Verse. 4294 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

تَرَى الظّٰلِـمِيْنَ مُشْفِقِيْنَ مِمَّا كَسَبُوْا وَہُوَوَاقِـــعٌۢ بِہِمْ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ فِيْ رَوْضٰتِ الْجَـنّٰتِ۝۰ۚ لَہُمْ مَّا يَشَاۗءُوْنَ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۭ ذٰلِكَ ہُوَالْفَضْلُ الْكَبِيْرُ۝۲۲
Tara alththalimeena mushfiqeena mimma kasaboo wahuwa waqiAAun bihim waallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati fee rawdati aljannati lahum ma yashaoona AAinda rabbihim thalika huwa alfadlu alkabeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ترى الظالمين» يوم القيامة «مشفقين» خائفين «مما كسبوا» في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها «وهو» أي الجزاء عليها «واقع بهم» يوم القيامة لا محالة «والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات» أنزهها بالنسبة إلى من دونهم «لهم ما يشاءُون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير».

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ} أي خائفين {مِمَّا كَسَبُواْ} أي من جزاء ما كسبوا. والظالمون هاهنا الكافرون؛ بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر. {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي نازل بهم. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} الروضة: الموضع النَّزِه الكثير الخضرة. وقد مضى في «الروم». {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي من النعيم والثواب الجزيل. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كُنْه صفته؛ لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ } يوم القيامة {مُشْفِقِينَ } خائفين {مِمَّا كَسَبُواْ } في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها {وَهُوَ } أي الجزاء عليها {وَاقِعٌ بِهِمْ } يوم القيامة لا محالة {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ } أنزهها بالنسبة إلى من دونهم {لَهُمْ مَّا يَشَآءَونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ }.

القشيري

تفسير : إذا حصل الإجرام فإلى وقتٍ ما لا يُعَذِّبُهم الله في الغالب، ولكنه لا محالةَ يعذبهم. وربما يَثْبُتُ ذلك لبعض أصحاب القلوب فيتأسَّفون، ويعلمون أَنَّ ذلك من الله لهم مُعَجَّلٌ قد أصابهم، أَمَّا الكفار.. فغداً يُشْفِقُون مما يقع بهم عند ما يقرؤونه في كتابهم، لأنَّ العذابَ - لا محالةَ - واقعٌ بهم. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ}: في الدنيا جنان الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأُنْسِ في أوقات الخلوة. وفي الآخرة في روضات الجنة: {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ}: إِنْ أرادوا دوامَ للطفِ دامَ لهم، وإنْ أرادوا تمامَ الكشف كان لهم.. ذلك هو الفضلُ الكبير.

اسماعيل حقي

تفسير : {ترى الظالمين} اى المشركين يوم القيامة يا من بصلح للرؤية {مشفقين} خائفين {مما كسبوا} اى اشفاقا ناشئا من السيئات التى عملوها فى الدنيا ومن اجلها فكلمة من للتعليل وليست صلة مشفقين حتى يحتاج الى تقدير المضاف هنا مع أنه ايضا معنى صحيح لأن الاول ابلغ وادخل فى الوعيد {وهو واقع بهم} اى وباله وجزآؤه لاحق بهم لا محالة اشفقوا أولم يشفقوا والجملة حال من ضمير مشفقين او اعتراض قال سعدى المفتى يعنى ينعكس الحال فى الآخرة فالآمنون فى الدنيا يشفقون فى الآخرة والمشفقون فى الدنيا يأمنون فى الآخرة (وفى المثنوى) شعر : لا تخافوا هست نزل خائقان هست درخوراز براى خائف آن هركه ترسد مرورا ايمن كنند هردل ترسنده راسا كن كنند آنكه خوفش نيست جون كويى مبرس درس جه دهى نيست اومحتاج درس تفسير : وفيه اشارة الى أن عذاب اهل الهوى والشهوات واقع بهم اما فى الدنيا بكثرة الرياضات وانواع المجاهدات لتزكية النفس من اوصافها وتحليتها باضدادها واما فى الآخرة بورودها النار لتنقيتها وعذاب الدنيا اهون فلا بد من الاجتهاد قبل فوات الوقت {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} اى استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع وكسر الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح {فى روضات الجنات} مستقرون فى اطيب بقاعها وانزهها فان روضة الارض تكون كذلك وبالفارسية اندرمر غزار هاى بهشت انديعنى خوشترين بقعها ونزهت فزاى ترين آن قال فى حواشى الكشاف الروضة اسم لكل موضع فيه ماء وعشب وفى كشف الاسرار هى الاماكن المتسعة المونقة ذات الرياحين والزهر انتهى وفى الحديث "حديث : ثلاث يجلون البصر النظر الى الخضرة والى الماء الجارى والى الوجه الحسن" تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما والاثمد عند النوم قال الراغب قوله فى روضات الجنات اشارة الى ما اعد لهم فى العقبى من حيث الظاهر وقيل اشارة الى ما اهلهم له من العلوم والاخلاق التى من تخصص بها طاب قلبه {لهم ما يشاؤون عند ربهم} اى ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم على ان عند ربهم ظرف للاستقرار العامل فى لهم وقيل ظرف ليشاؤون على ان يكون عبارة عن كونهم عند الله والآية من الاحتباك انبت الاشفاق اولا دليلا على حذف الامن ثانيا والجنات ثانيا دليلا على حذف النيران اولا {ذلك} المذكور من اجر المؤمنين {هو الفضل الكبير} الذى يصغر دونه ما لغيرهم من الدنيا او تحقر عنده الدنيا بحذافيرها من اولها الى آخرها وهذا فى حق الامة واما النبى عليه السلام فمخصوص بالفضل العظيم كما قال تعالى {أية : وكان فضل الله عليك عظيما }

