيء من مثله في زعمهم أن له مثلاً ليعلم صحة قولهم فلم يأتوا بشيء وهم وإن كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري عاقل في بطلان ذلك منهم أيضاً لأنهم لم يكلب منهم أن ينسوا ما يأتون به إلى الله على أنه لو طلب منهم ذلك لما كان عذراً، لأنه لا يتوقف أحد في أن الضرورات تبيح المحذورات، وأنه يرتكب أخف الضررين لدفع أثقلهما، فالإتيان بكلام يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب فيه سهل، والأمر يسير، فكان ذلك وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام وتفريق الكلمة لقتل النفوس وتخريب الديار وإتلاف الأموال دليلاً قاطعاً على أنهم إنما يتركونه عجزاً، تسبب عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب أن قال تعالى رداً عليهم ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صلى الله عليه وسلم من نور القلب اللازم عن استقامة القول: {فإن} وأظهر الجلالة ولم يضمر تعظيماً للأمر بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق من غير تقيد بقيد أصلاً فقال: {يشأ الله} أي الذي له الإحاطة بالكمال {يختم} وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب فقال معبراً بأداة الاستعلاء: {على قلبك} فيمنعه من قبول روح هذا الوحي كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك، فتستوي حينئذ معهم في عدم القدرة على الإتيان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانه كما أنهم هم كذلك لا يزالون مفضوحين بما على أقوالهم من الأدلة قائمة على بطلانها، وكان الأصل في الكلام: أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك وأنار قلبك فلا تقول فولاً إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه، ولكنه ساق الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب، وذلك دال قطعاً على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها تقول ما الأدلة قائمة على كذبه. ولما كان التقدير كما دل عليه السياق: ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء جعله قابلاً لروح الوحي واعياً لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف، ويهتف بتلقي أعاجيب اللطائف، ويثبت الله ذلك كله من غير مانع ولا صارف، عطف عليه قوله: {ويمحُ الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {الباطل} وهو قولهم "افترى" وكل كذب فلا يدع له أثراً، وهنالك يظهر خسران الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند، ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها استهانة به بالإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف الأسباب وتارة بأعلى منه، وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً إيماء إلى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه، ومعناه تأكيداً للبشارة يمحوه محواً لا يدع له عيناً ولا أثراً لمن ثبت لصولته: وصبر كما أمر لحولته، اعتماداً على صادق وعد الله إيماناً بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الحذف أيضاً تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع، وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال: {ويحق} أي يثبت على وجه لا يمكن زواله {الحق} أي كل من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره، وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال: {بكلماته} أي التي {أية : لو كان البحر مداداً}تفسير : [الكهف: 109] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب أمره، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتاً مقروناً بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته، وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم. ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل، وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء، بين ذلك بقوله معللاً على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: {إنه عليم} أي بالغ {بذات الصدور *} أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك {أية : ولتعلمن نبأه بعد حين}تفسير : [ص: 88] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه، ومن أصدق من الله قيلاً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {ولولا كلمة الفصل} ، قال: يوم القيامة أخروا إليه، وفي قوله {روضات الجنة} قال: المكان الموفق. أما قوله تعالى: {لهم ما يشاؤون} . أخرج ابن جرير، عن أبي ظبية - رضي الله عنه - قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة، فتقول ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق طاوس، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله {إلا المودة في القربى} فقال سعيد بن جبير: - رضي الله عنه - قربى آل محمد، فقال ابن عباس: - رضي الله عنهما - عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش، إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن الشعبي - رضي الله عنه - قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} فكتبنا إلى ابن عباس - رضي الله عنه - نسأله، فكتب ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان واسط النسب لي قريش، ليس بطن من بطونهم، إلا وقد ولدوه، فقال الله {قل لا أسألكم عليه أجراً} على ما أدعوكم إليه {إلا المودة في القربى} تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا المودة في القربى} قال: حديث : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، قال: يا قوم، "إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت هذه الآية بمكة. وكان المشركون يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى: {قل} لهم يا محمد، {لا أسألكم عليه} يعني على ما أدعوكم إليه {أجراً} عوضاً من الدنيا {إلا المودة في القربى} إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم، قال: المودة إنما هي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قرابته، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء - عليهم السلام - فقال: {لا أسألكم عليه أجراً} فهو لكم {إن أجري إلا على الله} يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح عليه السلام {أية : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 109] وكما قال هود وصالح وشعيب: لم يستثنوا أجراً، كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليهم. وهي منسوخة. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق مجاهد - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية {قل لا أسألكم} على ما أتيتكم به من البينات والهدى {أجراً} إلا أن تودوا الله، وأن تتقربوا إليه بطاعته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: أن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا رحمي. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال: إن محمداً قال: لقريش: "حديث : لا أسألكم من أموالكم شيئاً، ولكن أسألكم أن تودوني لقرابة ما بيني وبينكم فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك، عن ابن عباس في قوله: {إلا المودة في القربى} قال: تحفظوني في قرابتي. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قريش بطن إلا وله فيهم أم، حتى كانت له من هذيل أم، فقال الله: {قل لا أسألكم عليه أجراً} إلا أن تحفظوني في قرابتي، إن كذبتموني فلا تؤذوني. