Verse. 4296 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

اَمْ يَقُوْلُوْنَ افْتَرٰى عَلَي اللہِ كَذِبًا۝۰ۚ فَاِنْ يَّشَاِ اللہُ يَخْتِمْ عَلٰي قَلْبِكَ۝۰ۭ وَيَمْحُ اللہُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمٰتِہٖ۝۰ۭ اِنَّہٗ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۲۴
Am yaqooloona iftara AAala Allahi kathiban fain yashai Allahu yakhtim AAala qalbika wayamhu Allahu albatila wayuhiqqu alhaqqa bikalimatihi innahu AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بل «يقولون افترى على الله كذباً» بنسبة القرآن إلى الله تعالى «فإن يشأ الله يختم» يربط «على قلبك» بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره، وقد فعل «ويَمْحُ الله الباطل» الذي قالوه «ويحق الحق» يثبته «بكلماته» المنزلة على بنيه «إنه عليم بذات الصدور» بما في القلوب.

24

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الميم صلة، والتقدير أيقولون افترى. واتصل الكلام بما قبلُ؛ لأن الله تعالى لما قال: {أية : وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ} تفسير : [الشورى: 15]، وقال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الشورى: 17] قال إتماماً للبيان: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً» يعني كفار قريش قالوا: إنّ محمداً اختلق الكذب على الله. {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ} شرط وجوابه. {عَلَىٰ قَلْبِكَ} قال قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن؛ فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد ومقاتل: «إِنْ يَشَإِ اللَّهُ» يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم. وقيل: المعنى إن يشأ يزل تمييزك. وقيل: المعنى لو حدّثت نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع على قلبك؛ قاله ابن عيسى. وقيل: فإن يشإِ الله يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب. فالخطاب له والمراد الكفار؛ ذكره القشيري. ثم ابتدأ فقال: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} (قال ٱبن الأنباري: «يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ» تام. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير؛ مجازه: والله يمحو الباطل)؛ فحذف منه الواو في المصحف، وهو في موضع رفع. كما حُذفت من قوله: {أية : سَنَدْعُو ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 18]، {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الإسراء: 11] ولأنه عطف على قوله: «يَخْتمْ عَلَى قَلْبِكَ». وقال الزجاج: قوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تفسير : [الشورى: 24] تمام؛ وقوله: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} احتجاج على من أنكر ما أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لو كان ما أتى به باطلاً لمحاه كما جرت به عادته في المفترين. {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} أي الإسلام فيثبته {بِكَلِمَاتِهِ} أي بما أنزله من القرآن. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } عام، أي بما في قلوب العباد. وقيل خاص. والمعنى أنك لو حدّثت نفسك أن تفتري على الله كذباً لعلِمه وطبع على قلبك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بل {يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بنسبة القرآن إلى الله تعالى {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ } يربط {عَلَىٰ قَلْبِكَ } بالصبر على آذاهم بهذا القول وغيره، وقد فعل {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَٰطِلَ } الذي قالوه {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ } يثبته {بِكَلِمَٰتِهِ } المنزلة على نبيه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب.

ابن عطية

تفسير : {أم} هذه أيضاً منقطعة مضمنة إضراباً عن كلام متقدم وتقريراً على هذه المقالة منهم. وقوله تعالى: {فإن يشأ الله يختم} معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مفترياً وأنت من الله بمرأى ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً. وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره، المعنى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم. وقوله تعالى: {ويمح} فعل مستقبل خبر من الله أنه يمحو الباطل ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب نازلة. وكتبت {يمح} في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا: {أية : ويدع الإنسان} تفسير : [الإسراء: 11] إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار. وقوله: {بكلماته} معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها. وقوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} خبر مضمنه وعيد. ثم ذكر النعمة في تفضله بقبول التوبة عن عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه وأعماله مقطوع به بهذه الآية، وأما ما سلف من أعماله فينقسم: فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية، وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة قولان، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مذهبة لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة الله تعالى، وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد. وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها الندم على ما فات، والعزم على ملازمة الخيرات. وقال سري السقطي: والتوبة: العزم على ترك الذنوب، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب. وقال يحيى بن معاذ: التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام. وقوله تعالى: {عن عباده} بمعنى: من عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده. وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة: "يفعلون" بالياء على الكناية عن غائب. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة: "تفعلون" بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعد. وقوله تعالى: {ويستجيب} قال الزجاج وغيره معناه: يجيب، والعرب تقول: أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر [كعب بن سعد الغنوي]: [الطويل] شعر : وداع دعا يا من يجيب الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : و: {الذين} على هذاا لقول مفعول بـ {يستجيب}، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ودل قوله: {ويزيدهم من فضله} على أن المعنى فيجيبهم، وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي طلب الشيء. و: {الذين} على هذا القول فاعل بـ {يستجيب}. وقالت فرقة: المعنى ويجيب المؤمنون ربهم، فـ {الذين}: فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته. والزيادة من فضله: هي تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هي قبول الشفعات في المذنبين والرضوان ". تفسير : وقوله تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} قال عمرو بن حريث وغيره إنها نزلت لأن قوماً من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنه تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح وتكتف عاديته إلا بالفقر وآخر بالغنى. وروى أنس بن مالك في هذا المعنى التقسم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني. وقال خباب بن الأرتّ: فينا نزلت: {ولو بسط الله الرزق} الآية، لأنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت الآية.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} ينسيك ما أتاك من القرآن، أو يربط على قلبك فلا يصل إليك الأذى بقولهم {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}، أو لو حدثت نفسك بأن تفتري على الله كذباً لطبع على قلبك.