الجنابذي

تفسير : {تَرَى} فى الحال او سوف ترى فى الآخرة والخطاب خاصٌّ بمحمّدٍ (ص) او عامّ {ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ} خائفين {مِمَّا كَسَبُواْ} من جزاء ما كسبوا من الاعمال او من نفس ما كسبوا بناءً على تجسّم الاعمال فى الدّنيا كما هو حال بعض المذنبين او فى الآخرة كما هو حال الجميع {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} فى الدّنيا ولكن لا يشعرون به او فى الآخرة {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ} عطف على مفعولى ترى اى وترى الّذين آمنوا (الى آخرها)، او عطف على اسم انّ وخبرها، او على جملة انّ الظّالمين (الى آخرها) او على جملة ترى الظّالمين او على جملة هو واقع بهم {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} الظّرف مستقرّ وحال عن فاعل يشاؤن او عن الموصول او عن مجرورٍ لهم او عن المستتر فيه او خبرٌ بعد خبرٍ او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او متعلّق بيشاؤن او بل هم {ذَلِكَ} المذكور {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ذَلِكَ} المذكور العظيم القدر البعيد المنزلة {ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} قد مضى مكرّراً انّ المراد فى امثال هذه العبارة بالايمان الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة، او نفس البيعة العامّة وبالعمل الصّالح الايمان الحاصل بالبيعة الخاصّة، او نفس البيعة الخاصّة، او المراد بالايمان الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة او نفس تلك البيعة، وبالعمل الصّالح العمل بشروط تلك البيعة {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} اى على هذا الامر الّذى انا فيه من تبليغ رسالة الله ودعائكم الى الايمان بالله {أَجْراً} منكم حتّى تتّهمونى بطلب الدّنيا فى ادّعائى {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} الاستثناء متّصل والمودّة فى القربى وان كانت نافعةً لهم وتكميلاً لنفوسهم ولكن باستكمالهم ينتفع النّبىّ لكونهم (ص) اجزاءً له وسعةً لوجوده فقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} تفسير : [سبأ:47] اشارة الى كلا الانتفاعين حيث جعله اجراً له من حيث انتفاعه بمودّتهم لاستكمالهم بها وسعته (ص) باستكمالهم، فما قيل: انّه استثناء منقطع، ليس فى محلّه، والقربى مصدر قرب والمقصود المودّة فى التّقرّب الى الله او فى حال قربكم من الله فيكون بمعنى الحبّ فى الله او المعنى التّحابّ فى ما تقرّب الى الله من الاعمال، او المعنى لا أسألكم اجراً الاّ ان تودّونى لاجل قرابتى منكم، هكذا قيل، ولكن ما وصل الينا من ائمّتنا (ع) فى اخبارٍ كثيرةٍ انّ المعنى لا أسألكم اجراً الاّ ان تودّوا أقربائى، فيكون القربى مصدراً بمعنى اسم الفاعل، ويكون التّعبير بالمصدر للاشعار بانّ مودّة أقربائى نافع لكم من حيث قرابتهم لى جسمانيّة كانت القرابة او روحانيّة، وروى انّ رسول الله (ص) حين قدم المدينة واستحكم الاسلام قالت الانصار فيما بينها: نأتى رسول الله (ص) فنقول له: انّه يعروك امور فهذه اموالنا تحكم فيها غير حرجٍ ولا محظورٍ عليك، فأتوه فى ذلك، فنزلت: قل لا اسألكم عليه اجراً الاّ المودّة فى القربى، فقرأها عليهم وقال: تودّون قرابتى من بعدى، فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله فقال المنافقون: انّ هذا لشيءٌ افتراه فى مجلسه اراد بذلك ان يذلّلنا لقرابته من بعده فنزلت: ام يقولون افترى على الله كذباً، فأرسل اليهم فتلاها عليهم فبكوا واشتدّ عليهم فأنزل الله وهو الّذى يقبل التّوبة عن عباده (الآية) فارسل فى اثرهم فبشّرهم، وبهذا المضمون وبالقرب منه اخبارٌ كثيرةٌ {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} قد مضى منّا مكرّراً انّ الحسن الحقيقىّ والحسنة الحقيقيّة هى الولاية لا غير، وكلّما كان متعلّقاً بالولاية من قولٍ وفعلٍ وحالٍ وخلقٍ وعلمٍ وشهودٍ وعيانٍ فهو حسن بحسنها، وكلّما لم يكن متعلّقاً بالولاية كان قبيحاً ولذلك فسّروا فى اخبارٍ كثيرةٍ اقتراف الحسنة بولايتهم ومودّتهم سواء جعل التّنكير للتّفخيم او للتّحقير {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} اى نزد له فى تلك الحسنة حسناً لانّ الحسنة اذا حصل منها فعليّة حسنة للنّفس وبقى الفاعل على تلك الفعليّة ولم يبطلها ولم يحرقها زادها الله تعالى لانّ الكون باقتضاء ذاته فى التّرقّى {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر ما كسب من سيّئة قبل تلك الحسنة {شَكُورٌ} واقتضاء شكوريّته الزّيادة فى تلك الحسنة الى عشرٍ الى ما شاء الله.