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:حديث : قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما تقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول: حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لولا جمعنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالاً يبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد، فقالوا: يا رسول الله، إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا، فأنزل الله: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} فخرجوا مختلفين، فقالوا: لمن ترون ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال بعضهم: إنما قال هذا، لنقاتل عن أهل بيته، وننصرهم. فأنزل الله: {أم يقولون افترى على الله كذباً} إلى قوله {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} فعرض لهم بالتوبة إلى قوله: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} هم الذين قالوا هذا: أن يتوبوا إلى الله ويستغفرونه. وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : {لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} "أن تحفظوني في أهل بيتي وتودّوهم بي" ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير {إلا المودة في القربى} قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين - رضي الله عنه - أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين - رضي الله عنه - أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: لا. قال: أما قرأت {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {ومن يقترف حسنة} قال: المودة لآل محمد. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم، عن المطلب بن ربيعة - رضي الله عنه - قال: "حديث : دخل العباس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودر عرق بين عينيه، ثم قال: "والله لا يدخل قلب امرىء مسلم إيمان، حتى يحبكم لله ولقرابتي" ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أذكركم الله في أهل بيتي ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي ". تفسير : وأخرج البخاري، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ارقبوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيته. وأخرج ابن عدي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أبغضنا أهل البيت فهو منافق ". تفسير : وأخرج الطبراني، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد، إلا ذيد يوم القيامة بسياط من نار ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل، إلا أدخله الله النار ". تفسير : وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"حديث : جاء العباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغوا الخير أو الإِيمان حتى يحبوكم" ". تفسير : وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"حديث : أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا؛ من وقائع أوقعناها، فقال: "أما والله إنهم لن يبلغوا خيراً حتى يحبوكم، لقرابتي، ترجو سليم شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب" ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن الحسن بن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل شيء أساس وأساس الإِسلام حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحب أهل بيته ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألهم على هذا القرآن أجراً، ولكنه أمرهم أن يتقربوا إلى الله؛ بطاعته وحب كتابه. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن - رضي الله عنه - في الآية، قال: كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليه محبته. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في قوله: {إلا المودة في القربى} قال: إلا التقرب إلى الله بالعمل الصالح. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في الآية، قال: كن له عشر أمهات في المشركات، وكان إذا مر بهم أذوه في تنقيصهن وشتمهن، فهو قوله: {إلا المودة في القربى} يقول: لا تؤذوني في قرابتي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله: {إن الله غفور شكور} قال: غفور للذنوب شكور للحسنات يضاعفها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: {فإن يشإ الله يختم على قلبك} قال: إن يشإ الله أنساك ما قد آتاك، والله تعالى أعلم. أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الزهري في قوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه العطش والحر قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فرجع، فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده عليه زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوّجها، قال: لا بأس به ثم قرأ {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن عتبة بن الوليد، حدثني بعض الرهاويين قال: سمع جبريل عليه السلام، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهو يقول: يا كريم العفو، فقال: له جبريل عليه السلام، وتدري ما كريم العفو؟ قال: لا يا جبريل. قال: "ان يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة". وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن الأخنس قال: امترينا في قراءة هذا الحرف، ويعلم ما يفعلون أو تفعلون، فأتينا ابن مسعود فقال: تفعلون. وأخرج عبد بن حميد، عن علقمة رضي الله عنه، أنه قرأ في {حـمۤ عۤسۤقۤ} {ويعلم ما تفعلون} بالتاء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمة بن سبرة رضي الله عنه قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأطمع أن يكون عامة من تنصبون بفارس والروم في الجنة؛ فإن أحدهم يعمل الخير، فيقول أحسنت بارك الله فيك، أحسنت رحمك الله، والله يقول: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} . وأخرج ابن جرير من طريق قتادة، عن أبي إبراهيم اللخمي في قوله: {ويزيدهم من فضله} قال يشفعون في إخوان اخوانهم.
القشيري
تفسير : {مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ}: أي ليس ذلك مما أمَرَ به، وإنما هو افتراءٌ منهم. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ}.. أي ما سبق به الحُكْمُ بتأخير العقوبة إلى القيامة..
اسماعيل حقي
