Verse. 4295 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

ذٰلِكَ الَّذِيْ يُبَشِّرُ اللہُ عِبَادَہُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ۝۰ۭ قُلْ لَّاۗ اَسْـَٔــلُكُمْ عَلَيْہِ اَجْرًا اِلَّا الْمَوَدَّۃَ فِي الْقُرْبٰى۝۰ۭ وَمَنْ يَّــقْتَرِفْ حَسَـنَۃً نَّزِدْ لَہٗ فِيْہَا حُسْـنًا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ شَكُوْرٌ۝۲۳
Thalika allathee yubashshiru Allahu AAibadahu allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati qul la asalukum AAalayhi ajran illa almawaddata fee alqurba waman yaqtarif hasanatan nazid lahu feeha husnan inna Allaha ghafoorun shakoorun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك الذي يَبْشُرُ» من البشارة مخففاً ومثقلاً به «الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه» على تبليغ الرسالة «أجراً إلا المودة في القربى» استثناء منقطع، أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم أيضاً فإن له في كل بطن من قريش قرابة «ومن يقترف» يكتسب «حسنة» طاعة «تزد له فيها حسناً» بتضعيفها «إن الله غفور» للذنوب «شكور» للقليل فيضاعفه.

23

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قرىء «يُبَشِّر» من بَشّره، و «يُبْشِر» من أبشره، و «يَبْشُر» من بَشَره، وفيه حذف؛ أي يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجداً في الطاعة. قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلاً. {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قال الزجاج: «إِلاَّ الْمَوَدَّةَ» استثناء ليس من الأول؛ أي إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب لقريش خاصَّةً؛ قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبيّ وغيرهم. قال الشعبيّ: أكْثَرَ الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها؛ فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، فليس بَطْنٌ من بطونهم إلا وقد وَلَدَه؛ فقال الله له: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم؛ أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني. فـ «ـالْقُرْبَى» هاهنا قرابة الرَّحِم؛ كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوّة. قال عكرمة: وكانت قريش تَصِل أرحامها فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قطعته؛ فقال: «حديث : صِلُوني كما كنتم تفعلون»تفسير : . فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجراً لكن أذكّركم قرابتي؛ على استثناء ليس من الأوّل؛ ذكره النحاس. وفي البخاريّ عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد؛ فقال ابن عباس: عجِلت! إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصِلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجراً إلا أن تَودّوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسُّدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: حديث : لما أنزل الله عز وجل: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وأبناؤهما»تفسير : . ويدل عليه أيضاً ما روي حديث : عن عليّ رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. فقال: «أما ترضى أن تكون رابعَ أربعة أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرّيتنا خلف أزواجنا»تفسير : . وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عِتْرَتي ومن ٱصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة»تفسير : . وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتودّدوا إلى الله عز وجل ويتقرّبوا إليه بطاعته. فـ «ـالْقُرْبَى» على هذا بمعنى القربة. يقال: قُرْبَة وقُرْبى بمعنًى؛ كالزُّلْفة والزُّلْفى. وروى قَزَعة بن سُويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجراً إلا أن توادّوا وتقرّبوا إليه بالطاعة»تفسير : . وروى منصور وعوف عن الحسن «قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قال: يتودّدون إلى الله عز وجل ويتقرّبون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة؛ وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيه صلى الله عليه وسلم وصِلة رحِمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ }تفسير : [صۤ: 86]، وقولِه: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} تفسير : [المؤمنون: 72]، وقولِه: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ }تفسير : [الطور: 40]؛ قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال الثَّعْلبيّ: وليس بالقويّ، وكفى قُبْحاً بقول من يقول: إن التقرّب إلى الله بطاعته ومودّة نبيه صلى الله عليه وسلم وأهل بيته منسوخ؛ وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات على حُب آل محمد مات شهيداً. ومن مات على حُب آل محمد جعل الله زوّار قبره الملائكة والرحمة. ومن مات على بُغْض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس اليوم من رحمة الله. ومن مات على بغض آل محمد لم يَرَح رائحة الجنة. ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي»تفسير : . قلت: وذكر هذا الخبر الزَّمَخْشِريّ في تفسيره بأطول من هذا فقال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات على حُب آل محمد مات شهيداً ألاَ ومن مات على حُب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان. ألاَ ومن مات على حُب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم مُنْكر ونكير. (ألا ومن مات على حُب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها) ألا ومن مات على حب آل محمد فُتح له في قبره بابان إلى الجنة. ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حُبّ آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه أيس من رحمة الله. ألاَ ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً. ألاَ ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة»تفسير : . قال النحاس: ومذهب عِكرمة ليست بمنسوخة؛ قال: كانوا يصِلون أرحامهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال: «حديث : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تَوَدُّوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني».تفسير : قلت: وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخارِيّ والشعبِيّ عنه بعينه؛ وعليه لا نسخ. قال النحاس: وقول الحسن حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدّثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قَزَعة ـ وهو ابن سويد البصري ـ قال حدّثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا أسألكم على ما أنبئكم به من البيّنات والهُدَى أجراً إلا أن توادُّوا الله عز وجل وأن تتقرّبوا إليه بطاعته»تفسير : . فهذا المبيّن عن الله عز وجل قد قال هذا، وكذا قالت الأنبياء صلى الله عليهم قبله: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}. الثانية ـ واختلفوا في سبب نزولها؛ فقال ابن عباس: لما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه؛ فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له؛ ففعلوا، ثم أتوه به فنزلت. وقال الحسن: نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون، فقالت الأنصار نحن فعلنا، وفَخَرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى مِقْسم عن ابن عباس قال: حديث : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فخطب فقال للأنصار: «ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي. ألم تكونوا ضُلاّلاً فهداكم الله بي. ألم تكونوا خائفين فأمّنكم الله بي ألا تردّون عليّ»؟ فقالوا: بِمَ نجيبك؟ قال: «تقولون ألم يطردك قومُك فآويناك. ألم يكذبك قومك فصدّقناك...» فعدّد عليهم. قال فجثوا على ركبهم فقالوا: أنفسنا وأموالنا لك؛ فنزلت: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : . وقال قتادة: قال المشركون لعلّ محمداً فيما يتعاطاه يطلب أجراً؛ فنزلت هذه الآية؛ ليحثّهم على مودّته ومودّة أقربائه. قال الثعلبي: وهذا أشبه بالآية، لأن السورة مكية. قوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسب. وأصل القرف الكسب، يقال: فلان يَقْرِف لعياله، أي يكسب. والاقتراف الاكتساب، وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة، إذا كان محتالاً. وقد مضى في «الأنعام» القول فيه. وقال ابن عباس: «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً» قال المودّة لآِل محمد صلى الله عليه وسلم. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} أي نضاعف له الحسنة بعشرٍ فصاعداً. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} قال قتادة: «غَفُورٌ» للذنوب، «شَكُورٌ» للحسنات. وقال السّدي: «غَفُورٌ» لذنوب آل محمد عليه السلام، «شَكُورٌ» لحسناتهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لما ذكر روضات الجنات لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي: هذا حاصل لهم، كائن لا محالة ببشارة الله تعالى لهم به. وقوله عز وجل: {قُل لاَّ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوساً يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن قوله تعالى: إلا المودة في القربى، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد عن يحيى القطان عن شعبة به، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن القاسم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي؛ لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» تفسير : وروى الإمام أحمد عن حسن بن موسى، حدثنا قزعة، يعني ابن سويد، وابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجراً، إلا أن توادوا الله تعالى، وأن تقربوا إليه بطاعته» تفسير : وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله، وهذا كأنه تفسير بقول ثان كأنه يقول: إلا المودة في القربى، أي: إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. وقول ثالث، وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير ما معناه: أنه قال: معنى ذلك: أن تودوني في قرابتي، أي: تحسنوا إليهم وتبروهم. وقال السدي: عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم؟ قال: ما قرأت: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وقال أبو إسحق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} فقال: قربى النبي صلى الله عليه وسلم رواهما ابن جرير. ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس، أو العباس رضي الله عنهما ــــ شك عبد السلام ــــ: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال: «حديث : يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟» تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟»تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله قال: «حديث : أفلا تجيبوني؟»تفسير : قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: «حديث : ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك؟» تفسير : قال: فما زال صلى الله عليه وسلم يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام عن يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، بإسناده مثله، أو قريباً منه. وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية، وذكر نزولها في المدينة فيه نظر؛ لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية وهذا السياق مناسبة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت هذه الآية: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «حديث : فاطمة وولدها رضي الله عنهما» تفسير : وهذا إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي مخترق، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد؛ فإنها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية؛ فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله عنه إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ كما رواه عنه البخاري، ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية؛ كما كان عليه سلفهم؛ كالعباس وبنيه، وعلي وأهل ذريته رضي الله عنهم أجمعين. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بغدير خم: «حديث : إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً، لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا، لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وقال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لِلَّه ورسوله»تفسير : ثم قال أحمد: حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب بن ربيعة، قال: دخل العباس رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودر عرق بين عينيه، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : والله لا يدخل قلب امرىء مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي»تفسير : ، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر ــــ هو الصديق ــــ رضي الله عنه قال: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. وفي الصحيح: أن الصديق رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه: والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي. وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. فحال الشيخين رضي الله عنهما هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة أجمعين. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان التيمي، حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنه، فلما جلسنا إليه، قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت معه، لقد رأيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخي لقد كبر سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم، فاقبلوه، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال رضي الله عنه: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطيباً فينا بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أما بعد، أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» تفسير : فحث على كتاب الله، ورغب فيه، وقال صلى الله عليه وسلم «حديث : وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» تفسير : فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم، قال: أكلّ هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حيّان به. وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» تفسير : تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال الترمذي أيضاً: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن عن جعفر بن محمد بن الحسن عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: «حديث : ياأيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» تفسير : تفرد به الترمذي أيضاً، وقال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة ابن أسيد رضي الله عنهم. ثم قال الترمذي أيضاً: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي» تفسير : ثم قال: حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــراً} تفسير : [الأحزاب: 33] بما أغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مفضل بن عبد الله عن أبي إسحاق عن حنش، قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه، وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني، فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام، من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك» تفسير : هذا بهذا الإسناد ضعيف. وقوله عز وجل: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} أي: ومن يعمل حسنة، نزد له فيها حسناً، أي: أجراً وثواباً؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40]، وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} أي: يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر، ويضاعف فيشكر، وقوله جل وعلا: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} أي: لو افتريت عليه كذباً كما يزعم هؤلاء الجاهلون، {يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} أي: يطبع على قلبك، ويسلبك ما كان آتاك من القرآن؛ كقوله جل جلاله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 44 ــــ 47] أي: لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه. وقوله جلت عظمته: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ} ليس معطوفاً على قوله {يَخْتِمْ}، فيكون مجزوماً، بل هو مرفوع على الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام، كما حذفت في قوله: {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق:18]. وقوله تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} تفسير : [الإسراء: 11]. وقوله عز وجل: {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ} معطوف على {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} أي: يحققه ويثبته ويبينه، ويوضحه بكلماته، أي: بحججه وبراهينه، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: بما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ } من البشارة مخففاً ومثقلاً {ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على تبليغ الرسالة {أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } استثناء منقطع، أي لكن أسألكم أن تَوَدُّوا قرابتي التي هي قرابتكم أيضاً فإن له في كل بطن من قريش قرابة {وَمَن يَقْتَرِفْ } يكتسب {حَسَنَةً } طاعة {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } بتضعيفها {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للذنوب {شَكُورٌ } للقليل فيضاعفه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُل لاَّ أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فيه خمسة أوجه: أحدها: معناه ألا تؤذوني في نفسي لقرابتي منكم، وهذا لقريش خاصة لأنه لم يكن بطن من قريش إلا بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وأبو مالك. الثاني: معناه إلا أن تؤدوا قرابتي، وهذا قول علي بن الحسين وعمرو بن شعيب والسدي. وروى مقسم عن ابن عباس قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيئاً فخطب فقال للأنصار "حديث : أَلَمْ تَكُونُواْ أَذِلاَّءَ فَأعِزَّكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاً فَهَداَكُمْ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا خأَئِفِينَ فَأَمَّنَكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلاَ تَردُواْ عَلَيَّ"؟ تفسير : فقالواْ: بم نجيبك؟ فقال تَقُولُونَ: حديث : أَلَمْ يَطْرُدْكَ قَوْمُكَ فَآوَيَنَاكَ؟ أَلَمْ يُكَذِّبْكَ قَومَكَ فَصَدَّقْنَاكَ؟ تفسير : فعد عليهم، قال: فجثوا على ركبهم وقالواْ: أنفسنا وأموالنا لك". فنزلت {قُل لاَّ أَسْأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. الثالث: معناه إلا أن توادوني وتؤازروني كما توادون وتؤازرون قرابتكم، قاله ابن زيد. الرابع: معناه إلا أن تتوددوا وتتقربوا إلى الله بالطاعة والعمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة. الخامس: معناه إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، قاله عبد الله بن القاسم. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنةً} أي يكتسب، وأصل القرف الكسب. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} أي نضاعف له بالحسنة عشراً. {إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُورٌ} فيه وجهان: أحدهما: غفور للذنوب، شكور للحسنات، قاله قتادة. الثاني: غفور لذنوب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، شكور لحسناتهم، قاله السدي. قوله عز وجل: {فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي ينسيك ما قد آتاك من القرآن، قاله قتادة. الثاني: معناه يربط على قلبك فلا يصل إليه الأذى بقولهم افترى على الله كذباً، قاله مقاتل. الثالث: معناه لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع الله على قلبك، قاله ابن عيسى. {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ينصر دينه بوعده. الثاني: يصدق رسوله بوحيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} تودُّوني في نفسي لقرابتي منكم لأنه لم يكن بطن من قريش إلا بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم قرابة "ع" أو إلا أن تودوا قرابتي، أو إلا أن تودوني فتؤازروني كما تودون ذوي قرابتكم، أو إلا أن تتوددوا إلى الله ـ تعالى ـ وتتقربوا إليه بالعمل صالح "ح"، أو إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم {غَفُورٌ} للذنوب {شَكُورٌ} للحسنات، أو غفور: لذنوب [آل] الرسول صلى الله عليه وسلم شكور: لحسناتهم.