الخازن

تفسير : {أم يقولون} أي بل يقول كفار مكة {افترى على الله كذباً} فيه توبيخ لهم معناه أيقع في قلوبهم ويجري على لسانهم أن ينسبوا مثله إلى الكذب وأنه افترى على الله كذباً وهو أقبح أنواع الكذب {فإن يشأ الله يختم على قلبك} أي يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم وقولهم إنه مفتر وقيل معناه يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله بالفعل به ما أخبر به في هذه الآية {ويمح الله الباطل} أخبره الله تعالى أن ما يقولونه الباطل والله عز وجل يمحوه {ويحق الحق بكلماته} أي يحق الإسلام بما أنزل من كتابه وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام {إنه عليم بذات الصدور} قال ابن عباس: لما نزلت {أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} تفسير : [الشورىٰ: 23] وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبره أنهم اتهموه وأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل قوله عز وجل: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أولياؤه وأهل طاعته. (فصل في ذكر التوبة وحكمها) قال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً. فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة والشرط الرابع أن يبرأ من حق صاحبها فهذه شروط التوبة وقيل التوبة الانتقال عن المعاصي نية وفعلاً والإقبال على الطاعات نية وفعلاً، وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة (خ). عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" تفسير : (م) عن الأغر بن بشار المزني قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" تفسير : (ق) عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده الدوية الفلاة والمفازة" تفسير : (ق) عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة" تفسير : ولمسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة فرحه اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" تفسير : عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها}" تفسير : الآية أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (م). عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"تفسير : وقوله عز وجل: {ويعفوا عن السيئات} أي يمحوها إذا تابوا {ويعلم ما تفعلون} يعين من خير وشر فيجازيهم عليهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ما تفعلون} على الخطاب: حمزة وعلي وحفص {ينزل الغيث} بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم {ينزل} بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {بما كسبت} بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون {فبما كسبت} بالفاء {الجواري} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل. وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة {الرياح} نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع. {ويعلم الذين} بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع. الباقون: بالنصب {كبير الإثم} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. {أو يرسل} بالرفع {فيوحى} بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بالنصب فيهما. الوقوف: {كذباً} ج للشرط مع فاء التعقيب {قلبك} ط لأن ما بعده مستأنف {بكلماته} ط {الصدور} ه {تفعلون} ه لا {فضله} ط {شديد} ه {يشاء} ط {بصير} ه {رحمته} ط {الحميد} ه {دابة} ط {قدير} ه {كثير} ه {في الأرض} ط {ولا نصير} ه {كالأعلام} ه ط {على ظهره} ط {شكور} ه لا {كثير} ه لا لمن رفع {ويعلم} ومن نصب فوقفه مجوز {آياتنا} ط {محيص} ه {الدنيا} ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف {يتوكلون} ه ط {يغفرون} ه ج {الصلاة} ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول {بينهم} ص لذلك {ينفقون} ه ج {ينتصرون} ه {مثلها} ج {على الله} ط {الظالمين} ه {سبيل} ه ط {الحق} ط {أليم} ه {الأمور} ه {بعده} ط {من سبيل} ه ج للآية مع العطف {خفي} ط {القيامة} ط {مقيم} ه {من دون الله} ط {سبيل} ط {من الله} ط {نكير} ه {حفيظاً} ط {البلاغ} ط {بها} ج {كفور} ه {والأرض} ط {ما يشاء} ط {الذكور} ه لا {وإناثاً} ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل {عقيماً} ه {قدير} ه {ما يشاء} ط {حكيم} ه {أمرنا} ط {عبادنا} ط {مستقيم} ه {وما في الأرض} ط {الأمور} ه. التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال {أم يقولون افترى} قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله {فإن يشاء الله يختم على قلبك} أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم. والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه. وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله {أية : لقطعنا منه الوتين}تفسير : [الحاقة:46] قاله قتادة. وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه. ثم استأنف فقال {ويمح الله الباطل} أي من عادته ذلك فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله {أية : ويدع الإنسان}تفسير : [الإسراء:11] {أية : سندع الزبانية}تفسير : [العلق:18] وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله {أية : ويحق الحق بكلماته}تفسير : [يونس:82] أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه. ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم {إنه عليم بذات الصدور} فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم. أما الضمير في قوله {ويستجيب} فعائد إلى الله سبحانه وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً. وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله. قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم. وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ {أية : والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا}تفسير : [يونس:25] وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله. وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر شعر : قوم إذا نبت الربيع بأرضهم نبتت عداوتهم مع البقل تفسير : وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى. وقوله {بقدر} أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله {أية : وما ننزله إلا بقدر معلوم}تفسير : [الحجر: 21] وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال {وهو الذي ينزل الغيث} الآية. ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر {وهو الولي} الذي يتولى أمور عباده {الحميد} على كل ما يفعله. ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله {ومن آياته خلق السموات والأرض} ومحل قوله {وما بث} إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق. وإنما قال {فيهما من دابة} مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط. ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض. {وهو على جمعهم} أي إحيائهم بعد الموت {إذا يشاء قدير} وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في {يشاء} يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة. ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً. قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً. وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء. ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي رضي الله عنه: هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله. وذلك أنه تعالى قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً. روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه. فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة". قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن. وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم. ثم خاطب المشركين بقوله {وما أنتم بمعجزين} الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً {ومن آياته الجواري} أي السفن الجواري {في البحر كالأعلام} أي كالجبال في العظم. ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر {إن في ذلك لآيات لكل صبار} على البلاء {شكور} على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها {أو} أن يشأ {يوبقهن} أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره {بما كسبوا} من كفران نعم الله وعصيانه {ويعف عن كثير} من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة. والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم. من رفع {ويعلم} فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف. وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء. تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك. ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً. ثم استأنف قوله {ما لهم من محيص} أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه. ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}تفسير : [النساء:31] {أية : إنما حرم ربي الفواحش}تفسير : [الأعراف:33] ومن قرأ {كبير} على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره. قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية. قال المفسرون: نزل قوله {والذين استجابوا لربهم} في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور. وليس بين قوله {هم ينتصرون} أي ينتقمون وبين قوله {يغفرون} منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة. ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال {وجزاء سيئة سيئة مثلها} حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً. وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود. وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه. وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي. ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً {فمن عفى وأصلح} ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو {فأجره على الله} فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله {إنه لا يحب الظالمين} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" تفسير : ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال {ولمن انتصر} الآية. وقوله {بعد ظلمه} من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله {الأمور} وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته. والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة. ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار. الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله {من الذل} وقد يعلق بـ {ينظرون} أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم. ثم حكى قول المؤمنين فيهم {ويوم القيامة} ظرف {لخسروا} كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا. وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال. والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم. ثم سلى نبيه بقوله {فإن أعرضوا} ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء. وإنما جمع قوله {وإن تصبهم} لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم. وقوله {فإن الإنسان} من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها. ثم بين كمال قدرته بقوله {لله ملك السموات والأرض} الآية. والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه. ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد. وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء. أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم. وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح. ولا ريب أن هذا أولى من العكس. وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله. وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر. ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام. ثم قال {أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً} فأعطى كلا الجنسين حقه. ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا. وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد. وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم عليه السلام ذكوراً، ولمحمد صلى الله عليه وسلم ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً. والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن. وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله {وما كان لبشر} أي وما صح لأحد {أن يكلمه الله إلا} على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده. وعن مجاهد أن داود عليه السلام ألهمه الزبور فكتبه حفظاً. الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب. والمجسمة استدلوا به على أنه تعالى في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة. وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم. وقيل: حجاب لموضع الكلام. الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله. والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه سبحانه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل. ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على {وحياً} بمعنى موحياً. وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي. وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة. فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك. وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة. قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل {وكذلك أوحينا إليك} ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث. ومعنى {روحاً من أمرنا} قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله {أية : يلقى الروح من أمره}تفسير : {غافر:15] و {ما كنت تدري} في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي {ما الكتاب ولا الإيمان} يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع. وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في {جعلناه} للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً. ووحد كقوله {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11] وهداية الله خاصة. وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}[24] قال: يختم على قلبك الشوق والمحبة، فلا تلتفت إلى الخلق، ولا تشتغل في حبهم وإتيانهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} [الآية: 24]. قال سهل: يختم على قلبك ختم عليه الشوق والمحبة فلا تلتفت إلى الخلق ولا تشتغل بإجابتهم وإيابهم. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: يختم على قلبك بما يشاء ويمحو الله الباطل بنفسه ونعته حتى يعلم أنه لا حاجة به إلى مبلغه ثم يتحقق الحق فى قلوب أنشأها للحقيقة.