الهواري

تفسير : قوله: {تَرَى الظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مُشْفِقِينَ} أي: خائفين {مِمَّا كَسَبُوا} أي: مما عملوا في الدنيا إذ أخرجته كتبهم {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أي: الذي خافوا منه من عذاب الله. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: في الجنة {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ} قال: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يبشرهم في الدنيا بروضات الجنات، لهم ما يشاءون فيها، أي: في الجنة. قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. ذكروا عن عكرمة قال: كان النبي عليه السلام واسطاً في قريش؛ ليس في بطون قريش بطن إلا وقد ولده؛ فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي: إلا أن تراعوا ما بيني وبينكم من القرابة [فتصدقوني]. وقال الحسن: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي: إلا أن يتقرّبوا إلى الله بالعمل الصالح، وهو كقوله: (أية : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)تفسير : [الفرقان:57] أي: بطاعته. قوله: {وَمَن يَقْتَرِفْ} أي: ومن يعمل {حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} أي: تضعيف الحسنات {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} أي: للذنوب {شَكُورٌ} أي: للعمل.

اطفيش

تفسير : {تَرَى} ببصرك أو بقلبك بعد رؤية البصر وقبلها والاول أنسب. {الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ} خائفين يوم القيامة حيث لا ينفع الخوف* {مِمَّا كَسَبُواْ} من الشرك والأعمال القبيحة (وما) مصدرية أي من كسبهم* {وَهُوَ} عائد الى (ما كسبوا) على تقدير مضاف أي جزاء ما كسبوا أو عائد الى الجزاء أو العذاب دل عليه المقام* {وَاقِعٌ بِهِمْ} ولا تنفعهم شفاعتهم حينئذ والباء للالصاق أي متصل بهم أو بمعنى على. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} الجنة كلها حسنة والمواضع التى تخصص بها المؤمنون أحسن من المواضع المشتركين فيها فهى روضات الجنات أي أطيب بقاعها وأنزهها وعلى طريقة هؤلاء تجعل هذه المواضع التي هي أحسن لمن جمعوا بين القول والعمل وما دونها للآتين بالقول فقط وهذا لا يصح عندنا معشر الاباضية ولك أن تقول للجامع بين القول والأعمال الكثيرة وما دونها للجامع بينها وبين الأعمال القليلة أو لمن مات غير عامل وهو واف بدين الله مثل مشرك أسلم فمات وبالغ واف جنَّ قيل العمل* {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} وتعلق بما تعلق به لهم وهو الاستقرار ولو علق بلهم لنيابته عن الاستقرار لجاز {ذَلِكَ} الذي ذكر المؤمنين* {هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا

الالوسي

تفسير : {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} جملة مستأنفة لبيان ما قبل. والخطاب لكل أحد يصلح له للقصد إلى المبالغة في سوء حالهم أي ترى يا من يصح / منه الرؤيا الظالمين يوم القيامة {مُشْفِقِينَ} خائفين الخوف الشديد {مِمَّا كَسَبُواْ} في الدنيا من السيآت، والكلام قيل على تقدير مضاف. و {مِنْ} صلة الإشفاق أي مشفقين من وبال ما كسبوا {وَهُوَ} أي الوبال {وَاقِعٌ بِهِمْ} أي حاصل لهم لاحق بهم، واختار بعضهم أن لا تقدير و(من) تعليلية لأنه أدخل في الوعيد، والجملة اعتراض للإشارة إلى أن إشفاقهم لا ينفعهم، وإيثار {وَاقِعٍ} على يقع مع أن المعنى على الاستقبال لأن الخوف إنما يكون من المتوقع بخلاف الحزن للدلالة على تحققه وأنه لا بد منه، وجوز أن تكون حالاً من ضمير {مُشْفِقِينَ} وظاهر ما سمعت أنه حال مقدرة. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ فِي رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ} أي مستقرون في أطيب بقاعها وأنزهها، وقال الراغب: هي محاسنها وملاذها. وأصل الروضة مستنقع الماء والخضرة واللغة الكثيرة في واوها جمعاً التسكين كما في المنزل ولغة هذيل بن مدركة فتحها فيقولون روضات إجراء للمعتل مجرى الصحيح نحو جفنات ولم يقرأ أحد فيما علمنا بلغتهم. {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم فالظرف متعلق بمتعلق الجار والمجرور الواقع خبراً لما أوبه واختاره جار الله ونفى أن يكون متعلقاً بيشاؤن مع أنه الظاهر نحواً، وبين صاحب «الكشف» ذلك بأنه كلام في معرض المبالغة في وصف ما يكون أهل الجنة فيه من النعيم الدائم فأفيد أنهم في أنزه موضع من الجنة وأطيب مقعد منها بقوله تعالى: {فِي رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ} لأن روضة الجنة أنزه موضع منها لا سيما والإضافة في هذا المقام تنبىء عن تميزها بالشرف والطيب، والتعقيب بقوله تعالى: {لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ} أيضاً ثم أفيد أن لهم ما يشتهون من ربهم ولا خفاء أنك إذا قلت: لي عند فلان ما شئت كان أبلغ في حصول كل مطالبك منه مما إذا قلت: لي ما شئت عند فلان بالنسبة إلى الطالب والمطلوب منه. أما الأول: فلأنه يفيد ان جميع ما تشاؤه موجود مبذول لك منه، والثاني يفيد ان ما شئت عنده مبذول لا جميع ما تشاؤه، وأما الثاني: فلأنك وصفته بأنه يبذل جميع المرادات، وفي الثاني وصفته بأن ما شئت عنده مبذول لك إما منه وإما من غيره ثم في الأول مبالغة في تحقيق ذلك وثبوته كما تقول: لي عندك وقبلك كذا، فالله تعالى شأنه أخبر بأن ذلك حق لهم ثابت مقضي في ذمة فضله سبحانه ولا كذلك في الثاني، ثم قال: ولعل الأوجه أن يجعل {عِندَ رَبّهِمْ} خبراً آخر أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في روضات الجنات لهم فيها ما يشاؤن، وإنما أخر توخياً لسلوك طريق المبالغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى ومراعاة لترتيب الوجود أيضاً فإن الوافد والضيف ينزل في أنزه موضع ثم يحضر بين يديه الذي يشتهيه؛ وملاك ذلك كله أن يختصه رب المنزل بالقرب والكرامة، وأن جعله حالاً من فاعل {يَشَآءونَ} أو من المجرور في {لَهُمْ} أفاد هذا المعنى أيضاً لكنه يقصر عما آثرناه لأنه قد أتى به إتيان الفضلة وهو مقصود بذاته عمدة، ولعمري إن ما آثره حسن معنى إلا أنه أبعد لفظاً مما آثره جار الله، ولا يخفى عليك ما هو الأنسب بالتنزيل. وفي الخبر عن أبـي ظبية قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول: ماأمطركم؟ فما يدعو داع من القوم إلا أمطرته حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من حال المؤمنين، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه {هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} الذي لا يقدر قدره ولا تبلغ غايته ويصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا.