النسفي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي الفضل الكبير {ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ } {يَبْشُر } مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي {عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي به عباده الذين آمنوا فحذف الجار كقوله {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] ثم حذف الراجع إلى الموصول كقوله {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }تفسير : [الفرقان: 41]. ولما قال المشركون: أيبتغي محمد على تبليغ الرسالة أجراً نزل {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ {أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } يجوز أن يكون استثناء متصلاً أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعاً أي لا أسألكم عليه أجراً قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم. ولم يقل إلا مودة القربى أو المودة للقربى لأنهم جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقولك «لي في آل فلان مودة ولي فيهم حب شديد» تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله. وليست «في» بصلة لـ {ٱلْمَوَدَّةَ } كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك «المال في الكيس» وتقديره إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة، والمراد في أهل القربى. ورُوي أنه لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. وقيل: معناه إلا أن تودوني لقرابتي فيكم ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي إذ لم يكن من بطون قريش إلا بين رسول الله وبينهم قرابة. وقيل: القربى التقرب إلى الله تعالى أي إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } يكتسب طاعة. عن السدي: أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ومودته فيهم والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولاً أولياً لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } أي نضاعفها كقوله {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }تفسير : [البقرة: 245] وقرىء {حسنى} وهو مصدر كالبشرى والضمير يعود إلى الحسنة أو إلى الجنة {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لمن أذنب بطوله {شَكُورٌ} لمن أطاع بفضله. وقيل: قابل للتوبة حامل عليها. وقيل: الشكور في صفة الله تعالى عبارة عن الاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها والتفضل على المثاب {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها؟ {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } قال مجاهد: أي يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } أي الشرك وهو كلام مبتدأ غير معطوف على {يَخْتِمْ } لأن محو الباطل غير متعلق بالشرط بل هو وعد مطلق دليله تكرار اسم الله تعالى ورفع {وَيُحِقُّ } وإنما سقطت الواو في الخط كما سقطت في {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ دُعَاءهُ بِٱلْخَيْرِ }تفسير : [الاسراء: 11] و{أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18] على أنها مثبتة في مصحف نافع {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ } ويظهر الإسلام ويثبته {بِكَلِمَـٰتِهِ } مما أنزل من كتابه على لسان نبيه عليه السلام وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأظهر الإسلام. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي عليم بما في صدرك وصدورهم فيجزي الأمر على حسب ذلك. {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } يقال: قبلت منه الشيء إذا أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي. ويقال: قبلته عنه أي عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعود، وإن كان لعبد فيه حق لم يكن بد من التفصي على طريقه. وقال علي رضي الله عنه: هو اسم يقع على ستة معانٍ: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقناها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب. وعن غيره: هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره. وعن سهل: هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هو الإعراض عما دون الله {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ } وهو ما دون الشرك، يعفو لمن يشاء بلا توبة {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } بالتاء: كوفي غير أبي بكر أي من التوبة والمعصية ولا وقف عليه للعطف عليه واتصال المعنى: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } أي إذا دعوه استجاب دعاءهم وأعطاهم ما طلبوه وزادهم على مطلوبهم. واستجاب وأجاب بمعنى، والسين في مثله لتوكيد الفعل كقولك «تعظم» و«استعظم» والتقدير ويجيب الله الذين آمنوا. وقيل: معناه ويستجيب للذين فحذف اللام. مَنَّ عَليهم بأن يقبل توبتهم إذا تابوا ويعفو عن سيآتهم ويستجيب لهم إذا دعوه ويزيدهم على ما سألوه، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما لنا ندعوه فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة. {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ } أي لو أغناهم جميعاً {لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ } من البغي وهو الظلم أي لبغي هذا على ذاك وذاك على هذا لأن الغني مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة أو من البغي وهو الكبر أي لتكبّروا في الأرض {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ } بالتخفيف: مكي وأبو عمرو {بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} بتقدير يقال قدره قدراً وقدراً {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه حكمته فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط، ولو أغناهم جميعاً لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي ومن البغي بدون البسط فهو قليل، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب. {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ } بالتشديد: مدني وشامي وعاصم {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } وقرىء {قِنطواْ } {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وقيل لعمر رضي الله عنه: اشتد القحط وقنط الناس. فقال: مطروا إذا أراد هذه الآية. أو أراد رحمته في كل شيء {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ } الذي يتولى عباده بإحسانه {ٱلْحَمِيدُ} المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ } أي علامات قدرته {خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} مع عظمهما {وَمَا بَثَّ } فرق {وَمَا } يجوز أن يكون مرفوعاً ومجروراً حملاً على المضاف أو المضاف إليه {فِيهِمَا } من السماوات والأرض {مِن دَابَّةٍ } الدواب تكون في الأرض وحدها لكن يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبساً ببعضه كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد وإنما هو في فخذ من أفخاذهم ومنه قوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانات يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض، أو يكون للملائكة مشي مع الطيران فوصفوا بالدبيب كما وصف به الأناسي {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ } يوم القيامة {إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} «إذا» تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }تفسير : [الليل: 1]. {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ } غم وألم ومكروه {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } أي بجناية كسبتموها عقوبة عليكم. {بِمَا كَسَبَتْ } بغير الفاء: مدني وشامي على أن «ما» مبتدأ و{بِمَا كَسَبَتْ } خبره من غير تضمين معنى الشرط، ومن أثبت الفاء فعلى تضمين معنى الشرط. وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ وقال لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا. وقلنا: الآية مخصومة بالمكلفين بالسباق والسياق وهو {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي من الذنوب فلا يعاقب عليه أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة، وقال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه وأن ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات في كل أوان وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة، وعن علي رضي الله تعالى عنه: هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن لأن الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانياً وإذا عفا لا يعود {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي بفائتين ما قضى عليكم من المصائب {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ } متول بالرحمة {وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حل بكم. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ } جمع جارية وهي السفينة {الجواري} في الحالين: مكي وسهل ويعقوب، وافقهم مدني وأبو عمر في الوصل {فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ} كالجبال.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً }تفسير : [الأحزاب:47]. وقوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} اختلف الناسُ في معناه فقال ابن عباس وغيره: هي آية مَكِّيَّةٌ نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شَرِّ الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابةٍ بيني وبينكم؛ فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم، قال ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلاَّ وللنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صِهْرٌ، فالآية على هذا فيها استعطافٌ مَّا، ودفع أذًى، وطلبُ سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أنْ يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابتي منكم، وأنْ تكونوا أولى بي من غيركم، قال * ع *: وقُرَيْشٌ كُلُّها عندي قُرْبَىٰ، وإنْ كانت تتفاضل، وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً، ومَنْ مَاتَ عَلَىٰ بُغْضِهِم، لَمْ يَشمَّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»تفسير : ، وقال ابن عَبَّاس أيضاً: ما يقتضي أَنَّ الآية مَدَنِيَّةٌ، وأَنَّ الأنصار جَمَعَتْ لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مالاً وساقَتْهُ إليه، فَرَدَّهُ عليهم، وَنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، وقيلَ غَيْرُ هٰذَا، وعلَىٰ كُلِّ قولٍ، فٱلاِستثناءُ مُنْقَطِعٌ، و{إِلاَّ} بمعنى «لَكِنْ» و{يَقْتَرِفْ} معناه: يَكْتَسِب، ورَجُلٌ قُرَفَةٌ إذا كان محتالاً كسوباً و{غَفُورٌ} معناه: ساترٌ عُيُوبَ عباده، و{شَكُورٍ} معناه: مُجِازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعاملٍ عَمَلٌ. وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} «أم» هذه مقطوعةٌ مضمنة إضراباً عن كلام متقدِّم، وتقريراً على هذه المقالة منهم. وقوله تعالى: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} معناه؛ في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن، والمراد الرَّدُّ على مقالة الكُفَّار، وبيانُ إبْطَالِهَا، كأَنَّهُ يقُولُ: وكيف يَصِحُّ أنْ تكون مفترياً، وأنت من اللَّه بمرأًى ومَسْمَعٍ؟ هو قَادِرٌ لو شاء أَنْ يختم على قلبك؛ فلا تَعْقِلُ، ولا تنطق، ولا يستمرُّ افتراؤك؛ فمقصد اللفظ: هذا المعنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عليه الظاهر؛ اختصاراً واقتصاراً، وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ اللَّه يختمْ على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ويربطْ عليك بالجَلَدِ، فهذا تأويل لا يتضمَّن الردَّ على مقالتهم؛ قال أبو حَيَّان: وذكر القُشَيْرِيُّ أنَّ الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك أَيُّهَا القائلُ؛ فيكون انتقالاً من الغيبة للخطاب، {وَيَمْحُ}: استئنافُ إخبارٍ؛ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ؛ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف؛ حملاً على اللفظ، انتهى. وقوله تعالى: {وَيَمْحُ} فعل مستقبل، خبر من اللَّه تعالى أَنَّهُ يمحو الباطل، ولا بُدَّ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، وهذا بحسب نازلة نازلة، وكتب {يَمْحُ} في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ} تفسير : [الإسراء:11] إلى غير ذلك مِمَّا ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار. وقوله: {بِكَلِمَـٰتِهِ} معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديلَ لها، ثم ذلك تعالى النعمة في تَفَضُّلِهِ بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله ـــ مقطوعٌ به بهذه الآية ـــ، وأمَّا ما سلف من أعماله فينقسم، فأمَّا التوبة من الكفر فَمَاحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمَها من مظالم العباد الفائتة وغير ذلك، وأمَّا التوبة من المعاصي فلأهل السُّنَّةِ فيها قولان: هل تُذْهِبَ المعاصيَ السالفةَ للعبد بينه وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مُذْهِبَةٌ لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة اللَّه تعالى، وأجمعوا أَنَّها لا تُذْهِبُ مظالم العباد، وحقيقةُ التوبة: الإقلاعُ عن المعاصِي، والإقبالُ، والرجوعُ إلى الطاعات، ويلزمها النَّدَمُ عَلَىٰ ما فَاتَ؛ والعَزْمُ على ملازمة الخَيْرَات. وقال سَرِيٌّ السِّقَطِيُّ: التوبة: العَزْمُ على ترك الذنوب؛ والإقبالُ بالقَلْبِ على عَلاَّم الغيوب، وقال يحيى بن مُعَاذٍ: التائبُ: مَنْ كَسَرَ شَبَابَهُ علَىٰ رأسه، وكَسَرَ الدنيا على رأسِ الشيطان، [ولزم الفِطام] حتى أتاه الحِمَام. وقوله تعالى: {عَنْ عِبَادِهِ} بمعنى مِنْ عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده، وقرأ الجمهور: «يَفْعَلُونَ» بالياء على الغَيْبَة، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «تَفْعَلُونَ» بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعُّد. وقوله تعالى: «ويستجيب» قال الزَّجَّاجُ وغيره: معناه: يجيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجاب وٱسْتَجَابَ بمعنًى، و{ٱلَّذِينَ} على هذا التأويل: مفعول «يستجيب»، وروي هذا المعنى عن معاذِ بن جَبَلٍ، ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة: المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحات، ودَلَّ قوله: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} على أنَّ المعنى: فيجيبهم، و{ٱلَّذِينَ} على هذا القول فَاعِلُ {يَسْتَجِيبُ}،، وقالتْ فرقة: المعنى: ويجيبُ المؤمنونَ رَبَّهم، فـ{ٱلَّذِينَ} فاعلٌ بمعنى: يجيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورسالتِهِ، والزيادة من فضله هي تضعيفُ الحسنات، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : هِيَ قَبُولُ الشَّفَاعَاتِ في المُذْنِبِينَ، والرِّضْوَانُ ».

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} الفضلُ الكبـيرُ هو {ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} أي يبشرُهم به، فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى: { أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [سورة الفرقان، الآية 41] أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالَى عبادَهُ {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ}. وقُرِىءَ يُبْشِرُ منْ أبشرَ. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ: أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ. أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة {أَجْراً} نفعاً {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} أيْ إلا أن تودُّون لقرابتي منكم أو تودُّوا أهل قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ. وفي القُربـي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ. والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ. رُويَ أنَّها لما نزلتْ حديث : قيلَ: يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم؟ قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَاتفسير : . وعن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بـيتِي وآذانِي في عِتْرتِي، ومن اصطنعَ صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غداً إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ » تفسير : . وقيلَ: القُرْبَى التقربُ إلى الله أيْ إلاَّ أن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ. وقُرِىءَ إلا مودَّةً في القُربَى. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسبْ أيَّ حسنةٍ كانتْ فتتناولُ مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً. وعن السُدِّيِّ: أنَّها المرادةُ، وقيلَ: نزلتْ في الصدِّيقِ رضيَ الله عنه ومودَّتهُ فيهم. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا} أيْ في الحسنة {حُسَنًا} بمضاعفةِ الثوابِ. وقُرِىءَ يَزِدْ أيْ يزدِ الله وقُرِىءَ حُسْنَى. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لمن أذنبَ. {شَكُورٍ} لمن أطاعَ بتوفيقِه للثوابِ والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ. {أَمْ يَقُولُونَ} بلْ أيقولونَ {ٱفْتَرَىٰ} محمدٌ {عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ، على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبـيخيِّ كأنَّه قيلَ: أيتمالكونَ أنْ ينسُبُوا مثلَه عليهِ السَّلامُ. وهُوَ هُوَ. إلى الافتراء لا سيَّما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظمُ الفِرَى وأفحشُها. وقولُه تعالَى {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببـيان أنَّه عليه السَّلامُ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً، وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عن النبِّـي صلى الله عليه وسلم بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً، فكأنَّه قيلَ: لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبـين أنَّه من عندِ الله تعالَى. هَذا وقيلَ: المَعْنى إنْ يشأْ يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنَّه لا بجترىءُ على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله عليه السَّلامُ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم. وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوَحيَ. يعني لوا افترَى على الله الكذبَ لفعل به ذلك، وهذا مَعْنى ما قيلَ: لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ، وقيلَ: يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم. {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ} استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبىءُ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ، وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ} تفسير : [سورة الإسراء، الآية 11] أيُ ومن عادته أنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيهِ أو بقضائِه كقول الله تعالى: { أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 18] فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقَهُ ودمغَهُ. أو عِدةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم.{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ من المحوِ والإثباتِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}[23] قال: باطنها صلة السنة بالفرض. وحكي عن الحسن في هذه الآية قال: من تقرب إلى الله بطاعته وجبت له محبته. قوله: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً}[23] قال: يعني معرفة حاله في عمله، وقبل دخوله فيه، وبعد فراغه منه أنه سقيم أو صحيح.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الآية: 23]. قال سهل: أن تقربوا إلىَّ باتباع سنتى. قال ابن عطاء: لا أسألكم على دعوتكم أجراً أن تتوددوا إلىَّ بتوحيد الله وتتقربوا إليه بدوام طاعته وملازمة أوامره. وقال جعفر مثله. حدثنا محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردى قال: حدثنا وكيع بن الجراح عن أبى جعفر الرازى عن الربيع بن أنس فى قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً...} الآية، قال: كل من تقرّب الى الله بطاعته وحبب عليه محبته. قوله تعالى: {شَكُورٌ} قال بعضهم: الشاكرون ثلاثة: شاكر يشكر شخص النعمة وشاكر يشكر معنى النعمة وشاكر يشكر المنعم وهو على ثلاثة أوجه شاكر وشكور وشكّار فالشاكر يشكر شخص النعمة والشكور يشكر معنى النعمة والشكار الذى لا يفتر عن شكر المنعم ألا ترى كيف دعا النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : اللهم اجعلنى شكاراً ".