القشيري

تفسير : أي أَنَّك إنْ افترَيْتَه خَتَمَ اللّهُ على قلبِكَ، ولكنكَ لم تكذِبْ على ربِّكَ. ومعنى الآية أنَّ اللَّهَ يتصرَّف في عباده بما يشاء: مِنْ إبعادٍ وتقريب، وإدناء وتبعيد.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} بين الله سبحانه قدس استغنائه عن المخلوقين حتى من نبيّه وصفيّه وجميع الملائكة والرسل بانهم لو خالطوا حاشاهم فى أياته وبيان شريعته ليمحوا وجودهم وقلوبهم وما لا يليق بدينه ويثبت الحق والحقيقة بكلماته الازلية التى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه نزيل من حكيم حميد وفيه تقديس كلامه وطهارة بنيه عليه الصلاة والسّلام عن الافتراء وكيف يفترى وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه وفيه من النكت الغريبة اى لو تظهر سر السر وغيب الغيب تربط على قلبك لطف الصحو حتى لا تفشى سرّنا من سكرك فيهلك العباد فيه قال سهل يختم على قلبك ختم غلبة الشوق والمحبة فلا تلتفت الى الخلق وتشتغل باجابتهم وأبائهم وقال الواسطى أن يشاء الله يختم على قلبك بما شاء ويمح الله الباطل بنفسه ونعته حتى يعمل انه لا حاجة بها لى احد من خلقه ثم يحقق الحق فى قلوب أنشاها للحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام يقولون} ام منقطعة اى بل ايقولون يعنى كفار مكة على انه اضراب عن قوله ام لهم شركاء الخ {افترى} محمد {على الله كذبا} بدعوى النبوة وتلاوة القرءآن على ان الهمزة للانكار التوبيخى كأنه قيل ايتما لكون ان ينسبوا مثله عليه السلام وهو هو الى الافترآء لا سيما الافترآء على الله الذى هو اعظم الفرى وافحشها والفرق بين الافثرآء والكذب ان الافترآء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه {فان يشأ الله يختم على قلبك} استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله لمنعه من ذلك قطعا وتحقيقه ان دعوى كون القرءآن افترآء على الله قول منهم بأنه تعالى لا يشاء صدوره عن النبى بل يشاء عدم صدوره عنه ومن ضرورته منعه عنه قطعا فكأنه قيل لو كان افترآء عليه تعالى لشاء عدم صدوره عنه وان يشأ ذلك يختم على قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنى من معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه وحيث لم يكن الامر كذلك بل تواتر الوحى حينا فحينا تبين أنه من عند الله كما قال فى التأويلات النجمية يعنى انك ان افتريته ختم الله على قلبك ولكنك لم تكذب على ربك فلم يختم على قلبك. يعنى مهرنهد بردل تو وبيغام خويش ازان ببرد. وفيه اشارة الى أن الملائكة والرسل والورثة محفوظون عن المغالطة فى بيان الشريعة والافترآء على الله فى شىء من الاشياء. درحقائق سلمى ازسهل بن عبد الله التسترى قدس سره نقل ميكندكه مهر شوق ازلى ومحبته لم يزلى بردلى تونهدتا التفات بغيرنكنى و ازاجابت واباى خلق فارغ كردى {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته} استئناف مقرر لنفى الافترآء غير معطوف على يختم كما ينبئ عنه اظهار الاسم الجليل وصيغة المضارع للاستمرار وكتبت يمح فى المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا ويدع الانسان ويدع الداع وسندع الزبانية مما ذهبوا فيه الى الحذف والاختصار نظرا الى اللفظ وحملا للوقف على الوصل يعنى أن سقوط الواو لفظا للالتقاء الساكنين حال الوصل وخطا ايضا حملا للخط على اللفظ اى على أنه خلاف القياس وليس سقوطها منه لكونه مجزوما بالعطف على ما قبله لاستحالة المعنى لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا لا معلقا بالشرط والمعنى ومن عادته تعالى ان يمحو الباطل ويثبت الحق بوحيه او بقضائه فلو كان افترآء كما زعموا لمحقه ودفعه ويجوز ان يكونه عدة لرسول الله عليه السلام بانه تعالى يمحو الباطل الذى هم عليه عن البهت والتكذيب ويثبت الحق الذى هو عليه بالقرءآن او بقضائه الذى لا مرد له بنصرته عليم فالصيغة على هذا للاستقبال {انه عليم بذات الصدور} بما تضمره القلوب فيجرى عليها احكامها اللائقة بها من المحو والاثبات (قال الكاشفى) شعر : راستى تو و مظنه افترآى ايشان بتوبر و مخفى نيست تفسير : ولم يقل ذوات الصدور لارادة الجنس وذات ههنا تأنيث ذى بمعنى صاحب فحذف الموصوف واقيمت صفته مقامه اى عليم بالمضمرات صاحبة الصدور وهى الخواطر القائمة بالقلب من الدواعى والصوارف الموجودة فيه وجعلت صاحبة للصدور بملازمتها وحلولها فيها كما يقال للبن ذو الاناء ولولد المرأة هو جنين ذو بطنها وفى الآية اشارة الى أن الله تعالى يتصرف فى عباده بما يشاء من ابعاد قريب وادناء بعيد (روى) أن رجلا مات فاوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام مات ولى من اوليائى فاغسله فجاء موسى عليه السلام فوجده قد طرحه الناس فى المزابل لفسقه فقال موسى عليه السلام يا رب انت تسمع مقالة الناس فقال الله يا موسى انه تشفع عند موته بثلاثة اشياء لو سأل منى جميع المذنبين لغفرت لهم الاول انه قال يا رب انت تعلم انى وان كنت ارتكبت المعاصى بتسويل الشيطان وقرين السوء ولكنى كنت اكرهها بقلبى والثانى انى وان كنت مع الفسقة بارتكاب المعاصى ولكن الجلوس مع الصالحين احب الى والثالث لو استقبلنى صالح وفاجر كنت اقدم حاجة الصالح فبهذه الثلاثة ادناه الله منه وجعله من المقربين عنده بعدما ابعده هو والناس فعلى العاقل اصلاح الصدر والسريرة وفى الخبر "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم بل الى قلوبكم واعمالكم" تفسير : يعنى ان كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونوا مقبولين مطلقا والا فلا وربما يهتدى الى الطريق المستقيم من مضى عمره فى الضلال وذلك لأن شقاوته كانت شقاوة عارضة والعبرة للحكم الازلى والسعادة الاصلية فاذا كان كذالك فيمحو الله الباطل وهو الكفر ويثبت الحق وهو الاسلام وربما يختم على قلب من مضى وقته على الطاعة فيصير عاقبة الى المعصية بل الى الكفر كبلعام وبرصيصا ونحوهما مما كانت شقاوته اصلية وسعادته عارضة (قال الحافظ) شعر : جون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست آن به كه كار خود بعنايت رها كنند تفسير : والله المعين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أم يقولون} أي: بل أيقولون {افْتَرى} محمد {على اللهِ كذباً} في دعوة النبوة، أو القرآن؟ والهمزة للإنكار التوبيخي، كأنه قيل: أيمكن أن ينسبوا مثله ـ عليه الصلاة والسلام ـ للافتراء، لا سيما لعظم الافتراء، وهو الافتراء على الله، فإن الافتراء إنما يُسام به أبعد خلق الله، ومَن هو عرضة للختم والطبع، فالعجب ممن يفوه به في جانب أكرم الخلق على الله. {فإِن يشإِ يختمْ على قلبك}، هذا استبعاد للافتراء على مثله؛ لأنه إنما يجترىء على الله مَن كان مختوماً على قلبه، جاهلاً بربه، أمَّا مَن كان على بصيرة ومعرفة بربه، فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك، لتجترىء بالافتراء عليه، لكنه لم يفعل فلم تفتر. أو: فإن يشأ الله عدم صدور القرآن عنك يختم على قلبك، فلم تقدر أن تنطق بحرف واحد منه، وحيث لم يكن كذلك، بل تواتر الوحي عليك حيناً فحيناً؛ تبين أنه من عند الله تعالى. وهذا أظهر. وقال مجاهد: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، وعلى قولهم: افترى على الله كذباً؛ لئلا تدخله مشقة بتكذيبهم. هـ. {ويَمْحُ اللهُ الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ بكلماته}، استئناف مقرر لنفي الافتراء، غير معطوف على "يختم" كما ينبىء عنه إظهار الاسم الجليل، وإنما سقطت الواو ـ كما في بعض المصاحف ـ لاتباع اللفظ، كقوله تعالى: {أية : وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ...} تفسير : [الإسراء: 11] مع أنها ثابتة في مصحف نافع. قاله النسفي. أي: ومن شأنه تعالى أن يمحق الباطل، ويثبت الحق بوحيه، أو بقضائه، كقوله تعالى: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} تفسير : [الأنبياء: 18]، فلو كان افتراء كما زعموا لمحقه ودمغه. أو: يكون عِدةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى يمحو الباطل الذي هم عليه، ويثبت الحق الذي هو عليه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له بنصره عليهم، وقد فعل ذلك، فمحا باطلهم، وأظهر الإسلام. {إِنه عليم بذاتِ الصدور} أي: عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك من المحو والإثبات. {وهو الذي يقبل التوبةَ عن عباده}. يقال: قبلت الشيء منه: إذا أخذته منه، وجعلته مبدأ قبولك، وقبلتَه عنه، أي: عزلته وأبنته عنه. والتوبة: الرجوع عن القبيح بالندم، والعزم ألا يعود، ورد المظالم واجب غير شرط. قال ابن عباس: لما نزل. {قل لا اسألكم عليه أجراً...} الآية. قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده، فأخبر جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد اتهموه، وأنزل: {أم يقولون افترى على الله كذباً...} الآية، فقال القوم: يا رسول الله؛ فإنا نشهد أنك صادق. فنزل: {وهو الذي يقبل التوبة...} هـ. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد، فمَن تاب إلى الله توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، ولو كانت بقاعُ الأرض خطاياه وذنوبه ". تفسير : واختلف العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها، فقال جابر بن عبد الله: دخل أعرابي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أستعيذك وأتوب إليك، سريعاً، وكبّر، فلما فرغ من صلاته، قال له عليّ: ما هذا؟ إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: أسم يقع على ستة معانٍ: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وعن السدي: هي صدقُ العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علاّم الغيوب. وعن سهل: هي الانتقالُ من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وعن الجنيد: هي الإعراض عما سوى الله. قال الله تعالى: {ويعفو عن السيئاتِ} وهو ما دون الشرك، يعفو لمَن يشاء بلا توبة، {ويعلم ما تفعلون} كائناً ما كان، من خير أو شر، حسبما تقتضيه مشيئته. {ويستجيبُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: يستجيب لهم فحذف اللام كما في قوله: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ} تفسير : [المطففين: 3] أي: يجيب دعوتهم، ويثيبهم على طاعتهم، أو: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها. قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا نُجاب؟ قال: "لأنه دعاكم فلم تُجيبوا". {ويَزِيدُهُمْ من فضله} على ما سألوه، واستحقوه بموجب الوعد. {والكافرون لهم عذابٌ شديد} بدل ما للمؤمنين من الفضل العظيم والمزيد. الإشارة: قال الورتجبي: {أم يقولون افترى على الله كذباً} فيه تقديس كلامه، وطهارة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الافتراء، وكيف يفتري وهو مصون من طريان الشك والريب والوساوس والهواجس على قلبه؟ وقال أيضاً: عن الواسطي: إن يشأ الله يختم على قلبك لكن ما يشاء، ويمح الله الباطل بنفسه ونعته، حتى يعلم أنه لا حاجة له إلى أحد من خلقه، ثم يحقق الحق في قلوب أنشأها للحقيقة. قلت: في الآية تهديد لأهل الدعوى؛ لأنهم إن داموا على دعواهم الخصوصية بلا خصوصية؛ ختم الله على قلوبهم بالنفاق، ثم يمحو الله الباطل بأهل الحق والتحقيق، فتُشرق حقائقهم على ما يقابلها من البال فتدمغه بإذن الله وقضائه وكلماته. وقوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده...} الخ، لكل مقام توبة، ولكل رجال سيئات، فتَوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من العيوب، وتوبة خواص الخواص من الغيبة عن شهود علاّم الغيوب. وقوله تعالى: {ويعلم ما تفعلون} يشير إلى الحلم بعد العلم. وقوله تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: في كل ما يتمنون، {ويزيدهم من فضله} النظر إلى وجهه، ويتفاوتون فيه على قدر توجههم، ومعرفتهم في الدنيا. وذكر في القوت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: {ويزيدهم من فضله} قال: "حديث : يُشفعهم في إخوانهم، فيدخلهم الجنة"تفسير : . هـ. قال القشيري: ويقال: لمَّا ذكر أن التائبين يقبل توبتهم، ومَنْ لم يَتُبْ يعفو عن زلَّته، والمطيع يدخله الجنة، فلعله خطر ببال أحد: فهذه النار لمَن هي؟ فقال {والكافرون لهم عذاب شديد}، ولعله يخطر بالبال أن العصاة لا عذاب لهم، فقال: (شديد) بدليل الخطاب أنه ليس بشديد هـ. ولمّا ذكر أن أهل الإيمان يستجيب لهم، ويزيدهم من فضله، يعني في الآخرة، وأما في الدنيا فإنما يعطيهم الكفاف، ذكر حكمة ذلك، فقال: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ}.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} قد مضى وجه نزول هذه الآية {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} حتّى تفترى على الله فاشكر نعمة عدم الختم والايحاء اليك فيكون اظهاراً لمنّته عليه بشرح صدره وعدم ختمه، او المعنى ان يشأِ الله عدم اظهار فضل عترتك يختم على قلبك حتّى لا يوحى اليك فضل اهل بيتك فأظهر فضل اهل بيتك ولا تبال بردّهم وقبولهم فانّ الله حافظٌ لهم ومظهرٌ لفضلهم ويكون تسلية له (ص) عن انكار قومه {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} فلو كان قول محمّدٍ (ص) افتراء وباطلا لمحاه الله عن الايّام والحال انّه فى ازدياد الثّبات فى الايّام {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} فلو لم يكن قوله حقّاً لما حقّ بكلماته التّكوينيّة الّتى هى افراد البشر، او المعنى انّه يمح الله الباطل عن القلوب من الشّك والرّيب فى اهل بيتك ويحقّ الحقّ الّذى هو ولاية اهل بيتك فى القلوب فى امد الزّمان، او المعنى انّه يمح الله الباطل عن الزّمان ويحقّ الحقّ الّذى هو علىّ (ع) والائمّة (ع) وولايتهم {بِكَلِمَاتِهِ} الّذين هم خلفاؤك بعدم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيعلم ما يلج فى قلوب المنافقين من عداوتك وعداوة اهل بيتك.