ابن عاشور

تفسير : جملة {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا} بيان لِجملة { أية : وإن الظالمين لهم عذاب أليم } تفسير : [الشورى: 21]، بُيِّن حال هذا العذاب ببيان حال أصحابه حينَ تَوقُّعِ حلوله، وكفى بذلك منبئاً عن هوله. والخطاب بــ {تَرى} لغير معيّن فيعم كل من تُمكن منه الرؤية يومئذٍ كقوله: { أية : وترى الظالمين لمّا رأوا العذاب يقولون هل إلى مردَ من سبيل وتراهم يُعرضون عليها خاشعين من الذلّ } تفسير : [الشورى: 44، 45]. والمقصود استحضار صورة حال الظالمين يوم القيامة في ذهن المخاطب. والإشفاق: توقع الشيء المضرّ وهو ضد التمَنّي. و(ما كسبوا) هو أعمالهم السيئة. والمراد: جزاؤها بقرينة المقام. وجملة {وهو واقع بهم} في موضع الحال، أي مشفقين إشفاقاً يقارب اليأس وهو أشد الإشفاق حين يعلمون أن المشفَق منه لا يُنجي منه حَذَر، لأن الإشفاق إذا حصل قبل اقتراب المشفَق منه قد يحاول المشفِق وسائلَ التخلص منه، فأما إذا وقع العذاب فقد حال دون التخلص حائله. والمعنى: مشفقين من عقاب أعمالهم في حال نزول العقاب بهم. وليس المعنى: أنهم مشفقون في الدّنيا من أعمالهم السيئة لأنهم لا يدينون بذلك، فما بُني على ذلك الاحتمال من التفسير ليس بَيِّناً. والباء في قوله {واقع بهم} للاستعلاء، كقول غاوي السُّلَمي: شعر : أَرَبٌّ يبول الثُعْلُبَانُ بِرأسه تفسير : وهذا الاستعمال قريب من معنى الإلصاق المجازي. وضمير {وهو واقع} عائد على {ما كسبوا} باعتبار تقدير مضاف، أي جزاء ما كسبوا، أي في حال أن الجزاء واقع عليهم. وجملة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} حال من الظّالمين، والواو واو الحال، أي ترى الظالمين في إشفاق في حال أن الذين آمنوا يطمئنون في روضات الجنات، وفي هذه الحال دلالة على أن الذين آمنوا قد استقرّوا في الروضات من قبل عرض الظالمين على الحساب وإشفاقهم من تبعاته. وهذا من تضاد شأني الفريقين في الآخرة على عكسه بما كانوا عليه في الدّنيا المتقدم في قوله: { أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها } تفسير : [الشورى: 18]، أي فاليوم انقلب إشفاق المؤمنين اطمئناناً واطمئنان المشركين إشفاقاً، وشتّان بين الاطمئنانين والإشفاقين، وبهذه المضادة في الحالتين وأسبابهما صحّ اعتبار كينونة الذين آمنوا في الجنة حالاً من {الظالمين}. والروضات: جمع روضة، وهي اسم لمجموع ماء وشجرٍ حافَ به وخضرةٌ حوله. وجملة {لهم ما يشاءون عند ربهم} خبر ثان عن {الذين آمنوا}، و{عند} ظرف متعلق بالكون الذي تعلق به الجَار والمجرور في {لهم ما يشاءون}. والعندية تشريف لمعنى الاختصاص الذي أفادته اللام في قوله: {لهم} وعناية بما يُعطَوْنَه من رغبة. والمعنى: ما يشاؤونه حق لهم محفوظ عند ربهم. ولا ينبغي جعل {عند} متعلقاً بفعل {يشاءون} لأن {عند} حينئذٍ تكون ظرفاً لمشيئتهم، أي مشيئةٍ منهم متوجهةٍ إلى ربّهم، فتؤول المشيئة إلى معنى الطلب أن يعطيهم ما يطلبون فيفوت قصد التشريف والعناية. ولك أن تجعل عند ربّهم خبراً ثالثاً عن الذين آمنوا، أي هم عند ربّهم، أي في ضيافته وقِراه، كما قال تعالى: { أية : إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر } تفسير : [القمر: 54، 55]، ويكون ترتيب الأخبار الثلاثة جارياً على نمط الارتقاء من الحَسن إلى الأحسن بأن: أخبر عنهم بأنهم نزلوا في أحسن منزل، ثم أحضر لهم ما يشتهون، ثم ارتقي إلى ما هو أعظم وهو كونهم عند ربهم على حد قوله تعالى: { أية : ورضوان من الله أكبر } تفسير : [التوبة: 72]. ومن لطائف هذا الوجه أنه جاء على الترتيب المعهود في الحصول في الخارج فإن الضيف أو الوافد ينزل أول قدومه في منزل إكرام ثم يحضر إليه القرى ثم يخالطه رب المنزل ويقترب منه. وجملة {ذلك هو الفضل الكبير} تذييل. والإشارةُ إلى مضمون قوله: {في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم} بتأويل: ذلك المذكورُ. وجيء باسم إشارة البعيد استعارة لكون المشار إليه بعيد المكانة بُعد ارتفاع مجازي وهو الشرف. و{الفضل} يجوز أن يكون مصدراً بمعنى الشرف والتفوق على الغير فيكون في معنى: فَضْلُهم، ويجوز أن يكون اسماً لما يُتفضل به من عطاء فيكون في معنى: ذلك فضْلُنا عليهم، وفي هذا الأخير دلالة على أن ثواب الأعمال فضل من الله لأن طاعة العباد واجبة عليهم فإذا أدّوها فقد فعلوا ما لا يسعهم إلا فعله فلو لم يثابوا على ذلك لم يكن عدم إثابتهم ظُلماً. وضمير الفَصْل يفيد قصراً ادعائياً للمبالغة في أعظمية الفضل، و{الفضل} يصلح لأن يعتبر كالمضاف إلى المفعول، أي فضل الله عليهم، وأن يعتبر كالمضاف إلى الفاعل فضلهم، أي شرفهم وبركتهم فيؤول معنى القصر إلى أن الفضل الذي