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. ذلك الذي يُبَشِّرُ اللَّهُ عبادَه قد مضى ذِكْرُه في القرآن متفرقاً؛ من أوصاف الجنة وأطايبها، وما وَعَدَ اللَّهُ من المثوبة... ونحو ذلك... قوله جلّ ذكره: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. قُلْ - يا محمد - لا أسألكم عليه أجراً. مَنْ بَشَّرَ أحداً بالخير طَلَبَ عليه أجراً، ولكنَّ اللَّهَ - وقد بَشَّرَ المؤمنين على لسان نبيِّه بما لهم من الكرامات الأبدية - لم يطلب عليه أجراً؛ فاللَّهُ - سبحانه - لا يطلب عِوَضاً، وكذلك نبيُّه - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل أجراً؛ فإن المؤمنَ قد أخذ من الله خُلُقَاً حَسَناً... فمتى يطلب الرسولُ منهم أجراً؟! وهو - صلوات الله عليه - يشفع لكلِّ مَنْ آمن به، والله - سبحانه - يعطي الثوابَ لكل مَنْ آمن به. {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}: أراد أن تثبت مودتك في القربى؛ فتودّ منْ يتقرَّب إلى الله في طاعته. قوله جلّ ذكره: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. تضعيف الثواب في الآخرة للواحدِ من عَشَرة إلى سبعمائة... هذه هي الزيادة. ويقال: الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا. ويقال: إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضَّلْنا بزيادة.. وهي تحقيق المشاهدة. ويقال مَنْ يقترِفْ حسنةَ الوظائف نَزِدْ له فيها حُسْنَ اللطائف. ويقال: تلك الزيادة لا يصل إليها العبدُ بوسعه؛ فهي مما لا يدخل تحت طَوْقِ البَشَر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قدس الله تعالى بهذه الأية حال نبيه صلى الله عليه وسلم ان يكون قلبه مشوبا بشئ من الحدثان فى دعاء الخلق اليه وانه يريد منهم جزاء دعوته ان يتقربوا الى الله ببذل الارواح فى محبته وبذل الاشباح فى خدمته وان يستنوا بسنته ويتبعوا أسوته فى جميع الانفاس طلبا لزيادة محبة الله اياهم متابعته قال الله سبحانه قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله قال سهل ان تقربوا الى باتباع سنته قال ابن عطا الا أسألكم على دعوتكم اجر الا ان تودّوا الى بان تعملوا من الاعمال ما يقربكم الى ربكم وقال الحسن كل من تقرب الى الله بطاعته وجبت عليك محبته قال الله {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} اى علما ومعرفة بنا وبما لدينا وتوفيقا للزيادة والرغبة فى طاعتنا ونزيده لطفا وكرما من عندنا تلبسه نورا من نورنا ونجعله حسنا بحسنتا قال بعضهم من تقرب الينا بطاعتنا اكرمناه بالتوفيق وزدناه من الاحسان اليه وهو ان نكرمه بالاقبال علينا والاحتراز عما سوانا قال الاستاذ فى قوله ويزيدهم من فضه اى الرؤية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الفضل الكبير وهو مبتدأ خبره قوله {الذى} اى الثواب الذى {يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} اى يبشرهم به على لسان النبى عليه السلام فحذف الجار ثم العائد الى الموصول لأنهم لا يجوزون حذف المفعول الجار والمجرور الا على التدريج بخلاف مثل السمن منوان بدرهم اى منه (قال الكاشفى) وتقديم خبرباين كرامتها جهت ازدياد سرور مؤمنانست وآنكه دانندكه عمل ايشان ضائع نيست بس در مراسم عبوديت اجتهاد نمايند وبروظائف عبادت بيفزايند شعر : كار نيكوكن اكر مردنكو ميطلبى كز جراهركه نكوتر بنكوكار دهند كار اكرنيست ترادر طمع اجر مباش مزد مزدور باندازه كردار دهند تفسير : يقول الفقير وجه تخصيص الروضة وتعميم المشيئة أن اكثر بلاد العرب خالية عن الانهار الجارية والروضات وانهم لا يجدون كل المشتهيات فيشوقهم بذلك ليكونوا على اهبة وتدارك ولا يقيسوا الآخرة على الدنيا فان الدنيا محل البلاء والآفات والآخرة دار النعيم والضيافات وتدارك كل ما فات فمن احب مولاه اجتهد فى طريق رضاه قال شقيق البلخى قدس سره رأيت فى طريق مكة مقعدا يزحف على الارض فقلت له من اين اقبلت قال من سمرقند قلت وكم لك فى الطريق فذكر اعواما تزيد على العشرة فرفعت طرفى انظر اليه متعجبا فقال لى يا شقيق مالك تنظر الى فقلت متعجبا من ضعف مهجتك وبعد سفرتك فقال لى يا شقيق اما بعد سفرتى فالشوق يقربها واما ضعف مهجتى فمولاها يحملها يا شقيق اتعجب من عبد ضعيف يحمله المولى اللطيف فمن وصل اليه بشارة الله بفضله وجوده هان عليه بذل وجوده {قل لا اسالكم عليه} روى أنه اجتمع المشركون فى مجمع لهم فقال بعضهم اترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه اجرا يعنى هيج دريافته آيدكه محمد عملىكه مباشر آنست ازابلاغ مزدى ميخوا هديانى فنزلت والمعنى لا اطلب منكم على ما انا عليه من التبليغ والبشارة كما لم يطلب الانبياء من قبلى {اجرا} اى نفعا قال سعدى المفتى فسر الاجر بالنفع ليظهر جعل استثناء المودة منه متصلا مع أن ادعاء كونها من افراد الاجر يكفى فى ذلك كما فى قوله (وبلدة ليس بها انيس * الا اليعافير والا العيس) وفى التأويلات النجمية قل يا محمد لا اسألكم على التبشير أجرا لأن الله ليس يطلب منكم على الفضل عوضا فانا ايضا لا اسألكم على التبشير أجرا فان المؤمن اخذ من الله خلقا حسنا فكما أن الله تعالى بفضله يوفق العبد للايمان ويعطى الثواب لمن آمن به وليس يرضى بان يعطيك فضله مجانا بل يعطيك عليه اجرا كذلك ليس يرضى لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بان يطلب منك اجرا على التبليغ والتبشير بل يشفع لك ايضا {الا المودة فى القربى} المودة مودة الرسول عليه السلام والقربى مصدر كالزلفى بمعنى القرابة التى هى بمعنى الرحم وفى للسببية وبمعنى اللام متعلقة بالمودة ومودته كناية عن ترك اذيته والجرى على موجب قرابته سمى عليه السلام المودة اجرا واستثناها منه تشبيها لها به والاستثناء من قبيل قول من قال شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وذلك لأنه لا يجوز من النبى عليه السلام ان يطلب الاجر ايا كان على تبليغ الرسالة لأن الانبياء لم يطلبوه وهو اولى بذلك لأنه افضل ولأنه صرح بنفيه فى قوله قل ما اسألكم عليه من اجر ولأن التبليغ واجب عليه لقوله تعالى {أية : بلغ ما انزل اليك}تفسير : وطلب الاجر على اداء الواجب لا يليق ولأن متاع الدنيا اخس الاشياء فكيف يطلب فى مقابلة تبليغ الوحى الالهى الذى هو أعز الاشياء لأن العلم جوهر ثمين والدنيا خزف مهين ولأن طلب الاجر يوهم التهمة وذلك ينافى القطع بصحة النبوة فمعنى الآية لا اسألكم على التبليغ اجرا اصلا الا ان تودونى لاجل قرابتى منكم وبسببها وتكفوا عنى الاذى ولا تعادونى ان كان ذلك اجرا يختص بى لكنه ليس باجر لأنه لم يكن بطن من بطونكم يا قريش الا وبينى وبينها قرابة فاذا كانت قرابتى قرابتكم فصلتى ودفع الاذى عنى لازم لكم فى الشرع والعادة والمروءة سوآء كان منى التبليغ او لا وقد كنتم تتفاخرون بصلة الرحم ودفع الاذى عن الاقارب فما لكم تؤذوننى والحال ما ذكر ويجوز ان يراد بالقربى اهل قرابته عليه السلام على اضمار المضاف وبالمودة مودة اقربائه وترك اذيتهم فكلمة فى على هذا للظرفية والظرف حال من المودة والمعنى الا ان تودوا اهل قرابتى مودة ثابتة متمكنة فيهم حديث : روى أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال "على وفاطمة وابناى" تفسير : اى الحسن والحسين رضى الله عنهم ويدل عليه ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال شكوت الى رسول الله عليه السلام حسد الناس لى فقال "حديث : اما ترضى ان تكون رابع اربعة" تفسير : اى فى الخلافة "حديث : اول من يدخل الجنة انا وانت والحسن والحسين وازواجنا عن ايماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف ازواجنا" تفسير : قال سعدى المفتى فيه ان السورة مكية من غير استثناء منها ولم يكن لفاطمة حينئذ اولاد وعنه عليه السلام "حديث : حرمت الجنة على من ظلم اهل بيتى وآذانى فى عترتى ومن اصطنع صنيعة الى احد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا اجازيه عليها غدا اذا لقينى يوم القيامة" تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مات على حب آل محمد مات شهيدا الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له الا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها الا ومن مات على حب آل محمد فتح له فى قبره بابان الى الجنة الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله الا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً الا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة " تفسير : وآل محمد هم الذين يؤول امرهم اليه عليه السلام فكل من كانه مآل امرهم اليه اكمل واشد كانوا هم الآل ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله اشد التعلقات بالنقل المتاتر فوجب ان يكونوا هم الآل. درتفسير ثعلبى آورده كه. خويشان حضرت رسول الله بنوهاشم اند وبنوا المطلب كه خمس برايشان قسمت بايد كرد. وفى الكواشى قرابته عليه السلام فاطمة وعلى وابناهما او آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس او من حرمت عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم ووبنوا المطلب وقيل آل الرسول امته الذين قبلوا دعوته قال ابن عطاء لا اسألكم على دعوتكم اجرا الا ان تتوددوا الى بتوحيد الله وتتقربوا اليه بدوام طاعته وملازمة اوامره وقال الحسين كل من تقرب الى الله بطاعته وجبت عليكم محبته اى فان المحب يحب المحب لكونهما محبين لمحبوب واحد وكذ المطيع مع المطيع لشركتهما فى الاطاعة والانقياد (حكى) عن الشيخ ابن العربى قدس سره أنه قال بلغنى عن رجل انه يبغض الشيخ ابا مدين فكرهت ذلك الشخص لبغضه الشيخ ابا مدين فرأيت رسول الله فى المنام فقال لى "حديث : لم تكره فلانا" تفسير : فقلت لبغضه فى ابى مدين فقال "حديث : اليس يحب الله ورسوله" تفسير : فقلت له "حديث : بلى يا رسول الله" تفسير : فقال لى "حديث : فلم تبغضه لبغض ابا مدين وما تحبه لحبه الله ورسوله" تفسير : فقلت له يا رسول الله الى الآن انى والله زللت وغفلت فاما الآن فأنا تائب وهو من احب الناس الى فلقد نبهت ونصحت صلى الله عليك وسلم فلما استيقظت جئت الى منزله فاخبرته بما جرى فبكى واعتد الرؤيا تنبيها من الله فزال بغضه ابا مدين واحبه {ومن يقترف حسنة} اى يكتسب اى حسنة كانت سيما حب آل رسول الله قال الراغب اصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجذع وما يؤخذ منه قرف واستعير الاقتراف للاكتساب حسنيا كان او سوئيا وفى الاساءة اكثر استعمالا ولهذا يقال الاعتراف يزيل الاقتراف {نزد له فيها} اى فى الحسنة يعنى براى آن حسنه كما قال الكاشفى {حسنا} بمضاعفة والتوفيق لمثلها والاخلاص فيها وبزيادة لا يصل العبد اليها بوسعه مما لا يدخل تحت طوق البشر {ان الله غفور} من اذنب {شكور} لمن اطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة فالشكر من الله مجاز عن هذا المعنى لأن معناه الحقيقى وهو فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعما لا يتصور من الله لامتناع ان ينعم عليه احد حتى يقابل بالشكر شبهت الاثابة والتفضل بالشكر من حيث ان كل واحد منهما يتضمن الاعتداد بفعل الغير واكراما لاجله وفى بحر العلوم او معتد بالحسنة القليلة حتى يضاعفها فان القليل عند الله كثير وفى الحديث "حديث : ان عيسى بن مريم قال اخبرنى يا رب عن هذه الامة المرحومة فأوحى الله اليه انها امة محمد حكماء علماء كأنهم من الحكمة والعلم انبياء يرضون باليسير من العطاء وارضى منهم باليسير من العمل ادخل احدهم الجنة بان يقول لا اله الا الله" تفسير : قال الامام الغزالى رحمه الله العبد يتصور ان يكون شاكرا فى حق عبد آخر مرة بالثناء عليه باحسانه اليه واخرى بمجازاته اكثر مما صنعه اليه وذلك من الخصال الحميدة قال رسول الله عليه السلام "حديث : من لم يشكر الناس لم يشكر الله" تفسير : واما شكره لله تعالى فلا يكون الا بنوع من المجاز والتوسع فانه ان اثنى فثناؤه قاصر لأنه لا يحصى ثناء عليه فان اطاع فطاعته نعمة اخرى من الله عليه بل عين شكره نعمة اخرى ورآء النعمة المشكورة وانما احسن وجوه الشكر لنعم الله ان لا يستعملها فى معاصيه بل فى طاعته وذلك ايضا بتوفيق الله وتيسيره شعر : عطايست هرموى ازو بر تنم جه كونه بهرموى شكرى كنم ترا آنكه جشم ودهان دادو كوش اكرعاقلى در خلافش مكوش

الحبري

تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الحَكَم قالَ: حَدَّثَنَا إسْماعيل بن أَبان، عن سَلام بن أَبي عمرة، عن أَبي هارُون العَبْديّ عن مُحَمَّد بن بشر، عن مُحَمَّد بن الحَنَفِيّة: أَنَّه خَرَجَ الى أَصْحابه ذاتَ يَوْمٍ، وهم ينتظرون خُروجَه، فقالَ: تَنَجَّزُوا البُشْرى من الله، فوالله ما مِنْ أَحَدٍ يَتَنَجَّزُ البُشْرى من الله غيرُكم، ثُمَّ قَرَأَ هذه الآية: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. قالَ: نَحْنُ من أَهْل البيت قَرَابَتُهُ، جَعَلَنا الله مِنْهُ، وَجَعَلَكُم الله مِنّا ثُمَّ قَرَأَ هذه الآيةَ: {أية : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ}تفسير : الآية [52] من سُورة التوبة [9]: المَوْتُ ودُخولُ الجنَّة، أَوْ ظُهورُ أَمْرِنا، فيُريكم الله ما تَقَرُّ به عينُكم. ثُمَّ قالَ: أَما تَرْضَوْنَ أَنَّ صَلاتكم تُقْبَلُ وصَلاتُهم لا تُقْبَل، وَحَجُّكُم يُقْبل وحَجُّهم لا يُقْبَل! قالُوا: لِمَ يا أَبا القاسم؟ قال: فإنَّ ذلِكَ لذلِكَ.