تفسير : {أم لهم شركاء} ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة قيل للاضطراب عن قوله شرع لكم من الدين والهمزة للتقرير والتحقيق وشركاؤهم شياطينهم من الانس والجن والضمير للمشركين من قريش والاضافة على حقيقتها والمعنى بل لهم شركاء من الشياطين اى نظرآء يشاركونهم فى الكفر والعصيان ويعاونونهم عليه بالتزيين والاغرآء {شرعوا لهم} بالتسويل وبالفارسية نهاده اند براى ايشان يعنى بيار استه انددردل ايشان {من الدين} الفاسد {ما لم يأذن به الله} كالشرك وانكار البعث والعمل للدنيا وسائر مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة لأنهم لا يعلمون غيرها وتعالى الله عن الاذن فى مثل هذا والامر به والدين للمشاكلة لأنه ذكر فى مقابلة دين الله او للتهكم وقيل شركاؤهم اوثانهم فالهمزة للانكار فان الجماد الذى لا يعقل شيئا كيف يصح ان يشرع دينا والحال أن الله تعالى لم يشرع لهم ذلك الدين الباطل واضافتها اليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله واسناد الشرع اليها مع كونها بمعزل عن الفاعلية اسناد مجازى من قبيل اسناد الفعل الى السبب لأنها سبب ضلالتهم وافتنانهم كقوله تعالى {أية : انهن اضللن كثيرا من الناس} تفسير : {ولولا كلمة الفصل} اى القضاء السابق بتأخير العذاب او العدة بان الفصل يكون يوم القيامة والفصل القضاء بين الحق والباطل كما فى القاموس ويوم الفصل اليوم الذى فيه يبين الحق من الباطل ويفصل بين الناس بالحكم كما فى المفردات {لقضى بينهم} حكم كرده شده بودى ميان كافران ومؤمنان ياميان مشركان وشركاء وهريك جزا بسزا يافته بودندى اما وعده فصل ميان ايشان درقيامتست {وان الظالمين لهم عذاب اليم} فى الآخرة اى نوع من العذاب متفاقم المه وبالفارسية عذابى درونان دآئم وبى انقطاع بود. واقام المظهر مقام المضمر تسجيلا عليهم بالظلم ودلالة على ان العذاب الاليم الذى لا يكتنه كنهه انما يلحقهم بسبب ظلمهم وانهما كهم فيه وفى الآية اشارات منها ان كفار النفوس شرعوا عند استيلائهم على الدين بالهوى للارواح والقلوب ما لم يرض به الله من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة كاهل الحرب شرعوا لاسارى المسلمين عند استيلائهم عليهم ما ليس فى دينهم من اكل لحم الخنزير وشرب الخمر وعقد الزنار ونحوها فلا بد من التوجه الى الله ليندفع الشر وينعكس الامر (روى) حديث : ان سالم بن عوف رضى الله عنه اسره العدو فشكاه ابوه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام "اتق الله واكثر قول لا حول ولا قوة الا بالله" ففعل فجاء ابنه ومعه مائة من الابل تفسير : (قال الحافظ) شعر : سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد كه كس هميشه بكيتى دزم نخواهد ماند تفسير : ومنها أن الله تعالى لم يقض بين الخلق بالتكاليف والمجاهدات قبل البلوغ لضعف البشرية وثقل حمل الشريعة واخر بحكمته تكاليف الشرع تربية للقالب ليحصل القوة لقمع الطبع (قال الصائب) شعر : تاجه آيدروشن است ازدست اين يك قطعه خاك جرخ نتوانست كردن زه كمان عشق را تفسير : ومنها أن من ظلم نفسه بمتابعة الهوى فله عذاب اليم بعد البلوغ من الفطام عن المألوفات الطبيعية بالاحكام الشرعية وهذا العذاب للنفس والطبيعة رحمة عظيمة للقلب والروح ولذا من قال هذه الطاعات جعلها الله عذابا علينا من غير تأويل كفر فان اول مراده بالتعب لا يكفر ولو قال لو لم يفرض الله لكان خيرا لنا بلا تأويل كفر لأن الخير فيما اختاره الله الا ان يؤول ويريد بالخير الاهون والاسهل وفى القصيدة البردية شعر : وراعها وهى فى الاعمال سائمة وان هى استحلت المرعى فلا تسم تفسير : اى راع النفس فى اشتغالها بالاعمال عما هو مفسد ومنقص للكمال من الرياء والعجب والغفلة والضلال وان عدت النفس بعض التطوعات حلوا واعتادت به والفت فاجتهد فى ان تقطع نفسك عنها واشتغل بما هو أشق عليها لأن اعتبار العبادة انما هو بامتيازها عن العادة وانما ترتفع الكلفة مطلقا عن العارفين شعر : كم حسنت لذة للمرء قاتلة من حيث لم يدر ان السم فى الدسم تفسير : يعنى كثيرا من المرات زينت النفس لذة للمرء من اللذات قاتلة للمرء كالدسم والمرء لا يدرى أن السم فى الدسم لا سيما اذا كان المرء من اهل المحبة والوداد فهلاكه فى لذة الطعم وطيب الرقاد ومن الله التوفيق لاصلاح النفس وتزكيتها
ابن عجيبة
تفسير : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...} يقول الحق جلّ جلاله: {أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين}، "أم": منقطعة، أي: بل ألهم شركاء، أو: معادلة لمحذوف، تقديره: أقبلوا ما شرعت لهم من الدين، أم لهم آلهة شرعوا من الدين {ما لم يأذن به اللهُ} أي: لم يأمر به، {ولولا كلمةُ الفصل} أي: القضاء السابق بتأخير الجزاء، أي: ولولا العِدة بأن الفصل يكون يوم القيامة {لقُضِيَ بينهم}؛ بين الكفار والمؤمنين. أو: لعجلت لهم العقوبة. {وإِنَّ الظالمين لهم عذابٌ أليمٌ}؛ وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة، وإن أخّر عنهم في دار الدنيا. {ترى الظالمينَ}؛ المشركين في الآخرة {مُشفقينَ}؛ خائفين {مما كسبوا}؛ من جزاء كفرهم، {وهو واقع}؛ نازل {بهم} لا محالة، أشفقوا أم لم يُشفقوا. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجناتِ} كأنّ روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها، فالروضات: المواضع المونقة النضرة، فهم مستقرون في أطيب بقعها وأنزهها. {لهم ما يشاؤون عند ربهم} أي: ما يشتهون من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم، {ذلك هو الفضلُ الكبير} الذي لا يُقادر قدره، ولا يبلغ غايته على العمل القليل، فضلاً من الكبير الجليل. {ذلك الذي يُبَشِّرُ اللهُ} تعالى، {عبادَه} فحذف عائد الموصول. ويقال: بشَّر وبشر، بالتشديد والتخفيف، وقرىء بهما. ثم وصف المبشرين بقوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} دون غيرهم. الإشارة: كل مَن ابتدع عملاً خارجاً عن الكتاب والسنّة فقد شرع من الدين، ما لم يأذن به الله، فينسحب عليه الوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن سنَّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضاتِ الجنات} قال القشيري: في الدنيا جنة الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأُنْسِ في أوقات الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنات، إن أرادوا دوامَ اللطفِ دامَ لهم، وإن أرادوا تمامَ الكشف كان لهم. هـ. ولمَّا كان من شأن المبشر بالخير أن يلتمس الأجر، نزّه نبيه عن ذلك، فقال: {... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. يقول الحق جلّ جلاله: {قل} يا محمد {لا أسألكم عليه}؛ على التبليغ {أجراً}. رُوي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون أن محمداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً؟ فنزلت. أي: لا أسألكم على التبليغ والبشارة أجراً، أي: نفعاً {إِلا المودَة في القربى}؛ إلا أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي: لا أسألكم أجراً قط، ولكن أسألُكم أن تودُّوا قرابتي التي هم قرابتكم، ولا تؤذوهم. ولم يقل: إلا مودّة القربى، أو: المودة للقربى؛ لأنهم جُعلوا مكاناً للمودة، ومقرّاً لها، مبالغة، كقولك: لي في مال فلان مودة، ولي فيهم حبّ شديد، تريد: أحبهم، وهم مكان حبي ومحله. وليست "في" بصلة للمودة كاللام، إذا قلت: إلا المودة للقربى، وإنما هي متعلقة بمحذوف، تعلُّق الظرف. به والتقدير: إلا المودة ثابتة في القربى، ومتمكنة فيها. والقربى: مصدر، كالزلفى والبشرى، بمعنى القرابة. والمراد: في أهل القربى. رُوي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله! مَن أهل قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: "حديث : عليّ وفاطمة وابناهما"تفسير : . وقيل: معناه: إلا أن تودّوني لقرابتي فيكم، ولا تؤذوني، إذ لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة. وقيل: القربى: التقرُّب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبُّوا الله ورسوله في تقرُّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. {ومن يقترفْ} أي: يكتسب {حسنةً} أيّ حسنة كانت، فيتناول مودة ذي القربى تناولاً أولياً. وعن السدي: أنها المرادة، قيل: نزلت في الصدّيق رضي الله عنه ومودته فيهم، والظاهر: العموم، {نزدْ له فيها حُسْناً} أي: نضاعفها له في الجنة. {إِن الله غفور} لمَن أذنب بِطَوْلِه {شَكورٌ} لمَن أطاع بفضله، بتوفية الثواب والزيادة، أو: غفور: قابل التوبة، شكور: حامل عليها. الإشارة: محبة أهل البيت واجبة على البشر، حرمةً وتعظيماً لسيد البشر، وقد قال: "حديث : مَن أَحبهم فبحبي أُحبهم، ومَن أبغضهم فببغضي أبغضهم"تفسير : فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وعقد من عقوده، لا يتم الإيمان إلا بها، وكذلك محبة أهل بيته. وفي الحديث صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذوي قرابتي، أنا حرْب لمَن حاربهم. وسلْم لمَن سالمهم، وعدوٌّ لمَن عاداهم، ألا مَن آذى قرابتي فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله تعالى"تفسير : . وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: "حديث : إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا، كتابُ الله تعالى وعترتي"تفسير : ، فانظر كيف قرنهم بالقرآن في كون التمسُّك بهم يمنع الضلال. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومَن مات على حب آل محمد بدّل الله له زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومَن مات على حب آل محمد مات على السنّة والجماعة، ألا ومَن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينية: آيس من رحة الله"تفسير : . انظر الثعلبي. زاد بعضهم: ولو عصوا وغيّروا في المذهب؛ فنكره فعلَهم ونحب ذاتهم. قال الشيخ زروق في نصيحته: وما ينزل بنا من ناحيتهم نعدّه من القضاء النازل. هـ. وفي همزية البوصيري رحمه الله: شعر : آلَ بيتِ النبيِّ إِنَّ فؤادِي ليسَ يُسْلِيهِ عَنكم التَّأسَاء تفسير : وقال آخر: شعر : آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبَّكُمُ فَرْضٌ من الله في القرآنِ أَنْزَلَهُ يَكْفِيكُمُ من عظيمِ المجدِ أَنَّكُم مَنْ لَم يُصَلِّ عليكم لا صَلاَةَ لَهُ تفسير : وقوله تعالى: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً}، الزيادة في الدنيا بالهداية والتوفيق، وفي الآخرة بتضعيف الثواب وحسن الرفيق. قال القشيري: إذا أتانا بالمجاهدة زدناه بفضلنا تحقيق المشاهدة. ويقال: مَن يقترفْ حسنةَ الوظائف نَزِدْ له حُسْنَ اللطائف. ويقال: الزيادة ما لا يصل إليه العبد بوسيلة، مما لا يدخل تحت طَوْقِ البشر. هـ. ثم ردّ على مَن طعن في الوحي، الذي نفى الأجر على تبليغه، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وابن عامر، وابو بكر عن عاصم {يفعلون} بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء، فعلى أن الله يعلم ما يفعله الكفار فيجازيهم عليه. ومن قرأ بالتاء فعلى وجه الخطاب لهم بذلك. لما اخبر الله تعالى ان من يطلب بأعماله الدنيا أنه يعطيه شيئاً منها، وانه ليس له حظ من الخير في الآخرة. وقال {أم لهم شركاء} يعني بل هؤلاء الكفار لهم شركاء في ما يفعلونه أي اشركوهم معهم في أعمالهم بأن {شرعوا لهم من الدين} الذي قلدوهم فيه {ما لم يأذن به الله} أي لم يأمر به ولا أذن فيه. ثم قال {ولولا كلمة الفصل} أي كلمة الحكم الذي قال الله: إني اؤخر عقوبتهم، ولا أعاجلهم به فى الدنيا {لقضي بينهم} وفصل الحكم فيهم وعوجلوا بما يستحقونه من العذاب. ثم قال {وإن الظالمين} لنفوسهم بارتكاب المعاصي {لهم عذاب اليم} أي مؤلم أي هم مستحقون لذلك يوم القيامة. ثم قال {ترى الظالمين} يا محمد {مشفقين} أي خائفين {مما كسبوا} يعني من جزاء ما كسبوا من المعاصي وهو العقاب الذي استحقوه {وهو واقع بهم} لا محالة لا ينفعهم اشفاقهم منه، ولا خوفهم من وقوعه، والاشفاق الخوف من جهة الرقة على المخوف عليه من وقوع الأمر، واصل الشفقة الرقة من قولهم ثوب مشفق أي رقيق ردىء، ودين فلان مشفق أي ردىء. ثم قال {والذين آمنوا} بالله وصدقوا رسله {وعملوا} الأفعال {الصالحات} من الطاعات {في روضات الجنات} فالروضة الأرض الخضرة بحسن النبات، والجنة الأرض التي يجنها الشجر، والبستان التي عمها النبات أي هم مستحقون للكون فيها {لهم ما يشاؤن عند ربهم} ومعناه لهم ما يشتهون من اللذات، لان الانسان لا يشاء الشيء إلا من طريق الحكمة او الشهوة او الحاجة فى دفع ضرر ودفع الضرر لا يحتاج اليه في الجنة، وإرادة الحكمة تتبع التكليف، فلم يبق بعد ذلك إلا انهم يشاؤن ما يشتهون. وقوله {عند ربهم} يعني يوم القيامة الذي لا يملك فيه الأمر والنهي غيره، وليس يريد بـ {عند ربهم} من قرب المسافة، لأن ذلك من صفات الاجسام. ثم قال {ذلك} يعني الكون عند ربهم وأن لهم ما يشاؤن {هو الفضل الكبير} يعني الزيادة التي لا يوازيها شيء فى كثرتها. ثم قال {ذلك} يعني ما تقدم ذكره مما يشاؤنه هو {الذي يبشر الله عباده} به ومن شدد الشين أراد التكثير، ومن خفف، فلأنه يدل على القليل والكثير. وقيل: هما لغتان، وحكى الاخفش لغة ثالثة: أبشرته. ثم وصفهم فقال {الذين آمنوا} بالله وصدقوا رسله {وعملوا} الاعمال {الصالحات}. ثم قال {قل} لهم يا محمد صلى الله عليه وآله {لا أسألكم عليه} أي على ادائي اليكم {أجراً} عن الرسالة، وما بعثني الله به من المصالح {إلا المودة في القربى} وقيل في هذا الاستثناء قولان: احدهما - إنه استثناء منقطع لان المودة فى القربى ليس من الأجر ويكون التقدير لكن أذكركم المودة فى قرابتي. الثاني - إنه استثناء حقيقة ويكون أجرى المودة فى القربي كأنه أجر، وإن لم يكن أجر واختلفوا في معنى {المودة في القربى} فقال علي بن الحسين عليهما السلام وسعيد ابن جبير وعمرو بن شعيب: معناه أن تودوا قرابتي، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وقال الحسن: معناه {إلا المودة في القربى} إلى الله تعالى والتودد بالعمل الصالح اليه. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك وابن زيد وعطاه بن دينار: معناه إلا ان تودوني لقرابتي منكم. وقالوا: كل قرشي كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله قرابة، ويكون المعنى إن لم تودوني لحق النبوة افلا تودوني لحق القرابة. والاول هو الاختيار عندنا، وعليه اصحابنا. وقال بعضهم: إلا ان تصلوا قرابتكم. وقال آخرون: معناه إلا ان تتقربوا إلى الله بالطاعات. ثم قال تعالى {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً} أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن نوجب له عليها الثواب. والاقتراب الاكتساب واصله من قرفت الشيء إذا كشفت عنه، كقولك قرفت الجلد وهو من الاعتماد والاكتساب {إن الله غفور} أي ستار على عباده معاصيهم بالتوبة وغير التوبة تفضلا منه تعالى وإحساناً منه إلى عباده {شكور} ومعناه إنه يعاملهم معاملة الشاكر في توفية الحق حتى كأنه ممن وصل اليه النفع فشكره. وقيل: معناه يجازيهم على شكرهم إياه فسماه شكراً على عادتهم في تسمية الشيء باسم ما كان سببه مجازاً، كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}. تفسير : ثم قال {أم يقولون افترى على الله كذباً} بمعنى بل يقولون هؤلاء الكفار إنك يا محمد افتريت على الله كذباً في ادعائك رسالة على الله فقال له تعالى {فإن يشأ الله يختم على قلبك} قال قتادة: معناه يختم على قلبك بأن ينسيك القرآن. وقيل: معناه لو حدثتك نفسك بأن تفتري على الله كذباً لطبعت على قلبك واذهبت الوحي الذي أتيتك، لاني أمحوا الباطل واحق الحق. وقال الزجاج: معناه فان يشأ الله ان يربط على قلبك بالصبر على أذاهم لك وعلى قولهم افترى على الله كذباً {ويمحوا الله الباطل} وقوله {ويمحوا الله الباطل} رفع إلا أنه حذف الواو من المصاحف كما حذف من قوله {أية : سندع الزبانية} تفسير : على اللفظ وذهابه لالتقاء الساكنين، وليس بعطف على قوله {يختم} لأنه رفع وبين ذلك بقوله {ويحق الحق بكلماته} أي ويثبت الحق بأقواله التي ينزلها على انبيائه يتبين بها كذب من ادعى على الله كذباً في أنه نبي، ولا يكون كذلك {إنه عليم بذات الصدور} أي بأسرار ما في الصدور، لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} فتمدحه بأن يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات بأن لا يعاقب عليها دليل على ان إسقاط العقاب عندها تفضل، ويعلم ما تفعلونه من التوبة وغيرها فيجازيكم عليها. فمن قرأ بالتاء فعلى الخطاب ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عن الغائب.