الأعقم

تفسير : {أم يقولون} هؤلاء الكفار {افترى} محمد {على الله كذباً} فيما يقول أنه رسوله {فإن يشأ الله يختم على قلبك}، قيل: يربط على قلبك حتى لا يشق عليك أذاهم، وقيل: يطبع على قلبك ينسيك القرآن، وهو زجر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان للكفار أنه لا يفعل ما يقولون {ويمح الله الباطل} أي يزيله ويبطله {ويحق الحق بكلماته} أي يبيّنه وكلماته ما أثبته في الكتب {إنه عليم بذات الصدور} من حق أو باطل {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} عن المعاصي {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، قيل: معناه يجيب الله دعاء المؤمنين {ويزيدهم من فضله} ولا يجيب دعاء الكافرين، وقيل: يستجيب أي يقبل الله طاعتهم ويعطيهم ما يستحقون من الأجر، وقيل: الفعل للذين آمنوا، ثم اختلفوا فقيل: ولا يجيب المؤمنين ربهم فيما دعاهم، وقيل: يطيعونه فيما أمرهم به، وعن ابن عباس: والاستجابة الطاعة {والكافرون لهم عذاب شديد} أي دائم عظيم {ولو بسط الله الرزق لعباده}، قيل: لو وسع عليهم برهم وفاجرهم، وقيل: بسط بحسب ما يطلبونه ويتمنونه {لبغوا في الأرض} أي ترفع كل أحد من درجته فيبغي بعضهم على بعض، وقيل: يعصوا الله تعالى، وقيل: لو رزق العباد من غير كسب لطغوا وسعوا في الأرض فساداً ولكن شغلهم بالكسب رحمة منه {ولكن ينزل بقدر ما يشاء} بقدر صلاحهم، وقيل: يجعل واحداً غنياً وواحداً فقيراً بحسب المصلحة {إنه بعباده خبير بصير} وقد روى أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبريل عن الله تعالى في حديث طويل: "حديث : إن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم، ولو صححته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده، ذلك أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم" تفسير : ومتى قيل: فنحن نرى موسعاً عليه شكور ومضيقاً عليه يكفر، قالوا: لعل المضيق عليه يستوي حالته أو كان يزيد كفره لو أغناه والله أعلم بتفاصيل ذلك، وإنما نعلم أنه يغني ويفقر بحسب المصلحة على ما يقتضي علمه.

الهواري

تفسير : قوله: {أَمْ يَقُولُونَ} يعني المشركين {افْتَرَى} أي: محمد {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بما جاء، أي: قد قالوه {فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} فيذهب عنك النبوة التي أعطاكها، وهذا موضع القدرة، ولا تنزع منه النبوّة، كقوله: (أية : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ) تفسير : [الزمر:4]. قوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} قال الحسن: فلا يجعل لأهله في عاقبته خيراً ولا ثواباً، يعني ما عليه المشركون. {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} فينصر النبي والمؤمنين. قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور. قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} أي: إذا تابوا {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فمن قرأها بالتاء فهو يقول للنبي عليه السلام: ويعلم ما تفعلون، ومن قرأها بالياء فهو يقول للناس: ويعلم ما يفعلون. ذكروا عن بعضهم قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم تلا هذه الآية: (أية : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) تفسير : [البقرة:222]. فإذا أحب الله عبداً لم يضرّه ذنبه. قوله: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: يستجيبون لربهم، أي: يؤمنون به، كقوله: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} أي: المشركون لا يستجيبون له (أية : وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ)تفسير : ... إلى آخر الآية [الرعد: 18]. قال: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} يعني المؤمنين. أي: تضعيف الحسنات. {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: جهنم.

اطفيش

تفسير : {أَمْ} للانتقال والتوبيخ فهي بمعنى بل وهمزة التوبيخ أو الاضطراب عن كلام قبيح منهم. {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} بنسبة القرآن الى الله أو بادعاء النبوة والافتراء أقبح أنواع الكذب* {فَإِن يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} يربط عليه بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم وقد فعل، قاله مجاهد وقيل ان {يَشَأ الله} خذلانك {يَخْتِم عَلَى قَلْبِك} فينسيك القرآن والوحي ويقطعه حتى تكون ممن يخون فى الكلام ويفتري وعليه قتادة والمراد استبعاد الافتراء عن مثله والتنبيه على انه ركبوا من تخوينه أمراً عظيماً وقيل فان يشاء الله يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق بالافتراء فان الله قادر عليك فكيف تفتري وهو يبغض الافتراء ولا يصرفك عنه وقال القشيرى الخطاب لجنس القائل على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب* {وَيَمْحُ} استئناف لا عطف على {يَخْتِم} وسقوط الواو غالب المصاحف وقيل في قليلها تبعا لسقوطها نطقاً للساكنين قاله أبو حيان وابن هشام* {اللهُ الْبَاطِلَ} الذي يقولونه ويفعلونه* {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} ثبته بالقرآن فى الكلمات الاقوال الواردة بالكلمات قضاؤه ووعده فالكلمات المعاني وقد محق الباطل وأثبت الحق وأعلى كلمة الاسلام وجعل أهلها غالبين ويجوز أن يتصل معناه بمعنى قبله أي ومن عادة الله محق الباطل واحقاق الحق فلو كان مفترياً لمحقه* {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} لا يخفى عليه مطابقة ما في اللسان لما في القلب وعدمها وهو عليم بالأشياء في صاحبة الصدور أي الكائنة في صدرك وصدورهم أو بالخصلة صاحبة الصدور أو بالصدور ذواتها وأنفسها أي مطلع عليها بما فيها. وعن ابن عباس نزل {أية : الا المودة في القربى} تفسير : فوقع فى قلوب قوم انه يحثهم على أقاربه بعده فنزل {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وأخبرهم صلى الله عليه وسلم بما وقع فى قلوبهم فتابوا وقالوا انا نشهد انك صادق فأنزل.