فرات الكوفي

تفسير : {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفورٌ شكور 23} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن يوسف الأودي قال: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا إسحاق بن محمد بن عبيد الله العرزمي قال: حدثنا القاسم بن محمد بن عقيل: حديث : عن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حائط من حيطان بني حارثة إذ جاء جمل أجرب أعجف حتى سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. قلنا لجابر: أنت رأيته؟ قال: نعم رأيته واضعاً جبهته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عمر إنّ هذا الجمل قد سجد لي واستجار بي فاذهب فاشتره واعتقه ولا تجعل لأحدٍ عليه سبيلاً. قال: فذهب عمر فاشتراه وخلى سبيله ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله هذا بهيمة يسجد لك فنحن أحق أن نسجد لك سلنا على ما جئتنا به من الهدى أجراً سلنا عليه عملاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كنت آمر أحداً يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها تفسير : . فقال جابر: فوالله ما خرجت حتى نزلت الآية الكريمة: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}. قال [فرات. أ، ب]: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا علي بن حكيم قال: أخبرنا شريك عن [أبي] إسحاق قال: [سألت. أ، ب] عمرو بن شعيب في قوله [تعالى. ر]: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: قرابته من [أ: في] أهل بيته. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار قال: حدثنا الحسين بن الأشقر عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير: حديث : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت [هذه. أ، ب] الآية: {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قلت (قالوا): يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدهما [أ، ب: وولدها]. ثلاث مرات يقولها . تفسير : فرات قال: حدثنا [ب: ثني] محمد بن منصور بن (و) إبراهيم بن أحمد بن عمرو الهمداني قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا الحسين بن الأشقر قال: حدثنا [قيس عن الأعمش عن] سعيد بن جبير: حديث : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله علينا مودتهم. قال: علي وفاطمة وولدهما [أ: وولدها]. ثلاث مرات يقولها . تفسير : فرات قال: حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا حرب قال: حدثنا الحسين بن الأشقر [عن قيس] عن الأعمش عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله فمن قرابتك هؤلاء الذين يجب ودنا لهم؟ قال: علي وفاطمة. [يقولها. ب] ثلاثاً . تفسير : فرات قال: حدثنا الحسن بن العباس وجعفر بن محمد قالا حدثنا الحسن بن الحسين عن يحيى بن سالم عن الأعمش عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس رضي الله عنه قال:حديث : لما نزلت [هذه. ب] الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين [افترض. ب] الله علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدهما [ب: وولدها] . تفسير : فرات قال: حدثنا أحمد بن موسى قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا الحسين بن الأشقر قال: حدثنا قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} قيل: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدهما [أ: وولدها]. ثلاث مرات يقولها . تفسير : قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري قال: حدثنا القاسم بن أحمد يعني [ابن. ب] إسماعيل قال: حدثنا جعفر - يعني ابن عاصم- ونصر وعبد الله - يعني ابن المغيرة - -عن محمد - يعني ابن مروان - عن الكلبي عن أبي صالح. عن ابن عباس [رضي الله عنه. ب] في قوله [تعالى. ر]: {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} قال ابن عباس رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فكانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يديه سعة لذلك فقالت الأنصار: إن هذا الرجل قد هدانا الله على يديه وهو ابن أختكم تنوبه نوائب وحقوق وليس في يديه لذلك سعة فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم فتأتونه فيستعين به على ما ينوبه ففعلوا ثم أتوه فقالوا: يا رسول الله إنك ابن أختنا وقد هدانا الله على يديك وينوبك نوائب وحقوق وليس عندك لها سعة فرأينا أن نجمع من أموالنا فنأتيك به فتستعين به على ما [أ، ر: من] ينوبك وهو ذا. فأنزل الله [هذه الآية. ر] {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} يقول: إلاّ [أن] تود [و] ني في قرابتي. [فرات. أ، ب] قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا عباد بن (عن) عبد الله بن حكيم قال: كنت عند جعفر بن محمد عليه السلام فسأله رجل عن قوله [ر: قول الله]: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: إنا نزعم قرابة ما بيننا وبينه وتزعم قريش أنها قرابة ما بينه وبينهم وكيف يكون هذا وقد أنبأ الله أنه معصوم. قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عثمان بن ذليل قال: حدثنا إِبراهيم - يعني [ابن إسحاق] الصيني- عن عبد الله بن حكيم [عن حكيم] بن جبير أنه قال: سألت علي بن الحسين بن علي عليهم السلام عن هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: هي قرابتنا أهل البيت من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن [إسحاق الصيني عن] عبد الله بن حكيم عن حكيم بن جبيرحديث : عن حبيب بن أبي ثابت أنه أتى مسجد قبا وإذا فيه مشيخة من الأنصار فحدثوه أن علي بن الحسين أتاهم يصلي في مسجد قبا فسلموا عليه ثم قالوا: إن كنتم [إن. ب، ر] سلمتم إلينا فيما كان بينكم نشهدكم فإن مشيختنا حدثونا أنهم أتوا نبي الله في مرضه الذي مات فيه فقالوا: يا نبي الله قد أكرمنا الله وهدانا بك وأمنا وفضلنا بك فاقسم في أموالنا ما أحببت؟ فقال لهم نبي الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر]: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} فأمرنا بمودتكم . تفسير : فرات قال: حدثنا عبد السلام بن مالك قال: حدثنا محمد بن موسى بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال: حدثنا الحكم بن سنان الباهلي عن ابن جريج: حديث : عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لفاطمة بنت الحسين: أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث واحتج به على الناس. قالت: نعم أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان نازلاً بالمدينة وأن من أتاه من المهاجرين! مرسوا أن يفرضوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فريضة يستعين بها على من أتاه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: قد رأينا ما ينوبك من النوائب وإنا أتيناك لتفرض [أ، ب: لنفرض] من أموالنا فريضة تستعين بها على من أتاك. قال: فأطرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً ثم رفع رأسه فقال: [ر: وقال] إني لم أؤمر [على. ب] أن أخذ منكم على ما جئتم به شيئاً، انطلقوا إني [أ، ب: فاني] لم أؤمر بشيءٍ وإن أمرت به أعلمتكم. قال: فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إنّ ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك وقد أنزل الله عليهم فريضة: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}. [قال:] فخرجوا وهم يقولون ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أن تذل [ر، أ: يذل] له الأشياء وتخضع [أ: يخضع] له الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب. قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ر: النبي] إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل: [يا. ر] أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده النار، [ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار. خ (هـ)] ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار.! قال: فقام رجل وقال: يا أبا الحسن ما لهن من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. ثم أتى [أ: فأتى] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال النبي [أ، ب: رسول الله]: ويل لقريش من تأويلهن - ثلاث مرات - ثم قال: يا علي انطلق فأخبرهم: إني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ثم أنا وأنت مولى المؤمنين وأنا وأنت أبوا المؤمنين. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا معشر قريش والمهاجرين والأنصار. فلما اجتمعوا قال: يا أيها الناس إن علياً أولكم إيماناً بالله، وأقومكم بأمر الله، وأوفاكم بعهد الله، وأعلمكم بالقضية، وأقسمكم بالسوية، وأرحمكم بالرعية، وأفضلكم عند الله مزية [ن: حرمة]. ثم قال: إن الله مثل لي أمتي في الطين وعلمني أسماءهم كما {علم آدم الأسماء كلها} [13/ البقرة] ثم عرضهم فمرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته وسألت ربي أن تستقيم أمتي على علي من بعدي فأبى إلا أن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ثم ابتدأني ربي في علي بسبع [ر، ب: سبع] خصال: أما أولاهن: فإنه أول من ينشق [عنه. ب] الأرض [معي. ر] ولا فخر. وأما الثانية: فإنه [يذود (أعداءه: ب) عن حوضي كما. ب، خ] يذود الرعاة غريبة الإبل. وأما الثالثة: فإن من فقراء شيعة علي ليشفع في مثل ربيعة ومضر. وأما الرابعة: فإنه أول من يقرع باب الجنة معي ولا فخر. وأما الخامسة: فإنه أول من يزوج من الحور العين معي ولا فخر. وأما السادسة: فإنه أول من يسكن معي في عليين ولا فخر. وأما السابعة: فإنه أول من يسقى {من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} . تفسير : قال: حدثني عبد السلام قال: حدثنا هارون بن أبي بردة قال: حدثنا جعفر بن الحسن عن يوسف عن الحسين بن إسماعيل بن متمم [ر: متم] الأسدي عن سعد بن طريف التميمي: عن الأصبغ [ر: اصبغ] بن نباتة قال: كنت جالساً عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مسجد الكوفة فأتاه رجل من بجيلة يكنى أبا خديجة ومعه ستون رجلاً من بجيلة فسلم وسلموا ثم جلس وجلسوا ثم إن أبا خديجة قال: يا أمير المؤمنين أعندك سر من أسرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثنا به؟ قال: نعم يا قنبر ائتني بالكتابة ففضها فإذا في أسفلها سليفة مثل ذنب الفارة مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من انتمى إلى غير مواليه، ولعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من أحدث في الإسلام أو آوى محدثاً، ولعنة الله على من ظلم أجيراً أجره، ولعنة الله على من سرق منار الأرض وحدودها يكلف يوم القيامة أن يجيء بذلك من سبع سماوات وسبع أرضين. ثم التفت إلى الناس فقال: والله لو كلفت هذا دواب الأرض ما أطاقته. فقال له أبو خديجة: ولكن أهل البيت موالي كل مسلم فمن تولى [ب: يوالى] غير مواليه. فقال: لست حيث ذهبت يا أبا خديجة ولكنا أهل البيت موالي كل مسلم فمن تولى غيرنا فعليه مثل ذلك [قال: ليس حيث ذهبت. ر] يا أبا خديجة [والأجير. ب] ليس بالدينار ولا بالدينارين ولا بالدرهم ولا بالدرهمين بل من ظلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجره في قرابته قال الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} فمن ظلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجره في قرابته فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. [فرات. أ، ب] قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثني يحيى بن الحسن بن فرات القزاز قال: حدثنا عامر بن كثير السراج [عن زياد. حيلولة]. وحدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا محمد بن علي [بن خلف العطار] قال: حدثنا زياد بن المنذر قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام وهو يقول: شجرة أصلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرعها علي بن أبي طالب وأغصانها فاطمة بنت النبي [أ، ب: محمد] وثمرها الحسن والحسين [عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام. أ، ر] فإنها شجرة النبوة وبيت [ي: نبت] الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله ووديعته، والأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، وحرم الله الأكبر، وبيت الله العتيق وذمته [ي: حرمه]، وعندنا علم المنايا والبلايا والقضايا والوصايا وفصل الخطاب ومولد الاسلام وأنساب العرب. كانوا نوراً مشرقاً حول عرش ربهم فأمرهم فسبحوا فسبح أهل السماوات لتسبيحهم، وأنهم لصافون وأنهم لهم المسبحون، فمن أوفى بذمتهم فقد أوفى بذمة الله، ومن عرف حقهم فقد عرف حق الله، هؤلاء عترة رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]، ومن جحد حقهم فقد جحد حق الله، هم ولاة أمر الله وخزنة وحي الله وورثة كتاب الله، وهم المصطفون باسم الله وأمنائه على وحي الله. هؤلاء أهل بيت النبوة ومضاض الرسالة والمستأنسون بخفيق أجنحة الملائكة، من كان يغدوهم جبرئيل [بأمر. أ، ب] الملك الجليل بخير التنزيل وبرهان الدلائل. هؤلاء أهل بيت [ر: البيت] أكرمهم الله بشرفه، وشرفهم بكرامته، وأعزهم بالهدى، وثبتهم بالوحي، وجعلهم أئمة هداة، ونوراً في الظلم للنجاة، واختصهم لدينه، وفضلهم بعلمه، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، وجعلهم عماداً لدينه، ومستودعاً لمكنون سره، وأمناء على وحيه، مطلبا! [ي: نجباء] من خلقه، وشهداء على بريته، واختارهم الله واجتباهم، وخصهم واصطفاهم، وفضلهم وارتضاهم، وانتجبهم وانتفلهم [ي: وانتقاهم]، وجعلهم نوراً للبلاد وعماداً للعباد، [وأدلاء للأمة على الصراط فهم أئمة الهدى والدعاة إلى التقوى وكلمة الله العليا. ي] وحجته العظمى. هم النجاة والزلفى، هم الخيرة الكرام، هم القضاة الحكام، هم النجوم الأعلام، هم الصراط المستقيم، هم السبيل الأقوم، الراغب عنهم مارق والمقصر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق، هم نور الله في قلوب المؤمنين والبحار السائغة للشاربين، أمن لمن إليهم التجأ، وأمان لمن تمسك بهم، إلى الله يدعون، وله يسلمون، وبأمره يعملون وببيناته [ر: وببيانه. ي: وبكتابه] يحكمون. فيهم بعث الله رسوله، وعليهم هبطت ملائكته، وبينهم نزلت سكينته، وإليهم بعث [ر: نفث] الروح الأمين منّاً من الله عليهم، فضلهم به وخصهم بذلك، وآتاهم تقواهم [و. ب] بالحكمة قواهم، فروع طيبة وأصولٌ مباركة، مستقر قرار الرحمة، خزان العلم، وورثة الحلم، وأولوا التقى والنهى، والنور والضياء، وورثة الأنبياء وبقية الوصايا. منهم الطيب ذكره، المبارك اسمه محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] المصطفى والمرتضى ورسوله الأمي. ومنهم الملك الأزهر والأسد المرسل [حمزة بن عبد المطلب. ب]. ومنهم المستسقى به يوم الرمادة العباس بن عبد المطلب عم رسول الله وصنو أبيه. و [منهم] [جعفر. ب] ذو الجناحين والقبلتين والهجرتين والبيعتين من الشجرة المباركة صحيح الأديم وضاح البرهان. ومنهم حبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخوه والمبلغ عنه من بعده، البرهان والتأويل ومحكم التفسير أمير المؤمنين وولي المؤمنين ووصي رسول رب العالمين علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات السنية. هؤلاء الذين افترض الله مودتهم وولايتهم على كل مسلم ومسلمة فقال في محكم كتابه لنبيه: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفورٌ شكورٌ}. قال أبو جعفر [محمد بن علي. أ، ر] عليهما السلام: اقتراف الحسنة حبنا [ي: مودتنا] أهل البيت. قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا الحسين بن نصر قال: حدثنا أيوب بن سليمان الفزاري قال: حدثنا أيوب بن علي بن الحسين بن سمط قال: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حديث : لما نزلت الآية {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: جبرئيل عليه السلام: يا محمد إن لكل دين أصلاً ودعامة وفرعاً وبنياناً وإن أصل الدين ودعامته قول لا إله إلا الله وإن فرعه وبنيانه محبتكم أهل البيت فيما وافق الحق ودعا إليه . تفسير : قال: حدثنا العباس بن محمد بن الحسين الهمداني الزيات قال: أخبرني أبي عن صفوان بن يحيى عن إسحاق - يعني ابن عمار - عن حفص الأعور عن محمد بن مسلم: عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما بعث الله نبياً قط إلا قال لقومه: {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: ثم قال: أما رأيت الرجل يود الرجل ثم لا يود قرابته فيكون في نفسه عليه شيء فأحب الله إن أخذوه أخذوه مفروضاً وإن تركوه تركوه مفروضاً. قال: قلت: قوله: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً} قال: هو التسليم لنا والصدق [أ، ب: والتصديق] فينا وأن لا يكذب علينا. [فرات. أ، ب] قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن يوسف قال: حدثنا علي بن بزرج الحناط قال: حدثني علي بن حسان عن عمه عبد الرحمان بن كثير: عن أبي جعفر عليه السلام [في. أ] قوله [تعالى. ر]: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى} ثم إن جبرئيل [عليه السلام. ر] أتاه فقال: يا محمد إنك قد قضيت نوبتك [أ، ب: نبوتك] واسلبتك أيامك فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي، وإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف به طاعتي ويعرف به ولايتي ويكون حجة لمن ولد فيما يتربص النبي إلى خروج النبي الآخر. فأوصى إليه بالاسم [الأكبر. أ، ب] و [هو. ر] ميراث العلم وآثار علم النبوة، وأوصى إليه بألف باب يفتح لكل باب ألف باب وكل كلمة ألف كلمة، ومرض يوم الاثنين! [وقال: يا علي لا تخرج. خ] ثلاثة أيامٍ حتى تؤلف [أ، ب، ر: يؤلف] كتاب الله كي لا يزيد فيه الشيطان شيئاً ولا ينقص منه شيئاً فإنك في ضد سنة وصي سليمان عليه الصلاة والسلام. فلم يضع علي رداءه على ظهره حتى [جمع القرآن] فلم يزد فيه الشيطان شيئاً ولم ينقص منه شيئاً. قال: حدثنا الحسين بن الحكم قال: حدثنا إسماعيل بن أبان عن سلام بن أبي عمرة عن أبي هارون العبدي عن محمد بن بشر: عن محمد بن الحنفية أنه خرج إلى أصحابه ذات يوم وهم ينتظرون خروجه فقال: تنجزوا البشرى من الله فوالله ما من أحدٍ يتنجز البشرى من الله غيركم، ثم قرأ هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} قال: نحن من أهل البيت [و] قرابته جعلنا الله منه وجعلكم منا ثم قرأ هذه الآية: {هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} وإحدى الحسنيين الموت ودخول الجنة [أ] وظهور أمرنا فيريكم الله ما يقر به أعينكم. ثم قال: أما ترضون أن صلاتكم تقبل وصلاتهم لا تقبل، وحجكم يقبل وحجهم لا يقبل. قالوا: لم يا أبا القاسم؟ قال: فإن ذلك لذلك {ب، ر: كذلك].