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} لله يأمرونهم بخلاف ما يأمرهم الله {شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} ممّا جعلوه ملّة من البحيرة والسّائبة وغير ذلك {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} كلمة الفصل هى اللّطيفة الانسانيّة الفاصلة للانسان من سائر الحيوان وهى الولاية التّكوينيّة وهى ما به عناية الحقّ للانسان وتكريمه له ويمهل الله الانسان حتّى تظهر تلك اللّطيفة وتستكمل او تذهب من الانسان ويلتحق الانسان بالانعام بل يصير اضلّ منها واذا خرجت من الانسان وانقطعت منه يصير الانسان مرتدّاً فطريّاً غير مقبول التّوبة وواجب القتل بحسب احكام الشّرع، وما ورد عن الباقر (ع) فى تفسير الآية من قوله: لولا ما تقدّم فيهم من الله عزّ ذكره ما ابقى القائم منهم احداً، ولعلّ المراد بالقائم هو خليفة الله القائم بأمره للعباد، يؤيّد ما ذكرنا فى تفسيره كلمة الفصل {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جملة حاليّة والمعنى انّ الظّالمين لآل محمّدٍ (ص) فى وجودهم وهم اللّطيفة المذكورة وكلّ من تولّد منها سواء كانوا ظالمين لآل محمّدٍ (ص) فى الخارج او لم يكونوا لهم عذابٌ اليمٌ فى الدّنيا والحال الحاضر لكن لخدارة اعضائهم لا يشعرون به، او فى الآخرة لكن لعدم تيقّنهم بالعذاب فى الآخرة ظلموهم.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} بمعنى بل الانتقالية أو الاضراب عن أرادة حرث الدنيا وبمعنى همزة التقرير* {لَهُمْ} لكفار مكة* {شُرَكَآءُ} شياطين زينوا لهم الشرك وانكار البعث والقبائح والعمل للدنيا* {شَرَعُواْ} أي الشرك* {لَهُم} أي للكفار* {مِّنَ الدِّينِ} الفاسد* {مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ} ما لم يأذن به ربه من الشرك ونحوه مما مر وقيل الشرك الشياطين والمغوون من أسلاف الكفار والشركة وهي في الكفر والغواية وليس المراد أن هؤلاء الكفار المكيين المعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جعلوا الشياطين والمغويين آلهة وتشريع الشياطين بالتزيين وقيل الشرك أوثانهم ونسبت اليهم حيث قال لهم لانهم متخذونها شركاء كما تنسب الى الله باعتبار انهم لعنهم الله شركوها به وجعلها شارعة لهم ما لم يأذن به لانها سبب ضلالتهم أو شبهاً بمن شرع وادعى بعضهم ان الشركة الأوثان وان (واو) شرعوا للكفار المعاصرين وان الهاء بعده للاوثان وان (شرعوا) معناه (أثبتوا) ونهجوا ورسموا. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ} أي الوعد بالفصل يوم القيامة والجزاء أو القضاء السابق بتأجيل ذلك* {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي بين الكافرين والمؤمنين باظهار المؤمنين وتعذيب الكائن في الدنيا وقيل بين الكافرين وشركائهم* {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} أي المشركين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة وقرئ بفتح الهمزة عطفاً لمصدر الاستقرار على الكلمة أي (ولولا كلمة الفصل وثبوت العذاب الاليم فى الآخرة للظالمين لقضي بينهم في الدنيا) فان العذاب الاليم غالب عذاب الآخرة. وهي قراءة مسلم بن جندب
اطفيش
تفسير : {أم لَهُم شركاء شَرعُوا لهُم من الدين مَا لم يأذَن بهِ الله} بل ألهم شركاء فى الكفر، وهم الشياطين، شرعوا لهؤلاء الكفرة من قومك ما لم يأمر الله تعالى به عبادة من الدين، فأم منقطعة بمعنى بل الانتقالية عما قبل من قوله: " أية : من كان يريد" تفسير : [الشورى: 20] إلخ وهمزة الانكار للياقة، شرع ما لم يأذن به الله تعالى، أو للتقرير، أى أقروا بما عندكم فى ذلك، هل كان، أو الشركاء الاصنام، واسناد الشرع اليها لأنها سبب ضلالهم، كقوله تعالى: " أية : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس" تفسير : [إبراهيم: 36] توصلوا بسبب عبادتها الى جعل البحيرة والوصيلة والحامى، شرعوا ذلك وغيره، مما يجر اليه عبادتها، وأما عبادتها فنفس ضلال لا سبب للضلال، نعم نحتها أو شراءها سبب للضلال الذى هو عبادتها وغيرها، كتقربهم بعبادتها الى الله عز وجل، نعم أيضا عبادتها سبب تسميتهم كالين. {ولَولا كلمة الفَصل} الوعد بالتأخير الى قيام الساعة أو اتمام أعمارهم، أو الفصل البيان كما هو تفسير فى قوله تعالى:" أية : هذا يوم الفصل" تفسير : [الصافات: 21، المرسلات: 38] الخ {لقُضِي بيْنَهم} بين المؤمنين والكفرة فى الدنيا، أو حين افترقوا بلا تأخير، وقيل: الضمير للكفرة وشركائهم من الشياطين، أو من الأصنام {وإن الظالمين} المحدث عنهم أظهر ليشنع عليهم باسم الظلم والإضلال أو الظالمين عموما، ويدخل المحدث عنهم أولا {لهُم عَذابٌ أليمٌ} فى الآخرة، أو فيها وفى الدنيا بالأسر والقتل والسَّبْى {تَرى} يا محمد، أو يا من يصلح للرؤية، وهذا أشنع عليهم كالصريح بالافتضاح لكل أحد {الظالمينَ مُشْفقين} خائفين خوفا شديدا، قال بعض المحققين الاشفاق عناية مختلطة بخوف وإن عدى بعلى فمعنى العناية أظهر، والمراد بالظلم هنا وفيما مر ظلم النفس بالذنوب، ومنها ظلم الغير، أو لم يكن أو الظلم نقص الحق، كذلك حق الله أو مع حق غيره {ممَّا كَسبُوا} من المعاصى أن يذكر لهم أو يحضر فى صحيفة أو من جزاء ما كسبوا بتقدير مضاف، أو ما كسبوا هو الجزاء، سمى باسم سببه، وهذان أنسب بقوله عز وجل: {وهُو واقعٌ بهِم} وعلى الأول يكون المعنى أن ذكره أو احضاره فى صحيفة، واقع، والباء للإلصاق، أى لاحق بهم، أو بمعنى على، ولو كان مجازا لأن لفظ وقع يناسبه، ومن للابتداء، وقال بعض المحققين للتعليل، وهو أدخل فى الوعيد، ومعنى واقع أنه حصل لهم لتنزيل ما لا بد منه منزلة ما وقع، والجملة حال من المستتر فى مشفقين مقدرة، لأنهم لم يقع بهم حال الاشفاق بل بعد. {والذينَ آمنُوا وعمِلوا الصالحات في رَوْضات الجنات} أى مياهها الماكث مع الشجر، وظرفيتها لهم مجاز بالاستعارة، لأنهم ليسوا فى الماء والشجر، بل عندهما أو روضاتها كناية عن أطيب البقاع وأنزهها ومحاسنها وملاذها، وفى الجنة مواضع غير الروضات هن لمن دون ذلك فى العمل {لَهُم ما يشاءُونَ} من الملاذ {عنْدَ ربِّهم} يتعلق بلهم لنيابته عن ثابت، أو ثبت أو بثابت أو ثبت، ويضعف تعليقه بيشاء، كأنه قيل ما يشاءونه من عند ربهم، يحصل لهم، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً أو حالا من الواو، أو من هاء لهم، وكل ما خطر ببال أهل الجنة يحصل لهم فى الحين، حتى انه لتجتمع الجماعة فتكون عليهم سحابة فتقول: ما تحبون أن أمطر عليكم، فما سمى أحد شيئا إلا أمطرته، ويقول القائل أمطرى علينا كواعب أترابا فتمطرهن {ذلك} المذكور الأعلى شأنا للمؤمنين {هُو الفَضْل الكَبِير} غاية الكبر الذى يصغر عنده غاية الصغر، كل ما سواه.