اطفيش

تفسير : {أمْ يقُولُون} بل أيقولون بالاضراب الانتقالى والتوبيخ {افْترى} محمد صلى الله عليه وسلم {على الله كذبا} بأن قال: أرسلنى الله ولم يرسله، وأنزل على القرآن ولم ينزله، وهو صلى الله عليه وسلم بعيد عن الكذب مطلقا، ولا سيما على غيره، ولا سيما على الله سبحانه العالم بالصدق والكذب، المنتقم من الكاذبين، وكذبا مفعول به لافترى بمعنى أحدث أو صور كذبا، وان فسر بالكذب فكذبا مفعول مطلقا {فإن يَشَأ الله} الختم على قلبك، أو خذلانك أو افتراءك {يخْتِم عَلى قلبكَ} يغط على قلبك لم يخطر ببالك معنى من معانى القرآن، ولا نطق لسانك بحرف من حروفه، فلا يدخله الايمان، فتكون من المشركين المفترين الكذب، ففى هذا نفى الافتراء عنه صلى الله عليه وسلم، والتعريض بأنهم المفترون، وقيل: الختم إنساء القرآن، وأتى بأن الشرطية مع أن مشيئته للختم مجزوم بانتفائها، لأن التوفيق والخذلان فعلان من أفعاله تعالى، ولو كان قضاؤه لا يتخلف، وقيل: إرخاء للعنان، وقيل: إشعارا بعظمته واستغنائه عن الخلق، لا يحتاج الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الى غيره، ولا الى إيمان أحد. {ويَمْح الله الباطل} الشرك والمعاصى بلا ارسال نبى، ولا إنزال كتاب، والعطف على يختم، والجزم بحذف الواو {ويُحقُّ الحقَّ بكلماته} برفع المضارع، والجملة حال من لفظ الجلالة، أو مع مبتدأ يقدر، أى وهو يحق، أو الرفع على أن وما بعدها من جملة الشرط والجواب، أو يصح مرفوع حذفت الواو فى الخط كما حذفت فى اللفظ للساكن، مثل: " أية : ويدع الإنسان"تفسير : [الإسراء: 11] و " أية : سندع الزبانية " تفسير : [العلق: 18] فالعطف على أن وما بعدها، ويدل على تقدير الواو، ورفع الفعل ثبت الواو فى بعض المصاحف، ويناسبه إظهار الجلالة، والمراد كيف يفترى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، والله سبحانه يمحو الباطل، ويحق الحق، لو كان مفتريا لم يبق أمره فى ازدياد ولأذهبه الله، وكلماته القرآن {إنَّه عليمٌ بذَات الصُّدور} صدرك وصدوركم فيجازى كلا على حسب صدره.

الالوسي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ} بل أيقولون {ٱفْتَرَىٰ} محمد عليه الصلاة والسلام {عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} بدعوى النبوة أو القرآن، والهمزة للإنكار التوبيخي وبل للإضراب من غير إبطال وهو إضراب أطم من الأول، فأطم فإن إثبات ما هم عليه من الشرع وإن كان شراً وشركاً أقرب من جعل الحق الأبلج المعتضد بالبرهان النير من أوسطهم فضلاً ودعة وعقلاً افتراء ثم افتراء على الله عز وجل فكأنه قيل: أيتمالكون التفوه بنسبة مثله عليه / الصلاة والسلام إلى الافتراء ثم إلى الافتراء على الله عز وجل الذي هو أعظم الفري وأفحشها ولا تحترق ألسنتهم. وفي ذلك أتم دلالة على بعده صلى الله عليه وسلم من الافتراء كيف وقد أردف بقوله تعالى: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} فإن هذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله عليه الصلاة والسلام وأنه في البعد مثل الشرك بالله سبحانه والدخول في جملة المختوم على قلوبهم فكأنه قيل: فإن يشأ الله سبحانه يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله تعالى إلا من كان في مثل حالهم وهو في معنى فإن يشأ يجعلك منهم لأنهم هم المفترون الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وما أحسن هذا التعريض بأنهم المفترون وأنهم في نفس هذه المقالة عن افترائهم مفترون، ونظير الآية فيما ذكر قول أمين نسب إلى الخيانة: لعل الله تعالى خذلني لعل الله تعالى أعمى قلبـي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم، فالكلام تعليل لإنكار قولهم، وأتى بإن مع أن عدم مشيئته تعالى مقطوع به قيل إرخاء للعنان، وقيل: إشعار بعظمته تعالى وأنه سبحانه غني عن العالمين، ثم ذيل بقوله تعالى: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ} تأكيداً للمفهوم من السابق من أنه ليس من الافتراء في شيء أي كيف يكون افتراء ومن عادته تعالى محو الباطل ومحقه وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه وما أتى به عليه الصلاة والسلام يزداد كل يوم قوة ودحواً فلو كان مفترياً كما يزعمون لكشف الله تعالى افتراءه ومحقه وقذف بالحق على باطله فدمغه. والفعل المضارع للاستمرار. والكلام ابتدائي فيمح مرفوع لا مجزوم بالعطف على {يَخْتِمْ }، وأسقطت الواو في الرسم في أغلب المصاحف تبعاً لإسقاطها في اللفظ لالتقاء الساكنين كما في {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : [العلق: 18] {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرّ} تفسير : [الإسراء: 11] وكان القياس إثباتها رسماً لكن رسم المصحف لا يلزم جريه على القياس. ويؤيد الاستئناف دون العطف على {يَخْتِمْ} إعادة الاسم الجليل ورفع {يُحِقَّ} وهذا ما ذكره جار الله في الجملتين وبيان ارتباطهما بما قبلهما، وقد دقق النظر في ذلك وأتى بما استحسنه النظار حتى قال العلامة الطيبـي: لو لم يكن في كتابه إلا هذا لكفاه مزية وفضلاً، وجوز هو أيضاً في قوله تعالى: {وَيَمْحُ} الخ أن يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر أي يمحو الله تعالى باطلهم وما بهتوك به ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مرد له، وحينئذٍ يكون اعتراضاً يؤكد ما سبق له الكلام من كونهم مبطلين في هذه النسبة إلى من هو أصدق الناس لهجة بأصدق حديث من أصدق متكلم. وقال في «إرشاد العقل السليم» في الجملة الأولى: ((إنها استشهاد على بطلان ما قالوه ببيان أنه عليه الصلاة والسلام لو افترى على الله تعالى كذباً لمنعه من ذلك قطعاً، وتحقيقه أن دعوى كون القرآن افتراء عليه تعالى قول منهم إنه سبحانه لا يشاء صدوره عن النبـي صلى الله عليه وسلم بل يشاء عدم صدوره عنه ومن ضرورياته منعه عنه قطعاً فكأنه قيل: لو كان افتراء عليه تعالى لشاء عدم صدوره عنك وإن يشأ ذلك يختم على قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنى من معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه وحيث لم يكن الأمر كذلك بل تواتر الوحي حيناً فحيناً تبين أنه من عند الله عز وجل))، وذكر في الجملة الثانية ما ذكره جار الله من الوجهين، ولا يخفى عليك ما يرد على كلامه من المنع مع أن فيه جعل مفعول المشيئة غير ما يدل عليه الجواب وهو ذلك المشار به إلى عدم الصدور، والمتبادر كون المفعول الختم على ما هو المعروف / في نظائر هذا التركيب أي فإن يشأ الله تعالى الختم على قلبك يختم، وإيهام كون القرآن ناشئاً منه صلى الله عليه وسلم لا منزلاً عليه عليه الصلاة والسلام. وقال السمرقندي: المعنى إن يشأ يختم على قلبك كما فعل بهم فهو تسلية له عليه الصلاة والسلام وتذكير لإحسانه إليه وإكرامه له صلى الله عليه وسلم ليشكر ربه سبحانه ويترحم على من ختم على قلبه فاستحق غضب ربه ولولا ذلك ما اجترأ على نسبته لما ذكر، فالتفريع بالنظر إلى المعنى المكنى عنه، وحاصله أنهم اجترؤا على هذا لأنهم مطبوعون على الضلال انتهى، وفيه شمة مما ذكره الزمخشري. وعن قتادة وجماعة {يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} ينسك القرآن، والمراد على ما قال ابن عطية الرد على مقالة الكفار وبيان بطلانها كأنه قيل: وكيف يصح أن تكون مفترياً وأنت من الله تعالى بمرأى ومسمع وهو سبحانه قادر ولو شاء لختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، وفيه أن اللفظ ضيق عن أداء هذا المعنى، وذكر القشيري أن المعنى فإن يشأ الله تعالى يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم ويعاجلهم بالعذاب. وعدل عن الغيبة إلى الخطاب ومن الجمع إلى الإفراد، وحاصله يختم على قلبك أيها القائل انه عليه الصلاة والسلام افترى على الله تعالى كذباً، وفيه من البعد ما فيه مع أن الكفار مختوم على قلوبهم. وقال مجاهد، ومقاتل: المعنى فإن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنك مفتر، ولا مانع عليه من عطف {يَمْحُ} على جواب الشرط بل هو الظاهر فيكون سقوط الواو للجازم، و {يُحِقَّ} حينئذٍ مستأنف أي وإن يشأ يمح باطلهم عاجلاً لكنه سبحانه لم يفعل لحكمة أو مطلقاً وقد فعل جل وعلا بالآخرة وأظهر دينه، وقيل: لا مانع من العطف على بعض الأقوال السابقة أيضاً أي إن يشأ يمح افتراءك لو افتريت وهو كما ترى، وكذا جوز كون الجملة حالية وإن أحوج ذلك إلى تقدير المبتدأ وفيه تكلف مستغنى عنه؛ وربما يقال: إن جملة {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ} من تتمة قولهم مفرعاً على {ٱفْتَرَىٰ} كأنه قيل: افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم على قلبه بسبب افترائه فلا يعقل شيئاً أو كأنه قيل: افتريت على الله فإن يشأ يختم على قلبك جزاء ذلك إلا أن نكتة اختيار الغيبة في إحدى الجملتين والخطاب في الأخرى غير ظاهرة، وكونها الإشارة إلى أن من افترى يحق أن يواجه بالجزاء ليس مما يهش له السامع فيما أرى، ولعل الأولى أن يكون {فَإِن يَشَإِ} الخ مفرعاً على كلامهم خارجاً مخرج التهكم بهم، ولا بأس حينئذٍ بعطف {يَمْحُ} على جواب الشرط ويراد بالباطل ما هو باطل بزعمهم كأنه قيل: أم يقولون افترى على الله فإذن إن يشأ الله يختم على قلبك ويمح ما يزعمون أنه باطل، وهذا كما تقول لمن أخبرك أن زيداً افترى عليك وأنت تعلم أنه لم يفتر وإنما أدى عنك ما أمرته به فإذن نؤدبه وننتقم منه ونمحو افتراءه تقصد بذلك التهكم بالقائل فتأمل، فهذه الآية كما قال الخفاجي من أصعب ما مر في كلامه تعالى العظيم وفقنا الله تعالى وإياكم لفهم معانيه والوقوف على سره وخافيه. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فيعلم سبحانه ما في صدرك وصدورهم فيجري جل وعلا الأمر على حسب ذلك.