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ الَّذِي} مبتدأ وخبر* {يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} عائد الى محذوف على القلة انه مجرور بما لم يجر بموصول أي (يبشر الله به) وان أوقعنا (الذي) على التبشير فالعائد (هاء) المصدر فلا قلة أي (ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده) وجعل يونس (الذي) حرف مصدر أي (ذلك تبشير الله عباده) وضم الياء وفتح الباء وتشديد الشين مكسورة هي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين من بشر الثلاثي وقرئ {يُبَشِّرُ} بضم الياء واسكان الباء وكسر الشين خفيفة من (أبشر) ونسبت هذه القراءة أيضاً لهؤلاء الباقين ابن كثير وابن عمر وحمزة والكسائي واجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض أترون ان محمداً يسأل عما يتعاطاه أجراً فنزل* {قُل لآَّ أَسْأَلُكُمْ} لا أطلب منكم* {عَلَيْهِ} تبليغ الرسالة أو على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة وهذا انما يصح على أن الآية السابقة معناها ان الله يبشر من آمن وعمل صالحاً فآمنوا واعملوا لتبشروا بالمروضات والاستعلا مجازين وعلى للتعليل* {أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ} المحبة* {فِي الْقُرْبَى} الاستثناء متصل أي لا أسألكم أجراً الا المودة حال كونها فى القربى أي الا مودة قرابتي والحال مقدرة وليس هذا أجراً في الحقيقة لان قرابته قرابتهم فصلتهم لازمة لهم هذا. وروي عن أبي بكر: (أرقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فى آل بيته فمودة قرابته صلى الله عليه وسلم من لم يبدل ولم يغير مثل فاطمة وحمزة والعباس وابنه رضي الله عنهم واجبة). قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذانى في عترتي ومن اصطنع صنيعة الى أحد من ولد عبد المطلب ولا يجازيه عليها فأنا أجازيه عليها غداً اذا لقيني يوم القيامة " تفسير : وقال: "حديث : اني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه النور والهدى فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" تفسير : وحث عليه ورغب كثيراً ثم قال: "حديث : وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" تفسير : وقال: "حديث : من مات على حب آل محمد مات شهيداً؛ الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له الا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً متكمل بالايمان الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى زوجها الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً الا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ". تفسير : وروي أن الانصار قالوا فعلنا وفعلنا كأنهم افتخروا فقال العباس وابنه لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فى مجالسهم فقال: "حديث : يا معشر الانصار ألم تكونوا أذلة فأعزم الله بي قالوا بلى يا رسول الله قال ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي قالوا بلى يا رسول الله قال أفلا تجيبوني قالوا ما نقول يا رسول الله قال ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أو لم يكذبوك فصدقناك أو لم يخذلوك فنصرناك فما زال يقرر حتى جثوا على الركب وقالوا أموالنا وما فى أيدينا لله ولرسوله" تفسير : فنزلت الآية وذلك كله صحيح الرواية لكن المراد بالذين لم يبدلوا فخرج على نحوه ممن بدل قتل ومن قال صلى الله عليه وسلم "لا يدخل قاتله الجنة" ولم تصح عندنا معشر الاباضية رواية انه لما نزلت قيل ومن قرابتك الذين تجب علينا مودتهم فقال علي وفاطمة وابناهما ورواية ان علياً شكا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس فقال أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا على أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا. وعن ابن أرقم: أهل بيته من حرم عليه الصدقة من بني هاشم وبنى عبد المطلب آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، وقيل معنى {لا أسألكم عليه أجراً} الا أن تودوني لقرابتي ففي للتعليل وهذا واجب عليهم أيضاً وليس بأجرة على التبليغ والمراد استكفاف شرهم وعليه ابن عباس فيما روي عنه أيضاً وغيره ونزلت في مكة فى صدر الاسلام قيل أو المراد استنصارهم قال ابن عباس وقتادة وابن اسحق لم يكن بطن في قريش الا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة ولما كذبوه نزلت أي انكم قومي وأحق من يجيئني ويطيعني فاذا أتيتم فاحفظوا حق القرابة ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي وقيل أتت الانصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا هدانا الله بك وأنت ابن أخينا ويعروك نوائب وما لك سعة فاستعن بها فنزلت فرده وهذا يدل على أنها مدنية أعني الآية ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً أي {لا أسألكم أجراً} لكن أسألكم وأذكركم مودتي لقرابتي أو المودة حالة كونها فى أهل القرابة متمكنة فيهم كما تقول لي فى آل فلان مودة وأنت تريد انهم فى محل مودتي ومستقرها ولذا لم يقل مودة القربى أو للقربى والقربى مصدر وقيل القربى التقرب الى الله بالطاعة أي لا أسألكم الا أن تطيعوا الله وتوددوا اليه. روي عن ابن عباس أيضاً والحسن وقيل الآية نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم فيها بمودته وصلة رحمه ولما هاجر الى المدينة وآواه الانصار ونزل {أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم أن أجري على الله} تفسير : ناسخاً لهم الحاقاً له باخوانه الانبياء مثل قوم نوح وغيره {أية : ان أجري الا على رب العالمين} تفسير : ونسب هذا للضحاك والحسين بن الفضل ولعل المراد نسخ ما يتوهم منها من كون المودة أجرة ومن الملاينة والا فلا يصح نسخ مودته ولا نسخ مودة آله فان مودتهم فرض وقرئ الا مودة فى القربى* {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسبها قال السدي: هي مودة قرابته صلى الله عليه وسلم نزلت في أبي بكر ومودته لهم والظاهر العموم في كل حسنة لكن لما ذكرت عقب ذكر {المودة في القربى} تناولت المودة تناولاً أولياً وغيرها كأنه تابع لها* {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً}* بمضاعفة الثواب وبجعلها حسنات كثيرة وتعظيمها وقرئ (يزد) بالياء أى الله وقرئ (حسنى) مصدراً (كالبشرى)* {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} للذنوب* {شّكُورٌ} للقليل من الطاعة يضاعفه ويوفى الثواب عليه

اطفيش

تفسير : {ذلك} الفضل الكبير، أو ذلك الذى عبر عنه بالفضل الكبير، وهو الثواب {الَّذي} خبر {يبشِّر الله عبادَهُ الَّذين آمنُوا وعَمِلوا الصالحات} به فحذف الرابط، والحرف معه دفعه لظهور المعنى كما هو قول، وعلى ما شهر من اشتراط جر الموصول بمثله وتعليقه بمثل متعلقه، كقوله: وبشرب مما تشربون، يحذف الجار، وينتصب مجروره انتصاب المعفول به، الصريح، فيحذف قيل، ويجوز أن تكون الاشارة الى التبشير، ورابط الموصول ضمير محذوف هو مفعول مطلق أى يبشره كما تقول: القيام قمته، وفيه ضعف، لأنه لا دليل على أن لفظ ذلك واقع على التبشير، ولو قلت ذلك الذى ضربته، وأردت ذلك الضرب الذى ضربته، لم يفهم عنك، فلم يقبل فلا تغفل، ولا يلزم استحضار أن ما تقدم تشير للمؤمنين، فيكفى دليلا، ولما لم يوجد الرابط إلا بما تقدم من التقدير، ولا سيما أن النصب على نزع الجار، لا يحسن تعمده، أو التخريج عليه الا الضرورة، ادعى بعض أن الذى هنا حرف مصدر، وأن المعنى ذلك تبشير الله، وليس كذلك. {قل} يا محمد لقريش على الصحيح، وقيل: للأنصار، وقيل: للناس كلهم، يحب بعض بعضا لقرابة النسب بينهم {لا أسألُكم عَليْه} على القرآن، أو على التبليغ والبشارة للمؤمنين ولغيرهم إن آمن، والأولى الاقتصار على التبليغ {أجراً} عوضاً من مال جاه أو نفع ما {إلا المودَّة} أن تؤدونى أى تحبونى فيؤثر فيكم تبليغى {في القُربى} لأجل القربى أو بسببها، وهى قرابة النسب إن لم تراعوا أخوة النبوة فلا أقل من أن تراعوا حق النسب، وتحفظوبى، ولا يكن غيركم من العرب أولى بنصرتى منكم، وقيل إلا محبتكم فى أهل بيتى، وفى على هذا للظرفية المجازية، والقربى بمعنى الأقرباء، والجار والمجرور حال أى ثابتة فيهم ممكنة، وعلى السببية تتعلق بمودة، وقيل مثل ما مر، وقيل المعنى الا محبة بعضكم للقرابة، وقيل إلا التقرب الى الله بالعمل الصالح. قال ابن عباس رضى الله عنهما: إلا رعاية حقوقى لقرابتى، كما روى البخارى ومسلم، قال ابن عباس: لا بطن فى قريش إلا وفيهم قرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع قريش ما لا ليرشوه صلى الله عليه وسلم على ترك ما يأتيهم به من دين الله، فنزلت الآية، وقيل: أتاه الأنصار بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت الآية، فرده على أن الآية مدنية، وأما على أنها مكية فأرسلوه اليه فى احدى العقبات الثلاث، وفى الأنصار قرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم أخواله، فان أم عبد المطلب سلمى بنت زيد النجارية منهم، وكذا أخوال أمه آمنة من الأنصار، وقد قيل قرابته فى جميع العرب، لأنهم إما عدنانيون ومنهم قريش، وإما قحطانيون ومنهم الأنصار وقضاعة، وفى الترمذى والنسائى، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : أذكركم الله تعالى في أهل بيتي" تفسير : والناس مكلفون بمودة أهل البيت إلا من بان شره، فان الناس فى دين الله سواء، وحق الله أعظم، وقد قال لهم: "حديث : لا يأتني الناس بأعمالهم وتأتوني بنسبكم" تفسير : وفى الترمذى، والطبرانى، والحاكم، والبيهقى، عن بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبوا الله لما يغدوكم به من النعم، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي ". تفسير : وروى ابن حبان، والحاكم، عن أبى سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله تعالى النار" تفسير : وفيه اشارة الى الجورة من بنى أمية، لأن لهم طعناً شديداً فى بنى هاشم، وظلموهم حتى انتقم الله منهم، فتفرقوا، وكان لهم الملك فى أندلس بعد ذلك ألف شهر، وروى أحمد، والترمذى والنسائى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : والله لا يدخل قلب امرىء مسلم ايمان حتى يحبكم الله تعالى ولقرابتي" تفسير : والخطاب للقرابة، وقيل وجوب حبهم منسوخ، ولا يبغض أحد منهم إلا لموجب، والاستثناء منقطع، لأن المحبة ضرورية ليست مما يكتسب، ويجعل أجرة وإن اعتبرت مقدماتها الاختيارية، كانت متصلا، وقيل: الاستثناء منقطع مطلقا، وان المحبة لا يصح أن تكون أجرا، قيل: وجبت مودة قرابته فى مكة، بدلت بمحبة الأنصار له ولهم، ونزل: " أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله" تفسير : [سبأ: 47] فهذه الآية ناسخة لآية السورة، فألحقه الله تعالى بالأنبياء قبله فى عدم الأجرة على الدين، كما قال نوح: "وما أسألكم عليه من أجر" إلخ. قلت: لا يصح أنه أجيز له صلى الله عليه وسلم أخذ الأجرة، فضلا عن أن تنسخ، والاستثناء منقطع، وعلى الاتصال يكون من تأكيد المدح بما يشبه الذم، أى أن سألت أجراًً فما هو إلا أن تحبوا أهل بيتى، حبهم ليس أجرا بل أمر لازم لكل أحد، كقوله: ولا عيب فيهم الخ، وقال: "حديث : أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى" تفسير : ومن أهل بيته نساؤه، ولكن المراد آل على، وآل عقيل، وآل جعفر وآل عباس، وفاطمة، وقيل: بنو هاشم، وبنو المطلب، ومن زل من آله فهو كغيره فى أن يزجر ويعاب، وحق الله عز وجل أولى. وسئل صلى الله عليه وسلم عن القربى فى الآية فقال: " حديث : على وفاطمة وأبناؤهما" تفسير : رواه البخارى، وأحاديث الباب كثيرة، وفى بعض إسنادها بعض الشيعة، وقد يأمر الانسان باحترام قوم ويريد ذلك مقيدا بعدم الزلة بعد، وكثيرا ما نلقى من هو من ذلك النسب. من أهل فاس، أو سائر المغرب الاقصى، وهو مقارف للكبائر مصر عليها، فأى حق لهذا. {ومَن يقْتَرف} يكتسب {حَسنةً} أى حسنة كانت، ولا سيما حب النبى صلى الله عليه وسلم وآله، فان ذلك لحب التوحيد، وقال ابن عباس: الحسنة المودة فى قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الآية نزلت فى أبى بكر رضى الله عنه لشدة محبته لأهل البيت {نَزد لهُ فيها حُسْناً} أى زينة بمضاعفة الثواب، فانها تزدان بمضاعفته {إن الله غفورٌ} للذنوب {شَكورٌ} مُجازٍ للمطيع بثواب طاعته، والزيادة عليه.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} / الفضل الكبير أو الثواب المفهوم من السياق هو {ٱلَّذِي يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول كما هو عادتهم في التدريج في الحذف، ولا مانع كما قال الشهاب من حذفهما دفعة، وجوز كون (ذلك) إشارة إلى التبشير المفهوم من {يُبَشّرُ} بعد والإشارة قد تكون لما يفهم بعد كما قرروه في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تفسير : [البقرة: 143] ونحوه، والعائد إلى الموصول ضمير منصوب بيبشر على أنه مفعول مطلق له لأنه ضمير المصدر أي ذلك التبشير يبشره الله عباده؛ وزعم أبو حيان أنه لا يظهر جعل الإشارة إلى التبشير لعدم تقدم لفظ البشرى ولا ما يدل عليها وهو ناشيء عن الغفلة عما سمعت فلا حاجة في الجواب عنه أن كون ما تقدم تبشيراً للمؤمنين كاف في صحة ذلك، ثم قال: ((ومن النحويين من جعل {ٱلَّذِي} مصدرية حكاه ابن مالك عن يونس وتأول عليه هذه الآية أي ذلك تبشير الله تعالى عباده، وليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين مختلفي الحد بغير دليل وقد ثبتت اسمية {ٱلَّذِي} فلا يعدل عن ذلك بشيء لا يقوم به دليل ولا شبهة)). وقرأ عبد الله بن يعمر وابن أبـي إسحٰق والجحدري والأعمش وطلحة في رواية والكسائي وحمزة {يبشر} ثلاثياً، ومجاهد وحميد بن قيس بضم الياء وتخفيف الشين من أبشر وهو معدى بالهمزة من بشر اللازم المكسور الشين وإما بشر بفتحها فمتعد وبشر بالتشديد للتكثير لا للتعدية لأن المعدى إلى واحد وهو مخفف لا يعدى بالتضعيف إليه فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على ما أتعاطاه لكم من التبليغ والبشارة وغيرهما {أَجْراً} أي نفعاً ما، ويختص في العرف بالمال {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ} أي إلا مودتكم أياي {فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي لقرابتي منكم ففي للسببية مثلها في «إن امرأة دخلت النار في هرة» فهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وقتادة وجماعة. والخطاب إما لقريش على ما قيل: إنهم جمعوا له مالاً وأرادوا أن يرشوه على أن يمسك عن سب آلهتهم فلم يفعل ونزلت، وله عليه الصلاة والسلام في جميعهم قرابة. أخرج أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس «أنه سئل عن قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: عَجِلْتَ إن النبـي عليه الصلاة والسلام لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة» أو للأنصار بناءً على ما قيل: إنهم أتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه فنزلت فرده، وله عليه الصلاة والسلام قرابة منهم لأنهم أخواله فإن أم عبد المطلب وهي سلمى بنت زيد النجارية منهم وكذا أخوال آمنة أمه عليه الصلاة والسلام كانوا على ما في بعض التواريخ من الأنصار أيضاً، أو لجميع العرب لقرابته عليه الصلاة والسلام منهم جميعاً في الجملة كيف لا وهم إما عدنانيون وقريش منهم وإما قحطانيون والأنصار منهم، وقرابته عليه الصلاة والسلام من كل قد علمت وذلك يستلزم قرابته من جميع العرب، وقضاعة من قحطان لا قسم برأسه على ما عليه معظم النسابين، والمعنى إن لم تعرفوا حقي لنبوتي وكوني رحمة عامة ونعمة تامة فلا أقل من مودتي لأجل حق القرابة وصلة الرحم التي تعتنون بحفظها ورعايتها. وحاصله لا أطلب منكم إلا مودتي ورعاية حقوقي لقرابتي منكم وذلك أمر لازم عليكم، وروي نحو هذا في «الصحيحين» عن ابن عباس بل جاء ذلك عنه رضي الله تعالى عنه في روايات كثيرة وظاهرها أن الخطاب لقريش منها ما أخرجه سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» / عن الشعبـي قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ} الخ فكتبنا إلى ابن عباس نسأله فكتب رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولدوه قال الله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} على ما أدعوكم عليه {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها. ومنها ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني عنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يتابعوه قال: يا قوم إذا أبيتم أن تتابعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم. والظاهر من هذه الأخبار أن الآية مكية والقول بأنها في الأنصار يقتضي كونها مدنية، والاستثناء متصل بناء على ما سمعت من تعميم الأجر. وقيل: لا حاجة إلى التعميم. وكون المودة المذكورة من أفراد الأجر ادعاء كاف لاتصال الاستثناء، وقيل: هو منقطع إما بناء على أن المودة له عليه الصلاة والسلام ليست أجراً أصلاً بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم أو لأنها لازمة لهم ليمدحوا بصلة الرحم فنفعها عائد عليهم والانقطاع أقطع لتوهم المنافاة بين هذه الآية والآيات المتضمنة لنفي سؤال الأجر مطلقاً. وذهب جماعة إلى أن المعنى لا أطلب منكم أجراً إلا محبتكم أهل بيتي وقرابتي. وفي «البحر» أنه قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب، و {فِي} عليه للظرفية المجازية و {ٱلْقُرْبَىٰ} بمعنى الأقرباء، والجار والمجرور في موضع الحال أي إلا المودة ثابتة في أقربائي متمكنة فيهم، ولمكانة هذا المعنى لم يقل: إلا مودة القربى، وذكر أنه على الأول كذلك وأمر اتصال الاستثناء وانقطاعه على ما سبق، والمراد بقرابته عليه الصلاة والسلام في هذا القول قيل: ولد عبد المطلب، وقيل علي وفاطمة وولداها رضي الله تعالى عنهم، وروي ذلك مرفوعاً، أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ابن جبير عن ابن عباس قال: «حديث : لما نزلت هذه الآية {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ} الخ قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم؟ قال علي وفاطمة وولداها صلى الله عليه وسلم على النبـي وعليهم»تفسير : . وسند هذا الخبر على ما قال السيوطي في «الدر المنثور» ضعيف، ونص على ضعفه في «تخريج أحاديث الكشاف» ابن حجر، وأيضاً لو صح لم يقل ابن عباس ما حكي عنه في «الصحيحين» وغيرهما وقد تقدم إلا أنه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيد ذلك، أخرج ابن جرير عن أبـي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أسيراً فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي رضي الله تعالى عنه: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم قال: ما قرأت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. وروى ذاذان عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا مؤمن ثم قرأ هذه الآية، وإلى هذا أشار الكميت في قوله:شعر : وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقي ومعرب تفسير : ولله تعالى در السيد عمر الهيتي أحد الأقارب المعاصرين حيث يقول:شعر : بأية آية يأتي يزيد غداة صحائف الأعمال تتلى وقام رسول رب العرش يتلو وقد صمت جميع الخلق (قل لا) تفسير : والخطاب على هذا القول لجميع الأمة لا للأنصار فقط وإن ورد ما يوهم ذلك فإنهم كلهم مكلفون بمودة أهل البيت. فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم / قال: «حديث : أذكركم الله تعالى في أهل بيتي»تفسير : . وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله تعالى وأحبوا أهل بيتي لحبـي» تفسير : وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبـي سعيد قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله تعالى النار»تفسير : إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار، وفي بعضها ما يدل على عموم القربى وشمولها لبني عبد المطلب. أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال: والله لا يدخل قلب امرىء مسلم إيمان حتى يحبكم لله تعالى ولقرابتي، وهذا ظاهر إن خص القربى بالمؤمنين منهم وإلا فقيل: إن الحكم منسوخ، وفيه نظر، والحق وجوب محبة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنهم قرابته صلى الله عليه وسلم كيف كانوا، وما أحسن ما قيل:شعر : داريت أهلك في هواك وهم عدا ولأجل عين ألف عين تكرم تفسير : وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودة أشد، فمودة العلويين الفاطميين ألزم من محبة العباسيين على القول بعموم {ٱلْقُرْبَىٰ} وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضاً باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات وآثار تلك المودة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتم قيام، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك. وأنا أقول قول الشافعي الشافي العي:شعر : يا راكباً قف بالمحصب من مِنى واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي تفسير : ومع هذا لا أعد الخروج عما يعتقده أكابر أهل السنة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ديناً، وأرى حبهم فرضاً عليَّ مبيناً فقد أوجبه أيضاً الشارع وقامت على ذلك البراهين السواطع. ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المذكرين قال: إنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»تفسير : ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين. أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب، والثاني: الكواكب الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووضع بصره على تلك الكواكب كان رجاء السلامة غالباً، فلذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد صلى الله عليه وسلم ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة يرجون أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة انتهى. والكثير من الناس في حق كل من الآل والأصحاب في طرفي التفريط والإفراط وما بينهما هو الصراط المستقيم، ثبتنا الله تعالى على ذلك الصراط. وقال عبد الله بن القاسم: المعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا أن يود بعضكم بعضاً وتصلوا قراباتكم، وأمر {فِي} والاستثناء لا يخفى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن المعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا التقرب إلى الله تعالى بالعمل الصالح فالقربى بمعنى القرابة وليس المراد قرابة النسب؛ قيل: ويجري في الاستثناء الاتصال والانقطاع، واستظهر / الخفاجي أنه منقطع وأنه على نهج قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم تفسير : البيت، وأراه على القول قبله كذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما (إِلا مَّوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ). هذا ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الاستدلال على إمامة علي كرم الله تعالى وجهه قال: علي كرم الله تعالى وجهه واجب المحبة وكل واجب المحبة واجب الطاعة وكل واجب الطاعة صاحب الإمامة ينتج عليّ رضي الله تعالى عنه صاحب الإمامة وجعلوا الآية دليل الصغرى، ولا يخفى ما في كلامهم هذا من البحث، أما أولاً: فلأن الاستدلال بالآية على الصغرى لا يتم إلا على القول بأن معناها لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوا قرابتي وتحبوا أهل بيتي وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأول، وقيل في هذا المعنى: إنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم، وأيضاً فيه منافاة ما لقوله تعالى: {أية : وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} تفسير : [يوسف: 104] وأما ثانياً: فلأنا لا نسلم أن كل واجب المحبة واجب الطاعة فقد ذكر ابن بابويه في كتاب «الاعتقادات» أن الإمامية أجمعوا على وجوب محبة العلوية مع أنه لا يجب طاعة كل منهم، وأما ثالثاً: فلأنا لا نسلم أن كل واجب الطاعة صاحب الإمامة أي الزعامة الكبرى وإلا لكان كل نبـي في زمنه صاحب ذلك ونص {أية : إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} تفسير : [البقرة: 247] يأبـى ذلك، وأما رابعاً: فلأن الآية تقتضي أن تكون الصغرى أهل البيت واجبو الطاعة ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا ينتج النتيجة التي ذكروها ولو سلمت جميع مقدماته بل ينتج أهل البيت صاحبو الإمامة وهم لا يقولون بعمومه إلى غير ذلك من الأبحاث فتأمل ولا تغفل. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسب أي حسنة كانت، والكلام تذييل، وقيل المراد بالحسنة المودة في قربـى الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن ابن عباس والسدي، وأن الآية نزلت في أبـي بكر رضي الله تعالى عنه لشدة محبته لأهل البيت، وقصة فدك والعوالي لا تأبـى ذلك عند من له قلب سليم، والكلام عليه تتميم، ولعل الأول أولى، وحب آل الرسول عليه الصلاة والسلام من أعظم الحسنات وتدخل في الحسنة هنا دخولاً أولياً {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا} أي في الحسنة {حُسْنًا} بمضاعفة الثواب عليها فإنها يزاد بها حسن الحسنة، ففي للظرفية و {حَسَنًا} مفعول به أو تمييز. وقرأ زيد بن علي وعبد الوارث عن أبـي عمرو وأحمد بن جبير عن الكسائي {يزد} بالياء أي يزد الله تعالى. وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو {حسنى} بغير تنوين وهو مصدر كبشرى أو صفة لموصوف مقدر أي صفة أو خصلة حسنى {إنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} ساتر ذنوب عباده {شَكُورٌ} مجاز من أطاع منهم بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة، وقال السدي: غفور لذنوب آل محمد صلى الله عليه وسلم شكور لحسناتهم.