الالوسي
تفسير : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} في الكفر وهم الشياطين {شَرَعُواْ لَهُمْ} أي لهؤلاء الكفرة المعاصرين لك بالتسويل والتزيين {مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا. و {أَمْ} منقطعة فيها معنى بل الإضرابية والهمزة التي للتقرير والتقريع والإضراب عما سبق من قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ} تفسير : [الشورى: 13] الخ فالعطف عليه وما اعترض به بين الآيتين من تتمة الأولى، وتأخير الإضراب ليدل على أنهم في شرع يخالف ما شرعه الله تعالى من كل وجه فالشرك في مقابلة إقامة الدين والاستقامة عليه وإنكار البعث في مقابلة قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} تفسير : [الشورى: 18] والعمل للدنيا لقوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} تفسير : [الشورى: 20] وهذا أظهر من جعل الإضراب عما تقدم من قوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الشورى: 13] كما لا يخفى. وقيل: شركاؤهم أصنامهم، وإضافتها إليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله سبحانه، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} تفسير : [إبراهيم: 36] وجوز أن يكون الاستفهام المقدر على هذا للإنكار أي ليس لهم شرع ولا شارع كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا} تفسير : [الأنبياء: 43] وأياً ما كان فضمير {شَرَعُواْ} للشركاء وضمير {لَهُمْ} للكفار. وجوز على تفسير الشركاء بالأصنام أن يكون الأول للكفار والثاني للشركاء أي شرع الكفار لأصنامهم ورسموا من المعتقدات والأحكام ما لم يأذن به الله تعالى كاعتقاد أنهم آلهة وأن عبادتهم تقربهم إلى الله سبحانه، وكجعل البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك، وهو كما ترى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} أي القضاء والحكم السابق منه تعالى بتأخير العذاب إلى يوم القيامة أو إلى آخر أعمارهم {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي بين الكافرين والمؤمنين في الدنيا أو حين افترقوا بالعقاب والثواب، وجوز أن يكون المعنى لولا ما وعدهم الله تعالى به من الفصل في الآخرة لقضي بينهم فالفصل بمعنى البيان كما في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المرسلات: 38] وقيل: ضمير (بينهم) للكفار وشركائهم بأي معنى كان. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وهم المحدث عنهم أو الأعم منهم ويدخلون دخولاً أولياً {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. وفي «البحر» أي في الدنيا بالقتل والأسر والنهب وفي الآخرة بالنار. وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب {وأن} بفتح الهمزة عطفاً على {كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} أي لولا القضاء السابق بتأخير العذاب وتقدير أن الظالمين لهم عذاب أليم في الآخرة أو لولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة وتقدير أن الظالمين لهم الخ لقضي بينهم، والعطف على التقديرين تتميم للإيضاح لا تفسيري محض.
ابن عاشور
تفسير : {}. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} {أم} للإضراب الانتقالي وهو انتقال من الكلام على تفرق أهل الشرائع السالفة في شرائعهم مَن انقرض منهم ومن بقي كأهل الكتابين إلى الكلام على ما يشابه ذلك من الاختلاف على أصل الديانة، وتلك مخالفة المشركين للشرائع كلّها وتلقّيهم دين الإشراك من أيمة الكفر وقادة الضلال. ومعنى الاستفهام الذي تقضيه {أم} التي للإضراب هو هنا للتقريع والتهكّم، فالتقريع راجع إلى أنهم شرعوا من الدّين ما لم يأذن به الله والتهكم راجع إلى من شرعوا لهم الشرك، فسئلوا عمن شرع لهم دين الشرك: أهم شركاء آخرون اعتقدوهم شركاءَ لله في الإلهٰية وفي شرع الأديان كما شرع الله للناس الأديان؟ وهذا تهكّم بهم لأن هذا النوع من الشركاء لم يدّعِه أهل الشرك من العرب. وهذا المعنى هو الذي يساعد تنكير {شركاء} ووصْفَه بجملة {شرعوا لهم من الدين}. ويجوز أن يكون المسؤول عن الذي شرع لهم هو الأصنام التي يعبدونها، وهو الذي درج عليه المفسرون، فيكون {لهم} في موضع الحال من {شركاء}. والمقصود: فضح فظاعة شركهم بعروه عن الانتساب إلى الله، أي إن لم يكن مشروعاً من الإله الحقّ فهو مشروع من الآلهة الباطلة وهي الشركاء. وظاهر أن تلك الآلهة لا تصلح لتشريع دين لأنها لا تعقل ولا تتكلم، فتعين أن دين الشرك دين لا مستند له. وقريب من هذا قوله تعالى: {أية : وكذلك زَيَّن لِكَثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} تفسير : [الأنعام: 137]. وقيل المراد بالشركاء: أيمة دين الشرك أطلق عليهم اسم الشركاء مجازاً بعلاقة السببية. وضميرَا {لهم} عائدان إلى { أية : الذين لا يؤمنون بها } تفسير : [الشورى: 18] أو إلى { أية : والذين يحاجون في الله } تفسير : [الشورى: 16]. والتعريف في {الدين} للجنس، أي شرعوا لهم من جنس الدّين ما، أي ديناً لم يأذن به الله، أي لم يأذن بِشرعه، أي لم يرسل به رسولاً منه ولا أوحى به بواسطة ملائكته. {ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ}، هو كقوله فيما تقدم { أية : ولولا كلمة سبقت من ربّك إلى أجل مسمى لقُضي بينهم } تفسير : [الشورى: 14]. وكلمة الفصل هي: ما قدّره الله وأرادهُ من إمهالهم. والفصل: الفاصل، أي الذي لا تردد فيه. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. عطف على جملة {ولولا كلمة الفصل} والمقصود تحقيق إمهالهم إلى أجل مسمى لا يفلتهم من المؤاخذة بما ظَلموا. والمراد بالظالمين المشركون { أية : إن الشرك لظلم عظيم } تفسير : [لقمان: 13]. والعذاب الأليم: عذاب الآخرة لجميعهم، وعذاب الدّنيا بالسيف والذلّ للذين أُخّروا إلى إبَّان حلوله مثل قتلهم يوم بدر. وَتَوْكيد الخبر بحرف التوكيد لأن هذا الخبر موجه إليهم لأنهم يسمعون هذا الكلام ويعلمون أنهم المقصودون به.