ابن عاشور

تفسير : إضراب انتقالي عطفاً على قوله: { أية : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } تفسير : [الشورى: 21] وهو الكلام المضرَب عنه والمنتقل منه، والمراد الانتقال إلى توبيخ آخر، فالهمزة المقدرة بعد {أم} للاستفهام التوبيخي، فإنهم قالوا ذلك فاستحقوا التوبيخ عليه. والمعنى: أم قالوا افترى ويقولونه. وجيء بفعل {يقولون} بصيغة المضارع ليتوجه التوبيخ لاستمرارهم على هذا القول الشنيع مع ظهور دلائل بطلانه. فإذا كان قولهم هذا شنعاً من القول فاستمرارهم عليه أشنع. وفُرع على توبيخهم على ذلك قوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} وهو تفريع فيه خفاء ودقّة لأن المتبادر من التفريع أنّ ما بعد الفاء إبطال لما نسبوه إليه من الافتراء على الله وتوكيد للتوبيخ فكيف يستفاد هذا الإبطال من الشرط وجوابِه المفرعين على التوبيخ. وللمفسرين في بيان هذا التفريع وترتبه على ما قبله أفهام عديدة لا يخلو معظمها عن تكلف وضعف اقتناع. والوجه في بيانه: أن هذا الشرط وجوابَه المفرَّعين في ظاهر اللفظ على التوبيخ والإبطال هما دليل على المقصود بالتفريع المناسب لتوبيخهم وإبطاللِ قولهم، وتقديرُ المفرع هكذا: فكيف يَكون الافتراء منك على الله والله لا يُقِر أحداً أن يكذب عليه فلو شاء لختم على قلبك، أي سلبك العقل الذي يفكر في الكذب فتفحم عن الكلام فلا تستطيع أن تتقول عليه، أي وليس ثمة حائل يحول دون مشيئة الله ذلك لو افتريت عليه، فيكون الشرط كناية عن انتفاء الافتراء لأن الله لا يقرّ من يكذب عليه كلاماً، فحصل بهذا النظم إيجاز بديع، وتكون الآية قريباً من قوله تعالى: { أية : ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لَقَطَعْنَا منه الوتِين } تفسير : [الحاقة: 44 ـــ 46]. ولابن عطية كلمات قليلة يؤيد مغزاها هذا التقرير مستندة لقول قتادة محمولاً على ظاهر اللفظ من كون ما بعد الفاء هو المفرع، ويكون الكلام كناية عن الإعراض عن قولهم: {افترى على الله كذباً}، أي أن الله يخاطب رسوله بهذا تعريضاً بالمشركين. والمعنى: أن افتراءه على الله لا يهمكم حتى تناصبوا محمداً صلى الله عليه وسلم العداء، فالله أولى منكم بأن يغار على انتهاك حرمة رسالته وبأن يذب عن جلاله فلا تجعلوا هذه الدعوى همكم فإن الله لو شاء لختم على قلبك فسلبك القدرة على أن تنسب إليه كلاماً. وهذان الوجهان هما المناسبان لموقع الآية، ولفاء التفريع، ولما في الشرط من الاستقبال، ولوقوع فعل الشرط مضارعاً، فالوقف على قوله: {على قلبك} وهو انتهاء كلام. وجملة {ويمح الله الباطل} معطوفة على التفريع، وهي كلام مستأنف، مراد منه أن الله يمحو باطل المشركين وبهتانهم ويحقق ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. وعلى مراعاة هذا المعنى جرى جمع من أهل التفسير مثل الكسائي وابن الأنباري والزجاج والزمخشري ولم يجعلوا {ويمح} عطفاً على فعل الجزاء لأن المتبادر أن هذا وعد من الله بإظهار الإسلام، ووعيد المشركين بأن دينهم زائل. وهذا هو المتبادر من رفع {ويحقُّ} باتفاق القراء على رفعه، والمراد بالمحو على هذا: الإزالةُ. والمراد بالباطلِ: الباطل المعهود وهو دين الشرك. وبالحق: الحق المعهود، وهو الإسلام. أو يكون المعنى أن من شأن الله تعالى أن يزيل الباطل ويفضحه بإيجاد أسباب زواله وأن يوضح الحقّ بإيجاد أسباب ظهوره، حتى يكون ظهوره فاضحاً لبطلان الباطل فلو كان القرآن مفترى على الله لفضح الله بطلانه وأظهر الحق، فالمراد بالباطل: جنس الباطل، وبالحق جنس الحق، وتكون الجملة كالتذييل للتفريع. والمعنى الأول أنسب بالاستئناف، ولإفادته الوعيد بإزالة ما هم عليه ونصر المسلمين عليهم. وعلى كلا المعنيين فقوله: {ويمح الله الباطل} كلامٌ مستأنف ليس معطوفاً على جزاء الشرط إذ ليس المعنى على: إنْ يشأ الله يمحُ الباطل، بل هو تحقيق لمحوه للباطل كقوله تعالى: { أية : إن الباطل كان زهوقاً } تفسير : [الإسراء: 81]، كما دل عليه رفع {ويحقُّ الحق بكلماته}، ففعل {يمحُ} مرفوع وحقه ظهور الواو في آخره، ولكنها حذفت تخفيفاً في النطق، وتبع حذفَها في النطق حذفُها في الرسم اعتباراً بحال النطق كما حذف واو { أية : سندعُ الزبانية } تفسير : [العلق: 18] وواو { أية : ويدْع الإنسان بالشر دعاءه بالخير } تفسير : [الإسراء: 11]. وذكر في «الكشاف» أن الواو ثبتت في بعض المصاحف ولم يعيّنه ولا ذكره غيره فيما رأيت. وإظهار اسم الجلالة في قوله: {ويمح الله الباطل} دون أن يقول: ويمحُ الباطل، لتقوية تمكن المسند إليه من الذهن ولإظهار عناية الله بمحو الباطل. وإنما عُدل على الجملة الاسمية في صوغ {ويمح الله الباطل} فلم يقل: والله يمحو الباطل، لأنه أريد أن ما في إفادة المضارع من التجدد والتكرير إيماء إلى أن هذا شأن الله وعادته لا تتخلف ولم يقصد تحقيق ذلك وتثبيته لأن إفادة التكرير تقتضي ذلك بطريق الكناية فحصل الغرضان. والباء في {بكلماته} للسببية، والكلمات هي: كلمات القرآن والوحي كقوله { أية : يريدون أن يبدّلوا كلام الله } تفسير : [الفتح: 15]، أو المراد: كلمات التكوين المتعلقة بالإيجاد على وفق علمه كقوله: { أية : لا مبدل لكلماته } تفسير : [الكهف: 27]. وإنما جاء هذا الرد عليهم بأسلوب الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أقوى في الاعتناء بتلقينه جواب تكذيبهم لأن المقام مقام تفظيع لبهتانهم، وهذا وجه التخالف بين أسلوب هذه الآية وأسلوب قوله تعالى: { أية : قل لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم ولا أدْرَاكُم به } تفسير : [يونس: 16] لأن ذلك لم يكن مسوقاً لإبطال كلام صدر منهم. وجملة {إنه عليم بذات الصدور} تعليل لمجموع جملتي {فإن يشإ الله} إلى قوله: {بكلماته}، أي لأنه لا يخفى عليه افتراء مُفترٍ ولا صدقُ محقَ. و(ذات الصدور): النوايا والمقاصد التي يضمرها الناس في عقولهم. والصدور: العقول، أطلق عليها الصدور على الاستعمال العربي، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إنه عليم بذات الصدور } تفسير : في سورة الأنفال (43).