ابن عاشور

تفسير : {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}. اسم الإشارة مؤكد لنظيره الذي قبله، أي ذلك المذكور الذي هو فضل يحصل لهم في الجنّة هو أيضاً بشرى لهم من الحياة الدنيا. والعائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره: الذي يبشر الله به عباده. وحذفه هنا لتنزيله منزلة الضمير المنصوب باعتبار حذف الجار على طريقة حذفه في نحو قوله: { أية : واختار موسى قومه } تفسير : [الأعراف: 155] بتقدير: من قومه، فلما عومل معاملة المنصوب حذف كما يحذف الضمير المنصوب. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ويعقوب وخلف {يبشر} بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة، وهو من بشّره، إذا أخبره بحادثٍ يسره. وقرأه ابن كثير وأبو عمر وحمزة والكسائي {يَبْشُر} بفتح التحتية وسكون الموحدة وضم الشين مخففة، يقال: بشرت الرجل بتخفيف الشين أبشرُهُ من باب نصر إذا غبطه بحادث يَسرّه. وجَمعُ العباد المضافُ إلى اسم الجلالة أو ضميرِه غَلَب إطلاقه في القرآن في معرض التقريب وترفيع الشّأن، ولذلك يكون موقع {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} هنا موقع عطف البيان على نحو قوله تعالى: { أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } تفسير : [يونس: 62، 63] إذ وقع {الذين آمنوا} موقع عطف البيان من {أولياء الله}. {قُل لاَّ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ}. استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر ما أعد للمشركين من عذاب وما أعد للمؤمنين من خير، وضمير جماعة المخاطبين مراد به المشركون لا محالة وليس في الكلام السابق ما يتوهم منه أن يكون {قل لا أسألكم} جواباً عنه، فتعين أن جملة {قل لا أسألكم عليه أجراً} كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً. ويظهر مما رواه الواحدي في «أسباب النزول» عن قتادة: أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمداً يَسأل على ما يتعاطاه أجراً. فنزلت هذه الآية، (يعنون: إن كان ذلك جمعنا له مالاً كما قالوه له غير مرة)، أنها لا اتصال لها بما قبلها وأنها لما عرض سبب نزولها نزلت في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها فتكون جملة ابتدائية. وكان موقعها هنا لمناسبة ما سبق من ذكر حجاج المشركين وعنادهم فإن مناسبتها لما معها من الآيات موجودة إذ هي من جملة ما واجه به القرآن محاجّة المشركين، ونفَى به أوهامهم، واستفتح بصائرهم إلى النظر في علامات صدق الرسول؛ فهي جملة ابتدائية وقعت معترضة بين جملة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} وجملة {ومن يقترف حسنة}. وابتدئت بــ{قل} إما لأنها جواب عن كلام صدر منهم، وإمّا لأنها مما يهتم بإبلاغه إليهم كما أن نظائرها افتتحت بمثل ذلك مثل قوله تعالى: { أية : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } تفسير : [سبأ: 47] وقوله: { أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } تفسير : [ص: 86] وقوله: { أية : قل لا أسألكم عليه أجراً } تفسير : [الأنعام: 90]. وضمير {عليه} عائد إلى القرآن المفهوم من المقام. والأجر: الجزاء الذي يعطاه أحد على عمل يعمله، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إن الله عنده أجر عظيم } تفسير : في سورة براءة (22). والمودّة: المحبة والمعاملة الحسنة المشبهة معاملة المتحابين، وتقدمت عند قوله { أية : مودّة بينكم في الحياة الدنيا } تفسير : في سورة العنكبوت (25). والكلام على تقدير مضاف أي معاملة المودة، أي المجاملة بقرينة أن المحبة لا تُسأل لأنها انبعاث وانفعال نفساني. و{في} للظرفية المجازية لأنه مجرورها وهو {القربى} لا يصلح لأن يكون مظروفاً فيه. ومعنى الظرفية المجازية هنا: التعليل، وهو معنى كثير العروض لحرف {في} كقوله: { أية : وجاهدوا في الله } تفسير : [الحج: 78]. و{القربى}: اسم مصدر كالرُجعى والبُشرى، وهي قَرابة النسب، قال تعالى: { أية : وآتِ ذا القُربى حقّه } تفسير : [الإسراء: 26]، وقال زهير: شعر : وظُلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضَةً... البيت تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ولذي القربى } تفسير : في سورة الأنفال (41). ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها: لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تَوَدُّوني، أي أن تعاملوني معاملة الوِدِّ، أي غير معاملة العداوةِ، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي. وفي «صحيح البخاري» و«جامع الترمذي» سئل ابن عباس عن هذه الآية بحضرة سعيد بن جبير فابتدر سعيد فقال: قُربى آل محمد، فقال ابنُ عباس: عَجِلْتَ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: "إلاّ أنْ تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة". وذكر القرطبي عن الشعبي أنه قال: أكثرَ الناسُ علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد وَلَدَهُ فقال الله له: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} إلاَّ أن تَوَدوني في قرابتي منكم، أي تَرَاعُوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني، فالقربى ههنا قرابة الرحم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنُبوءةِ. انتهى كلام القرطبي. وما فسر به بعض المفسرين أن المعنى: إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه. أمّا كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصال به خُلُقاً من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى، وتحديد حدودها مُفصَّل في «الشفاء» لعياض. والاستثناء منقطع لأن المودّة لأجل القرابة ليست من الجزاء على تبليغ الدعوة بالقرآن ولكنها مما تقتضيه المروءة فليس استثناؤها من عموم الأجر المنفي استثناء حقيقياً. والمعنى: لا أسألكم على التبليغ أجراً وأسألُكم المودّة لأجل القربى. وإنما سألهم المودّة لأن معاملتهم إياه معاملةَ المودّة معِينة على نشر دعوة الإسلام، إذ تَلِين بتلك المعاملة شكيمتهم فيتركون مقاومته فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل. فصارت هذه المودة غرضاً دينياً لا نفع فيه لنفس النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الأخبار الموضوعة في أسباب النزول أن سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب لا يسعها ما في يديه. فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم الله به فنجمع له مالاً، ففعلوا ثم أتوه به، فنزلت. وفي رواية: أن الأنصار قالوا له يوماً: أنفسُنا وأموالنا لك، فنزلت. وقيل نزل {ذلك الذي يبشر الله عباده} إلى قوله: { أية : إنه عليم بذات الصدور } تفسير : [الشورى: 23، 24]. ولأجل ذلك قال فريق: إن هذه الآيات مدنية كما تقدم في أول السورة وهي أخبار واهية. وتضمنت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن أن يتطلب من الناس جزاء على تبليغ الهدى إليهم فإن النبوءة أعظم مرتبة في تعليم الحقّ وهي فوق مرتبة الحكمة، والحكماء تنزّهوا عن أخذ الأجر على تعليم الحكمة، فإن الحكمة خير كثير والخير الكثير لا تقابله أعراض الدنيا، ولذلك أمر الله رُسُله بالتنزّه عن طلب جزاء على التبليغ، فقال حكاية عن نوح { أية : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين } تفسير : [الشعراء: 109]. وكذلك حكى عن هود وصالح ولوط وشعيب. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. تذييل لجملة {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والمعنى: وكلما عمل مؤمن حسنة زدناه حسناً من ذلك الفضل الكبير. وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : والله يضاعف لمن يشاء } تفسير : [البقرة: 261] والواو اعتراضية. والاقتراف: افتعال من القَرْف، وهو الاكتساب، فالاقتراف مبالغة في الكسب نظيرَ الاكتساب، وليس خاصاً باكتساب السوء وإن كان قد غلب فيه، وأصله من قَرَفَ الشجرةَ، إذا قشر قِرْفَها، بكسر القاف، وهو لِحَاؤها، أي قَشْرُ عودها، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وليَقترفوا ما هم مقترفون } تفسير : في سورة الأنعام (113)، وعند قوله: { أية : وأموالٌ اقترفتموها } تفسير : في سورة براءة (24). والحسنة: الفَعْلة ذات الحسن صفة مشبهة غلبت في استعمال القرآن والسنة على الطاعة والقربة فصارت بمنزلة الجوامد عَلَماً بالغلبة وهي مشتقة من الحسن وهو جمال الصورة. والحُسن: ضد القبح وهو صفة في الذات تقتضي قبول منظرها في نفوس الرّائين وميلهم إلى مداومة مشاهدتها. وتوصف المعنويات بالحسن فيراد به كون الفعل أو الصفة محمودة عند العقول مرغوباً في الاتصاف بها. ولما كانت الحسنة مأخوذة من الحُسن جعلت الزيادة فيها من الزيادة في الحسن مراعاة لأصل الاشتقاق فكان ذكر الحُسْن من الجناس المعبر عنه بجناس الاشتقاق نحو قوله تعالى: { أية : فأقم وجهك للدّين القيم } تفسير : [الروم: 43]، وصار المعنى نزِد له فيها مماثلاً لها. ويتعين أن الزيادة فيها زيادة من غير عَملِه ولا تكون الزيادة بعمل يعمله غيره لأنها تصير عملاً يستحق الزيادة أيضاً فلا تنتهي الزيادة فتعيّن أن المراد الزيادة في جزاء أمثالها عند الله. وهذا معنى قوله تعالى: { أية : من جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها } تفسير : [الأنعام: 160] وقوله { أية : والله يضاعف لمن يشاء } تفسير : [البقرة: 261]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من هَم بحسنة فعمِلها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف » تفسير : . وجملة {إن الله غفور شكور} تذييل وتعليل للزيادة لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين إليه. والمقصود بالتعليل هو وصف الشكور، وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى ترغيب المقترفين السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة الله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. قد بينا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} تفسير : [هود: 29] الآية. أن جميع الرسل عليهم الصلوات والسلام، لا يأخذون أجراً على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين تلك الآيات، وآية الشورى هذه فقلنا فيه: اعلم أولاً أن في قوله تعالى {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أربعة أقوال: الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره، أن معنى الآية {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23] أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم، وكان صلى الله عليه وسلم له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد، لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس. وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجراً على التبليغ لأنه لم يؤمن. وإذا كان لا يسأل أجراً إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجراً كقول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم. وهذا القول هو الصحيح في الآية، واختاره ابن جرير، وعليه فلا إشكال. الثاني: أن معنى الآية {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23] أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين، وعليه فلا إشكال أيضاً. لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] وفي الحديث "حديث : مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا اصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" تفسير : والأحاديث في مثل هذا كثيرة جداً. وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين، تبين أنه غير عوض عن التبليغ. وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال. فمعناه على القول الأول {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا} لكن أذكركم قرابتي فيكم. وعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم. القول الثالث: وبه قال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، وعليه فلا إشكال. لأن التقرب إلى الله ليس أجراً على التبليغ. القول الرابع: إلا المودة في القربى، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم، ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم، وعليه أيضاً فلا إشكال. لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجراً على التبليغ، فقد علمت الصحيح في تفسير الآية وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال. وأما القول بأن قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23] منسوخ بقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم} تفسير : [سبأ: 47] فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه. وقد علمت مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية. مع أن كثيراً من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية، فيحسبون أن معنى {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } إلا أن تودوني في أهل قرابتي. وممن ظن ذلك محمد السَجَّاد حيث قال لقاتله يوم الجمل: أذكرك حم يعني سورة الشورى هذه، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزم حفظه فيهم، لأن الله تعالى قال في حم هذه {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23] فهو يريد المعنى المذكور، يظنه هو المراد بالآية، ولذا قال قاتله في ذلك: شعر : يُذّكِّرني حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَل لا تَلاَ حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ تفسير : وقد ذكرنا هذا البيت والأبيات التي قبله في أول سورة هود، وذكرنا أن البخاري ذكر البيت المذكور في سورة المؤمن، وذكرنا الخلاف في قائل الأبيات الذي قتل محمداً السجاد بين طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، هل هو شريح بن أبي أوفَى العبسي كما قال البخاري، أو الأشتر النخعي، أو عصام بن مقشعر، أو مدلج بن كعب السعدي، أو كعب بن مدلج. وممن ظن أن معنى الآية هو ما ظنه محمد السجاد المذكور الكميت في قوله في أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : وجدنا لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعرب تفسير : والتحقيق إن شاء الله أن معنى الآية هو القول الأول {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما هو شأن أهل القرابات. قوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً}. الاقتراف معناه الاكتساب، أي من يعمل حسنة من الحسنات، ويكتسبها نزد له فيها حسناً، أي نضاعفها له. فمضاعفة الحسنات هي الزيادة في حسنها، وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160] وقوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245] وقوله تعالى {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} تفسير : [المزمل: 20] فكونه خيراً وأعظم أجراً زيادة في حسنه، كما لا يخفى إلى غير ذلك من الآيات:

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- ذلك الفضل الكبير هو الذى يُبشِّر الله به عباده المؤمنين الطائعين، قل - أيها الرسول -: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة أجراً إلا أن تحبوا الله ورسوله فى تقربكم إليه - سبحانه - بعمل الصالحات، ومن يكتسب طاعة يُضاعف الله له جزاءها، إن الله واسع المغفرة للمذنبين، شكور لعباده طيبات أعمالهم. 24- أيقول الكفار: اختلق محمد الكذب على الله؟! فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، واتهامك بالافتراء على الله، ويزيل الله الشرك ويخذله، ويثبت الإسلام ويظهره بالوحى الذى أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم إنه - سبحانه - محيط بخفايا قلوبكم جميعاً. 25- والله - وحده - الذى يقبل التوبة من أهل طاعته بالتجاوز عما تابوا منه، ويصفح - تفضلاً ورحمة - عن السيئات دون الشرك، ويعلم ما تفعلون من خير أو شر. 26- ويُجيب الله المؤمنين إلى ما طلبوا، ويزيدهم خيراً على مطلوبهم، والكافرون لهم عذاب بالغ غاية الشدة والإيلام. 27- ولو وسَّع الله الرزق لجميع عباده - كما يبتغون - لطغوا فى الأرض وظلموا، ولكن الله يوسع الرزق لمن يشاء، ويُضيقه على من يشاء، حسبما اقتضته حكمته، إن الله محيط علماً بما خفى وظهر من أمور عباده، فيقدر بحكمته لكلٍّ ما يصلح شأنه.

القطان

تفسير : في القربى: في القرابة التي بيني وبينكم، او في قرابتي من اهل بيتي. يقترف: يفعل، يكتسب. يختم على قلبك: يغلقه عن الفهم. يمحو: يزيل. يُحقّ الحق: يثبت الحق. بِكَلِمَاتِهِ: بوحيه وأدلته وحججه. بذات الصدور: ما يختلج في الضمائر. بعد ان ذكر الله في الآيات السالفة ما أعدَّ للمؤمنين في أطيبِ أماكنِ الجنّات - بين هنا ان ذلك الفضلَ الكبير هو الذي يبشّر به عبادَه المؤمنين. فقل لهم أيها الرسول: انا لا أطلب منكم أجراً على تبليغ الرسالة، وكل ما اطلبه منكم ان توادّوني مراعاةً للقرابة التي بيني وبينكم. ويدخل في ذلك مودّة النبي صلى الله عليه وسلم ومودّة قرابته من أهل بيته. ومن يعمل عملا صالحا يضاعف الله له جزاءه، ان الله واسع المغفرة للمذنبين. ثم أنكر الله تعالى على من يقول بأن النبي الكريم اختلقَ القرآن: لقد قالوا ان ما يتلوه محمد علينا من القرآن ما هو الا اختلاق من عند نفسه لا بوحيٍ من عند ربه، فإن يشأ الله يربط على قلبِك لو حاولتَ الافتراء عليه، والله تعالى يمحو باطلَهم بما بهتوك به، ويثبت الحق الذي أنت عليه بوحيه وارادته، فأنت على حقٍّ وهم على باطل. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيعلم ما يختلج في ضمائرهم وتنطوي عليه السرائر. ثم يمتنّ الله على عباده فيكرّر أنه يقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عما فَرَطَ منهم تفضُّلاً منه ورحمة بعباده. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من خير أو شر، ورحمتُه تسبق غضبه، وباب التوبة مفتوح والحمد لله. ثم وعد المؤمنين بأنه يجيب دعاءهم إذا دعوه، ويزيدهم خيراً على مطلوبهم من فضله {وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر: ويعلم ما يفعلون بالياء، والباقون: تفعلون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {أَسْأَلُكُمْ} (23) - وَهَذَا الذِي أَخْبَركُم اللهُ بِأَنَّهُ أَعَدَّهُ فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لِلَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا صَالِحَ الأَعْمَالِ، هُوَ البُشْرَى التِي يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِيَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهَا كَائِنَةٌ لاَ مَحَالَةَ. وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: إِنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَجَزَاءً عَلَى مَا أَقُومُ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِكُمْ رِسَالاَتِ رَبِي، وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دِين حَقٍّ، وَخَيْرٍ وَبُشْرَى فِي الآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُونِي أُبَلِّغُ رِسَالاَتِ رَبِّي فَلاَ تُؤْذُونِي بِحَقِّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَاسٍ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَلاَّ تُؤْذُونِي فِي نفْسِي لِقَرَابَتِي مِنْكُمْ، وَتَحْفَظُوا القَرَابَةَ التِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). وَمَنْ يَعْمَلْ عَمَلاً فِيهِ طَاعَةٌ للهِ وَلِلرَّسُولِ نَزِدْ لَهُ فِيهِ أَجْراً وَثَوَاباً، فَنَجْعَلُ لَهُ مََكَانَ الحَسَنَةِ عَشرَةَ أَضْعَافِهَا، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى سَبْعِمِِئَةِ ضِعْفٍ، فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرَحْمَةً، وَاللهُ تَعَالَى يَغْفِرُ الكَثِيرَ مِنَ السَّيئَاتِ، وَيُكَثِّرُ القَلِيلَ مِنَ الحَسَنَاتِ فَيَسْتُرُ وَيَغْفِرُ وَيُضَاعِفُ وَيَشْكُرُ. يَقْتَرِفَ حَسَنَةً - يَكْتَسِب طَاعَةً.

الثعلبي

تفسير : {ذَلِكَ ٱلَّذِي} ذكرت من نعيم الجنّات. {يُبَشِّرُ ٱللَّهُ} به. {عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فإنّهم أهله. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق، وليس في يديه سعة لذلك، قالت الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هداكم الله به، وهو ابن اختكم، منوبة به. فقالوا له: يارسول الله إنّك ابن اختنا، وقد هدانا الله على يديك، وتنوبك نوائب وحقوق، ولست لك عندها سعة، فرأينا أن نجمع لك من أموالنا، فنأتيك به، فتستعين به على ما ينوبك وها هو ذا، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمّداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يحثهم على مودته، ومودّة أقربائه، وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية والتنزيل؛ لأنّ هذه السورة مكّية، واختلف العلماء في معنى الآية. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه بقراءتي عليه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، حدثنا أبو بكر الأزدي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قزعة بِن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أسألكم على ما أتيتكم من البينات والهدى أجراً إلاّ أن تودّوا الله تعالى، وتقرّبوا إليه بطاعته ". تفسير : وإلى هذا ذهب الحسن البصري، فقال: هو القربى إلى الله تعالى، يقول إلاّ التقرب إلى الله تعالى والتودّد إليه بالطاعة والعمل الصالح، وروى طاووس والشعبي والوالبي والعوفي عن ابن عباس، قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلاّ وبين رسول الله وبينهم قرابة، فلما كذّبوه وأبوا أن يبايعوه، أنزل الله تعالى، {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} يعني أن تحفظوني وتودّوني وتصلوا رحمي، فقال رسول الله: "حديث : إذا أبيتم أن تبايعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم ولا تؤذوني، فإنّكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني ". تفسير : وإليه ذهب أبو مالك وعكرمة ومجاهد والسدي والضحاك وابن زيد وقتادة، وقال بعضهم: معناه إلاّ أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الّذين أمر الله تعالى بمودتهم. أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه الثقفي العدل، حدثنا برهان بن علي الصوفي، حدثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، حدثنا حرب بن الحسن الطحان، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قالوا: يارسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: "حديث : علي وفاطمة وأبناءهما"تفسير : ، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو منصور الجمشاذي، قال: حدثني أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر بن مالك، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عائشة، حدثنا إسماعيل بن عمرو، عن عمر بن موسى، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: "شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد النّاس لي". فقال: "حديث : أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا، وذريتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا ". تفسير : حدثنا أبو منصور الجمشاذي، حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد، حدثنا أبو العباس محمد بن همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن رزين، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا حماد بن سلمة ابن أخت حميد الطويل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّه قال لفاطمة: حديث : "أئتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فالقى عليهم كساءً فدكيا، ثمّ رفع يديه عليهم، فقال: اللَّهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، فإنك حميد مجيد". قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فاجتذبه وقال: "إنّك على خير" . تفسير : وروى أبو حازم عن أبي هريرة، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: "حديث : أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم ". تفسير : أخبرنا عقيل بن محمّد، أخبرنا المعافا بن زكريا بن المبتلي، حدثنا محمّد بن جرير، حدثني محمّد بن عمارة، حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا الصياح بن يحيى المزني، عن السدي، عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين أسيراً فأقيم على درج دمشق، وقام رجل من أهل الشام، فقال: الحمد لله الّذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: قرأت أل حم؟ قال: قرأت القرآن، ولم أقرأ أل حم. قال: ما قرأت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. قال: وإنّكم لأنتم هم؟ قال: نعم. أخبرنا الحسين بن العلوي الوصي، حدثنا أحمد بن علي بن مهدي،حدثني أبي، حدثنا علي بن موسى الرّضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثنا أبي جعفر بن محمد الصادق، قال: كان نقش خاتم أبي محمد بن علي: ظنّي بالله حسن وبالنبي المؤتمن وبالوصي ذي المنن والحسين والحسن. أنشدنا محمد بن القاسم الماوردي، أنشدني محمد بن عبد الرّحمن الزعفراني، أنشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني، قال: أنشدني منصور الفقيه لنفسه: شعر : إن كان حبّي خمسة زكت بهم فرائضي وبغض من عاداهم رفضاً فإنّي رافضي تفسير : وقيل: هم ولد عبد المطلب. يدلّ عليه ما حدثنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، حدثنا أبو الحسن المحمودي، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمران الأرسابندي حدثنا هَديَّة بن عبد الوهّاب، حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن زياد اليمامي، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنّة، أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي ". تفسير : علي بن موسى الرضا: حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه غداً إذا لقيني في يوم القيامة ". تفسير : وقيل: الّذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب الّذين لم يقترفوا في جاهلية ولا إسلام. يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الأنفال: 41]، وقوله: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ }تفسير : [الحشر: 7]. وقوله: {أية : وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}تفسير : [الإسراء: 26]. أخبرنا عقيل بن محمّد أجازة، أخبرنا أبو الفرج البغدادي، حدثنا محمّد بن جدير، حدثنا أبو كرير، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلم حدثني يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا فكأنهم مخزوك، فقال ابن عباس أو العباس: شل عبد السلم لنا الفضل عليكم. [فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم. فقال: "حديث : يامعشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟". قالوا: بلى يارسول الله. قال: "ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟". قالوا: بلى يارسول الله. قال: "أفلا تجيبوني؟". قالوا: ما نقول يارسول الله؟. فقال: "ألا تقولون، ألم يخرجك قومك فآويناك،أو لم يكذّبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك؟ ". تفسير : قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله تعالى ولرسوله. قال: فنزلت {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا محمد بن عبد الله بن حمزة، حدثنا عبيد بن شريك البزاز، حدثنا سلمان بن عبد الرّحمن بن بنت شرحبيل، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا يحيى بن بشير الأسدي، عن صالح بن حيان الفزاري عبد الله بن شداد بن الهاد عن العباس ابن عبد المطلب إنّه، قال: يارسول الله مابال قريش يلقى بعضهم بعضاً بوجوه تكاد أن تسايل من الود، ويلقوننا بوجوه قاطبة، تعني باسرة عابسة، فقال رسول الله (عليه السلام):" حديث : أَوَ يفعلون ذلك؟". قال: نعم، والّذي بعثك بالحقّ. فقال: "أمّا والّذي بعثني بالحقّ، لا يؤمنوا حتّى يحبّوكم لي ". تفسير : وقال قوم: هذه الآية منسوخة فإنّما نزلت بمكّة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمرهم فيها بمودة رسول الله وصلة رحمه. فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار وعزروه ونصروه أحبّ الله تعالى أن يلحقه بأخوانه من الأنبياء (عليهم السلام) حيث قالوا: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى عليه {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [سبأ: 47]، فهي منسوخة بهذه الآية وبقوله: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86]، وقوله: {أية : وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [يوسف: 104]، وقوله: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}تفسير : [المؤمنون: 72]، وقوله: {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}تفسير : [الطور: 40] وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل. وهذا قولٌ غير قوي ولا مرضي، لأنّ ما حكينا من أقاويل أهل التأويل في هذه الآية لا يجوز أن يكون واحد منها منسوخاً، وكفى فتحاً بقول من زعم إنّ التقرب الى الله تعالى بطاعته ومودة نبيه وأهل بيته منسوخ. والدليل على صحة مذهبنا فيه، ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني، أخبرنا أبو عبد الله بن محمّد بن علي بن الحسين البلخي، حدثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق، حدثنا محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا يعلي بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات على حبِ آلِ محمّد مات شهيد، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكراً ونكيراً، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله تعالى زوار قبره ملائكة الرحمن، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة. ألاّ ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألاّ ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألاّ ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة ". تفسير : {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} يكتسب طاعة. {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} بالضعف. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا ابن حنش المقري، حدثنا أبو القاسم بن الفضل، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن موسى، حدثنا الحكم بن طهر، عن السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً}، قال: المودة لآل محمّد صلى الله عليه وسلم