حصل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أكبر فضل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا: أي ترى أيها المرء الظالمين يوم القيامة خائفين من جزاء ما عملوا. وهو واقع بهم: أي وهو أي جزاء ما كسبوا من الباطل والشرك نازل بهم معذبون به لا محالة. والذين آمنوا وعملوا الصالحات: آمنوا بالله ولقائه وآياته ورسوله وأدوا الفرائض واجتنبوا المحارم. في روضات الجنات: أي هم في روضات الجنات، والروضة في الجنة أنزه مكان فيها. لهم ما يشاءون عند ربهم: أي لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم في جوار ربهم. قل لا أسالكم عليه أجراً: أي قل يا رسولنا لقومك لا أسألكم على التبليغ أجراً أي ثواباً. إلا المودة في القربى: أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي فتمنعوني حتى أبلغ رسالتي. ومن يقترف حسنة: أي ومن يكتسب حسنة بقول أو عمل صالح. نزد له فيها حسنا: أي نضاعفها له أضعافاً. أم يقولون افترى على الله كذبا: أي أيقول هؤلاء المشركون إن محمداً افترى على الله كذباً فنسب إليه القرآن وهو ليس بكلامه ولا بوحيه. فان يشاء الله يختم على قلبك: أي إن يشإ الله تعالى يطبع على قلبك وينسيك القرآن أي إن الله قادر على أن يمنعك من الافتراء عليه كما زعم المشركون. ويمحو الله الباطل ويحق الحق: أي إن من شأن الله تعالى أنه يمحو الباطل. بكلماته: أي بالآيات القرآنية وقد محا الباطل وأحق الحق بالقرآن. وهو الذي يقبل التوبة عن عباده: أي هو تعالى الذي يقبل توبة التائبين من عباده. ويعفو عن السيئات: أي لا يؤاخذ بها من تاب منها فهذا هو الإِله الحق لا الأصنام التي ليس لها شيء مما هو لله ألبتة. ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي ويجيب تعالى عباده الذين آمنوا به وعملوا الصالحات إلى ما دعوه فيه فيعطيهم سؤلهم. ويزيدهم من فضله: أي يعطيهم ما سألوا ويعطهم ما لم يسألوه من الخير. والكافرون لهم عذاب شديد: أي والكافرون بالله ورسوله ولقاء الله وآياته لهم عذاب شديد. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله ترى الظالمين يوم القيامة مشفقين أي خائفين مما كسبوا أي من جزاء ما كسبوا من الشرك والمعاصي، وهو أي العذاب واقع بهم نازل عليهم لا محالة وقوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي في الوقت الذي يكون فيه الظالمون مشفقين مما كسبوا يكون الذين آمنوا بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد رسولا وعملوا الصالحات من الفرائض والنوافل بعد اجتناب الشرك والكبائر في روضات الجنات وهي أنزهها وأحسنها لهم ما يشاءون من النعيم مما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين كل ذلك في جوار رب كريم وقوله تعالى {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} أي ذاك الذي أخبر تعالى به أنهم فيه من روضات الجنات وغيره هو الفضل الكبير الذي تفضل الله تعالى عليهم به. وقوله في الآية الثانية [23] {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ذلك المذكور من روضات الجنات وغيره هو الذي يبشر الله تعالى به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات في كتابه وعلى لسان رسوله. وقوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} يأمر تعالى رسوله أن يقول لقومه من المشركين لا أسألكم على إبلاغي إياكم دعوة ربي إلى الإِيمان به وتوحيده لتكملوا وتسعدوا أجراً أي مالاً لكن أسألكم أن تودوا قرابتي منكم فلا تؤذوني وتمنعوني من الناس حتى أبلغ دعوة ربي. وقوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي من يعمل حسنة نزد له فيها حسنا بأن نضاعفها له إذ الله غفور للتائبين من عباده شكور للعاملين منهم فلا يضيع أجر من أحسن عملا. وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي بل يقولون أفترى على الله كذباً أي يقول المشركون إن محمداً افترى على الله كذباً فادعى أن القرآن من كلام الله ووحيه وما هو إلا افتراء افتراه على الله. فأبطل الله تعالى هذه الدعوة وقال: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} أي يطبع على قلبك فتنسى القرآن ولا تقدر على قوله والنطق به، فكيف إذاً يقال إنه يفترى على الله كذباً والله قادر على منعه والإِحالة بينه وبين ما يقوله. وقوله: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} هذا شأنه تعالى يمحو الباطل ويحق الحق بالقرآن وقد فعل فَمَحَا الباطل وأحق الحق فمامات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الجزيرة من يعبد غير الله تعالى. وقوله {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلواسع علمه وعظيم قدرته محا الباطل وأحق الحق بالقرآن ولو كان