د. أسعد حومد

تفسير : {يَشَإِ} {ٱلْبَاطِلَ} {بِكَلِمَاتِهِ} (24) - أَيَقُولُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ إِنَّ مُحَمَّداً افْتَرَى القُرْآنَ وَنَسَبَهُ إِلَى رَبِّهِ كَذِباً، وَقَالَ إِنَّ اللهَ أَوْحَاهُ إِلَيهِ، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُوحِ إِلَيهِ شَيئاً؟ وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ مَرْدُودٌ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَدَعَ أَحَداً يَدَّعِي أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيهِ وَهُوَ لَمْ يُوحِ إِلَيْهِ شَيئاً، وَاللهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْتِمَ عَلَى قَلْبِهِ فَلاَ يَنْطِق بِقُرْآنٍ كَهَذَا، وَأَنْ يَكْشِفَ البَاطِلَ الذِي جَاءَ بِهِ وَيَمْحُوَهُ، وَأَنْ يُظهِرَ الحَقَّ مِنْ وَرَائِهِ وَيُثْبِتَهُ، وَمَا كَانَ لِيَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَدُورُ فِي خَلَدِ مُحَمَّدٍ لأَِنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ. خَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ - طَبَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَهُ. يُحِقُّ الحَقَّ - يُثَبِّتُهُ. كَلِمَاتُ اللهِ - حُجَجُهُ وَآيَاتُهُ.