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ ..} [الشورى: 23] إشارة إلى نعيم الجنة {ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الشورى: 23] والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه، ثم ينتقل السياق إلى قضية أخرى متعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الدعوة {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ..} [الشورى: 23] يعني: قل لهم يا محمد: إنني لا أريد منكم أجراً على الدعوة والمهمة التي أقوم بها من أجلكم، وأنت لا تقول هذه الكلمة إلا إذا كنت قد عملتَ عملاً تستحق عليه أجراً بالفعل. فالمعنى كأنه يقول: إن العمل الذي أقوم به من أجلكم كان يجب أن يكون لي عليه أجر، لأنني أنصحكم وأدلكم على ما ينفعكم، ومع ذلك لا أريد منكم أجراً. وكل رسل الله قالوا هذه الكلمة، لأن الإنسان عادة يجازي مَنْ أسدى إليه جميلاً أو دلَّه على خير أو أشار عليه مشورة تريحه، لذلك في كثير من مواكب الرسالات نقرأ: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ..} تفسير : [هود: 29] نعم على الله، لماذا؟ لأنه عمل عظيم نفيس وشريف، لا يمكن لبشر أنْ يُقدره قدره، أو يعطي عليه ما يستحق من أجر، إذن: لا يعطيني أجري إلا الله الذي بعثني. قلنا: كل الرسل قالوا هذه الكلمة إلا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا دعا أباه آزر، فكيف يطلب منه أجراً؟ كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا فرعون، وكان له عليه فضل التربية. إذن: لا أريد منكم أجراً على مهمة الدعوة التي أقوم بها، فأجري فيها على الله الذي بعثني، وهو الذي يُقدِّرها قدرها، شيء واحد أريده منكم {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [الشورى: 23] يعني: مودتكم لقرابتي. والمودة: ميل القلب إلى مَنْ تواده ثم معاملته بما يستحق من تكريم وتقدير. فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد أُرسِلْتُ إلى الناس كافة، وقد قابلتموني بالإيذاء وجابهتموني بالعداء واضطهدتم أصحابي، وألجأتموني إلى غيركم مرة إلى الطائف، ومرة إلى القبائل الأخرى، وألجأتم أصحابي إلى أن يتركوا بلادهم وديارهم، وأنا لي في كل بطن من بطون قريش قرابة حتى في المدينة حيث أخوالي من بني النجار، فلا أقلَّ من أنْ تعطوني حقي في قرابتي، وحق القرابة ألاَّ تؤذوني، فأنا لا أجبركم على الإسلام ولا أفعل ما يدعو إلى الإيذاء، كذلك من حق القرابة ألاَّ تُسْلموني لعدوي، فهذا حقي عليكم. أو يكون المعنى {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [الشورى: 23] يعني: أقاربي وأهل بيتي، ذلك لأن أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرموا من مُعين على العيش، فليسوا كباقي المسلمين، حيث حُرِّمتْ عليهم أموال الزكاة التي يستحقها الفقير من غيرهم، فلا أقلَّ من أن تعاملوهم بالحسنى وبالمعروف، وتراعوا منزلتهم مني. لذلك نجد لهم أحاديث كثيرة في إكرام أهل البيت يقولون أن غيرهم قالها، من ذلك: مَنْ مات على حب آل بيت رسول الله مات شهيداً، مات مغفوراً له، مات وتُحيِّيه الملائكة في قبره، مات وفي قبره باب يؤدي به إلى الجنة، ومن أبغض آل محمد فهو آيس من رحمة الله. قالوا هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلاماً مثل هذا، قال: "حديث : أحبوا الله لما يغذوكم من النعم وأحبوني بحبِّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي" تفسير : وهذا معنى آخر من معاني {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [الشورى: 23]. أو يُراد بها معنى ثالث {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ..} [الشورى: 23] قرباكم أنتم يعني كل منكم يودُّ قريبه ويعطيه ويرعى حَقَّ قرابته، ولو أن كل إنسان واجد عنده سعةٌ من الرزق يعطي قرابته ويكفيهم ويساعدهم على المعيشة الكريمة ما وُجد بيننا فقير ولا محتاج، والمجتمع عبارة عن دوائر متداخلة، فلو فعلنا ذلك لَعمَّ خير الله جميع خَلْق الله. ثم إن الأقارب لهم حَقّ في مالك غير الزكاة، لذلك قال أحد الأغنياء: أنا أعطي أخي الفقير من مال الزكاة، فقلنا له: والله لو يعلم أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبلها، إذن أعطه من نسبة 97.5 % لا من 2.5 % اترك هذه النسبة اليسيرة للفقراء الأباعد عنك. وآخر يقول: أضع مال الزكاة في بناء مدرسة، وآخر يقول: في بناء مستشفى أو مسجد، سبحان الله وهل نسبة 2.5 % تكفي كل هذا؟ اجعلوها لأصحابها كما فرضها الله ليستقيم حال المجتمع، ثم لو فعلنا كل هذا من مال الزكاة ماذا سنفعل في نسبة 97.5 %. إن وضع مال الزكاة في موضعه كما علَّمنا الحق سبحانه يحمي المجتمع ويستر عوراته، فلا تجد فيه عارياً ولا جائعاً ولا مريضاً لا يجد ثمن العلاج، لكن لما عطلنا أحكام الشرع في هذه المسألة ظهرت عورات المجتمع المسلم كما نرى ونشاهد. الحق سبحانه وتعالى وزَّع خَيْرَه على كل خَلْقه و (هندس) اقتصاد المجتمع، بحيث لو نُفِّذت تعاليمه في هذه المسألة لعاشَ الفقير في نفس مستوى معيشة الغني. ومن هذه العدالة في توزيع الخير على الناس تجد مثلاً رجلاً غنياً في بلدة ما هي موطنه منذ مولده، ومع ذلك يحنُّ إلى موطن آخر فيذهب إليه ويعمر فيه ويفيض من خيره على أهله، قالوا: إذا رأيتَ مثل هذا الرجل فاعلم أن وجوده فائضٌ عن حاجة أهل بلده، فنقله الله إلى مكان آخر محتاج إليه. وإذا كنا نفعل هذا مع أقاربنا، فرسول الله أوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، فقرب رسول الله أَوْلَى، لأن رسول الله علم أنه سوف تأتي عهود يُضطهد فيها أهل بيته، والتاريخ شاهد على ذلك، وقد رأيتم آل البيت وقد تشتتوا في سائر البلاد، بل وقُتل منهم مَنْ قُتِل، وتعلمون مدى حبِّ شعب مصر لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك نحب آبا بكر وعمر، وليس بيننا شيعي واحد. والمودَّة والقربى أول ما تكون تكون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت المودة ميل القلب لمن تهواه، فهذا الميْل له تبعات، فلا تراه محتاجاً وأنت واجد، ولا تراه جاهلاً وأنت متعلم، وهكذا. ومن المودة في القربى بر الوالدين. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل بر الوالدين دُرْبة ورياضة للإيمان بالله، لأنهما سبب الوجود المباشر، وهو سبحانه سبب الوجود الأعلى، فقال سبحانه: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..} تفسير : [العنكبوت: 8] وفي آية أخرى {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. حتى في حال عصيانهما في أعلى منطقة وهي منطقة العقيدة والتوحيد أَمَرَ ببرهما {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15] وأعطى الاهتمام الأكبر للأم في قوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} تفسير : [العنكبوت: 8] أي: الاثنين ولم يذكر حيثية للأب، إنما ذكر حيثية الأم فقال {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..} تفسير : [لقمان: 14] لأن دور الأم كان في حال الصِّغر وعدم التعقُّل لما تفعل، فدورها غائب عنك، سابق لوعيك وإدراكك للأمور، فلما كبرت عرفت دور الأب، لذلك ذكَّرك الحق سبحانه بدور الأم الذي غاب عنك. ثم نجد القرآن يحتاط فيراعي حقَّ التربية، حتى إنْ ربَّى غير الوالدين فيقول: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24] فمَنْ ربَّى كان في منزلة الوالدين واستحقَّ البر مثلهما تماماً. وقوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ..} [الشورى: 23] يعني: يفعل طاعة لله {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ..} [الشورى: 23] فالأمر لا يقف عند حد المودة، إنما أيضاً ترعاهم فيما يحتاجون إليه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23] غفور وشكور صيغة مبالغة من غافر وشاكر، فالحق سبحانه واسع المغفرة كثير الشكر، يغفر لمن تاب إليه ويشكر مَنْ أطاعه، والشكر يكون بالزيادة كما قال سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} معناه يَكتَسِبُ وكذلك يَجترحُ.

الجيلاني

تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من الفضل والفوز هو {ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ} المنعم المفضل به {عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة ذاته {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المفيضة الموصلة لهم إلى توحيد أفعاله وصفاته {قُل} يا أكمل الرسل بعدما بينت لهم طريقي الهداية والضلال، وبلغت ما يوصل بوحي إليك للإرشاد والتكميل إياهم: {لاَّ أَسْأَلُكُمْ} أي: على تبليغي وتبشيري إياكم {عَلَيْهِ أَجْراً} جعلاً منكم ونفعاً دنيوياً {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي: ما أطلب منكم نفعاً دنيوياً بل أطلب منكم محبة أهل بيتي ومودتهم؛ ليدوم لكم طريق الاستفادة والاسترشاد منهم؛ إذ هم مجبولون على فطرة التوحيد الذاتي مثلي. روي أنها لما نزلت، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرابتك؟ قال: "حديث : علي وفاطمة وأبنهائمها ". تفسير : وكفاك شاهداً على ذلك ظهور الأئمة الذين هم أكابر أولي العزائم في طريق الحق وتوحيده، صلوات الله على أسلافهم وسلامه عليهم وعلى أخلافهم، ما تناسلوا بطناً بعد بطن. {وَمَن يَقْتَرِفْ} ويكتسب متابعة الرسول وأهل بيته {حَسَنَةً} دينية حقيقة {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا} أي: فيما يترتب عليها من الكرامات الأخروية {حُسْناً} أي: زياة حسن تفضلاً منَّا وإحساناً {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم عباده ونياتهم {غَفُورٌ} لذنوب من أحب أهل بيت حبيبه لرضاه سبحانه {شَكُورٌ} [الشورى: 23] يوفي عليهم الثواب، ويوفر عليهم أنواع الكرامات. أينكرون مطلق رتبة النبوة والرسالة؟! أولئك المنكرون المعاندون {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ} محمد صلى الله عليه وسلم {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} واختلق آيات مفتريات ترويجاً لمدعاه، وما قولهم هذا وزعمهم بك يا أكمل الرسل بأمثاله إلا قول باطل، وزعم زاهق زائغ {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ} الغني بذاته عن عموم مظاهره ومصنوعاته {يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} كما ختم على قلوبهم، ويضلك عن طريق توحيده مثل ما أظلهم {وَ} بعد ذلك {يَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} لو تعلق مشيئته {وَيُحِقُّ} ويثبت {ٱلْحَقَّ} الحقيق بالإطاعة والاتباع {بِكَلِمَاتِهِ} التي هي آيات القرآن بلا سفارتك ورسالتك، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {عَلِيمٌ} يعلمه بعلمه الحضوري {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الشورى: 24] فيظهر عليهم ما هو مكنون في صدورهم وضمائرهم، ويجازيهم بمقتضاهز {وَ} كيف لا يعلم سبحانه بمكنونات صدورهم {هُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} الصادرة عن محض الندم والإخلاص اللذين هما من أفعال القلوب {عَنْ عِبَادِهِ} المسترجعين نحوه بكمال الخشية والخضوع {وَ} بعد قبول التوبة عنهم {يَعْفُواْ} ويتجاوز {عَنِ} مطلق {ٱلسَّيِّئَاتِ} الصادرة عنهم على سبيل الغفلة {وَ} بالجملة {يَعْلَمُ} منكم جميع {مَا تَفْعَلُونَ} الشورى: 25] بظواهرهم وبواطنكم. {وَيَسْتَجِيبُ} أي: بحيث يقبل توبة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ترحماً لهم وإشفاقاً، بعدما رجعوا نحوه تائبين نادمين عما فعلوا {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} بدل إخلاصهم واستحيائهم منه سبحاه من الكرامات ما لا يكتنه وصفه {وَٱلْكَافِرُونَ} الساترون بأباطيل هوياتهم، وما صدر منها من الجرائم والآثام شمس الحق الحقيق بالكشف والظهور {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 26] حين رجعوا إلى الله، وحشروا نحوه مهانين صاغرين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ذَلِكَ} [الشورى: 23] الفضل الكبير {ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الشور ى: 23] به فضل من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم مبشر به بأن الله يبشرهم على لسانه، {قُل} يا محمد {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [الشورى: 23]؛ أي: على التبشير {أَجْراً} [الشورى: 23]؛ لأن الله ليس يطلب منكم على الفضل عوضاً، فأنا أيضاً لا أسألكم على التبشير أجراً، فإن المؤمن أخذ من الله خلقاً حسناً، فكما أن الله تعالى بفضله يوفق العبد للإيمان ويعطي الثواب لمن آمن به وليس يرضي بأن يعطيك فضله مجاناً؛ بل يعطيك عليه أجراً، كذلك ليس يرضى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطلب أجراً على التبليغ والتبشير؛ بل يشفع ذلك. وقوله: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23] ذلك أيضاً ليثبت الله قلبك على المحبة في الله، وهو أن توّد من يتقرب إلى الله بالطاعة، {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} [الشورى: 23] بالتضعيف والتوفيق لمثلها والإخلاص فيها، وبزيادة لا يصل العبد إليها بوسعه مما يدخل تحت طوف البشر، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [الشورى: 23] للمقصرين على الطاعة برحمته، {شَكُورٌ} [الشورى: 23] للموفرين في الطاعة فوق استطاعتهم فيها، {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} [الشورى: 24]؛ أي: أنك إن افتريته ختم الله على قلبك ولكنك لم تكذب على ربك، ولو كنت تكذب على ربك لختم على قلبك، {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} [الشورى: 24]؛ أي: الكذب {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} [الشورى: 24]؛ أي: الصدق، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الشورى: 24] ومعنى الآية: إن الله يتصرف في عباده بما يشاء من إبعاد قريب وإدناء بعيد. ثم أخبر عن قبول التوبة وعفو السيئة بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25] يشير إلى أن الله تعالى إذا أراد أن يتوب على عبد من عباده ليرجع من أسفل سافلين البعد إلى أعلى عليين القرب يخلصه عن رق عبودية ما سواه بتصرف جذبات العناية، ثم يوفقه للرجوع إلى الحضرة، ويقبل منه الرجوع بالتقرب إليه كما قال: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"تفسير : ؛ أي: من تقرب إلي شبراً بالتوبة تقربت إليه ذراعاً بالقبول، ولو لم يكن القبول سابقاً على التوبة لما تاب، كما قال بعضهم لبعض المشايخ: أن أتوب إلى الله هل يقبلني، قال: إن يقبلك الله تتوب إليه، {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]؛ أي: يعفو عن كثير من الذنوب التي لا يطلع العبد عليها ليتوب عنها، وأيضاً يعفو عن كثير من الذنوب قبل التوبة ليصير العبد به قابلاً للتوبة وإلا لما تاب، {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25] من السيئات والحسنات مما لا يعلمون إنها من السيئات والحسنات، فبتلك الحسنات يعفو عن السيئات، {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الشورى: 26]؛ يعني: ويعطيهم الثواب في الآخرة ويجيبهم ما سألوه {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} [الشورى: 26] بهذه الزيادة يشير إلى الرؤية، فإن الجنات ونعيمها مخلوقة تقع في مقابلة مخلوق مثلها، وهو عمل العبد والرؤية مما يتعلق بالقديم فلا تقع إلا في مقابلة القديم، وهو الفضل الرباني كقوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]؛ أي: للذين أحسنوا بالإيمان والعمل الصالح لهم الجنان ونعيمها، والزيادة هي الرؤية التي من فضل الله يؤتيها من يشاء، ولما ذكر أنه تعالى يقبل توبة التائبين ومن لم يتب يغفر ذلتهم، والمطيعون يدخلهم الجنة، فلعل يخطر ببال أحدهم أن هذه النار فلمن هي؟ قال تعالى: {وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 26] فلعل خطر ببالهم أن العصاة من المؤمنين لا عذاب لهم فقال الله: {وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 26] فدليل الخطاب: إن المؤمنين لهم عذاب ولكن ليس بشديد، ثم إن العبد لم يتب خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة، لكان في حقه أن يتوب ليقبل الحق سبحانه، ثم إن العاصي يكون أبداً منكسر القلب فإذا علم أن الله يقبل الطاعة من المطيعين يتمنى أن له طاعة يسيرة ليقبلها الله فيقول الحق: عبدي، إذ لم تكن لك طاعة تصلح للقبول فلك توبة إن أتيت بها تصلح لقبولنا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 864 : 1 : 18 - سفين {ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} مخففة. [الآية 23].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ/ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [23] 494 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن جعفرٍ، حدَّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت طاووساً، يقول: سُئل ابن عباسٍ عن هذه الآية: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}، قال سعيد بن جبيرٍ: قربى آل محمد (صلى الله عليه وسلم). قال ابن عباسٍ: عجلت، حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطنٌ من بطون قريشٍ، إلا وله فيهم قرابةٌ. قال: إلاَّ/ أن تصلوا ما بيني وبينهم من القرابة .

همام الصنعاني

تفسير : 2735- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}: [الآية: 23]، قَالَ: لا أسألكم أجراً على هذا الذي جئتكم به، إلا أن توَادُّوني لِقرابتي، قال: فكل قريش بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة. 2736- حدثنا عبد الرزاق، قال: معمر، وقال الحسن، إلا أن توَدَّدُوا إلَى الله فيما يقربكم إليه.