القرآن مفترى ما محا باطلاً ولا أحق حقاً وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} أي إن تابوا إليه وأنابوا، ويعفوا عن سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، ويعلم ما يفعلون في السر والعلن ويجزى كلاً بما عمل وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي يجيب دعاءهم فيما طلبوه ويزيدهم من فضله فيعطيهم ما لم يطلبوه فما أعظم كرمه وما أوسع رحمته!! هذا للذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأما الكافرون فلهم عذاب شديد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير حق القرابة ووجوب المودة فيها. واحترام قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديرها. 2- تبرئة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الافتراء على الله عز وجل. 3- مضاعفة الحسنات، وشكر الله للصالحات من أعمال عباده المؤمنين. 4- وجوب التوبة وقبول الله تعالى لها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة. وللتوبة ثلاثة شروط. الإقلاع الفوري عن المعصية، والاستغفار، والندم على ما فعل من المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم. وإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي زاد شرط رابع وهو التحلل من الآدمي بآداء الحق أو بطلب العفو منه. 5- وعد الله تعالى باستجابة دعاء المؤمنين العاملين للصالحات وهم أولياء الله تعالى الذين إن سألوا أعطاهم وإن استعاذوه أعاذهم وإن استنصروه نصرهم. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (22) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الظَّالِمِينَ خَائِفِينَ فَزِعِينَ مِنَ العِقَابِ العَادِلِ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ عَمَّا اجْتَرَحُوهُ مِنَ الأَعْمَالِ السَّيئَةِ، وَهَذَا العِقَابُ وَاقِعٌ بِهِمْ لاَ مَحَالَةَ. أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَأَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ، يَتَمَتَّعُونَ بِمَحَاسِنِهَا، وَيَأْتِيهِمْ مَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ، وَيَنَالُونَ مَا يَشَاؤُونَ مِنْ ضُرُوبِ اللَّذَاتِ والمُتَعِ، وَذَلِكَ الذِي أَعْطَاهُمْ رَبُّهُمْ مِنْ هَذَا النَّعِيمِ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ الذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الآمَالُ. رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ - أَطْيَبِ بِقَاعِهَا أَوْ مَحَاسِنِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {تَرَى ..} [الشورى: 22] تدل على كل ما يتأتى منه الرؤيا {مُشْفِقِينَ ..} [الشورى: 22] خائفين مرعوبين {مِمَّا كَسَبُواْ ..} [الشورى: 22] مما فعلوا من السيئات، قلنا: إن الفعل كسب يكسب من الزيادة على رأس المال أي الربح، وأنها دائماً تأتي في كسْب الخير، أما اكتسب فهي على وزن افتعل فيها افتعال ومحاولة وتأتي في الشر، لكن هنا استخدم كسب للسيئات. وكما في قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ ..} تفسير : [البقرة: 81] قالوا: استخدم كسب هنا لأن السيئة أصبحتْ عنده عادةً وأمراً طبيعياً يشبه فعل الخير عند أهل الخير، فهو يفعل السيئة فلا تتعبه لأنه أَلِفها. قوله: {مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ ..} [الشورى: 22] تصوير لموقفهم يوم القيامة، لأنهم في الدنيا ما خافوا وما عملوا لهذا اليوم حساباً {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ..} [الشورى: 22] يعني: لا محالة في ذلك لأنه وَعْد الله وحكمه الذي أخبر به. أو خائفين وهم ما يزالون في سعة الدنيا، وفي هذا دليل على وجود الضمير والنفس اللوامة في الإنسان، فهو يعرف السيئة ويعرف جُرْمه، ويعرف أنه محاسب عليه، لذلك يخاف منه ويؤنبه ضميره. وفي المقابل {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [الشورى: 22] هذا إخبار من الله تعالى وهو حق، فعاقبة الإيمان والعمل الصالح روضات الجنات يعني ملاذها وأطيب أماكنها يجدونها يوم القيامة، ويجدونها حتى في الدنيا بالتخيل لها والشوق إليها. فالشهيد الذي يجود بنفسه في سبيل الله لم يُقدم على ذلك إلا لثقته في هذا النعيم، وأنه إذا قُتِل في سبيل الله سيذهب إلى خير من هذه الحياة. وقد ذكرنا حديث : قصة الصحابي الذي سمع من رسول الله جزاء الشهداء، فقال: يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فأُقتل؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى. فألقى الصحابي تمرة كانت في فمه وبادر إلى الشهادة، ولم ينتظر حتى يمضغ التمرة التي كانت في فمهتفسير : ، لماذا؟ لأنه واثق من صدق الجزاء في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]. نعم الشهداء أحياء، وأحياء عند مَنْ؟ عند ربهم، وهذه قمة الشرف والعز والنعيم، وهي خصوصية لم ينلْها غيرهم، فالشهادة نقلتهم من حياة لحياة، فلا يموتون بعد ذلك، ويُبعثون مع الناس وهم أحياء. وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى حين قال في سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله: شعر : أَحَمْزَةُ عَمّ المصْطفى أنتَ سَيِّدٌ عَلَى شُهَداء الأرض أجمعِهمْ طُرّا وحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادة عِصْمةٌ مِنَ الموت في وصْلِ الحياتين بالأُخْرى تفسير : وقوله: {فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ..} [الشورى: 22] روضات جمع روضة، وهي الحديقة أو البستان المليء بالخضرة والنضرة والأزهار والثمار، بحيث إذا دخلتها تنفحك بأريج عطرها، وفي خلال ذلك أنهار تجري بالماء العذب. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يعني: في أفضل أماكنها وأطيبها {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [الشورى: 22] فهذه العندية أشرف وأعظم من أيِّ نعيم آخر، فهم في نعيم الجنات وملاذِّها، يفوق ذلك كله أنهم عند ربهم، لذلك ختم الآية بقوله: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} [الشورى: 22] أي: تفضُّلاً من الله وتكرُّماً عليهم. والإنسان منا حين يتأمل هذا النعيم الدائم المقيم الذي أعده الحق سبحانه لعباده المؤمنين تهون عليه كلُّ مشاق الطاعات والعبادات، ويرى أنها يسيرة إذا ما قُورنت بالجزاء عليها. فالإنسان يتعب في الدنيا ويجتهد في طلب العلم عشرات السنين، أو في تعلُّم صنعة أو مهنة ويتحمل مصاعبها وأخطارها، كلّ ذلك ليوفر لنفسه مجرد ضروريات الحياة، فإن اجتهد أكثر وعرق وبذل الجهد، ربما يصل إلى مرحلة الرفاهية، فيكون له خادم يخدمه أو طباخ مثلاً يُعد له الطعام، وهؤلاء يعملون عنده بأجر وربما قصَّروا في أعمالهم، وربما أغضبوك وتمردوا عليك. لكن حين تعمل للآخرة تجد الأمر مختلفاً تماماً، فالعبادة أمرها يسير، لا تحتاج منك إلى كل هذا الجهد وهذا العرق وسهر الليل وعمل النهار وانشغال البال والذهن، ومع يُسْرها وسهولتها فالجزاء عليها عظيم لا تحدُّه حدود ولا يخطر على بال. قلنا: إن قصارى ما توصَّل إليه البشر في التقدم العلمي في مجالات الخدمة الفندقية مثلاً أنْ تضغط على زر في ماكينة ينزل لك منها الشاي أو القهوة، وهذه آلة يمكن أنْ تتعطل وخلفها عامل يُعِدُّ لك الشاي أو القهوة، أمَّا في الجنة فالنعيم هناك صَافٍ لا يُنغِّصه شيء ودائم لا ينقطع، لا يحتاج منك إلى طلب ولا ضغط على زر ولا مناداة على خادم، مجرد أن يخطر الشيء ببالك تجده بين يديك، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : واقرأ مثلاً في سورة البقرة: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} تفسير : [البقرة: 25]. ففي الجنة إنْ شاء الله سنجد أشياء كنا نأكلها في الدنيا، فنتصور أنها مثل نعيم الدنيا، لكن حين نتذوقها نجدها شيئاً آخر {أية : قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ..} تفسير : [البقرة: 25] ذلك لأن كمالات الحق سبحانه لا تتناهى، فلا تظل على حالة واحدة رتيبة، إنما فيها ارتقاء في النعمة. إذن: نحن أمام نعيم دائم يهون في سبيله كلُّ تعب وكلُّ مشقة، ووالله لو لم يكُنْ للطاعة جزاء إلا سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا لكانتْ كافية، يكفينا من الطاعة راحة البال وهدوء النفس والطمأنينة. وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى فقال: شعر : قَالَ المنجِّمُ وَالطَّبيبُ كلاَهُمَا لاَ تُبعَثُ الأجْسَادُ قُلْتُ إليكُمَا إنْ صَحَّ قولكُما فَلَستُ بخاسِر أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخَسَارُ عليكُمَا تفسير : لذلك الحق سبحانه وتعالى لما أراد أنْ يصف لنا الجنة لم يصف الجنة ذاتها إنما مثلاً لها، لأن الجنة وما فيها فوق تصور البشر، وإذا كان فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيكف إذن تُوصَف لنا على حقيقتها؟ لأن الإنسان لا يضع اللفظ إلا لمسمى معلوم عنده، أما الشيء الذي لا نعرفه فلا نعرف بالتالي اللفظ الدَّال عليه، فليس في لغتنا ألفاظ تصف هذا النعيم، لذلك اقرأ: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} تفسير : [الرعد: 35] فيها كذا وكذا. ثم إن هذا النعيم المقيم جزاء لمن؟ لمن آمن وقرر الإيمان بالعمل الصالح، ودائماً يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30]. ثم يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ...}.