د. أسعد حومد
تفسير : {شُرَكَاءُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (21) - إِنَّهُمْ لاَ يَتَّبِعُونَ مَا شَرَعَ اللهُ مِنَ الدِّينِ القَوِيمِ بَلْ يَتَّبِعُونَ مَا شَرَعَ لَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مِنَ البَحَائِرِ والوَصَائِلِ والسَّوَائِب، وَتَحْلِيلِ أَكْلِ المِيتَةِ والدَّمِ، وَالمَيْسِرِ، وَإِنْكَارِ البَعْثِ والنُّشُورِ والحِسَابِ.. وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَضَى بِأَنْ يُؤَخِّرَ عِقَابَهُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لَعَاجَلَهُمْ بِالعُقُوبَةِ والعَذَابِ. والذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَرْعِ مَا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ لَهُمْ بِهِ، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. كَلِمَةُ الفَصْلِ - الحُكْمُ بِتَأْخِيرِ العَذَابِ إِلَى الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: لماذا كذَّبوا محمداً ولم يؤمنوا بما جاء به؟ ألهم شركاء وضعوا لهم شرعاً ومنهجاً يتبعونه، وديناً يدينون به ويتركون دين محمد؟ والشركاء أي: الأشياء التي عبدوها من دون الله، منهم مَنْ عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر أو الشجر أو الحجر أو الملائكة، فهل هذه الآلهة المدَّعاة لها شرع؟ هل قالت لهم: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؟ إذن: آلهة بلا منهج وبلا تكاليف فعبادتها باطلة، وهم ما عبدوها إلا لذلك، لأنها بلا منهج وبلا تكاليف، فقط تُرضِي ما في نفوسهم من الرغبة في التديُّن، وما أسهلَ أن يكونَ للإنسان دينٌ بلا تكاليف. والعبادة ما هي إلا طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، ثم ماذا أعدَّتْ هذه المعبودات لمن أطاعها، وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها؟ إذن: هذه جمادات لم تقُلْ لكم شيئاً، ولم تأمركم بشيء، ولم تشرع لكم ديناً، بل أنتم شرَّعتم لأنفسكم واتبعتم أهواءكم لإرضاء عاطفة في نفوسكم، آلهتكم من صُنْع أيديكم أو أفكاركم السقيمة الضالة. لذلك يقول تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [المائدة: 103]. نعم هؤلاء قوم يفترون على الله الكذب، ويختلقون من عند أنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أين أتوا بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؟ هذه أشياء اخترعوها من عندهم افتراً على الله وكذباً. فالبَحيرة هي الناقة التي ولدتْ خمس مرات، فهي عندهم أدَّتْ ما عليها، فيشقون أذنها ويتركونها سائبة لا تُركب ولا يُشرب لبنها، ولا تُدفع عن الماء ولا عن المرعى، وهذه أمور ما شرعها الله، وقد أحلَّ الله لهم حتى الانتفاع بلحمها. كذلك السائبة: كانوا إذا اشتكى الواحد منهم من وجع أو نزلتْ به نازلة قال: إذا حصل كذا وذهب المشكو منه أجعل ناقتي هذه سائبة لا تُركب ولا يُشرب لبنها، ولا تُرد عن الماء ولا عن المرعى. والوصيلة هي الشاة كانت إذا ولدتْ ذكراً جعلوه للآلهة وذبحوه للخدم والسَّدنة، وإذا ولدت أنثى أخذوها لهم لتُنجب عندهم، أما إذا ولدتْ ذكراً وأنثى احتفظوا بهما الأنثى وصلتْ أخاها، فلم يُؤخذ للآلهة بل يظل معها. والحام: هو البعير حمى ظهره من أنْ يركب إذا أنتج عشرة أبطن فيقولون: إنه أدى ما عليه، فلا يُركب ولا يُردّ عن الماء ولا عن المرعى. هذه كلها أمور أحلَّها الله لهم وحرَّموها على أنفسهم، لذلك قال سبحانه في سورة الأنعام: {أية : ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 143-144]. فالحق سبحانه يقول لهم: أخبروني مَنْ حرَّم هذه الأشياء {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ..} تفسير : [الأنعام: 144] أي: بهذا التحريم الذي شرَّعتموه من عندكم افتراءً على الله، إذن: أنتم جعلتم المشرَّع له مُشرَّعاً، شرع لنفسه بدل أنْ يتلقى التشريع من الله. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ..} [الشورى: 21] أي: الحكم بعدم إهلاكهم وتأخير عذابهم إلى الآخرة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ..} [الشورى: 21] يعني: حُكِم عليهم بالعذاب العاجل. حين ننظر في الأشياء التي أحلَّها الله والأشياء التي حرَّمها نجدها تعتمد على مراعاة المنفعة ودفع المضرة عن الإنسان، فالحلال فيه نفع والحرام فيه ضرر، لذلك نجد بعض المستشرقين يعترضون على أشياء حرَّمها الحق سبحانه على بني إسرائيل مثلاً وهي غير ضارَّة، وغيرهم يأكلها ولا تضره. نعم حرَّم الله على بني إسرائيل كُلَّ ذي ظفر من البقر والإبل، وغير مشقوقة الأصابع مثل: البط والأوز والنعام، وحرَّم عليهم الدهون {أية : إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ..} تفسير : [الأنعام: 146] وهذه كلها أشياء حلال لغير بني إسرائيل وليس فيها ضرر، إنما حُرِّمت عليهم عقاباً لهم وتأديباً فليستْ العلة في التحريم الضرر. قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 160] فلما ظلموا أدَّبهم الله بأنْ حرَّم عليهم ما أحلَّ لغيرهم. ثم نلحظ على الآية أنها عبَّرتْ عن باطلهم الذي جاءوا به من عند أنفسهم بأنه دين {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ ..} [الشورى: 21] فسمي الباطل ديناً تجاوزاً، لأنهم مؤمنون به ويعتبرونه ديناً، كما قال تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6] على اعتقادهم، والدين ما يدين به الإنسان. {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] الظالم إما يظلم غيره، وإما يظلم نفسه، وهذا أشنع أنواع الظلم، فقد يعقل أن يظلم الإنسان عدوه، إنما يظلم نفسه التي بين جنبيه؟! فكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلمها حين يُعرِّضها للعقوبة، ويحرمها من الثواب والنعيم، وأشد أنواع ظلم الإنسان لنفسه أنْ يظلمها في مسألة العقيدة والإيمان بالله {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13].