الثعلبي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ} يعني كفّار مكّة. {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}. قال مجاهد: يعني يربط عليه بالصبر حتّى لا يشق عليك أذاهم، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك للقرآن، فأخبرهم إنّهُ لو افترى على الله لفعل به ما أخبرهم في الآية. ثمّ ابتدأ، فقال عزّ من قائل: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير. مجازه: الله يمحو الباطل. فحذفت منه الواو في المصحف، وهو في وضع رفع كما حذفت من قوله: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الإسراء: 11] {أية : سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ}تفسير : [العلق: 18] على اللفظ. {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}. [.......]. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} قال ابن عباس: لما نزلت {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً...} وقع في قلوب قوم منها شيء، وقالوا: ما يريد إلاّ أن يحثنا على أقاربه من بعده. ثمّ خرجوا، فنزل جبريل (عليه السلام) فأخبره إنّهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنّا نشهد إنّك صادق، فنزل {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} وأختلفت عبارات العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها. أخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمّد بن حبيب بقراءته عليّ. في شهور سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، حدثنا محمّد بن سليمان بن منصور، حدثنا محمّد مسكان بن جبلة بسّاوة. أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود عن إبراهيم بن طهمّان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: دخل إعرابي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللَّهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك، سريعاً وكبّر، فلما فرغ من صلاته قال له علي: يا هذا إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، قال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معاني: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كُلّ ضحك ضحكته. وسمعت الحسن بن محمّد بن الحسن، يقول: سمعت إبراهيم بن يزيد، يقول: سمعت حسن بن محمّد الترمذي يقول: قيل لأبي بكر محمّد بن مر الوراق: متى يكون الرجل تائباً؟ فقال: إذا رجع إلى الله فراقبه واستحياهُ وخاف نقمته فيما عصاه، وألتجاء إلى رحمته فرجاه، وذكر حلمه في ستره فأبكاه، وندم على مكروه أتاه، وشكر ربّه على ما أتاه، وفهم عن الله وعظه فوعاه، وحفظ عهده فيما أوصاه. وسمعت الحسن بن محمّد بن حبيب، يقول: سمعت أبا منصور محمّد بن محمّد بن سمعان المذكر، يقول: سمعت أبا بكر بن الشاه الصوفي الفارسي، يقول: سئل الحرب بن أسد المحاسبي: من التائب؟ فقال: من رأى نفسه من الذنوب معصوماً، وللخيرات موفقاً، ورأى الفرح من قلبه غائباً والحزن فيه باقياً، وأحبّه أهل الخير، وهابه أهل الشّر، ورأى القليل من الدّنيا كثيراً، ورأى الكثير من عمل الآخرة قليلاً، ورأى قلبه فارغاً من كلّ ما ضمن له، مشتغلاً بكلّ ما أمر به. وقال السري بن المغلس السقطي: التوبة صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب، والندامة على ما فرط من العيوب، والاستقصاء في المحاسبة مع النفس بالاستكانة والخضوع. وقال عمرو بن عثمان: ملاك التوبة إصلاح القوت. وسمعت أبا القاسم بن أبي بكر بن عبد الله البابي، يقول: سمعت أبا يعلي حمزة بن وهب الطبري، يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني، يقول: سمعت يحيى بن معاذ، وسئل: من التائب؟ فقال: من كسر شبابه على رأسه وكسر الدّنيا على رأس الشيطان، ولزم الفطام حتّى أتاه الحمام. وقال سهل بن عبد الله: التوبة، الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة، وسئل ابن الحسن البوشيخي: عن التوبة؟ فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد حلاوته في قلبك. وقال الراعي: التوبة ترك المعاصي نيةً وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيةً وفعلاً، وسمعت أبا القاسم الحبيبي، يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عماد البغدادي، يقول: سئل جنيد: من التائب؟ فقال: من تاب ما دون الله. وقال شاه الكرماني: إترك الدّنيا وقد تبت وخالف هواك وقد وصلت، ويعفو عن السيئات إذا تابوا فيمحوها. أخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسن بن جعفر، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن سواد، حدثنا عطيه بن لفته، حدثنا أبي، حدثنا الزبيري، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنّ الله تعالى أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد. فمن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه "تفسير : . أو قال: "ذنوبه وخطاياه". {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف بالتاء، وهي قراءة عبد الله وأصحابه، ورواية حفص عن عاصم غيرهم بالياء، وهي اختيار أبي عبيد، قال: لأنّه لمن خبرني عن قوم. قال قبله: عن عباده، وقال بعده: ويزيدهم من فضله. {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي يطيع الّذين آمنوا ربّهم في قول بعضهم. جعل الفعل للّذين آمنوا، وقال الآخرون: (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ) جعلوا الإجابة فعل الله تعالى، وهو الأصوب والأعجب إليَّ لأنّه وقع بين فعلين لله تعالى: الأول قوله: {يَقْبَلُ} والثاني {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}، ومعنى الآية: ويجيب الله المؤمنين إذا دعوه، وقيل: معناه نجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا أبو معاوية بن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبره، قال: خطبنا معاذ بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنّة والله إنّي لأرجو أن يدخل الجنّة من تسبون من فارس والرّوم وذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل، قال: أحسنت يرحمك الله أحسنت بارك الله فيك ويقول الله سبحانه وتعالى: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. أخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثني أبو أحمد عبد الله بن أحمد الزعفراني الهمذاني، حدثنا محمد بن الحسين بن قتيبة بعسقلان، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن أبي صالح عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، قال: تشفّعهم في إخوانهم. {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}. قال: في إخوان إخوانهم. {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ}. الآية نزلت في قوم من أهل الصفّة تمنوا سعة الدّنيا والغنى. قال خباب بن لادن: فينا نزلت هذه الآية وذلك إنّا نظرنا إلى بني قريظة والنضير وبني القينقاع، فتمنيناها فأنزل الله تعالى {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ} أي وسع الرزق لعباده. {لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} أي لطغوا وعصوا. قال ابن عباس: بغيهم ظلماً، منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس. أخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم التبستاني الإصبهاني، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن العباس العصمي الهروي، أخبرني محمد بن علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح الكرابيسي، يقول: سمعت قصير بن يحيى يقول: قال: شقيق بن إبراهيم في قول الله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ}، قال: لو رزق الله العباد من غير كسب وتفرغوا عن المعاش والكسب لطغوا في الأرض وبغوا وسعوا في الأرض فساداً، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش رحمة منه وامتناناً. {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} أرزاقهم {بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} لكفايتهم. قال مقاتل: {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} فجعل واحداً فقيراً وآخراً غنياً. {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}. قال قتادة: في هذه الآية كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك، وذكر لنا إنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أخوف ما أخاف على أمتي، زهرة الدّنيا وكثرتها ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا أبو جعفر محمد بن الغفار الزرقاني، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة بن عبد الله، حدثنا عبد الكريم الجزري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل (عليه السلام)، عن ربّه عزّ وجلّ قال: "حديث : من أهان لي وليّاً، فقد بارزني بالمحاربة، وإنّي لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإنّي لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره إساءته، ولا بد له منه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولسانا ويداً ومؤيداً، إن سألني أعطيته وإن دعاني استجبت له وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة، ولو أعطيته إياه دخله العجب فأفسده، وإنّ من عبادي المؤمنين، لمن لا يصلحه إلاّ السقم ولو صححته لأفسدهُ ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الصحّة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك. إنّي أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم إنّي عليمٌ خبيرٌ ". تفسير : قال صدقة: وسمعت أبان بن أبي عياش يحدث بهذا الحديث، عن أنس بن مالك ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي من عبادك المؤمنين الّذين لا يصلحهم إلاّ الغنى فلا تفقرني. {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} يعني المطر، سمي بذلك لأنّه يغيث النّاس أي يجيرهم ويصلح حالهم. قال الأصمعي: مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا، فسألت عجوز منهم، كم أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا. {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} ويبسط مطره نظيره قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الأعراف: 57]. أخبرنا شعيب بن محمد، أخبرنا أبو الأزهر، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أنّ رجلاً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ياأمير المؤمنين قحط المطر وقنط النّاس. قال: مطرتم، ثمّ قال: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}. {وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام هنا عن كفار مكة الذين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كذب القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله {أَمْ يَقُولُونَ ..} [الشورى: 24] أي الكفار {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ..} [الشورى: 24] يعني: جاء بالقرآن من عنده. والافتراء منهم هم، فهم أهل الكلام وأصحاب القصائد والخطب، وما عرفوا عن محمد - وقد عاش بينهم - أنَّ له ريادة في هذا المجال. إذن: أنتم أصحاب هذا الفن ولسانكم طويل، فلماذا لم تأتوا بمثل ما جاء به؟ ولو حتى بسورة واحدة؟ فلو أن الافتراء وارد في حق محمد فأنتم أوْلَى، فلماذا تحداكم القرآن ولم تأتوا بشيء؟ لا بعشر سور ولا بسورة واحدة. وفي موضع آخر يرد القرآن عليهم بالمنطق وبالحسنى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} تفسير : [هود: 35]. لذلك ينتقل سياق الآية من الحديث عن الكافرين وافترائهم على رسول الله إلى مخاطبة الرسول {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} [الشورى: 24] يعني: إنْ حدث منك أن افتريت القرآن وجئتَ به من عند نفسك، فالله قادر أنْ يختم على قلبك يا محمد فتنسى الذي تحفظه، وهل حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بل ظل القرآنُ في صدره يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ويُعلِّمه للناس. إذن: محمد لم يكذب القرآن، ولم يفتر على الله بل أنتم المفترون. والقرآن في مواضع كثيرة يكشف افتراءهم ويردُّ عليهم بالعقل وبالمنطق وبالتي هي أحسن، فيحكى كيف يتمحكون في هذه المسألة: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103] فقد اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يُعلِّمه القرآن، فيرد عليهم الحق سبحانه {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. فالرجل الذي تقولون إن محمداً يتردد عليه ليُعلمه القرآن رجل أعجمي والقرآن بلسان عربي واضح، فأين عقولكم، وإنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً حتى لا ينكشفَ زيفُك وباطلك. ويحكي القرآن عنهم لوناً آخر من التعنت والعناد: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 15-16]. نعم جاء محمد بالقرآن بعد الأربعين، وهو بين أظهرهم، وما رأوه خطيباً ولا شاعراً، ولم يُعرف عنه شيء من ذلك. فلما يئسوا قالوا: القرآن لا بأس به، لكن يعيبه أنه نزل على محمد بالذات: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. ثم يفضح الحق سبحانه موقفهم ويُبيِّن غباءهم ولَدَدهم في الباطل، وأن هذه الخصومة ما هي إلا عناد وتكبُّر عن قبول الحق، فيقول: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]، فهل هذا كلام عقلاء، أم هو الحقد على محمد بذاته؟ ثم يقول سبحانه: {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الشورى: 24] الفعل يمحو وحُذِفت الواو تخفيفاً، والذي يُمحَى هو الباطل الذي قالوه، والافتراء الذي كذبوه على رسول الله، هذا يمحوه الله وفي المقابل {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ ..} [الشورى: 24] يثبته ويُقويه {بِكَلِمَاتِهِ ..} [الشورى: 24] أي المنزلة على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم. أو يُراد بالكلمات كلمة كُنْ فيكون {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الشورى: 24] يعني: عليم بخفايا والذي لا يستطيع الإنسان التعبير عنه باللسان فيكتمه في نيته وفي نفسه، كما قال سبحانه {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} تفسير : [غافر: 19]. إذن: ظلَّ هؤلاء القوم يعاندون رسول الله ويحقدون عليه ويصادمون دعوته ويتهمونه، إلى أن كشف الله باطلهم وأزهقه، وانتهى أمرهم إما بالإسلام أو الهزيمة أو شملهم عفو رسول الله يوم فتح مكة يوم أنْ قال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم" قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". إذن:جاء نصر الله والفتح، وزهق الباطل، وثبت الحق، وعلا وانتصر، وهل يُعقل أنْ يرسل الله رسولاً لهداية الخلق، ثم يُسلمه لأعدائه أو يخذله في مواجهته للباطل؟ قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وأخيراً نلحظ على هذه الآية أن البعض ظنَّ أن الفعل يمحو معطوف على (يشأ) وأنه مجزوم مثله بعد إنْ الشرطية وهذا غير صحيح، لأن (الفعل يمحو) جاء كلاماً جديداً مستقلاً بدليل تكرار لفظ الجلالة ورفع (ويحقُّ)، فهو فعل مرفوع وحُذِف الواو تخفيفاً أو لالتقاء ساكنين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعني أم يقول المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبا: { افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرأون على هذا الكذب الصراح؟ بل تجرأوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعي شيئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر كله وانقطع. فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال. { وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } الكونية، التي لا تغير ولا تبدل، ووعده الصادق، وكلماته الدينية التي تحقق ما شرعه من الحق، وتثبته في القلوب، وتبصر أولي الألباب، حتى إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد. { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها، وما اتصفت به من خير وشر، وما أكنته ولم تبده.

همام الصنعاني

تفسير : 2737- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}: [الآية: 24]، قال: إن يشأْ أَنْساك ما قدر أتاك.