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، /69 و/ قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم. قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} [الآية: 21]. يعني: يوم القيامة. يقول: أُخروا إِلى يوم القيامة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الآية: 23]. يقول إِلا أَن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا قرابتي ورحمي. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا شريك عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا أَسئلكم عليه أَجراً إِلا أَن تودوني في نفسي لقرابتي وتحفظوا لي القرابة التي بيني وبينكم [الآية: 22]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} [الآية: 28]. يقول: من بعد ما يئسوا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ} معناه ابتدعوا لَهُم.
الأندلسي
تفسير : {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} استفهام تقرير وتوبيخ لما ذكر تعالى أنه شرع للناس ما وصى به نوحاً أخذ ينكر ما شرع غيره والضمير في شرعوا عائد على الشركاء وفي لهم عائد على الكفار المعاصرين للرسول عليه السلام. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ} أي الفصل يكون في الآخرة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا. {ذَلِكَ} إشارة إلى ما أعد لهم من الكرامة وهو مبتدأ خبره الموصول والعائد عليه محذوف أي يبشر الله عباده به حذف حرف الجر فانتصب الضمير ثم حذفه قال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده "انتهى". لا يظهر هذا الوجه إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من تبشير وشبهه ومن النحويين من جعل الذي مصدرية حكاه ابن مالك عن يونس وتأول عليه هذه الآية أي ذلك تبشير الله عباده وليس بشىء لأنه إثبات للإِشتراك بين مختلفي الحد بغير دليل وقد ثبتت إسمية الذي فلا يعدل عن ذلك بشىء لا يقوم به دليل بل ولا شبهة. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} روي أن الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا يا رسول الله قد هدانا الله تعالى بك وأنت ابن أختنا وتعروك حقوق ومالك سعة فاستعن بهذا على ما ينوبك فنزلت الآية فردّه إليهم والظاهر أن قوله إلا المودة استثناء منقطع لأن المودّة ليست أجراً أن تدعوا حق قرابتي وتصدقوني بما جئتكم به وتمسكوا عن أذيتي وأذية من اتبعني. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال واستفهم استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة أي مثله لا ينسب إليه الكذب على الله تعالى مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة. {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم انه مفر. {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} إستئناف اخبار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن المشركين اتخذوا شركاء يوالونهم ويشتركون هم وإياهم في الكفر وأعماله، من شياطين الإنس، الدعاة إلى الكفر { شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } من الشرك والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك مما اقتضته أهواؤهم. مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله، فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين هم وآباؤهم على الكفر. { وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي: لولا الأجل المسمى الذي ضربه الله فاصلا بين الطوائف المختلفة، وأنه سيؤخرهم إليه، لقضي بينهم في الوقت الحاضر بسعادة المحق وإهلاك المبطل، لأن المقتضي للإهلاك موجود، ولكن أمامهم العذاب الأليم في الآخرة، هؤلاء وكل ظالم. وفي ذلك اليوم { تَرَى الظَّالِمِينَ } أنفسهم بالكفر والمعاصي { مُشْفِقِينَ } أي: خائفين وجلين { مِمَّا كَسَبُوا } أن يعاقبوا عليه. ولما كان الخائف قد يقع به ما أشفق منه وخافه، وقد لا يقع، أخبر أنه { وَاقِعٌ بِهِمْ } العقاب الذي خافوه، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب، من غير معارض، من توبة ولا غيرها، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال. { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم بالله وبكتبه ورسله وما جاءوا به، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } يشمل كل عمل صالح من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فهؤلاء { فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ } أي: الروضات المضافة إلى الجنات، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة، وما فيها من الأنهار المتدفقة، والفياض المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب، والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى إلا حسنا وبهاء، ولا يزداد أهلها إلا اشتياقا إلى لذاتها وودادا، { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ } فيها، أي: في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل، ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } وهل فوز أكبر من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في دار كرامته؟ { ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: هذه البشارة العظيمة، التي هي أكبر البشائر على الإطلاق، بشر بها الرحيم الرحمن، على يد أفضل خلقه لأهل الإيمان والعمل الصالح، فهي أجل الغايات، والوسيلة الموصلة إليها أفضل الوسائل. { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي: على تبليغي إياكم هذا القرآن ودعوتكم إلى أحكامه. { أَجْرًا } فلست أريد أخذ أموالكم، ولا التولي عليكم والترأس، ولا غير ذلك من الأغراض { إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }. يحتمل أن المراد: لا أسألكم عليه أجرا إلا أجرا واحدا هو لكم، وعائد نفعه إليكم، وهو أن تودوني وتحبوني في القرابة، أي: لأجل القرابة. ويكون على هذا المودة الزائدة على مودة الإيمان، فإن مودة الإيمان بالرسول، وتقديم محبته على جميع المحاب بعد محبة الله، فرض على كل مسلم، وهؤلاء طلب منهم زيادة على ذلك أن يحبوه لأجل القرابة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد باشر بدعوته أقرب الناس إليه، حتى إنه قيل: إنه ليس في بطون قريش أحد، إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه قرابة. ويحتمل أن المراد إلا مودة الله تعالى الصادقة، وهي التي يصحبها التقرب إلى الله، والتوسل بطاعته الدالة على صحتها وصدقها، ولهذا قال: { إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } أي: في التقرب إلى الله، وعلى كلا القولين، فهذا الاستثناء دليل على أنه لا يسألهم عليه أجرا بالكلية، إلا أن يكون شيئا يعود نفعه إليهم، فهذا ليس من الأجر في شيء، بل هو من الأجر منه لهم صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } تفسير : وقولهم: "ما لفلان ذنب عندك، إلا أنه محسن إليك". { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } من صلاة، أو صوم، أو حج، أو إحسان إلى الخلق { نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } بأن يشرح الله صدره، وييسر أمره، وتكون سببا للتوفيق لعمل آخر، ويزداد بها عمل المؤمن، ويرتفع عند الله وعند خلقه، ويحصل له الثواب العاجل والآجل. { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } يغفر الذنوب العظيمة ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها، ويشكر على العمل القليل بالأجر الكثير، فبمغفرته يغفر الذنوب ويستر العيوب، وبشكره يتقبل الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):